Полный текст (31 949 стр.). Показаны 11761–11800 · переход к 11766.
стр. 11761
١٠ - ثَانِيًا: الْخُلْطَةُ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، فَالَّذِينَ قَالُوا مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِنَّ الْخُلْطَةَ تُؤَثِّرُ فِيهَا حَتَّى تُؤْخَذَ مِنَ النِّصَابِ وَلَوْ كَانَ مَمْلُوكًا لأَِكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، قَالُوا: يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَتَمَيَّزَ (النَّاطُورُ) وَهُوَ حَافِظُ النَّخْل وَالشَّجَرِ (وَالْجَرِينُ) وَهُوَ مَوْضِعُ جَمْعِ الثَّمَرِ وَتَجْفِيفِهِ، قَال الرَّمْلِيُّ: وَزَادَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ اتِّحَادَ الْمَاءِ، وَالْحِرَاثِ، وَالْعَامِل، وَجُذَاذِ النَّخْل، وَالْمُلَقِّحِ، وَاللَّقَّاطِ، وَمَا يُسْقَى لَهُمَا بِهِ.
وَفِي خُلْطَةِ التَّاجِرَيْنِ اشْتَرَطُوا اتِّحَادَ الدُّكَّانِ وَالْحَارِسِ وَمَكَانِ الْحِفْظِ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ كَانَ مَال كُلٍّ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا، كَأَنْ تَكُونَ دَرَاهِمُ أَحَدِهِمَا فِي كِيسٍ وَدَرَاهِمُ الآْخَرِ فِي كِيسٍ إِلاَّ أَنَّ الصُّنْدُوقَ وَاحِدٌ. وَفِيمَا زَادَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: اتِّحَادُ الْحَمَّال، وَالْكَيَّال، وَالْوَزَّانِ، وَالْمِيزَانِ (١) .
وَفِيمَا عَلَّل بِهِ الذَّاهِبُونَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى تَأْثِيرِ الْخُلْطَةِ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالْعُرُوضِ إِيمَاءً إِلَى اشْتِرَاطِ مِثْل مَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْمُغْنِي: خَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ أَنَّ الْخُلْطَةَ تُؤَثِّرُ لأَِنَّ الْمَئُونَةَ تَخِفُّ إِذَا كَانَ الْمُلَقِّحُ وَاحِدًا، وَالصَّعَّادُ وَالنَّاطُورُ وَالْجَرِينُ. وَكَذَلِكَ أَمْوَال التِّجَارَةِ، فَالدُّكَّانُ وَالْمَخْزَنُ وَالْمِيزَانُ وَالْبَائِعُ وَاحِدٌ (٢) . وَعَبَّرَ فِي الْفُرُوعِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِاتِّحَادِ الْمُؤَنِ وَمَرَافِقِ الْمِلْكِ (٣) . стр. 11762
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: الْحَوْل فِي الأَْمْوَال الْحَوْلِيَّةِ. وَهَذَا الشَّرْطُ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ. وَالْحَنَابِلَةِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يُعْتَبَرُ اخْتِلاَطُهُمْ فِي جَمِيعِ الْحَوْل، فَإِنْ ثَبَتَ لَهُمْ حُكْمُ الاِنْفِرَادِ فِي بَعْضِهِ زَكَّوْا زَكَاةَ مُنْفَرِدِينَ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ مَلَكَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَرْبَعِينَ شَاةً فِي غُرَّةِ الْمُحَرَّمِ ثُمَّ خَلَطَا فِي غُرَّةِ صَفَرٍ فَلاَ يَثْبُتُ حُكْمُ الْخُلْطَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَيَثْبُتُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ.
وَالْمَذْهَبُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ تَمَامِ الْحَوْل عَلَى الاِخْتِلاَطِ. وَعَلَيْهِ يَكُونُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا شَاةٌ كَامِلَةٌ فِي نِهَايَةِ السَّنَةِ الأُْولَى عَلَى الْجَدِيدِ فِي الْمِثَال السَّابِقِ. وَفِي الْقَدِيمِ نِصْفُ شَاةٍ (١) .
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ الْمُشْتَرَطَ الاِخْتِلاَطُ آخِرَ حَوْل الْمِلْكِ وَقَبْلَهُ بِنَحْوِ شَهْرٍ، وَلَوْ كَانَا قَبْل ذَلِكَ مُنْفَرِدَيْنِ، فَيَكْفِي اخْتِلاَطُهُمَا فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ مِنْ حِينِ الْمِلْكِ مَا لَمْ يَقْرُبْ آخِرُ السَّنَةِ جِدًّا (٢) .
فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَال حَوْلِيًّا، كَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ عِنْدَ مَنْ قَال بِتَأْثِيرِ الْخُلْطَةِ فِيهَا، قَال الرَّمْلِيُّ: الْمُعْتَبَرُ بَقَاءُ الْخُلْطَةِ إِلَى زُهُوِّ الثِّمَارِ، وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ فِي النَّبَاتِ (٣) . стр. 11763
كَيْفِيَّةُ إِخْرَاجِ زَكَاةِ الْمَال الْمُخْتَلَطِ:
١٢ - الْخُلَطَاءُ سَوَاءٌ أَكَانُوا فِي خُلْطَةِ اشْتِرَاكٍ أَمْ فِي خُلْطَةِ جِوَارٍ، يُعَامَل مَالُهُمُ الَّذِي تَخَالَطُوا فِيهِ مُعَامَلَةَ مَال رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ السَّاعِيَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْفَرْضَ مِنْ مَال أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ، سَوَاءٌ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْفَرِيضَةُ عَيْنًا وَاحِدَةً لاَ يُمْكِنُ أَخْذُهَا مِنَ الْمَالَيْنِ جَمِيعًا، أَوْ كَانَ لاَ يَجِدُ فَرْضَهُمَا جَمِيعًا إِلاَّ فِي أَحَدِ الْمَالَيْنِ، مِثْل أَنْ يَكُونَ مَال أَحَدِهِمَا صِغَارًا، وَمَال الآْخَرِ كِبَارًا، أَوْ يَكُونُ مَال أَحَدِهِمَا مِرَاضًا، وَمَال الآْخَرِ صِحَاحًا، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ صَحِيحَةً كَبِيرَةً، أَوْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ. قَال أَحْمَدُ: إِنَّمَا يَجِيءُ الْمُصَدِّقُ (أَيِ الْجَابِي) فَيَجِدُ الْمَاشِيَةَ فَيَصْدُقُهَا، لَيْسَ يَجِيءُ فَيَقُول: أَيُّ شَيْءٍ لَكَ؟ وَإِنَّمَا يَصْدُقُ مَا يَجِدُهُ. وَقَال الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ لأَِحْمَدَ: أَنَا رَأَيْتُ مِسْكِينًا كَانَ لَهُ فِي غَنَمٍ شَاتَانِ، فَجَاءَ الْمُصَدِّقُ فَأَخَذَ إِحْدَاهُمَا. وَلأَِنَّ الْمَالَيْنِ قَدْ صَارَا كَالْمَال الْوَاحِدِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَكَذَلِكَ فِي إِخْرَاجِهَا (١) .
التَّرَادُّ فِيمَا يَأْخُذُهُ السَّاعِي مِنْ زَكَاةِ الْمَال الْمُخْتَلِطِ:
١٣ - إِنْ كَانَتِ الْخُلْطَةُ خُلْطَةَ اشْتِرَاكٍ، وَالْمَال مُشَاعٌ بَيْنَ الْخَلِيطَيْنِ، فَإِنَّ مَا يَأْخُذُهُ السَّاعِي هُوَ стр. 11764
مِنَ الْمُشَاعِ بَيْنَ الْخُلَطَاءِ، فَلاَ إِشْكَال؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمْ بِنِسْبَةِ مِلْكِهِمْ فِي أَصْل الْمَال.
وَإِنْ كَانَتْ خُلْطَةَ جِوَارٍ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَأْخُذَ بِحَقٍّ أَوْ بِبَاطِلٍ.
الْحَالَةُ الأُْولَى:
أَنْ يَأْخُذَ بِحَقٍّ، وَحِينَئِذٍ فَمَا أَخَذَهُ يَتَرَاجَعَانِ فِي قِيمَتِهِ بِالنِّسْبَةِ الْعَدَدِيَّةِ لِكُلٍّ مِنْ مَالَيْهِمَا. فَلَوْ خَلَطَا عِشْرِينَ مِنَ الْغَنَمِ بِعِشْرِينَ، فَأَخَذَ السَّاعِي شَاةً مِنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الشَّاةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُ، لاَ بِنِصْفِ شَاةٍ؛ لأَِنَّ الشَّاةَ غَيْرُ مِثْلِيَّةٍ.
وَلَوْ كَانَ لأَِحَدِهِمَا مِائَةٌ وَلِلآْخَرِ خَمْسُونَ فَأَخَذَ السَّاعِي الشَّاتَيْنِ الْوَاجِبَتَيْنِ مِنْ غَنَمِ صَاحِبِ الْمِائَةِ، رَجَعَ بِثُلُثِ قِيمَتِهِمَا، أَوْ مِنْ صَاحِبِ الْخَمْسِينَ رَجَعَ عَلَى الآْخَرِ بِثُلُثَيْ قِيمَتِهِمَا، أَوْ أَخَذَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا شَاةً، رَجَعَ صَاحِبُ الْمِائَةِ بِثُلُثِ قِيمَةِ شَاتِهِ، وَصَاحِبُ الْخَمْسِينَ بِثُلُثَيْ قِيمَةِ شَاتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَتَنَازَعَا فِي قِيمَةِ الْمَأْخُوذِ، فَالْقَوْل قَوْل الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ إِذَا احْتَمَل قَوْلُهُ الصِّدْقَ لأَِنَّهُ غَارِمٌ (١) .
وَالْمُعْتَبَرُ فِي قِيمَةِ الْمَرْجُوعِ بِهِ يَوْمَ الأَْخْذِ فِي قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لأَِنَّهُ بِمَعْنَى الاِسْتِهْلاَكِ، وَقَال أَشْهَبُ: يَوْمَ التَّرَاجُعِ؛ لأَِنَّهُ بِمَعْنَى السَّلَفِ، وَالْمُتَسَلِّفُ إِذَا عَجَزَ عَنْ رَدِّ مَا تَسَلَّفَهُ وَأَرَادَ رَدَّ стр. 11765
قِيمَتِهِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَضَاءِ (١) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ:
أَنْ يَأْخُذَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهَذَا عَلَى نَوْعَيْنِ؛ لأَِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَأَوِّلاً تَأْوِيلاً سَائِغًا أَوْ لاَ.
فَإِنْ كَانَ مُتَأَوِّلاً تَأْوِيلاً سَائِغًا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ رَأَى جَوَازَ ذَلِكَ شَرْعًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَخَذَ بِحَقٍّ. وَمِثَال ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، أَنْ يَأْخُذَ شَاةً مِنْ خَلِيطَيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عِشْرُونَ شَاةً، فَيَتَرَاجَعَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَالأَْصْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا الأَْخْذَ بِغَيْرِ حَقٍّ، لأَِنَّ الْخُلْطَةَ لاَ تُؤَثِّرُ تَكْمِيل النِّصَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، بِخِلاَفِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَمِثَالُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا لَوْ أَخَذَ شَاتَيْنِ مِنْ خَلِيطَيْنِ لأَِحَدِهِمَا مِائَةٌ، وَلِلآْخَرِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، فَعَلَى الأَْوَّل أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الشَّاتَيْنِ، وَعَلَى الآْخَرِ خُمْسُهُمَا، لأَِنَّ أَخْذَ السَّاعِي يُنَزَّل مَنْزِلَةَ حُكْمِ الْحَاكِمِ، لأَِنَّهُ نَائِبُ الإِْمَامِ فَفِعْلُهُ كَفِعْلِهِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ، أَوْ كَانَ مُتَأَوِّلاً وَلاَ وَجْهَ لِتَأَوُّلِهِ، فَلاَ تُرَاجَعُ، وَهِيَ مُصِيبَةٌ حَلَّتْ بِمَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ، إِذِ الْمَظْلُومُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَظْلِمَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ.
مِثَال ذَلِكَ، أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنَ الْخَلِيطَيْنِ ثَلاَثُونَ شَاةً، فَيَأْخُذَ السَّاعِي مِنْ مَال أَحَدِهِمَا شَاتَيْنِ، فَيَرْجِعَ عَلَى الآْخَرِ بِنِصْفِ إِحْدَى стр. 11766
الشَّاتَيْنِ لاَ غَيْرُ، أَمَّا الأُْخْرَى فَقَدْ ذَهَبَتْ مِنْ مَال مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ؛ لأَِنَّهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ السَّاعِي أَخَذَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ لَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا، فَتَكُونُ غَصْبًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ يَرَى أَنَّ أَخْذَهَا حَقٌّ شَرْعًا، فَيَكُونُ أَخْذُهَا جَهْلاً مَحْضًا لاَ عِبْرَةَ بِهِ وَلاَ يُنَزَّل مَنْزِلَةَ حُكْمِ الْحَاكِمِ، إِذْ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِخِلاَفِ الإِْجْمَاعِ يُنْقَضُ (١) .
وَكَذَا إِنْ أَخَذَ السَّاعِي سِنًّا أَكْبَرَ مِنَ الْوَاجِبِ يَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى خَلِيطِهِ بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ مِنَ السِّنِّ الْوَاجِبَةِ، كَمَا لَوْ أَخَذَ جَذَعَةً عَنْ ثَلاَثِينَ مِنَ الإِْبِل بَيْنَ اثْنَيْنِ، يَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ بِقِيمَةِ نِصْفِ بِنْتِ مَخَاضٍ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ ظُلْمٌ (٢) . стр. 11767
خَلْعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْخَلْعُ (بِالْفَتْحِ) لُغَةً هُوَ النَّزْعُ وَالتَّجْرِيدُ، وَالْخُلْعُ (بِالضَّمِّ) اسْمٌ مِنَ الْخَلْعِ (١) .
وَأَمَّا الْخُلْعُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَقَدْ عَرَّفُوهُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِ مَذَاهِبِهِمْ فِي كَوْنِهِ طَلاَقًا أَوْ فَسْخًا، فَالْحَنَفِيَّةُ يُعَرِّفُونَهُ بِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ: أَخْذِ مَالٍ مِنَ الْمَرْأَةِ بِإِزَاءِ مِلْكِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْخُلْعِ (٢) .
وَتَعْرِيفُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فِي الْجُمْلَةِ هُوَ: فُرْقَةٌ بِعِوَضٍ مَقْصُودٍ لِجِهَةِ الزَّوْجِ بِلَفْظِ طَلاَقٍ أَوْ خُلْعٍ (٣) . стр. 11768
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الصُّلْحُ:
٢ - الصُّلْحُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ مِنَ الْمُصَالَحَةِ وَهِيَ التَّوْفِيقُ وَالْمُسَالَمَةُ بَعْدَ الْمُنَازَعَةِ، وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرْعِ عَقْدٌ يَرْفَعُ النِّزَاعَ، وَالصُّلْحُ مِنَ الأَْلْفَاظِ الَّتِي يَئُول إِلَيْهَا مَعْنَى الْخُلْعِ الَّذِي هُوَ بَذْل الْمَرْأَةِ الْعِوَضَ عَلَى طَلاَقِهَا، وَالْخُلْعُ يُطْلَقُ غَالِبًا عَلَى حَالَةِ بَذْلِهَا لَهُ جَمِيعَ مَا أَعْطَاهَا، وَالصُّلْحُ عَلَى حَالَةِ بَذْلِهَا بَعْضَهُ (١) .
ب - الطَّلاَقُ:
٣ - الطَّلاَقُ مِنْ أَلْفَاظِ الْخُلْعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ بِمَعْنَى التَّطْلِيقِ، كَالسَّلاَمِ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ وَتَرْكِيبُ هَذَا اللَّفْظِ يَدُل عَلَى الْحِل وَالاِنْحِلاَل، وَمِنْهُ إِطْلاَقُ الأَْسِيرِ إِذَا حَل إِسَارُهُ وَخُلِّيَ عَنْهُ.
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَمَعْنَاهُ: رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، وَأَمَّا صِلَتُهُ بِالْخُلْعِ، سِوَى مَا ذُكِرَ فَهِيَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْخُلْعِ هَل هُوَ طَلاَقٌ بَائِنٌ، أَوْ رَجْعِيٌّ، أَوْ فَسْخٌ، عَلَى أَقْوَالٍ سَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا (٢) . стр. 11769
وَالطَّلاَقُ عَلَى مَالٍ هُوَ فِي أَحْكَامِهِ كَالْخُلْعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَلاَقٌ بِعِوَضٍ فَيُعْتَبَرُ فِي أَحَدِهِمَا مَا يُعْتَبَرُ فِي الآْخَرِ إِلاَّ أَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ مِنْ ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: يَسْقُطُ بِالْخُلْعِ فِي رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ كُل الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لأَِحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الآْخَرِ بِسَبَبِ الزَّوَاجِ، كَالْمَهْرِ، وَالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ الْمُتَجَمِّدَةِ أَثْنَاءَ الزَّوَاجِ، لَكِنْ لاَ تَسْقُطُ نَفَقَةُ الْعِدَّةِ لأَِنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً قَبْل الْخُلْعِ فَلاَ يُتَصَوَّرُ إِسْقَاطُهَا بِهِ، بِخِلاَفِ الطَّلاَقِ عَلَى مَالٍ فَإِنَّهُ لاَ يَسْقُطُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجَيْنِ، وَيَجِبُ بِهِ الْمَال الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فَقَطْ.
الثَّانِي: إِذَا بَطَل الْعِوَضُ فِي الْخُلْعِ مِثْل أَنْ يُخَالِعَ الْمُسْلِمُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ فَلاَ شَيْءَ لِلزَّوْجِ، وَالْفُرْقَةُ بَائِنَةٌ، بِخِلاَفِ الطَّلاَقِ فَإِنَّ الْعِوَضَ إِذَا بَطَل فِيهِ وَقَعَ رَجْعِيًّا فِي غَيْرِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ؛ لأَِنَّ الْخُلْعَ كِنَايَةٌ، أَمَّا الطَّلاَقُ عَلَى مَالٍ فَهُوَ صَرِيحٌ، وَالْبَيْنُونَةُ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِتَسْمِيَةِ الْعِوَضِ إِذَا صَحَّتِ التَّسْمِيَةُ، فَإِذَا لَمْ تَصِحَّ الْتَحَقَتْ بِالْعَدَمِ فَبَقِيَ صَرِيحُ الطَّلاَقِ فَيَكُونُ رَجْعِيًّا.
الثَّالِثُ: الطَّلاَقُ عَلَى مَالٍ، طَلاَقٌ بَائِنٌ، يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلْقَاتِ بِلاَ خِلاَفٍ، وَأَمَّا الْخُلْعُ فَالْفُقَهَاءُ مُخْتَلِفُونَ فِي كَوْنِهِ طَلاَقًا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ
стр. 11770
الطَّلْقَاتِ، أَوْ فَسْخًا لاَ يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُهَا (١) كَمَا سَيَأْتِي.
ج - الْفِدْيَةُ:
٤ - الْفِدْيَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلْمَال الَّذِي يُدْفَعُ لاِسْتِنْقَاذِ الأَْسِيرِ، وَجَمْعُهَا فِدًى وَفِدْيَاتٍ، وَفَادِيَتُهُ مُفَادَاةً، وَفِدَاءً أَطْلَقْتَهُ وَأَخَذْتَ فِدْيَتَهُ. وَفَدَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا تَفْدِي، وَافْتَدَتْ أَعْطَتْهُ مَالاً حَتَّى تَخَلَّصَتْ مِنْهُ بِالطَّلاَقِ، وَالْفُقَهَاءُ لاَ يَخْرُجُونَ فِي تَعْرِيفِهِمْ لِلْفِدْيَةِ عَمَّا وَرَدَ فِي اللُّغَةِ. وَالْفِدْيَةُ وَالْخُلْعُ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ بَذْل الْمَرْأَةِ الْعِوَضَ عَلَى طَلاَقِهَا، وَلَفْظُ الْمُفَادَاةِ مِنَ الأَْلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ فِي الْخُلْعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِوُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ (٢) .
د - الْفَسْخُ:
٥ - الْفَسْخُ مَصْدَرُ فَسَخَ وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ الإِْزَالَةُ، وَالرَّفْعُ، وَالنَّقْضُ، وَالتَّفْرِيقُ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَقَدْ ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ وَابْنُ نُجَيْمٍ أَنَّ حَقِيقَةَ الْفَسْخِ حَل ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ، وَذَكَرَ стр. 11771
الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ الْفَسْخَ قَلْبُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعِوَضَيْنِ إِلَى صَاحِبِهِ، وَالاِنْفِسَاخُ انْقِلاَبُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعِوَضَيْنِ إِلَى دَافِعِهِ، وَصِلَةُ الْفَسْخِ بِالْخُلْعِ هِيَ أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ عَلَى قَوْلٍ (١) . وَالْفَسْخُ مِنَ الأَْلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ فِي الْخُلْعِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ
. هـ - الْمُبَارَأَةُ:
٦ - الْمُبَارَأَةُ صِيغَةُ مُفَاعَلَةٍ تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْبَرَاءَةِ، وَهِيَ فِي الاِصْطِلاَحِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْخُلْعِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَهُوَ بَذْل الْمَرْأَةِ الْعِوَضَ عَلَى طَلاَقِهَا لَكِنَّهَا تَخْتَصُّ بِإِسْقَاطِ الْمَرْأَةِ عَنِ الزَّوْجِ حَقًّا لَهَا عَلَيْهِ (٢) . وَهِيَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَالْخُلْعِ كِلاَهُمَا يُسْقِطَانِ كُل حَقٍّ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الآْخَرِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ كَالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ دُونَ الْمُسْتَقْبَلَةِ؛ لأَِنَّ الْخُلْعَ يُنْبِئُ عَنِ الْفَصْل، وَمِنْهُ خَلْعُ النَّعْل وَخَلْعُ الْعَمَل وَهُوَ مُطْلَقٌ كَالْمُبَارَأَةِ فَيُعْمَل بِإِطْلاَقِهِمَا فِي النِّكَاحِ وَأَحْكَامِهِ وَحُقُوقِهِ. وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ يَسْقُطُ بِهِمَا إِلاَّ مَا سَمَّيَاهُ لأَِنَّ هَذِهِ مُعَاوَضَةٌ، وَفِي الْمُعَاوَضَاتِ стр. 11772
يُعْتَبَرُ الْمَشْرُوطُ لاَ غَيْرُهُ، وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ وَافَقَ مُحَمَّدًا فِي الْخُلْعِ وَخَالَفَهُ فِي الْمُبَارَأَةِ، وَخَالَفَ أَبَا حَنِيفَةَ فِي الْخُلْعِ، وَوَافَقَهُ فِي الْمُبَارَأَةِ؛ لأَِنَّ الْمُبَارَأَةَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْبَرَاءَةِ فَتَقْتَضِيهَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَأَنَّهُ مُطْلَقٌ قَيَّدْنَاهُ بِحُقُوقِ النِّكَاحِ لِدَلاَلَةِ الْغَرَضِ، أَمَّا الْخُلْعُ فَمُقْتَضَاهُ الاِنْخِلاَعُ، وَقَدْ حَصَل فِي نَقْضِ النِّكَاحِ وَلاَ ضَرُورَةَ إِلَى انْقِطَاعِ الأَْحْكَامِ (١) .
حَقِيقَةُ الْخُلْعِ:
٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْخُلْعَ إِذَا وَقَعَ بِلَفْظِ الطَّلاَقِ أَوْ نَوَى بِهِ الطَّلاَقَ فَهُوَ طَلاَقٌ وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُقُوعِهِ بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلاَقِ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ صَرِيحَ الطَّلاَقِ أَوْ كِنَايَتَهُ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُفْتَى بِهِ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ الْخُلْعَ طَلاَقٌ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَشْهَرِ مَا يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ فَسْخٌ (٢) . стр. 11773
هَذَا وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْخُلْعَ طَلاَقٌ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ (١) ، لأَِنَّ الزَّوْجَ مَلَكَ الْبَدَل عَلَيْهَا فَتَصِيرُ هِيَ بِمُقَابَلَتِهِ أَمْلَكَ لِنَفْسِهَا؛ وَلأَِنَّ غَرَضَهَا مِنَ الْتِزَامِ الْبَدَل أَنْ تَتَخَلَّصَ مِنَ الزَّوْجِ وَلاَ يَحْصُل ذَلِكَ إِلاَّ بِوُقُوعِ الْبَيْنُونَةِ. إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ ذَكَرُوا أَنَّ الزَّوْجَ إِنْ نَوَى بِالْخُلْعِ ثَلاَثَ تَطْلِيقَاتٍ فَهِيَ ثَلاَثٌ، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ، وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ عِنْدَ غَيْرِ زُفَرَ، وَعِنْدَهُ ثِنْتَانِ، كَمَا فِي لَفْظِ الْحُرْمَةِ وَالْبَيْنُونَةِ وَبِهِ قَال مَالِكٌ (٢) .
وَالْخِلاَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الْخُلْعِ لاَ قَبْلَهُ، وَسَبَبُ الْخِلاَفِ فِي كَوْنِ الْخُلْعِ طَلاَقًا أَوْ فَسْخًا، أَنَّ اقْتِرَانَ الْعِوَضِ فِيهِ هَل يُخْرِجُهُ مِنْ نَوْعِ فُرْقَةِ الطَّلاَقِ إِلَى نَوْعِ فُرْقَةِ الْفَسْخِ، أَوْ لاَ يُخْرِجُهُ (٣) .
احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ стр. 11774
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ ثُمَّ قَال: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ثُمَّ قَال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِل لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) ، فَذَكَرَ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَالْخُلْعَ، وَتَطْلِيقَةً بَعْدَهَا، فَلَوْ كَانَ الْخُلْعُ طَلاَقًا لَكَانَ أَرْبَعًا؛ وَلأَِنَّهَا فُرْقَةٌ خَلَتْ عَنْ صَرِيحِ الطَّلاَقِ وَنِيَّتِهِ فَكَانَتْ فَسْخًا كَسَائِرِ الْفُسُوخِ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ (٢) .
وَبِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ﵄ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَوْ أُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ (٣) .
وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْخُلْعَ стр. 11775
لَوْ كَانَ طَلاَقًا لَمْ يَقْتَصِرْ ﷺ عَلَى الأَْمْرِ بِحَيْضَةٍ (١) .
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْخُلْعَ طَلاَقٌ بِأَنَّهُ لَفْظٌ لاَ يَمْلِكُهُ إِلاَّ الزَّوْجُ فَكَانَ طَلاَقًا، وَلَوْ كَانَ فَسْخًا لَمَا جَازَ عَلَى غَيْرِ الصَّدَاقِ كَالإِْقَالَةِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى جَوَازِهِ بِمَا قَل وَكَثُرَ فَدَل عَلَى أَنَّهُ طَلاَقٌ؛ وَلأَِنَّ الْمَرْأَةَ إِنَّمَا بَذَلَتِ الْعِوَضَ لِلْفُرْقَةِ، وَالْفُرْقَةُ الَّتِي يَمْلِكُ الزَّوْجُ إِيقَاعَهَا هِيَ الطَّلاَقُ دُونَ الْفَسْخِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ طَلاَقًا؛ وَلأَِنَّهُ أَتَى بِكِنَايَةِ الطَّلاَقِ قَاصِدًا فِرَاقَهَا، فَكَانَ طَلاَقًا كَغَيْرِ الْخُلْعِ مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلاَقِ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمُ: الْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ، وَالْمَعْنَى فِيهِ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ النِّكَاحَ لاَ يَحْتَمِل الْفَسْخَ بَعْدَ تَمَامِهِ.
وَالْخُلْعُ يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ فَيُجْعَل لَفْظُ الْخُلْعِ عِبَارَةً عَنْ رَفْعِ الْعَقْدِ فِي الْحَال مَجَازًا، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالطَّلاَقِ، وَأَمَّا الآْيَةُ فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى التَّطْلِيقَةَ الثَّالِثَةَ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ، وَبِهَذَا لاَ يَصِيرُ الطَّلاَقُ أَرْبَعًا، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مِنْ خِلاَفٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ ثَبَتَ رُجُوعُهُ عَنْهُ (٢) . стр. 11776
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى كَوْنِ الْخُلْعِ طَلاَقًا أَنَّهُ إِنْ نَوَى بِالْخُلْعِ أَكْثَر مِنْ تَطْلِيقَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَزُفَرَ يَقَعُ مَا نَوَاهُ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ نَوَى ثَلاَثَ تَطْلِيقَاتٍ فَهِيَ ثَلاَثٌ، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ، وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ عِنْدَ غَيْرِ زُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْخُلْعَ مَعْنَاهُ الْحُرْمَةُ، وَهِيَ لاَ تَحْتَمِل التَّعَدُّدَ لَكِنَّ نِيَّةَ الثَّلاَثِ تَدُل عَلَى تَغْلِيظِ الْحُرْمَةِ فَتُعْتَبَرُ بَيْنُونَةً كُبْرَى.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى كَوْنِهِ فَسْخًا أَنَّهُ لَوْ خَالَعَهَا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ خَالَعَهَا مَرَّةً أُخْرَى، أَوْ خَالَعَهَا بَعْدَ طَلْقَتَيْنِ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا حَتَّى وَإِنْ خَالَعَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ؛ لأَِنَّ الْخُلْعَ عَلَى هَذَا الْقَوْل لاَ يُحْتَسَبُ مِنَ الطَّلْقَاتِ (١) .
وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ فِيمَا إِذَا نَوَى بِالْخُلْعِ الطَّلاَقَ مَعَ تَفْرِيعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ فَسْخٌ هَل يَقَعُ الطَّلاَقُ أَوْ لاَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ (٢) .
٨ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ الْخُلْعِ مُعَاوَضَةً مِنْ جَانِبِ الزَّوْجَةِ دُونَ الزَّوْجِ، أَوْ مِنْهُمَا مَعًا، وَفِي كَوْنِهِ يَمِينًا مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ أَوْ مِنْهُمَا стр. 11777
مَعًا، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْخُلْعَ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجَةِ مُعَاوَضَةٌ، وَمِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ يَمِينٌ، وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّهُ يَمِينٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِ الْخُلْعِ يَمِينًا مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْهُ قَبْل قَبُولِهَا، وَلاَ يَصِحُّ شَرْطُ الْخِيَارِ لَهُ، وَلاَ يَقْتَصِرُ عَلَى مَجْلِسِ الزَّوْجِ، فَلاَ يَبْطُل بِقِيَامِهِ، وَيَقْتَصِرُ قَبُولُهَا عَلَى مَجْلِسِ عِلْمِهَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِهِ مُعَاوَضَةً مِنْ جَانِبِهَا صِحَّةُ رُجُوعِهَا قَبْل قَبُولِهِ، وَصَحَّ شَرْطُ الْخِيَارِ لَهَا وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ كَالْبَيْعِ، وَيُشْتَرَطُ فِي قَبُولِهَا عِلْمُهَا بِمَعْنَاهُ؛ لأَِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ بِخِلاَفِ الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْخُلْعَ مُعَاوَضَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ ذَكَرُوا أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْخُلْعَ طَلاَقُ مُعَاوَضَةٍ فِيهَا شَوْبُ تَعْلِيقٍ لِتَوَقُّفِ وُقُوعِ الطَّلاَقِ فِيهِ عَلَى قَبُول الْمَال، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ فَسْخٌ فَهِيَ مُعَاوَضَةٌ مَحْضَةٌ لاَ مَدْخَل لِلتَّعْلِيقِ فِيهَا، فَيَكُونُ الْخُلْعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَابْتِدَاءِ الْبَيْعِ، وَلِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ قَبْل قَبُول الزَّوْجَةِ؛ لأَِنَّ هَذَا شَأْنُ الْمُعَاوَضَاتِ.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْعِوَضَ فِي الْخُلْعِ كَالْعِوَضِ فِي الصَّدَاقِ، وَالْبَيْعِ إِنْ كَانَ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا لَمْ يَدْخُل فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ، وَلَمْ يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ فِيهِ إِلاَّ بِقَبْضِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا دَخَل
стр. 11778
فِي ضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ الْخُلْعِ وَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ (١) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٩ - الْخُلْعُ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ سَوَاءٌ فِي حَالَةِ الْوِفَاقِ وَالشِّقَاقِ خِلاَفًا لاِبْنِ الْمُنْذِرِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ الْخُلْعُ فِي حَالَتَيِ الشِّقَاقِ وَالْوِفَاقِ، ثُمَّ لاَ كَرَاهَةَ فِيهِ إِنْ جَرَى فِي حَال الشِّقَاقِ، أَوْ كَانَتْ تُكْرَهُ صُحْبَتُهُ لِسُوءِ خُلُقِهِ، أَوْ دِينِهِ، أَوْ تَحَرَّجَتْ مِنَ الإِْخْلاَل بِبَعْضِ حُقُوقِهِ، أَوْ ضَرَبَهَا تَأْدِيبًا فَافْتَدَتْ، وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِهِ مَا إِذَا مَنَعَهَا نَفَقَةً أَوْ غَيْرَهَا فَافْتَدَتْ لِتَتَخَلَّصَ مِنْهُ، قَال الْقَلْيُوبِيُّ: فَإِنْ مَنَعَهَا النَّفَقَةَ لِكَيْ تَخْتَلِعَ مِنْهُ فَهُوَ مِنَ الإِْكْرَاهِ فَتَبِينُ مِنْهُ بِلاَ مَالٍ إِذَا ثَبَتَ الإِْكْرَاهُ، قَال الرَّمْلِيُّ: وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ. وَجَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ اسْتِثْنَاءُ حَالَتَيْنِ مِنَ الْكَرَاهَةِ: إِحْدَاهُمَا أَنْ يَخَافَا أَوْ أَحَدُهُمَا أَنْ لاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ أَيْ مَا افْتَرَضَهُ فِي النِّكَاحِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَحْلِفَ بِالطَّلاَقِ الثَّلاَثِ عَلَى فِعْل شَيْءٍ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ كَالأَْكْل وَالشُّرْبِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ، فَيَخْلَعَهَا، ثُمَّ يَفْعَل الأَْمْرَ الْمَحْلُوفَ стр. 11779
عَلَيْهِ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا فَلاَ يَحْنَثُ لاِنْحِلاَل الْيَمِينِ بِالْفِعْلَةِ الأُْولَى، إِذْ لاَ يَتَنَاوَل إِلاَّ الْفِعْلَةَ الأُْولَى وَقَدْ حَصَلَتْ، فَإِنْ خَالَعَهَا وَلَمْ يَفْعَل الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فَفِيهِ قَوْلاَنِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يَتَخَلَّصُ مِنَ الْحِنْثِ فَإِذَا فَعَل الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بَعْدَ النِّكَاحِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لأَِنَّهُ تَعْلِيقٌ سَبَقَ هَذَا النِّكَاحَ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ، كَمَا إِذَا عَلَّقَ الطَّلاَقَ قَبْل النِّكَاحِ عَلَى صِفَةٍ وُجِدَتْ بَعْدَهُ (١) .
وَالْخِلاَفُ فِي كَوْنِ الْخُلْعِ جَائِزًا أَوْ مَكْرُوهًا إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَى الْعِصْمَةِ، كَمَا فِي حَاشِيَةِ الصَّاوِيِّ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ طَلاَقًا فَهُوَ مَكْرُوهٌ بِالنَّظَرِ لأَِصْلِهِ أَوْ خِلاَفُ الأَْوْلَى، لِقَوْلِهِ ﵊: أَبْغَضُ الْحَلاَل إِلَى اللَّهِ الطَّلاَقُ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا стр. 11780
افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢) .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بِقَوْلِهِ ﷺ لَهُ: اقْبَل الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً (٣) وَهُوَ أَوَّل خُلْعٍ وَقَعَ فِي الإِْسْلاَمِ (٤) .
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَهُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالأُْمَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَجَوَازِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا مِنَ الْمَعْقُول بِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ حَقُّ الزَّوْجِ فَجَازَ لَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَالْقِصَاصِ (٥) . стр. 11781
١٠ - وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْخُلْعَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَضْرُبٍ:
الأَْوَّل: مُبَاحُ الْخُلْعِ وَهُوَ أَنْ تَكْرَهَ الْمَرْأَةُ الْبَقَاءَ مَعَ زَوْجِهَا لِبُغْضِهَا إِيَّاهُ، وَتَخَافُ أَلاَّ تُؤَدِّيَ حَقَّهُ، وَلاَ تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِي طَاعَتِهِ، فَلَهَا أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) وَيُسَنُّ لِلزَّوْجِ إِجَابَتُهَا، لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُول اللَّهِ: مَا أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلاَ خُلُقٍ إِلاَّ أَنِّي أَخَافُ الْكُفْرَ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : فَتَرُدِّي عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَرَدَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا (٢) وَلأَِنَّ حَاجَتَهَا دَاعِيَةٌ إِلَى فُرْقَتِهِ، وَلاَ تَصِل إِلَى الْفُرْقَةِ إِلاَّ بِبَذْل الْعِوَضِ فَأُبِيحَ لَهَا ذَلِكَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ لَهُ إِلَيْهَا مَيْلٌ وَمَحَبَّةٌ فَحِينَئِذٍ يُسْتَحَبُّ صَبْرُهَا وَعَدَمُ افْتِدَائِهَا، قَال أَحْمَدُ: يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَصْبِرَ. قَال الْقَاضِي: أَيْ عَلَى سَبِيل الاِسْتِحْبَابِ، وَلاَ كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ، لِنَصِّهِمْ عَلَى جَوَازِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
الثَّانِي: مَكْرُوهٌ: كَمَا إِذَا خَالَعَتْهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مَعَ اسْتِقَامَةِ الْحَال لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ стр. 11782
قَال: أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاَقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ (١) وَلأَِنَّهُ عَبَثٌ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا، وَيَقَعُ الْخُلْعُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢) وَيَحْتَمِل كَلاَمُ أَحْمَدَ تَحْرِيمَهُ وَبُطْلاَنَهُ؛ لأَِنَّهُ قَال الْخُلْعُ مِثْل حَدِيثِ سَهْلَةَ تَكْرَهُ الرَّجُل فَتُعْطِيهِ الْمَهْرَ فَهَذَا الْخُلْعُ (٣) وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَحِل لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٤) .
الثَّالِثُ: مُحَرَّمٌ: كَمَا إِذَا عَضَل الرَّجُل زَوْجَتَهُ بِأَذَاهُ لَهَا وَمَنْعِهَا حَقَّهَا ظُلْمًا لِتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (٥) فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي هَذِهِ الْحَال بِعِوَضٍ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ؛ لأَِنَّهُ عِوَضٌ أُكْرِهَتْ عَلَى بَذْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ وَيَقَعُ الطَّلاَقُ رَجْعِيًّا.
وَإِنْ خَالَعَهَا بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلاَقِ فَعَلَى الْقَوْل стр. 11783
بِأَنَّهُ طَلاَقٌ فَحُكْمُهُ مَا ذُكِرَ، وَإِلاَّ فَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ أَدَّبَهَا لِتَرْكِهَا فَرْضًا أَوْ نُشُوزِهَا فَخَالَعَتْهُ لِذَلِكَ لَمْ يَحْرُمْ؛ لأَِنَّهُ ضَرَبَهَا بِحَقٍّ، وَإِنْ زَنَتْ فَعَضَلَهَا لِتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ جَازَ وَصَحَّ الْخُلْعُ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١) وَالاِسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّهْيِ إِبَاحَةٌ. وَإِنْ ضَرَبَهَا ظُلْمًا لِغَيْرِ قَصْدِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا فَخَالَعَتْهُ لِذَلِكَ صَحَّ الْخُلْعُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَعْضُلْهَا لِيَأْخُذَ مِمَّا آتَاهَا شَيْئًا (٢) .
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا أَنَّ الْخُلْعَ يَحْرُمُ حِيلَةً لإِِسْقَاطِ يَمِينِ طَلاَقٍ، وَلاَ يَصِحُّ وَلاَ يَقَعُ؛ لأَِنَّ الْحِيَل خِدَاعٌ لاَ تُحِل مَا حَرَّمَ اللَّهُ. (٣) هَذَا وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَدَمَ جَوَازِ الْخُلْعِ حَتَّى يَقَعَ الشِّقَاقُ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٤) .
وَبِذَلِكَ قَال طَاوُسٌ وَالشَّعْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ. وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَقُمْ بِحُقُوقِ الزَّوْجِ كَانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لِبُغْضِ الزَّوْجِ لَهَا فَنُسِبَتِ الْمَخَافَةُ إِلَيْهِمَا لِذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ عَدَمَ اعْتِبَارِ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ стр. 11784
أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَفْسِرْ ثَابِتًا عَنْ كَرَاهَتِهِ لَهَا عِنْدَ إِعْلاَنِهَا بِالْكَرَاهَةِ لَهُ، عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْخَوْفِ فِي الآْيَةِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ وُقُوعُ الْخُلْعِ فِي حَالَةِ التَّشَاجُرِ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا جَازَ حَالَةَ الْخَوْفِ وَهِيَ مُضْطَرَّةٌ إِلَى بَذْل الْمَال فَفِي حَالَةِ الرِّضَا أَوْلَى (١) .
١١ - وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ - عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ - بِأَنَّهَا إِذَا خَالَعَتْهُ دَرْءًا لِضَرَرِهِ فَإِنَّ الزَّوْجَ يَرُدُّ الْمَال الَّذِي خَالَعَهَا بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ قَدْ أَسْقَطَتِ الْبَيِّنَةَ الَّتِي أَشْهَدَتْهَا بِأَنَّهَا خَالَعَتْهُ لِدَرْءِ ضَرَرِهِ.
جَوَازُ أَخْذِ الْعِوَضِ مِنَ الْمَرْأَةِ:
١٢ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ أَخْذِ الزَّوْجِ عِوَضًا مِنَ امْرَأَتِهِ فِي مُقَابِل فِرَاقِهِ لَهَا سَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ مُسَاوِيًا لِمَا أَعْطَاهَا أَوْ أَقَل أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ مَا دَامَ الطَّرَفَانِ قَدْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ نَفْسَ الصَّدَاقِ أَوْ مَالاً آخَرَ غَيْرَهُ أَكْثَرَ أَوْ أَقَل مِنْهُ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ لاَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا بَل يَحْرُمُ عَلَيْهِ الأَْخْذُ إِنْ عَضَلَهَا لِيَضْطَرَّهَا إِلَى الْفِدَاءِ (٣) . стр. 11785
وَفَصَّل الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ كُرِهَ لَهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (١) . وَلأَِنَّهُ أَوْحَشَهَا بِالْفِرَاقِ فَلاَ يَزِيدُ إِيحَاشَهَا بِأَخْذِ الْمَال، وَإِنْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَل الْمَرْأَةِ لاَ يُكْرَهُ لَهُ الأَْخْذُ، وَهَذَا بِإِطْلاَقِهِ يَتَنَاوَل الْقَلِيل وَالْكَثِيرَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢) . وَقَال الْقُدُورِيُّ: إِنْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْهَا كُرِهَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الأَْصْل (مِنْ كُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ: أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلاَ (٣) . وَقَدْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْهَا، وَلَوْ أَخَذَ الزِّيَادَةَ جَازَ فِي الْقَضَاءِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَخَذَ وَالنُّشُوزُ مِنْهُ؛ لأَِنَّ مُقْتَضَى مَا ذُكِرَ يَتَنَاوَل الْجَوَازَ وَالإِْبَاحَةَ، وَقَدْ تَرَكَ الْعَمَل فِي حَقِّ الإِْبَاحَةِ لِمُعَارِضٍ، فَبَقِيَ مَعْمُولاً فِي الْبَاقِي (٤) . стр. 11786
جَوَازُهُ بِحَاكِمٍ وَبِلاَ حَاكِمٍ:
١٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ الْخُلْعِ بِحَاكِمٍ وَبِلاَ حَاكِمٍ، وَهُوَ قَوْل عُمَرَ ﵁، فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ طَرِيقِ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْصُولاً " أَنَّ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ أُتِيَ فِي خُلْعٍ كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فَلَمْ يُجِزْهُ فَقَال لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شِهَابٍ الْخَوْلاَنِيُّ: قَدْ أَتَى عُمَرُ فِي خُلْعٍ فَأَجَازَهُ (١) وَلأَِنَّ الطَّلاَقَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ جَائِزٌ بِلاَ حَاكِمٍ فَكَذَلِكَ الْخُلْعُ.
وَذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ كَمَا ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الْخُلْعِ دُونَ السُّلْطَانِ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٢) ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣) . قَال: فَجَعَل الْخَوْفَ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ وَلَمْ يَقُل فَإِنْ خَافَا.
وَقْتُ الْخُلْعِ:
١٤ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْخُلْعَ جَائِزٌ فِي стр. 11787
الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنَ الطَّلاَقِ فِي الْحَيْضِ لِلضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهَا بِتَطْوِيل الْعِدَّةِ، وَالْخُلْعُ شُرِعَ لِرَفْعِ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهَا بِسُوءِ الْعِشْرَةِ وَالتَّقْصِيرِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ، وَالضَّرَرُ بِذَلِكَ أَعْظَمُ مِنَ الضَّرَرِ بِتَطْوِيل الْعِدَّةِ، فَجَازَ دَفْعُ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَل النَّبِيُّ ﷺ الْمُخْتَلِعَةَ عَنْ حَالِهَا؛ وَلأَِنَّ ضَرَرَ تَطْوِيل الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَالْخُلْعُ يَحْصُل بِسُؤَالِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ رِضَاءً مِنْهَا بِهِ وَدَلِيلاً عَلَى رُجْحَانِ مَصْلَحَتِهَا فِيهِ (١) .
أَرْكَانُهُ وَمَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ فِي شُرُوطِهَا:
١٥ - لِلْخُلْعِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ خَمْسَةُ أَرْكَانٍ وَهِيَ: الْمُوجِبُ - الْقَابِل - الْمُعَوَّضُ - الْعِوَضُ - الصِّيغَةُ.
فَالْمُوجِبُ: الزَّوْجُ أَوْ وَلِيُّهُ، وَالْقَابِل: الْمُلْتَزِمُ لِلْعِوَضِ، وَالْمُعَوَّضُ: الاِسْتِمْتَاعُ بِالزَّوْجَةِ، وَالْعِوَضُ: الشَّيْءُ الْمُخَالَعُ بِهِ، وَالصِّيغَةُ، الإِْيجَابُ وَالْقَبُول وَالأَْلْفَاظُ الَّتِي يَقَعُ بِهَا الْخُلْعُ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرُوا لَهُ رُكْنَيْنِ إِنْ كَانَ بِعِوَضٍ وَهُمَا: الإِْيجَابُ وَالْقَبُول (٢) ، لأَِنَّهُ عَقْدٌ стр. 11788
عَلَى الطَّلاَقِ بِعِوَضٍ، فَلاَ تَقَعُ الْفُرْقَةُ وَلاَ يَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ بِدُونِ الْقَبُول، بِخِلاَفِ الْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَإِنَّهُ إِذَا قَال خَالَعْتُكِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْعِوَضَ وَنَوَى الطَّلاَقَ فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلاَقُ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ قَبِلَتْ أَوْ لَمْ تَقْبَل؛ لأَِنَّ ذَلِكَ طَلاَقٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُول، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لِكُل رُكْنٍ مِنْ هَذِهِ الأَْرْكَانِ شُرُوطًا وَأَحْكَامًا نَذْكُرُهَا فِيمَا يَلِي:
الرُّكْنُ الأَْوَّل: الْمُوجِبُ:
١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُوجِبِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّطْلِيقَ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (طَلاَقٌ) .
فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يُجِيزُونَ خُلْعَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ، أَوْ سَفَهٍ، أَوْ رِقٍّ قِيَاسًا عَلَى الطَّلاَقِ، لأَِنَّهُمْ يَمْلِكُونَهُ، وَجَازَ عِنْدَ стр. 11789
الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا خُلْعُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِي وَجْهٍ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ طَلاَقِهِ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمُخْتَلِعَ لاَ يَجُوزُ لَهُ تَسْلِيمُ الْمَال إِلَى السَّفِيهِ بَل يُسَلِّمُهُ إِلَى الْوَلِيِّ؛ لأَِنَّ الْوَلِيَّ هُوَ الَّذِي يَقْبِضُ حُقُوقَهُ وَأَمْوَالَهُ وَهَذَا مِنْ حُقُوقِهِ خِلاَفًا لِلْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ حَيْثُ قَال: يَصِحُّ قَبْضُهُ لِعِوَضٍ لِصِحَّةِ خُلْعِهِ فَيَصِحُّ قَبْضُهُ، كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ، وَالأَْوْلَى كَمَا فِي الْمُغْنِي عَدَمُ جَوَازِ تَسْلِيمِ الْمَال إِلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْحَجْرَ أَفَادَ مَنْعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ (١) .
الرُّكْنُ الثَّانِي: الْقَابِل:
١٧ - يُشْتَرَطُ فِي قَابِل الْخُلْعِ مِنَ الزَّوْجَةِ أَوِ الأَْجْنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَال صَحِيحَ الاِلْتِزَامِ. فَلَوْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ الصَّغِيرَةَ عَلَى مَهْرِهَا فَقَبِلَتْ أَوْ قَالَتِ الصَّغِيرَةُ لِزَوْجِهَا اخْلَعْنِي عَلَى مَهْرِي فَفَعَل وَقَعَ الطَّلاَقُ بِغَيْرِ بَدَلٍ، كَمَا ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ، وَإِنْ كَانَ بَاذِل الْعِوَضِ غَيْرَ رَشِيدٍ رَدَّ الزَّوْجُ الْمَال الْمَبْذُول وَبَانَتْ مِنْهُ، مَا لَمْ يُعَلِّقْ بِقَوْلِهِ: إِنْ تَمَّ لِي هَذَا الْمَال فَأَنْتِ стр. 11790
طَالِقٌ، أَوْ إِنْ صَحَّتْ بَرَاءَتُكِ فَطَالِقٌ كَمَا ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ، فَإِذَا رَدَّ الْوَلِيُّ أَوِ الْحَاكِمُ الْمَال مِنَ الزَّوْجِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَقَعْ طَلاَقٌ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا قَالَهُ لِرَشِيدَةٍ أَوْ رَشِيدٍ، أَوْ قَالَهُ بَعْدَ صُدُورِ الطَّلاَقِ فَلاَ يَنْفَعُهُ.
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ خُلْعَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ، أَوْ جُنُونٍ لاَ يَصِحُّ حَتَّى لَوْ أَذِنَ فِيهِ الْوَلِيُّ؛ لأَِنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَال وَلَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهِ، وَلاَ إِذْنَ لِلْوَلِيِّ فِي التَّبَرُّعَاتِ.
وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهَا لِفَلَسٍ فَيَصِحُّ مِنْهَا الْخُلْعُ عَلَى مَالٍ فِي ذِمَّتِهَا كَمَا ذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ؛ لأَِنَّ لَهَا ذِمَّةً يَصِحُّ تَصَرُّفُهَا فِيهَا، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهَا حَال حَجْرِهَا، كَمَا لَوِ اسْتَدَانَتْ مِنْ إِنْسَانٍ فِي ذِمَّتِهَا أَوْ بَاعَهَا شَيْئًا بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهَا، وَيَكُونُ مَا خَالَعَتْ عَلَيْهِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا، يُؤْخَذُ مِنْهَا إِذَا انْفَكَّ عَنْهَا الْحَجْرُ وَأَيْسَرَتْ. أَمَّا لَوْ خَالَعَتْ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهَا فَلاَ يَصِحُّ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ (١) . стр. 11791
الْخُلْعُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَوِ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ:
أ - مَرَضُ الزَّوْجَةِ:
١٨ - يَجُوزُ لِلزَّوْجَةِ الْمَرِيضَةِ مَرَضًا مَخُوفًا أَنْ تُخَالِعَ زَوْجَهَا فِي مَرَضِهَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، لأَِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ كَالْبَيْعِ، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَأْخُذُهُ الزَّوْجُ فِي مُقَابِل ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ رَاغِبَةً فِي مُحَابَاتِهِ عَلَى حِسَابِ الْوَرَثَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ خُلْعَ الْمَرِيضَةِ يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ لأَِنَّهُ تَبَرُّعٌ فَلَهُ الأَْقَل مِنْ إِرْثِهِ، وَبَدَل الْخُلْعِ إِنْ خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ وَإِلاَّ فَالأَْقَل مِنْ إِرْثِهِ، وَالثُّلُثُ إِنْ مَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ، أَمَّا لَوْ مَاتَتْ بَعْدَهَا أَوْ قَبْل الدُّخُول فَلَهُ الْبَدَل إِنْ خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ (١) .
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْخُلْعَ إِنْ كَانَ بِمَهْرِ الْمِثْل نَفَذَ دُونَ اعْتِبَارِ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ فَالزِّيَادَةُ كَالْوَصِيَّةِ لِلزَّوْجِ، وَتُعْتَبَرُ الزِّيَادَةُ الثُّلُثَ وَلاَ تَكُونُ كَالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ لِخُرُوجِهِ (أَيِ الزَّوْجِ) بِالْخُلْعِ عَنِ الإِْرْثِ، وَلَوِ اخْتَلَعَتْ بِجَمَلٍ قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَمَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسُونَ (دِرْهَمًا) فَقَدْ حَابَتْ بِنِصْفِ الْجَمَل، فَيُنْظَرُ إِنْ خَرَجَتِ الْمُحَابَاةُ مِنَ الثُّلُثِ، فَالْجَمَل كُلُّهُ لِلزَّوْجِ عِوَضًا وَوَصِيَّةً. стр. 11792
وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَجْهًا أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْجَمَل، وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَيَرْجِعَ إِلَى مَهْرِ الْمِثْل؛ لأَِنَّهُ دَخَل فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْجَمَل عِوَضًا. وَالصَّحِيحُ الأَْوَّل، إِذْ لاَ نَقْصَ وَلاَ تَشْقِيصَ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ بِأَنْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَمْ تَصِحَّ الْمُحَابَاةُ، وَالزَّوْجُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ نِصْفَ الْجَمَل وَهُوَ قَدْرُ مَهْرِ الْمِثْل وَيَرْضَى بِالتَّشْقِيصِ، وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْمُسَمَّى وَيُضَارِبَ الْغُرَمَاءَ بِمَهْرِ الْمِثْل، وَإِنْ كَانَ لَهَا وَصَايَا أُخَرُ، فَإِنْ شَاءَ الزَّوْجُ أَخَذَ نِصْفَ الْجَمَل وَضَارَبَ أَصْحَابَ الْوَصَايَا فِي النِّصْفِ الآْخَرِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْمُسَمَّى وَتَقَدَّمَ بِمَهْرِ الْمِثْل عَلَى أَصْحَابِ الْوَصَايَا وَلاَ حَقَّ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ؛ لأَِنَّهَا كَانَتْ مِنْ ضِمْنِ الْمُعَاوَضَةِ وَقَدِ ارْتَفَعَتْ بِالْفَسْخِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَيْنٌ، وَلاَ وَصِيَّةٌ، وَلاَ شَيْءَ لَهَا سِوَى ذَلِكَ الْجَمَل فَالزَّوْجُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ ثُلُثَيِ الْجَمَل، نِصْفُهُ بِمَهْرِ الْمِثْل، وَسُدُسُهُ بِالْوَصِيَّةِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ، وَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ مَهْرُ الْمِثْل (١) .
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ لِلزَّوْجِ مَا خَالَعَتْهُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ قَدْرَ مِيرَاثِهِ مِنْهَا فَمَا دُونَ، وَإِنْ كَانَ بِزِيَادَةٍ فَلَهُ الأَْقَل مِنَ الْمُسَمَّى فِي الْخُلْعِ أَوْ مِيرَاثُهُ مِنْهَا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ تُهْمَةَ فِيهِ بِخِلاَفِ الأَْكْثَرِ مِنْهَا، فَإِنَّ стр. 11793
الْخُلْعَ إِنْ وَقَعَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْمِيرَاثِ تَطَرَّقَتْ إِلَيْهِ التُّهْمَةُ مِنْ قَصْدِ إِيصَالِهَا إِلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ عَلَى وَجْهٍ لَمْ تَكُنْ قَادِرَةً عَلَيْهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْصَتْ أَوْ أَقَرَّتْ لَهُ، وَإِنْ وَقَعَ بِأَقَل مِنَ الْمِيرَاثِ فَالْبَاقِي هُوَ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهُ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ، فَتَعَيَّنَ اسْتِحْقَاقُهُ الأَْقَل مِنْهُمَا، وَإِنْ شُفِيَتْ مِنْ مَرَضِهَا ذَاكَ الَّذِي خَالَعَتْهُ فِيهِ فَلَهُ جَمِيعُ مَا خَالَعَهَا بِهِ كَمَا لَوْ خَالَعَهَا فِي الصِّحَّةِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَرَضِ مَوْتِهَا (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ خُلْعُ الزَّوْجَةِ الْمَرِيضَةِ مَرَضًا مَخُوفًا إِنْ كَانَ بَدَل الْخُلْعِ بِقَدْرِ إِرْثِهِ أَوْ أَقَل لَوْ مَاتَتْ وَلاَ يَتَوَارَثَانِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. أَمَّا إِنْ زَادَ بِأَنْ كَانَ إِرْثُهُ مِنْهَا عَشَرَةً وَخَالَعَتْهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ وَأَوْلَى لَوْ خَالَعَتْهُ بِجَمِيعِ مَالِهَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ لإِِعَانَتِهِ لَهَا عَلَى الْحَرَامِ، وَيَنْفُذُ الطَّلاَقُ وَلاَ تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا إِنْ كَانَ الزَّوْجُ صَحِيحًا وَلَوْ مَاتَتْ فِي عِدَّتِهَا.
وَقَال مَالِكٌ: إِنْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ فِي مَرَضِهَا وَهُوَ صَحِيحٌ بِجَمِيعِ مَالِهَا لَمْ يَجُزْ وَلاَ يَرِثُهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ لاَ يُخَالِفُهُ، كَمَا قَالَهُ أَكْثَرُ الأَْشْيَاخِ، وَرَدَّ الزَّائِدَ عَلَى إِرْثِهِ مِنْهَا، وَاعْتُبِرَ الزَّائِدُ عَلَى إِرْثِهِ يَوْمَ مَوْتِهَا لاَ يَوْمَ الْخُلْعِ، وَحِينَئِذٍ فَيُوقَفُ جَمِيعُ الْمَال الْمُخَالَعِ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْمَوْتِ، فَإِنْ стр. 11794
كَانَ قَدْرَ إِرْثِهِ فَأَقَل، اسْتَقَل بِهِ الزَّوْجُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ، رَدَّ مَا زَادَ عَلَى إِرْثِهِ، فَإِنْ صَحَّتْ مِنْ مَرَضِهَا تَمَّ الْخُلْعُ وَأَخَذَ جَمِيعَ مَا خَالَعَتْهُ بِهِ وَلَوْ أَتَى عَلَى جَمِيعِ مَالِهَا، وَلاَ تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا عَلَى كُل حَالٍ (١) .
ب - مَرَضُ الزَّوْجِ:
١٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ خُلْعَ الزَّوْجِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ جَائِزٌ وَنَافِذٌ بِالْمُسَمَّى، سَوَاءٌ أَكَانَ بِمَهْرِ الْمِثْل أَمْ أَقَل مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ لَوْ طَلَّقَ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَصَحَّ، فَلأََنْ يَصِحَّ بِعِوَضٍ أَوْلَى؛ وَلأَِنَّ الْوَرَثَةَ لاَ يَفُوتُهُمْ بِخَلْعِهِ شَيْءٌ، وَمِثْل الْمَرِيضِ فِي هَذَا الْحُكْمِ مَنْ حَضَرَ صَفَّ الْقِتَال، وَالْمَحْبُوسُ لِقَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ كَمَا ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ، وَذَكَرُوا أَيْضًا أَنَّ الإِْقْدَامَ عَلَيْهِ لاَ يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِخْرَاجِ وَارِثٍ وَلاَ تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ أَمَاتَ فِي الْعِدَّةِ أَمْ بَعْدَهَا خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ زَوْجَتَهُ الْمُطَلَّقَةَ فِي الْمَرَضِ تَرِثُهُ إِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ الْمَخُوفِ الَّذِي خَالَعَهَا فِيهِ، وَلَوْ خَرَجَتْ مِنَ الْعِدَّةِ وَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ وَلَوْ أَزْوَاجًا، أَمَّا هُوَ فَلاَ يَرِثُهَا إِنْ مَاتَتْ فِي مَرَضِهِ الْمَخُوفِ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ وَلَوْ كَانَتْ هِيَ مَرِيضَةً أَيْضًا؛ لأَِنَّهُ الَّذِي أَسْقَطَ مَا كَانَ بِيَدِهِ، وَتَرِثُهُ أَيْضًا إِذَا تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِخُلْعِهَا مِنْهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، كَمَا ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ؛ стр. 11795
لأَِنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِهَذَا الطَّلاَقِ فَيُعْتَبَرَ الزَّوْجُ فَارًّا، فَلَوْ أَوْصَى الزَّوْجُ لَهَا بِمِثْل مِيرَاثِهَا أَوْ أَقَل صَحَّ كَمَا ذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ؛ لأَِنَّهُ لاَ تُهْمَةَ فِي أَنَّهُ أَبَانَهَا لِيُعْطِيَهَا ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْنِهَا لأََخَذَتْهُ بِمِيرَاثِهَا، وَإِنْ أَوْصَى لَهَا بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ فَلِلْوَرَثَةِ مَنْعُهَا ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ اتُّهِمَ فِي أَنَّهُ قَصَدَ إِيصَال ذَلِكَ إِلَيْهَا؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى إِيصَالِهِ إِلَيْهَا وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ، فَطَلَّقَهَا لِيُوصِل ذَلِكَ إِلَيْهَا فَمُنِعَ مِنْهُ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِوَارِثٍ (١) .
خُلْعُ الْوَلِيِّ:
٢٠ - يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِوَلِيِّ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهُمَا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَلِيُّ أَبًا لِلزَّوْجِ أَمْ وَصِيًّا أَمْ حَاكِمًا أَمْ مُقَامًا مِنْ جِهَتِهِ، إِذَا كَانَ الْخُلْعُ مِنْهُ لِمَصْلَحَةٍ، وَلاَ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِمَا بِلاَ عِوَضٍ، وَنَقَل ابْنُ عَرَفَةَ عَنِ اللَّخْمِيِّ جَوَازَهُ لِمَصْلَحَةٍ، إِذْ قَدْ يَكُونُ فِي بَقَاءِ الْعِصْمَةِ فَسَادٌ لأَِمْرٍ ظَهَرَ أَوْ حَدَثَ. стр. 11796
وَأَمَّا وَلِيُّ السَّفِيهِ فَلاَ يُخَالِعُ عَنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ لأَِنَّ الطَّلاَقَ بِيَدِ الزَّوْجِ الْمُكَلَّفِ وَلَوْ سَفِيهًا أَوْ عَبْدًا لاَ بِيَدِ الأَْبِ، فَأَوْلَى غَيْرُهُ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ كَالْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ (١) .
وَالْخُلْعُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَصِحُّ مِمَّنْ يَصِحُّ طَلاَقُهُ بِالْمِلْكِ، أَوِ الْوَكَالَةِ، أَوِ الْوِلاَيَةِ كَالْحَاكِمِ فِي الشِّقَاقِ (٢) .
وَلاَ يَجُوزُ لِلأَْبِ أَنْ يَخْلَعَ زَوْجَةَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأَْشْهَرِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٣) لِقَوْلِهِ ﷺ : الطَّلاَقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ (٤) .
وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أَيَّدَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَرَجَّحَهَا صَاحِبُ الْمُبْدِعِ إِلَى أَنَّ الأَْبَ يَمْلِكُ ذَلِكَ، لأَِنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ طَلَّقَ عَلَى ابْنٍ لَهُ مَعْتُوهٍ؛ وَلأَِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُزَوِّجَهُ، فَصَحَّ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّهَمًا شَأْنُهُ стр. 11797
كَالْحَاكِمِ يَفْسَخُ لِلإِْعْسَارِ وَيُزَوِّجُ الصَّغِيرَ (١) .
وَأَمَّا خُلْعُ الأَْبِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ مَنْ خَلَعَ ابْنَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهَا لَمْ يَجُزْ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّهُ لاَ نَظَرَ لَهَا فِيهِ، كَمَا ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ، إِذِ الْبُضْعُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ، وَالْبَدَل مُتَقَوِّمٌ، بِخِلاَفِ النِّكَاحِ؛ لأَِنَّ الْبُضْعَ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَ الدُّخُول، وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ خُلْعُ الْمَرِيضَةِ مِنَ الثُّلُثِ، وَنِكَاحُ الْمَرِيضِ بِمَهْرِ الْمِثْل مِنْ جَمِيعِ الْمَال.
وَلأَِنَّهُ بِذَلِكَ يَسْقُطُ حَقُّهَا مِنَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَالاِسْتِمْتَاعِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لاَ يَسْقُطُ الْمَهْرُ وَلاَ يَسْتَحِقُّ مَالَهَا وَلِلزَّوْجِ مُرَاجَعَتُهَا إِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُول كَمَا فِي الْمُهَذَّبِ، وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ فِي وُقُوعِ الطَّلاَقِ أَوْ عَدَمِ وُقُوعِهِ رِوَايَتَيْنِ مَنْشَؤُهُمَا قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي الْكِتَابِ لَمْ يَجُزْ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى الطَّلاَقِ وَأَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى لُزُومِ الْمَال، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الطَّلاَقَ وَاقِعٌ، وَعَدَمُ الْجَوَازِ مُنْصَرِفٌ إِلَى الْمَال، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَقَى لأَِنَّ لِسَانَ الأَْبِ كَلِسَانِهَا.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ جَوَّزُوا خُلْعَ الْمُجْبِرِ كَأَبٍ عَنِ الْمُجْبَرَةِ مِنْ مَالِهَا وَلَوْ بِجَمِيعِ مَهْرِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُجْبِرِ كَوَصِيٍّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَالِعَ стр. 11798
عَمَّنْ تَحْتَ إِيصَائِهِ مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا، وَكَذَا بِإِذْنِهَا عَلَى الأَْرْجَحِ.
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُبْدِعِ بِلَفْظِ قِيل: إِنَّهُ لَهُ ذَلِكَ إِذَا رَأَى الْحَظَّ فِيهِ كَتَخْلِيصِهَا مِمَّنْ يُتْلِفُ مَالَهَا وَيُخَافُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا وَعَقْلِهَا، وَالأَْبُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِذَا خَالَعُوا فِي حَقِّ الْمَجْنُونَةِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ صِغَرٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا خَالَعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ، صَرَّحَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الأَْجْنَبِيِّ، فَمِنَ الْوَلِيِّ أَوْلَى (١) .
خُلْعُ الْفُضُولِيِّ:
٢١ - لِلْفُقَهَاءِ فِي خُلْعِ الْفُضُولِيِّ اتِّجَاهَانِ:
الأَْوَّل: جَوَازُهُ وَصِحَّتُهُ وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ لَكِنْ بِقَيْدٍ وَهُوَ أَنْ يُضِيفَ الْبَدَل إِلَى نَفْسِهِ عَلَى وَجْهٍ يُفِيدُ ضَمَانَهُ لَهُ أَوْ مِلْكَهُ إِيَّاهُ، مِثْل أَنْ يَقُول: اخْلَعْهَا بِأَلْفٍ عَلَيَّ أَوْ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ أَوْ عَلَى أَلْفَيْ هَذِهِ، فَإِنْ أَرْسَل الْخُلْعَ بِأَنْ قَال عَلَى أَلْفٍ أَوْ عَلَى هَذَا الْجَمَل، فَإِنْ قَبِلَتْ لَزِمَهَا تَسْلِيمُهُ، أَوْ قِيمَتُهُ إِنْ عَجَزَتْ، وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى غَيْرِهِ كَجَمَل فُلاَنٍ اعْتُبِرَ قَبُول فُلاَنٍ. стр. 11799
وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ سَوَاءٌ قَصَدَ الْفُضُولِيُّ بِذَلِكَ جَلْبَ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَرْءَ مَفْسَدَةِ أَوْ إِسْقَاطَ نَفَقَتِهَا عَنِ الزَّوْجِ كَمَا فِي ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ إِلاَّ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلاَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَيَّدَ صِحَّتَهُ بِعَدَمِ قَصْدِ الْفُضُولِيِّ إِسْقَاطَ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ عَنِ الزَّوْجِ فَإِنْ قَصَدَ إِسْقَاطَهَا عَنْهُ فَقَدْ حُكِيَ فِيهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
أ - يُرَدُّ الْعِوَضُ وَيَقَعُ الطَّلاَقُ بَائِنًا وَتَسْقُطُ نَفَقَةُ الْعِدَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْبُرْزُلِيُّ.
ب - يُرَدُّ الْعِوَضُ وَيَقَعُ الطَّلاَقُ رَجْعِيًّا وَلاَ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ وَابْنُ عَرَفَةَ.
ج - يَقَعُ الطَّلاَقُ بَائِنًا وَلاَ تَسْقُطُ النَّفَقَةُ وَيَجْرِي مِثْل هَذَا فِيمَنْ قَصَدَ دَفْعَ الْعِوَضِ لِيَتَزَوَّجَهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا إِلَى جَوَازِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ طَلاَقٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِلَفْظِ طَلاَقٍ أَمْ خُلْعٍ، فَخُلْعُ الْفُضُولِيِّ عِنْدَهُمْ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْقَوْل كَاخْتِلاَعِ الزَّوْجَةِ لَفْظًا وَحُكْمًا، وَذَكَرُوا أَنَّ الْخُلْعَ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ ابْتِدَاءُ مُعَاوَضَةٍ فِيهَا شَوْبُ تَعْلِيقٍ، وَمِنْ جَانِبِ الأَْجْنَبِيِّ ابْتِدَاءُ مُعَاوَضَةٍ فِيهَا شَوْبُ جَعَالَةٍ، فَإِذَا قَال الزَّوْجُ لِلْفُضُولِيِّ طَلَّقْتُ امْرَأَتِي عَلَى أَلْفٍ فِي ذِمَّتِكَ فَقَبِل، أَوْ قَال الْفُضُولِيُّ لِلزَّوْجِ: طَلِّقِ امْرَأَتَكَ عَلَى أَلْفٍ فِي ذِمَّتِي فَأَجَابَ، وَقَعَ الطَّلاَقُ بَائِنًا بِالْمُسَمَّى، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ قَبْل قَبُول الْفُضُولِيِّ نَظَرًا لِشَوْبِ التَّعْلِيقِ، وَلِلْفُضُولِيِّ أَنْ يَرْجِعَ قَبْل إِجَابَةِ الزَّوْجِ نَظَرًا لِشَوْبِ الْجَعَالَةِ.
стр. 11800
وَخُلْعُ الْفُضُولِيِّ جَائِزٌ أَيْضًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْحَنَابِلَةِ وَلاَ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى قَبُول الْمَرْأَةِ فَيَكُونَ الْتِزَامُهُ لِلْمَال فِدَاءً لَهَا، كَالْتِزَامِ الْمَال لِعِتْقِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ صَحِيحٌ، كَتَخْلِيصِهَا مِمَّنْ يُسِيءُ عِشْرَتَهَا وَيَمْنَعُهَا حُقُوقَهَا.
الثَّانِي: عَدَمُ الصِّحَّةِ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ وَمَنْ قَال مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ، وَاسْتَدَل أَبُو ثَوْرٍ بِأَنَّهُ يَبْذُل عِوَضًا فِي مُقَابَلَةِ مَا لاَ مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْفَسْخَ بِلاَ سَبَبٍ لاَ يَنْفَرِدُ بِهِ الزَّوْجُ فَلاَ يَصِحُّ طَلَبُهُ مِنْهُ (١) .
التَّوْكِيل فِي الْخُلْعِ:
٢٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ التَّوْكِيل فِي الْخُلْعِ جَائِزٌ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ وَمِنْ أَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا، وَالضَّابِطُ فِيهِ أَنَّ كُل مَنْ يَصِحُّ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِالْخُلْعِ لِنَفْسِهِ جَازَ تَوْكِيلُهُ وَوَكَالَتُهُ следующие страницы →