← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10186–10225 · переход к 10191.

стр. 10186

حِجْرٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحِجْرُ بِالْكَسْرِ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعَانٍ: مِنْهَا: حِضْنُ الإِْنْسَانِ، وَهُوَ مَا دُونَ إِبْطِهِ إِلَى الْكَشْحِ، أَوِ الصَّدْرُ وَالْعَضُدَانِ وَمَا بَيْنَهُمَا، أَوْ مَا بَيْنَ يَدَيِ الإِْنْسَانِ مِنْ ثَوْبِهِ. وَيُقَال لِمَنْ فِي حِمَايَتِهِ شَخْصٌ إِنَّهُ فِي حِجْرِهِ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا: أَيْ كَنَفِهِ. وَمِنْهَا: الْعَقْل وَفِي هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (١) ﴾ وَمِنْهَا: الْحَرَامُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: حِكَايَةً عَنِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ (٢) ﴾ . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الْقِسْمُ الْخَارِجُ عَنْ جِدَارِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ مَحُوطٌ مُدَوَّرٌ عَلَى صُورَةِ نِصْفِ دَائِرَةٍ وَيُسَمَّى (حِجْرَ إِسْمَاعِيل) قَال ابْنُ إِسْحَاقَ: جَعَل إِبْرَاهِيمُ ﵇ الْحِجْرَ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ عَرِيشًا مِنْ أَرَاكٍ تَقْتَحِمُهُ الْعَنْزُ، وَكَانَ زَرْبًا لِغَنَمِ إِسْمَاعِيل. وَيُسَمَّى الْحَطِيمَ

стр. 10187

وَقِيل: الْحَطِيمُ هُوَ جِدَارُ الْحِجْرِ، وَقِيل مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَزَمْزَمَ وَالْمَقَامِ (١) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٢ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ سِتَّةَ أَذْرُعٍ نَبَوِيَّةٍ مِنَ الْحِجْرِ مِنَ الْبَيْتِ. وَيَدُل لِذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : يَا عَائِشَةُ لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ فَأَلْزَقْتُهَا بِالأَْرْضِ وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حِينَ بَنَتِ الْكَعْبَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ، فَهَلُمِّي لأُِرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ. وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَطَاءٍ فَذَكَرَ شَيْئًا مِنْ حَرِيقِ الْكَعْبَةِ وَعِمَارَةِ بْنِ الزُّبَيْرِ لَهَا ثُمَّ قَال: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُول: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَقْوَى عَلَى بِنَائِهِ لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ (٢) . قَال عَطَاءٌ: وَزَادَ فِيهِ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ حَتَّى أَبْدَى أَسَاسَهَا وَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ انْتَهَى (٣) .

стр. 10188

وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ جَمِيعِهِ مِنَ الْبَيْتِ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ جَمِيعَ الْحِجْرِ مِنَ الْبَيْتِ (١) . وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْحِجْرِ فَقَال: هُوَ مِنَ الْبَيْتِ (٢) . وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُل الْبَيْتَ فَأُصَلِّيَ فِيهِ، فَأَخَذَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِيَدِيِّ، فَأَدْخَلَنِي فِي الْحِجْرِ فَقَال: صَلِّي فِي الْحِجْرِ إِذَا أَرَدْتِ دُخُول الْبَيْتِ، فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ، فَإِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ فَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْبَيْتِ (٣) . اسْتِقْبَال الْحِجْرِ فِي الصَّلاَةِ: ٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ اسْتِقْبَال الْحِجْرِ فِي الصَّلاَةِ: فَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَجُوزُ اسْتِقْبَال الْحِجْرِ فِي الصَّلاَةِ إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي خَارِجَ الْحِجْرِ سَوَاءٌ، أَكَانَتِ الصَّلاَةُ فَرْضًا أَمْ نَفْلاً: لِحَدِيثِ: الْحِجْرُ مِنَ الْبَيْتِ (٤) .

стр. 10189

أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي فِي دَاخِلِهِ فَلاَ يَصِحُّ الْفَرْضُ، كَصَلاَتِهِ فِي دَاخِل الْبَيْتِ (١) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ: لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِاسْتِقْبَال الْحِجْرِ، فَرْضًا كَانَتْ أَمْ نَفْلاً، لأَِنَّ كَوْنَهُ مِنَ الْبَيْتِ مَظْنُونٌ لِثُبُوتِهِ بِخَبَرِ الآْحَادِ، وَوُجُوبُ التَّوَجُّهِ إِلَى الْبَيْتِ ثَبَتَ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (٢) ﴾ وَلاَ يَجُوزُ تَرْكُ الْعَمَل بِنَصِّ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (٣) . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عِيَاضٌ وَالْقَرَافِيُّ وَابْنُ جَمَاعَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ (٤) . وَالتَّفْصِيل فِي (طَوَافٌ، وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ) . الطَّوَافُ مِنْ دَاخِل الْحِجْرِ: ٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الطَّوَافُ مِنْ دَاخِل الْحِجْرِ، وَاشْتَرَطُوا لِصِحَّةِ الطَّوَافِ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَارِجِ الْحِجْرِ. وَقَال مَنْ يَرَى أَنَّ جَمِيعَ الْحِجْرِ مِنَ الْبَيْتِ أَنَّ مَنْ طَافَ دَاخِل الْحِجْرِ لَمْ يَطُفْ جَمِيعَ الْبَيْتِ،

стр. 10190

وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِقَوْل الْحَقِّ ﵎: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (١) ﴾ . وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْحِجْرِ، فَقَال: هُوَ مِنَ الْبَيْتِ (٢) . وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ : طَافَ خَارِجَ الْحِجْرِ (٣) ، وَقَدْ قَال: لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ (٤) وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ طَوَافُهُ خَارِجَ السِّتَّةِ الأَْذْرُعِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْبَيْتِ. وَعِنْدَ هَؤُلاَءِ لاَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَارِجَ جَمِيعِهِ وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ (٥) . (ر: طَوَافٌ) .

стр. 10191

الْحَجَرُ الأَْسْوَدُ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحَجَرُ الأَْسْوَدُ كُتْلَةٌ مِنَ الْحَجَرِ ضَارِبٌ إِلَى السَّوَادِ شِبْهُ بَيْضَاوِيٍّ فِي شَكْلِهِ، يَقَعُ فِي أَصْل بِنَاءِ الْكَعْبَةِ فِي الرُّكْنِ الْجَنُوبِيِّ الشَّرْقِيِّ مِنْهَا، يَسْتَلِمُهُ الطَّائِفُونَ عِنْدَ طَوَافِهِمْ (١) الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ اسْتِلاَمُ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ بِالْيَدِ وَتَقْبِيلُهُ لِلطَّائِفِ لِمَنْ يَقْدِرُ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلاً سَأَل ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ فَقَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ (٢) .» وَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَال: قَبَّل عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْحَجَرَ ثُمَّ قَال: أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ (٣) . وَرُوِيَ أَنَّ

стр. 10192

أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَسْتَلِمُونَ الْحَجَرَ ثُمَّ يُقَبِّلُونَهُ، فَيُلْتَزَمُ فِعْلُهُمْ، لأَِنَّهُ مِمَّا لاَ يَكُونُ بِالرَّأْيِ (١) . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَفْتَحَ الاِسْتِلاَمُ بِالتَّكْبِيرِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ (٢) . وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : تُرْفَعُ الأَْيْدِي فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا الْحَجَرَ (٣) ،، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَلاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ (٤) . وَيُسْتَحَبُّ اسْتِلاَمُ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ فِي كُل طَوَافٍ، لأَِنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄، قَال: ﴿

стр. 10193

كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ فِي كُل طَوْفَةٍ (١) قَال نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَقْبِيل الْحَجَرِ اسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ وَقَبَّل يَدَهُ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ الاِسْتِلاَمَ بِالْيَدِ يَكُونُ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنِ الاِسْتِلاَمِ بِالْفَمِ. لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّل يَدَهُ (٢) وَفَعَلَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَتَبِعَهُمْ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: إِنَّ الاِسْتِلاَمَ بِالْيَدِ كَالاِسْتِلاَمِ بِالْفَمِ. ثُمَّ إِنْ عَجَزَ عَنِ الاِسْتِلاَمِ يَمَسُّ الْحَجَرَ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ كَالْعَصَا مَثَلاً ثُمَّ يُقَبِّلُهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْل، قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ وَيُقَبِّل الْمِحْجَنَ (٣) . وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، أَوْ يَمَسَّهُ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُهُ مِنْ بُعْدٍ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِبَاطِنِ كَفِّهِ كَأَنَّهُ

стр. 10194

وَاضِعُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ يُقَبِّلُهُ وَيُهَلِّل وَيُكَبِّرُ (١) ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَال: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ وَكَبَّرَ (٢) . وَيُسَنُّ أَنْ يُقَبِّل الْحَجَرَ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ يَظْهَرُ لِلْقِبْلَةِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَقْبَل الْحَجَرَ ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلاً، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي، فَقَال: يَا عُمَرُ هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ (٣) . قَال الْحَطَّابُ: وَفِي الصَّوْتِ قَوْلاَنِ: قَال الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الإِْرْشَادِ: وَفِي كَرَاهَةِ التَّصْوِيتِ بِالتَّقْبِيل قَوْلاَنِ: وَرَجَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْجَوَازَ، وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ الشَّيْخَ الْمُحِبَّ الطَّبَرِيِّ جَاءَهُ مُسْتَفْتٍ يَسْأَلُهُ عَنْ تَقْبِيل الْحَجَرِ أَبِصَوْتٍ أَوْ دُونَهُ؟ فَذَكَرَ لَهُ التَّقْبِيل مِنْ غَيْرِ تَصْوِيتٍ (٤) .

стр. 10195

وَلاَ يُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ اسْتِلاَمُ الْحَجَرِ وَلاَ تَقْبِيلُهُ إِلاَّ عِنْدَ خُلُوِّ الْمَطَافِ فِي اللَّيْل أَوْ غَيْرِهِ (١) . الْبُدَاءَةُ فِي الطَّوَافِ مِنَ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ: ٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْبُدَاءَةُ فِي الطَّوَافِ مِنَ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ لِيُحْسَبَ الشَّوْطُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَتَحَ الطَّوَافَ مِنْ يَمِينِ الْحَجَرِ لاَ مِنْ يَسَارِهِ (٢) ، وَذَلِكَ تَعْلِيمٌ مِنْهُ ﷺ مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَقَدْ قَال ﵊: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ (٣) فَتَجِبُ الْبُدَاءَةُ بِمَا بَدَأَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَوِ افْتُتِحَ الطَّوَافُ مِنْ غَيْرِ الْحَجَرِ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ إِلاَّ أَنْ يَصِيرَ إِلَى الْحَجَرِ فَيَبْتَدِئَ مِنْهُ الطَّوَافَ (٤) .

стр. 10196

وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَمَالِكٍ أَنَّ الْبُدَاءَةَ فِي الطَّوَافِ مِنَ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ سُنَّةٌ، وَلَوْ بَدَأَ الطَّوَافَ مِنْ مَكَانٍ غَيْرِ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ بِدُونِ عُذْرٍ أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (١) ﴾ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ الاِبْتِدَاءِ بِالْحَجَرِ الأَْسْوَدِ (٢) . اسْتِلاَمُ الْحَجَرِ وَتَقْبِيلُهُ فِي الزِّحَامِ: ٤ - إِذَا كَانَ فِي الطَّوَافِ زِحَامٌ وَخَشِيَ الطَّائِفُ إِيذَاءَ النَّاسِ فَالأَْوْلَى أَنْ يَتْرُكَ تَقْبِيل الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ وَاسْتِلاَمَهُ، لأَِنَّ اسْتِلاَمَ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ سُنَّةٌ وَتَرْكَ إِيذَاءِ النَّاسِ وَاجِبٌ فَلاَ يُهْمَل الْوَاجِبُ لأَِجْل السُّنَّةِ (٣) ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهُ: يَا عُمَرُ إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ لاَ تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلاَّ فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّل وَكَبِّرْ (٤) .

стр. 10197

السُّجُودُ عَلَى الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ: ٥ - حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ بَعْدَ تَقْبِيل الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ السُّجُودُ عَلَيْهِ بِالْجَبْهَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا " أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّل الْحَجَرَ الأَْسْوَدَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ. وَكَرِهَ مَالِكٌ السُّجُودَ وَتَمْرِيغَ الْوَجْهِ عَلَيْهِ، وَنَقَل الْكَاسَانِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَنَقَل ابْنُ الْهُمَامِ عَنْ قِوَامِ الدِّينِ الْكَاكِيِّ قَال: وَعِنْدَنَا الأَْوْلَى أَنْ لاَ يَسْجُدَ لِعَدَمِ الرِّوَايَةِ مِنَ الْمَشَاهِيرِ (١) . الدُّعَاءُ عِنْدَ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ: ٦ - ذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول الطَّائِفُ عِنْدَ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ، أَوِ اسْتِقْبَالِهِ بِوَجْهِهِ إِذَا شَقَّ عَلَيْهِ اسْتِلاَمُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ . لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ وَكَبَّرَ ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ وَفَاءً بِعَهْدِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ (٢) .

стр. 10198

وَزَادَ ابْنُ الْهُمَامِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِلَيْكَ بَسَطْتُ يَدَيَّ، وَفِيمَا عِنْدَكَ عَظُمَتْ رَغْبَتِي فَاقْبَل دَعْوَتِي وَأَقِلْنِي عَثْرَتِي، وَارْحَمْ تَضَرُّعِي، وَجُدْ لِي بِمَغْفِرَتِكَ، وَأَعِذْنِي مِنْ مُضِلاَّتِ الْفِتَنِ. وَذَكَرَ الْكَاسَانِيُّ فِي الْبَدَائِعِ: وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَصْحَابِنَا فِيهِ دُعَاءٌ بِعَيْنِهِ، لأَِنَّ الدَّعَوَاتِ لاَ تُحْصَى (١) . حِدَادٌ انْظُرْ: إِحْدَاد.

стр. 10199

حَدَثٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحَدَثُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْحُدُوثِ: وَهُوَ الْوُقُوعُ وَالتَّجَدُّدُ وَكَوْنُ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَمِنْهُ يُقَال: حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ إِذَا تَجَدَّدَ وَكَانَ مَعْدُومًا قَبْل ذَلِكَ. وَالْحَدَثُ اسْمٌ مِنْ أَحْدَثَ الإِْنْسَانُ إِحْدَاثًا: بِمَعْنَى الْحَالَةِ النَّاقِضَةِ لِلْوُضُوءِ. وَيَأْتِي بِمَعْنَى الأَْمْرِ الْحَادِثِ الْمُنْكَرِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعْتَادٍ وَلاَ مَعْرُوفٍ، وَمِنْهُ مُحْدَثَاتُ الأُْمُورِ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ أُمُورٌ: أ - الْوَصْفُ الشَّرْعِيُّ (أَوِ الْحُكْمِيُّ) الَّذِي يَحِل فِي الأَْعْضَاءِ وَيُزِيل الطَّهَارَةَ وَيَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا، وَهَذَا الْوَصْفُ يَكُونُ قَائِمًا بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَقَطْ فِي الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ، وَبِجَمِيعِ الْبَدَنِ فِي الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ، وَهُوَ الْغَالِبُ فِي إِطْلاَقِهِمْ. كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ. وَقَدْ وَرَدَ هَذَا التَّعْرِيفُ فِي كُتُبِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ بِاخْتِلاَفٍ بَسِيطٍ فِي الْعِبَارَةِ (٢) .

стр. 10200

ب - الأَْسْبَابُ الَّتِي تُوجِبُ الْوُضُوءَ أَوِ الْغُسْل، وَلِهَذَا نَجِدُ الْحَنَفِيَّةَ يُعَرِّفُونَهُ بِأَنَّهُ: خُرُوجُ النَّجَسِ مِنَ الآْدَمِيِّ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِمَا مُعْتَادًا كَانَ أَمْ غَيْرَ مُعْتَادٍ (١) . وَالْمَالِكِيَّةُ يُعَرِّفُونَهُ بِأَنَّهُ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ مِنَ الْمُخْرَجِ الْمُعْتَادِ فِي حَال الصِّحَّةِ (٢) ، وَالْحَنَابِلَةُ يُعَرِّفُونَهُ بِمَا أَوْجَبَ وُضُوءًا أَوْ غُسْلاً (٣) ، كَمَا وَضَعَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بَابًا لِلأَْحْدَاثِ ذَكَرُوا فِيهَا أَسْبَابَ نَقْضِ الْوُضُوءِ (٤) . ج - وَيُطْلَقُ الْحَدَثُ عَلَى الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ (٥) د - وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ إِطْلاَقَهُ عَلَى خُرُوجِ الْمَاءِ فِي الْمُعْتَادِ كَمَا قَال الدُّسُوقِيُّ (٦) . وَالْمُرَادُ هُنَا مِنْ هَذِهِ الإِْطْلاَقَاتِ هُوَ الأَْوَّل، أَمَّا الْمَنْعُ فَإِنَّهُ حُكْمُ الْحَدَثِ، وَهُوَ الْحُرْمَةُ وَلَيْسَ نَفْسَ

стр. 10201

الْحَدَثِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الطَّهَارَةُ: ٢ - الطَّهَارَةُ فِي اللُّغَةِ النَّزَاهَةُ وَالنَّظَافَةُ وَالْخُلُوصُ مِنَ الأَْدْنَاسِ حِسِّيَّةً كَانَتْ كَالأَْنْجَاسِ، أَمْ مَعْنَوِيَّةً كَالْعُيُوبِ مِنَ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَنَحْوِهِمَا. وَفِي الشَّرْعِ رَفْعُ مَا يَمْنَعُ الصَّلاَةَ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ بِالْمَاءِ أَوْ رَفْعُ حُكْمِهِ بِالتُّرَابِ. فَالطَّهَارَةُ ضِدُّ الْحَدَثِ (ر: طَهَارَةٌ) . ب - الْخَبَثُ: ٣ - الْخَبَثُ بِفَتْحَتَيْنِ النَّجَسُ، وَإِذَا ذُكِرَ مَعَ الْحَدَثِ يُرَادُ مِنْهُ النَّجَاسَةُ الْحَقِيقِيَّةُ أَيِ الْعَيْنُ الْمُسْتَقْذِرَةُ شَرْعًا، وَمِنْ هُنَا عَرَّفُوا الطَّهَارَةَ بِأَنَّهَا النَّظَافَةُ مِنْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ. وَالْخُبْثُ بِسُكُونِ الْبَاءِ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ خَبُثَ الشَّيْءُ خُبْثًا ضِدُّ طَابَ، يُقَال: شَيْءٌ خَبِيثٌ أَيْ نَجِسٌ أَوْ كَرِيهُ الطَّعْمِ، وَالْخُبْثُ كَذَلِكَ الشَّرُّ

стр. 10202

وَالْوَصْفُ مِنْهُ الْخُبْثُ وَجَمْعُهُ الْخُبُثُ (١) ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (٢) أَيْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثِهِمْ، وَاسْتُعْمِل فِي كُل حَرَامٍ ج - النَّجَسُ: ٤ - النَّجَسُ بِفَتْحَتَيْنِ مَصْدَرُ نَجُسَ الشَّيْءُ نَجَسًا، ثُمَّ اسْتُعْمِل اسْمًا لِكُل مُسْتَقْذَرٍ، وَالنَّجِسُ بِكَسْرِ الْجِيمِ ضِدُّ الطَّاهِرِ، وَالنَّجَاسَةُ ضِدُّ الطَّهَارَةِ، فَالنَّجَسُ لُغَةً يَعُمُّ الْحَقِيقِيَّ وَالْحُكْمِيَّ، وَعُرْفًا يَخْتَصُّ بِالأَْوَّل كَالْخُبْثِ. وَإِذَا أَحْدَثَ الإِْنْسَانُ وَنُقِضَ وُضُوءُهُ يُقَال لَهُ: مُحْدِثٌ، وَلاَ يُقَال لَهُ نَجِسٌ فِي عُرْفِ الشَّارِعِ. أَمَّا الْخُبْثُ فَيَخُصُّ النَّجَاسَةَ الْحَقِيقِيَّةَ كَمَا أَنَّ الْحَدَثَ يَخُصُّ الْحُكْمِيَّةَ، وَالطَّهَارَةُ ارْتِفَاعُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٣) . أَقْسَامُ الْحَدَثِ: ٥ - سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ الْحَدَثِ أَنَّهُ بِالإِْطْلاَقِ الأَْوَّل

стр. 10203

وَصْفٌ يَحِل بِالأَْعْضَاءِ وَيَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا. فَهَذَا الْوَصْفُ إِنْ كَانَ قَائِمًا فِي جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ وَأَوْجَبَ غُسْلاً يُسَمَّى حَدَثًا أَكْبَرَ، وَإِذَا كَانَ قَائِمًا بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَقَطْ وَأَوْجَبَ غَسْل تِلْكَ الأَْعْضَاءِ فَقَطْ يُسَمَّى حَدَثًا أَصْغَرَ (١) . وَالْحَدَثُ بِالإِْطْلاَقِ الثَّانِي أَيِ الأَْسْبَابُ الَّتِي تُوجِبُ الْوُضُوءَ أَوِ الْغُسْل كَذَلِكَ نَوْعَانِ: حَدَثٌ حَقِيقِيٌّ، وَحَدَثٌ حُكْمِيٌّ. وَالْحَدَثُ الْحُكْمِيُّ: فَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوجَدَ أَمْرٌ يَكُونُ سَبَبًا لِخُرُوجِ النَّجَسِ الْحَقِيقِيِّ غَالِبًا فَيُقَامُ السَّبَبُ مَكَانَ الْمُسَبَّبِ احْتِيَاطًا، وَالثَّانِي: أَنْ لاَ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ جُعِل حَدَثًا شَرْعًا تَعَبُّدًا مَحْضًا. وَهَذَا التَّقْسِيمُ صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَتَدُل عَلَيْهِ تَعْلِيلاَتُ غَيْرِهِمْ. أَسْبَابُ الْحَدَثِ: أَوَّلاً - خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ: ٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِخُرُوجِ النَّجَسِ مِنَ الآْدَمِيِّ الْحَيِّ مِنَ السَّبِيلَيْنِ (الدُّبُرِ وَالذَّكَرِ أَوْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ) مُعْتَادًا كَانَ كَالْبَوْل وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَدَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، أَمْ غَيْرَ مُعْتَادٍ كَدَمِ الاِسْتِحَاضَةِ (٢) . أَوْ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ

стр. 10204

كَالْجُرْحِ وَالْقُرْحِ وَالأَْنْفِ وَالْفَمِ سَوَاءٌ كَانَ الْخَارِجُ دَمًا أَوْ قَيْحًا أَوْ قَيْئًا. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِالْخَارِجِ الْمُعْتَادِ مِنَ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ، لاَ حَصًى وَدُودٍ وَلَوْ بِبِلَّةٍ، وَهَذَا يَشْمَل الْبَوْل وَالْغَائِطَ وَالْمَذْيَ وَالْمَنِيَّ وَالْوَدْيَ وَالرِّيحَ، سَوَاءٌ أَكَانَ خُرُوجُهُ فِي حَال الصِّحَّةِ بِاخْتِيَارٍ، أَمْ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ، كَسَلَسٍ فَارَقَ أَكْثَرَ الزَّمَنِ، أَيِ ارْتَفَعَ عَنِ الشَّخْصِ، زَمَانًا يَزِيدُ عَلَى النِّصْفِ. فَإِنْ لاَزَمَهُ كُل الزَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَهُ أَوْ نِصْفَهُ فَلاَ نَقْضَ، وَيَشْمَل الْحَدَثُ عِنْدَهُمُ الْخَارِجَ مِنْ ثُقْبَةٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ إِنِ انْسَدَّ السَّبِيلاَنِ (١) . وَعَلَى ذَلِكَ فَالْخَارِجُ غَيْرُ الْمُعْتَادِ، وَالدُّودُ، وَالْحَصَى، وَالدَّمُ، وَالْقَيْحُ، وَالْقَيْءُ وَنَحْوُهَا لاَ يُعْتَبَرُ حَدَثًا وَلَوْ كَانَ مِنَ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ (٢) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ عَيْنًا كَانَ أَوْ رِيحًا، طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا، جَافًّا أَوْ رَطْبًا، مُعْتَادًا كَبَوْلٍ أَوْ نَادِرًا كَدَمٍ، قَلِيلاً أَوْ كَثِيرًا، طَوْعًا أَوْ كَرْهًا. إِلاَّ الْمَنِيَّ فَلَيْسَ خُرُوجُهُ نَاقِضًا قَالُوا: لأَِنَّهُ أَوْجَبَ أَعْظَم الأَْمْرَيْنِ وَهُوَ الْغُسْل فَلاَ يُوجِبُ أَدْوَنَهُمَا وَهُوَ الْوُضُوءُ بِعُمُومِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا انْسَدَّ مَخْرَجُهُ وَانْفَتَحَ تَحْتَ مَعِدَتِهِ فَخَرَجَ الْمُعْتَادُ (٣) .

стр. 10205

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: النَّاقِضُ لِلْوُضُوءِ هُوَ الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا، نَادِرًا كَانَ كَالدُّودِ وَالدَّمِ وَالْحَصَى، أَوْ مُعْتَادًا كَالْبَوْل وَالْغَائِطِ وَالْوَدْيِ وَالْمَذْيِ وَالرِّيحِ، طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا، وَكَذَلِكَ خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَتْ غَائِطًا أَوْ بَوْلاً نَقَضَ وَلَوْ قَلِيلاً مِنْ تَحْتِ الْمَعِدَةِ أَوْ فَوْقِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ السَّبِيلاَنِ مَفْتُوحَيْنِ أَمْ مَسْدُودَيْنِ. وَإِنْ كَانَتِ النَّجَاسَاتُ الْخَارِجَةُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ غَيْرَ الْغَائِطِ وَالْبَوْل كَالْقَيْءِ وَالدَّمِ وَالْقَيْحِ، وَدُونَ الْجِرَاحِ لَمْ يَنْقُضْ إِلاَّ كَثِيرُهَا (١) . وَمِمَّا سَبَقَ يَظْهَرُ أَنَّ أَسْبَابَ الْحَدَثِ الْحَقِيقِيِّ بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ: أَسْبَابُ الْحَدَثِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا: ٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ الْمُعْتَادَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ كَالْبَوْل وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالرِّيحِ، وَأَيْضًا دَمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ يُعْتَبَرُ حَدَثًا حَقِيقِيًّا قَلِيلاً كَانَ الْخَارِجُ أَوْ كَثِيرًا (٢) ، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ

стр. 10206

الْغَائِطِ﴾ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَدَثِ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ وَنَحْوِهِمَا. وَلِقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَل عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لاَ، فَلاَ يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا (١) . وَهَذِهِ الأَْسْبَابُ بَعْضُهَا حَدَثٌ أَكْبَرُ فَيُوجِبُ الْغُسْل كَخُرُوجِ الْمَنِيِّ، وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَبَعْضُهَا حَدَثٌ أَصْغَرُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَقَطْ كَالْبَوْل وَالْغَائِطِ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالرِّيحِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ. الأَْسْبَابُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا: أ - مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ نَادِرًا: ٨ - مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ نَادِرًا كَالدُّودِ وَالْحَصَى وَالشَّعْرِ وَقِطْعَةِ اللَّحْمِ وَنَحْوِهَا تُعْتَبَرُ أَحْدَاثًا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ، لأَِنَّهَا خَارِجَةٌ مِنَ السَّبِيلَيْنِ فَأَشْبَهَتِ الْمَذْيَ، وَلأَِنَّهَا لاَ تَخْلُو عَنْ بِلَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِهَا (٢) ، وَقَدْ أَمَرَ

стр. 10207

النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْتَحَاضَةَ بِالْوُضُوءِ لِكُل صَلاَةٍ، وَدَمُهَا خَارِجٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ (١) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْخَارِجَ غَيْرَ الْمُعْتَادِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ كَحَصًى تَوَلَّدَ بِالْبَطْنِ وَدُودٍ لاَ يُعْتَبَرُ حَدَثًا وَلَوْ بِبِلَّةٍ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ غَيْرِ مُتَفَاحِشٍ بِحَيْثُ يُنْسَبُ الْخُرُوجُ لِلْحَصَى وَالدُّودِ لاَ لِلْبَوْل وَالْغَائِطِ. وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ لاَ وُضُوءَ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ تَخْرُجَ الدُّودَةُ وَالْحَصَى غَيْرَ نَقِيَّةٍ (٢) . ٩ - وَاخْتَلَفُوا فِي الرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنَ الذَّكَرِ أَوْ قُبُل الْمَرْأَةِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ تُعْتَبَرُ حَدَثًا، وَلاَ يُنْتَقَضُ بِهَا الْوُضُوءُ، لأَِنَّهَا اخْتِلاَجٌ وَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ رِيحًا مُنْبَعِثَةً عَنْ مَحَل النَّجَاسَةِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُفْضَاةِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمُفْضَاةِ فَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهَا الْوُضُوءُ، وَقِيل: يَجِبُ، وَقِيل: لَوْ مُنْتِنَةً، لأَِنَّ نَتَنَهَا دَلِيل خُرُوجِهَا مِنَ الدُّبُرِ (٣) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ الْخَارِجَةَ مِنَ الذَّكَرِ أَوْ قُبُل الْمَرْأَةِ

стр. 10208

حَدَثٌ يُوجِبُ الْوُضُوءَ (١) ، لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ وُضُوءَ إِلاَّ مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ (٢) . ب - مَا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ: ١٠ - الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَجِسًا لاَ يُعْتَبَرُ حَدَثًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ نَجِسًا، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مَا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ مِنَ النَّجَاسَةِ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ سَائِلاً جَاوَزَ إِلَى مَحَلٍّ يُطْلَبُ تَطْهِيرُهُ وَلَوْ نَدْبًا، كَدَمٍ وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ عَنْ رَأْسِ جُرْحٍ، وَكَقَيْءٍ مَلأََ الْفَمَ مِنْ مُرَّةٍ أَوْ عَلَقٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ مَاءٍ، لاَ بَلْغَمٍ، وَإِنْ قَاءَ دَمًا أَوْ قَيْحًا نَقَضَ وَإِنْ لَمْ يَمْلأَِ الْفَمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلاَفًا لِمُحَمَّدٍ، وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا إِلاَّ الْغَائِطَ وَالْبَوْل فَلاَ تُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْكَثْرَةُ عِنْدَهُمْ. وَالْقَوْل بِأَنَّ النَّجِسَ الْخَارِجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ حَدَثٌ هُوَ قَوْل كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. مِنْهُمُ: ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ

стр. 10209

وَابْنُ عُمَرَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ (١) . وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الأَْحَادِيثِ، مِنْهَا: قَوْلُهُ ﷺ : الْوُضُوءُ مِنْ كُل دَمٍ سَائِلٍ (٢) وَقَوْلُهُ ﵊: مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلْسٌ أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لْيَبْنِ عَلَى صَلاَتِهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ لاَ يَتَكَلَّمُ (٣) وَلأَِنَّ الدَّمَ وَنَحْوَهُ نَجَاسَةٌ خَارِجَةٌ مِنَ الْبَدَنِ فَأَشْبَهَ الْخَارِجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ (٤) . وَوَجْهُ مَا اشْتَرَطَهُ الْحَنَابِلَةُ مِنَ الْكَثْرَةِ فِي غَيْرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْل أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَال فِي الدَّمِ: إِذَا كَانَ فَاحِشًا فَعَلَيْهِ الإِْعَادَةُ، وَلِمَا وَرَدَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَصَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ دَمٌ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (٥) .

стр. 10210

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ قَوْل رَبِيعَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ: الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لاَ يُعْتَبَرُ حَدَثًا، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدُ عَنْ جَابِرٍ قَال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَعْنِي فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ - فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَحَلَفَ أَنْ لاَ أَنْتَهِيَ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَل النَّبِيُّ ﷺ مَنْزِلاً، فَقَال: مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا (١) ؟ فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الأَْنْصَارِ، فَقَال: كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ قَال: فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلاَنِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ اضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ وَقَامَ الأَْنْصَارِيُّ يُصَلِّي، وَأَتَى الرَّجُل، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَهُ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةٌ (٢) لِلْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ حَتَّى رَمَاهُ بِثَلاَثَةِ أَسْهُمٍ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ انْتَبَهَ صَاحِبُهُ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُمْ قَدْ نَذِرُوا (٣) بِهِ هَرَبَ، وَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالأَْنْصَارِيِّ مِنَ الدَّمِ: قَال: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَلاَ أَنْبَهْتنِي أَوَّل مَا رَمَى؟ قَال: كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا (٤) .

стр. 10211

وَلِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊: قَاءَ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ (١) . وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ مَا خَرَجَ مِنْ ثُقْبَةٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ إِنِ انْسَدَّ مَخْرَجُهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَنْسَدَّ فِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَيُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ (٢) . ثَانِيًا - الْحَدَثُ الْحُكْمِيُّ: ١١ - الْحَدَثُ الْحُكْمِيُّ هُوَ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِخُرُوجِ الْحَدَثِ الْحَقِيقِيِّ غَالِبًا فَيُقَامُ السَّبَبُ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ احْتِيَاطًا. فَيَأْخُذُ حُكْمَ الْحَدَثِ الْحَقِيقِيِّ شَرْعًا، وَيَدْخُل فِي هَذَا النَّوْعِ: - زَوَال الْعَقْل أَوِ التَّمْيِيزُ وَذَلِكَ بِالنَّوْمِ أَوِ السُّكْرِ أَوِ الإِْغْمَاءِ أَوِ الْجُنُونِ أَوْ نَحْوِهَا. وَهَذِهِ الأَْسْبَابُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ فِي الْجُمْلَةِ (٣) . وَاسْتَدَل الْفُقَهَاءُ لِنَقْضِ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ بِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لاَ نَنْزِعَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ (٤) .

стр. 10212

وَبِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ (١) . وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي كَيْفِيَّةِ النَّوْمِ النَّاقِضِ لِلْوُضُوءِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: النَّوْمُ النَّاقِضُ هُوَ مَا كَانَ مُضْطَجِعًا أَوْ مُتَّكِئًا أَوْ مُسْتَنِدًا إِلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيل مِنْهُ لَسَقَطَ، لأَِنَّ الاِضْطِجَاعَ سَبَبٌ لاِسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِل فَلاَ يَعْرَى عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ عَادَةً، وَالثَّابِتُ عَادَةً كَالْمُتَيَقَّنِ. وَالاِتِّكَاءُ يُزِيل مُسْكَةَ الْيَقِظَةِ، لِزَوَال الْمَقْعَدَةِ عَنِ الأَْرْضِ. بِخِلاَفِ النَّوْمِ حَالَةَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا، لأَِنَّ بَعْضَ الاِسْتِمْسَاكِ بَاقٍ، إِذْ لَوْ زَال لَسَقَطَ، فَلَمْ يَتِمَّ الاِسْتِرْخَاءُ (٢) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ النَّاقِضَ هُوَ النَّوْمُ الثَّقِيل بِأَنْ لَمْ يَشْعُرْ بِالصَّوْتِ الْمُرْتَفِعِ، بِقُرْبِهِ، أَوْ بِسُقُوطِ شَيْءٍ مِنْ يَدِهِ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ، طَال النَّوْمُ أَوْ قَصُرَ. وَلاَ يُنْقَضُ بِالْخَفِيفِ وَلَوْ طَال، وَيُنْدَبُ الْوُضُوءُ إِنْ طَال النَّوْمُ الْخَفِيفُ (٣) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: الصَّحِيحُ مِنْهَا

стр. 10213

أَنَّ مَنْ نَامَ مُمَكِّنًا مَقْعَدَتَهُ مِنَ الأَْرْضِ أَوْ نَحْوِهَا لَمْ يُنْقَضْ وُضُوءُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَكِّنًا يُنْتَقَضُ عَلَى أَيَّةِ هَيْئَةٍ كَانَ فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَال: كَانَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ فَيَنَامُونَ، أَحْسَبُهُ قَال: قُعُودًا حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّئُونَ (١) . وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا وُضُوءٌ حَتَّى يَضَعَ جَنْبَهُ إِلَى الأَْرْضِ (٢) وَيُنْدَبُ الْوُضُوءُ عِنْدَهُمْ إِلاَّ مَعَ التَّمْكِينِ خُرُوجًا مِنَ الْخِلاَفِ (٣) . وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَسَمُوا النَّوْمَ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: الأَْوَّل: نَوْمُ الْمُضْطَجِعِ فَيُنْقَضُ بِهِ الْوُضُوءُ قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا أَخْذًا لِعُمُومِ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ. الثَّانِي: نَوْمُ الْقَاعِدِ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا نُقِضَ بِنَاءً عَلَى الْحَدِيثَيْنِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يُنْقَضْ لِحَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ. الثَّالِثُ:

стр. 10214

مَا عَدَا هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَهُوَ نَوْمُ الْقَائِمِ وَالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْحَالاَتِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يُنْقَضُ مُطْلَقًا لِلْعُمُومِ فِي الْحَدِيثَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ: لاَ يُنْقَضُ، إِلاَّ إِذَا كَثُرَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْجُدُ وَيَنَامُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي فَقُلْتُ لَهُ: صَلَّيْتَ وَلَمْ تَتَوَضَّأْ، وَقَدْ نِمْتَ، فَقَال إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ (١) . وَالْعِبْرَةُ فِي تَحْدِيدِ الْكَثِيرِ وَالْيَسِيرِ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمُ الْعُرْفُ (٢) . أَمَّا السُّكْرُ وَالْجُنُونُ وَالإِْغْمَاءُ فَدَلِيل نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهَا أَنَّهَا أَبْلَغُ فِي إِزَالَةِ الْمُسْكَةِ مِنَ النَّوْمِ، لأَِنَّ النَّائِمَ يَسْتَيْقِظُ بِالاِنْتِبَاهِ، بِخِلاَفِ الْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ. وَلِتَعْرِيفِ هَذِهِ الأُْمُورِ وَمَعْرِفَةِ حُكْمِهَا وَأَثَرِهَا عَلَى الْوُضُوءِ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحَاتِهَا. الْمُبَاشَرَةُ الْفَاحِشَةُ دُونَ الْجِمَاعِ: ١٢ - وَتَفْسِيرُهَا، كَمَا قَال الْكَاسَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنْ يُبَاشِرَ الرَّجُل الْمَرْأَةَ بِشَهْوَةٍ وَيَنْتَشِرَ لَهَا وَلَيْسَ

стр. 10215

بَيْنَهُمَا ثَوْبٌ وَلَمْ يَرَ بَلَلاً (١) . وَقَال فِي الدُّرِّ: أَنْ تَكُونَ بِتَمَاسِّ الْفَرْجَيْنِ وَلَوْ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ أَوِ الرَّجُلَيْنِ مَعَ الاِنْتِشَارِ وَلَوْ بِلاَ بَلَلٍ (٢) . فَهَذِهِ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - إِلاَّ مُحَمَّدًا مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ قَال: بَيْنَمَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، وَنَحْنُ قُعُودٌ مَعَهُ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَعَادَ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ. وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ. فَلَمَّا انْصَرَفَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَال أَبُو أُمَامَةَ: فَاتَّبَعَ الرَّجُل رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ وَاتَّبَعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُل فَلَحِقَ الرَّجُل رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. قَال أَبُو أُمَامَةَ: فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ أَلَيْسَ قَدْ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟ قَال: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلاَةَ مَعَنَا فَقَال: نَعَمْ يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ، أَوْ قَال ذَنْبَكَ (٣) .

стр. 10216

وَلأَِنَّ الْمُبَاشَرَةَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا لاَ تَخْلُو عَنْ خُرُوجِ الْمَذْيِ عَادَةً إِلاَّ أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ جَفَّ بِحَرَارَةِ الْبَدَنِ فَلَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ أَوْ غَفَل عَنْ نَفْسِهِ لِغَلَبَةِ الشَّبَقِ فَكَانَتْ سَبَبًا مُفْضِيًا إِلَى الْخُرُوجِ، وَهُوَ الْمُتَحَقِّقُ فِي مَقَامِ وُجُوبِ الاِحْتِيَاطِ (١) . الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ: ١٣ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ لَمْسَ بَشَرَتَيِ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ تَخْتَلِفُ عِبَارَاتُهُمْ فِي الشُّرُوطِ وَالتَّفْصِيل. فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ هُوَ اللَّمْسُ بِعُضْوٍ أَصْلِيٍّ أَوْ زَائِدٍ يَلْتَذُّ صَاحِبُهُ بِهِ عَادَةً، وَلَوْ لِظُفْرٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ سِنٍّ، وَلَوْ بِحَائِلٍ خَفِيفٍ يُحِسُّ اللاَّمِسُ فَوْقَهُ بِطَرَاوَةِ الْجَسَدِ، إِنْ قَصَدَ اللَّذَّةَ أَوْ وَجَدَهَا بِدُونِ الْقَصْدِ، قَالُوا: وَمِمَّنْ يُلْتَذُّ بِهِ عَادَةً الأَْمْرَدُ وَاَلَّذِي لَمْ تَتِمَّ لِحْيَتُهُ، فَلاَ نَقْضَ بِلَمْسِ جَسَدِ أَوْ فَرْجِ صَغِيرَةٍ لاَ تُشْتَهَى عَادَةً، وَلَوْ قَصَدَ. اللَّذَّةَ أَوْ وَجَدَهَا، كَمَا لاَ تُنْقَضُ بِلَمْسِ مَحْرَمٍ بِغَيْرِ لَذَّةٍ، أَمَّا الْقُبْلَةُ بِفَمٍ فَنَاقِضَةٌ وَلاَ تُشْتَرَطُ فِيهَا اللَّذَّةُ وَلاَ وُجُودُهَا (٢) .

стр. 10217

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ لَمْسُ بَشَرَتَيِ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى اللَّذَيْنِ بَلَغَا حَدًّا يُشْتَهَى، وَلَوْ لَمْ يَكُونَا بَالِغَيْنِ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِشَهْوَةٍ أَوْ إِكْرَاهٍ أَوْ نِسْيَانٍ، أَوْ يَكُونَ الذَّكَرُ مَمْسُوحًا أَوْ خَصِيًّا أَوْ عِنِّينًا، أَوِ الْمَرْأَةُ عَجُوزًا شَوْهَاءَ، أَوِ الْعُضْوُ زَائِدًا أَوْ أَصْلِيًّا سَلِيمًا أَوْ أَشَل أَوْ أَحَدُهُمَا مَيِّتًا. وَالْمُرَادُ بِالْبَشَرَةِ ظَاهِرُ الْجِلْدِ. وَفِي مَعْنَاهَا اللَّحْمُ، كَلَحْمِ الأَْسْنَانِ وَاللِّسَانِ وَاللِّثَةِ وَبَاطِنِ الْعَيْنِ، فَخَرَجَ مَا إِذَا كَانَ عَلَى الْبَشَرَةِ حَائِلٌ وَلَوْ رَقِيقًا. وَالْمَلْمُوسُ فِي كُل هَذَا كَاللاَّمِسِ فِي نَقْضِ وُضُوئِهِ فِي الأَْظْهَرِ. وَلاَ يُنْقَضُ بِلَمْسِ الْمَحْرَمِ فِي الأَْظْهَرِ، وَلاَ صَغِيرَةٍ، وَشَعْرٍ، وَسِنٍّ، وَظُفْرٍ فِي الأَْصَحِّ، كَمَا لاَ يُنْقَضُ بِلَمْسِ الرَّجُل الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ وَالْخُنْثَى مَعَ الْخُنْثَى أَوْ مَعَ الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةِ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ، لاِنْتِفَاءِ مَظِنَّتِهَا (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَسُّ بَشَرَةِ الذَّكَرِ بَشَرَةَ أُنْثَى أَوْ عَكْسُهُ لِشَهْوَةٍ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ غَيْرِ طِفْلَةٍ وَطِفْلٍ وَلَوْ كَانَ اللَّمْسُ بِزَائِدٍ أَوْ لِزَائِدٍ أَوْ شَلَلٍ، وَلَوْ كَانَ الْمَلْمُوسُ مَيِّتًا أَوْ عَجُوزًا أَوْ مَحْرَمًا أَوْ صَغِيرَةً تُشْتَهَى، وَلاَ يُنْقَضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ بَدَنُهُ وَلَوْ وُجِدَ مِنْهُ شَهْوَةٌ، وَلاَ بِلَمْسِ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَسِنٍّ وَعُضْوٍ مَقْطُوعٍ وَأَمْرَدَ مَسَّهُ رَجُلٌ وَلاَ مَسِّ خُنْثَى

стр. 10218

مُشْكِلٍ، وَلاَ بِمَسِّهِ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً، وَلاَ بِمَسِّ الرَّجُل رَجُلاً، وَلاَ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ فِيهِمْ (١) . هَذَا، وَيَسْتَدِل الْجُمْهُورُ فِي اعْتِبَارِهِمُ اللَّمْسَ مِنَ الأَْحْدَاثِ بِمَا وَرَدَ فِي الآْيَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى. ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمِ النِّسَاءَ (٢) ﴾ أَيْ لَمَسْتُمْ كَمَا قُرِئَ بِهِ، فَعَطَفَ اللَّمْسَ عَلَى الْمَجِيءِ مِنَ الْغَائِطِ وَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا الأَْمْرَ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ، فَدَل عَلَى أَنَّهُ حَدَثٌ كَالْمَجِيءِ مِنَ الْغَائِطِ. وَلَيْسَ مَعْنَاهُ (أَوْ جَامَعْتُمْ) لأَِنَّهُ خِلاَفُ الظَّاهِرِ، إِذْ اللَّمْسُ لاَ يَخْتَصُّ بِالْجِمَاعِ. قَال تَعَالَى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ (٣) ﴾ وَقَال ﷺ : لَعَلَّكَ لَمَسْتَ (٤) . أَمَّا مَا اشْتَرَطَهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ قَصْدِ اللَّذَّةِ أَوْ وُجُودِهَا وَالْحَنَابِلَةُ مِنْ أَنْ يَكُونَ اللَّمْسُ بِالشَّهْوَةِ فَلِلْجَمْعِ بَيْنَ الآْيَةِ وَبَيْنَ الأَْخْبَارِ الَّتِي تَدُل عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ بِمُجَرَّدِ الاِلْتِقَاءِ كَمَا سَيَأْتِي (٥) . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلاَ يَعْتَبِرُونَ مَسَّ الْمَرْأَةِ مِنَ

стр. 10219

الأَْحْدَاثِ مُطْلَقًا، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَرِجْلاَيَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلِي فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا (١) . وَعَنْهَا أَنَّهُ ﷺ قَبَّل بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (٢) . مَسُّ فَرْجِ الآْدَمِيِّ: ١٤ - ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَسَّ فَرْجِ الآْدَمِيِّ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَكِنِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي الشُّرُوطِ وَالتَّفْصِيل: فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مُطْلَقُ مَسِّ ذَكَرِ الْمَاسِّ الْبَالِغِ الْمُتَّصِل وَلَوْ كَانَ خُنْثَى مُشْكِلاً بِبَطْنٍ أَوْ جَنْبٍ لِكَفٍّ أَوْ إِصْبَعٍ وَلَوْ كَانَتِ الإِْصْبَعُ زَائِدَةً وَبِهَا إِحْسَاسٌ. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعَمُّدُ أَوِ الاِلْتِذَاذُ. أَمَّا مَسُّ ذَكَرِ غَيْرِهِ فَيَجْرِي عَلَى حُكْمِ اللَّمْسِ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْقَصْدِ أَوْ وُجْدَانِ اللَّذَّةِ (٣) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: النَّاقِضُ مَسُّ قُبُل الآْدَمِيِّ

стр. 10220

ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مُتَّصِلاً أَوْ مُنْفَصِلاً بِبَطْنِ الْكَفِّ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ. وَكَذَا (فِي الْجَدِيدِ) حَلْقَةُ دُبُرِهِ وَلَوْ فَرْجَ الْمَيِّتِ وَالصَّغِيرِ وَمَحَل الْجَبِّ وَالذَّكَرَ الأَْشَل وَبِالْيَدِ الشَّلاَّءِ عَلَى الأَْصَحِّ، لاَ بِرَأْسِ الأَْصَابِعِ وَمَا بَيْنَهُمَا (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَجْعَل مَسَّهُ حَدَثًا: النَّاقِضُ مَسُّ ذَكَرِ الآْدَمِيِّ إِلَى أُصُول الأُْنْثَيَيْنِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَاسُّ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا بِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، لاَ مَسُّ مُنْقَطِعٍ وَلاَ مَحَل الْقَطْعِ، وَيَكُونُ الْمَسُّ بِبَطْنِ الْكَفِّ أَوْ بِظَهْرِهِ أَوْ بِحَرْفِهِ غَيْرِ ظُفْرٍ، مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَلَوْ بِزَائِدٍ (٢) . كَمَا يَنْقُضُ مَسُّ حَلْقَةِ دُبُرٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَمَسُّ امْرَأَةٍ فَرْجَهَا الَّذِي بَيْنَ شَفْرَيْهَا أَوْ فَرْجَ امْرَأَةٍ أُخْرَى، وَمَسُّ رَجُلٍ فَرْجَهَا وَمَسُّهَا ذَكَرَهُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ (٣) . وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ مَسَّ الْفَرْجِ حَدَثٌ مَا رَوَاهُ بُسْرُ بْنُ صَفْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلاَ يُصَل حَتَّى يَتَوَضَّأَ (٤) وَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ

стр. 10221

أَنَّهُ قَال: مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ دُونَهُ سِتْرٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ (١) وَقَوْلُهُ ﷺ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ (٢) . وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَسَّ الْفَرْجِ لاَ يُعْتَبَرُ مِنَ الأَْحْدَاثِ فَلاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، لِحَدِيثِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِل عَنِ الرَّجُل يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلاَةِ فَقَال: هَل هُوَ إِلاَّ بَضْعَةٌ مِنْكَ (٣) . قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَغْسِل يَدَهُ نَدْبًا لِحَدِيثِ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ أَيْ لِيَغْسِل يَدَهُ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ هَل هُوَ إِلاَّ بَضْعَةٌ مِنْكَ حِينَ سُئِل عَنِ الرَّجُل يَمَسُّ ذَكَرَهُ بَعْدَمَا يَتَوَضَّأُ وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّلاَةِ (٤) .

стр. 10222

الْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلاَةِ: ١٥ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - لاَ يَعْتَبِرُونَ الْقَهْقَهَةَ مِنَ الأَْحْدَاثِ مُطْلَقًا، فَلاَ يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِهَا أَصْلاً وَلاَ يَجْعَلُونَ فِيهَا وُضُوءًا، لأَِنَّهَا لاَ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ خَارِجَ الصَّلاَةِ فَلاَ تَنْقُضُهُ دَاخِلَهَا، وَلأَِنَّهَا لَيْسَتْ خَارِجًا نَجِسًا، بَل هِيَ صَوْتٌ كَالْكَلاَمِ وَالْبُكَاءِ (١) . وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْحْدَاثِ الَّتِي تَنْقُضُ الْوُضُوءَ الْقَهْقَهَةَ فِي الصَّلاَةِ إِذَا حَدَثَتْ مِنْ مُصَلٍّ بَالِغٍ يَقْظَانَ فِي صَلاَةٍ كَامِلَةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَوَضِّئًا أَمْ مُتَيَمِّمًا أَمْ مُغْتَسِلاً فِي الصَّحِيحِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْقَهْقَهَةُ عَمْدًا أَمْ سَهْوًا، لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلاَةِ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدِ الْوُضُوءَ وَالصَّلاَةَ مَعًا (٢) . وَالْقَهْقَهَةُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لِجِيرَانِهِ، وَالضَّحِكُ مَا يَسْمَعُهُ هُوَ دُونَ جِيرَانِهِ، وَالتَّبَسُّمُ مَا لاَ صَوْتَ فِيهِ وَلَوْ بَدَتْ أَسْنَانُهُ. قَالُوا: الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَتُبْطِل الصَّلاَةَ مَعًا، وَالضَّحِكُ يُبْطِل الصَّلاَةَ خَاصَّةً، وَالتَّبَسُّمُ لاَ يُبْطِل شَيْئًا. وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَبْطُل وُضُوءُ صَبِيٍّ وَنَائِمٍ

стр. 10223

بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، كَمَا لاَ يُنْقَضُ وُضُوءُ مَنْ قَهْقَهَ خَارِجَ الصَّلاَةِ، أَوْ مَنْ كَانَ فِي صَلاَةٍ غَيْرِ كَامِلَةٍ، كَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلاَوَةِ (١) . ثُمَّ قِيل: إِنَّ الْقَهْقَهَةَ مِنَ الأَْحْدَاثِ عِنْدَهُمْ، وَقِيل: لاَ بَل وَجَبَ الْوُضُوءُ بِهَا عُقُوبَةً وَزَجْرًا، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِالصَّلاَةِ إِظْهَارُ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالتَّعْظِيمِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْقَهْقَهَةُ تُنَافِي ذَلِكَ فَنَاسَبَ انْتِقَاضَ وُضُوئِهِ زَجْرًا لَهُ. وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ حَدَثًا وَإِلاَّ لاَسْتَوَى فِيهَا جَمِيعُ الأَْحْوَال مَعَ أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِأَنْ تَكُونَ فِي الصَّلاَةِ الْكَامِلَةِ مِنْ مُصَلٍّ بَالِغٍ (٢) . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَرَجَّحَ فِي الْبَحْرِ الْقَوْل الثَّانِيَ لِمُوَافَقَتِهِ الْقِيَاسَ، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ خَارِجًا نَجِسًا بَل هِيَ صَوْتٌ كَالْكَلاَمِ وَالْبُكَاءِ، وَلِمُوَافَقَتِهِ لِلأَْحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِيهَا، إِذْ لَيْسَ فِيهَا إِلاَّ الأَْمْرُ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ وَلاَ يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُهَا حَدَثًا. ١٦ - وَفَائِدَةُ الْخِلاَفِ فِي الْقَوْلَيْنِ تَظْهَرُ فِي جَوَازِ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَكِتَابَةِ الْقُرْآنِ، فَمَنْ جَعَلَهَا حَدَثًا مَنَعَ كَسَائِرِ الأَْحْدَاثِ، وَمَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ عُقُوبَةً وَزَجْرًا جَوَّزَ (٣) .

стр. 10224

أَكْل لَحْمِ الْجَزُورِ: ١٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ أَكْل لَحْمِ الْجَزُورِ لاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَأَكْل سَائِرِ الأَْطْعِمَةِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: الْوُضُوءُ مِمَّا يَخْرُجُ وَلَيْسَ مِمَّا يَدْخُل (١) وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ قَال: كَانَ آخِرُ الأَْمْرَيْنِ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ (٢) وَلأَِنَّهُ مَأْكُولٌ أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَأْكُولاَتِ فِي عَدَمِ النَّقْضِ، وَالأَْمْرُ بِالْوُضُوءِ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ أَوِ الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ غَسْل الْيَدَيْنِ (٣) . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ - بِأَنْ أَكْل لَحْمِ الإِْبِل يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عَلَى كُل حَالٍ نِيئًا وَمَطْبُوخًا، عَالِمًا كَانَ الآْكِل أَوْ جَاهِلاً (٤) . لِقَوْلِهِ ﵊: تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الإِْبِل وَلاَ تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ (٥) .

стр. 10225

وَقَالُوا: إِنَّ وُجُوبَ الْوُضُوءِ مِنْ أَكْل لَحْمِ الْجَزُورِ تَعَبُّدِيٌّ لاَ يُعْقَل مَعْنَاهُ فَلاَ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ، فَلاَ يَجِبُ الْوُضُوءُ بِشُرْبِ لَبَنِهَا، وَمَرَقِ لَحْمِهَا، وَأَكْل كَبِدِهَا وَطِحَالِهَا وَسَنَامِهَا وَجِلْدِهَا وَكَرِشِهَا وَنَحْوِهِ (١) . غُسْل الْمَيِّتِ: ١٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ بِتَغْسِيل الْمَيِّتِ، لأَِنَّ الْوُجُوبَ يَكُونُ مِنَ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي هَذَا نَصٌّ فَبَقِيَ عَلَى الأَْصْل. وَلأَِنَّهُ غَسْل آدَمِيٍّ فَأَشْبَهَ غَسْل الْحَيِّ، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ (٢) . وَيَرَى أَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَنْ غَسَّل الْمَيِّتَ أَوْ بَعْضَهُ وَلَوْ فِي قَمِيصٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَغْسُول صَغِيرًا أَمْ كَبِيرًا، ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا. لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ
следующие страницы →