← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10046–10085 · переход к 10051.

стр. 10046

فَإِذَا مَلَكَ الزَّادَ وَالْحَمُولَةَ زَائِدًا عَمَّا تَقَدَّمَ - عَلَى التَّفْصِيل الْمَذْكُورِ - فَقَدْ تَحَقَّقَ فِيهِ الشَّرْطُ، وَإِلاَّ بِأَنِ اخْتَل شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ (١) . ١٨ - وَيَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فُرُوعٌ نَذْكُرُ مِنْهَا: أ - مَنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ وَاسِعٌ يَفْضُل عَنْ حَاجَتِهِ، بِحَيْثُ لَوْ بَاعَ الْجُزْءَ الْفَاضِل عَنْ حَاجَتِهِ مِنَ الدَّارِ الْوَاسِعَةِ لَوَفَّى ثَمَنُهُ لِلْحَجِّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ بَيْعُ الْجُزْءِ الْفَاضِل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) . ب - كَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَسْكَنُهُ نَفِيسًا يَفُوقُ عَلَى مِثْلِهِ لَوْ أَبْدَل دَارًا أَدْنَى لَوَفَّى تَكَالِيفَ الْحَجِّ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ الثَّلاَثَةِ، وَلاَ يَجِبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) . ج - مَنْ مَلَكَ بِضَاعَةً لِتِجَارَتِهِ هَل يَلْزَمُهُ صَرْفُ مَال تِجَارَتِهِ لِلْحَجِّ؟ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ بَقَاءُ رَأْسِ مَالٍ لِحِرْفَتِهِ زَائِدًا عَلَى نَفَقَةِ الْحَجِّ، وَرَأْسُ الْمَال يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ

стр. 10047

النَّاسِ، وَالْمُرَادُ مَا يُمْكِنُهُ الاِكْتِسَابُ بِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ لاَ أَكْثَرُ، لأَِنَّهُ لاَ نِهَايَةَ لَهُ (١) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ: الأَْصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ صَرْفُ مَال تِجَارَتِهِ لِنَفَقَةِ الْحَجِّ وَلَوْ لَمْ يَبْقَ لَهُ رَأْسُ مَالٍ لِتِجَارَتِهِ (٢) . وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا سَبَقَ نَقْل كَلاَمِهِمْ. د - إِذَا مَلَكَ نُقُودًا لِشِرَاءِ دَارٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ إِنْ حَصَلَتْ لَهُ النُّقُودُ وَقْتَ خُرُوجِ النَّاسِ لِلْحَجِّ، وَإِنْ جَعَلَهَا فِي غَيْرِهِ أَثِمَ. أَمَّا قَبْل خُرُوجِ النَّاسِ لِلْحَجِّ فَيَشْتَرِي بِالْمَال مَا شَاءَ، لأَِنَّهُ مَلَكَهُ قَبْل الْوُجُوبِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَابِدِينَ (٣) . هـ - مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الْمَال إِلاَّ مَا يَكْفِي لأَِحَدِهِمَا، فَفِيهَا التَّفْصِيل الآْتِي: ١ - أَنْ يَكُونَ فِي حَالَةِ اعْتِدَال الشَّهْوَةِ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْحَجِّ عَلَى الزَّوَاجِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، إِذَا مَلَكَ النَّفَقَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَمَّا إِنْ مَلَكَهَا فِي غَيْرِهَا فَلَهُ صَرْفُهَا حَيْثُ شَاءَ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ

стр. 10048

الْحَجُّ وَيَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَهُ صَرْفُ الْمَال إِلَى النِّكَاحِ وَهُوَ أَفْضَل. ٢ - أَنْ يَكُونَ فِي حَالَةِ تَوَقَانِ نَفْسِهِ وَالْخَوْفِ مِنَ الزِّنَى، فَهَذَا يَكُونُ الزَّوَاجُ فِي حَقِّهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْحَجِّ اتِّفَاقًا (١) . وَ - قَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي حَاشِيَتِهِ: تَنْبِيهٌ: لَيْسَ مِنَ الْحَوَائِجِ الأَْصْلِيَّةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْمُحْدَثَةُ لِرَسْمِ الْهَدِيَّةِ لِلأَْقَارِبِ وَالأَْصْحَابِ، فَلاَ يُعْذَرُ بِتَرْكِ الْحَجِّ لِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ. . . " (٢) . وَهَذَا لاَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ خِلاَفٌ بَعْدَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ يَدُل عَلَى إِثْمِ مَنْ أَخَّرَ الْحَجَّ بِسَبَبِ هَذِهِ التَّقَالِيدِ الْفَاسِدَةِ. الْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ لِلاِسْتِطَاعَةِ: صِحَّةُ الْبَدَنِ: ١٩ - إِنَّ سَلاَمَةَ الْبَدَنِ مِنَ الأَْمْرَاضِ وَالْعَاهَاتِ الَّتِي تَعُوقُ عَنْ الْحَجِّ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَجِّ. فَلَوْ وُجِدَتْ سَائِرُ شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَجِّ فِي شَخْصٍ وَهُوَ مَرِيضٌ زَمِنٌ أَوْ مُصَابٌ بِعَاهَةٍ دَائِمَةٍ، أَوْ مُقْعَدٌ أَوْ شَيْخٌ كَبِيرٌ لاَ يَثْبُتُ عَلَى آلَةِ

стр. 10049

الرُّكُوبِ بِنَفْسِهِ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ بِنَفْسِهِ فَرِيضَةً اتِّفَاقًا. لَكِنِ اخْتَلَفُوا هَل صِحَّةُ الْبَدَنِ شَرْطٌ لأَِصْل الْوُجُوبِ، أَوْ هِيَ شَرْطٌ لِلأَْدَاءِ بِالنَّفْسِ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ صِحَّةَ الْبَدَنِ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ، بَل هِيَ شَرْطٌ لِلِزُومِ الأَْدَاءِ بِالنَّفْسِ، فَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ، بِإِرْسَال مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ (١) . وَقَال الإِْمَامَانِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: إِنَّهَا شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ لاَ يَجِبُ عَلَى فَاقِدِ صِحَّةِ الْبَدَنِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ وَلاَ بِإِنَابَةِ غَيْرِهِ، وَلاَ الإِْيصَاءُ بِالْحَجِّ عَنْهُ فِي الْمَرَضِ (٢) . اسْتَدَل الأَْوَّلُونَ: بِأَنَّهُ ﷺ فَسَّرَ الاِسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَهَذَا لَهُ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ. وَاسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ بِنَفْسِهِ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ. ٢٠ - وَتَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِل، نَذْكُرُ مِنْهَا: أ - مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْحَجِّ بِمُسَاعَدَةِ غَيْرِهِ كَالأَْعْمَى، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ إِذَا تَيَسَّرَ لَهُ مَنْ يُعِينُهُ، تَبَرُّعًا أَوْ بِأُجْرَةٍ، إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى

стр. 10050

أُجْرَتِهِ، إِذَا كَانَتْ أُجْرَةُ الْمِثْل، وَلاَ يَكْفِيهِ حَجُّ الْغَيْرِ عَنْهُ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَمُوتَ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْحَجَّ بِنَفْسِهِ بِمُسَاعَدَةِ غَيْرِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِل غَيْرَهُ، لِيَحُجَّ عَنْهُ. وَيَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ أَنْ يُوصِيَ بِالْحَجِّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الصَّاحِبَيْنِ وَالْجُمْهُورِ. أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، لأَِنَّ الْحَجَّ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ وَافَقُوا الْجُمْهُورَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لَكِنْ عَلَى أَسَاسِ مَذْهَبِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الرُّكُوبِ السَّابِقَةِ (فِقْرَةُ ١٥) وَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْمَشْيَ إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ. ب - إِذَا وُجِدَتْ شُرُوطُ الْحَجِّ مَعَ صِحَّةِ الْبَدَنِ فَتَأَخَّرَ حَتَّى أُصِيبَ بِعَاهَةٍ تَمْنَعُهُ مِنَ الْحَجِّ وَلاَ يُرْجَى زَوَالُهَا فَالْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِل شَخْصًا يَحُجُّ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. أَمَّا إِذَا أُصِيبَ بِعَاهَةٍ يُرْجَى زَوَالُهَا فَلاَ تَجُوزُ الإِْنَابَةُ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ عِنْدَ زَوَالِهَا عَنْهُ (١) . الْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ: أَمْنُ الطَّرِيقِ: ٢١ - أَمْنُ الطَّرِيقِ يَشْمَل الأَْمْنَ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَال، وَذَلِكَ وَقْتَ خُرُوجِ النَّاسِ لِلْحَجِّ، لأَِنَّ الاِسْتِطَاعَةَ لاَ تَثْبُتُ دُونَهُ.

стр. 10051

وَوَقَعَ الْخِلاَفُ فِي أَمْنِ الطَّرِيقِ كَمَا فِي صِحَّةِ الْبَدَنِ: فَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةُ أَبِي شُجَاعٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ شَرْطُ الْوُجُوبِ. لأَِنَّ الاِسْتِطَاعَةَ لاَ تَتَحَقَّقُ بِدُونِ أَمْنِ الطَّرِيقِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَرَجَّحَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ أَمْنَ الطَّرِيقِ شَرْطٌ لِلأَْدَاءِ بِالنَّفْسِ لاَ لأَِصْل الْوُجُوبِ. وَاسْتَدَلُّوا بِنَحْوِ أَدِلَّتِهِمْ فِي إِيجَابِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ فَقَدَ شَرْطَ صِحَّةِ الْبَدَنِ (١) . وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الأَْخِيرِ مَنْ اسْتَوْفَى شُرُوطَ الْحَجِّ عِنْدَ خَوْفِ الطَّرِيقِ فَمَاتَ قَبْل أَمْنِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ بِالْحَجِّ. أَمَّا إِذَا مَاتَ بَعْدَ أَمْنِ الطَّرِيقِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ بِالْحَجِّ عَنْهُ اتِّفَاقًا (٢) . الْخَصْلَةُ الرَّابِعَةُ: إِمْكَانُ السَّيْرِ: ٢٢ - إِمْكَانُ السَّيْرِ أَنْ تَكْمُل شَرَائِطُ الْحَجِّ فِي

стр. 10052

الْمُكَلَّفِ وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ يُمْكِنُهُ الذَّهَابُ لِلْحَجِّ. وَهَذَا شَرْطٌ لأَِصْل الْوُجُوبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَشَرْطٌ لِلأَْدَاءِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) . وَعَبَّرَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ بِالْوَقْتِ. وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ شَرْطًا مُفْرَدًا مِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْحَجِّ. وَفَسَّرُوا هَذَا الشَّرْطَ بِأَنَّهُ أَشْهُرُ الْحَجِّ، أَوْ وَقْتُ خُرُوجِ أَهْل بَلَدِهِ إِنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ قَبْلَهَا، فَلاَ يَجِبُ الْحَجُّ إِلاَّ عَلَى الْقَادِرِ فِيهَا، أَوْ فِي وَقْتِ خُرُوجِهِمْ. وَفَسَّرَ غَيْرُهُمْ إِمْكَانَ السَّيْرِ بِوَقْتِ الْخُرُوجِ لِلْحَجِّ (٢) . ٢٣ - وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ إِمْكَانَ السَّيْرِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَجِّ بِالآْتِي: أ - أَنَّ إِمْكَانَ السَّيْرِ مِنْ لَوَاحِقِ الاِسْتِطَاعَةِ وَهِيَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَجِّ (٣) . ب - أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ دُخُول وَقْتِ الْوُجُوبِ، كَدُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ، فَإِنَّهَا لاَ تَجِبُ قَبْل وَقْتِهَا، إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْبُلْدَانِ، فَيُعْتَبَرُ وَقْتُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّ كُل شَخْصٍ عِنْدَ خُرُوجِ

стр. 10053

أَهْل بَلَدِهِ، فَالتَّقْيِيدُ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ فِي الآْيَةِ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِِلَى أَهْل أُمِّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا، وَلِلإِْشْعَارِ بِأَنَّ الأَْفْضَل أَنْ لاَ يَقَعَ الإِْحْرَامُ فِيمَا قَبْلَهَا عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَنَّ الإِْحْرَامَ شَرْطٌ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الإِْحْرَامُ قَبْل الأَْشْهُرِ لِكَوْنِهِ رُكْنًا (١) ". وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ إِمْكَانَ السَّيْرِ شَرْطٌ لِلُزُومِ أَدَاءِ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الأَْدَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ، كَالْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ بُرْؤُهُ، وَعَدَمُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْجَمِيعُ (٢) . الْقِسْمُ الثَّانِي: الشُّرُوطُ الْخَاصَّةُ بِالنِّسَاءِ: ٢٤ - مَا يَخُصُّ النِّسَاءَ مِنْ شُرُوطِ الاِسْتِطَاعَةِ شَرْطَانِ لاَ بُدَّ مِنْهُمَا لِكَيْ يَجِبَ الْحَجُّ عَلَى الْمَرْأَةِ يُضَافَانِ إِلَى خِصَال شَرْطِ الاِسْتِطَاعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. هَذَانِ الشَّرْطَانِ هُمَا: الزَّوْجُ أَوِ الْمَحْرَمُ، وَعَدَمُ الْعِدَّةِ. أَوَّلاً - الزَّوْجُ أَوِ الْمَحْرَمُ الأَْمِينُ: ٢٥ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَصْحَبَ الْمَرْأَةَ فِي سَفَرِ الْحَجِّ زَوْجُهَا أَوْ مَحْرَمٌ مِنْهَا، إِذَا كَانَتِ الْمَسَافَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَهِيَ مَسِيرَةُ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٣) .

стр. 10054

وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ ثَلاَثًا إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ (١) . وَتَوَسَّعَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فَسَوَّغُوا الاِسْتِبْدَال بِالْمَحْرَمِ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا إِنْ وَجَدَتْ نِسْوَةً ثِقَاتٍ: اثْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ تَأْمَنُ مَعَهُنَّ عَلَى نَفْسِهَا كَفَى ذَلِكَ بَدَلاً عَنِ الْمَحْرَمِ أَوِ الزَّوْجِ بِالنِّسْبَةِ لِوُجُوبِ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ عَلَى الْمَرْأَةِ. وَعِنْدَهُمُ " الأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَحْرَمٍ لإِِحْدَاهُنَّ، لأَِنَّ الأَْطْمَاعَ تَنْقَطِعُ بِجَمَاعَتِهِنَّ. فَإِنْ وَجَدَتِ امْرَأَةً وَاحِدَةً ثِقَةً فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ، لَكِنْ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَحُجَّ مَعَهَا حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ أَوِ النَّذْرِ، بَل يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ وَحْدَهَا لأَِدَاءِ الْفَرْضِ أَوِ النَّذْرِ إِذَا أَمِنَتْ. وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ تَوَسُّعًا فَقَالُوا: الْمَرْأَةُ إِذَا لَمْ تَجِدِ الْمَحْرَمَ أَوِ الزَّوْجَ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ تُسَافِرُ لِحَجِّ الْفَرْضِ أَوِ النَّذْرِ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ بِنَفْسِهَا هِيَ مَأْمُونَةً أَيْضًا. وَالرُّفْقَةُ الْمَأْمُونَةُ جَمَاعَةٌ مَأْمُونَةٌ مِنَ النِّسَاءِ، أَوِ الرِّجَال الصَّالِحِينَ. قَال الدُّسُوقِيُّ: وَأَكْثَرُ مَا نَقَلَهُ أَصْحَابُنَا اشْتِرَاطُ النِّسَاءِ ". أَمَّا حَجُّ النَّفْل فَلاَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ السَّفَرُ لَهُ إِلاَّ

стр. 10055

مَعَ الزَّوْجِ أَوِ الْمَحْرَمِ فَقَطِ اتِّفَاقًا، وَلاَ يَجُوزُ لَهَا السَّفَرُ بِغَيْرِهِمَا، بَل تَأْثَمُ بِهِ (١) . نَوْعُ الاِشْتِرَاطِ لِلْمَحْرَمِ: ٢٦ - اخْتَلَفُوا فِي الزَّوْجِ أَوِ الْمَحْرَمِ هَل هُوَ شَرْطُ وُجُوبٍ أَوْ شَرْطٌ لِلُزُومِ الأَْدَاءِ بِالنَّفْسِ: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْمَحْرَمَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَجِّ، وَيَحُل مَحَلَّهُ عِنْدَ فَقْدِهِ الرُّفْقَةُ الْمَأْمُونَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الزَّوْجَ أَوِ الْمَحْرَمَ شَرْطٌ لِلُزُومِ الأَْدَاءِ بِالنَّفْسِ (٢) . وَأَدِلَّةُ الْفَرِيقَيْنِ هِيَ مَا سَبَقَ الاِسْتِدْلاَل بِهِ فِي صِحَّةِ الْبَدَنِ وَأَمْنِ الطَّرِيقِ (ف ١٩ وَ ٢١) . الْمَحْرَمُ الْمَشْرُوطُ لِلسَّفَرِ ٢٧ - الْمَحْرَمُ الأَْمِينُ الْمَشْرُوطُ فِي اسْتِطَاعَةِ الْمَرْأَةِ لِلْحَجِّ هُوَ كُل رَجُلٍ مَأْمُونٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالتَّأْبِيدِ التَّزَوُّجُ مِنْهَا سَوَاءٌ كَانَ التَّحْرِيمُ بِالْقَرَابَةِ

стр. 10056

أَوِ الرَّضَاعَةِ أَوِ الصِّهْرِيَّةِ. . . وَنَحْوِ ذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِي الزَّوْجِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِزِيَادَةِ شَرْطِ الإِْسْلاَمِ فِي الْمَحْرَمِ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِذَلِكَ فِي حَقِيقَةِ الْمَحْرَمِ لَكِنْ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْمَحْرَمِ الْبُلُوغُ بَل التَّمْيِيزُ وَالْكِفَايَةُ (٢) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَكْفِي الْمَحْرَمُ الذَّكَرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثِقَةً فِيمَا يَظْهَرُ، لأَِنَّ الْوَازِعَ الطَّبِيعِيَّ أَقْوَى مِنَ الشَّرْعِيِّ، إِذَا كَانَ لَهُ غَيْرَةٌ تَمْنَعُهُ أَنْ يَرْضَى بِالزِّنَى (٣) ". فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ: ٢٨ - أ - يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَكُونَ قَادِرَةً عَلَى نَفَقَةِ نَفْسِهَا وَنَفَقَةِ الْمَحْرَمِ إِنْ طَلَبَ مِنْهَا النَّفَقَةَ، لأَِنَّهُ يَسْتَحِقُّهَا عَلَيْهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَكَذَلِكَ عَبَّرَ بِالنَّفَقَةِ ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ. وَعَبَّرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَابْنُ مُفْلِحٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِالأُْجْرَةِ. وَالْمُرَادُ أُجْرَةُ الْمِثْل (٤) .

стр. 10057

وَلَوْ امْتَنَعَ الْمَحْرَمُ عَنِ الْخُرُوجِ إِلاَّ بِأُجْرَةٍ لَزِمَتْهَا إِنْ قَدَرَتْ عَلَيْهَا، وَحَرُمَ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَهِيَ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ فِي صُحْبَةِ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ أَوْ رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ (١) . ب - الزَّوْجُ إِذَا حَجَّ مَعَ امْرَأَتِهِ فَلَهَا عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، نَفَقَةُ الْحَضَرِ لاَ السَّفَرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَجْرًا مُقَابِل الْخُرُوجِ مَعَهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُمْ خَصُّوا الْمَحْرَمَ بِأَخْذِ الأُْجْرَةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لَهُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ إِذَا كَانَتْ أُجْرَةَ الْمِثْل (٢) . ج - إِذَا وَجَدَتْ مَحْرَمًا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنَ الذَّهَابِ مَعَهُ لِحَجِّ الْفَرْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ النَّفْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٣) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ الْحَجُّ إِلاَّ بِإِذْنِ الزَّوْجِ فَرْضًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ " لأَِنَّ فِي ذَهَابِهَا تَفْوِيتَ حَقِّ الزَّوْجِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ، لأَِنَّهُ فَرْضٌ بِغَيْرِ وَقْتٍ إِلاَّ فِي الْعُمُرِ كُلِّهِ، " فَإِنْ خَافَتِ الْعَجْزَ

стр. 10058

الْبَدَنِيَّ بِقَوْل طَبِيبَيْنِ عَدْلَيْنِ لَمْ يُشْتَرَطْ إِذْنُ الزَّوْجِ (١) ". وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ لاَ يُقَدَّمُ عَلَى فَرَائِضِ الْعَيْنِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ، فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْهُ، لأَِنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْهَا. ثَانِيًا - عَدَمُ الْعِدَّةِ: ٢٩ - يُشْتَرَطُ أَلاَ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُعْتَدَّةً عَنْ طَلاَقٍ أَوْ وَفَاةٍ مُدَّةَ إِمْكَانِ السَّيْرِ لِلْحَجِّ، وَهُوَ شَرْطٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَفَاصِيل فِيهِ (٢) . وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى الْمُعْتَدَّاتِ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْ بُيُوتِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٣) ، وَالْحَجُّ يُمْكِنُ أَدَاؤُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ، فَلاَ تُلْزَمُ بِأَدَائِهِ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ. وَقَدْ عَمَّمَ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا الشَّرْطَ لِكُل مُعْتَدَّةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ عِدَّتُهَا مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ أَوْ رَجْعِيٍّ، أَوْ وَفَاةٍ، أَوْ فَسْخِ نِكَاحٍ. وَنَحْوِ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٤) .

стр. 10059

وَفَصَّل الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: لاَ تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ إِلَى الْحَجِّ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ فِي عِدَّةِ الطَّلاَقِ الْمَبْتُوتِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ لُزُومَ الْبَيْتِ فِيهِ وَاجِبٌ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَقُدِّمَ عَلَى الْحَجِّ لأَِنَّهُ يَفُوتُ، وَالطَّلاَقُ الْمَبْتُوتُ لاَ يَجِبُ فِيهِ ذَلِكَ. وَأَمَّا عِدَّةُ الرَّجْعِيَّةِ فَالْمَرْأَةُ فِيهِ بِمَنْزِلَتِهَا فِي طَلَبِ النِّكَاحِ، لأَِنَّهَا زَوْجَةٌ (١) . وَنَحْوُ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ لِلْعِدَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يَحِقُّ لِلزَّوْجِ عِنْدَهُمْ مَنْعُهَا عَنْ حَجَّةِ الْفَرْضِ فِي مَذْهَبِهِمْ (٢) . ٣٠ - ثُمَّ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي عَدَمِ الْعِدَّةِ: هَل هُوَ شَرْطُ وُجُوبٍ أَوْ شَرْطُ أَدَاءٍ، وَالأَْظْهَرُ أَنَّهُ شَرْطٌ لِلُزُومِ الأَْدَاءِ بِالنَّفْسِ (٣) . أَمَّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَهُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ. فُرُوعٌ: ٣١ - لَوْ خَالَفَتِ الْمَرْأَةُ وَخَرَجَتْ لِلْحَجِّ فِي الْعِدَّةِ صَحَّ حَجُّهَا، وَكَانَتْ آثِمَةً. ب - إِنْ خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا لِلْحَجِّ وَطَرَأَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا طَلاَقًا رَجْعِيًّا تَبِعَتْ زَوْجَهَا، رَجَعَ

стр. 10060

أَوْ مَضَى، لَمْ تُفَارِقْهُ، وَالأَْفْضَل أَنْ يُرَاجِعَهَا. وَإِنْ كَانَ بَائِنًا أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَإِنْ كَانَ إِلَى مَنْزِلِهَا أَقَل مِنْ مُدَّةِ السَّفَرِ وَإِلَى مَكَّةَ مُدَّةُ سَفَرٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَعُودَ إِلَى مَنْزِلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ إِلَى مَكَّةَ أَقَل مَضَتْ إِلَى مَكَّةَ، وَإِنْ كَانَتْ إِلَى الْجَانِبَيْنِ أَقَل مِنْ مُدَّةِ السَّفَرِ فَهِيَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ مَضَتْ، وَإِنْ شَاءَتْ رَجَعَتْ إِلَى مَنْزِلِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْمِصْرِ أَوْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا مَحْرَمٌ أَوْ لاَ، إِلاَّ أَنَّ الرُّجُوعَ أَوْلَى. وَإِنْ كَانَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مُدَّةُ سَفَرٍ فَإِنْ كَانَتْ فِي الْمِصْرِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ بِلاَ خِلاَفٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَفَازَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ لاَ تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا فَلَهَا أَنْ تَمْضِيَ إِلَى مَوْضِعِ الأَْمْنِ ثُمَّ لاَ تَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّتُهَا (١) . وَنَحْوُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: قَال فِي الْمُغْنِي: وَإِذَا خَرَجَتْ لِلْحَجِّ فَتُوُفِّيَ زَوْجُهَا وَهِيَ قَرِيبَةٌ رَجَعَتْ لِتَعْتَدَّ فِي مَنْزِلِهَا، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ مَضَتْ فِي سَفَرِهَا (٢) ". وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا خَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا لِحَجِّ الْفَرِيضَةِ فَمَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَوْ نَحْوِهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِذَا وَجَدَتْ ثِقَةً ذَا مَحْرَمٍ، أَوْ نَاسًا لاَ بَأْسَ بِهِمْ. وَإِنْ بَعُدَتْ أَوْ كَانَتْ أَحْرَمَتْ أَوْ أَحْرَمَتْ بَعْدَ الطَّلاَقِ أَوِ الْمَوْتِ، وَسَوَاءٌ أَحْرَمَتْ

стр. 10061

بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ أَوْ لَمْ تَجِدْ رُفْقَةً تَرْجِعُ مَعَهُمْ فَإِنَّهَا تَمْضِي. . . " (١) . وَفِي حَجِّ التَّطَوُّعِ: تَرْجِعُ لِتُتِمَّ عِدَّتَهَا فِي بَيْتِهَا إِنْ عَلِمَتْ أَنَّهَا تَصِل قَبْل انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، إِنْ وَجَدَتْ ذَا مَحْرَمٍ أَوْ رُفْقَةً مَأْمُونَةً. وَإِلاَّ تَمَادَتْ مَعَ رُفْقَتِهَا. . . " أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ تَفْصِيلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ إِذْنِ الزَّوْجِ فِي خُرُوجِ الزَّوْجَةِ لِلْحَجِّ حَتَّى لَوْ طَرَأَتِ الْعِدَّةُ بَعْدَ الإِْحْرَامِ: إِذَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلَهُ مَنْعُهَا وَتَحْلِيلُهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا وَلاَ تَحْلِيلُهَا (٢) . شُرُوطُ صِحَّةِ الْحَجِّ: شُرُوطُ صِحَّةِ الْحَجِّ أُمُورٌ تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا صِحَّةُ الْحَجِّ وَلَيْسَتْ دَاخِلَةً فِيهِ. فَلَوِ اخْتَل شَيْءٌ مِنْهَا كَانَ الْحَجُّ بَاطِلاً، وَهِيَ: الشَّرْطُ الأَْوَّل: الإِْسْلاَمُ: ٣٢ - يُشْتَرَطُ الإِْسْلاَمُ لأَِنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ أَهْلاً

стр. 10062

لِلْعِبَادَةِ وَلاَ تَصِحُّ مِنْهُ، فَلاَ يَصِحُّ حَجُّ الْكَافِرِ أَصَالَةً وَلاَ نِيَابَةً، فَإِنْ حَجَّ أَوْ حُجَّ عَنْهُ ثُمَّ أَسْلَمَ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ (١) . الشَّرْطُ الثَّانِي: الْعَقْل: ٣٣ - يُشْتَرَطُ الْعَقْل لأَِنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ أَهْلاً لِلْعِبَادَةِ أَيْضًا وَلاَ تَصِحُّ مِنْهُ. فَلَوْ حَجَّ الْمَجْنُونُ فَحَجُّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِذَا أَفَاقَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ. لَكِنْ يَصِحُّ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَجْنُونِ وَلِيُّهُ وَيَقَعُ نَفْلاً. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ: ٣٤ - ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْحَجِّ زَمَانًا لاَ يُؤَدَّى فِي غَيْرِهِ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٢) . قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَجَمَاهِيرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: هِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ " (٣) . وَوَقَعَ الْخِلاَفُ فِي نَهَارِ يَوْمِ النَّحْرِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: هُوَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: آخِرُ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَيْلَةُ النَّحْرِ، وَلَيْسَ نَهَارُ يَوْمِ النَّحْرِ مِنْهَا.

стр. 10063

وَوَسَّعَ الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: آخِرُ أَشْهُرِ الْحَجِّ نِهَايَةُ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ. وَامْتِدَادُ الْوَقْتِ بَعْدَ لَيْلَةِ النَّحْرِ إِلَى آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى جَوَازِ التَّحَلُّل مِنَ الإِْحْرَامِ وَكَرَاهَةِ الْعُمْرَةِ فَقَطْ (١) . فَلَوْ فَعَل شَيْئًا مِنْ أَعْمَال الْحَجِّ خَارِجَ وَقْتِ الْحَجِّ لاَ يُجْزِيهِ، فَلَوْ صَامَ الْمُتَمَتِّعُ أَوِ الْقَارِنُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ لاَ يَجُوزُ، وَكَذَا السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ لاَ يَقَعُ عَنْ سَعْيِ الْحَجِّ إِلاَّ فِيهَا. نَعَمْ أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الإِْحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْلَهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَهُمْ. (انْظُرْ مُصْطَلَحَيْ إِحْرَامٌ فِقْرَةُ ٣٤، وَأَشْهُرُ الْحَجِّ) . وَلاَ يَصِحُّ الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْل وَقْتِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ انْعَقَدَ عُمْرَةً عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ (٢) . الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ: ٣٥ - هُنَاكَ أَمَاكِنُ وَقَّتَهَا الشَّارِعُ أَيْ حَدَّدَهَا (٣)

стр. 10064

لأَِدَاءِ أَرْكَانِ الْحَجِّ، لاَ تَصِحُّ فِي غَيْرِهَا. فَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، مَكَانُهُ أَرْضُ عَرَفَةَ. وَالطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ، مَكَانُهُ حَوْل الْكَعْبَةِ. وَالسَّعْيُ، مَكَانُهُ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَنُفَصِّل تَوْقِيتَ الْمَكَانِ لِكُل مَنْسَكٍ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (١) . شُرُوطُ إِجْزَاءِ الْحَجِّ عَنِ الْفَرْضِ: ٣٦ - شُرُوطُ إِجْزَاءِ الْحَجِّ عَنِ الْفَرْضِ ثَمَانِيَةٌ (٢) وَهِيَ: أ - الإِْسْلاَمُ: وَهُوَ شَرْطٌ لِوُقُوعِهِ عَنِ الْفَرْضِ وَالنَّفَل، بَل لِصِحَّتِهِ مِنْ أَسَاسِهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. ب - بَقَاؤُهُ عَلَى الإِْسْلاَمِ إِلَى الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ ارْتِدَادٍ عِيَاذًا بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ ارْتَدَّ عَنْ الإِْسْلاَمِ بَعْدَ الْحَجِّ ثُمَّ تَابَ عَنْ رِدَّتِهِ وَأَسْلَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ جَدِيدٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ مُجَدَّدًا بَعْدَ التَّوْبَةِ عَنِ الرِّدَّةِ (٣) .

стр. 10065

اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ. .﴾ (١) فَقَدْ جَعَلَتِ الآْيَةُ الرِّدَّةَ نَفْسَهَا مُحْبِطَةً لِلْعَمَل. وَاسْتَدَل الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) . فَقَدْ دَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى أَنَّ إِحْبَاطَ الرِّدَّةِ لِلْعَمَل مَشْرُوطٌ بِالْمَوْتِ كَافِرًا. ج - الْعَقْل: فَإِنَّ الْمَجْنُونَ وَإِنْ صَحَّ إِحْرَامُ وَلِيِّهِ عَنْهُ وَمُبَاشَرَتُهُ أَعْمَال الْحَجِّ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَقَعُ نَفْلاً لاَ فَرْضًا. نَعَمْ، لَوْ كَانَ حَال الإِْحْرَامِ مُفِيقًا يَعْقِل النِّيَّةَ وَالتَّلْبِيَةَ وَأَتَى بِهِمَا، ثُمَّ أَوْقَفَهُ وَلِيُّهُ، وَبَاشَرَ عَنْهُ سَائِرَ أُمُورِهِ صَحَّ حَجُّهُ فَرْضًا، إِلاَّ أَنَّهُ يَبْقَى عَلَيْهِ طَوَافُ الزِّيَارَةِ حَتَّى يُفِيقَ فَيُؤَدِّيَهُ بِنَفْسِهِ (٣) . د - الْحُرِّيَّةُ: فَإِذَا حَجَّ الْعَبْدُ ثُمَّ عَتَقَ لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ فِيهَا. (فِقْرَةُ ١٢) . هـ - الْبُلُوغُ: فَإِذَا حَجَّ الصَّبِيُّ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ فِيهِ (فِقْرَةُ ١١ وَ ١٢) .

стр. 10066

وَ - الأَْدَاءُ بِنَفْسِهِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ: بِأَنْ يَكُونَ صَحِيحًا مُسْتَكْمِلاً شُرُوطَ وُجُوبِ أَدَاءِ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ إِذَا أَحَجَّ عَنْهُ غَيْرَهُ صَحَّ الْحَجُّ وَوَقَعَ نَفْلاً، وَبَقِيَ الْفَرْضُ فِي ذِمَّتِهِ. أَمَّا إِذَا اخْتَل شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الأَْدَاءِ بِنَفْسِهِ فَأَحَجَّ عَنْهُ غَيْرَهُ صَحَّ وَسَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ، بِشَرْطِ اسْتِمْرَارِ الْعُذْرِ إِلَى الْمَوْتِ. ز - عَدَمُ نِيَّةِ النَّفْل: فَيَقَعُ الْحَجُّ عَنِ الْفَرْضِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ فِي الإِْحْرَامِ، وَبِمُطْلَقِ نِيَّةِ الْحَجِّ. أَمَّا إِذَا نَوَى الْحَجَّ نَفْلاً وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْفَرْضِ أَوْ نَذْرٌ، فَإِنَّهُ يَقَعُ نَفْلاً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَيَقَعُ عَنِ الْفَرْضِ أَوِ النَّذْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) . يَدُل لِلأَْوَّلَيْنِ حَدِيثُ وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى (٢) . وَهَذَا نَوَى النَّفَل فَلاَ يَقَعُ عَنِ الْفَرْضِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلاَّ مَا نَوَاهُ. وَاسْتَدَل لِلآْخَرَيْنِ بِأَنَّهُ قَوْل ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ. وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ غَيْرُ الْحَجِّ (٣) . ح - عَدَمُ النِّيَّةِ عَنِ الْغَيْرِ: وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ إِذَا

стр. 10067

كَانَ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ قَبْل ذَلِكَ، فَإِنْ نَوَى عَنْ غَيْرِهِ وَقَعَ عَنْ غَيْرِهِ اتِّفَاقًا. أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ وَنَوَى عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَنِ الْغَيْرِ مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَيَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) . وَيَأْتِي مَزِيدُ تَفْصِيلٍ لِذَلِكَ فِي بَحْثِ الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ. كَيْفِيَّاتُ الْحَجِّ: ٣٧ - يُؤَدَّى الْحَجُّ عَلَى ثَلاَثِ كَيْفِيَّاتٍ، وَهِيَ: أ - الإِْفْرَادُ: وَهُوَ أَنْ يُهِل الْحَاجُّ أَيْ يَنْوِيَ الْحَجَّ فَقَطْ عِنْدَ إِحْرَامِهِ ثُمَّ يَأْتِي بِأَعْمَال الْحَجِّ وَحْدَهُ. ب - الْقِرَانُ: وَهُوَ أَنْ يُهِل بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ جَمِيعًا، فَيَأْتِيَ بِهِمَا فِي نُسُكٍ وَاحِدٍ. وَقَال الْجُمْهُورُ: إِنَّهُمَا يَتَدَاخَلاَنِ، فَيَطُوفُ طَوَافًا وَاحِدًا وَيَسْعَى سَعْيًا وَاحِدًا وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ عَنِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَطُوفُ الْقَارِنُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ، طَوَافٌ وَسَعْيٌ لِلْعُمْرَةِ، ثُمَّ طَوَافُ الزِّيَارَةِ وَالسَّعْيُ لِلْحَجِّ. وَيَجِبُ عَلَى الْقَارِنِ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيًا بِالإِْجْمَاعِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قِرَانٌ) .

стр. 10068

ج - التَّمَتُّعُ: وَهُوَ أَنْ يُهِل بِالْعُمْرَةِ فَقَطْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَأْتِيَ مَكَّةَ فَيُؤَدِّيَ مَنَاسِكَ الْعُمْرَةِ، وَيَتَحَلَّل. وَيَمْكُثَ بِمَكَّةَ حَلاَلاً، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَيَأْتِيَ بِأَعْمَالِهِ. وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيًا بِالإِْجْمَاعِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَمَتُّعٌ) . مَشْرُوعِيَّةُ كَيْفِيَّاتِ الْحَجِّ: ٣٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ كُل كَيْفِيَّاتِ الْحَجِّ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا (١) . وَيُسْتَدَل لِذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ: أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٢) ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣) . وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَل بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَل بِالْحَجِّ. وَأَهَل رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ (٤) . فَأَمَّا مَنْ أَهَل بِالْحَجِّ،

стр. 10069

أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ (١) . وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدْ تَوَاتَرَ عَمَل الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ هَذِهِ الأَْوْجُهِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الأَْئِمَّةُ، وَمِنْ ذَلِكَ: ١ - تَصْرِيحُ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي نَقَلْنَاهُ سَابِقًا، وَقَوْلُهُ " ثُمَّ مَا لاَ أَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا " ٢ - قَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: وَكُلُّهَا جَائِزَةٌ بِالإِْجْمَاعِ " ٣ - قَال الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ: وَقَدِ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ بَعْدَ هَذَا - أَيْ بَعْدَ الْخِلاَفِ الَّذِي نُقِل عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ - عَلَى جَوَازِ الإِْفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ " ٤ - قَال الْخَطَّابِيُّ: لَمْ تَخْتَلِفِ الأُْمَّةُ فِي أَنَّ الإِْفْرَادَ وَالْقِرَانَ، وَالتَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ كُلُّهَا جَائِزَةٌ (٢) ". هَدْيُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ: ٣٨ - يَجِبُ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَذْبَحَ هَدْيًا (٣) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ

стр. 10070

بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ . وَتَفْصِيلُهُ فِي (هَدْيٌ، وَتَمَتُّعٌ، وَقِرَانٌ) . الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ كَيْفِيَّاتِ أَدَاءِ الْحَجِّ: ٣٩ - فَضَّل كُل كَيْفِيَّةٍ مِنْ كَيْفِيَّاتِ الْحَجِّ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ اخْتِلاَفِ الرِّوَايَاتِ فِي حَجِّهِ ﷺ وَلاِسْتِنْبَاطَاتِ قُوَّةِ ذَلِكَ التَّفْضِيل عِنْدَ كُل جَمَاعَةٍ: أ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْفْرَادَ بِالْحَجِّ أَفْضَل، وَبِهِ قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ (١) . وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ: ١ - حَدِيثُ عَائِشَةَ السَّابِقُ، وَفِيهِ قَوْلُهَا: وَأَهَل رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ. وَغَيْرُهُ مِنْ أَحَادِيثَ تُفِيدُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ. ٢ - أَنَّهُ أَشَقُّ عَمَلاً مِنَ الْقِرَانِ، وَلَيْسَ فِيهِ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ كَمَا فِي التَّمَتُّعِ، فَيَكُونُ أَكْثَرَ ثَوَابًا (٢) . إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ فَضَّلُوا الإِْفْرَادَ، ثُمَّ الْقِرَانَ،

стр. 10071

ثُمَّ التَّمَتُّعَ، وَقَدَّمَ الشَّافِعِيَّةُ التَّمَتُّعَ عَلَى الْقِرَانِ. وَشَرْطُ تَفْضِيل الإِْفْرَادِ عَلَى غَيْرِهِ - عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ - " أَنْ يَحُجَّ ثُمَّ يَعْتَمِرَ فِي سَنَتِهِ، فَإِنْ أَخَّرَ الْعُمْرَةَ عَنْ سَنَةِ الْحَجِّ فَكُل وَاحِدٍ مِنَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ أَفْضَل مِنْهُ، بِلاَ خِلاَفٍ، لأَِنَّ تَأْخِيرَ الْعُمْرَةِ عَنْ سَنَةِ الْحَجِّ مَكْرُوهٌ (١) ". ب - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَفْضَلَهَا الْقِرَانُ، ثُمَّ التَّمَتُّعُ، ثُمَّ الإِْفْرَادُ، وَهُوَ قَوْل سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْمُزَنِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ. وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ (٢) . وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ: ١ - حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُول: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَال: صَل فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُل: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ (٣) . فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِإِدْخَال الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُفْرِدًا، وَلاَ يَأْمُرُهُ إِلاَّ بِالأَْفْضَل. وَهَذَا يَجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي حَجِّهِ ﷺ فَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ مُتَعَيَّنٌ (٤) .

стр. 10072

٢ - أَنَّهُ أَشَقُّ لِكَوْنِهِ أَدْوَمُ إِحْرَامًا، وَأَسْرَعُ إِلَى الْعِبَادَةِ، وَلأَِنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ فَيَكُونُ أَفْضَل. ج - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَل، فَالإِْفْرَادُ، فَالْقِرَانُ. " وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ اخْتِيَارُ التَّمَتُّعِ: ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَائِشَةُ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ (١) ". وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ: ١ - قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ -: لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِل، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً (٢) . فَقَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّمَتُّعِ، وَتَمَنَّاهُ لِنَفْسِهِ، وَلاَ يَأْمُرُ وَلاَ يَتَمَنَّى إِلاَّ الأَْفْضَل. ٢ - أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ، يَجْتَمِعُ لَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، مَعَ كَمَالِهِمَا، وَكَمَال أَفْعَالِهِمَا، عَلَى وَجْهِ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ، مَعَ زِيَادَةِ نُسُكٍ، لَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى.

стр. 10073

صِفَةُ أَدَاءِ الْحَجِّ بِكَيْفِيَّاتِهِ كُلِّهَا: وَنَقْسِمُ أَعْمَال الْحَجِّ لِتَسْهِيل فَهْمِ أَدَائِهَا إِلَى قِسْمَيْنِ: أ - أَعْمَال الْحَجِّ حَتَّى قُدُومِ مَكَّةَ . ب - أَعْمَال الْحَجِّ بَعْدَ قُدُومِ مَكَّةَ. أَعْمَال الْحَجِّ حَتَّى قُدُومِ مَكَّةَ: ٤٠ - مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَإِنَّهُ يَشْرَعُ بِالاِسْتِعْدَادِ لِلإِْحْرَامِ (انْظُرْ مُصْطَلَحَ إِحْرَامٌ، وَخُصُوصًا ف ١١٧) ، وَيَنْوِي فِي إِحْرَامِهِ الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي يُرِيدُ أَدَاءَ الْحَجِّ عَلَيْهَا، فَإِنْ أَرَادَ الإِْفْرَادَ نَوَى الْحَجَّ، وَإِنْ أَرَادَ الْقِرَانَ نَوَى الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَإِنْ أَرَادَ التَّمَتُّعَ نَوَى الْعُمْرَةَ فَقَطْ. فَإِذَا دَخَل مَكَّةَ بَادَرَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَتَوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمَةِ بِغَايَةِ الْخُشُوعِ وَالإِْجْلاَل، وَيَبْدَأُ بِالطَّوَافِ مِنَ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ، فَيَطُوفُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، وَهَذَا الطَّوَافُ هُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ لِلْمُفْرِدِ بِالْحَجِّ، وَهُوَ طَوَافُ الْعُمْرَةِ لِمَنْ أَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا (انْظُرْ تَمَتُّعٌ) . أَمَّا إِنْ كَانَ قَارِنًا فَيَقَعُ عَنِ الْقُدُومِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعَنِ الْعُمْرَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ طَوَافًا آخَرَ لِلْقُدُومِ عِنْدَهُمْ (انْظُرْ مُصْطَلَحَ قِرَانٌ) . وَيَقْطَعُ الْمُتَمَتِّعُ التَّلْبِيَةَ بِشُرُوعِهِ بِالطَّوَافِ، وَلاَ يَقْطَعُهَا الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ حَتَّى يَشْرَعَ فِي الرَّمْيِ يَوْمَ النَّحْرِ (انْظُرْ تَلْبِيَةٌ) . وَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ وَيُقَبِّلُهُ،

стр. 10074

وَكُلَّمَا مَرَّ بِهِ، إِنْ تَيَسَّرَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إِيذَاءٍ لأَِحَدٍ، وَإِلاَّ لَمَسَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِشَيْءٍ يُمْسِكُهُ بِهَا وَقَبَّلَهُ، وَإِلاَّ أَشَارَ بِيَدَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ السَّعْيَ بَعْدَهُ فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَضْطَبِعَ فِي أَشْوَاطِ طَوَافِهِ هَذَا كُلِّهَا، وَيَرْمُل فِي الثَّلاَثَةِ الأُْولَى. وَلْيُكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي طَوَافِهِ كُلِّهِ، وَلاَ سِيَّمَا الْمَأْثُورُ (انْظُرْ مُصْطَلَحَ: طَوَافٌ) . وَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمِ إِنْ أَمْكَنَ، ثُمَّ إِنْ أَرَادَ السَّعْيَ يَذْهَبُ إِلَى الصَّفَا وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، مُرَاعِيًا أَحْكَامَ السَّعْيِ وَآدَابِهِ. (انْظُرْ: سَعْيٌ) . وَهَذَا السَّعْيُ يَقَعُ عَنِ الْحَجِّ لِلْمُفْرِدِ، وَعَنِ الْعُمْرَةِ لِلْمُتَمَتِّعِ، وَعَنِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِلْقَارِنِ، عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ فِي الْقِرَانِ، أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَعَنِ الْعُمْرَةِ فَقَطْ لِلْقَارِنِ، وَعَلَيْهِ سَعْيٌ آخَرُ لِلْحَجِّ عِنْدَهُمْ (انْظُرْ مُصْطَلَحَ: قِرَانٌ) . وَهُنَا يَحْلِقُ الْمُتَمَتِّعُ رَأْسَهُ بَعْدَ السَّعْيِ أَوْ يُقَصِّرُهُ (انْظُرْ حَلْقٌ) ، وَقَدْ حَل مِنْ إِحْرَامِهِ. (انْظُرْ: إِحْرَامٌ: ف ١٢٦) . أَمَّا الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ فَهُمَا عَلَى إِحْرَامِهِمَا إِلَى أَنْ يَتَحَلَّلاَ بِأَعْمَال يَوْمِ النَّحْرِ. أَعْمَال الْحَجِّ بَعْدَ قُدُومِ مَكَّةَ: ٤١ - يَمْكُثُ الْحَاجُّ فِي مَكَّةَ بَعْدَ الْقُدُومِ وَمَا ذَكَرْنَا فِيهِ - إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ لِيُؤَدِّيَ سَائِرَ الْمَنَاسِكِ وَيُؤَدِّي أَعْمَال الْحَجِّ هَذِهِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كَمَا يَلِي:

стр. 10075

يَوْمُ التَّرْوِيَةِ: ٤٢ - وَهُوَ يَوْمُ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَنْطَلِقُ فِيهِ الْحُجَّاجُ إِلَى مِنًى، وَيُحْرِمُ الْمُتَمَتِّعُ بِالْحَجِّ، أَمَّا الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ فَهُمَا عَلَى إِحْرَامِهِمَا، وَيَبِيتُونَ بِمِنًى اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَيُصَلُّونَ فِيهَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ: الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ. وَهَذَا فَجْرُ يَوْمِ عَرَفَةَ . يَوْمُ عَرَفَةَ: ٤٣ - وَهُوَ يَوْمٌ عَظِيمٌ يُؤَدِّي فِيهِ الْحُجَّاجُ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ رُكْنَ الْحَجِّ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى فَوَاتِهِ بُطْلاَنُ الْحَجِّ، ثُمَّ الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ. أ - الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ: وَفِيهِ يُسَنُّ أَنْ يَخْرُجَ الْحَاجُّ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ بَطْنَ عُرَنَةَ، وَيُسَنُّ أَلاَ يَدْخُل عَرَفَةَ إِلاَّ بَعْدَ الزَّوَال، وَبَعْدَ أَنْ يَجْمَعَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ تَقْدِيمًا، فَيَقِفَ بِعَرَفَةَ مُرَاعِيًا أَحْكَامَهُ وَسُنَنَهُ وَآدَابَهُ، وَيَسْتَمِرَّ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلاَ يُجَاوِزَ عَرَفَةَ قَبْلَهُ، وَيَتَوَجَّهَ إِلَى اللَّهِ فِي وُقُوفِهِ خَاشِعًا ضَارِعًا بِالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ وَالتَّلْبِيَةِ. . . حَتَّى يَدْفَعَ مِنْ عَرَفَةَ. ب - الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ: إِذَا غَرَبَتْ شَمْسُ يَوْمِ عَرَفَةَ يَسِيرُ الْحَاجُّ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، وَيَجْمَعُ بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ تَأْخِيرًا، وَيَبِيتُ فِيهَا، وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، ثُمَّ يُصَلِّي الْفَجْرَ وَيَقِفُ لِلدُّعَاءِ، وَالْوُقُوفُ بَعْدَ الْفَجْرِ

стр. 10076

وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّهُ إِذَا نَفَرَ لِعُذْرٍ كَزَحْمَةٍ قَبْل الْفَجْرِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. وَيَسْتَمِرُّ وَاقِفًا يَدْعُو وَيُهَلِّل وَيُلَبِّي حَتَّى يُسْفِرَ جِدًّا، لِيَنْطَلِقَ إِلَى مِنًى. وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَلْقُطَ الْجِمَارَ (الْحَصَيَاتِ الصِّغَارَ) مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، لِيَرْمِيَ بِهَا، وَعَدَدُهَا سَبْعُونَ، لِلرَّمْيِ كُلِّهِ، وَإِلاَّ فَسَبْعَةٌ يَرْمِي بِهَا يَوْمَ النَّحْرِ . يَوْمُ النَّحْرِ: ٤٤ - يُسَنُّ أَنْ يَدْفَعَ الْحَاجُّ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ، لِيُؤَدِّيَ أَعْمَال النَّحْرِ، وَهُوَ أَكْثَرُ أَيَّامِ الْحَجِّ عَمَلاً، وَيُكْثِرُ فِي تَحَرُّكِهِ مِنَ الذِّكْرِ وَالتَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ. وَأَعْمَال هَذَا الْيَوْمِ هِيَ: أ - رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ: فَيَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ فِي هَذَا الْيَوْمِ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَحْدَهَا، وَتُسَمَّى الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى. يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَيُكَبِّرُ مَعَ كُل حَصَاةٍ، وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ. ب - نَحْرُ الْهَدْيِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ، سُنَّةٌ لِغَيْرِهِمَا. ج - الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ: وَالْحَلْقُ أَفْضَل لِلرِّجَال، مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً لِلنِّسَاءِ. د - طَوَافُ الزِّيَارَةِ: وَيَأْتِي تَرْتِيبُهُ بَعْدَ الأَْعْمَال السَّابِقَةِ، فَيُفِيضُ الْحَاجُّ أَيْ يَرْحَل إِلَى مَكَّةَ

стр. 10077

لِيَطُوفَ الزِّيَارَةَ، وَهُوَ طَوَافُ الرُّكْنِ فِي الْحَجِّ. وَإِنْ كَانَ قَدَّمَ السَّعْيَ فَلاَ يَضْطَبِعُ وَلاَ يَرْمُل فِي هَذَا الطَّوَافِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَبْقَ سَعْيٌ بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يُقَدِّمِ السَّعْيَ فَلْيَسْعَ بَعْدَ الطَّوَافِ، وَيَضْطَبِعْ وَيَرْمُل فِي طَوَافِهِ، كَمَا هِيَ السُّنَّةُ فِي كُل طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ. هـ - السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: لِمَنْ لَمْ يُقَدِّمِ السَّعْيَ مِنْ قَبْل. و التَّحَلُّل: وَيَحْصُل بِأَدَاءِ الأَْعْمَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَهُوَ قِسْمَانِ: التَّحَلُّل الأَْوَّل: أَوِ الأَْصْغَرُ: تَحِل بِهِ مَحْظُورَاتُ الإِْحْرَامِ عَدَا النِّسَاءَ. وَيَحْصُل بِالْحَلْقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِالرَّمْيِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَبِفِعْل ثَلاَثَةٍ مِنْ أَعْمَال يَوْمِ النَّحْرِ (اسْتُثْنِيَ مِنْهَا الذَّبْحُ حَيْثُ لاَ دَخْل لَهُ فِي التَّحَلُّل) عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. التَّحَلُّل الثَّانِي: أَوِ الأَْكْبَرُ: تَحِل بِهِ كُل مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ حَتَّى النِّسَاءُ. وَيَحْصُل بِطَوَافِ الإِْفَاضَةِ فَقَطْ بِشَرْطِ الْحَلْقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِالإِْفَاضَةِ مَعَ السَّعْيِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَبِاسْتِكْمَال الأَْعْمَال الأَْرْبَعَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. أَوَّل وَثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: ٤٥ - هُمَا ثَانِي وَثَالِثُ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَفِيهِمَا مَا يَلِي:

стр. 10078

أ - الْمَبِيتُ بِمِنًى لَيْلَتَيْ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ: وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. ب - رَمْيُ الْجِمَارِ الثَّلاَثِ: يَرْمِيهَا عَلَى التَّرْتِيبِ: الْجَمْرَةُ الأُْولَى أَوِ الصُّغْرَى وَهِيَ أَقْرَبُ الْجَمَرَاتِ إِلَى مَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنًى، ثُمَّ الْجَمْرَةُ الثَّانِيَةُ أَوِ الْوُسْطَى، ثُمَّ الثَّالِثَةُ الْكُبْرَى جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ. يَرْمِي كُل وَاحِدَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَيَدْعُو بَيْنَ كُل جَمْرَتَيْنِ. ج - النَّفْرُ الأَْوَّل: يَحِل لِلْحَاجِّ إِذَا رَمَى جِمَارَ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يَرْحَل إِلَى مَكَّةَ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، إِذَا جَاوَزَ حُدُودَ مِنًى قَبْل غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَبْل فَجْرِ ثَالِثِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. د - التَّحْصِيبُ: وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَيَنْزِل الْحَاجُّ بِالْمُحَصَّبِ (١) عِنْدَ وُصُولِهِ مَكَّةَ إِنْ تَيَسَّرَ لَهُ لِيَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ وَيُصَلِّيَ. ثَالِثُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: ٤٦ - هُوَ رَابِعُ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَفِيهِ: أ - الرَّمْيُ: يَجِبُ رَمْيُ الْجِمَارِ الثَّلاَثِ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى مَنْ تَأَخَّرَ، فَلَمْ يَنْفِرِ النَّفْرَ الأَْوَّل، وَيَنْتَهِي وَقْتُهُ وَوَقْتُ الرَّمْيِ كُلِّهِ أَيْضًا قَضَاءً وَأَدَاءً بِغُرُوبِ شَمْسِ هَذَا الْيَوْمِ اتِّفَاقًا. وَتَنْتَهِي بِغُرُوبِهِ مَنَاسِكُ مِنًى.

стр. 10079

ب - النَّفْرُ الثَّانِي: يَنْفِرُ أَيْ يَرْحَل سَائِرُ الْحُجَّاجِ فِي هَذَا الْيَوْمِ إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَلاَ يُشْرَعُ الْمُكْثُ بِمِنًى بَعْدَ ذَلِكَ. ج - التَّحْصِيبُ: عِنْدَ وُصُول مَكَّةَ، كَمَا مَرَّ ذِكْرُهُ، فِي النَّفْرِ الأَْوَّل. د - الْمُكْثُ بِمَكَّةَ: تَنْتَهِي الْمَنَاسِكُ بِنِهَايَةِ أَعْمَال مِنًى - عَدَا طَوَافَ الْوَدَاعِ - وَيَمْكُثُ الْحَاجُّ بِمَكَّةَ إِلَى وَقْتِ سَفَرِهِ فِي عِبَادَةٍ، وَذِكْرٍ، وَطَوَافٍ، وَعَمَل خَيْرٍ. وَيَأْتِي الْمُفْرِدُ بِالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ وَقْتَهَا كُل أَيَّامِ السَّنَةِ عَدَا يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ فَتُكْرَهُ فِيهَا كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (انْظُرْ مُصْطَلَحَ: إِحْرَامٌ: ف ٣٨) (وَعُمْرَةٌ) . طَوَافُ الْوَدَاعِ: ٤٦ م - إِذَا أَرَادَ الْحَاجُّ السَّفَرَ مِنْ مَكَّةَ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الْوَدَاعِ، وَالْمَعْنَى الْمُلاَحَظُ فِي هَذَا الطَّوَافِ أَنْ يَكُونَ آخِرَ الْعَهْدِ بِالْبَيْتِ، وَلاَ رَمْل فِي هَذَا الطَّوَافِ وَلاَ اضْطِبَاعَ، وَبَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، يَأْتِي زَمْزَمَ وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا مُسْتَقْبِل الْبَيْتِ، وَيَتَشَبَّثُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ الأَْسْوَدَ إِنْ تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ غَيْرِ إِيذَاءِ أَحَدٍ، ثُمَّ يَسِيرُ إِلَى بَابِ الْحَرَمِ وَوَجْهُهُ تِلْقَاءَ الْبَابِ، دَاعِيًا بِالْقَبُول، وَالْغُفْرَانِ، وَبِالْعَوْدِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَأَلاَّ يَكُونَ ذَلِكَ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ الْعَتِيقِ.

стр. 10080

أَرْكَانُ الْحَجِّ: ٤٧ - أَرْكَانُ الْحَجِّ فِيمَا اتَّجَهَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَرْبَعَةٌ: الإِْحْرَامُ. وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ. وَالطَّوَافُ وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ. وَالسَّعْيُ. وَأَرْكَانُ الْحَجِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ رُكْنَانِ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ سِتٌّ: الأَْرْبَعُ الْمَذْكُورَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَالْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ، وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَ مُعْظَمِ الأَْرْكَانِ. الرُّكْنُ الأَْوَّل: الإِْحْرَامُ: ٤٨ - الإِْحْرَامُ فِي اللُّغَةِ: الدُّخُول فِي الْحُرْمَةِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ: نِيَّةُ الْحَجِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَالنِّيَّةُ مَعَ التَّلْبِيَةِ وَهِيَ قَوْل: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَالإِْحْرَامُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَشَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَهُوَ عِنْدَهُمْ شَرْطٌ مِنْ وَجْهٍ رُكْنٌ مِنْ وَجْهٍ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْرَامٌ) . الرُّكْنُ الثَّانِي: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ: ٤٩ - الْمُرَادُ مِنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ: وُجُودُ الْحَاجِّ فِي أَرْضِ (عَرَفَةَ (١)) ، بِالشُّرُوطِ وَالأَْحْكَامِ الْمُقَرَّرَةِ.

стр. 10081

وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ رُكْنٌ أَسَاسِيٌّ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، يَخْتَصُّ بِأَنَّهُ مَنْ فَاتَهُ فَقَدَ فَاتَهُ الْحَجُّ. وَقَدْ ثَبَتَتْ رُكْنِيَّةُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بِالأَْدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ: أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (١) . فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا نَزَلَتْ تَأْمُرُ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (٢) . وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَعِدَّةُ أَحَادِيثَ، أَشْهُرُهَا حَدِيثُ: الْحَجُّ عَرَفَةَ (٣) . وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ عَدَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَأَنَّهُ مَنْ فَاتَهُ فَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ (٤) ". وَقْتُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ: ٥٠ - يَبْدَأُ وَقْتُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مِنْ زَوَال الشَّمْسِ

стр. 10082

يَوْمَ عَرَفَةَ - وَهُوَ تَاسِعُ ذِي الْحِجَّةِ - وَيَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ يَوْمَ عِيدِ النَّحْرِ حَتَّى لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ كَانَ وُقُوفُهُ بَاطِلاً اتِّفَاقًا فِي الْجُمْلَةِ. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ وُقُوفِ عَرَفَةَ هُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ. أَمَّا ابْتِدَاءُ وَقْتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَقَدْ وَقَعَ فِيهِ اخْتِلاَفٌ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُ زَوَال شَمْسِ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَذَهَبَ مَالِكٌ: إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ هُوَ اللَّيْل، فَمَنْ لَمْ يَقِفْ جَزْءًا مِنَ اللَّيْل لَمْ يُجْزِئْ وُقُوفُهُ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَأَمَّا الْوُقُوفُ نَهَارًا فَوَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ بِتَرْكِهِ عَمْدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: وَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ " الزَّمَنُ الَّذِي يَسْتَغْرِقُهُ الْوُقُوفُ: أَمَّا الزَّمَنُ الَّذِي يَسْتَغْرِقُهُ الْوُقُوفُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ: ٥١ - قَسَمَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ زَمَانَ الْوُقُوفِ إِلَى قِسْمَيْنِ: أ - زَمَانُ الرُّكْنِ: الَّذِي تَتَأَدَّى بِهِ فَرِيضَةُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ: وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ فِي عَرَفَةَ خِلاَل الْمُدَّةِ الَّتِي عَرَّفْنَاهَا عِنْدَ كُلٍّ، وَلَوْ زَمَانًا قَلِيلاً جِدًّا.

стр. 10083

ب - زَمَانُ الْوَاجِبِ: وَهُوَ أَنْ يَسْتَمِرَّ مَنْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَال إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَلاَ يُجَاوِزُ حَدَّ عَرَفَةَ إِلاَّ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَلَوْ بِلَحْظَةٍ. وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِمْ: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ اللَّيْل وَالنَّهَارِ بِعَرَفَةَ. فَلَوْ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْل الْغُرُوبِ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ إِلاَّ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَزَمَانُ الرُّكْنِ عِنْدَهُمْ هُوَ الْوُقُوفُ لَيْلاً، أَمَّا نَهَارًا فَوَاجِبٌ. وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ اللَّيْل وَالنَّهَارِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ لَيْسَ وَاجِبًا، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ بِتَرْكِهِ الْفِدَاءُ اسْتِحْبَابًا، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مِنْ بَعْدِ الزَّوَال إِلَى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ أَجْزَأَهُ (١) . الثَّالِثُ: طَوَافُ الزِّيَارَةِ: ٥٢ - طَوَافُ الزِّيَارَةِ يُؤَدِّيهِ الْحَاجُّ بَعْدَ أَنْ يُفِيضَ مِنْ عَرَفَةَ وَيَبِيتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَيَأْتِي مِنًى يَوْمَ الْعِيدِ

стр. 10084

فَيَرْمِي وَيَنْحَرُ وَيَحْلِقُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُفِيضُ إِلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ سُمِّيَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ لأَِنَّ الْحَاجَّ يَأْتِي مِنْ مِنًى فَيَزُورُ الْبَيْتَ وَلاَ يُقِيمُ بِمَكَّةَ، بَل يَرْجِعُ لِيَبِيتَ بِمِنًى. وَيُسَمَّى أَيْضًا طَوَافَ الإِْفَاضَةِ، لأَِنَّ الْحَاجَّ يَفْعَلُهُ عِنْدَ إِفَاضَتِهِ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ. وَعَدَدُ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ سَبْعَةٌ، وَكُلُّهَا رُكْنٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الرُّكْنُ هُوَ أَكْثَرُ السَّبْعَةِ، وَالْبَاقِي وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ. وَيَجِبُ الْمَشْيُ فِي الطَّوَافِ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَيُسَنُّ الرَّمَل وَالاِضْطِبَاعُ فِي الطَّوَافِ إِذَا كَانَ سَيَسْعَى بَعْدَهُ وَإِلاَّ فَلاَ يُسَنُّ. وَيُصَلِّي بَعْدَ الطَّوَافِ رَكْعَتَيْنِ وُجُوبًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَسُنَّةً عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (طَوَافٌ) . رُكْنِيَّةُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ: ٥٣ - ثَبَتَ فَرْضِيَّةُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ: أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الآْيَةَ فِي طَوَافِ الإِْفَاضَةِ، فَيَكُونُ فَرْضًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَدْ حَجَّتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةُ

стр. 10085

بِنْتُ حُيَيٍّ ﵂ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَحَاضَتْ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ قَالُوا: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ. قَال: فَلاَ إذَنْ (١) . فَدَل الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ فَرْضٌ لاَ بُدَّ مِنْهُ، وَلَوْلاَ فَرْضِيَّتُهُ لَمْ يُمْنَعْ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ عَنِ السَّفَرِ. وَعَلَيْهِ الإِْجْمَاعُ (٢) . شُرُوطُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ: ٥٤ - يُشْتَرَطُ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ شُرُوطٌ خَاصَّةٌ بِهِ سِوَى الشُّرُوطِ الْعَامَّةِ لِلطَّوَافِ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ الْخَاصَّةُ هِيَ: أ - أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالإِْحْرَامِ، لِتَوَقُّفِ احْتِسَابِ أَيِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَال الْحَجِّ عَلَى الإِْحْرَامِ. ب - أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِوُقُوفِ عَرَفَةَ، فَلَوْ طَافَ لِلإِْفَاضَةِ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لاَ يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الطَّوَافِ، إِجْمَاعًا. ج - النِّيَّةُ: بِأَنْ يَقْصِدَ أَصْل الطَّوَافِ. أَمَّا نِيَّةُ التَّعْيِينِ فَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي طَوَافِ الإِْفَاضَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ) لِدُخُولِهِ فِي نِيَّةِ الْحَجِّ.
следующие страницы →