← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 11901–11940 · переход к 11906.

стр. 11901

خَلِيطٌ انْظُرْ: خُلْطَةٌ خَلِيطَانِ انْظُرْ: خُلْطَةٌ:

стр. 11902

خِمَارٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْخِمَارُ مِنَ الْخَمْرِ، وَأَصْلُهُ السَّتْرُ، يُقَال: خَمَرَ الشَّيْءَ يَخْمُرُهُ خَمْرًا، وَأَخْمَرَهُ أَيْ سَتَرَهُ، وَكُل مُغَطًّى مُخَمَّرٌ يُقَال: خَمَّرْتُ الإِْنَاءَ أَيْ غَطَّيْتُهُ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ (١) وَفِي رِوَايَةٍ: خَمِّرُوا الآْنِيَةَ وَأَوْكِئُوا الأَْسْقِيَةَ (٢) وَكُل مَا يَسْتُرُ شَيْئًا فَهُوَ خِمَارُهُ. لَكِنَّ الْخِمَارَ غَلَبَ فِي التَّعَارُفِ اسْمًا لِمَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا، يُقَال: اخْتَمَرَتِ الْمَرْأَةُ وَتَخَمَّرَتْ: أَيْ لَبِسَتِ الْخِمَارَ، وَجَمْعُ الْخِمَارِ خُمُرٌ، (٣) قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ . (٤)

стр. 11903

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلْخِمَارِ فِي الْجُمْلَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ السَّابِقِ، لأَِنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يُعَرِّفُونَهُ بِأَنَّهُ: مَا يَسْتُرُ الرَّأْسَ وَالصُّدْغَيْنِ أَوِ الْعُنُقَ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْحِجَابُ: ٢ - الْحِجَابُ: السِّتْرُ، يُقَال: حَجَبَ الشَّيْءَ يَحْجُبُهُ حَجْبًا وَحِجَابًا، وَحَجَبَهُ: سَتَرَهُ، وَامْرَأَةٌ مَحْجُوبَةٌ: قَدْ سُتِرَتْ بِسِتْرٍ، وَحِجَابُ الْجَوْفِ: مَا يَحْجِبُ بَيْنَ الْفُؤَادِ وَسَائِرِهِ، قَال الأَْزْهَرِيُّ: هِيَ جِلْدَةٌ بَيْنَ الْفُؤَادِ وَسَائِرِ الْبَطْنِ. وَالأَْصْل فِي الْحِجَابِ أَنَّهُ جِسْمٌ حَائِلٌ بَيْنَ جَسَدَيْنِ، وَاسْتُعْمِل فِي الْمَعَانِي فَقِيل: الْعَجْزُ حِجَابٌ وَالْمَعْصِيَةُ حِجَابٌ. (٢) فَالْحِجَابُ أَعَمُّ مِنَ الْخِمَارِ. ب - الْقِنَاعُ: ٣ - الْقِنَاعُ مَا تَتَقَنَّعُ بِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ ثَوْبٍ تُغَطِّي رَأْسَهَا وَمَحَاسِنَهَا. وَنَحْوُهُ الْمِقْنَعَةُ وَهِيَ مَا تُقَنِّعُ بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا. قَال صَاحِبُ الْقَامُوسِ: الْقِنَاعُ أَوْسَعُ مِنْهَا.

стр. 11904

وَيُطْلِقُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْقِنَاعَ عَلَى الثَّوْبِ يُلْقِيهِ الرَّجُل عَلَى كَتِفِهِ، وَيُغَطِّي بِهِ رَأْسَهُ وَيَرُدُّ طَرَفَهُ عَلَى كَتِفِهِ الآْخَرِ. (١) وَالْقِنَاعُ أَعَمُّ وَأَشْمَل فِي السَّتْرِ مِنَ الْخِمَارِ، أَوْ هُوَ يُخَالِفُهُ بِإِطْلاَقِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ. ج - النِّقَابُ: ٤ - النِّقَابُ مَا تَنْتَقِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ، يُقَال: انْتَقَبَتِ الْمَرْأَةُ وَتَنَقَّبَتْ: غَطَّتْ وَجْهَهَا بِالنِّقَابِ. وَيُعَرِّفُ ابْنُ مَنْظُورٍ النِّقَابَ بِأَنَّهُ: الْقِنَاعُ عَلَى مَارِنِ الأَْنْفِ، ثُمَّ يَقُول: وَالنِّقَابُ عَلَى وُجُوهٍ. قَال الْفَرَّاءُ: إِذَا أَدْنَتِ الْمَرْأَةُ النِّقَابَ إِلَى عَيْنِهَا فَتِلْكَ الْوَصْوَصَةُ، فَإِنْ أَنْزَلَتْهُ دُونَ ذَلِكَ إِلَى الْمَحْجَرِ فَهُوَ النِّقَابُ، فَإِنْ كَانَ عَلَى طَرَفِ الأَْنْفِ فَهُوَ اللِّفَامُ. قَال ابْنُ مَنْظُورٍ: الْوَصْوَاصُ: الْبُرْقُعُ الصَّغِيرُ. (٢) وَكُلٌّ مِنَ الْخِمَارِ وَالنِّقَابِ يُغَطَّى بِهِ جُزْءٌ مِنَ الْجِسْمِ، الْخِمَارُ يُغَطَّى بِهِ الرَّأْسُ، وَالنِّقَابُ يُغَطَّى بِهِ الْوَجْهُ. د - الْبُرْقُعُ: ٥ - الْبُرْقُعُ لُغَةً: مَا تَسْتُرُ بِهِ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا (٣)

стр. 11905

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْخِمَارِ: أَوَّلاً: ارْتِدَاءُ الْمَرْأَةِ الْخِمَارَ عُمُومًا: ٦ - ارْتِدَاءُ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْخِمَارَ بِوَجْهٍ عَامٍّ وَاجِبٌ شَرْعًا، لأَِنَّ شَعْرَ رَأْسِهَا عَوْرَةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ أُمِرَتِ الْمَرْأَةُ بِضَرْبِ الْخِمَارِ عَلَى جَيْبِهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (١) قَال الْقُرْطُبِيُّ: سَبَبُ هَذِهِ الآْيَةِ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِذَا غَطَّيْنَ رُءُوسَهُنَّ بِالأَْخْمِرَةِ، وَهِيَ الْمَقَانِعُ سَدَلْنَهَا مِنْ وَرَاءِ الظَّهْرِ فَيَبْقَى النَّحْرُ وَالْعُنُقُ وَالأُْذُنَانِ لاَ سِتْرَ عَلَى ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِلَيِّ الْخِمَارِ عَلَى الْجُيُوبِ، وَهَيْئَةُ ذَلِكَ أَنْ تَضْرِبَ الْمَرْأَةُ بِخِمَارِهَا عَلَى جَيْبِهَا لِتَسْتُرَ صَدْرَهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِنَّمَا يُضْرَبُ بِالْخِمَارِ الْكَثِيفِ الَّذِي يَسْتُرُ (٢) ثَانِيًا - الْمَسْحُ عَلَى الْخِمَارِ فِي الْوُضُوءِ: ٧ - مَسْحُ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ فَرْضٌ تَوَاتَرَتْ عَلَيْهِ الأَْدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ. وَالْفَرْضُ الَّذِي تَوَاتَرَتْ عَلَيْهِ الأَْدِلَّةُ هُوَ أَصْل الْمَسْحِ، أَمَّا صِفَتُهُ وَمِقْدَارُ مَا يُمْسَحُ مِنَ الرَّأْسِ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرَانِ فِي مُصْطَلَحَيْ: (وُضُوءٌ) (وَمَسْحٌ) . وَمِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ كَذَلِكَ الْمَسْحُ عَلَى الْخِمَارِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُجْزِئُ

стр. 11906

فِي الْوُضُوءِ مَسْحُ الْمَرْأَةِ خِمَارَهَا وَحْدَهُ دُونَ مَسْحِ رَأْسِهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْخِمَارُ رَقِيقًا يَنْفُذُ مِنْهُ الْمَاءُ إِلَى شَعْرِهَا، فَيَجُوزُ لِوُجُودِ الإِْصَابَةِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا أَدْخَلَتْ يَدَهَا تَحْتَ الْخِمَارِ وَمَسَحَتْ بِرَأْسِهَا، وَقَالَتْ: بِهَذَا أَمَرَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ . (١) وَلأَِنَّهُ لاَ حَرَجَ فِي نَزْعِهِ، وَالرُّخْصَةُ لِدَفْعِ الْحَرَجِ، وَلأَِنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٢) يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِ مَسْحِ غَيْرِ الرَّأْسِ. قَال نَافِعٌ: رَأَيْتُ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ تَتَوَضَّأُ وَتَنْزِعُ خِمَارَهَا ثُمَّ تَمْسَحُ بِرَأْسِهَا، قَال نَافِعٌ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ، قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: بِهَذَا نَأْخُذُ، لاَ نَمْسَحُ عَلَى خِمَارٍ وَلاَ عَلَى عِمَامَةٍ، بَلَغَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَانَ فَتُرِكَ. قَال النَّوَوِيُّ: قَال الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ: وَتُدْخِل يَدَهَا تَحْتَ خِمَارِهَا حَتَّى يَقَعَ الْمَسْحُ عَلَى الشَّعْرِ، فَلَوْ وَضَعَتْ يَدَهَا الْمُبْتَلَّةَ عَلَى خِمَارِهَا قَال أَصْحَابُنَا: إِنْ لَمْ يَصِل الْبَلَل إِلَى الشَّعْرِ لَمْ يُجْزِئْهَا، وَإِنْ وَصَل فَهِيَ كَالرَّجُل إِذَا وَضَعَ يَدَهُ الْمُبْتَلَّةَ عَلَى رَأْسِهِ إِنْ أَمَرَّهَا عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ وَإِلاَّ فَوَجْهَانِ، الصَّحِيحُ الإِْجْزَاءُ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ مَسَحَ نَاصِيَتَهُ وَلَمْ يَسْتَوْعِبِ الرَّأْسَ بِالْمَسْحِ أَنْ يُتِمَّ الْمَسْحَ عَلَى

стр. 11907

الْعِمَامَةِ، وَقَالُوا: وَهَذَا حُكْمُ مَا عَلَى رَأْسِ الْمَرْأَةِ (١) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فِي مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى مِقْنَعَتِهَا رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: وَهِيَ الْمُعْتَمَدَةُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْحَجَّاوِيُّ يَجُوزُ، لأَِنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ (٢) وَلأَِنَّهُ مَلْبُوسٌ لِلرَّأْسِ مُعْتَادٌ يَشُقُّ نَزْعُهُ فَأَشْبَهَ الْعِمَامَةَ. وَالثَّانِيَةُ: لاَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَحْمَدَ سُئِل: كَيْفَ تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى رَأْسِهَا؟ قَال: مِنْ تَحْتِ الْخِمَارِ وَلاَ تَمْسَحُ عَلَى الْخِمَارِ، قَال: وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا (٣) . ثَالِثًا: لُبْسُ الْخِمَارِ فِي الصَّلاَةِ: ٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الصَّلاَةِ سَتْرَ الْعَوْرَةِ، وَمِنَ الْعَوْرَةِ الَّتِي يُشْتَرَطُ سَتْرُهَا فِي الصَّلاَةِ شَعْرُ الْمَرْأَةِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ أَنْ تُخَمِّرَ رَأْسَهَا فِي الصَّلاَةِ، أَيْ تُغَطِّيَهُ بِخِمَارٍ كَثِيفٍ لاَ يَشِفُّ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَل كَانَتْ

стр. 11908

صَلاَتُهَا بَاطِلَةً، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَقْبَل اللَّهُ صَلاَةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ (١) وَالْمُرَادُ بِالْحَائِضِ الْبَالِغَةُ، لأَِنَّ الْحَائِضَ فِعْلاً أَثْنَاءَ حَيْضِهَا لاَ صَلاَةَ لَهَا، لاَ بِخِمَارٍ وَلاَ بِغَيْرِهِ، فَكَانَ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الْحَائِضِ مَجَازًا عَنِ الْبَالِغَةِ لأَِنَّ الْحَيْضَ يَسْتَلْزِمُ الْبُلُوغَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ تَرَكَتِ الْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ سَتْرَ رُبُعِ رَأْسِهَا فَأَكْثَرَ قَدْرَ أَدَاءِ رُكْنٍ بِلاَ صُنْعِهَا أَعَادَتْ. وَفِي أَحْكَامِ الصِّغَارِ لِلأُْسْتُرُوشَنِيِّ: وَجَوَازُ صَلاَةِ الصَّغِيرَةِ بِغَيْرِ قِنَاعٍ اسْتِحْسَانٌ، لأَِنَّهُ لاَ خِطَابَ مَعَ الصِّبَا، وَالأَْحْسَنُ أَنْ تُصَلِّيَ بِقِنَاعٍ لأَِنَّهَا إِنَّمَا تُؤْمَرُ بِالصَّلاَةِ لِلتَّعَوُّدِ فَتُؤْمَرُ عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ أَدَاؤُهَا مَعَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ. ثُمَّ قَال: الْمُرَاهِقَةُ (٢) إِذَا صَلَّتْ بِغَيْرِ قِنَاعٍ لاَ تُؤْمَرُ بِالإِْعَادَةِ اسْتِحْسَانًا، وَإِنْ صَلَّتْ بِغَيْرِ وُضُوءٍ تُؤْمَرُ بِذَلِكَ. (٣)

стр. 11909

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ لِلْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الصَّغِيرَةِ الْمَأْمُورَةِ بِالصَّلاَةِ سَتْرٌ لِلصَّلاَةِ - وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ - وَتُعِيدُ الصَّلاَةَ نَدْبًا إِنْ رَاهَقَتْ - أَيْ قَارَبَتِ الْبُلُوغَ - وَتَرَكَتِ الْقِنَاعَ - أَيْ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ - فِي الصَّلاَةِ. . . وَقَالُوا: يُكْرَهُ الْقِنَاعُ فِي الصَّلاَةِ لِلرَّجُل إِذَا كَانَ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ هِيَ أَنْ يُلْقِيَ ثَوْبًا عَلَى كَتِفِهِ وَيُغَطِّيَ بِهِ رَأْسَهُ وَيَرُدَّ طَرَفَهُ عَلَى كَتِفِهِ الآْخَرِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِلرِّجَال لأَِنَّهُ مِنْ زِيِّ النِّسَاءِ إِلاَّ مِنْ ضَرُورَةِ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ، أَوْ يَكُونُ شِعَارَ قَوْمٍ فَلاَ يُكْرَهُ. (١) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ تُقْبَل صَلاَةُ الصَّبِيَّةِ الْمُمَيِّزَةِ إِلاَّ بِخِمَارٍ. (٢) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: غَيْرُ الْبَالِغَةِ لاَ يَلْزَمُهَا سَتْرُ رَأْسِهَا فِي الصَّلاَةِ لِمَفْهُومِ حَدِيثِ عَائِشَةَ السَّابِقِ. (٣) رَابِعًا - لُبْسُ الْخِمَارِ فِي الإِْحْرَامِ: ٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ، وَعَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ لاَ تَكْشِفُ رَأْسَهَا فِي الإِْحْرَامِ - كَمَا يَفْعَل الرَّجُل - لأَِنَّ رَأْسَهَا عَوْرَةٌ يَجِبُ سَتْرُهَا، وَعَلَيْهَا أَنْ تُخَمِّرَ رَأْسَهَا بِمَا يَسْتُرُهُ سَتْرًا كَامِلاً، وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ قَوْلَهُ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى

стр. 11910

أَنَّ لِلْمُحْرِمَةِ لُبْسَ الْقُمُصِ وَالدُّرُوعِ وَالسَّرَاوِيلاَتِ وَالْخُمُرِ وَالْخِفَافِ. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ حَال إِحْرَامِهَا سَتْرُ وَجْهِهَا، أَوْ بَعْضِهِ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ عَلَى الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْمُحْرِمَةِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنْ تَسْتُرَ مِنْ وَجْهِهَا مَا لاَ يَتَأَتَّى سَتْرُ جَمِيعِ رَأْسِهَا إِلاَّ بِهِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَكْشِفَ مِنْ رَأْسِهَا مَا لاَ يَتَأَتَّى كَشْفُ وَجْهِهَا إِلاَّ بِهِ، لأَِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى سَتْرِ الرَّأْسِ بِكَمَالِهِ لِكَوْنِهِ عَوْرَةً أَوْلَى مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى كَشْفِ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي لاَ يَتَأَتَّى تَمَامُ سَتْرِ الرَّأْسِ إِلاَّ بِهِ. (١) خَامِسًا: الْخِمَارُ فِي كَفَنِ الْمَرْأَةِ: ١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَقَل الْكَفَنِ الضَّرُورِيِّ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مَا يُغَطِّي بَدَنَ الْمَيِّتِ رَجُلاً كَانَ أَوِ امْرَأَةً إِلاَّ رَأْسَ الْمُحْرِمِ وَوَجْهَ الْمُحْرِمَةِ. وَعَلَى أَنَّ الأَْفْضَل فِي الْكَفَنِ لِلْمَرْأَةِ خَمْسَةُ أَثْوَابٍ: إِزَارٌ تَسْتُرُ بِهِ الْعَوْرَةَ، وَخِمَارٌ يُغَطَّى بِهِ الرَّأْسُ، وَقَمِيصٌ، وَلِفَافَتَانِ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَكْثَرُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ يَرَى أَنْ تُكَفَّنَ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، وَإِنَّمَا اسْتُحِبَّ ذَلِكَ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ تَزِيدُ فِي حَال حَيَاتِهَا

стр. 11911

عَلَى الرَّجُل فِي السَّتْرِ لِزِيَادَةِ عَوْرَتِهَا عَلَى عَوْرَتِهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ لَيْلَى بِنْتِ قَائِفٍ الثَّقَفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّل أُمَّ كُلْثُومٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِنْتَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عِنْدَ وَفَاتِهَا، فَكَانَ أَوَّل مَا أَعْطَانَا رَسُول اللَّهِ ﷺ الْحَقْوَ (١) ثُمَّ الدِّرْعَ (٢) ، ثُمَّ الْخِمَارَ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ الآْخَرِ. (٣) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْجَارِيَةَ إِذَا لَمْ تَبْلُغْ لاَ تُخَمَّرُ عِنْدَ تَكْفِينِهَا، جَاءَ فِي الْمُغْنِي: قَال الْمَرْوَزِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي كَمْ تُكَفَّنُ الْجَارِيَةُ إِذَا لَمْ تَبْلُغْ؟ قَال: فِي لِفَافَتَيْنِ، وَقَمِيصٍ لاَ خِمَارَ فِيهِ، وَكَفَّنَ ابْنُ سِيرِينَ بِنْتًا لَهُ قَدْ أَعْصَرَتْ (٤) فِي قَمِيصٍ وَلِفَافَتَيْنِ، وَلأَِنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ لاَ يَلْزَمُهَا سَتْرُ رَأْسِهَا فِي الصَّلاَةِ. وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْحَدِّ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ فِي حُكْمِ الْمَرْأَةِ فِي التَّكْفِينِ وَيَكُونُ فِي كَفَنِهَا الْخِمَارُ، فَرُوِيَ عَنْهُ، إِذَا بَلَغَتْ، وَهُوَ ظَاهِرُ

стр. 11912

كَلاَمِهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ يَقْبَل اللَّهَ صَلاَةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ. (١) مَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَهَا لاَ تَحْتَاجُ إِلَى خِمَارٍ فِي صَلاَتِهَا فَكَذَلِكَ فِي كَفَنِهَا. وَرَوَى عَنْ أَحْمَدَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ: إِذَا كَانَتْ بِنْتَ تِسْعِ سِنِينَ يُصْنَعُ بِهَا مَا يُصْنَعُ بِالْمَرْأَةِ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ (٢) وَعَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعًا فَهِيَ امْرَأَةٌ (٣) . وَفِي تَرْتِيبِ أَثْوَابِ الْكَفَنِ وَمَوْضِعِ الْخِمَارِ بَيْنَهَا تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَكْفِينٌ) . خَمْرٌ انْظُرْ: أَشْرِبَةٌ

стр. 11913

خُمُسٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْخُمُسُ - بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ أَوْ ضَمِّهَا - الْجُزْءُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ، وَالْخَمْسُ - بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ - أَخْذُ وَاحِدٍ مِنْ خَمْسَةٍ، يُقَال: خَمَسْتُهُمْ أَخْمُسُهُمْ - بِضَمِّ الْمِيمِ فِي الْمُضَارِعِ - أَيْ أَخَذْتُ خُمْسَ أَمْوَالِهِمْ، وَخَمَسْتُهُمْ أَخْمِسُهُمْ - بِكَسْرِ الْمِيمِ فِي الْمُضَارِعِ - أَيْ كُنْتُ خَامِسَهُمْ أَوْ كَمَّلْتُهُمْ خَمْسَةً بِنَفْسِي، وَيُقَال: خَمَّسْتُ الشَّيْءَ - بِالتَّثْقِيل - أَيْ جَعَلْتُهُ خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ، وَيُقَال: أَخَمَسَ الْقَوْمُ أَيْ صَارُوا خَمْسَةً (١) . وَالْخُمُسُ: خُمُسُ الْغَنِيمَةِ أَوِ الْفَيْءِ، وَالتَّخْمِيسُ: إِخْرَاجُ الْخُمُسِ مِنَ الْغَنِيمَةِ (٢) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْمِرْبَاعُ: ٢ - الْمِرْبَاعُ هُوَ الرُّبُعُ: قَال قُطْرُبٌ: الْمِرْبَاعُ

стр. 11914

الرُّبُعُ، وَالْمِعْشَارُ الْعُشْرُ وَلَمْ يُسْمَعْ فِي غَيْرِهِمَا، وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَبْل إِسْلاَمِهِ: إِنَّكَ لَتَأْكُل الْمِرْبَاعَ وَهُوَ لاَ يَحِل لَكَ فِي دِينِكَ (١) كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا غَزَا بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَغَنِمُوا أَخَذَ الرَّئِيسُ رُبُعَ الْغَنِيمَةِ خَالِصًا دُونَ أَصْحَابِهِ وَقَال الشَّاعِرُ: لَك الْمِرْبَاعُ مِنْهَا وَالصَّفَايَا وَحُكْمُكَ وَالنَّشِيطَةُ وَالْفُضُول (٢) وَالْفَرْقُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ اخْتِلاَفُ الْقَدْرِ بَيْنَهُمَا. ب - الصَّفِيُّ: ٣ - الصَّفِيُّ: مَا كَانَ يَصْطَفِيهِ الرَّئِيسُ فِي الْحَرْبِ قَبْل الإِْسْلاَمِ لِنَفْسِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ دُونَ أَصْحَابِهِ، وَمَا لاَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقْسَمَ عَلَى الْجَيْشِ. وَالصَّفِيُّ فِي الإِْسْلاَمِ شَيْءٌ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ قَبْل الْقِسْمَةِ كَسَيْفٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ أَمَةٍ، وَقَدِ اصْطَفَى ﷺ سَيْفَ مُنَبِّهِ بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ - وَهُوَ ذُو الْفَقَارِ - يَوْمَ بَدْرٍ (٣) ، وَاصْطَفَى

стр. 11915

صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ ﵂. (١) وَقَدِ انْقَطَعَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ ﷺ . (٢) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخُمُسِ وَالصَّفِيِّ أَنَّ الْخُمُسَ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْغَنَائِمِ وَغَيْرِهَا لَهُ مَصَارِفُ مُعَيَّنَةٌ، أَمَّا الصَّفِيُّ فَكَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِلرَّئِيسِ فِي الْحَرْبِ قَبْل الإِْسْلاَمِ. ج - النَّشِيطَةُ: ٤ - النَّشِيطَةُ مِنَ الْغَنِيمَةِ: مَا يُصِيبُهُ الْقَوْمُ قَبْل أَنْ يَصِلُوا إِلَى الْحَيِّ الَّذِي يُرِيدُونَ الإِْغَارَةَ عَلَيْهِ فَيَنْشُطُهُ الرَّئِيسُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَيَأْخُذُهُ قَبْل الْقِسْمَةِ. (٣) وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّشِيطَةِ وَالْخُمُسِ مِنَ الْغَنِيمَةِ أَنَّ النَّشِيطَةَ كَانَ يَسْتَأْثِرُ بِهَا الرَّئِيسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَمَّا الْخُمُسُ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مَصَارِفَهُ د - الْفُضُول: ٥ - الْفُضُول مِنَ الْغَنِيمَةِ: بَقَايَا تَبْقَى مِنْهَا لاَ تَسْتَقِيمُ قِسْمَتُهَا عَلَى الْجَيْشِ لِقِلَّتِهَا وَكَثْرَةِ الْجَيْشِ فَيَخْتَصُّ بِهَا رَئِيسُ الْجَيْشِ قَبْل

стр. 11916

الإِْسْلاَمِ (١) . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفُضُول مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالْخُمُسِ أَنَّ الْفُضُول كَانَ يَخُصُّ بِهَا رَئِيسُ الْجَيْشِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَفْسَهُ وَيَسْتَأْثِرُ بِهَا دُونَ أَصْحَابِهِ، أَمَّا الْخُمُسُ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مَصَارِفَهُ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ تَخْمِيسِ الْغَنِيمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ (٢) وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْمِيسِ الْفَيْءِ عَلَى مَا سَيَأْتِي. الأَْمْوَال الَّتِي تُخَمَّسُ: أَوَّلاً: الْغَنِيمَةُ: ٧ - وَهِيَ الْمَال الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْكُفَّارِ بِالْقُوَّةِ وَالْقَهْرِ بِإِيجَافِ الْخَيْل وَالرِّكَابِ (٣) . وَلَمْ تَكُنِ الْغَنَائِمُ تَحِل لِمَنْ مَضَى مِنَ الأُْمَمِ، وَفِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي. . . وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ (٤) وَكَانَتِ الْغَنَائِمُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعَالَى

стр. 11917

: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَْنْفَال قُل الأَْنْفَال لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ (١) ثُمَّ صَارَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ، وَالْخُمُسُ لِغَيْرِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول. . .﴾ (٢) فَأَضَافَ الْغَنِيمَةَ إِلَيْهِمْ وَجَعَل الْخُمُسَ لِغَيْرِهِمْ فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ سَائِرَهَا (الْبَقِيَّةَ) لَهُمْ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا﴾ (٣) فَأَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُمْ. (٤) وَالْغَنِيمَةُ إِذَا كَانَتْ أَرْضًا فُتِحَتْ عَنْوَةً فَفِي تَخْمِيسِهَا خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ يُنْظَرُ فِي: (تَخْمِيسٌ وَغَنِيمَةٌ وَأَرْضٌ وَخَرَاجٌ) . وَإِنْ كَانَتِ الْغَنِيمَةُ مِنَ الأَْمْوَال الْمَنْقُولَةِ وَجَبَ تَخْمِيسُهَا وَقَسْمُ أَخْمَاسِهَا الأَْرْبَعَةِ عَلَى الْغَانِمِينَ، وَصَرْفُ الْخُمُسِ فِي مَصَارِفِهِ. وَيَبْدَأُ الإِْمَامُ أَوِ الأَْمِيرُ فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِ بِالسَّلَبِ فَيُعْطِيهِ لِلْقَاتِل، ثُمَّ يُخْرِجُ الْمُؤَنَ اللاَّزِمَةَ كَأُجْرَةِ حَمَّالٍ وَحَافِظٍ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ يَجْعَل الْبَاقِيَ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ مُتَسَاوِيَةٍ، خُمُسٌ لأَِهْل الْخُمُسِ، وَالأَْرْبَعَةُ الأَْخْمَاسِ لِلْغَانِمِينَ. (٥) وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ قَسْمِ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:

стр. 11918

الْقَوْل الأَْوَّل: ٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُقْسَمُ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ (١) وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ الْخُمُسَ عَلَى خَمْسَةٍ (٢) وَبِهَذَا قَال عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ (٣) . وَبَيَانُ هَذِهِ الأَْسْهُمِ كَالآْتِي: ١ - سَهْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ : وَكَانَ هَذَا السَّهْمُ لَهُ ﷺ فِي حَيَاتِهِ يَضَعُهُ فِي مَصَارِفِهِ الَّتِي يَرَاهَا، ثُمَّ صَارَ مِنْ بَعْدِهِ ﷺ يُصْرَفُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلاَحِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، كَسَدِّ الثُّغُورِ، وَشَحْنِهَا بِالْعُدَدِ، وَالْمُقَاتِلَةِ، وَكَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَالْحُصُونِ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ، وَالأَْئِمَّةِ، وَالْعُلَمَاءِ بِعُلُومٍ تَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، لأَِنَّ بِالثُّغُورِ حِفْظَ الْمُسْلِمِينَ، وَلِئَلاَّ يَتَعَطَّل مَنْ ذُكِرَ بِالاِكْتِسَابِ عَنِ الاِشْتِغَال بِهَذِهِ الْعُلُومِ وَعَنْ تَنْفِيذِ الأَْحْكَامِ وَعَنِ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ، فَيُرْزَقُونَ مَا يَكْفِيهِمْ لِيَتَفَرَّغُوا لِذَلِكَ. وَيُقَدَّمُ الأَْهَمُّ فَالأَْهَمُّ وُجُوبًا.

стр. 11919

وَقَالُوا: إِنَّ سَهْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّسُول ﷺ وَاحِدٌ، لأَِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ لاِفْتِتَاحِ الْكَلاَمِ بِاسْمِهِ تَعَالَى تَبَرُّكًا بِهِ لاَ لإِِفْرَادِهِ سُبْحَانَهُ بِسَهْمٍ، فَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى الدُّنْيَا وَالآْخِرَةَ. (١) ٢ - سَهْمٌ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ: وَهُمُ الْمُرَادُ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ وَإِنْ كَانَ الأَْرْبَعَةُ أَبْنَاءَ عَبْدِ مَنَافٍ، لاِقْتِصَارِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقَسْمِ عَلَى بَنِي الأَْوَّلَيْنِ مَعَ سُؤَال ابْنِ الآْخَرَيْنِ لَهُ، رُوِيَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ قَال: لَمَّا قَسَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى مِنْ خَيْبَرَ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَتَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُول اللَّهِ، أَمَّا بَنُو هَاشِمٍ فَلاَ نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِمَكَانِكَ الَّذِي وَضَعَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ، فَمَا بَال إِخْوَانِنَا مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتُهُمْ وَتَرَكْتَنَا، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؟ فَقَال ﷺ : إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلاَ إِسْلاَمٍ، وَإِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. (٢)

стр. 11920

وَالْعِبْرَةُ فِي الاِسْتِحْقَاقِ مِنْ هَذَا السَّهْمِ بِالاِنْتِسَابِ إِلَى الآْبَاءِ، أَيْ بِكَوْنِ الأَْبِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ، أَمَّا مَنْ كَانَتْ أُمُّهُ مِنْهُمْ وَأَبُوهُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْفَعْ إِلَى أَقَارِبِ أُمِّهِ وَهُمْ بَنُو زُهْرَةَ شَيْئًا، وَإِنَّمَا دَفَعَ إِلَى أَقَارِبِ أَبِيهِ، وَلَمْ يَدْفَعْ إِلَى بَنِي عَمَّاتِهِ وَهُمُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَالْمُهَاجِرُ ابْنَا أَبِي أُمَيَّةَ، وَبَنُو جَحْشٍ. وَيَشْتَرِكُ فِي الاِسْتِحْقَاقِ مِنْ هَذَا السَّهْمِ الذُّكُورُ وَالإِْنَاثُ، لأَِنَّ الْقَرَابَةَ تَشْمَلُهُمْ، وَلِحَدِيثِ جُبَيْرٍ السَّابِقِ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ ﵁ كَانَ يَأْخُذُ مَعَهُمْ أُمَّهُ صَفِيَّةَ عَمَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي النَّسَائِيِّ أَنَّهُ ﷺ أَسْهَمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِصَفِيَّةَ، وَكَانَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا يَدْفَعُ لِلسَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا مِنْ هَذَا السَّهْمِ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ - أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَ ذَوِي الْقُرْبَى لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، لأَِنَّهُ سَهْمٌ اسْتُحِقَّ بِقَرَابَةِ الأَْبِ شَرْعًا فَفُضِّل فِيهِ الذَّكَرُ عَلَى الأُْنْثَى كَالْمِيرَاثِ، وَيُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ وَمِيرَاثَ وَلَدِ الأُْمِّ، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ اسْتُحِقَّتْ بِقَوْل الْمُوصِي، وَمِيرَاثَ وَلَدِ الأُْمِّ اسْتُحِقَّ بِقَرَابَةِ الأُْمِّ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ وَمَا نُقِل عَنِ الْمُزَنِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ يُسَوَّى بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، لأَِنَّهُمْ أُعْطُوا بِاسْمِ الْقَرَابَةِ وَالذَّكَرُ

стр. 11921

وَالأُْنْثَى فِيهَا سَوَاءٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَصَّى لِقَرَابَةِ فُلاَنٍ أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْجَدَّ يَأْخُذُ مَعَ الأَْبِ، وَابْنَ الاِبْنِ يَأْخُذُ مِنَ الاِبْنِ، وَهَذَا يَدُل عَلَى مُخَالَفَةِ الْمَوَارِيثِ، وَلأَِنَّهُ سَهْمٌ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ لِجَمَاعَةٍ فَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى كَسَائِرِ سِهَامِهِ. وَيَسْتَوِي فِي الاِسْتِحْقَاقِ - عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ - الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ لاِسْتِوَائِهِمْ فِي الْقَرَابَةِ فَأَشْبَهَ الْمِيرَاثَ. وَغَنِيُّ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَفَقِيرُهُمْ فِي الاِسْتِحْقَاقِ مِنْ هَذَا السَّهْمِ سَوَاءٌ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ وَلاَ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعْطِي أَقَارِبَهُ كُلَّهُمْ وَفِيهِمُ الأَْغْنِيَاءُ كَالْعَبَّاسِ ﵁ وَكَانَ مِنْ أَغْنِيَاءِ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يُنْقَل تَخْصِيصُ الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ، وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى الزُّبَيْرَ سَهْمًا، وَأُمَّهُ سَهْمًا، وَفَرَسَهُ سَهْمَيْنِ (١) وَإِنَّمَا أَعْطَى أُمَّهُ مِنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى وَقَدْ كَانَتْ مُوسِرَةً وَلَهَا مَوَالٍ وَأَمْوَالٌ، وَلأَِنَّهُ مَالٌ مُسْتَحَقٌّ بِالْقَرَابَةِ فَاسْتَوَى فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ

стр. 11922

كَالْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ لِلأَْقَارِبِ، وَلأَِنَّ عُثْمَانَ وَجُبَيْرًا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا طَلَبَا حَقَّهُمَا مِنْهُ وَسَأَلاَ عَنْ عِلَّةِ مَنْعِهِمَا وَمَنْعِ قَرَابَتِهِمَا وَهُمَا مُوسِرَانِ فَعَلَّلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِنُصْرَةِ بَنِي الْمُطَّلِبِ دُونَهُمْ وَكَوْنِهِمْ مَعَ بَنِي هَاشِمٍ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَلَوْ كَانَ الْيَسَارُ مَانِعًا وَالْفَقْرُ شَرْطًا لَمْ يَطْلُبَا مَعَ عَدَمِهِ، وَلَعَلَّل النَّبِيُّ ﷺ مَنْعَهُمَا بِيَسَارِهِمَا وَانْتِفَاءِ فَقْرِهِمَا. وَقِيل: لاَ حَقَّ فِي هَذَا السَّهْمِ لِغَنِيٍّ قِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ السِّهَامِ. (١) ٣ - سَهْمٌ لِلْيَتَامَى: وَهُمُ الَّذِينَ مَاتَ آبَاؤُهُمْ وَلَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ، فَإِنْ بَلَغُوا الْحُلُمَ لَمْ يَكُونُوا يَتَامَى لِحَدِيثِ: لاَ يُتْمَ بَعْدَ احْتِلاَمٍ. (٢) وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ. أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لاِسْتِحْقَاقِ الْيَتِيمِ مِنْ هَذَا السَّهْمِ أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا، لأَِنَّ لَفْظَ الْيَتِيمِ يُشْعِرُ بِالْحَاجَةِ، وَلأَِنَّ اغْتِنَاءَهُ بِمَال أَبِيهِ إِذَا مَنَعَ اسْتِحْقَاقَهُ فَاغْتِنَاؤُهُ بِمَالِهِ أَوْلَى بِمَنْعِهِ. وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ ابْنُ قُدَامَةَ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ لاِسْتِحْقَاقِ الْيَتِيمِ مِنْ هَذَا السَّهْمِ أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا

стр. 11923

لِشُمُول لَفْظِ الْيَتِيمِ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَلأَِنَّ عُمُومَ الآْيَةِ يَشْمَل الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لاِسْتِحْقَاقِ الْيَتِيمِ الإِْسْلاَمَ، فَلاَ يُعْطَى أَيْتَامُ الْكُفَّارِ مِنْ هَذَا السَّهْمِ شَيْئًا، لأَِنَّهُ مَالٌ أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ فَلاَ يُرْجَعُ إِلَيْهِمْ، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَنْدَرِجُ فِي تَفْسِيرِ الْيَتِيمِ: وَلَدُ الزِّنَى وَاللَّقِيطِ وَالْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ. (١) ٤ - سَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ: وَهُمْ أَهْل الْحَاجَةِ، وَيَدْخُل فِيهِمُ الْفُقَرَاءُ، فَالْمَسَاكِينُ وَالْفُقَرَاءُ فِي الاِسْتِحْقَاقِ مِنْ هَذَا السَّهْمِ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَفِي الزَّكَاةِ صِنْفَانِ لأَِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ لَفْظَيْهِمَا بِوَاوِ الْعَطْفِ فِي آيَةِ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، وَفَرَّقَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - فِي بَابِ الزَّكَاةِ - بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ فَقَالُوا: الْفَقِيرُ: مَنْ لاَ مَال لَهُ وَلاَ كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ، وَالْمِسْكِينُ: مَنْ لَهُ مَالٌ أَوْ كَسْبٌ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَلاَ يَكْفِيهِ (٢) . ٥ - سَهْمٌ لاِبْنِ السَّبِيل: وَقَدِ اخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي تَعْرِيفِ ابْنِ السَّبِيل الَّذِي يَسْتَحِقُّ مِنْ هَذَا السَّهْمِ وَمِنَ الزَّكَاةِ. وَانْظُرْ تَفْصِيل الْقَوْل فِي ابْنِ السَّبِيل مُصْطَلَحَ: (زَكَاةٌ) . وَاخْتَلَفَ الرَّأْيُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي

стр. 11924

تَعْمِيمِ الْمُسْتَحِقِّينَ أَصْحَابِ السِّهَامِ الأَْرْبَعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ بِالْعَطَاءِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يَعُمَّ الْمُسْتَحِقِّينَ مِنْ سِهَامِ ذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل بِالْعَطَاءِ إِنْ وَفَّى الْمَال، نَعَمْ يُجْعَل مَا فِي كُل إِقْلِيمٍ لِسَاكِنِيهِ، فَإِنْ عَدِمَهُ بَعْضُ الأَْقَالِيمِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَعْضِهَا شَيْءٌ، أَوْ لَمْ يَسْتَوْعِبْهُمْ بِأَنْ لَمْ يَفِ بِمَنْ فِيهِ إِنْ وُزِّعَ عَلَيْهِمْ نُقِل إِلَيْهِمْ بِقَدْرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَنْقُول إِلَيْهِمْ وَغَيْرِهِمْ، وَلاَ يَجُوزُ الاِقْتِصَارُ عَلَى ثَلاَثَةٍ مِنْ كُل صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ هَذِهِ السِّهَامِ الأَْرْبَعَةِ كَمَا يَقُول بَعْضُهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُفَاضَل بَيْنَ الْيَتَامَى، وَبَيْنَ الْمَسَاكِينِ، وَبَيْنَ أَبْنَاءِ السَّبِيل، لأَِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ بِالْحَاجَةِ فَتُرَاعَى حَاجَتُهُمْ، بِخِلاَفِ ذَوِي الْقُرْبَى فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ بِالْقَرَابَةِ، فَإِنْ كَانَ الْحَاصِل يَسِيرًا لاَ يَسُدُّ مَسَدًّا بِالتَّوْزِيعِ قُدِّمَ الأَْحْوَجُ فَالأَْحْوَجُ وَلاَ يُسْتَوْعَبُ، لِلضَّرُورَةِ، وَتَصِيرُ الْحَاجَةُ مُرَجَّحَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَبَرَةً فِي الاِسْتِحْقَاقِ. وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ: يُخَصُّ أَهْل كُل نَاحِيَةٍ بِخُمُسِ مَغْزَاهَا، لِمَا يَلْحَقُ فِي نَقْلِهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَلأَِنَّهُ يَتَعَذَّرُ تَعْمِيمُ أَصْحَابِ السِّهَامِ بِهِ فَلَمْ يَجِبْ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالصَّحِيحُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - أَنَّهُ لاَ يَجِبُ التَّعْمِيمُ لأَِنَّهُ يَتَعَذَّرُ.

стр. 11925

وَمَنْ فُقِدَ مِنْ هَذِهِ الأَْصْنَافِ أُعْطِيَ الْبَاقُونَ نَصِيبَهُ. (١) وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِيمَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ وَصْفٍ، أَوْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الاِسْتِحْقَاقِ مِنَ الْخُمُسِ: فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ وَصْفَانِ أُخِذَ بِأَحَدِهِمَا بِاخْتِيَارِهِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَزْوًا جَازَ الأَْخْذُ بِهِمَا. (٢) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ اجْتَمَعَ فِي وَاحِدٍ أَسْبَابٌ كَالْمِسْكِينِ إِذَا كَانَ يَتِيمًا وَابْنَ سَبِيلٍ، اسْتَحَقَّ بِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لأَِنَّهَا أَسْبَابٌ لأَِحْكَامٍ، فَوَجَبَ أَنْ نُثْبِتَ أَحْكَامَهَا كَمَا لَوِ انْفَرَدَتْ، فَلَوْ أَعْطَاهُ لِيُتْمِهِ فَزَال فَقْرُهُ لَمْ يُعْطَ لِفَقْرِهِ شَيْئًا. (٣) الْقَوْل الثَّانِي: ٩ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُقْسَمُ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ ثَلاَثَةَ أَسْهُمٍ: لِلْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ (وَيَشْمَلُونَ الْفُقَرَاءَ) وَأَبْنَاءِ السَّبِيل. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ (٤)

стр. 11926

وَقَالُوا: إِنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى لِلتَّبَرُّكِ فِي افْتِتَاحِ الْكَلاَمِ إِذِ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلأَِنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ لَمْ يُفْرِدُوا هَذَا السَّهْمَ وَلَمْ يُنْقَل عَنْهُمْ، وَأَمَّا سَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يَسْتَحِقُّهُ بِالرِّسَالَةِ كَمَا كَانَ يَسْتَحِقُّ الصَّفِيَّ مِنَ الْمَغْنَمِ، فَسَقَطَا بِمَوْتِهِ جَمِيعًا، وَقَدْ قَال ﷺ : إِنَّهُ لاَ يَحِل لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قَدْرُ هَذِهِ إِلاَّ الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ. (١) وَكَذَلِكَ الأَْئِمَّةُ الْمَهْدِيُّونَ لَمْ يُفْرِدُوهُ بَعْدَهُ ﵊، وَلَوْ بَقِيَ بَعْدَهُ أَوِ اسْتَحَقَّهُ غَيْرُهُ لَصَرَفُوهُ إِلَيْهِ. وَأَمَّا سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِقُّونَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالنُّصْرَةِ وَبَعْدَهُ بِالْفَقْرِ، لِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " الَّذِي سَبَقَ " وَهُوَ يَدُل عَلَى أَنَّ الاِسْتِحْقَاقَ كَانَ بِالنُّصْرَةِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ قُرْبُ النُّصْرَةِ لاَ قُرْبُ النَّسَبِ، وَلأَِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ قَسَمُوهُ عَلَى ثَلاَثَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَفَى بِهِمْ قُدْوَةً. وَقَالُوا: إِنَّمَا يُعْطَى مِنَ الْخُمُسِ مَنْ كَانَ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى عَلَى صِفَةِ الأَْصْنَافِ الثَّلاَثَةِ لِقَوْلِهِ ﵊: يَا بَنِي هَاشِمٍ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِهَ لَكُمْ أَوْسَاخَ النَّاسِ، وَعَوَّضَكُمْ عَنْهَا

стр. 11927

بِخُمُسِ الْخُمُسِ (١) وَالصَّدَقَةُ إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، لأَِنَّهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى أَغْنِيَائِهِمْ وَأَغْنِيَاءِ غَيْرِهِمْ، فَيَكُونُ خُمُسُ الْخُمُسِ لِمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ يُنْكِحُ مِنْهُ أَيِّمَهُمْ، وَيَقْضِي مِنْهُ غَارِمَهُمْ، وَيَخْدِمُ مِنْهُ عَائِلَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَقَالُوا: إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لاَ سَهْمَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَسَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ سَقَطَ، وَسَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى يَسْتَحِقُّونَهُ بِالْفَقْرِ، لَمْ يَبْقَ إِلاَّ الأَْصْنَافُ الثَّلاَثَةُ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ وَابْنُ السَّبِيل فَوَجَبَ أَنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِمْ، وَيَدْخُل ذَوُو الْقُرْبَى فِيهِمْ إِذَا كَانُوا بِصِفَتِهِمْ. وَقَالُوا: يُشْتَرَطُ لاِسْتِحْقَاقِ الْيَتِيمِ أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا، لأَِنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الأَْصْنَافِ الثَّلاَثَةِ فِي

стр. 11928

الْخُمُسِ احْتِيَاجٌ بِيُتْمٍ، أَوْ مَسْكَنَةٍ، أَوْ كَوْنِهِ ابْنَ سَبِيلٍ، فَلاَ يَجُوزُ الصَّرْفُ لِغَنِيِّهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ مَصَارِفُ لاَ مُسْتَحِقُّونَ حَتَّى إِنَّهُ لَوْ صُرِفَ إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَازَ (١) . الْقَوْل الثَّالِثُ: ١٠ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَضَعُ الإِْمَامُ الْخُمُسَ إِنْ شَاءَ فِي بَيْتِ الْمَال، أَوْ يَصْرِفُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ شِرَاءِ سِلاَحٍ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ شَاءَ قَسَمَهُ فَيَدْفَعُهُ لآِل النَّبِيِّ ﷺ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، أَوْ يَجْعَل بَعْضَهُ فِيهِمْ وَبَقِيَّتَهُ فِي غَيْرِهِمْ. فَالْخُمُسُ مَوْكُولٌ إِلَى نَظَرِ الإِْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، وَيُعْطِي الْقَرَابَةَ بِاجْتِهَادِهِ وَيَصْرِفُ الْبَاقِيَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِهِ قَال الْخُلَفَاءُ الأَْرْبَعَةُ وَبِهِ عَمِلُوا، وَعَلَيْهِ يَدُل قَوْلُهُ ﷺ : مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلاَّ الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ (٢) فَإِنَّهُ لَمْ يَقْسِمْهُ أَخْمَاسًا وَلاَ أَثْلاَثًا، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الآْيَةِ مَنْ ذُكِرَ عَلَى وَجْهِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِمْ لأَِنَّهُمْ أَهَمُّ مَنْ يُدْفَعُ إِلَيْهِ، قَال الزَّجَّاجُ مُحْتَجًّا لِمَالِكٍ: قَال اللَّهُ : ﴿يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ قُل مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَْقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ

стр. 11929

السَّبِيل﴾ (١) وَجَائِزٌ لِلرَّجُل بِإِجْمَاعٍ أَنْ يُنْفِقَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الأَْصْنَافِ إِذَا رَأَى ذَلِكَ. وَذَكَرَ النَّسَائِيُّ عَنْ عَطَاءٍ قَال: خُمُسُ اللَّهِ وَخُمُسُ رَسُولِهِ وَاحِدٌ، (٢) كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَحْمِل مِنْهُ وَيُعْطِي مِنْهُ، وَيَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ، وَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ (٣) . الْقَوْل الرَّابِعُ: ١١ - قَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَسَهْمٌ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ وَسَهْمٌ لِذَوِي الْقُرْبَى، وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى، وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَسَهْمٌ لاِبْنِ السَّبِيل، وَذَلِكَ لِظَاهِرِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. . .﴾ الآْيَةَ، فَعَدَّ سِتَّةً، وَجَعَل تَعَالَى لِنَفْسِهِ سَهْمًا سَادِسًا وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ أَهْل الْحَاجَةِ. (٤) الْقَوْل الْخَامِسُ: ١٢ - قَال أَبُو الْعَالِيَةِ: سَهْمُ اللَّهِ هُوَ أَنَّ الإِْمَامَ إِذَا عَزَل الْخُمُسَ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَيْهِ فَمَا

стр. 11930

قَبَضَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ جَعَلَهُ لِلْكَعْبَةِ، ثُمَّ يَقْسِمُ بَقِيَّةَ السَّهْمِ عَلَى خَمْسَةٍ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَوْلُهُ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُؤْتَى بِالْغَنِيمَةِ فَيَقْسِمُهَا عَلَى خَمْسَةٍ، تَكُونُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ لِمَنْ شَهِدَهَا، ثُمَّ يَأْخُذُ الْخُمُسَ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ فِيهِ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ الَّذِي قَبَضَ كَفُّهُ فَيَجْعَلُهُ لِلْكَعْبَةِ، وَهُوَ سَهْمُ اللَّهِ، ثُمَّ يَقْسِمُ مَا بَقِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ فَيَكُونُ سَهْمٌ لِلرَّسُول، وَسَهْمٌ لِذِي الْقُرْبَى، وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى، وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ وَسَهْمٌ لاِبْنِ السَّبِيل، قَال: وَالَّذِي جَعَلَهُ لِلْكَعْبَةِ هُوَ السَّهْمُ الَّذِي لِلَّهِ. (١) ثَانِيًا: الْفَيْءُ: ١٣ - الْفَيْءُ مَصْدَرُ فَاءَ إِذَا رَجَعَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٢) أَيْ تَرْجِعَ. وَالْفَيْءُ فِي الاِصْطِلاَحِ: الْمَال - وَنَحْوُهُ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ - الْحَاصِل لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْكُفَّارِ مِمَّا هُوَ لَهُمْ بِلاَ قِتَالٍ وَلاَ إِيجَافِ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ. (٣) وَيَشْمَل الْفَيْءُ: مَا جَلاَ عَنْهُ الْكُفَّارُ،

стр. 11931

وَمَا أَخَذَهُ الْعَاشِرُ مِنْهُمْ، وَالْجِزْيَةَ، وَالْخَرَاجَ، وَتَرِكَةَ ذِمِّيٍّ أَوْ نَحْوِهِ مَاتَ بِلاَ وَارِثٍ، وَتَرِكَةَ مُرْتَدٍّ مَاتَ أَوْ قُتِل عَلَى الرِّدَّةِ - عَلَى تَفْصِيلٍ فِي الْمَذَاهِبِ - وَمَا أُخِذَ مِنْ مَال تَغْلِبِيٍّ وَتَغْلِبِيَّةٍ، وَهَدِيَّةَ الْكُفَّارِ لِلإِْمَامِ عَنْ بَعْضِهِمْ (١) . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْفَيْءِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ الْقَاضِي مِنْ رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ الْفَيْءَ لاَ يُخَمَّسُ، وَمَحَلُّهُ بَيْتُ مَال الْمُسْلِمِينَ وَيَصْرِفُهُ الإِْمَامُ بِاجْتِهَادِهِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَسَدِّ الثُّغُورِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ، وَكِفَايَةِ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ وَالْقُضَاةِ وَالْعُمَّال، وَرِزْقِ الْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيِّهِمْ وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَبْدَأُ بِآل النَّبِيِّ ﷺ نَدْبًا. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ الْخِرَقِيُّ مِنْ رِوَايَتَيْ أَحْمَدَ: يُخَمَّسُ الْفَيْءُ، وَخُمُسُهُ لأَِصْحَابِ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ - وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُمْ - وَالأَْخْمَاسُ الأَْرْبَعَةُ لِلْمُرْتَزِقَةِ، وَهُمُ الأَْجْنَادُ الْمُرْصَدُونَ لِلْجِهَادِ. . فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخِرَقِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ. وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهَا تُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلاَ يَخْتَصُّ بِهَا الْمُرْتَزِقَةُ (٢) . وَلِمَزِيدٍ مِنَ التَّفْصِيل يُنْظَرُ: (فَيْءٌ) .

стр. 11932

ثَالِثًا: السَّلَبُ: ١٤ - السَّلَبُ: ثِيَابُ الْقَتِيل - مِنَ الْكُفَّارِ - وَسِلاَحُهُ، وَمَرْكُوبُهُ وَمَا عَلَيْهِ وَمَعَهُ مِنْ قُمَاشٍ، وَمَالٍ (عَلَى تَفْصِيلٍ وَاخْتِلاَفٍ) . وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّ السَّلَبَ - إِنِ اسْتَحَقَّهُ الْقَاتِل - لاَ يُخَمَّسُ، لِمَا رَوَى عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِل وَلَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ (١) وَلِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ قَتَل قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ (٢) فَهُوَ بِعُمُومِهِ يَقْتَضِي أَنَّ السَّلَبَ كُلَّهُ لِلْقَاتِل وَلَوْ خُمِّسَ لَمْ يَكُنْ كُلُّهُ لَهُ. وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - وَهُوَ مَا حَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَمَكْحُولٍ - أَنَّ السَّلَبَ يُخَمَّسُ فَيُدْفَعُ خُمُسُهُ لأَِهْل الْفَيْءِ، وَالْبَاقِي لِلْقَاتِل، لِعُمُومِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. . .﴾

стр. 11933

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا لَمْ يُنَفَّل بِالسَّلَبِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ يُخَمَّسُ، وَلاَ يَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِل لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لَيْسَ لِلْمَرْءِ إِلاَّ مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِهِ (١) فَإِذَا جَعَل الإِْمَامُ السَّلَبَ لِلْقَاتِل انْقَطَعَ حَقُّ الْبَاقِينَ عَنْهُ، وَلاَ يُخَمَّسُ السَّلَبُ إِلاَّ أَنْ يَقُول: مَنْ قَتَل قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ بَعْدَ الْخُمُسِ، فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ. وَقَال إِسْحَاقُ: إِنِ اسْتَكْثَرَ الإِْمَامُ السَّلَبَ خَمَّسَهُ وَذَلِكَ إِلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ سِيرِينَ أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ بَارَزَ مَرْزُبَانَ الزَّارَةِ بِالْبَحْرَيْنِ فَطَعَنَهُ فَدَقَّ صُلْبَهُ وَأَخَذَ سِوَارَيْهِ وَسَلَبَهُ، فَلَمَّا صَلَّى عُمَرُ الظُّهْرَ أَتَى أَبَا طَلْحَةَ فِي دَارِهِ فَقَال: إِنَّا كُنَّا لاَ نُخَمِّسُ السَّلَبَ، وَإِنَّ سَلَبَ الْبَرَاءِ قَدْ بَلَغَ مَالاً وَأَنَا خَامِسُهُ، فَكَانَ أَوَّل سَلَبٍ خُمِّسَ فِي الإِْسْلاَمِ سَلَبَ الْبَرَاءِ، رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي السُّنَنِ، وَفِيهَا أَنَّ سَلَبَ الْبَرَاءِ بَلَغَ ثَلاَثِينَ أَلْفًا. (٢) رَابِعًا: الرِّكَازُ: ١٥ - الرِّكَازُ: الْمَدْفُونُ فِي الأَْرْضِ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ رَكَزَ إِذَا أَخْفَى، يُقَال: رَكَزَ الرُّمْحَ إِذَا غَرَزَ أَسْفَلَهُ فِي الأَْرْضِ، وَمِنْهُ الرِّكْزُ وَهُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ

стр. 11934

قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ (١) وَالْوَاجِبُ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال:. وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ (٢) . وَلِبَيَانِ الْوَاجِبِ فِي الرِّكَازِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْمَعَادِنِ وَالْكُنُوزِ، وَالشُّرُوطِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الْوُجُوبُ مِنْ حَيْثُ طَبِيعَةُ الدَّفْنِ، وَصِفَتُهُ، وَمَوْضِعُهُ وَمَصْرِفُ الْخُمُسِ، وَمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ. يُنْظَرُ: (زَكَاةٌ، رِكَازٌ، مَعْدِنٌ، كَنْزٌ) .

стр. 11935

خُنْثَى التَّعْرِيفُ: ١ - الْخُنْثَى فِي اللُّغَةِ: الَّذِي لاَ يَخْلُصُ لِذَكَرٍ وَلاَ أُنْثَى، أَوِ الَّذِي لَهُ مَا لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا مِنَ الْخَنَثِ، وَهُوَ اللِّينُ وَالتَّكَسُّرُ، يُقَال: خَنَّثْتُ الشَّيْءَ فَتَخَنَّثَ، أَيْ: عَطَّفْتُهُ فَتَعَطَّفَ، وَالاِسْمُ الْخُنْثُ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مَنْ لَهُ آلَتَا الرِّجَال وَالنِّسَاءِ، أَوْ مَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُمَا أَصْلاً، وَلَهُ ثُقْبٌ يَخْرُجُ مِنْهُ الْبَوْل (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْمُخَنَّثُ: ٢ - الْمُخَنَّثُ بِفَتْحِ النُّونِ: هُوَ الَّذِي يُشْبِهُ الْمَرْأَةَ فِي اللِّينِ وَالْكَلاَمِ وَالنَّظَرِ وَالْحَرَكَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ ضَرْبَانِ.

стр. 11936

أَحَدُهُمَا: مَنْ خُلِقَ كَذَلِكَ، فَهَذَا لاَ إِثْمَ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ خِلْقَةً، بَل يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ فِي حَرَكَاتِهِنَّ وَكَلاَمِهِنَّ (١) ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَتِ الأَْحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِلَعْنِهِ. فَالْمُخَنَّثُ لاَ خَفَاءَ فِي ذُكُورِيَّتِهِ بِخِلاَفِ الْخُنْثَى. أَقْسَامُ الْخُنْثَى: يَنْقَسِمُ الْخُنْثَى إِلَى مُشْكِلٍ وَغَيْرِ مُشْكِلٍ: أ - الْخُنْثَى غَيْرُ الْمُشْكِل: ٣ - مَنْ يَتَبَيَّنُ فِيهِ عَلاَمَاتُ الذُّكُورَةِ أَوِ الأُْنُوثَةِ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ رَجُلٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، فَهَذَا لَيْسَ بِمُشْكِلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ فِيهِ خِلْقَةٌ زَائِدَةٌ، أَوِ امْرَأَةٌ فِيهَا خِلْقَةٌ زَائِدَةٌ، وَحُكْمُهُ فِي إِرْثِهِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ حُكْمُ مَا ظَهَرَتْ عَلاَمَاتُهُ فِيهِ. ب - الْخُنْثَى الْمُشْكِل: ٤ - هُوَ مَنْ لاَ يَتَبَيَّنُ فِيهِ عَلاَمَاتُ الذُّكُورَةِ أَوِ الأُْنُوثَةِ، وَلاَ يُعْلَمُ أَنَّهُ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ تَعَارَضَتْ فِيهِ الْعَلاَمَاتُ ، فَتَحَصَّل مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُشْكِل نَوْعَانِ: نَوْعٌ لَهُ آلَتَانِ، وَاسْتَوَتْ فِيهِ الْعَلاَمَاتُ، وَنَوْعٌ لَيْسَ لَهُ وَاحِدَةٌ مِنَ الآْلَتَيْنِ وَإِنَّمَا لَهُ ثُقْبٌ. (٢)

стр. 11937

مَا يَتَحَدَّدُ بِهِ نَوْعُ الْخُنْثَى: ٥ - يَتَبَيَّنُ أَمْرُ الْخُنْثَى قَبْل الْبُلُوغِ بِالْمَبَال، وَذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْخُنْثَى قَبْل الْبُلُوغِ إِنْ بَال مِنَ الذَّكَرِ فَغُلاَمٌ، وَإِنْ بَال مِنَ الْفَرْجِ فَأُنْثَى، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِل عَنِ الْمَوْلُودِ لَهُ قُبُلٌ وَذَكَرٌ، مِنْ أَيْنَ يُورَثُ؟ قَال يُورَثُ مِنْ حَيْثُ يَبُول (١) وَرُوِيَ ﵊ أُتِيَ بِخُنْثَى مِنَ الأَْنْصَارِ، فَقَال: وَرِّثُوهُ مِنْ أَوَّل مَا يَبُول مِنْهُ (٢) . وَلأَِنَّ مَنْفَعَةَ الآْلَةِ عِنْدَ الاِنْفِصَال مِنَ الأُْمِّ خُرُوجُ الْبَوْل، وَمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَافِعِ يَحْدُثُ بَعْدَهَا، وَإِنْ بَال مِنْهُمَا جَمِيعًا فَالْحُكْمُ لِلأَْسْبَقِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَسَائِرِ أَهْل الْعِلْمِ.

стр. 11938

وَإِنِ اسْتَوَيَا فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى اعْتِبَارِ الْكَثْرَةِ، وَحُكِيَ هَذَا عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ، لأَِنَّ الْكَثْرَةَ مَزِيَّةٌ لإِِحْدَى الْعَلاَمَتَيْنِ، فَيُعْتَبَرُ بِهَا كَالسَّبْقِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فَهُوَ حِينَئِذٍ مُشْكِلٌ، إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ قَال: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْكَثْرَةِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ كَيْلاً أَوْ وَزْنًا، فَإِذَا بَال مَرَّتَيْنِ مِنَ الْفَرْجِ وَمَرَّةً مِنَ الذَّكَرِ دَل عَلَى أَنَّهُ أُنْثَى، وَلَوْ كَانَ الَّذِي نَزَل مِنَ الذَّكَرِ أَكْثَر كَيْلاً أَوْ وَزْنًا. وَيَرَى بَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لاَ عِبْرَةَ بِالْكَثْرَةِ، لأَِنَّ الْكَثْرَةَ لَيْسَتْ بِدَلِيلٍ عَلَى الْقُوَّةِ، لأَِنَّ ذَلِكَ لاِتِّسَاعِ الْمَخْرَجِ وَضِيقِهِ، لاَ لأَِنَّهُ هُوَ الْعُضْوُ الأَْصْلِيُّ، وَلأَِنَّ نَفْسَ الْخُرُوجِ دَلِيلٌ بِنَفْسِهِ، فَالْكَثِيرُ مِنْ جِنْسِهِ لاَ يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ كَالشَّاهِدَيْنِ وَالأَْرْبَعَةِ، وَقَدِ اسْتَقْبَحَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ فَقَال: وَهَل رَأَيْتَ قَاضِيًا يَكِيل الْبَوْل بِالأَْوَاقِي؟ ٦ - وَأَمَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَيَتَبَيَّنُ أَمْرُهُ بِأَحَدِ الأَْسْبَابِ الآْتِيَةِ: إِنْ خَرَجَتْ لِحْيَتُهُ، أَوْ أَمْنَى بِالذَّكَرِ، أَوْ أَحْبَل امْرَأَةً، أَوْ وَصَل إِلَيْهَا، فَرَجُلٌ، وَكَذَلِكَ ظُهُورُ الشَّجَاعَةِ وَالْفُرُوسِيَّةِ، وَمُصَابَرَةِ الْعَدُوِّ دَلِيلٌ عَلَى رُجُولِيَّتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ نَقْلاً عَنِ الإِْسْنَوِيِّ. وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ ثَدْيٌ وَنَزَل مِنْهُ لَبَنٌ أَوْ حَاضَ، أَوْ أَمْكَنَ وَطْؤُهُ، فَامْرَأَةٌ، وَأَمَّا الْوِلاَدَةُ فَهِيَ تُفِيدُ

стр. 11939

الْقَطْعَ بِأُنُوثَتِهِ، وَتُقَدَّمُ عَلَى جَمِيعِ الْعَلاَمَاتِ الْمُعَارِضَةِ لَهَا. وَأَمَّا الْمَيْل، فَإِنَّهُ يُسْتَدَل بِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الإِْمَارَاتِ السَّابِقَةِ، فَإِنْ مَال إِلَى الرِّجَال فَامْرَأَةٌ، وَإِنْ مَال إِلَى النِّسَاءِ فَرَجُلٌ، وَإِنْ قَال أَمِيل إِلَيْهِمَا مَيْلاً وَاحِدًا، أَوْ لاَ أَمِيل إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَمُشْكِلٌ. (١) قَال السُّيُوطِيُّ: وَحَيْثُ أُطْلِقَ الْخُنْثَى فِي الْفِقْهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُشْكِل. (٢) أَحْكَامُ الْخُنْثَى الْمُشْكِل: ٧ - الضَّابِطُ الْعَامُّ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْخُنْثَى الْمُشْكِل أَنَّهُ يُؤْخَذُ فِيهِ بِالأَْحْوَطِ وَالأَْوْثَقِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَلاَ يُحْكَمُ بِثُبُوتِ حُكْمٍ وَقَعَ الشَّكُّ فِي ثُبُوتِهِ. وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل بَعْضِ الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْخُنْثَى. عَوْرَتُهُ: ٨ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ عَوْرَةَ الْخُنْثَى كَعَوْرَةِ الْمَرْأَةِ حَتَّى شَعْرُهَا النَّازِل عَنِ الرَّأْسِ خَلاَ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَلاَ يَكْشِفُ الْخُنْثَى لِلاِسْتِنْجَاءِ

стр. 11940

وَلاَ لِلْغُسْل عِنْدَ أَحَدٍ أَصْلاً، لأَِنَّهَا إِنْ كَشَفَتْ عِنْدَ رَجُلٍ احْتَمَل أَنَّهَا أُنْثَى، وَإِنْ كَشَفَتْ عِنْدَ أُنْثَى، احْتَمَل أَنَّهُ ذَكَرٌ. وَأَمَّا ظَهْرُ الْكَفِّ فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهَا عَوْرَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْقَدَمَانِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَصَوْتُهَا عَلَى الرَّاجِحِ، وَذِرَاعَاهَا عَلَى الْمَرْجُوحِ (١) . وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَسْتَتِرُ سَتْرَ النِّسَاءِ فِي الصَّلاَةِ وَالْحَجِّ بِالأَْحْوَطِ، فَيَلْبَسُ مَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ. (٢) وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَالْخُنْثَى عِنْدَهُمْ كَالرَّجُل فِي ذَلِكَ، لأَِنَّ سَتْرَ مَا زَادَ عَلَى عَوْرَةِ الرَّجُل مُحْتَمَلٌ، فَلاَ يُوجَبُ عَلَيْهِ أَمْرٌ مُحْتَمَلٌ وَمُتَرَدِّدٌ. (٣) نَقْضُ وُضُوئِهِ بِلَمْسِ فَرْجِهِ: ٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِلَمْسِ الْفَرْجِ مُطْلَقًا (٤) وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوُضُوءَ يُنْقَضُ بِلَمْسِ الْخُنْثَى فَرْجَهُ (٥) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّ فَرْجَيْهِ جَمِيعًا. (٦)
следующие страницы →