← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 11621–11660 · переход к 11626.

стр. 11621

أَلْفًا، وَإِنَّمَا أَقْدَمَ عَلَى هَذَا التَّسْلِيمِ لِغَلاَءِ الثَّمَنِ، أَوْ لأَِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ تَحْصِيل الأَْلْفِ وَلاَ يَزُول هَذَا الْمَعْنَى إِذَا كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ مِنَ الأَْلْفِ بَل يَزْدَادُ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ أَقَل مِنَ الأَْلْفِ فَقَدِ انْعَدَمَ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ لأَِجْلِهِ رَضِيَ بِالتَّسْلِيمِ فَيَكُونُ عَلَى حَقِّهِ، وَهَذَا لأَِنَّ الأَْخْذَ بِالشُّفْعَةِ شِرَاءٌ، وَقَدْ يَرْغَبُ الْمَرْءُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ عِنْدَ قِلَّةِ الثَّمَنِ وَلاَ يَرْغَبُ فِيهِ عِنْدَ كَثْرَةِ الثَّمَنِ (١) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الشَّفِيعُ إِذَا عَلِمَ بِالْبَيْعِ فَلَمَّا أُخْبِرَ بِالثَّمَنِ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ لِكَثْرَتِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الثَّمَنَ أَقَل مِمَّا أُخْبِرَ بِهِ فَلَهُ شُفْعَتُهُ وَلَوْ طَال الزَّمَانُ قَبْل ذَلِكَ، وَيَحْلِفُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَسْقَطَ لأَِجْل الْكَذِبِ فِي الثَّمَنِ. وَكَذَلِكَ لاَ تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ إِذَا أَسْقَطَهَا لأَِجْل الْكَذِبِ فِي الشِّقْصِ الْمُشْتَرَى، بِأَنْ قِيل لَهُ فُلاَنٌ اشْتَرَى نِصْفَ نَصِيبِ شَرِيكِكَ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى جَمِيعَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَلَهُ الْقِيَامُ بِالشُّفْعَةِ حِينَئِذٍ، لأَِنَّهُ يَقُول لَمْ يَكُنْ لِي غَرَضٌ فِي أَخْذِ النِّصْفِ؛ لأَِنَّ الشَّرِكَةَ بَعْدُ قَائِمَةٌ، فَلَمَّا عَلِمْتُ أَنَّهُ ابْتَاعَ الْكُل أَخَذْتُ لاِرْتِفَاعِ الشَّرِكَةِ وَزَوَال الضَّرَرِ، أَوْ لأَِجْل الْكَذِبِ فِي الْمُشْتَرِي - بِكَسْرِ الرَّاءِ - قِيل لَهُ فُلاَنٌ اشْتَرَى نَصِيبَ شَرِيكِكَ فَأَسْقَطَ لِذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي سُمِّيَ فَإِنَّ

стр. 11622

لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شُفْعَتَهُ كَائِنًا مَا كَانَ الشَّخْصُ. وَكَذَلِكَ لاَ تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ إِذَا قِيل لَهُ إِنَّ فُلاَنًا اشْتَرَى حِصَّةَ شَرِيكِكَ فِي الشِّقْصِ فَرَضِيَ بِهِ وَسَلَّمَ شُفْعَتَهُ لأَِجْل حُسْنِ سِيرَةِ هَذَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الشِّقْصَ اشْتَرَاهُ هُوَ وَشَخْصٌ آخَرُ فَلَهُ الْقِيَامُ بِشُفْعَتِهِ، لأَِنَّهُ يَقُول إِنَّمَا رَضِيتُ بِشَرِكَةِ فُلاَنٍ وَحْدَهُ لاَ بِشَرِكَتِهِ مَعَ غَيْرِهِ (١) . ك - النِّكَاحُ: أَوَّلاً - الْخَطَأُ فِي الصِّيغَةِ: ٥٧ - يَرَى فَرِيقٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ بِأَلْفَاظٍ مُصَحَّفَةٍ، وَالتَّصْحِيفُ أَنْ يَقْرَأَ الشَّيْءَ عَلَى خِلاَفِ مَا أَرَادَهُ كَاتِبُهُ، أَوْ عَلَى غَيْرِ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، كَتَجَوَّزْتُ بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ عَلَى الزَّاي؛ لأَِنَّهُ صَادِرٌ لاَ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ، بَل عَنْ تَحْرِيفٍ وَتَصْحِيفٍ فَلاَ يَكُونُ حَقِيقَةً وَلاَ مَجَازًا لِعَدَمِ الْعَلاَقَةِ، بَل غَلَطًا فَلاَ اعْتِبَارَ بِهِ أَصْلاً بِخِلاَفِ مَا لَوِ اتَّفَقَ قَوْمٌ عَلَى النُّطْقِ بِهَذِهِ الْغَلْطَةِ وَصَدَرَتْ عَنْ قَصْدٍ صَحَّ، لأَِنَّ ذَلِكَ وَضْعٌ جَدِيدٌ وَبِهِ أَفْتَى أَبُو السُّعُودِ (٢) . وَالرَّأْيُ الآْخَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَرَأْيِ تَقِيِّ الدِّينِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: الْعَقْدُ بِلَفْظِ

стр. 11623

جَوَّزْتُ وَزَوَّزْتُ إِذَا نَطَقَ بِهِ الْعَامِّيُّ قَاصِدًا بِهِ مَعْنَى النِّكَاحِ يَصِحُّ؛ لأَِنَّ لَفْظَ جَوَّزْتُ وَزَوَّزْتُ لاَ يَفْهَمُ مِنْهُ الْعَاقِدَانِ وَالشُّهُودُ إِلاَّ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّزْوِيجِ وَلاَ يُقْصَدُ مِنْهُ إِلاَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِحَسَبِ الْعُرْفِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُحْمَل كَلاَمُ كُل عَاقِدٍ وَحَالِفٍ وَوَاقِفٍ عَلَى عَرَفَةَ (١) . وَقَال الْغَزَالِيُّ: الْخَطَأُ فِي الصِّيغَةِ إِذَا لَمْ يُخِل بِالْمَعْنَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْخَطَأِ فِي الإِْعْرَابِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ (٢) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (نِكَاحٌ) . ثَانِيًا - الْغَلَطُ فِي اسْمِ الزَّوْجَةِ: ٥٨ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْغَلَطُ فِي اسْمِ الزَّوْجَةِ يَمْنَعُ مِنَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ حَاضِرَةً فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَأَشَارَ إِلَيْهَا، فَلاَ يَضُرُّ؛ لأَِنَّ تَعْرِيفَ الإِْشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ أَقْوَى مِنَ التَّسْمِيَةِ، لِمَا فِي التَّسْمِيَةِ مِنَ الاِشْتِرَاكِ لِعَارِضٍ فَتَلْغُو التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الإِْشَارَةِ، كَمَا لَوْ قَال: اقْتَدَيْتُ بِزَيْدٍ هَذَا فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو فَإِنَّهُ يَصِحُّ (٣) . وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتَانِ وَأَرَادَ تَزْوِيجَ الْكُبْرَى فَغَلِطَ فَسَمَّاهَا بِاسْمِ الصُّغْرَى صَحَّ لِلصُّغْرَى بِأَنْ كَانَ اسْمُ الْكُبْرَى عَائِشَةَ وَالصُّغْرَى فَاطِمَةَ، فَقَال زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةَ

стр. 11624

وَهُوَ يُرِيدُ عَائِشَةَ فَقَبِل، انْعَقَدَ عَلَى فَاطِمَةَ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَصِفْهَا بِالْكُبْرَى، فَلَوْ قَال زَوَّجْتُكَ بِنْتِي الْكُبْرَى فَاطِمَةَ قَالُوا: يَجِبُ أَنْ لاَ يَنْعَقِدَ الْعَقْدُ عَلَى إِحْدَاهُمَا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ ابْنَةٌ كُبْرَى بِهَذَا الاِسْمِ، وَلاَ تَنْفَعُ النِّيَّةُ هُنَا وَلاَ مَعْرِفَةُ الشُّهُودِ بَعْدَ صَرْفِ اللَّفْظِ عَنِ الْمُرَادِ (١) . وَقَال شَمْسُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ قَال أَبُو بَنَاتٍ: زَوَّجْتُكَ إِحْدَاهُنَّ أَوْ بِنْتِي أَوْ فَاطِمَةَ وَنَوَيَا مُعَيَّنَةً وَلَوْ غَيْرَ الْمُسَمَّاةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، قَال الشَّبْرَامَلِّسِيُّ: لَوْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ اخْتَلَفَتُ الزَّوْجَةُ مَعَ الزَّوْجِ فَقَالَتْ: لَسْتُ الْمُسَمَّاةَ فِي الْعَقْدِ، وَقَال الشُّهُودُ: بَل أَنْتِ الْمَقْصُودَةُ بِالتَّسْمِيَةِ، وَإِنَّمَا الْوَلِيُّ سَمَّى غَيْرَكَ فِي الْعَقْدِ غَلَطًا وَوَافَقَهُمَا الزَّوْجُ عَلَى ذَلِكَ، فَهَل الْعِبْرَةُ بِقَوْلِهَا لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ النِّكَاحِ، أَوِ الْعِبْرَةُ بِقَوْل الشُّهُودِ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالأَْقْرَبُ الأَْوَّل، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْغَلَطِ (٢) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ سَمَّاهَا الْوَلِيُّ بِغَيْرِ اسْمِهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا صَحَّ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّ عَدَمَ التَّعْيِينِ إِنَّمَا جَاءَ مِنَ التَّعَدُّدِ وَلاَ تَعَدُّدَ هُنَا، وَكَذَا لَوْ سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا وَأَشَارَ إِلَيْهَا، بِأَنْ قَال زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةُ هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى خَدِيجَةَ؛ لأَِنَّ الإِْشَارَةَ أَقْوَى، وَلَوْ سَمَّاهَا

стр. 11625

بِغَيْرِ اسْمِهَا وَلَمْ يَقُل بِنْتِي لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ. وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتَانِ فَاطِمَةُ وَعَائِشَةُ فَقَال الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَائِشَةُ فَقَبِل الزَّوْجُ، وَنَوَيَا فِي الْبَاطِنِ فَاطِمَةَ فَلاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُذْكَرْ بِمَا تَتَعَيَّنُ بِهِ، فَإِنَّ اسْمَ أُخْتِهَا لاَ يُمَيِّزُهَا بَل يَصْرِفُ الْعَقْدَ عَنْهَا، وَلأَِنَّهُمَا لَمْ يَتَلَفَّظَا بِمَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَال: زَوَّجْتُكَ عَائِشَةُ فَقَطْ، أَوْ مَا لَوْ قَال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي وَلَمْ يُسَمِّهَا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِيمَا إِذَا لَمْ يُسَمِّهَا فَفِي مَا سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْلَى (١) . ثَالِثًا - الْغَلَطُ فِي الزَّوْجَةِ: ٥٩ - إِذَا زُفَّتِ امْرَأَةٌ إِلَى غَيْرِ زَوْجِهَا وَلَمْ يَكُنْ رَآهَا قَبْل ذَلِكَ فَوَطِئَهَا، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَاطِئِ مَهْرُ الْمِثْل، وَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ. وَيَنْتَشِرُ التَّحْرِيمُ بِهَذَا الْوَطْءِ (٢) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ وَطِئَهَا غَلَطًا وَهِيَ فِي عِدَّةِ غَيْرِهِ تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا (٣) . وَمِنْ صُوَرِ الْغَلَطِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ لَوْ عَقَدَ أَبٌ عَلَى امْرَأَةٍ وَابْنُهُ عَلَى

стр. 11626

ابْنَتِهَا وَزُفَّتْ كُلٌّ لِغَيْرِ زَوْجِهَا وَوَطِئَهَا غَلَطًا: قَال الشَّافِعِيَّةُ: انْفَسَخَ النِّكَاحَانِ وَلَزِمَ كُلًّا لِمَوْطُوءَتِهِ مَهْرُ الْمِثْل، وَعَلَى السَّابِقِ مِنْهُمَا بِالْوَطْءِ لِزَوْجَتِهِ نِصْفُ الْمُسَمَّى، وَفِيمَا يَلْزَمُ الثَّانِي مِنْهُمَا وُجُوهٌ (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ: إِنَّ وَطْءَ الأَْوَّل يُوجِبُ عَلَيْهِ مَهْرَ مِثْلِهَا؛ لأَِنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ وَيُفْسَخُ نِكَاحُهَا مِنْ زَوْجِهَا؛ لأَِنَّهَا صَارَتْ بِالْوَطْءِ حَلِيلَةَ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ، وَيَسْقُطُ بِهِ مَهْرُ الْمَوْطُوءَةِ عَنْ زَوْجِهَا؛ لأَِنَّ الْفَسْخَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا بِتَمْكِينِهَا مِنْ وَطْئِهَا وَمُطَاوَعَتِهَا عَلَيْهِ، وَلاَ شَيْءَ لِزَوْجِهَا عَلَى الْوَاطِئِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ يَرْجِعُ بِهِ؛ وَلأَِنَّ الْمَرْأَةَ مُشَارِكَةٌ فِي إِفْسَادِ نِكَاحِهَا بِالْمُطَاوَعَةِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَى زَوْجِهَا شَيْءٌ لَوِ انْفَرَدَتْ بِهِ (٢) . رَابِعًا - طَلاَقُ الْمُخْطِئِ: ٦٠ - مَنْ قَال لِزَوْجَتِهِ اسْقِينِي فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَعُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَلاَ اعْتِبَارَ لِلْكَلاَمِ بِدُونِ الْقَصْدِ (٣) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَقَعُ بِهِ الطَّلاَقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ

стр. 11627

مُخْتَارًا لِحُكْمِهِ لِكَوْنِهِ مُخْتَارًا فِي التَّكَلُّمِ، وَلأَِنَّ الْغَفْلَةَ عَنْ مَعْنَى اللَّفْظِ أَمْرٌ خَفِيٌّ وَفِي الْوُقُوفِ عَلَى قَصْدِهِ حَرَجٌ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْمُرَادُ مِنَ الْقَصْدِ قَصْدُ النُّطْقِ بِاللَّفْظِ الدَّال عَلَيْهِ فِي الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ مَدْلُولَهُ وَهُوَ حَل الْعِصْمَةِ. وَقَالُوا إِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِأَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِغَيْرِ الطَّلاَقِ، فَالْتَوَى لِسَانُهُ فَتَكَلَّمَ بِالطَّلاَقِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ ثَبَتَ سَبْقُ لِسَانِهِ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى وَيَلْزَمُهُ فِي الْقَضَاءِ (٢) . ل - الْخَطَأُ فِي الْجِنَايَاتِ: أَوَّلاً - الْقَتْل الْخَطَأُ: ٦١ - الْوَاجِبُ فِي الْقَتْل الْخَطَأِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِل وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، وَالْحِرْمَانُ مِنَ الْمِيرَاثِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَيُرْجَعُ فِي تَعْرِيفِ الْقَتْل الْخَطَأِ وَصُوَرِهِ وَأَنْوَاعِهِ وَأَحْكَامِهِ وَآرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ إِلَى مُصْطَلَحَاتِ (قَتْلٌ، دِيَةٌ، كَفَّارَةٌ، إِرْثٌ) . ثَانِيًا - مَا يَجِبُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ خَطَأً: ٦٢ - الْوَاجِبُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إِمَّا دِيَةٌ كَامِلَةٌ كَمَا فِي ذَهَابِ كُلٍّ مِنَ الْكَلاَمِ، وَالسَّمْعِ، وَاللِّسَانِ،

стр. 11628

وَالأَْنْفِ، وَفِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، أَوْ نِسْبَةٍ مِنَ الدِّيَةِ كَمَا فِي الْمُوضِحَةِ، وَالْمُنَقِّلَةِ، وَالآْمَّةِ، وَالْجَائِفَةِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (دِيَةٌ) (١) . ثَالِثًا - جِنَايَةُ الإِْنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَطْرَافِهِ خَطَأً: ٦٣ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ مَنْ قَتَل نَفْسَهُ خَطَأً لاَ تَجِبُ الدِّيَةُ بِقَتْلِهِ وَلاَ تَحْمِل الْعَاقِلَةُ دِيَتَهُ. لأَِنَّ عَامِرَ بْنَ الأَْكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَمَاتَ، وَلَمْ يَقْضِ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِدِيَةٍ وَلاَ غَيْرِهَا (٢) ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهُ؛ وَلأَِنَّهُ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ كَالْعَمْدِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الأَْظْهَرِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ: إِنَّ عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتَهُ لِوَرَثَتِهِ إِنْ قَتَل نَفْسَهُ، أَوْ أَرْشَ جُرْحِهِ لِنَفْسِهِ إِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ رَجُلاً سَاقَ حِمَارًا فَضَرَبَهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ فَطَارَتْ مِنْهَا شَظِيَّةٌ فَفَقَأَتْ عَيْنَهُ فَجَعَل عُمَرُ ﵁ دِيَتَهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ

стр. 11629

مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِ (١) . وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْكَفَّارَةِ فَقَدْ قَال الشَّافِعِيُّ وَالْحَنَابِلَةُ: تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: لاَ تَجِبُ؛ لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ الْقَتْل فَإِذَا حَصَل الْقَتْل بَطَل الْخِطَابُ بِهَا كَمَا تَسْقُطُ دِيَتُهُ عَنِ الْعَاقِلَةِ لِوَرَثَتِهِ (٢) . رَابِعًا - الْخَطَأُ فِي التَّصَادُمِ: ٦٤ - التَّصَادُمُ قَدْ يَقَعُ مِنْ فَارِسَيْنِ، أَوْ مِنْ مَاشِيَيْنِ، أَوْ مِنْ سَفِينَتَيْنِ، وَقَدْ يَقَعُ عَمْدًا أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ، وَالْوَاجِبُ فِي حَال الْخَطَأِ هَل يَضْمَنُ كُل وَاحِدٍ مَا تَلِفَ مِنَ الآْخَرِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ مَالٍ، أَوْ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ بِأَنْ يَضْمَنَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ قِيمَةِ مَا تَلِفَ مِنَ الآْخَرِ؟ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٣) وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَحَلُّهُ فِي مُصْطَلَحِ (دِيَةٌ، إِتْلاَفٌ، قَتْلٌ، ضَمَانٌ) .

стр. 11630

خَامِسًا - فِي خَرْقِ السَّفِينَةِ خَطَأً: ٦٥ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ خَرَقَ شَخْصٌ سَفِينَتَهُ عَامِدًا خَرْقًا يُهْلِكُ غَالِبًا، فَالْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ عَلَى الْخَارِقِ، وَخَرْقُهَا لِلإِْصْلاَحِ شِبْهُ عَمْدٍ، فَإِنْ أَصَابَ غَيْرَ مَوْضِعِ الإِْصْلاَحِ فَخَرَقَهُ فَخَطَأٌ مَحْضٌ (١) . وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهُ إِذَا خَرَقَ السَّفِينَةَ خَطَأً فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ. وَإِذَا قَامَ لِيُصْلِحَ مَوْضِعًا فَقَلَعَ لَوْحًا، أَوْ يُصْلِحَ مِسْمَارًا فَثَقَبَ مَوْضِعًا، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ قَبِيل عَمْدِ الْخَطَأِ، أَوْ مِنْ قَبِيل الْخَطَأِ الْمَحْضِ؟ ذَهَبَ إِلَى الأَْوَّل الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَالثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ، لأَِنَّهُ قَصَدَ فِعْلاً مُبَاحًا فَأَفْضَى إِلَى التَّلَفِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَ آدَمِيًّا، لَكِنْ إِنْ قَصَدَ قَلْعَ اللَّوْحِ مِنْ مَوْضِعٍ يَغْلِبُ أَنَّهُ لاَ يُتْلِفُهَا فَأَتْلَفَهَا فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَأِ وَفِيهِ مَا فِيهِ (٢) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي ضَمَانِ الْمَلاَّحِ: لَوْ دَخَلَهَا الْمَاءُ فَأَفْسَدَ الْمَتَاعَ فَلَوْ بِفِعْلِهِ وَحْدَهُ يَضْمَنُ بِالاِتِّفَاقِ، وَلَوْ بِلاَ فِعْلِهِ إِنْ لَمْ يُمْكِنَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لاَ يَضْمَنُ إِجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ

стр. 11631

لاَ يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ. وَهَذَا كُلُّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ رَبُّ الْمَتَاعِ أَوْ وَكِيلُهُ فِي السَّفِينَةِ، فَلَوْ كَانَ لاَ يَضْمَنُ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ إِذَا لَمْ يُخَالِفْ بِأَنْ لَمْ يُجَاوِزَ الْمُعْتَادَ؛ لأَِنَّ مَحَل الْعَمَل غَيْرُ مُسَلَّمٍ إِلَيْهِ (١) . - الْخَطَأُ فِي الأَْيْمَانِ: أَوَّلاً: الْخَطَأُ فِي حَلِفِ الْيَمِينِ: ٦٦ - مَعْنَى الْخَطَأِ فِي الْيَمِينِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ سَبْقُ اللِّسَانِ إِلَى غَيْرِ مَا قَصَدَهُ الْحَالِفُ وَأَرَادَهُ بِأَنْ أَرَادَ شَيْئًا فَسَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى غَيْرِهِ، كَمَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُول: اسْقِنِي الْمَاءَ فَقَال: وَاللَّهِ لاَ أَشْرَبُ الْمَاءَ. وَأَوْجَبُوا فِيهِ الْكَفَّارَةَ إِنْ حَنِثَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (٢) وَلِقَوْلِهِ ﷺ : ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالْيَمِينُ (٣) وَقَالُوا: إِنَّ الْكَفَّارَةَ تَرْفَعُ الإِْثْمَ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ التَّوْبَةُ. وَخَالَفَ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ فِي انْعِقَادِ يَمِينِ الْمُخْطِئِ وَقَال: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ

стр. 11632

الْيَمِينِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ؛ لأَِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ جَعَل الْهَزْل بِالْيَمِينِ جِدًّا، وَالْهَازِل قَاصِدٌ لِلْيَمِينِ غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِهِ فَلاَ يُعْتَبَرُ عَدَمُ رِضَاهُ بِهِ شَرْعًا بَعْدَ مُبَاشَرَتِهِ السَّبَبَ مُخْتَارًا، وَالنَّاسِي بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا أَصْلاً وَلَمْ يَدْرِ مَا صَنَعَ، وَكَذَا الْمُخْطِئُ لَمْ يَقْصِدْ قَطُّ التَّلَفُّظَ بِهِ، بَل بِشَيْءٍ آخَرَ فَلاَ يَكُونُ الْوَارِدُ فِي الْهَازِل وَارِدًا فِي النَّاسِي الَّذِي لَمْ يَقْصِدْ قَطُّ مُبَاشَرَةَ السَّبَبِ، فَلاَ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ نَصًّا وَلاَ قِيَاسًا. (١) وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْخَطَأِ: الأَْوَّل - سَبْقُ اللِّسَانِ بِمَعْنَى غَلَبَتِهِ وَجَرَيَانِهِ عَلَى لِسَانِهِ نَحْوُ: لاَ وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا، وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا. الثَّانِي - انْتِقَالُهُ مِنْ لَفْظٍ لآِخَرَ وَالْتِفَاتُهُ إِلَيْهِ عِنْدَ إِرَادَةِ النُّطْقِ بِغَيْرِهِ. وَقَالُوا: إِنَّ الْقِسْمَ الأَْخِيرَ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ وَيَدِينُ أَيْ يُقْبَل قَوْلُهُ دِيَانَةً، كَسَبْقِ اللِّسَانِ فِي الطَّلاَقِ، أَمَّا الأَْوَّل فَيَلْزَمُهُ الْيَمِينُ. (٢) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى لَفْظِ الْيَمِينِ بِلاَ قَصْدٍ فِي حَال غَضَبِهِ: كَلاَ وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ، وَكَذَا فِي حَال عَجَلَتِهِ، أَوْ صِلَةِ

стр. 11633

كَلاَمِهِ، أَوْ أَرَادَ الْيَمِينَ عَلَى شَيْءٍ فَسَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَهَذَا لاَ يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ وَلاَ تَتَعَلَّقُ بِهِ كَفَّارَةٌ. (١) فَإِذَا حَلَفَ وَقَال: لَمْ أَقْصِدَ الْيَمِينَ صُدِّقَ، أَمَّا الْحَلِفُ بِالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ وَالإِْيلاَءِ فَلاَ يُصَدَّقُ فِي الظَّاهِرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِإِجْرَاءِ لَفْظِ الْيَمِينِ بِلاَ قَصْدٍ، بِخِلاَفِ الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ فَدَعْوَاهُ فِيهِمَا بِخِلاَفِ الظَّاهِرِ فَلاَ يُقْبَل، وَلَوِ اقْتَرَنَ بِالْيَمِينِ مَا يَدُل عَلَى الْقَصْدِ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ عَلَى خِلاَفِ الظَّاهِرِ (٢) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ فَيُبَيِّنُ بِخِلاَفِهِ، وَمَنْ سَبَقَ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلاَ إِثْمَ فِي هَذَا النَّوْعِ وَلاَ كَفَّارَةَ وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالُوا: إِنْ عَقَدَهَا (أَيِ الْيَمِينَ) عَلَى زَمَنٍ خَاصٍّ مَاضٍ يَظُنُّ صِدْقَ نَفْسِهِ كَأَنْ حَلَفَ مَا فَعَل كَذَا يَظُنُّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ فَبَانَ بِخِلاَفِهِ حَنِثَ فِي طَلاَقٍ وَعَتَاقٍ فَقَطْ، بِخِلاَفِ الْحَلِفِ بِاللَّهِ أَوْ بِنَذْرٍ أَوْ ظِهَارٍ؛ لأَِنَّهُ مِنْ لَغْوِ الأَْيْمَانِ. وَكَذَا إِذَا عَقَدَهَا عَلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ ظَانًّا صِدْقَهُ فَلَمْ يَكُنْ كَمَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ

стр. 11634

يُطِيعُهُ فَلَمْ يَفْعَل، أَوْ ظَنَّ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ خِلاَفَ نِيَّةِ الْحَالِفِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. (١) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (أَيْمَانٌ) . ثَانِيًا - الْخَطَأُ فِي الْحِنْثِ: ٦٧ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ سَوَاءٌ مَعَ الإِْكْرَاهِ أَوِ النِّسْيَانِ فِي الْيَمِينِ أَوِ الْحِنْثِ؛ لأَِنَّ الْفِعْل الْحَقِيقِيَّ لاَ يَعْدَمُهُ الإِْكْرَاهُ وَالنِّسْيَانُ، وَكَذَا الإِْغْمَاءُ وَالْجُنُونُ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ ذَاكِرًا لِيَمِينِهِ مُخْتَارًا. (٢) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْحِنْثُ هُوَ مُخَالَفَةُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، فَمَنْ حَنِثَ مُخْطِئًا كَأَنْ حَلَفَ لاَ يَدْخُل دَارَ فُلاَنٍ فَدَخَلَهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهَا غَيْرُهَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْخَطَأِ أَيْضًا مَا إِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لاَ يَتَنَاوَل مِنْهُ دَرَاهِمَ فَتَنَاوَل مِنْهُ ثَوْبًا فَتَبَيَّنَ أَنَّ فِيهِ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَقِيل بِعَدَمِ الْحِنْثِ، وَقِيل بِالْحِنْثِ إِنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ فِيهِ دَرَاهِمَ قِيَاسًا عَلَى السَّرِقَةِ وَإِلاَّ فَلاَ حِنْثَ. وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ فَقَالُوا: مُتَعَلِّقُ الْخَطَأِ الْجَنَانُ، وَمُتَعَلِّقُ الْغَلَطِ اللِّسَانُ فَحَيْثُ قَالُوا بِالْحِنْثِ الْمُرَادُ بِهِ الْغَلَطُ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْخَطَأِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْجَنَانِ لاَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْغَلَطِ

стр. 11635

اللِّسَانِيِّ فَالصَّوَابُ عَدَمُ الْحِنْثِ فِيهِ. وَمَثَّلُوا لِلْغَلَطِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْخَطَأِ: حَلَفَ أَنْ لاَ يُكَلِّمَ زَيْدًا فَكَلَّمَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ عَمْرٌو، أَوْ حَلَفَ لاَ يَذْكُرُ فُلاَنًا فَذَكَرَهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ غَيْرُ الاِسْمِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ. (١) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا حَلَفَ لاَ يَدْخُل هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَهَا نَاسِيًا لِلْيَمِينِ أَوْ جَاهِلاً أَنَّهَا الدَّارُ الْمَحْلُوفَةُ عَلَيْهَا هَل يَحْنَثُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ: سَوَاءٌ كَانَ الْحَلِفُ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالطَّلاَقِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَوَجْهُ الْحِنْثِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ﴾ (٢) وَهِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الأَْحْوَال. وَوَجْهُ عَدَمِ الْحِنْثِ وَهُوَ الرَّاجِحُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ (٣) الآْيَةَ، وَقَوْلُهُ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٤) وَالْيَمِينُ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْعُمُومِ. (٥) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ حَال كَوْنِهِ مُخْتَارًا ذَاكِرًا إِنْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا فَلاَ كَفَّارَةَ، لِحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. وَيَقَعُ الطَّلاَقُ وَالْعَتَاقُ إِذَا فَعَل الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِهِمَا نَاسِيًا وَالْجَاهِل كَالنَّاسِي

стр. 11636

فَلَوْ حَلَفَ لاَ يَدْخُل دَارَ زَيْدٍ فَدَخَلَهَا جَاهِلاً بِأَنَّهَا دَارُهُ حَنِثَ فِي طَلاَقٍ وَعَتَاقٍ فَقَطْ. (١) ن - الْغَلَطُ فِي الْقِسْمَةِ: ٦٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا تَقَاسَمَا أَرْضًا ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا غَلَطًا، فَإِنْ كَانَ فِي قِسْمَةِ إِجْبَارٍ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، لأَِنَّ الْقَاسِمَ كَالْحَاكِمِ فَلَمْ تُقْبَل دَعْوَى الْغَلَطِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ. فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْغَلَطِ نُقِضَتِ الْقِسْمَةُ. وَإِنْ كَانَتْ قِسْمَةَ اخْتِيَارٍ: فَإِنْ تَقَاسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا مِنْ غَيْرِ قَاسِمٍ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ؛ لأَِنَّهُ رَضِيَ بِأَخْذِ حَقِّهِ نَاقِصًا، وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً لَمْ تُقْبَل، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَضِيَ دُونَ حَقِّهِ نَاقِصًا، وَإِنْ قَسَمَ بَيْنَهُمَا قَاسِمٌ نَصَّبَاهُ، فَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى التَّرَاضِي بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ لَمْ تُقْبَل دَعْوَاهُ؛ لأَِنَّهُ رَضِيَ بِأَخْذِ حَقِّهِ نَاقِصًا، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى التَّرَاضِي بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ فَهُوَ كَقِسْمَةِ الإِْجْبَارِ فَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ. (٢) وَقَال فِي الْمُغْنِي: إِنَّهُ فِي كُل الأَْحْوَال - حَتَّى فِي صُورَةِ مَا تَمَّتْ قِسْمَتُهُ تَرَاضَيَا - إِنَّهُ مَتَى أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِالْغَلَطِ نُقِضَتِ الْقِسْمَةُ، لأَِنَّ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ

стр. 11637

بِقَبْضِ الثَّمَنِ أَوِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا فِي كَيْلِهِ (١) . قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ الْغَلَطَ فِي الْقِسْمَةِ وَزَعَمَ أَنَّ شَيْئًا مِمَّا أَصَابَهُ فِي يَدِ صَاحِبِهِ - وَكَانَ قَدْ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالاِسْتِيفَاءِ - لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ؛ لأَِنَّهُ يَدَّعِي فَسْخَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ وُقُوعِهَا فَلاَ يُصَدَّقُ إِلاَّ بِحُجَّةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ اسْتُحْلِفَ الشُّرَكَاءُ فَمَنْ نَكَل مِنْهُمْ جَمَعَ بَيْنَ نَصِيبِ النَّاكِل وَالْمُدَّعِي فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمَا، لأَِنَّ النُّكُول حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً فَيُعَامَلاَنِ عَلَى زَعْمِهِمَا، وَإِنْ قَال أَصَابَنِي إِلَى مَوْضِعِ كَذَا فَلَمْ يُسَلِّمْهُ إِلَيَّ وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى نَفْسِهِ بِالاِسْتِيفَاءِ وَكَذَّبَهُ شَرِيكُهُ تَحَالَفَا وَفُسِخَتِ الْقِسْمَةُ؛ لأَِنَّ الاِخْتِلاَفَ فِي مِقْدَارِ مَا حَصَل لَهُ بِالْقِسْمَةِ فَصَارَ نَظِيرُ الاِخْتِلاَفِ فِي مِقْدَارِ الْمَبِيعِ. (٢) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنِ ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ الْجَوْرَ وَالْغَلَطَ، فَإِنْ تَحَقَّقَ الْحَاكِمُ عَدَمَهُمَا مُنِعَ مُدَّعِيهِ مِنْ دَعْوَاهُ، وَإِنْ أَشْكَل الأَْمْرُ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَفَاحِشًا وَلَمْ يَثْبُتْ بِقَوْل أَهْل الْمَعْرِفَةِ حَلَفَ الْمُنْكِرُ لِدَعْوَى صَاحِبِهِ أَنَّ الْقَاسِمَ لَمْ يَجْرِ، وَلَمْ يَغْلَطْ، فَإِنْ نَكَل الْمُنْكِرُ لِدَعْوَى صَاحِبِهِ قُسِمَ مَا ادَّعَى الآْخَرُ أَنَّهُ حَصَل بِهِ الْجَوْرُ وَالْغَلَطُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ

стр. 11638

نَصِيبِ كُلٍّ، وَأَمَّا إِذَا ثَبَتَ مَا ذُكِرَ بِقَوْل أَهْل الْمَعْرِفَةِ، أَوْ كَانَ مُتَفَاحِشًا وَهُوَ مَا يَظْهَرُ لأَِهْل الْمَعْرِفَةِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهَا تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ. وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِالْجَوْرِ مَا كَانَ عَنْ عَمْدٍ، وَبِالْغَلَطِ مَا لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمْدٍ. (١) س - الْخَطَأُ فِي الإِْقْرَارِ وَالْغَلَطُ فِيهِ: ٦٩ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا رَجَعَ الْمُقِرُّ فِي حَال تَكْذِيبِ الْمُقَرِّ لَهُ، بِأَنْ يَقُول غَلِطْتُ فِي الإِْقْرَارِ، قُبِل قَوْلُهُ فِي الأَْصَحِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَال الْمُقَرَّ بِهِ يُتْرَكُ فِي يَدِهِ، وَالثَّانِي: لاَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى هِيَ أَنَّهُ إِذَا كَذَّبَ الْمُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ بِمَالٍ كَثَوْبٍ هَل يُتْرَكُ الْمَال فِي يَدِ الْمُقِرِّ أَوْ يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ وَيَحْفَظُهُ إِلَى ظُهُورِ مَالِكِهِ؟ فَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمَال يُتْرَكُ فِي يَدِهِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ يُنْتَزَعُ مِنْهُ فَالْمَسْأَلَةُ الأُْولَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذِهِ. (٢) وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (إِقْرَارٌ) . ع - الْخَطَأُ فِي الشَّهَادَةِ: ٧٠ - وَفِيهَا مَسَائِل: أَوَّلاً - إِذَا قَال الشَّاهِدَانِ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَقَبْل الْحُكْمِ بِهَا وَهِمْنَا أَوْ غَلِطْنَا فِي شَهَادَتِنَا بِدَمٍ أَوْ حَقٍّ عَلَى زَيْدٍ بَل هُوَ عَمْرٌو.

стр. 11639

قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ شَهِدَ عَدْلٌ فَلَمْ يَبْرَحْ عَنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَلَمْ يَطُل الْمَجْلِسُ وَلَمْ يُكَذِّبْهُ الْمَشْهُودُ لَهُ حَتَّى قَال: أَخْطَأْتُ بَعْضَ شَهَادَتِي، وَلاَ مُنَاقَضَةَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ بِجَمِيعِ مَا شَهِدَ بِهِ لَوْ عَدْلاً، وَلَوْ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقِيل يُقْضَى بِمَا بَقِيَ إِنْ تَدَارَكَهُ بِنُقْصَانٍ، وَإِنْ بِزِيَادَةٍ يُقْضَى بِهَا إِنِ ادَّعَاهَا الْمُدَّعِي؛ لأَِنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَهَا قَبْل الْقَضَاءِ يُجْعَل كَحُدُوثِهِ عِنْدَهَا. قَال الزَّيْلَعِيُّ: ثُمَّ قِيل: يُقْضَى بِجَمِيعِ مَا شَهِدَ بِهِ أَوَّلاً، حَتَّى لَوْ شَهِدَ بِأَلْفٍ ثُمَّ قَال: غَلِطْتُ فِي خَمْسِمِائَةٍ يُقْضَى بِأَلْفٍ؛ لأَِنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ أَوَّلاً صَارَ حَقًّا لِلْمُدَّعِي وَوَجَبَ عَلَى الْقَاضِي الْقَضَاءُ بِهِ فَلاَ يَبْطُل بِرُجُوعِهِ. وَقِيل: يُقْضَى بِمَا بَقِيَ لأَِنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ قَبْل الْقَضَاءِ كَحُدُوثِهِ عِنْدَ الشَّهَادَةِ. ثُمَّ قَال: وَذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ: أَنَّ الشَّاهِدَ إِذَا قَال وَهِمْتُ فِي الزِّيَادَةِ أَوْ فِي النُّقْصَانِ: يُقْبَل قَوْلُهُ إِذَا كَانَ عَدْلاً وَلاَ يَتَفَاوَتُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَبْل الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ. (١) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: سَقَطَتِ الشَّهَادَتَانِ: الأُْولَى لاِعْتِرَافِهِمَا بِأَنَّهُمَا عَلَى وَهْمٍ وَشَكٍّ، وَالثَّانِيَةُ لاِعْتِرَافِهِمَا بِعَدَمِ عَدَالَتِهِمَا حَيْثُ شَهِدَا عَلَى شَكٍّ، وَكَذَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْل الاِسْتِيفَاءِ إِنْ كَانَتْ فِي دَمٍ لاَ فِي مَالٍ فَلاَ تَسْقُطُ، وَيَدْفَعُ لِمَنْ

стр. 11640

شَهِدَا لَهُ بِهِ أَوَّلاً ثُمَّ يُغَرِّمَانِهِ. وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ وَالأَْكْثَرُ: لاَ يَغْرَمَانِ إِذَا قَالاَ وَهِمْنَا. (١) وَفِي الْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ: إِذَا ادَّعَى الشَّاهِدُ الْغَلَطَ فَاخْتُلِفَ هَل يَلْزَمُهُ مَا لَزِمَ الْمُتَعَمِّدَ لِلْكَذِبِ أَمْ لاَ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي الأَْمْوَال لأَِنَّهَا تُضْمَنُ فِي الْخَطَأِ (٢) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا رَجَعَ الشُّهُودُ قَبْل الْحُكْمِ امْتَنَعَ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَصَدَقُوا فِي الأَْوَّل أَوْ فِي الثَّانِي فَلاَ يَبْقَى ظَنُّ الصِّدْقِ فِي الشَّهَادَةِ، أَوْ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْل اسْتِيفَاءِ مَالٍ اسْتُوْفِيَ، أَوْ قَبْل عُقُوبَةٍ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالزِّنَى وَالشُّرْبِ، فَلاَ يُسْتَوْفَى لأَِنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَالرُّجُوعُ شُبْهَةٌ، وَالْمَال لاَ يَسْقُطُ بِهَا. فَلَوْ كَانَ الرُّجُوعُ بَعْدَ الاِسْتِيفَاءِ لَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْفَى قِصَاصًا، أَوْ قَتْل رِدَّةٍ، أَوْ رَجْمَ زِنًى أَوْ جَلْدَهُ وَمَاتَ الْمَجْلُودُ، وَقَالُوا تَعَمَّدْنَا فَعَلَيْهِمْ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، فَإِنْ قَالُوا أَخْطَأْنَا فَلاَ قِصَاصَ، فَإِنْ قَال بَعْضُهُمْ تَعَمَّدْتُ وَقَال بَعْضُهُمْ أَخْطَأْتُ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ. (٣) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا رَجَعَ شُهُودُ الأَْصْل بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَالُوا غَلِطْنَا ضَمِنُوا لاِعْتِرَافِهِمْ بِتَعَمُّدِ

стр. 11641

الإِْتْلاَفِ بِقَوْلِهِمْ كَذَبْنَا، أَوْ بِخَطَئِهِمْ بِقَوْلِهِمْ غَلِطْنَا. (١) وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ قِصَاصٍ أَوْ شُهُودُ حَدٍّ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ وَقَبْل الاِسْتِيفَاءِ لَمْ يُسْتَوْفَ الْقَوَدُ وَلاَ الْحَدُّ؛ لأَِنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ عُقُوبَةٌ لاَ سَبِيل إِلَى جَبْرِهَا إِذَا اسْتُوْفِيَتْ بِخِلاَفِ الْمَال، وَلأَِنَّ رُجُوعَ الشُّهُودِ شُبْهَةٌ لاِحْتِمَال صِدْقِهِمْ، وَالْقَوَدُ وَالْحَدُّ يُدْرَآنِ بِالشُّبْهَةِ، وَوَجَبَتْ دِيَةُ قَوَدٍ لِلْمَشْهُودِ لَهُ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ بِالْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ وَقَدْ سَقَطَ أَحَدُهُمَا فَتَعَيَّنَ الآْخَرُ، وَيَرْجِعُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِمَا غَرِمَهُ مِنَ الدِّيَةِ عَلَى الشُّهُودِ. وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُمْ بَعْدَ الاِسْتِيفَاءِ وَقَالُوا أَخْطَأْنَا فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ مَا تَلِفَ مُخَفَّفَةٌ؛ لأَِنَّهُ خَطَأٌ، وَتَكُونُ فِي أَمْوَالِهِمْ؛ لأَِنَّهُ بِإِقْرَارِهِمْ، وَالْعَاقِلَةُ لاَ تَحْمِلُهُ. (٢) ثَانِيًا - مَسَائِل مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْغَلَطِ فِي الشَّهَادَةِ: ٧١ - الأُْولَى - إِذَا غَلِطَ الشُّهُودُ فِي الْحَدِّ الرَّابِعِ مِنْ حُدُودِ الدَّارِ فَلاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ؛ لأَِنَّهُ يَخْتَلِفُ الْمُدَّعَى بِالْغَلَطِ نَظِيرُ مَا إِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالْبَيْعِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ وَتَرَكَا ذِكْرَ الثَّمَنِ جَازَ، وَلَوْ غَلَطَا فِي الثَّمَنِ لاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا لأَِنَّهُ صَارَ عَقْدًا آخَرَ بِالْغَلَطِ. (٣)

стр. 11642

الثَّانِيَةُ - إِذَا قَال شُهُودُ الأَْصْل أَشْهَدْنَا شُهُودَ الْفَرْعِ وَغَلِطْنَا، قَال مُحَمَّدٌ بِالضَّمَانِ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ بِعَدَمِهِ. (١) الثَّالِثَةُ - الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ: قَال بَعْضُهُمْ: لاَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ فِي شَيْءٍ مِنَ الأَْشْيَاءِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَحْصُل غَلَطٌ لِلْعَقْل بِذَلِكَ وَعَزَاهُ الْبَاجِيُّ لِلْمَشْهُورِ. وَقِيل: إِنَّ الْغَلَطَ نَادِرٌ. (٢) الرَّابِعَةُ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنِ اتَّهَمَ الْقَاضِي الشَّاهِدَيْنِ بِالْغَلَطِ فَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا لِئَلاَّ يُرْعَبَ الشَّاهِدُ وَيَخْتَلِطَ عَقْلُهُ. (٣) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُفَرَّقُ إِنِ ارْتَابَ فِي الشُّهُودِ. (٤) الْخَامِسَةُ - لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ شَخْصٍ مَعْرُوفٍ بِكَثْرَةِ غَلَطٍ وَنِسْيَانٍ؛ لأَِنَّ الثِّقَةَ لاَ تَحْصُل بِقَوْلِهِ لاِحْتِمَال أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُ مِمَّا غَلِطَ فِيهَا وَسَهَا. (٥) السَّادِسَةُ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ: لاَ يَكْفِي فِي التَّعْدِيل قَوْل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ عَدْلٌ وَقَدْ غَلِطَ فِي شَهَادَتِهِ عَلَيَّ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ الاِكْتِفَاءُ بِذَلِكَ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ لاَ فِي التَّعْدِيل، وَقَوْلُهُ غَلِطَ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ؛ لأَِنَّ إِنْكَارَهُ

стр. 11643

مَعَ اعْتِرَافِهِ بِعَدَالَتِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِنِسْبَتِهِ لِلْغَلَطِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ. (١) ثَالِثًا - الشُّهُودُ إِذَا رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَالُوا أَخْطَأْنَا هَل يُعَزَّرُونَ؟ قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: (٢) لاَ يُعَزَّرُونَ، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٣) هَذَا إِنْ كَانَ قَوْلُهُمْ يَحْتَمِل الصِّدْقَ فِي الْخَطَأِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْهُ عُزِّرُوا وَلَمْ يُقْبَل قَوْلُهُمْ. قَال الْعَدَوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْخَرَشِيِّ: وَإِنْ أَشْكَل فَقَوْلاَنِ، وَقَال الرَّمْلِيُّ: وَإِنِ ادَّعَوْا الْغَلَطَ أَيْ فِي اسْتِحْقَاقِهِمُ التَّعْزِيرَ. وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْفَتْحِ قَوْلَهُ: يُعَزَّرُ الشُّهُودُ سَوَاءٌ رَجَعُوا قَبْل الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ. قَال: وَلاَ يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ: لأَِنَّ الرُّجُوعَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ تَوْبَةٌ عَنْ تَعَمُّدِ الزُّورِ إِنْ تَعَمَّدَهُ، أَوِ السَّهْوِ وَالْعَجَلَةِ إِنْ كَانَ أَخْطَأَ فِيهِ، وَلاَ تَعْزِيرَ عَلَى التَّوْبَةِ وَلاَ عَلَى ذَنْبٍ ارْتَفَعَ بِهَا وَلَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مُقَدَّرٌ. (٤)

стр. 11644

ف - الْخَطَأُ فِي الْقَضَاءِ: ٧٢ - قَال الزَّرْكَشِيُّ: مَدَارُ نَقْضِ الْحُكْمِ عَلَى تَبَيُّنِ الْخَطَأِ، وَالْخَطَأُ إِمَّا فِي اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ حَيْثُ تَبَيَّنَ النَّصُّ أَوِ الإِْجْمَاعُ أَوِ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ بِخِلاَفِهِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُرَتَّبًا عَلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ، وَإِمَّا فِي السَّبَبِ حَيْثُ يَكُونُ الْحُكْمُ مُرَتَّبًا عَلَى سَبَبٍ بَاطِلٍ، كَشَهَادَةِ الزُّورِ. (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءٌ) . الْخَطَأُ فِي تَنْفِيذِ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ: ٧٣ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: قَال الْكَاسَانِيُّ: إِذَا أَخْطَأَ الإِْمَامُ فَظَنَّ الْيَسَارَ يَمِينًا مَعَ اعْتِقَادِ وُجُوبِ قَطْعِ الْيَمِينِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَنَظِيرُهُ لَوْ قَال الْحَاكِمُ لِمُقِيمِ الْحَدِّ: اقْطَعْ يَدَ السَّارِقِ، فَقَطَعَ الْيُسْرَى خَطَأً قَال: لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ يَضْمَنُ لأَِنَّ الْخَطَأَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لَيْسَ بِعُذْرٍ (٢) . وَدَلِيلُهُمْ أَنَّ هَذَا خَطَأٌ فِي الاِجْتِهَادِ؛ لأَِنَّهُ أَقَامَ الْيَسَارَ مُقَامَ الْيَمِينِ بِاجْتِهَادِهِ مُتَمَسِّكًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ، فَكَانَ هَذَا خَطَأً مِنَ الْمُجْتَهِدِ فِي الاِجْتِهَادِ، وَهُوَ مَوْضُوعٌ.

стр. 11645

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ أَخْطَأَ الإِْمَامُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَطَعَ يَدَ السَّارِقِ الْيُسْرَى أَوَّلاً، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ عَنْ قَطْعِ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَمَحَل الإِْجْزَاءِ إِذَا حَصَل الْخَطَأُ بَيْنَ مُتَسَاوِيَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ أَخْطَأَ فَقَطَعَ الرَّجُل وَقَدْ وَجَبَ قَطْعُ الْيَدِ، وَنَحْوِهِ، فَلاَ يُجْزِئُ، وَيُقْطَعُ الْعُضْوُ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَيُؤَدِّي دِيَةَ الآْخَرِ. (١) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَا وَجَبَ بِخَطَأِ إِمَامٍ أَوْ نُوَّابِهِ فِي حَدٍّ، أَوْ تَعْزِيرٍ، وَحُكْمٍ فِي نَفْسٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ كَغَيْرِهِ، وَفِي قَوْلٍ: فِي بَيْتِ الْمَال إِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ؛ لأَِنَّ خَطَأَهُ يَكْثُرُ بِكَثْرَةِ الْوَقَائِعِ بِخِلاَفِ غَيْرِهِ، وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ قَطْعًا وَكَذَا خَطَؤُهُ فِي الْمَال. (٢) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ فَتَلِفَ وَجَبَ الضَّمَانُ وَفِي مِقْدَارِهِ قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: كَمَال الدِّيَةِ. وَالثَّانِي: نِصْفُ الضَّمَانِ، وَسَوَاءٌ زَادَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا؛ لأَِنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ. وَقَالُوا: إِذَا مَاتَ مِنَ التَّعْزِيرِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ؛ لأَِنَّهَا عُقُوبَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِلرَّدْعِ وَالزَّجْرِ فَلَمْ يَضْمَنْ مَنْ تَلِفَ بِهَا.

стр. 11646

ثُمَّ قَالُوا: وَكُل مَوْضِعٍ قُلْنَا يَضْمَنُ الإِْمَامُ فَهَل يَلْزَمُ عَاقِلَتَهُ أَوْ بَيْتَ الْمَال، رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: بَيْتُ الْمَال، لأَِنَّ خَطَأَهُ يَكْثُرُ، فَلَوْ وَجَبَ ضَمَانُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ أَجْحَفَ بِهِمْ وَهَذَا أَصَحُّ. وَالثَّانِيَةُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لأَِنَّهَا وَجَبَتْ بِخَطَئِهِ فَكَانَتْ عَلَى عَاقِلَتِهِ. (١) الْخَطَأُ فِي الْقِصَاصِ: ٧٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، فَقَطَعَ الرَّجُل يَدَهُ فَمَاتَ ضَمِنَ الدِّيَةَ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ؛ لأَِنَّهُ اسْتَوْفَى غَيْرَ حَقِّهِ؛ لأَِنَّ حَقَّهُ الْقَطْعُ، وَهُوَ أَتَى بِالْقَتْل، وَفِي قَوْلِهِمَا لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. (٢) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُبَاشِرَ لِلْقِصَاصِ إِذَا زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَطْلُوبِ الْمَأْذُونِ فِيهِ تَعَمُّدًا، فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَطْلُوبِ بِالْمِسَاحَةِ، فَإِنْ نَقَصَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَإِنَّهُ لاَ يُقْتَصُّ مِنْهُ ثَانِيًا لأَِنَّهُ قَدِ اجْتَهَدَ. وَقَال اللَّخْمِيُّ: إِذَا قَطَعَ الطَّبِيبُ (٣) فِي الْمَوْضِعِ الْمُعْتَادِ فَمَاتَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَسِيرًا وَوَقَعَ الْقَطْعُ فِيمَا قَارَبَ كَانَ

стр. 11647

خَطَأً، وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا لاَ يَشُكُّ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ عَمْدٌ كَانَ فِيهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ تَرَدَّدَ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ كَانَتْ فِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ. (١) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ بِالسَّيْفِ فَضَرَبَهُ فَأَصَابَ غَيْرَ الْمَوْضِعِ وَادَّعَى أَنَّهُ أَخْطَأَ، فَإِنْ كَانَ يَجُوزُ فِي مِثْلِهِ الْخَطَأُ فَالْقَوْل قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لأَِنَّ مَا يَدَّعِيهِ مُحْتَمَلٌ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَجُوزُ فِي مِثْلِهِ الْخَطَأُ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ وَلاَ يُسْمَعُ فِيهِ يَمِينُهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحْتَمِل مَا يَدَّعِيهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ وَيُقْتَصَّ فَقَدْ قَال فِي مَوْضِعٍ لاَ يُمْكِنُ، وَقَال فِي مَوْضِعٍ يُمْكِنُ. وَقَال: وَمَنْ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ فِي مُوضِحَةٍ فَاسْتَوْفَى أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً وَجَبَ عَلَيْهِ الأَْرْشُ. (٢) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ خَطَأً مِثْل أَنْ يَسْتَحِقَّ قَطْعَ أُصْبُعٍ فَيَقْطَعُ اثْنَتَيْنِ، أَوْ جُرْحًا لاَ يُوجِبُ الْقِصَاصَ، مِثْل أَنْ يَسْتَحِقَّ مُوضِحَةً فَاسْتَوْفَاهَا هَاشِمَةً فَعَلَيْهِ أَرْشُ الزِّيَادَةِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنَ الْجَانِي كَاضْطِرَابِهِ حَال الاِسْتِيفَاءِ فَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمُقْتَصِّ مَعَ يَمِينِهِ؛ لأَِنَّ هَذَا مِمَّا يُمْكِنُ الْخَطَأُ فِيهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ. (٣)

стр. 11648

حُكْمُ الْخَطَأِ فِي الْفَتْوَى مِنْ حَيْثُ الضَّمَانُ وَعَدَمُهُ: ٧٥ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي تَضْمِينِ الْمُفْتِي إِذَا أَخْطَأَ قَوْلاَنِ: الأَْوَّل: تَضْمِينُ الْمُفْتِي إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى فَتْوَاهُ ضَرَرٌ لِلْمُسْتَفْتِي قِيَاسًا عَلَى خَطَأِ الْقَاضِي، وَالثَّانِي: عَدَمُ تَضْمِينِهِ لأَِنَّهُ مُتَسَبِّبٌ وَلَيْسَ مُبَاشِرًا. (١) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا أَتْلَفَ بِفَتْوَاهُ شَيْئًا وَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا ضَمِنَ إِنِ انْتَصَبَ وَتَوَلَّى فِعْل مَا أَفْتَى فِيهِ، وَإِلاَّ كَانَتْ فَتْوَاهُ غُرُورًا قَوْلِيًّا، لاَ ضَمَانَ فِيهِ وَيُزْجَرُ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ اشْتِغَالٌ بِالْعِلْمِ أُدِّبَ. (٢) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا عُمِل بِفَتْوَاهُ فِي إِتْلاَفٍ فَبَانَ خَطَؤُهُ، وَأَنَّهُ خَالَفَ دَلِيلاً قَاطِعًا فَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ يَضْمَنُ إِنْ كَانَ أَهْلاً لِلْفَتْوَى، وَلاَ يَضْمَنُ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً لِلْفَتْوَى، لأَِنَّ الْمُسْتَفْتِيَ قَصَّرَ. حَكَاهُ أَبُو عَمْرٍو وَسَكَتَ عَلَيْهِ. وَقَال النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ الضَّمَانُ عَلَى قَوْلَيِ الْغُرُورِ الْمَعْرُوفَيْنِ فِي بَابَيِ الْغَصْبِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا، أَوْ يُقْطَعُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ، إِذْ لَيْسَ فِي الْفَتْوَى إِلْزَامٌ وَلاَ إِلْجَاءٌ. (٣)

стр. 11649

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ بَانَ خَطَ أُ الْحَاكِمِ فِي إِتْلاَفٍ، كَقَطْعٍ وَقَتْلٍ، لِمُخَالَفَةِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ، أَوْ بَانَ خَطَأُ مُفْتٍ لَيْسَ أَهْلاً لِلْفُتْيَا ضَمِنَا، أَيِ الْحَاكِمُ وَالْمُفْتِي؛ لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ حَصَل بِفِعْلِهِمَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَاهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْطَأَ فِيمَا لَيْسَ بِقَاطِعٍ مِمَّا يَقْبَل الاِجْتِهَادَ لاَ ضَمَانَ. (١) خَطٌّ انْظُرْ: تَوْثِيقٌ خِطَابُ اللَّهِ انْظُرْ: حُكْمٌ خُطَّافٌ انْظُرْ: أَطْعِمَةٌ

стр. 11650

خُطْبَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْخُطْبَةُ - بِضَمِّ الْخَاءِ لُغَةً الْكَلاَمُ الْمَنْثُورُ يُخَاطِبُ بِهِ مُتَكَلِّمٌ فَصِيحٌ جَمْعًا مِنَ النَّاسِ لإِِقْنَاعِهِمْ. (١) وَالْخَطِيبُ: الْمُتَحَدِّثُ عَنِ الْقَوْمِ، وَمَنْ يَقُومُ بِالْخَطَابَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ. وَالْخُطْبَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ هِيَ الْكَلاَمُ الْمُؤَلَّفُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ وَعْظًا وَإِبْلاَغًا عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْمَوْعِظَةُ: ٢ - الْمَوْعِظَةُ هِيَ النُّصْحُ وَالتَّذْكِيرُ بِالْعَوَاقِبِ، وَالأَْمْرُ بِالطَّاعَةِ. قَال الْخَلِيل: هِيَ التَّذْكِيرُ بِالْخَيْرِ فِيمَا يَرِقُّ لَهُ الْقَلْبُ (٣) .

стр. 11651

ب - الْوَصِيَّةُ: ٣ - الْوَصِيَّةُ هِيَ لُغَةُ التَّقَدُّمِ إِلَى الْغَيْرِ بِمَا يَعْمَل بِهِ مُقْتَرِنًا بِوَعْظٍ (١) . ج - النَّصِيحَةُ: ٤ - النَّصِيحَةُ هِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى مَا فِيهِ الصَّلاَحُ، وَالنَّهْيُ عَمَّا فِيهِ الْفَسَادُ. وَمِنْ آدَابِهَا أَنْ تَكُونَ سِرًّا، فِي حِينِ يُشْتَرَطُ فِي الْخُطْبَةِ أَنْ يَسْمَعَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ (٢) . د - الْكَلِمَةُ: ٥ - تُسْتَعْمَل الْكَلِمَةُ بِمَعْنَى الْكَلاَمِ الْمُؤَلَّفِ الْمُطَوَّل: خُطْبَةً كَانَ أَوْ غَيْرَهَا كَالْقَصِيدَةِ وَالْمَقَالَةِ وَالرِّسَالَةِ (٣) . أَحْكَامُ الْخُطَبِ الْمَشْرُوعَةِ: ٦ - الْخُطَبُ الْمَشْرُوعَةُ هِيَ: خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَالْكُسُوفَيْنِ، وَالاِسْتِسْقَاءِ، وَخُطَبِ الْحَجِّ، وَكُلُّهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ إِلاَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ، وَخُطْبَةَ الْحَجِّ يَوْمَ عَرَفَةَ. وَمِنَ الْخُطَبِ الْمَشْرُوعَةِ أَيْضًا الْخُطْبَةُ فِي خِطْبَةِ النِّكَاحِ.

стр. 11652

أ - خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ: حُكْمُهَا: ٧ - هِيَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ. (١) وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ شَرْطٌ فِي انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ، إِلاَّ الْحَنَفِيَّةَ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الشَّرْطَ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَتُسَنُّ خُطْبَتَانِ. وَدَلِيل الْجُمْهُورِ فِعْلُهُ ﷺ مَعَ قَوْلِهِ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٢) وَلأَِنَّ الْخُطْبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مُقَامَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَكُل خُطْبَةٍ مَكَانَ رَكْعَةٍ، فَالإِْخْلاَل بِإِحْدَاهُمَا كَالإِْخْلاَل بِإِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ (٣) . أَرْكَانُهَا: ٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَرْكَانِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ: فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ رُكْنَ الْخُطْبَةِ تَحْمِيدَةٌ أَوْ تَهْلِيلَةٌ أَوْ تَسْبِيحَةٌ، لأَِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤) مُطْلَقُ الذِّكْرِ الشَّامِل لِلْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، وَالْمَأْثُورُ عَنْهُ ﷺ لاَ يَكُونُ بَيَانًا لِعَدَمِ الإِْجْمَال فِي لَفْظِ الذِّكْرِ.

стр. 11653

وَقَال الصَّاحِبَانِ: لاَ بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ طَوِيلٍ يُسَمَّى خُطْبَةً. (١) أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ رُكْنَهَا هُوَ أَقَل مَا يُسَمَّى خُطْبَةً عِنْدَ الْعَرَبِ وَلَوْ سَجْعَتَيْنِ، نَحْوُ: اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَ، وَانْتَهُوا عَمَّا عَنْهُ نَهَى وَزَجَرَ. فَإِنْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّل أَوْ كَبَّرَ لَمْ يُجْزِهِ. (٢) وَجَزَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ أَقَلَّهَا حَمْدُ اللَّهِ وَالصَّلاَةُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَتَحْذِيرٌ، وَتَبْشِيرٌ، وَيَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ. (٣) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ لَهَا خَمْسَةَ أَرْكَانٍ وَهِيَ: (٤) أ - حَمْدُ اللَّهِ، وَيَتَعَيَّنُ لَفْظُ (اللَّهِ) وَلَفْظُ (الْحَمْدِ) . ب - الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَتَعَيَّنُ صِيغَةُ صَلاَةِ، وَذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِاسْمِهِ أَوْ بِصِفَتِهِ، فَلاَ يَكْفِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ. ج - الْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى، وَلاَ يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا. د - الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ. هـ - قِرَاءَةُ آيَةٍ مُفْهِمَةٍ - وَلَوْ فِي إِحْدَاهُمَا - فَلاَ يُكْتَفَى بِنَحْوِ " ثُمَّ نَظَرَ "، لِعَدَمِ اسْتِقْلاَلِهَا بِالإِْفْهَامِ، وَلاَ بِمَنْسُوخِ التِّلاَوَةِ، وَيُسَنُّ جَعْلُهَا فِي الْخُطْبَةِ الأُْولَى.

стр. 11654

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى هَذِهِ الأَْرْكَانِ بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ . أَمَّا أَرْكَانُهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَأَرْبَعَةٌ، وَهِيَ: (١) أ - حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى بِلَفْظِ الْحَمْدِ. ب - الصَّلاَةُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِصِيغَةِ الصَّلاَةِ. ح - الْمَوْعِظَةُ، وَهِيَ الْقَصْدُ مِنَ الْخُطْبَةِ، فَلاَ يَجُوزُ الإِْخْلاَل بِهَا. د - قِرَاءَةُ آيَةٍ كَامِلَةٍ وَزَادَ بَعْضُهُمْ رُكْنَيْنِ آخَرَيْنِ: (٢) أ - الْمُوَالاَةُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلاَةِ. فَلاَ يُفْصَل بَيْنَ أَجْزَاءِ الْخُطْبَتَيْنِ، وَلاَ بَيْنَ إِحْدَاهُمَا وَبَيْنَ الأُْخْرَى، وَلاَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَبَيْنَ الصَّلاَةِ. ب - الْجَهْرُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ لِلْجُمُعَةِ، حَيْثُ لاَ مَانِعَ. وَعَدَّهُمَا الآْخَرُونَ فِي الشُّرُوطِ - وَهُوَ الأَْلْيَقُ - كَمَا يُعْرَفُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالشَّرْطِ فِي عِلْمِ أُصُول الْفِقْهِ. (٣) شُرُوطُهَا: ٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى بَعْضِ الشُّرُوطِ لِصِحَّةِ الْخُطْبَةِ وَهِيَ:

стр. 11655

(١) أَنْ تَقَعَ فِي وَقْتِ الْجُمُعَةِ. وَوَقْتُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ وَقْتُ الظُّهْرِ، يَبْدَأُ مِنْ بَعْدِ الزَّوَال إِلَى دُخُول وَقْتِ الْعَصْرِ، لِلأَْخْبَارِ فِي ذَلِكَ، وَجَرَيَانِ الْعَمَل عَلَيْهِ. أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ وَقْتَهَا يَبْدَأُ مِنْ أَوَّل وَقْتِ الْعِيدِ، وَهُوَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ بِمِقْدَارِ رُمْحٍ. (١) وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيلاَنَ قَال " شَهِدْتُ الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلاَتُهُ قَبْل نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُمَرَ ﵁ فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلاَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُول: قَدِ انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُثْمَانَ ﵁ فَكَانَتْ صَلاَتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُول: قَدْ زَال النَّهَارُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ وَلاَ أَنْكَرَهُ ". (٢) (٢) أَنْ تَكُونَ قَبْل الصَّلاَةِ (٣) . فَلَوْ خَطَبَ بَعْدَهَا أَعَادَ الصَّلاَةَ - فَقَطْ - إِنْ قَرُبَ، وَإِلاَّ اسْتَأْنَفَهَا؛ لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِهَا وَصْل الصَّلاَةِ بِهَا. (٤)

стр. 11656

(٣) حُضُورُ جَمَاعَةٍ تَنْعَقِدُ بِهِمْ (١) . وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَصِحُّ بِهِمْ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَكْفِي حُضُورُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا سِوَى الإِْمَامِ - عَلَى الصَّحِيحِ (٢) - أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ وُجُوبَ حُضُورِ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ أَهْلِهَا الْخُطْبَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوهُمَا مِنْ أَوَّلِهِمَا لَمْ يُكْتَفَ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّهُمَا مُنَزَّلَتَانِ مَنْزِلَةَ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ. (٣) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ حُضُورِ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْل وُجُوبِهَا. فَلَوْ حَضَرَ الْعَدَدُ، ثُمَّ انْفَضُّوا كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ، وَبَقِيَ مَا دُونَ الأَْرْبَعِينَ، فَإِنِ انْفَضُّوا قَبْل افْتِتَاحِ الْخُطْبَةِ لَمْ يُبْتَدَأْ بِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ أَرْبَعُونَ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهَا فَإِنَّ الرُّكْنَ الْمَأْتِيَّ بِهِ فِي غَيْبَتِهِمْ غَيْرُ مَحْسُوبٍ، فَإِنْ عَادُوا قَبْل طُول الْفَصْل بَنَى عَلَى خُطْبَتِهِ، وَبَعْدَ طُولِهِ يَسْتَأْنِفُهَا لِفَوَاتِ شَرْطِهَا وَهُوَ الْمُوَالاَةُ. (٤) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَفِي الْمَذَاهِبِ أَقْوَالٌ أُخْرَى يُنْظَرُ فِي الْمُطَوَّلاَتِ. (٤) رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا، بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْعَدَدُ

стр. 11657

الْمُعْتَبَرُ، إِنْ لَمْ يَعْرِضْ مَانِعٌ (١) . وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الإِْنْصَاتِ عَلَى الْمُصَلِّينَ، فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ الْكَلاَمُ إِلاَّ لِلْخَطِيبِ أَوْ لِمَنْ يُكَلِّمُهُ الْخَطِيبُ، وَكَذَا لِتَحْذِيرِ إِنْسَانٍ مِنْ مَهْلَكَةٍ. (٢) وَدَلِيلُهُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ، (٣) وَقَوْلُهُ ﷺ إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ. (٤) وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَدِيمِ مُتَّفِقٌ مَعَ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، أَمَّا فِي الْجَدِيدِ فَإِنَّهُ لاَ يَجِبُ الإِْنْصَاتُ وَلاَ يَحْرُمُ الْكَلاَمُ، لِمَا صَحَّ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ: يَا رَسُول اللَّهِ هَلَكَ الْمَال وَجَاعَ الْعِيَال. . . (٥)

стр. 11658

وَسَأَلَهُ آخَرُ عَنْ مَوْعِدِ السَّاعَةِ، (١) وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمَا وُجُوبَ السُّكُوتِ. وَحَمَلُوا الأَْمْرَ عَلَى النَّدْبِ، وَالنَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ. (٢) (٥) الْمُوَالاَةُ بَيْنَ أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ، وَبَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلاَةِ. وَيُغْتَفَرُ يَسِيرُ الْفَصْل، هَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَشْتَرِطُونَ أَنْ لاَ يَفْصِل بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلاَةِ بِأَكْلٍ أَوْ عَمَلٍ قَاطِعٍ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَاطِعًا كَمَا إِذَا تَذَكَّرَ فَائِتَةً وَهُوَ فِي الْجُمُعَةِ فَاشْتَغَل بِقَضَائِهَا أَوْ أَفْسَدَ الْجُمُعَةَ فَاحْتَاجَ إِلَى إِعَادَتِهَا، أَوِ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ فَلاَ تَبْطُل الْخُطْبَةُ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِعَمَلٍ قَاطِعٍ، وَلَكِنَّ الأَْوْلَى إِعَادَتُهَا، وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ يَصِيرُ مُسِيئًا. (٣) (٦) كَوْنُهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، تَعَبُّدًا. لِلاِتِّبَاعِ، وَالْمُرَادُ أَنْ تَكُونَ أَرْكَانُهَا بِالْعَرَبِيَّةِ؛ وَلأَِنَّهَا ذِكْرٌ مَفْرُوضٌ

стр. 11659

فَاشْتُرِطَ فِيهِ ذَلِكَ كَتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، وَلَوْ كَانَ الْجَمَاعَةُ عَجَمًا لاَ يَعْرِفُونَ الْعَرَبِيَّةَ. وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: تَصِحُّ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ الْخَطِيبُ عَارِفًا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَوَافَقَ الصَّاحِبَانِ الْجُمْهُورَ فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِهَا بِالْعَرَبِيَّةِ إِلاَّ لِلْعَاجِزِ عَنْهَا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الإِْتْيَانِ بِهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لاَ تَلْزَمُهُمُ الْجُمُعَةُ. (١) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْخَطِيبِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا مَعْنَى مَا يَقُول، فَلاَ يَكْفِي أَعْجَمِيٌّ لُقِّنَ مِنْ غَيْرِ فَهْمٍ - عَلَى الظَّاهِرِ - (٢) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: عِنْدَ عَدَمِ مَنْ يَخْطُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ إِنْ أَمْكَنَ تَعَلُّمُ الْعَرَبِيَّةِ خُوطِبَ بِهِ الْجَمِيعُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَإِنْ زَادُوا عَلَى الأَْرْبَعِينَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا عَصَوْا وَلاَ جُمُعَةَ لَهُمْ بَل يُصَلُّونَ الظُّهْرَ، وَأَجَابَ الْقَاضِي عَنْ سُؤَال مَا فَائِدَةُ الْخُطْبَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْهَا الْقَوْمُ بِأَنَّ فَائِدَتَهَا الْعِلْمُ بِالْوَعْظِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَيُوَافِقُهُ قَوْل الشَّيْخَيْنِ فِيمَا إِذَا سَمِعُوا الْخُطْبَةَ وَلَمْ يَعْرِفُوا مَعْنَاهَا أَنَّهَا تَصِحُّ. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَعَلُّمُهَا خَطَبَ وَاحِدٌ

стр. 11660

بِلُغَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا الْقَوْمُ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ أَحَدٌ مِنْهُمُ التَّرْجَمَةَ فَلاَ جُمُعَةَ لَهُمْ لاِنْتِفَاءِ شَرْطِهَا. (١) (٧) النِّيَّةُ: اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ النِّيَّةَ لِصِحَّةِ الْخُطْبَةِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ. (٢) فَلَوْ حَمِدَ اللَّهَ لِعُطَاسِهِ أَوْ تَعَجُّبًا، أَوْ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَخَطَبَ بِلاَ نِيَّةٍ فَلاَ تَصِحُّ. (٣) وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ النِّيَّةَ لِصِحَّةِ الْخُطْبَةِ. (٤) وَهُنَاكَ أُمُورٌ شَرَطَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى سُنِّيَّتِهَا وَتَأْتِي فِي السُّنَنِ. سُنَنُهَا: ١٠ - تَنْقَسِمُ هَذِهِ السُّنَنُ إِلَى سُنَنٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا وَأُخْرَى مُخْتَلَفٍ فِيهَا أَمَّا السُّنَنُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا فَهِيَ: (١) أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ عَلَى مِنْبَرٍ لإِِلْقَاءِ الْخُطْبَةِ، اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمِنْبَرُ عَلَى يَمِينِ الْمِحْرَابِ (بِالنِّسْبَةِ لِلْمُصَلِّي) ، لِلاِتِّبَاعِ.
следующие страницы →