← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 11551–11590 · переход к 11556.

стр. 11551

خُصُومَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْخُصُومَةُ لُغَةً: الْمُنَازَعَةُ، وَالْجَدَل، وَالْغَلَبَةُ بِالْحُجَّةِ (١) . وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَقَدِ اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِي رَفْعِ الدَّعْوَى أَمَامَ الْقَضَاءِ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْعَدَاوَةُ: ٢ - الْعَدَاوَةُ، هِيَ مَا يَتَمَكَّنُ فِي الْقَلْبِ مِنْ قَصْدِ الإِْضْرَارِ وَالاِنْتِقَامِ، وَأَصْلُهُ مِنْ تَجَاوُزِ الْحَدِّ فِي الشَّيْءِ (٣) . قَال الرَّاغِبُ: الْعَدْوُ التَّجَاوُزُ وَمُنَافَاةُ الاِلْتِئَامِ، فَتَارَةً يُعْتَبَرُ بِالْقَلْبِ، فَيُقَال لَهُ: الْعَدَاوَةُ وَالْمُعَادَاةُ، وَتَارَةً بِالْمَشْيِ، فَيُقَال لَهُ الْعَدْوُ، وَتَارَةً

стр. 11552

فِي الإِْخْلاَل بِالْعَدَالَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ، فَيُقَال لَهُ الْعُدْوَانُ وَالْعَدُوُّ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) . قَال أَبُو هِلاَلٍ الْعَسْكَرِيُّ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعَادَاةِ وَالْمُخَاصَمَةِ أَنَّ الْمُخَاصَمَةَ، مِنْ قَبِيل الْقَوْل، وَالْمُعَادَاةُ مِنْ أَفْعَال الْقُلُوبِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَاصِمَ الإِْنْسَانُ غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَادِيَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعَادِيَهُ وَلاَ يُخَاصِمَهُ (٢) . ب - الدَّعْوَى: ٣ - عَرَّفَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهَا قَوْلٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ الْقَاضِي يُقْصَدُ بِهِ طَلَبُ حَقٍّ قِبَل غَيْرِهِ، أَوْ دَفْعُهُ عَنْ حَقِّ نَفْسِهِ. فَالْخُصُومَةُ وَالدَّعْوَى مِنْ حَيْثُ التَّعْرِيفُ مُتَسَاوِيَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ، بِأَنَّهَا إِخْبَارٌ بِحَقٍّ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ عِنْدَ حَاكِمٍ. فَالدَّعْوَى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا عَلَى طَلَبِ الْحَقِّ مِنَ الْمُدَّعِي، أَمَّا الْخُصُومَةُ فَمَا يَقَعُ مِنَ الْخَصْمَيْنِ (الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ) أَمَامَ الْقَاضِي (٣) . أَقْسَامُ الْخُصُومَةِ: ٤ - تَنْقَسِمُ الْخُصُومَةُ إِلَى قِسْمَيْنِ: الأَْوَّل: مَا يَكُونُ الْخَصْمُ فِيهِ مُنْفَرِدًا. وَهُوَ الَّذِي

стр. 11553

لاَ يَحْتَاجُ إِلَى حُضُورِ آخَرَ مَعَهُ، كَمَنْ يَتَرَتَّبُ عَلَى إِقْرَارِهِ حُكْمٌ، فَهُوَ خَصْمٌ فِي حَالَةِ إِنْكَارِهِ. وَنَظَائِرُ هَذَا فِي مُصْطَلَحِ: (دَعْوَى) . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: الْخُصُومَةُ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى حُضُورِ طَرَفٍ آخَرَ، كَمَسَائِل الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالإِْجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالْغَصْبِ وَنَظَائِرِهَا (١) . وَانْظُرْ تَفْصِيلَهَا فِي مَظَانِّهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْمُصْطَلَحَاتِ الْخَاصَّةِ بِهَا فِي الْمَوْسُوعَةِ، وَمُصْطَلَحَيْ: (قَضَاءٌ وَدَعْوَى) . ضَابِطُ الْخُصُومَةِ: ٥ - (أ) فِي الْمُدَّعِي: إِذَا ادَّعَى أَحَدٌ شَيْئًا، وَكَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَى إِقْرَارِهِ حُكْمٌ إِذَا أَقَرَّ، يَكُونُ بِإِنْكَارِهِ خَصْمًا فِي الدَّعْوَى. ب - فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: إِذَا كَانَ لاَ يَصِحُّ إِقْرَارُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَيْ فِي حَالَةِ إِقْرَارِهِ لاَ يَتَرَتَّبُ حُكْمٌ عَلَى إِقْرَارِهِ، فَبِإِنْكَارِهِ لاَ يَكُونُ خَصْمًا فِي الدَّعْوَى (٢) . وَذَلِكَ كَمَا لَوِ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى وَلِيِّ الصَّغِيرِ بِدَيْنٍ أَوْ بِحَقٍّ فَأَقَرَّ بِهِ، فَإِنَّ إِقْرَارَهُ لاَ يُقْبَل لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْضْرَارِ بِالْحُجُورِ عَلَيْهِ. وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذَا الضَّابِطِ مَسَائِل تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (دَعْوَى) .

стр. 11554

خَصِيٌّ انْظُرْ: خِصَاءٌ. خِضَابٌ انْظُرِ: اخْتِضَابٌ

стр. 11555

خَطَأٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْخَطَأُ لُغَةً نَقِيضُ الصَّوَابِ. قَال فِي اللِّسَانِ: الْخَطَأُ وَالْخَطَاءُ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَفِي التَّنْزِيل: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ (١) عَدَّاهُ بِالْبَاءِ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى عَثَرْتُمْ أَوْ غَلِطْتُمْ. وَأَخْطَأَ الطَّرِيقَ عَدَل عَنْهُ، وَأَخْطَأَ الرَّامِي الْغَرَضَ لَمْ يُصِبْهُ. وَخَطَّأَهُ تَخْطِئَةً نَسَبَهُ إِلَى الْخَطَأِ وَقَال لَهُ أَخْطَأْتَ. وَقَال الأُْمَوِيُّ: الْمُخْطِئُ مَنْ أَرَادَ الصَّوَابَ فَصَارَ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْخَاطِئُ مَنْ تَعَمَّدَ لِمَا لاَ يَنْبَغِي. وَالاِسْمُ الْخَطِيئَةُ عَلَى فَعِيلَةٍ، وَذَلِكَ أَنْ تُشَدَّدَ الْيَاءُ وَتُدْغَمَ فَتَقُول خَطِيَّةٌ وَالْجَمْعُ خَطَايَا (٢) . وَفِي النِّهَايَةِ وَالْمِصْبَاحِ: يُقَال خَطِئَ. فِي دِينِهِ خَطَأً إِذَا أَثِمَ فِيهِ، وَالْخِطْءُ: الذَّنْبُ وَالإِْثْمُ. وَأَخْطَأَ يُخْطِئُ إِذَا سَلَكَ سَبِيل الْخَطَأِ عَمْدًا أَوْ

стр. 11556

سَهْوًا. وَيُقَال: خَطِئَ بِمَعْنَى أَخْطَأَ أَيْضًا. وَقِيل: خَطِئَ إِذَا تَعَمَّدَ، وَأَخْطَأَ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ. وَيُقَال: لِمَنْ أَرَادَ شَيْئًا فَفَعَل غَيْرَهُ، أَوْ فَعَل غَيْرَ الصَّوَابِ: أَخْطَأَ (١) . مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ: ٢ - قَال فِي التَّلْوِيحِ: هُوَ فِعْلٌ يَصْدُرُ مِنَ الإِْنْسَانِ بِلاَ قَصْدٍ إِلَيْهِ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ أَمْرٍ مَقْصُودٍ سِوَاهُ (٢) . وَعَرَّفَهُ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ بِقَوْلِهِ: هُوَ أَنْ يَقْصِدَ بِالْفِعْل غَيْرَ الْمَحَل الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْجِنَايَةُ، كَالْمَضْمَضَةِ تَسْرِي إِلَى حَلْقِ الصَّائِمِ، فَإِنَّ الْمَحَل الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْجِنَايَةُ عَلَى الصَّوْمِ إِنَّمَا هُوَ الْحَلْقُ وَلَمْ يَقْصِدْ بِالْمَضْمَضَةِ بَل قَصَدَ بِهَا الْفَمَ، وَكَالرَّمْيِ إِلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ آدَمِيًّا، فَإِنَّ مَحَل الْجِنَايَةِ هُوَ الآْدَمِيُّ وَلَمْ يَقْصِدْ بِالرَّمْيِ بَل قَصَدَ غَيْرَهُ وَهُوَ الصَّيْدُ (٣) . الْغَلَطُ: ٣ - الْغَلَطُ فِي اصْطِلاَحِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ يَأْتِي مُسَاوِيًا لِلَفْظِ الْخَطَأِ (٤) .

стр. 11557

فَقَدْ جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الْعَدَوِيِّ عَلَى الْخَرَشِيِّ تَعْرِيفُ الْغَلَطِ: بِأَنَّهُ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى خِلاَفِ مَا هُوَ عَلَيْهِ (١) . وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ مَا قَالَهُ اللَّيْثُ: إِنَّهُ أَيِ الْغَلَطُ كُل شَيْءٍ يَعْيَا الإِْنْسَانُ عَنْ جِهَةِ صَوَابِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ (٢) . وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْخَطَأِ بِعَيْنِهِ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: فَرْقًا بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ وَهُوَ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْخَطَأِ الْجَنَانُ، وَمُتَعَلِّقَ الْغَلَطِ اللِّسَانُ (٣) . وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا يَأْتِي الْغَلَطُ بِمَعْنَى الْخَطَأِ وَيَأْخُذُ حُكْمَهُ. قَال الدُّسُوقِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ: فِي الْحِنْثِ بِالْغَلَطِ أَيِ: اللِّسَانِيِّ نَظَرٌ، وَالصَّوَابُ عَدَمُ الْحِنْثِ فِيهِ، وَمَا وَقَعَ فِي كَلاَمِهِمْ مِنَ الْحِنْثِ بِالْغَلَطِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْغَلَطُ الْجِنَائِيُّ الَّذِي هُوَ الْخَطَأُ، كَحَلِفِهِ أَنْ لاَ يُكَلِّمَ زَيْدًا، فَكَلَّمَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ عَمْرٌو، وَكَحَلِفِهِ لاَ أَذْكُرُ فُلاَنًا فَذَكَرَهُ، لِظَنِّهِ أَنَّهُ غَيْرُ الاِسْمِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (٤) . وَفَرَّقَ أَبُو هِلاَلٍ الْعَسْكَرِيُّ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ فَقَال: إِنَّ الْغَلَطَ هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَوَابًا فِي نَفْسِهِ، وَالْخَطَأُ لاَ يَكُونُ صَوَابًا عَلَى وَجْهٍ.

стр. 11558

ثُمَّ قَال: وَقَال بَعْضُهُمُ: الْغَلَطُ أَنْ يَسْهَى تَرْتِيبَ الشَّيْءِ وَأَحْكَامَهُ، وَالْخَطَأُ أَنْ يَسْهَى عَنْ فِعْلِهِ، أَوْ أَنْ يُوقِعَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَهُ وَلَكِنْ لِغَيْرِهِ (١) . وَهَذَا الْبَحْثُ يَشْمَل مُصْطَلَحَيْ (خَطَأٌ، وَغَلَطٌ) بِاعْتِبَارِهِمَا يَرِدَانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا هُوَ اصْطِلاَحُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ عَمَّا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ بِلَفْظِ الْخَطَأِ، كَمَا فِي بَيْعِ الْمُخْطِئِ وَطَلاَقِهِ. وَالْمَالِكِيَّةُ يُعَبِّرُونَ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالاِعْتِقَادِ بِلَفْظَةِ الْغَلَطِ، كَمَا فِي الْغَلَطِ فِي الْمَبِيعِ، وَتَأْتِي تَعْبِيرَاتُهُمْ مُخْتَلِفَةً أَحْيَانًا، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ بِلَفْظَةِ الْخَطَأِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ ذَاتِ الْمَسْأَلَةِ بِلَفْظَةِ الْغَلَطِ، كَمَا فِي الْحَجِّ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِل كَمَسَائِل الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنْهَا. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - النِّسْيَانُ وَالسَّهْوُ وَالْغَفْلَةُ وَالذُّهُول: ٤ - هَذِهِ الأَْلْفَاظُ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ. فَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ شَرْحِ التَّحْرِيرِ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ. وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ (٢) .

стр. 11559

وَصَرَّحَ الْبَيْجُورِيُّ بِأَنَّ السَّهْوَ مُرَادِفٌ لِلْغَفْلَةِ، وَأَمَّا الذُّهُول فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَلَهُ مُسَاوِيًا لِلْغَفْلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ أَعَمَّ مِنْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ أَخَصَّ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ تَرْجِعُ إِلَى عُيُوبٍ فِي الإِْرَادَةِ لِمَنْ فَاتَهَا الْعِلْمُ، وَمَا كَانَ مُنَافِيًا لِلْعِلْمِ كَانَ مُنَافِيًا لِلإِْرَادَةِ، وَصِلَتُهَا بِالْخَطَأِ أَنَّهَا أَسْبَابٌ تُؤَدِّي إِلَيْهِ وَالْخَطَأُ يُنْتَجُ عَنْهَا (١) . ب - الإِْكْرَاهُ: ٥ - الإِْكْرَاهُ هُوَ حَمْل الْغَيْرِ عَلَى مَا لاَ يَرْضَاهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَلاَ يَخْتَارُ الْمُكْرَهُ مُبَاشَرَتَهُ لَوْ خُلِّيَ وَنَفْسَهُ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى مُلْجِئٍ وَغَيْرِ مُلْجِئٍ وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ مَحَلُّهُ مُصْطَلَحُ: (إِكْرَاهٌ) قَال الآْمِدِيُّ وَغَيْرُهُ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ بِالإِْكْرَاهِ إِلَى حَدِّ الاِضْطِرَارِ، وَصَارَ نِسْبَةُ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الْفِعْل إِلَيْهِ نِسْبَةُ حَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ

стр. 11560

إِلَيْهِ، أَنَّ تَكْلِيفَهُ بِهِ إِيجَادًا وَعَدَمًا غَيْرُ جَائِزٍ إِلاَّ عَلَى الْقَوْل بِتَكْلِيفِ مَا لاَ يُطَاقُ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى حَدِّ الاِضْطِرَارِ فَهُوَ مُخْتَارٌ، وَتَكْلِيفُهُ جَائِزٌ عَقْلاً وَشَرْعًا، وَأَمَّا الْمُخْطِئُ فَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ إِجْمَاعًا فِيمَا هُوَ مُخْطِئٌ فِيهِ (١) . ج - الْهَزْل: ٦ - الْهَزْل ضِدُّ الْجَدِّ وَهُوَ كُل كَلاَمٍ لاَ تَحْصِيل لَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْهُزَال (٢) . وَقَال ابْنُ الأَْثِيرِ: الْهُزَال وَاللَّعِبُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ (٣) . وَنَحْوُهُمَا الْمِزَاحُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ لاَ يُرَادَ بِاللَّفْظِ وَدَلاَلَتِهِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَلاَ الْمَجَازِيُّ بِأَنْ لاَ يُرَادَ بِهِ شَيْءٌ أَوْ يُرَادَ بِهِ مَا لاَ يَصِحُّ إِرَادَتُهُ بِهِ (٤) . وَالْهَزْل كَالْخَطَأِ فِي أَنَّهُ مِنَ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ إِلاَّ أَنَّ الْمُخْطِئَ لاَ قَصْدَ لَهُ فِي خُصُوصِ اللَّفْظِ وَلاَ فِي حُكْمِهِ، وَالْهَازِل مُخْتَارٌ رَاضٍ بِخُصُوصِ اللَّفْظِ غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِهِ (٥) .

стр. 11561

د - الْجَهْل: ٧ - الْجَهْل انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ أَصْلاً، وَيُسَمَّى الْجَهْل الْبَسِيطَ، أَوْ أَدْرَكَ عَلَى خِلاَفِ هَيْئَتِهِ فِي الْوَاقِعِ وَيُسَمَّى الْجَهْل الْمُرَكَّبَ؛ لأَِنَّهُ جَهْل الْمُدْرِكِ بِمَا فِي الْوَاقِعِ، مَعَ الْجَهْل بِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِهِ كَاعْتِقَادِ الْفَلاَسِفَةِ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ. وَاعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ الْجَهْل عُذْرًا مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ، وَعَارِضًا مِنَ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ، مِثْلُهُ مِثْل الْخَطَأِ، وَأَنَّهُ مُسْقِطٌ لِلإِْثْمِ وَيُعْتَدُّ بِهِ عُذْرًا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَنْهِيَّاتِ دُونَ الْمَأْمُورَاتِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ إِقَامَةُ مَصَالِحِهَا، وَذَلِكَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِفِعْلِهَا، وَالْمَنْهِيَّاتُ مَزْجُورٌ عَنْهَا بِسَبَبِ مَفَاسِدِهَا امْتِحَانًا لِلْمُكَلَّفِ بِالاِنْكِفَافِ عَنْهَا، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالتَّعَمُّدِ لاِرْتِكَابِهَا، وَمَعَ الْجَهْل لَمْ يَقْصِدِ الْمُكَلَّفُ ارْتِكَابَ الْمَنْهِيِّ فَعُذِرَ بِالْجَهْل فِيهِ (١) . وَلاَ يُعْتَبَرُ الْجَهْل عُذْرًا فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ مَثَلُهُ فِي ذَلِكَ مَثَل الْخَطَأِ، فَيَضْمَنُ الْجَاهِل وَالْمُخْطِئُ مَا يُتْلِفَانِهِ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٨ - اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الأُْصُول فِي وَصْفِ الْمُخْطِئِ بِالْحِل وَالْحُرْمَةِ.

стр. 11562

فَقَال الإِْسْنَوِيُّ: بَعْدَ أَنْ عَرَّفَ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ بِالاِقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ: مِنْ فُرُوعِ كَوْنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لاَ بُدَّ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِالْمُكَلَّفِينَ، أَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ الْقَائِمَةِ بِالْفَاعِل، وَهُوَ مَا إِذَا وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ مَثَلاً، هَل يُوصَفُ وَطْؤُهُ بِالْحِل وَالْحُرْمَةِ، وَإِنِ انْتَفَى عَنْهُ الإِْثْمُ، أَوْ لاَ يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنْهَا؟ فِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا الثَّالِثُ، وَبِهِ أَجَابَ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ فَتَاوِيهِ؛ لأَِنَّ الْحِل وَالْحُرْمَةَ مِنَ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ، وَالسَّاهِي وَالْمُخْطِئُ وَنَحْوُهُمَا لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ. وَجَزَمَ فِي الْمُهَذَّبِ بِالْحُرْمَةِ، وَقَال بِهِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: (أَيِ الشَّافِعِيَّةِ) وَالْخِلاَفُ يَجْرِي فِي قَتْل الْخَطَأِ، وَفِي أَكْل الْمُضْطَرِّ لِلْمَيْتَةِ. ثُمَّ قَال: وَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ التَّحْرِيمَ أَوِ الإِْبَاحَةَ لَمْ يُقَيِّدِ التَّعَلُّقَ بِالْمُكَلَّفِينَ بَل بِالْعِبَادِ، لِيَدْخُل فِيهِ أَيْضًا صِحَّةُ صَلاَةِ الصَّبِيِّ وَغَيْرُهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ وَوُجُوبُ الْغَرَامَةِ بِإِتْلاَفِهِ، وَإِتْلاَفِ الْمَجْنُونِ وَالْبَهِيمَةِ، وَالسَّاهِي وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْدَرِجُ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ (١) . وَقَال الشَّاطِبِيُّ: إِنَّ بَيْنَ الْحَلاَل وَالْحَرَامِ مَرْتَبَةُ الْعَفْوِ فَلاَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ. ثُمَّ قَال: وَيَظْهَرُ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ

стр. 11563

مِنَ الشَّرِيعَةِ، مِنْهَا مَا يَكُونُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، فَمِنْهَا الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ، فَكُل فِعْلٍ صَدَرَ عَنْ غَافِلٍ، أَوْ نَاسٍ، أَوْ مُخْطِئٍ، فَهُوَ مِمَّا عُفِيَ عَنْهُ، وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَفَرَضْنَا تِلْكَ الأَْفْعَال مَأْمُورًا بِهَا أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهَا أَمْ لاَ. لأَِنَّهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ مَنْهِيًّا عَنْهَا وَلاَ مَأْمُورًا بِهَا وَلاَ مُخَيَّرًا فِيهَا فَقَدْ رَجَعَتْ إِلَى قِسْمِ مَا لاَ حُكْمَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ مَعْنَى الْعَفْوِ. وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا الأَْمْرُ وَالنَّهْيُ، فَمِنْ شَرْطِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ ذِكْرُ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الاِمْتِثَال، وَذَلِكَ فِي الْمُخْطِئِ، وَالنَّاسِي، وَالْفَاعِل مُحَالٌ، وَمِثْل ذَلِكَ النَّائِمُ، وَالْمَجْنُونُ، وَالْحَائِضُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. وَمِنْهَا الْخَطَأُ فِي الاِجْتِهَادِ وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الأَْوَّل (١) ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (٢) . الأَْثَرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْخَطَأِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحُقُوقِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ وَالإِْجْزَاءُ وَنَحْوُهُ: ٩ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْخَطَأَ عُذْرٌ فِي إِسْقَاطِ بَعْضِ حُقُوقِ اللَّهِ ﵎ وَلَيْسَ فِيهَا كُلِّهَا، فَاعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ عُذْرًا فِي سُقُوطِ الإِْثْمِ عَنِ الْمُجْتَهِدِ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا

стр. 11564

حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ (١) . وَجَعَلَهُ شُبْهَةً دَارِئَةً فِي الْعُقُوبَاتِ فَلاَ يُؤَاخَذُ بِحَدٍّ فِيمَا لَوْ زُفَّتْ إِلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ. وَكَذَلِكَ لاَ قِصَاصَ فِيمَا لَوْ رَمَى إِلَى إِنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ صَيْدٌ فَقَتَلَهُ. وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَلاَ تَسْقُطُ بِالْخَطَأِ فَيَجِبُ ضَمَانُ الْمُتْلَفَاتِ خَطَأً، كَمَا لَوْ رَمَى إِلَى شَاةٍ وَإِنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا صَيْدٌ، أَوْ أَكَل مَا لَهُ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مِلْكُ نَفْسِهِ؛ لأَِنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ لاَ جَزَاءُ فِعْلٍ فَيَعْتَمِدُ عِصْمَةَ الْمَحَل، وَكَوْنُهُ خَاطِئًا لاَ يُنَافِيهَا (٢) . قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: قَال الأُْصُولِيُّونَ، أَيْ فِي حَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٣) : إِنَّهُ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْحَقِيقَةِ بِدَلاَلَةِ مَحَل الْكَلاَمِ؛ لأَِنَّ عَيْنَ الْخَطَأِ وَأَخَوَيْهِ (٤) غَيْرُ مَرْفُوعٍ، فَالْمُرَادُ حُكْمُهَا وَهُوَ نَوْعَانِ: أُخْرَوِيٌّ

стр. 11565

وَهُوَ الْمَأْثَمُ، وَدُنْيَوِيٌّ وَهُوَ الْفَسَادُ، وَالْحُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ فَصَارَ الْحُكْمُ بَعْدَ كَوْنِهِ مَجَازًا مُشْتَرَكًا فَلاَ يَعُمُّ. أَمَّا عِنْدَنَا فَلأَِنَّ الْمُشْتَرَكَ لاَ عُمُومَ لَهُ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَلأَِنَّ الْمَجَازَ لاَ عُمُومَ لَهُ فَإِذَا ثَبَتَ الأُْخْرَوِيُّ إِجْمَاعًا لَمْ يَثْبُتِ الآْخَرُ. وَأَمَّا الْحُكْمُ الدُّنْيَوِيُّ فَإِنْ وَقَعَ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ لَمْ يَسْقُطْ بَل يَجِبُ تَدَارُكُهُ، وَلاَ يَحْصُل الثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ، أَوْ فِعْلٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَإِنْ أَوْجَبَ عُقُوبَةً كَانَ شُبْهَةً فِي إِسْقَاطِهَا، فَمَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ صَوْمًا، أَوْ حَجًّا، أَوْ زَكَاةً، أَوْ كَفَّارَةً، أَوْ نَذْرًا، وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بِلاَ خِلاَفٍ، وَكَذَا الْوُقُوفُ بِغَيْرِ عَرَفَةَ غَلَطًا يَجِبُ الْقَضَاءُ اتِّفَاقًا، وَمِنْهَا مَنْ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ مَانِعَةٍ نَاسِيًا، أَوْ نَسِيَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ، أَوْ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِي الاِجْتِهَادِ فِي الْمَاءِ وَالثَّوْبِ وَقْتَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ (١) . وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَإِنَّ حُقُوقَ الآْدَمِيِّينَ الْعَامِدُ وَالْمُخْطِئُ فِيهَا سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَقَتْل الصَّيْدِ

стр. 11566

وَالْخَطَأُ فِي الْعِبَادَةِ مَرْفُوعٌ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَضَاءِ إِنْ لَمْ يُؤْمَنْ وُقُوعُ مِثْلِهِ فِي الْمَفْعُول ثَانِيًا، كَمَا لَوْ أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَوَقَفُوا الْعَاشِرَ لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ؛ لأَِنَّ الْخَطَأَ لاَ يُؤْمَنُ فِي السِّنِينَ الْمُسْتَقْبَلَةِ. أَمَّا إِذَا أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فَلاَ يَكُونُ الْخَطَأُ عُذْرًا فِي إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ كَمَا إِذَا أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فِي الْمَوْقِفِ فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ عَرَفَةَ، فَيَلْزَمُهُمُ الْقَضَاءُ سَوَاءٌ كَانُوا جَمْعًا كَثِيرًا أَوْ قَلِيلاً؛ لأَِنَّ الْخَطَأَ فِي الْمَوْقِفِ يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ، وَكَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالاِجْتِهَادِ ثُمَّ يَجِدُ النَّصَّ بِخِلاَفِهِ لاَ يُعْتَدُّ بِحُكْمِهِ. وَلَوْ صَلَّى بِالاِجْتِهَادِ ثُمَّ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ بَعْدَ الصَّلاَةِ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الأَْصَحِّ، وَلَوِ اجْتَهَدَ فِي أَوَانٍ، أَوْ ثِيَابٍ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوْ لَبِسَهُ كَانَ نَجِسًا لَزِمَتْهُ الإِْعَادَةُ (١) . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْفِعْل الْوَاقِعَ خَطَأً أَوْ نِسْيَانًا لَغْوٌ فِي الأَْحْكَامِ، كَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَغْوًا فِي الآْثَامِ. وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٢) .

стр. 11567

وَقَال الْقُرْطُبِيُّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١) الْمَعْنَى: اعْفُ عَنْ إِثْمِ مَا يَقَعُ مِنَّا عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا. وَهَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَنَّ الإِْثْمَ مَرْفُوعٌ، وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ هَل ذَلِكَ مَرْفُوعٌ لاَ يَلْزَمُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ يَلْزَمُ أَحْكَامُ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ اخْتُلِفَ فِيهِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ، فَقِسْمٌ لاَ يَسْقُطُ بِاتِّفَاقٍ كَالْغَرَامَاتِ، وَالدِّيَاتِ، وَالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ، وَقِسْمٌ يَسْقُطُ بِاتِّفَاقٍ كَالْقِصَاصِ وَالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَقِسْمٌ ثَالِثٌ يُخْتَلَفُ فِيهِ كَمَنْ أَكَل نَاسِيًا فِي رَمَضَانَ، أَوْ حَنِثَ سَاهِيًا، وَمَا كَانَ مِثْلُهُ مِمَّا يَقَعُ خَطَأً وَنِسْيَانًا وَيُعْرَفُ ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ (٢) . وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفِعْل الْوَاقِعَ خَطَأً غَيْرُ مُؤَاخَذٍ عَلَيْهِ مُطْلَقًا إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ الَّذِي قَال عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ يَقْتَضِي رَفْعَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْمَنْسِيِّ، وَالْمُؤَاخَذَةُ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مُؤَاخَذَةٍ فِي حُكْمِ الآْخِرَةِ وَهُوَ الإِْثْمُ وَالْعِقَابُ، وَإِلَى مُؤَاخَذَةٍ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا وَهُوَ إِثْبَاتُ التَّبَعَاتِ وَالْغَرَامَاتِ. وَالظَّاهِرُ نَفْيُ حُكْمِ جَمِيعِ ذَلِكَ.

стр. 11568

وَقَوْلُهُ ﵊: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ. يَقْتَضِي رَفْعَ الْخَطَأِ مُطْلَقًا وَرَفْعَ حُكْمِهِ (١) . ١٠ - وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأَْئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ أَنَّ ضَمَانَ الْمُتْلَفَاتِ وَالدِّيَاتِ وَكُل مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ لاَ يَسْقُطُ بِحَالٍ حَتَّى إِنَّهُمْ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ فِي أَمْوَال النَّاسِ سَوَاءٌ (٢) . لأَِنَّهُ مِنْ قَبِيل خِطَابِ الْوَضْعِ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الأُْصُول أَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتُهُ وَهُوَ الْخِطَابُ بِكَثِيرٍ مِنَ الأَْسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْمَجَانِينِ وَالْغَافِلِينَ بِسَبَبِ الإِْتْلاَفِ لِكَوْنِهِ مِنْ بَابِ الْوَضْعِ الَّذِي مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: إِذَا وَقَعَ هَذَا فِي الْوُجُودِ فَاعْلَمُوا أَنِّي حَكَمْتُ بِكَذَا، وَمِنْ ذَلِكَ الطَّلاَقُ بِالإِْضْرَارِ، وَالإِْعْسَارُ، وَالتَّوْرِيثُ بِالأَْنْسَابِ (٣) . وَنَقَل الْخَلاَّل عَنْ أَحْمَدَ قَال: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ مَرْفُوعٌ فَقَدْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ فِي قَتْل

стр. 11569

النَّفْسِ الْخَطَأِ الدِّيَةَ وَالْكَفَّارَةَ، يَعْنِي مَنْ زَعَمَ ارْتِفَاعَهُمَا عَلَى الْعُمُومِ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ وَالتَّكْلِيفِ (١) . وَقَال الْبَعْلِيُّ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ: شُرُوطُ التَّكْلِيفِ الْعَقْل وَفَهْمُ الْخِطَابِ. فَلاَ تَكْلِيفَ عَلَى صَبِيٍّ، وَلاَ مَجْنُونٍ لاَ عَقْل لَهُ. وَقَال أَبُو الْبَرَكَاتِ فِي الْمُسَوَّدَةِ: وَاخْتَارَ قَوْمٌ تَكْلِيفَهُمَا. قُلْتُ: مَنِ اخْتَارَ تَكْلِيفَهُمَا، إِنْ أَرَادَ: أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى أَفْعَالِهِمَا مَا هُوَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَلاَ نِزَاعَ فِي تَرَتُّبِهِ. وَإِنْ أَرَادَ خِطَابَ التَّكْلِيفِ فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُمَا بِلاَ نِزَاعٍ، وَإِنِ اخْتُلِفَ فِي مَسَائِل: هَل هِيَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ، أَمْ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ؟ أَوْ بَعْضِ مَسَائِل مِنْ مَسَائِل التَّكْلِيفِ (٢) . قَوَاعِدُ فِقْهِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْخَطَأِ: قَاعِدَةٌ: لاَ عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ . ١١ - هَذِهِ الْقَاعِدَةُ ذَكَرَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ. وَمِنْ تَطْبِيقَاتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ صَلاَةُ الْعِشَاءِ لَوْ ظَنَّ أَنَّ وَقْتَ الْفَجْرِ ضَاقَ فَصَلَّى الْفَجْرَ قَبْل الْفَائِتَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ بَطَل الْفَجْرُ، فَإِذَا بَطَل يَنْظُرُ، فَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ يُصَلِّي الْعِشَاءَ ثُمَّ يُعِيدُ الْفَجْرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ يُعِيدُ الْفَجْرَ فَقَطْ.

стр. 11570

وَمِنْهَا مَا لَوْ ظَنَّ الْمَاءَ نَجِسًا فَتَوَضَّأَ بِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ طَاهِرٌ جَازَ وُضُوءُهُ. وَمِنْهَا مَا لَوْ ظَنَّ الْمُزَكِّي أَنَّ الْمَدْفُوعَ إِلَيْهِ غَيْرُ مَصْرِفٍ لِلزَّكَاةِ فَدَفَعَ لَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَصْرِفٌ أَجْزَأَهُ اتِّفَاقًا. وَلَوْ رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا صَلاَةَ الْخَوْفِ، فَبَانَ خِلاَفُهُ لَمْ تَصِحَّ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ حُضُورُ الْعَدُوِّ. وَلَوِ اسْتَنَابَ الْمَرِيضُ فِي حَجِّ الْفَرْضِ ظَانًّا أَنَّهُ لاَ يَعِيشُ ثُمَّ صَحَّ مِنَ الْمَرَضِ أَدَّاهُ بِنَفْسِهِ. وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَدَّاهُ فَبَانَ خِلاَفُهُ رَجَعَ بِمَا أَدَّى. وَلَوْ خَاطَبَ امْرَأَتَهُ بِالطَّلاَقِ ظَانًّا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَبَانَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ طَلُقَتْ (١) . وَمِنْ تَطْبِيقَاتِهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: ١٢ - مَا لَوْ ظَنَّ الْمُكَلَّفُ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَنَّهُ لاَ يَعِيشُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، تَضَيَّقَ عَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ ثُمَّ عَاشَ وَفَعَلَهُ فَأَدَاءٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ فَصَلَّى، ثُمَّ بَانَ حَدَثُهُ. وَمَا لَوْ ظَنَّ دُخُول الْوَقْتِ، فَصَلَّى، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل. أَوْ ظَنَّ طَهَارَةَ الْمَاءِ فَتَوَضَّأَ بِهِ، ثُمَّ بَانَ نَجَاسَتُهُ. أَوْ ظَنَّ أَنَّ إِمَامَهُ مُسْلِمٌ، أَوْ رَجُلٌ قَارِئٌ فَبَانَ كَافِرًا، أَوِ امْرَأَةً أَوْ أُمِّيًّا.

стр. 11571

أَوْ بَقَاءَ اللَّيْل، أَوْ غُرُوبَ الشَّمْسِ، فَأَكَل ثُمَّ بَانَ خِلاَفُهُ. أَوْ دَفْعَ الزَّكَاةِ إِلَى مَنْ ظَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا، فَبَانَ خِلاَفُهُ. أَوْ رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا صَلاَةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، فَبَانَ خِلاَفُهُ، أَوْ بَانَ أَنَّ هُنَاكَ خَنْدَقًا. أَوِ اسْتَنَابَ عَلَى الْحَجِّ ظَانًّا أَنَّهُ لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ، فَبَرِئَ: لَمْ يَجُزْ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا. ثُمَّ أَوْرَدَ السُّيُوطِيُّ وَابْنُ نُجَيْمٍ بَعْضَ الْمَسَائِل الْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، مِنْهَا مَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَظُنُّهُ مُتَطَهِّرًا فَبَانَ حَدَثُهُ صَحَّتْ صَلاَتُهُ (١) . وَلَوْ أَنْفَقَ عَلَى الْبَائِنِ ظَانًّا حَمْلَهَا فَبَانَتْ حَائِلاً: اسْتَرَدَّ. وَشَبَّهَهُ الرَّافِعِيُّ: بِمَا إِذَا ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَدَّاهُ، ثُمَّ بَانَ خِلاَفُهُ، وَمَا إِذَا أَنْفَقَ عَلَى ظَنِّ إِعْسَارِهِ، ثُمَّ بَانَ يَسَارُهُ (٢) . ١٣ - وَقَرِيبٌ مِنَ الْقَاعِدَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَاعِدَةُ الظُّهُورِ وَالاِنْكِشَافِ ذَكَرَهَا الْوَنْشَرِيسِيُّ (٣) . وَمِنْ تَطْبِيقَاتِهَا: اسْتِرْجَاعُ النَّفَقَةِ الْمَدْفُوعَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْحَمْل إِذَا ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَامِلاً، عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ.

стр. 11572

وَوُجُوبُ رَدِّ قِسْمَةِ مِيرَاثِ الْمَفْقُودِ فِي أَرْضِ الإِْسْلاَمِ فِي الأَْجَل أَوْ قَبْلَهُ - بَعْدَمَا أَنْفَقَ أَوْلاَدُهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ مَالِهِ. قَال مَالِكٌ فِيهَا بِوُجُوبِ رَدِّ النَّفَقَةِ (١) . ١٤ - وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَوْرَدَ ابْنُ رَجَبٍ عِدَّةَ قَوَاعِدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنْهَا: الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالسِّتُّونَ: وَهِيَ مَنْ تَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ يَظُنُّ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهُ فَفِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ خِلاَفٌ، وَمِنْ تَطْبِيقَاتِهَا: مَا لَوْ بَاعَ مِلْكَ أَبِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ قَدْ مَاتَ وَلاَ وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ، فَفِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ وَجْهَانِ وَيُقَال: رِوَايَتَانِ (٢) . وَمِنْهَا الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالتِّسْعُونَ: مَنْ أَتْلَفَ مَال غَيْرِهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مَالُهُ، أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ يَظُنُّ لِنَفْسِهِ وِلاَيَةً عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ خَطَأُ ظَنِّهِ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَأُ ظَنِّهِ، بِأَنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَأُ الْمُتَسَبِّبِ، أَوْ أَقَرَّ بِتَعَمُّدِهِ لِلْجِنَايَةِ ضَمِنَ الْمُتَسَبِّبُ وَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى اجْتِهَادٍ مُجَرَّدٍ، كَمَنْ دَفَعَ مَالاً تَحْتَ يَدِهِ إِلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ مَالِكُهُ أَوْ أَنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ، أَوْ دَفَعَ مَالَهُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهُ

стр. 11573

لِحَقِّ اللَّهِ إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ مُسْتَحِقًّا ثُمَّ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ فَفِي ضَمَانِهِ قَوْلاَنِ (١) . الْخَطَأُ فِي الْعِبَادَاتِ: أ - الطَّهَارَةُ: أَوَّلاً - الْخَطَأُ فِي الاِجْتِهَادِ فِي الأَْوَانِي وَالثِّيَابِ: ١٥ - مَنِ اجْتَهَدَ فِي أَوَانٍ أَوْ ثِيَابٍ ثُمَّ بَانَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوْ لَبِسَهُ كَانَ نَجِسًا لَزِمَتْهُ الإِْعَادَةُ؛ لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ فَهُوَ كَالْحَاكِمِ إِذَا أَخْطَأَ النَّصَّ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْل ابْنِ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (٢) . وَمَبْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى قَاعِدَةِ (لاَ عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ) (٣) . وَبَنَاهَا الْمَالِكِيَّةُ عَلَى قَاعِدَةِ. الظَّنُّ هَل يُنْقَضُ بِالظَّنِّ أَمْ لاَ؟ (٤) .

стр. 11574

وَالْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابًا. وَلاَ تَرِدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى قَوَاعِدِ جُمْهُورِ الْحَنَابِلَةِ لأَِنَّهُ إِذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ الطَّاهِرِ، أَوْ طَهَارَةِ الْمَاءِ النَّجِسِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، فَإِنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ لَمْ يَتَحَرَّ فِيهِمَا، وَهَل يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ تَيَمُّمِهِ مَزْجُهُمَا أَوْ إِرَاقَتُهُمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (١) . وَبَنَوْا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَاعِدَةِ: إِذَا تَعَارَضَ الأَْصْل وَالظَّاهِرُ، فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ حُجَّةً يَجِبُ قَبُولُهَا شَرْعًا، كَالشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَالإِْخْبَارِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الأَْصْل بِغَيْرِ خِلاَفٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَل كَانَ مُسْتَنَدُهُ الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ الْغَالِبَةَ وَالْقَرَائِنَ أَوْ غَلَبَةَ الظَّنِّ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَتَارَةً يُعْمَل بِالأَْصْل وَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَى الظَّاهِرِ، وَتَارَةً يُعْمَل بِالظَّاهِرِ وَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَى الأَْصْل، وَتَارَةً يَخْرُجُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ (٢) . أَمَّا فِي الثِّيَابِ إِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةٍ لَمْ يَجُزِ التَّحَرِّي وَصَلَّى فِي كُل ثَوْبٍ بِعَدَدِ النَّجِسِ وَزَادَ صَلاَةً وَيَنْوِي بِكُل صَلاَةٍ الْفَرْضَ (٣) .

стр. 11575

ثَانِيًا - الْخَطَأُ فِي الْوُضُوءِ: ١٦ - إِذَا غَلِطَ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ فَنَوَى رَفْعَ حَدَثِ النَّوْمِ وَكَانَ حَدَثُهُ غَيْرَهُ. قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ إِذَا غَلِطَ فِي النِّيَّةِ بِأَنْ كَانَ عَلَيْهِ حَدَثُ نَوْمٍ، فَغَلِطَ وَنَوَى رَفْعَ حَدَثِ بَوْلٍ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ لِتَدَاخُل الأَْحْدَاثِ، أَمَّا إِنْ نَوَى غَيْرَ مَا صَدَرَ مِنْهُ عَمْدًا لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ لِتَلاَعُبِهِ (١) . وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي مَبْحَثِ " إِذَا عَيَّنَ وَأَخْطَأَ " أَنَّ الْوُضُوءَ وَالْغُسْل لاَ دَخْل لَهُمَا فِي هَذَا الْبَحْثِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِمَا (٢) . وَقَالُوا: إِنَّ مَنْ دَخَل الْمَاءَ مَدْفُوعًا، أَوْ مُخْتَارًا لِقَصْدِ التَّبَرُّدِ، أَوْ لِمُجَرَّدِ إِزَالَةِ الْوَسَخِ صَحَّ وُضُوءُهُ. وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْوِ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى فَصَلاَتُهُ صَحِيحَةٌ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ مَقْصُودُ التَّحْصِيل لِغَيْرِهِ لاَ لِذَاتِهِ، فَكَيْفَمَا فَعَل حَصَل الْمَقْصُودُ وَصَارَ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَبَاقِي شُرُوطِ الصَّلاَةِ وَلاَ يَفْتَقِرُ اعْتِبَارُهَا إِلَى أَنْ تُنْوَى (٣) . ثَالِثًا - الْخَطَأُ فِي الْغُسْل: ١٧ - إِذَا نَوَى الْمُغْتَسِل رَفْعَ جَنَابَةِ الْجِمَاعِ وَكَانَتْ

стр. 11576

جَنَابَتُهُ مِنَ احْتِلاَمٍ، وَإِذَا نَوَتِ الْمَرْأَةُ رَفْعَ الْجَنَابَةِ وَكَانَ حَدَثُهَا مِنَ الْحَيْضِ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ ذَلِكَ لاَ يَضُرُّ (١) . وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ النِّيَّةَ لاَ تُشْتَرَطُ فِي الْوُضُوءِ، وَالْغُسْل، وَمَسْحِ الْخُفَّيْنِ، وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْخَفِيفَةِ عَنِ الثَّوْبِ، وَالْبَدَنِ، وَالْمَكَانِ (٢) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا تَسَاوَتِ الطَّهَارَتَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا وَفِيمَا تَتَنَاوَلاَنِهِ مِنَ الأَْحْدَاثِ وَالأَْسْبَابِ وَفِيمَا تَمْنَعَانِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ نِيَّةَ إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ تَنُوبُ عَنِ الأُْخْرَى (٣) . وَإِذَا تَسَاوَتِ الطَّهَارَتَانِ عَنْ حَدَثٍ وَاخْتَلَفَتْ مَوَانِعُهُمَا، كَالْجَنَابَةِ، وَالْحَيْضِ، فَإِنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ الْوَطْءَ وَلاَ تَمْنَعُهُ الْجَنَابَةُ، فَإِنِ اغْتَسَلَتِ الْحَائِضُ تَنْوِي الْجَنَابَةَ دُونَ الْحَيْضِ، فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ لاَ يُجْزِئُ الْحَائِضُ، وَفِي كِتَابِ الْحَاوِي لِلْقَاضِي أَبِي الْفَرَجِ يُجْزِئُ (٤) . وَقَال الزُّرْقَانِيُّ: الْغَلَطُ فِي النِّيَّةِ لاَ يَضُرُّ بِخِلاَفِ الْمُتَعَمِّدِ لأَِنَّهُ مُتَلاَعِبٌ (٥) . وَقَال الدُّسُوقِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ: وَإِنْ نَوَتِ امْرَأَةٌ جُنُبٌ وَحَائِضٌ بِغُسْلِهَا الْحَيْضَ، وَالْجَنَابَةَ مَعًا،

стр. 11577

أَوْ نَوَتْ أَحَدَهُمَا نَاسِيَةً أَوْ ذَاكِرَةً لِلآْخَرِ وَلَمْ تُخْرِجْهُ حَصَلاَ (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ إِذَا اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ مُتَنَوِّعَةٌ وَلَوْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي أَوْقَاتٍ تُوجِبُ وُضُوءًا أَوْ غُسْلاً وَنَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهَا ارْتَفَعَ هُوَ، أَيِ: الَّذِي نَوَى رَفْعَهُ، وَارْتَفَعَ سَائِرُهَا؛ لأَِنَّ الأَْحْدَاثَ تَتَدَاخَل فَإِذَا نَوَى بَعْضَهَا غَيْرَ مُقَيَّدٍ ارْتَفَعَ جَمِيعُهَا، وَهَذَا مَا لَمْ يَخْرُجْ شَيْئًا مِنْهَا بِالنِّيَّةِ (٢) . رَابِعًا: الْخَطَأُ فِي التَّيَمُّمِ: ١٨ - مِنْ أَمْثِلَةِ الْخَطَأِ فِي التَّيَمُّمِ مَا يَأْتِي: أ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: النِّيَّةُ فِي التَّيَمُّمِ لاَ يَجِبُ فِيهَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ، فَلَوْ تَيَمَّمَ الْجُنُبُ يُرِيدُ بِهِ الْوُضُوءَ جَازَ؛ لأَِنَّ الشُّرُوطَ يُرَاعَى وُجُودُهَا لاَ غَيْرُ، فَإِذَا تَيَمَّمَ لِلْعَصْرِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ غَيْرَهُ (٣) . وَقَال الْخَصَّافُ: يَجِبُ التَّمْيِيزُ لِكَوْنِهِ يَقَعُ لَهُمَا عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَيُمَيِّزُ بِالنِّيَّةِ كَالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ (٤) . وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْمَنْعَ، وَرَوَى ابْنُ مَسْلَمَةَ عَنْهُ الْجَوَازَ. قَال الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: اخْتَلَفَ قَوْل مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْجُنُبِ يَتَيَمَّمُ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ يَنْوِي مِنَ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ فَمَنَعَ مِنْهُ

стр. 11578

مَالِكٌ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ مَسْلَمَةَ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ نَوَى الْمُتَيَمِّمُ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ بِسَبَبِ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ وَكَانَ جُنُبًا، أَوْ بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ وَكَانَ مُحْدِثًا صَحَّ بِالاِتِّفَاقِ إِذَا كَانَ غَالِطًا (٢) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِمَا تَيَمَّمَ لَهُ كَصَلاَةٍ، وَطَوَافٍ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ مِنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، أَوْ نَجَاسَةٍ عَلَى بَدَنِهِ؛ لأَِنَّ التَّيَمُّمَ لاَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَإِنَّمَا يُبِيحُ الصَّلاَةَ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّعْيِينِ تَقْوِيَةً لِضَعْفِهِ، وَصِفَةُ التَّعْيِينِ أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ صَلاَةِ الظُّهْرِ مَثَلاً مِنَ الْجَنَابَةِ إِنْ كَانَ جُنُبًا، أَوْ مِنَ الْحَدَثِ إِنْ كَانَ مُحْدِثًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ مِنَ الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ وَالأَْصْغَرِ وَالنَّجَاسَةِ بِبَدَنِهِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ وَأَجْزَأَهُ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ يَدْخُل فِي الْعُمُومِ (٣) . ب - إِنْ كَانَ فِي رَحْلِهِ مَاءٌ فَأَخْطَأَ رَحْلَهُ فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ وَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ؛ وَلأَِنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ فِي الطَّلَبِ.

стр. 11579

وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَلْزَمُهُ الإِْعَادَةُ؛ لأَِنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِ الرَّحْل (١) . ج - إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْمَاءِ وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ نَفَذَ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى أَعَادَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الاِسْتِعْمَال ثَابِتَةٌ بِعِلْمِهِ فَلاَ يَنْعَدِمُ بِظَنِّهِ، وَعَلَيْهِ التَّحَرِّي، فَإِذَا لَمْ يَفْعَل لاَ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ وَلأَِنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِهِ وَظَهَرَ خَطَأُ الظَّنِّ. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ أَنَّهُ لاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ حَال بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ فَسَقَطَ الْفَرْضُ بِالتَّيَمُّمِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ (٢) . ب - الصَّلاَةُ: أَوَّلاً: الْخَطَأُ فِي النِّيَّةِ: وَمِنْ صُوَرِهِ: ١٩ - الصُّورَةُ الأُْولَى: الْخَطَأُ فِيمَا لاَ يُشْتَرَطُ لَهُ التَّعْيِينُ لاَ يَضُرُّ قَالَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ (٣) . وَقَال السُّيُوطِيُّ: مَا لاَ يُشْتَرَطُ لَهُ التَّعَرُّضُ

стр. 11580

جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً إِذَا عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ لَمْ يَضُرَّ (١) وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا عِنْدَهُمَا: ١ - تَعْيِينُ مَكَانِ الصَّلاَةِ وَزَمَانِهَا وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ، فَلَوْ عَيَّنَ عَدَدَ رَكَعَاتِ الظُّهْرِ ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا صَحَّ؛ لأَِنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَالْخَطَأُ فِيهِ لاَ يَضُرُّ وَتَلْغُو نِيَّةُ التَّعْيِينِ. وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ (٢) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، لَكِنْ إِنْ نَوَى الظُّهْرَ ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا لَمْ تَصِحَّ لِتَلاَعُبِهِ (٣) . ٢ - وَإِذَا عَيَّنَ الإِْمَامُ مَنْ يُصَلِّي بِهِ فَبَانَ غَيْرُهُ لاَ يَضُرُّ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلأَْصَحِّ تَضُرُّ، وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى وَهِيَ الأَْصَحُّ: لاَ تَضُرُّ (٤) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَنْوِيَ الإِْمَامَةَ (٥) . ٣ - وَإِذَا عَيَّنَ الأَْدَاءَ فَبَانَ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ خَرَجَ أَوِ الْقَضَاءَ، فَبَانَ أَنَّهُ بَاقٍ فَصَلاَتُهُ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ (٦) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ يَصِحُّ قَضَاءً بِنِيَّةِ أَدَاءً وَعَكْسُهُ إِذَا بَانَ خِلاَفُ ظَنِّهِ، وَلاَ يَصِحُّ مَعَ الْعِلْمِ (٧) . ٢٠ - الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: وَعَبَّرَ عَنْهَا ابْنُ نُجَيْمٍ

стр. 11581

بِقَوْلِهِ: وَأَمَّا مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ فَالْخَطَأُ فِيهِ يَضُرُّ (١) . وَقَال السُّيُوطِيُّ: مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ فَالْخَطَأُ فِيهِ مُبْطِلٌ، وَمَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهُ جُمْلَةً وَلاَ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ تَفْصِيلاً إِذَا عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ ضَرَّ (٢) . وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا عِنْدَهُمَا: ١ - الْخَطَأُ مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٣) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَال الْخَرَشِيُّ: إِنْ خَالَفَتْ نِيَّتُهُ لَفْظَهُ، فَالْعِبْرَةُ بِالنِّيَّةِ دُونَ اللَّفْظِ، كَنَاوِي ظُهْرٍ تَلَفَّظَ بِعَصْرٍ مَثَلاً، وَهَذَا إِذَا تَخَالَفَا سَهْوًا، وَأَمَّا إِنْ فَعَلَهُ مُتَعَمِّدًا فَهُوَ مُتَلاَعِبٌ، وَنُقِل عَنِ الإِْرْشَادِ أَنَّ الأَْحْوَطَ الإِْعَادَةُ أَيْ فِيمَا إِذَا فَعَل ذَلِكَ سَهْوًا، قَال الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِهِ: لِلْخِلاَفِ فِي الشُّبْهَةِ إِذْ يُحْتَمَل تَعَلُّقُ النِّيَّةِ بِمَا سَبَقَ إِلَيْهِ لِسَانُهُ (٤) . ٢ - وَكَذَلِكَ إِذَا نَوَى الاِقْتِدَاءَ بِزَيْدٍ فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ. وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ (٥) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوِ

стр. 11582

اقْتَدَى شَخْصٌ بِمَنْ يُصَلِّي إِمَامًا بِمَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ وَلاَ يَدْرِي مَنْ هُوَ، فَإِنَّ صَلاَتَهُ صَحِيحَةٌ، وَكَذَا إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ زَيْدٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَمْرٌو فِيمَا يَظْهَرُ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ الاِقْتِدَاءَ بِهِ إِنْ كَانَ زَيْدًا لاَ إِنْ كَانَ عَمْرًا، فَإِنَّ صَلاَتَهُ تَبْطُل، وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ زَيْدٌ لِتَرَدُّدِهِ فِي النِّيَّةِ (١) . ٣ - الْخَطَأُ فِي تَعْيِينِ الْمَيِّتِ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ بِأَنْ نَوَى الصَّلاَةَ عَلَى زَيْدٍ فَبَانَ غَيْرُهُ، أَوْ نَوَى الصَّلاَةَ عَلَى الْمَيِّتِ الذَّكَرِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أُنْثَى، أَوْ عَكْسُهُ، فَإِنَّهُ يَضُرُّ وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ. وَوَافَقَهُمَا الْمَالِكِيَّةُ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصُّورَةِ الأُْولَى، فَقَالُوا: إِنْ نَوَى الصَّلاَةَ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْ مَوْتَى يُرِيدُ بِهِ زَيْدًا فَبَانَ غَيْرُهُ جَزَمَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّهَا لاَ تَصِحُّ، وَقَالُوا بِالصِّحَّةِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، فَلَوْ نَوَى الصَّلاَةَ عَلَى هَذَا الرَّجُل فَبَانَ امْرَأَةً أَوْ عَكْسَهُ، بِأَنْ نَوَى هَذِهِ الْمَرْأَةَ فَبَانَتْ رَجُلاً، قَالُوا فَالْقِيَاسُ الإِْجْزَاءُ لِقُوَّةِ التَّعْيِينِ عَلَى الصِّفَةِ فِي بَابِ الأَْيْمَانِ وَغَيْرِهَا (٢) . ٤ - لَوْ نَوَى قَضَاءَ ظُهْرِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ وَكَانَ عَلَيْهِ ظُهْرُ يَوْمِ الثُّلاَثَاءِ لَمْ يُجْزِئْهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (٣) . وَلاَ يَضُرُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لأَِنَّهُ لاَ يَنْوِي الأَْيَّامَ اتِّفَاقًا، وَقَالُوا. إِنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ وُجُوبِ نِيَّةِ الْقَضَاءِ

стр. 11583

وَالأَْدَاءِ وَكَذَا ذِكْرُ الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ فِيهِ (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ كَانَ الظُّهْرَانِ فَائِتَتَيْنِ فَنَوَى ظُهْرًا مِنْهُمَا وَلَمْ يُعَيِّنْهَا لَمْ تُجْزِهِ الظُّهْرُ الَّتِي صَلاَّهَا عَنْ إِحْدَاهُمَا، حَتَّى يُعَيِّنَ السَّابِقَةَ لأَِجْل اعْتِبَارِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْفَوَائِتِ (٢) . قَالُوا: لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ فَصَلَّى أَرْبَعًا يَنْوِي بِهَا مِمَّا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ إِجْمَاعًا، فَلَوْلاَ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ لأََجْزَأَهُ (٣) . وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ ظُهْرًا فَائِتَةً فَقَضَاهَا فِي وَقْتِ ظُهْرِ الْيَوْمِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ فَهَل يُجْزِئُهُ عَنْ ظُهْرِ الْيَوْمِ؟ يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُجْزِئُهُ لأَِنَّ الصَّلاَةَ مُعَيَّنَةٌ، وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِي نِيَّةِ الْوَقْتِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ، كَمَا إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ خَرَجَ فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ، أَوْ كَمَا لَوْ نَوَى ظُهْرَ أَمْسٍ وَعَلَيْهِ ظُهْرُ يَوْمٍ قَبْلَهُ. وَالثَّانِي: لاَ يُجْزِئُهُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَنْوِ عَيْنَ الصَّلاَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى قَضَاءَ عَصْرٍ لَمْ يُجْزِهِ عَنِ الظُّهْرِ (٤) . الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الْخَطَأُ فِي الاِعْتِقَادِ دُونَ التَّعْيِينِ: ٢١ - وَمَثَّل لَهَا السُّيُوطِيُّ بِجُمْلَةِ أَمْثِلَةٍ مِنْهَا:

стр. 11584

١ - لَوْ أَدَّى الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ فَكَانَ الثُّلاَثَاءَ صَحَّ. ٢ - وَلَوْ غَلِطَ فِي الأَْذَانِ فَظَنَّ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ وَكَانَتِ الْعَصْرُ، قَال: لاَ أَعْلَمُ فِيهِ نَقْلاً وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ الإِْعْلاَمُ مِمَّنْ هُوَ أَهْلُهُ (١) وَقَدْ حَصَل. وَهَذِهِ الأَْمْثِلَةُ أَوْ بَعْضُهَا مَذْكُورَةٌ فِي الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: لَوْ نَوَى قَضَاءَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الصَّوْمِ وَهُوَ يَظُنُّهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَهُوَ غَيْرُهُ جَازَ (٢) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: قَال الزُّرْقَانِيُّ إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ زَيْدٌ أَيِ: الإِْمَامَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَمْرٌو، فَإِنَّ صَلاَتَهُ صَحِيحَةٌ (٣) . وَنَحْوُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٤) . ثَانِيًا: الْخَطَأُ فِي دُخُول الْوَقْتِ: ٢٢ - مَنْ صَلَّى قَبْل الْوَقْتِ كُل الصَّلاَةِ أَوْ بَعْضَهَا لَمْ تَجُزْ صَلاَتُهُ اتِّفَاقًا، سَوَاءٌ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؛ لأَِنَّ الْوَقْتَ كَمَا هُوَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الصَّلاَةِ فَهُوَ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٥) أَيْ فَرْضًا مُؤَقَّتًا حَتَّى

стр. 11585

لاَ يَجُوزَ أَدَاءُ الْفَرْضِ قَبْل وَقْتِهِ، وَلأَِنَّ الصَّلاَةَ فُرِضَتْ لأَِوْقَاتِهَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْل وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وَمِنَ اللَّيْل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) وَلِهَذَا تَكَرَّرَ وُجُوبُهَا بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ، وَتُؤَدَّى فِي مَوَاقِيتِهَا. فَلَوْ شَكَّ فِي دُخُول وَقْتِ الْعِبَادَةِ فَأَتَى بِهَا، فَبَانَ أَنَّهُ فَعَلَهَا قَبْل الْوَقْتِ لَمْ يُجْزِهِ، قَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُجْزِئُهُ، وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِيهِ لِتَرَدُّدِ النِّيَّةِ وَعَدَمِ تَيَقُّنِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ مَعْرِفَةَ دُخُول الْوَقْتِ يَقِينًا بِأَنْ شَاهَدَ الشَّمْسَ غَارِبَةً، أَوْ ظَنًّا بِأَنِ اجْتَهَدَ لِغَيْمٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَمَنْ صَلَّى بِدُونِ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْوَقْتِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ تَصِحُّ صَلاَتُهُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ لَهُ أَنْ يَتَيَقَّنَ دُخُولَهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. فَإِنْ صَلَّى مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِدُخُول الْوَقْتِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى قَبْل الْوَقْتِ أَعَادَ اتِّفَاقًا (٢) .

стр. 11586

ثَالِثًا: الْخَطَأُ فِي الْقِبْلَةِ: ٢٣ - اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ. فَإِنْ صَلَّى ثُمَّ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِي الْقِبْلَةِ: فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَتَحَرَّى الْمُصَلِّي لاِشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ وَعَدَمِ الْمُخْبِرِ بِهَا، وَلَمْ يُعِدِ الصَّلاَةَ إِنْ أَخْطَأَ لأَِنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ، وَلاَ وُسْعَ فِي إِصَابَةِ الْجِهَةِ حَقِيقَةً، فَصَارَتْ جِهَةُ التَّحَرِّي هُنَا كَجِهَةِ الْكَعْبَةِ لِلْغَائِبِ عَنْهَا، وَقَدْ قِيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (١) أَيْ قِبْلَةُ اللَّهِ نَزَلَتْ فِي الصَّلاَةِ حَال الاِشْتِبَاهِ، وَلَوْ عَلِمَ خَطَأَهُ فِي الصَّلاَةِ، أَوْ تَحَوَّل رَأْيُهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا بِالتَّحَرِّي اسْتَدَارَ فِي الأَْوَّل إِلَى جِهَةِ الصَّوَابِ وَفِي الثَّانِي إِلَى جِهَةِ تَحَوُّل رَأْيِهِ إِلَيْهَا (٢) . ٢٤ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ لَوْ صَلَّى إِلَى جِهَةِ اجْتِهَادِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ، فَإِنْ كَانَ تَحَرِّيهِ مَعَ ظُهُورِ الْعَلاَمَاتِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ إِنِ اسْتَدْبَرَ، وَكَذَا لَوْ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ، وَإِنْ كَانَ مَعَ عَدَمِ ظُهُورِهَا فَلاَ إِعَادَةَ (٣) . ٢٥ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ صَلَّى ثُمَّ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فَفِيهِ قَوْلاَنِ: الأَْوَّل يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ؛ لأَِنَّهُ تَعَيَّنَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ فِيمَا يَأْمَنُ مِثْلَهُ فِي الْقَضَاءِ فَلَمْ يُعْتَدَّ بِمَا مَضَى، كَالْحَاكِمِ إِذَا حَكَمَ ثُمَّ وُجِدَ النَّصُّ بِخِلاَفِهِ، وَالثَّانِي لاَ يَلْزَمُهُ لأَِنَّهُ جِهَةٌ تَجُوزُ الصَّلاَةُ

стр. 11587

إِلَيْهَا بِالاِجْتِهَادِ فَأَشْبَهَ إِذَا لَمْ يَتَيَقَّنِ الْخَطَأَ. وَإِنْ صَلَّى إِلَى جِهَةٍ ثُمَّ رَأَى الْقِبْلَةَ فِي يَمِينِهَا أَوْ شِمَالِهَا لَمْ يُعِدْ؛ لأَِنَّ الْخَطَأَ فِي الْيَمِينِ وَالشِّمَال لاَ يُعْلَمُ قَطْعًا فَلاَ يُنْتَقَضُ بِالاِجْتِهَادِ (١) . ٢٦ - وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا صَلَّى بِالاِجْتِهَادِ إِلَى جِهَةٍ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ (٢) . وَقَالُوا: إِذَا صَلَّى الْبَصِيرُ فِي حَضَرٍ فَأَخْطَأَ، أَوْ صَلَّى الأَْعْمَى بِلاَ دَلِيلٍ بِأَنْ لَمْ يَسْتَخْبِرْ مَنْ يُخْبِرُهُ وَلَمْ يَلْمِسَ الْمِحْرَابَ وَنَحْوَهُ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَ بِهِ الْقِبْلَةَ أَعَادَا وَلَوْ أَصَابَا، أَوِ اجْتَهَدَ الْبَصِيرُ؛ لأَِنَّ الْحَضَرَ لَيْسَ بِمَحَل اجْتِهَادٍ لِقُدْرَةِ مَنْ فِيهِ عَلَى الاِسْتِدْلاَل بِالْمَحَارِيبِ وَنَحْوِهَا، وَلِوُجُودِ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ غَالِبًا، وَإِنَّمَا وَجَبَتِ الإِْعَادَةُ عَلَيْهِمَا لِتَفْرِيطِهِمَا بِعَدَمِ الاِسْتِخْبَارِ أَوِ الاِسْتِدْلاَل بِالْمَحَارِيبِ (٣) . رَابِعًا: الْخَطَأُ فِي الْقِرَاءَةِ: ٢٧ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: خَطَأُ الْقَارِئِ إِمَّا فِي الإِْعْرَابِ، أَوْ فِي الْحُرُوفِ، أَوْ فِي الْكَلِمَاتِ، أَوِ الآْيَاتِ، وَفِي الْحُرُوفِ إِمَّا بِوَضْعِ حَرْفٍ مَكَانَ آخَرَ أَوْ تَقْدِيمِهِ، أَوْ تَأْخِيرِهِ، أَوْ زِيَادَتِهِ، أَوْ نَقْصِهِ. أَمَّا الإِْعْرَابُ فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرَ الْمَعْنَى لاَ تَفْسُدُ الصَّلاَةُ؛ لأَِنَّ تَغْيِيرَهُ خَطَأٌ لاَ يُسْتَطَاعُ الاِحْتِرَازُ

стр. 11588

عَنْهُ فَيُعْذَرُ، وَإِنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى تَغْيِيرًا فَاحِشًا مِمَّا اعْتِقَادُهُ كُفْرٌ، مِثْل الْبَارِئِ الْمُصَوَّرِ - بِفَتْحِ الْوَاوِ - وَ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ﴾ (١) بِرَفْعِ اسْمِ الْجَلاَلَةِ وَنَصْبِ الْعُلَمَاءِ - فَسَدَتْ فِي قَوْل الْمُتَقَدِّمِينَ، وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ: فَقَال جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: لاَ تَفْسُدُ. وَمَا قَالَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ أَحْوَطُ؛ لأَِنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ يَكُونُ كُفْرًا، وَمَا يَكُونُ كُفْرًا لاَ يَكُونُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَيَكُونُ مُتَكَلِّمًا بِكَلاَمِ النَّاسِ الْكُفَّارِ غَلَطًا وَهُوَ مُفْسِدٌ، كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ بِكَلاَمِ النَّاسِ سَاهِيًا مِمَّا لَيْسَ بِكُفْرٍ فَكَيْفَ وَهُوَ كُفْرٌ، وَقَوْل الْمُتَأَخِّرِينَ أَوْسَعُ؛ لأَِنَّ النَّاسَ لاَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ وُجُوهِ الإِْعْرَابِ. وَيَتَّصِل بِهَذَا تَخْفِيفُ الْمُشَدَّدِ، وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ كَالْخَطَأِ فِي الإِْعْرَابِ، فَلِذَا قَال كَثِيرٌ بِالْفَسَادِ فِي تَخْفِيفِ - ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ - وَ - ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ - وَالأَْصَحُّ لاَ تَفْسُدُ. وَأَمَّا فِي الْحُرُوفِ فَإِذَا وَضَعَ حَرْفًا مَكَانَ غَيْرِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَطَأً أَوْ عَجْزًا، فَالأَْوَّل إِنْ لَمْ يُغَيِّرَ الْمَعْنَى وَكَانَ مِثْلُهُ مَوْجُودًا فِي الْقُرْآنِ نَحْوُ - إِنَّ الْمُسْلِمُونَ - لاَ تَفْسُدُ، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ وَلَيْسَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ نَحْوُ - قَيَّامِينَ بِالْقِسْطِ - وَالتَّيَّابِينَ - وَالْحَيُّ الْقَيَّامُ - لَمْ تَفْسُدْ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَفْسُدُ. وَإِنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى فَسَدَتْ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ. فَلَوْ قَرَأَ أَصْحَابَ الشَّعِيرِ - بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ فَسَدَتِ اتِّفَاقًا -

стр. 11589

فَالْعِبْرَةُ فِي عَدَمِ الْفَسَادِ عِنْدَهُمَا بِعَدَمِ تَغَيُّرِ الْمَعْنَى - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْعِبْرَةُ بِوُجُودِ الْمِثْل فِي الْقُرْآنِ (١) . وَأَمَّا التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فَإِنْ غَيَّرَ، نَحْوَ قَوْسَرَةٍ فِي قَسْوَرَةٍ فَسَدَتْ، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ لاَ تَفْسُدُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ وَمِنْهَا فَكُّ الْمُدْغَمِ، فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ نَحْوُ (وَانْهَا عَنِ الْمُنْكَرِ) بِالأَْلِفِ (وَرَادِدُوهُ إِلَيْكَ) لاَ تَفْسُدُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ. وَإِنْ غَيَّرَ نَحْوُ (زَرَابِيبَ) مَكَانَ (زَرَابِيُّ) (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (وَإِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) بِزِيَادَةِ الْوَاوِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَفْسُدُ. وَكَذَا النُّقْصَانُ إِنْ لَمْ يُغَيِّرْ لاَ تَفْسُدُ نَحْوُ (جَاءَهُمْ) مَكَانَ (جَاءَتْهُمْ) وَإِنْ غَيَّرَ فَسَدَ نَحْوُ (النَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى مَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُْنْثَى) بِلاَ وَاوٍ. أَمَّا الْكَلِمَةُ مَكَانَ الْكَلِمَةِ فَإِنْ تَقَارَبَا مَعْنًى، وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَالْحَكِيمِ مَكَانَ الْعَلِيمِ، لَمْ تَفْسُدِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الْمِثْل كَالْفَاجِرِ مَكَانَ الأَْثِيمِ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ، فَلَوْ لَمْ يَتَقَارَبَا وَلاَ مِثْل لَهُ فَسَدَتِ اتِّفَاقًا إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَكَرًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ مِمَّا اعْتِقَادُهُ كُفْرٌ كَغَافِلِينَ فِي ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ فَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهَا تَفْسُدُ اتِّفَاقًا.

стр. 11590

وَأَمَّا التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ لَمْ تَفْسُدْ نَحْوُ ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ ، وَإِنْ غَيَّرَ فَسَدَتْ نَحْوُ الْيُسْرِ مَكَانَ الْعُسْرِ وَعَكْسُهُ. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْ وَهِيَ فِي الْقُرْآنِ نَحْوُ (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِرًّا) لاَ تَفْسُدُ فِي قَوْلِهِمْ، وَإِنْ غَيَّرَتْ فَسَدَتِ الصَّلاَةُ لأَِنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَهُ كَفَرَ، فَإِذَا أَخْطَأَ فِيهِ أَفْسَدَ (١) . مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: ٢٨ - بَحَثَ الْمَالِكِيَّةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي صَلاَةِ الْمُقْتَدِي بِاللاَّحِنِ. فَقَال الْخَرَشِيُّ: قِيل: تَبْطُل صَلاَةُ الْمُقْتَدِي بِلاَحِنٍ (٢) مُطْلَقًا، أَيْ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا، سَوَاءٌ غَيَّرَ الْمَعْنَى كَكَسْرِ كَافِ ﴿إِيَّاكَ﴾ وَضَمِّ تَاءِ ﴿أَنْعَمْتُ﴾ أَمْ لاَ، وُجِدَ غَيْرُهُ أَمْ لاَ، إِنْ لَمْ تَسْتَوِ حَالَتُهُمَا أَوْ إِنْ كَانَ لَحْنُهُ فِي الْفَاتِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا؟ قَوْلاَنِ. ثُمَّ قَال: وَمَحَل الْخِلاَفِ فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ تَعَلُّمِ الصَّوَابِ لِضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ لِعَدَمِ مَنْ يُعَلِّمُهُ مَعَ قَبُول التَّعْلِيمِ، أَوِ ائْتَمَّ بِهِ مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُ لِعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ. وَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ اللَّحْنَ فَصَلاَتُهُ وَصَلاَةُ مَنِ اقْتَدَى بِهِ بَاطِلَةٌ بِلاَ نِزَاعٍ؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِكَلِمَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فِي صَلاَتِهِ، وَمَنْ فَعَلَهُ سَاهِيًا لاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ وَلاَ صَلاَةَ مَنِ اقْتَدَى بِهِ قَطْعًا
следующие страницы →