← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 12251–12290 · переход к 12256.

стр. 12251

وَلاَ يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَقْصُودُ إِلاَّ بِتَقَاصُرِ الْعَقْدِ عَنْ مَرْتَبَةِ الْقُوَّةِ، وَالاِسْتِعْصَاءِ عَنِ الْفَسْخِ. وَهَذَا التَّقَاصُرُ سَبِيلُهُ أَنْ يَظَل الْعَقْدُ غَيْرَ لاَزِمٍ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْخِيَارُ. ثَانِيًا: الآْثَارُ الْفَرْعِيَّةُ: انْتِقَال الْمِلْكِ ١٧ - هَذَا الأَْثَرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ عَلَى رَأْيَيْنِ: الرَّأْيُ الأَْوَّل: فِقْدَانُ الأَْثَرِ: وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ - فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ - (وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ) (١) . وَعَلَى هَذَا يَنْتَقِل الْمِلْكُ إِلَى الْمُشْتَرِي مَعَ وُجُودِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ. وَلاَ أَثَرَ لَهُ عَلَى نَفَاذِ الْعَقْدِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لاَ يَتَوَقَّفُ، كَمَا لاَ أَثَرَ لَهُ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ، فَهُوَ يُنْتِجُ أَحْكَامَهُ كُلَّهَا - مَعَ بَقَائِهِ قَابِلاً لِلْفَسْخِ - خِلاَل الْمَجْلِسِ إِلَى حُصُول مَا يُنْهِي الْخِيَارَ مِنْ تَفَرُّقٍ أَوْ تَخَايُرٍ. الرَّأْيُ الثَّانِي: تَقْيِيدُ النَّفَاذِ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ - فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ مِنْ ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ - أَنَّ لِلْخِيَارِ أَثَرًا فِي نَفَاذِ أَحْكَامِ الْعَقْدِ، فَهُوَ يُعْتَبَرُ مَوْقُوفًا مُرَاعًى مِنْ حَيْثُ انْتِقَال

стр. 12252

الْمِلْكِ، فَلاَ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِلْمُشْتَرِي وَلاَ لِلْبَائِعِ، بَل يُنْتَظَرُ، فَإِنْ تَمَّ الْعَقْدُ، حُكِمَ بِأَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَإِلاَّ فَقَدْ بَانَ أَنَّهُ مِلْكُ الْبَائِعِ لَمْ يَزُل عَنْ مِلْكِهِ. وَهَكَذَا يَكُونُ الثَّمَنُ مَوْقُوفًا (١) . وَاسْتَدَل أَصْحَابُ الرَّأْيِ الأَْوَّل (الْقَائِل بِانْتِقَال الْمِلْكِ) بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ، أَهَمُّهَا الاِسْتِدْلاَل بِالسُّنَّةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ ﵊: مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ (٢) وَحَدِيثُ: مَنْ بَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ. (٣) وَجْهُ الدَّلاَلَةِ فِيهِمَا: أَنَّهُ جَعَل الْمَال الْمُصَاحِبَ لِلْعَبْدِ، وَالثَّمَرَةَ لِلْمُبْتَاعِ بِمُجَرَّدِ اشْتِرَاطِهِ، وَاسْتَدَلُّوا مِنْ وُجُوهِ الْمَعْقُول، بِأَنَّ الْبَيْعَ مَعَ وُجُودِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ بَيْعٌ صَحِيحٌ، فَيَنْتَقِل الْمِلْكُ فِي أَثَرِهِ، وَلأَِنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكٌ، فَيَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ فِيهِ لاَ يُنَافِيهِ (٤) .

стр. 12253

أَمَّا أَصْحَابُ الرَّأْيِ الثَّانِي (الْقَائِل بِأَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْخِيَارُ، فَيُعْرَفُ كَيْفَ كَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ) وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الْخِيَارَ (كَخِيَارِ الشَّرْطِ مَثَلاً) إِذَا ثَبَتَ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ لَمْ يَنْتَقِل الْمِلْكُ فِي الْعِوَضَيْنِ، وَإِذَا ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ انْتَقَل الْمِلْكُ فِيهِمَا، فَإِذَا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْعَاقِدَيْنِ (وَذَلِكَ مَا يَحْصُل فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ) فَإِنَّ مُقْتَضَى ثُبُوتِهِ لِلْبَائِعِ عَدَمُ انْتِقَال الْمِلْكِ، وَمُقْتَضَى ثُبُوتِهِ لِلْمُشْتَرِي انْتِقَالُهُ، فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّوَقُّفِ وَالْمُرَاعَاةِ (التَّرَقُّبِ) إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْخِيَارُ بِالتَّفَرُّقِ، أَوِ التَّخَايُرِ، أَوْ غَيْرِهِمَا (١) . أَثَرُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ عَلَى الْعَقْدِ بِخِيَارِ شَرْطٍ: ١٨ - لاَ أَثَرَ لِخِيَارِ الْمَجْلِسِ عَلَى خِيَارِ الشَّرْطِ، فَإِنَّ مُدَّةَ خِيَارِ الشَّرْطِ تُحْسَبُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ الْوَاقِعِ فِيهِ الشَّرْطُ. هَذَا إِذَا كَانَ خِيَارُ الشَّرْطِ قَدِ اشْتُرِطَ فِي الْعَقْدِ، أَمَّا إِنِ اشْتُرِطَ فِي الْمَجْلِسِ فَإِنَّ الْمُدَّةَ تُحْسَبُ مِنْ حِينِ الشَّرْطِ (٢) .

стр. 12254

خِيَارُ الْمُرَابَحَةِ انْظُرْ: بَيْعُ الأَْمَانَةِ خِيَارُ الْمُسْتَرْسِل انْظُرْ: بَيْعُ الأَْمَانَةِ خِيَارُ الْمُوَاضَعَةِ انْظُرْ: بَيْعُ الأَْمَانَةِ خِيَارُ النَّجْشِ انْظُرْ: بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ

стр. 12255

خِيَارُ النَّقْدِ التَّعْرِيفُ ١ - سَبَقَ تَعْرِيفُ الْخِيَارِ. أَمَّا النَّقْدُ فَمِنْ مَعَانِيهِ لُغَةً: الإِْعْطَاءُ وَالْقَبْضُ، يُقَال: نَقَدْتُ الرَّجُل الدَّرَاهِمَ، فَانْتَقَدَهَا بِمَعْنَى أَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا فَقَبَضَهَا. وَخِيَارُ النَّقْدِ اصْطِلاَحًا هُوَ: (حَقٌّ يَشْتَرِطُهُ الْعَاقِدُ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الْفَسْخِ لِعَدَمِ النَّقْدِ) (١) . وَلَهُ صُورَتَانِ: ١ - التَّعَاقُدُ وَاشْتِرَاطُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا لَمْ يَنْقُدَ الثَّمَنَ إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَلاَ عَقْدَ بَيْنَهُمَا. وَمُسْتَعْمِل الْخِيَارِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ هُوَ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَتْ فَائِدَتُهُ الْكُبْرَى لِلْبَائِعِ. وَقَدْ وَصَفُوا هَذِهِ الصُّورَةَ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ (خِيَارِ الشَّرْطِ) لِلْمُشْتَرِي. ٢ - التَّعَاقُدُ ثُمَّ قِيَامُ الْمُشْتَرِي بِالنَّقْدِ مَعَ الاِتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ إِذَا رَدَّ الْعِوَضَ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَلاَ عَقْدَ بَيْنَهُمَا. وَمُسْتَعْمِل الْخِيَارِ هُنَا هُوَ الْبَائِعُ، وَهُوَ

стр. 12256

وَحْدَهُ الْمُنْتَفِعُ بِالْخِيَارِ. وَهَذِهِ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ ذَاتُ شَبَهٍ تَامٍّ بِبَيْعِ الْوَفَاءِ مِمَّا جَعَل بَعْضَهُمْ يُدْخِل بَيْعَ الْوَفَاءِ فِي خِيَارِ النَّقْدِ، وَهُوَ قَوْل الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ بِكَذَا بِشَرْطِ أَنِّي مَتَى رَدَدْتُ إِلَيْكَ الثَّمَنَ فِي مَوْعِدِ كَذَا تَرُدَّ إِلَيَّ الْمَبِيعَ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ (خِيَارِ الشَّرْطِ) لِلْبَائِعِ (١) . مَشْرُوعِيَّتُهُ: ٢ - أَثْبَتَ هَذَا الْخِيَارَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ، إِلاَّ زُفَرَ بْنَ الْهُذَيْل. وَقَال بِهِ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ، وَقَال بِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ مُحْتَجًّا بِأَثَرِ عُمَرَ فِيهِ. وَخَالَفَ فِي هَذَا الْخِيَارِ الشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ، وَزُفَرُ (٢) . وَاسْتَدَل مُثْبِتُو هَذَا الْخِيَارِ بِالْقِيَاسِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ وَوُجُوهٍ مِنَ الْمَعْقُول. أَمَّا الْقِيَاسُ فَهُوَ مَقِيسٌ عَلَى خِيَارِ الشَّرْطِ لاِتِّحَادِ الْعِلَّةِ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ التَّرَوِّي. فَهَاهُنَا

стр. 12257

يَتَرَوَّى الْبَائِعُ أَيَحْصُل لَهُ الثَّمَنُ أَمْ لاَ. وَكَذَلِكَ يَتَرَوَّى الْمُشْتَرِي أَيُنَاسِبُهُ الْبَيْعُ أَمْ لاَ، فَيَسْتَرِدُّ مَا نَقَدَ (بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ مَعَ الْبَائِعِ) (١) . وَأَمَّا آثَارُ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ رُوِيَ الأَْخْذُ بِهِ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي الْمُصَنَّفِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ أَثْبَتَهُ، وَقَضَى بِهِ شُرَيْحٌ فِي وَاقِعَةٍ، وَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ جَاءَ بِالثَّمَنِ مِنَ الْغَدِ فَاخْتَصَمَا إِلَى شُرَيْحٍ فَقَال: أَنْتَ أَخْلَفْتَهُ (٢) . وَاحْتَجُّوا لَهُ مِنْ وُجُوهِ الْمَعْقُول بِدَاعِي الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، كَالْحَاجَةِ إِلَى خِيَارِ الشَّرْطِ، لِلتَّرَوِّي مِنَ الْمُشْتَرِي فِي مَعْرِفَةِ قُدْرَتِهِ عَلَى النَّقْدِ، وَمِنَ الْبَائِعِ لِيَتَأَمَّل هَل يَصِل إِلَيْهِ الثَّمَنُ فِي الْمُدَّةِ تَحَرُّزًا عَنِ الْمُمَاطَلَةِ مِنَ الْعَاقِدِ الآْخَرِ (٣) . وَاسْتَدَل مَنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذَا الْخِيَارَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطِ خِيَارٍ، بَل هُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، لأَِنَّهُ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ شَرْطًا مُطْلَقًا وَعَلَّقَ فَسْخَهُ عَلَى غَرَرٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَقَدَ بَيْعًا مَثَلاً بِشَرْطِ أَنَّهُ إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ الْيَوْمَ فَلاَ بَيْعَ بَيْنَنَا. وَاحْتَجَّ زُفَرُ لِنَفْيِهِ بِقِيَاسٍ آخَرَ هُوَ أَنَّهُ بَيْعٌ شُرِطَتْ فِيهِ إِقَالَةٌ فَاسِدَةٌ لِتَعَلُّقِهَا بِالشَّرْطِ، وَاشْتِرَاطُ الإِْقَالَةِ الصَّحِيحَةِ فِي الْبَيْعِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ فَكَيْفَ بِاشْتِرَاطِ الْفَاسِدَةِ؟ (٤)

стр. 12258

وَمَا ذَكَرَهُ زُفَرُ هُوَ الْقِيَاسُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْكَاسَانِيُّ أَنَّ ثُبُوتَ خِيَارِ النَّقْدِ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ، فَهُوَ جَائِزٌ بِالاِسْتِحْسَانِ، وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّ الْبَيْعَ الَّذِي فِيهِ خِيَارُ النَّقْدِ هُوَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ بِجَامِعِ التَّعْلِيقِ فِي كِلَيْهِمَا، كُل مَا فِي الأَْمْرِ اخْتِلاَفُ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُرُورَ الْمُدَّةِ دُونَ فَسْخٍ أَوْ مُرُورَهَا دُونَ نَقْدٍ. وَلاَ يُمْنَعُ ثُبُوتُهُ بِالْقِيَاسِ (أَوْ بِالدَّلاَلَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى مِنْهُ) أَنَّهُ ثَبَتَ اسْتِحْسَانًا عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ، فَالْمُرَادُ قِيَاسُهُ عَلَى خِيَارِ الشَّرْطِ وَكِلاَهُمَا ثَبَتَا عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ، أَيْ مُخَالِفَيْنِ لِلأُْصُول الْعَامَّةِ الْقَاضِيَةِ بِلُزُومِ الْعَقْدِ كَأَصْلٍ ثَابِتٍ. صَاحِبُ الْخِيَارِ: ٣ - يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْخِيَارِ الْمُشْتَرِيَ أَوِ الْبَائِعَ بِحَسَبِ الصُّورَةِ الَّتِي اشْتُرِطَ فِيهَا، فَإِذَا ظَهَرَ بِعِبَارَةٍ (عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا نَقَدَ فِي الْمُدَّةِ، وَإِلاَّ فَلاَ بَيْعَ) فَصَاحِبُهُ هُوَ الْمُشْتَرِي، لأَِنَّهُ هُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنَ الْفَسْخِ بِعَدَمِ النَّقْدِ. وَأَمَّا إِنْ ظَهَرَ بِعِبَارَةِ (إِنْ رَدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ خِلاَل الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ) فَصَاحِبُ الْخِيَارِ هُوَ الْبَائِعُ، وَرَدُّهُ الثَّمَنَ تَصَرُّفٌ مِنْهُ بِالْفَسْخِ. وَفَائِدَةُ الْبَائِعِ مِنْ هَذَا الْخِيَارِ أَكْثَرُ مِنَ الْمُشْتَرِي لأَِنَّهُ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي،

стр. 12259

أَمْ كَانَ الْبَائِعُ صَاحِبَ الْخِيَارِ، لاِنْتِفَاعِهِ بِحُصُول الْفَسْخِ إِذَا مَطَل الْمُشْتَرِي (١) . مُدَّةُ خِيَارِ النَّقْدِ: ٤ - لَمْ تَتَّفِقَ الآْرَاءُ الْفِقْهِيَّةُ فِي مُدَّتِهِ، بَل اخْتَلَفَتْ، أُسْوَةً بِالْخِلاَفِ الْوَاقِعِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ؛ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، مَعَ بَعْضِ الْمُغَايَرَةِ نَظَرًا لِثُبُوتِ خِيَارِ الشَّرْطِ بِالنَّصِّ وَثُبُوتِ هَذَا الْخِيَارِ بِالاِجْتِهَادِ، وَالآْرَاءُ فِي مُدَّتِهِ هِيَ: ١ - التَّفْوِيضُ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ: فَلَهُمَا أَنْ يُحَدِّدَا الأَْمَدَ الَّذِي يَرَيَانِ فِيهِ مَصْلَحَتَهُمَا، وَلَوْ زَادَ عَنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَحْدَهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَدْ جَرَى عَلَى مُوجِبِ قَوْلِهِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ، وَعَلَيْهِ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ. ٢ - التَّحْدِيدُ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ مَا يُقَارِبُهَا: وَلَيْسَ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَا مُدَّةً زَائِدَةً. فَالتَّحْدِيدُ بِالثَّلاَثِ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبِهِ أَبِي يُوسُفَ (وَقَدْ خَالَفَ صَنِيعَهُ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ لِتَفْرِيقِهِ بَيْنَهُمَا، لِوُرُودِ آثَارٍ فِيهِ بِمَا فَوْقَ الثَّلاَثِ، وَبَقِيَ خِيَارُ النَّقْدِ عَلَى أَصْل الْمَنْعِ) وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَأَمَّا التَّحْدِيدُ بِمَا يُقَارِبُ الثَّلاَثَ عَلَى أَنْ لاَ يُجَاوِزَ الْعِشْرِينَ يَوْمًا فَهُوَ قَوْل مَالِكٍ. هَذَا، وَإِنِ اشْتُرِطَ مَا يَزِيدُ عَنِ الثَّلاَثِ،

стр. 12260

عَلَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، يُنْظَرُ إِنْ نَقَدَ فِي الثَّلاَثِ جَازَ، وَإِلاَّ فَسَدَ الْبَيْعُ وَلَمْ يَنْفَسِخْ، كَمَا حَقَّقَهُ ظَهِيرُ الدِّينِ، وَأَقَرَّ ذَلِكَ ابْنُ الْهُمَامِ وَابْنُ عَابِدِينَ. وَقَدْ جَعَلُوا ذَلِكَ قَيْدًا مُوَضِّحًا لِلْمُرَادِ مِنْ عِبَارَةِ (فَلاَ بَيْعَ بَيْنَنَا) فِي صُورَتَيْ خِيَارِ النَّقْدِ، فَإِنَّهَا بِظَاهِرِهَا تَقْتَضِي الاِنْفِسَاخَ بَعْدَ النَّقْدِ أَوْ بِالرَّدِّ بَعْدَ النَّقْدِ، لَكِنَّهُمْ حَمَلُوا الْمُرَادَ عَلَى أَنَّهُ لِلْفَسَادِ، أَيْ يَسْتَحِقُّ الْفَسْخَ وَيُمْكِنُ انْقِلاَبُهُ صَحِيحًا إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ فَسَادُهُ، كَمَا فِي النَّقْدِ قَبْل انْقِضَاءِ الأَْيَّامِ الثَّلاَثَةِ (١) . سُقُوطُهُ وَانْتِقَالُهُ: ٥ - خِيَارُ النَّقْدِ يُمَاثِل خِيَارَ الشَّرْطِ فِي أَسْبَابِ السُّقُوطِ وَأَحْكَامِهِ، وَكَذَلِكَ انْتِقَالُهُ، فَهُوَ لاَ يُورَثُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أُسْوَةً بِخِيَارِ الشَّرْطِ (أَصْلُهُ) (٢) ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (خِيَارُ الشَّرْطِ) . صُورَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ خِيَارِ النَّقْدِ (بَيْعُ الْوَفَاءِ) . ٦ - جَعَل ابْنُ نُجَيْمٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ الْمَكَانَ الأَْنْسَبَ لِبَحْثِ بَيْعِ الْوَفَاءِ هُوَ خِيَارُ النَّقْدِ، وَعَلَّل ذَلِكَ بِأَنَّ بَيْعَ الْوَفَاءِ مِنْ أَفْرَادِ مَسْأَلَةِ خِيَارِ النَّقْدِ. لَكِنَّ صَاحِبَ الْحَاشِيَةِ عَلَى كِتَابِهِ ابْنَ عَابِدِينَ لَمْ

стр. 12261

يَرْتَضِ ذَلِكَ التَّعْلِيل حَيْثُ نَقَل عَنِ " النَّهْرِ " أَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ أَفْرَادِهِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْل بِفَسَادِ بَيْعِ الْوَفَاءِ إِنْ زَادَ عَلَى الثَّلاَثِ، لاَ عَلَى الْقَوْل بِصِحَّتِهِ، إِذْ خِيَارُ النَّقْدِ مُقَيَّدٌ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَبَيْعُ الْوَفَاءِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِهَا، فَأَنَّى يَكُونُ مِنْ أَفْرَادِهِ؟ (١) ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعُ الْوَفَاءِ) . خِيَارُ الْهَلاَكِ انْظُرْ: بَيْعٌ خِيَاطَةٌ انْظُرْ: أَلْبِسَةٌ خَيْطٌ انْظُرْ: أَلْبِسَةٌ

стр. 12262

خِيَانَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْخِيَانَةُ وَالْخَوْنُ لُغَةً: أَنْ يُؤْتَمَنَ الإِْنْسَانُ فَلاَ يَنْصَحُ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (١) وَنَقِيضُ الْخِيَانَةِ الأَْمَانَةُ (٢) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْغِشُّ: ٢ - الْغِشُّ لُغَةً: نَقِيضُ النُّصْحِ، وَقَدْ غَشَّهُ يَغُشُّهُ غِشًّا، تَرَكَ نُصْحَهُ وَزَيَّنَ لَهُ غَيْرَ الْمَصْلَحَةِ. وَاصْطِلاَحًا: هُوَ تَدْلِيسٌ يَرْجِعُ لِذَاتِ الْمَبِيعِ، كَتَجْعِيدِ الشَّعْرِ، وَدَقِّ الثَّوْبِ، وَالْخِيَانَةُ أَعَمُّ مِنْهُ.

стр. 12263

إِذْ هِيَ تَدْلِيسٌ يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِ الْمَبِيعِ، أَوْ إِلَى صِفَتِهِ، كَأَنْ يَصِفَهُ بِصِفَاتٍ كَاذِبَةٍ، أَوْ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ، كَأَنْ يَذْكُرَ ثَمَنًا عَلَى وَجْهِ الْكَذِبِ (١) . ب - النِّفَاقُ: ٣ - النِّفَاقُ: الدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ مِنْ وَجْهٍ وَالْخُرُوجُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَالْخِيَانَةُ تُقَال فِي شَأْنِ الْعَهْدِ وَالأَْمَانَةِ، وَالنِّفَاقُ يُقَال فِي شَأْنِ الدِّينِ (٢) . ج - الْغَصْبُ وَالسَّرِقَةُ: ٤ - فَرَّقَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ الْخَائِنِ وَالسَّارِقِ وَالْغَاصِبِ، بِأَنَّ الْخَائِنَ هُوَ الَّذِي خَانَ مَا جُعِل عَلَيْهِ أَمِينًا، وَالسَّارِقُ مَنْ أَخَذَ خِفْيَةً مِنْ مَوْضِعٍ كَانَ مَمْنُوعًا مِنَ الْوُصُول إِلَيْهِ، وَرُبَّمَا قِيل كُل سَارِقٍ خَائِنٌ دُونَ عَكْسٍ، وَالْغَاصِبُ مَنْ أَخَذَ جِهَارًا مُعْتَمِدًا عَلَى قُوَّتِهِ (٣) . الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْخِيَانَةِ: ٥ - خِيَانَةُ الأَْمَانَةِ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُول وَتَخُونُوا

стр. 12264

أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) وَلِقَوْلِهِ ﷺ : آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ (٢) . وَقَدْ عَدَّ الذَّهَبِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ، الْخِيَانَةَ مِنَ الْكَبَائِرِ، ثُمَّ قَال: الْخِيَانَةُ قَبِيحَةٌ فِي كُل شَيْءٍ، لَكِنَّ بَعْضَهَا أَشَدُّ وَأَقْبَحُ مِنْ بَعْضٍ، إِذْ مَنْ خَانَكَ فِي فَلْسٍ لَيْسَ كَمَنْ خَانَكَ فِي أَهْلِكَ (٣) . الْخِيَانَةُ فِي بُيُوعِ الأَْمَانَةِ: ٦ - الأَْصْل فِي بُيُوعِ الأَْمَانَةِ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الثِّقَةِ وَالاِطْمِئْنَانِ فِي التَّعَامُل بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ: الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي (٤) . فَعَلَى الْبَائِعِ الصِّدْقُ فِي الإِْخْبَارِ عَمَّا اشْتَرَى بِهِ وَعَمَّا قَامَ بِهِ عَلَيْهِ إِنْ بَاعَ بِلَفْظِ الْقِيَامِ (٥) ، لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ ائْتَمَنَ الْبَائِعَ فِي إِخْبَارِهِ عَنِ الثَّمَنِ الأَْوَّل مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلاَ اسْتِحْلاَفٍ، فَتَجِبُ صِيَانَةُ بُيُوعِ الأَْمَانَةِ عَنِ الْخِيَانَةِ وَعَنْ سَبَبِ الْخِيَانَةِ وَالتُّهْمَةِ، لأَِنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 12265

آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُول وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) وَقَال ﵊: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا (٢) . وَالاِحْتِرَازُ عَنِ الْخِيَانَةِ وَعَنْ شُبْهَتِهَا إِنَّمَا يَحْصُل بِبَيَانِ مَا يَجِبُ بَيَانُهُ (٣) . أَمَّا حُكْمُ الْخِيَانَةِ إِذَا ظَهَرَتْ فِي بُيُوعِ الأَْمَانَةِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِيهِ خِلاَفٌ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (بَيْعُ الأَْمَانَةِ) . خِيَانَةُ عَامِل الْمُسَاقَاةِ: ٧ - الْعَامِل أَمِينٌ وَالْقَوْل قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ هَلاَكٍ وَمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خِيَانَةٍ (٤) . فَإِنْ ثَبَتَتْ خِيَانَةُ الْعَامِل بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، أَوْ يَمِينٍ مَرْدُودَةٍ، ضُمَّ إِلَيْهِ مَنْ يُشْرِفُ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَتِمَّ الْعَمَل وَلاَ تُزَال يَدُهُ، لأَِنَّ الْعَمَل حَقٌّ عَلَيْهِ وَيُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَتَعَيَّنَ سُلُوكُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَأُجْرَةُ الْمُشْرِفِ عَلَى الْعَامِل (٥) . أَمَّا إِذَا لَمْ تَثْبُتِ الْخِيَانَةُ وَلَكِنِ ارْتَابَ الْمَالِكُ فِيهِ

стр. 12266

فَإِنَّهُ يُضَمُّ إِلَيْهِ مُشْرِفٌ وَأُجْرَتُهُ حِينَئِذٍ عَلَى الْمَالِكِ (١) . هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَعْتَبِرُونَ كَوْنَ الْعَامِل سَارِقًا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ سَرِقَةِ السَّعَفِ وَالثَّمَرِ قَبْل الإِْدْرَاكِ، مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ عُذْرٌ فِي فَسْخِ الْمُسَاقَاةِ، لأَِنَّهُ يُلْزِمُ صَاحِبَ الأَْرْضِ ضَرَرًا لَمْ يَلْتَزِمْهُ فَتَنْفَسِخُ بِهِ (٢) . وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْمُسَاقَاةَ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ فَلَيْسَ لأَِحَدِ الْعَاقِدَيْنِ فَسْخُهَا بَعْدَ الْعَقْدِ دُونَ الآْخَرِ مَا لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَيْهِ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ إِذَا كَانَ الْعَامِل لِصًّا أَوْ ظَالِمًا، لَمْ يَنْفَسِخَ الْعَقْدُ بِذَلِكَ، وَلاَ يُقَامُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ بَل يُحْفَظُ مِنْهُ، لأَِنَّ فِسْقَهُ لاَ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَقَ بِغَيْرِ الْخِيَانَةِ (٣) . أَخْذُ اللُّقَطَةِ بِنِيَّةِ الْخِيَانَةِ: ٨ - مَنْ أَخَذَ اللُّقَطَةَ بِنِيَّةِ الْخِيَانَةِ وَالاِسْتِيلاَءِ يَكُونُ ضَامِنًا غَاصِبًا لَمْ يُبَرَّأْ مِنْ ضَمَانِهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهَا إِلَى صَاحِبِهَا (٤) ، وَفِي بَرَاءَةِ الْمُلْتَقِطِ بِدَفْعِ

стр. 12267

اللُّقَطَةِ إِلَى الْحَاكِمِ أَوْ رَدِّهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (لُقَطَةٌ) . خِيَانَةُ أَهْل الصَّنَائِعِ: ٩ - يُرَاعِي الْمُحْتَسِبُ أَحْوَال أَهْل الصَّنَائِعِ مِنْ حَيْثُ الأَْمَانَةُ وَالْخِيَانَةُ، فَيُقِرُّ أَهْل الثِّقَةِ وَالأَْمَانَةِ مِنْهُمْ، وَيُبْعِدُ مَنْ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ، وَيُشْهِرُ أَمْرَهُ لِئَلاَّ يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ لاَ يَعْرِفُهُ (١) . وَلَمَّا لَمْ تَدْخُل الإِْحَاطَةُ بِأَفْعَال السُّوقَةِ تَحْتَ وُسْعِ الْمُحْتَسِبِ جَازَ لَهُ أَنْ يَجْعَل لأَِهْل كُل صَنْعَةٍ عَرِّيفًا مِنْ صَالِحِ أَهْلِهَا خَبِيرًا بِصِنَاعَتِهِمْ، بَصِيرًا بِغُشُوشِهِمْ وَتَدْلِيسَاتِهِمْ، مَشْهُورًا بِالثِّقَةِ وَالأَْمَانَةِ، يَكُونُ مُشْرِفًا عَلَى أَحْوَالِهِمْ وَيُطَالِعُهُ بِأَخْبَارِهِمْ وَمَا يُجْلَبُ إِلَى سُوقِهِمْ مِنَ السِّلَعِ وَالْبَضَائِعِ، وَمَا تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ مِنَ الأَْسْعَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْسْبَابِ الَّتِي يَلْزَمُ الْمُحْتَسِبَ مَعْرِفَتُهَا (٢) . فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: اسْتَعِينُوا عَلَى كُل صَنْعَةٍ بِصَالِحِ أَهْلِهَا (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حِسْبَةٌ) .

стр. 12268

قَطْعُ يَدِ الْخَائِنِ: (١) ١٠ - لاَ تُقْطَعُ يَدُ خَائِنٍ وَلاَ خَائِنَةٍ (٢) . فَقَدْ رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ (٣) . قَال ابْنُ الْهُمَامِ: وَقَدْ حُكِيَ الإِْجْمَاعُ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ (٤) . وَلأَِنَّ الْوَاجِبَ قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ، وَالْخَائِنُ غَيْرُ سَارِقٍ لِقُصُورٍ فِي الْحِرْزِ، لأَِنَّ الْمَال قَدْ كَانَ فِي يَدِ الْخَائِنِ وَحِرْزِهِ لاَ حِرْزِ الْمَالِكِ عَلَى الْخُلُوصِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ حِرْزَهُ وَإِنْ كَانَ حِرْزَ الْمَالِكِ فَإِنَّهُ أَحْرَزَهُ بِإِيدَاعِهِ عِنْدَهُ لَكِنَّهُ حِرْزٌ مَأْذُونٌ لِلأَْخْذِ فِي دُخُولِهِ (٥) . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَطْعِ جَاحِدِ الْعَارِيَّةِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ جَاحِدَ الْعَارِيَّةِ

стр. 12269

لاَ قَطْعَ عَلَيْهِ لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ، وَلأَِنَّ الْوَاجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، وَالْجَاحِدُ غَيْرُ سَارِقٍ وَإِنَّمَا هُوَ خَائِنٌ فَأَشْبَهَ جَاحِدَ الْوَدِيعَةِ (١) . وَقَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: إِنَّ جَاحِدَ الْعَارِيَّةِ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا (٢) . وَوَجْهُ دَلاَلَةِ الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ وَاضِحَةٌ، فَإِنَّهُ ﷺ رَتَّبَ الْقَطْعَ عَلَى جَحْدِ الْعَارِيَّةِ (٣) . وَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: إِنَّ الْقَطْعَ كَانَ عَنْ سَرِقَةٍ صَدَرَتْ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ أَيْضًا مَشْهُورَةً بِجَحْدِ الْعَارِيَّةِ فَعَرَفَتْهَا عَائِشَةُ بِوَصْفِهَا الْمَشْهُورِ، فَالْمَعْنَى امْرَأَةٌ كَانَ وَصْفُهَا جَحْدَ الْعَارِيَّةِ فَسَرَقَتْ فَأَمَرَ بِقَطْعِهَا (٤) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: أَمَّا جَاحِدُ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا

стр. 12270

مِنَ الأَْمَانَاتِ فَلاَ نَعْلَمُ أَحَدًا يَقُول بِوُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَيْهِ (١) . (ر: سَرِقَةٌ: عَارِيَّةٌ) . خِيَانَةُ الْمُهَادِنِينَ: ١١ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَشْعَرَ الإِْمَامُ خِيَانَةَ الْمُهَادَنِينَ بِأَمَارَاتٍ تَدُل عَلَيْهَا، لاَ بِمُجَرَّدِ تَوَهُّمٍ، لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُمْ بَل يَنْبِذُ إِلَيْهِمُ الْعَهْدَ جَوَازًا، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٢) أَيْ أَعْلِمْهُمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ حَتَّى تَصِيرَ أَنْتَ وَهُمْ سَوَاءً فِي الْعِلْمِ، فَيُعْلِمُهُمْ بِنَقْضِ عَهْدِهِمْ وُجُوبًا قَبْل الإِْغَارَةِ عَلَيْهِمْ وَقِتَالِهِمْ، لِلآْيَةِ. وَمَتَى نَقَضَ الإِْمَامُ الْهُدْنَةَ وَفِي دَارِنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ وَجَبَ رَدُّهُمْ إِلَى مَأْمَنِهِمْ، لأَِنَّهُمْ دَخَلُوا بِأَمَانٍ فَوَجَبَ أَنْ يُرَدُّوا آمِنِينَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ حَقٌّ اسْتُوْفِيَ مِنْهُمْ كَغَيْرِهِمْ لِلْعُمُومِيَّاتِ (٣) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ اسْتَشْعَرَ الإِْمَامُ أَيْ ظَنَّ خِيَانَةَ أَهْل الْحَرْبِ قَبْل الْمُدَّةِ بِظُهُورِ أَمَارَتِهَا نَبَذَ الْعَهْدَ الْوَاقِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلَى الْمُهَادَنَةِ وَتَرَكَ الْجِهَادَ وُجُوبًا، لِئَلاَّ يُوقِعَ التَّمَادِي عَلَيْهِ فِي

стр. 12271

الْهَلَكَةِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْعَهْدُ الْمُتَيَقَّنُ بِالظَّنِّ الَّذِي ظَهَرَتْ عَلاَمَاتُهُ لِلضَّرُورَةِ. وَإِنَّمَا يُنْذِرُهُمُ الإِْمَامُ وُجُوبًا بِأَنَّهُ لاَ عَهْدَ لَهُمْ، فَإِنْ تَحَقَّقَ خِيَانَتَهُمْ نَبَذَهُ بِلاَ إِنْذَارٍ (١) . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيُجِيزُونَ لِلإِْمَامِ نَقْضَ الصُّلْحِ بَعْدَ أَنْ صَالَحَ أَهْل الْحَرْبِ مُدَّةً، وَالنَّبْذُ إِلَيْهِمْ، إِذَا رَأَى نَقْضَ الصُّلْحِ أَنْفَعَ حَتَّى لَوْ لَمْ يَسْتَشْعِرْ خِيَانَتَهُمْ لأَِنَّهُ ﵊ نَبَذَ الْمُوَادَعَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْل مَكَّةَ (٢) ، وَلأَِنَّ الْمَصْلَحَةَ لَمَّا تَبَدَّلَتْ كَانَ النَّبْذُ جِهَادًا. وَإِيفَاءُ الْعَهْدِ تَرْكُ الْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى، وَلاَ بُدَّ مِنَ النَّبْذِ تَحَرُّزًا عَنِ الْغَدْرِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْعُمُومَاتِ (٣) . وَيَنْقُل ابْنُ الْهُمَامِ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ نَبْذَ الْمُوَادَعَةِ لاَ يَتَقَيَّدُ بِخُطُورِ الْخَوْفِ، لأَِنَّ الْمُهَادَنَةَ فِي الأَْوَّل مَا صَحَّتْ، إِلاَّ لأَِنَّهَا أَنْفَعُ، فَلَمَّا تَبَدَّل الْحَال عَادَ إِلَى الْمَنْعِ (٤) . وَإِنْ بَدَءُوا بِخِيَانَةٍ قَاتَلَهُمُ الإِْمَامُ وَلَمْ يَنْبِذْ إِلَيْهِمْ

стр. 12272

إِذَا كَانَ نَقْضُ الْعَهْدِ بِاتِّفَاقِهِمْ، لأَِنَّهُمْ صَارُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى نَقْضِهِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (هُدْنَةٌ) . خِيَانَةُ أَهْل الذِّمَّةِ: ١٢ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ أَهْل الذِّمَّةِ إِذَا خِيفَ مِنْهُمْ الْخِيَانَةُ لَمْ يَنْبِذْ إِلَيْهِمُ الْعَهْدَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْل الْهُدْنَةِ أَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ وَجَبَ لَهُمْ، وَلِهَذَا إِذَا طَلَبُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ وَجَبَ الْعَقْدُ لَهُمْ فَلَمْ يُنْقَضْ لِخَوْفِ الْخِيَانَةِ، وَالنَّظَرُ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِهَذَا لَوْ طَلَبَ الْكُفَّارُ الْهُدْنَةَ كَانَ النَّظَرُ فِيهَا إِلَى الإِْمَامِ، إِنْ رَأَى عَقْدَهَا عَقَدَ، وَإِنْ لَمْ يَرَ عَقْدَهَا لَمْ يَعْقِدْ، فَكَانَ النَّظَرُ إِلَيْهِ فِي نَقْضِهَا عِنْدَ الْخَوْفِ؛ وَلأَِنَّ أَهْل الذِّمَّةِ فِي قَبْضَةِ الإِْمَامِ وَتَحْتَ وِلاَيَتِهِ، فَإِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُمْ خِيَانَةٌ أَمْكَنَ اسْتِدْرَاكُهَا بِخِلاَفِ أَهْل الْهُدْنَةِ فَإِنَّهُمْ خَارِجُونَ عَنْ قَبْضَةِ الإِْمَامِ، فَإِذَا ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُمْ لَمْ يُمْكِنَ اسْتِدْرَاكُهَا فَجَازَ نَقْضُهَا بِالْخَوْفِ (٢) . خِيَانَةُ الْمُسْلِمِ أَهْل الْحَرْبِ: ١٣ - مَنْ دَخَل مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ

стр. 12273

بِأَمَانٍ لَمْ يَخُنْهُمْ فِي مَالِهِمْ، لأَِنَّهُمْ إِنَّمَا أَعْطَوْهُ الأَْمَانَ مَشْرُوطًا بِتَرْكِهِ خِيَانَتَهُمْ وَتَأْمِينِهِ إِيَّاهُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِي اللَّفْظِ فَهُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمَعْنَى، وَلِذَلِكَ مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ بِأَمَانٍ فَخَانَنَا كَانَ نَاقِضًا لِعَهْدِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَمْ تَحِل لَهُ خِيَانَتُهُمْ لأَِنَّهُ غَدْرٌ وَلاَ يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ (١) . وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (أَهْل الْحَرْبِ) . خُرُوجُ الْخَائِنِ فِي الْجَيْشِ: ١٤ - يُمْنَعُ الْخَائِنُ مِنَ الْخُرُوجِ فِي الْجَيْشِ، وَهُوَ الَّذِي يَتَجَسَّسُ لِلْكُفَّارِ وَيُطْلِعُهُمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ (٣) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَيْ: (جِهَادٌ، وَتَجَسُّسٌ) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ١٥ - يَأْتِي ذِكْرُ الْخِيَانَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْبْوَابِ الْفِقْهِيَّةِ كَالْبَيْعِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ، وَاللُّقَطَةِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالْوَصَايَا، وَالْحَضَانَةِ وَالشَّهَادَةِ، وَالسِّيَرِ.

стр. 12274

خَيْلٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْخَيْل جَمَاعَةُ الأَْفْرَاسِ. وَالْخَيْل مُؤَنَّثَةٌ وَلاَ وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا، أَوْ وَاحِدُهَا خَائِلٌ، وَالْجَمْعُ خُيُولٌ وَأَخْيَالٌ، وَسُمِّيَتْ خَيْلاً لاِخْتِيَالِهَا أَيْ إِعْجَابِهَا بِنَفْسِهَا مَرَحًا. قَال بَعْضُهُمْ: وَتُطْلَقُ عَلَى الْعِرَابِ وَالْبَرَاذِينِ (١) ذُكُورِهِمَا وَإِنَاثِهِمَا، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ (٢) . وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْفُرْسَانِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ (٣) أَيْ بِفُرْسَانِكَ وَرَجَّالَتِكَ (٤) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ بِالإِْطْلاَقِ الأَْوَّل.

стр. 12275

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - حَثَّ الشَّارِعُ عَلَى اقْتِنَاءِ الْخَيْل لِلْجِهَادِ وَارْتِبَاطِهَا فِي سَبِيل اللَّهِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل﴾ (١) . وَقَال ﷺ : الْخَيْل مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (٢) . وَتُنْظَرُ الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (فَرُوسِيَّةٌ) . وَتَتَعَلَّقُ بِالْخَيْل أَحْكَامٌ مِنْهَا: زَكَاتُهَا: ٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي الْخَيْل إِلاَّ إِذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلاَمِهِ صَدَقَةٌ (٣) . وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: قَدْ عَفَوْتُ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْل وَالرَّقِيقِ (٤) . وَلأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ فَلَمْ

стр. 12276

تَجِبْ زَكَاتُهَا كَالْوُحُوشِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: الْخَيْل السَّائِمَةُ إذَا كَانَتْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَ الْكُل إنَاثًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَ الْكُل ذُكُورًا فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لاَ تَجِبُ، وَفِي مَسَائِل النَّوَادِرِ أَنَّهَا تَجِبُ (١) . وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إلَى: (زَكَاةٌ) . أَكْلُهَا: ٤ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ) أَنَّ الْخَيْل مُبَاحٌ أَكْلُهَا. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلْمَالِكِيَّةِ: إنَّ أَكْلَهَا حَلاَلٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ وَنَحْوُهُ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا (٢) ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: " أَطْعِمَةٌ " (٣) .

стр. 12277

سَهْمُهَا فِي الْغَنِيمَةِ: ٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْغَنِيمَةَ يُقْسَمُ مِنْهَا لِلْفَارِسِ ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ، سَهْمٌ لَهُ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ، وَحُسَيْنُ بْنُ ثَابِتٍ وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ. لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَسْهَمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَارِسِ ثَلاَثَةَ أَسْهُمٍ، سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ وَسَهْمًا لَهُ (١) . وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لِلْفَرَسِ سَهْمٌ وَاحِدٌ، لِمَا رَوَى مُجَمِّعُ بْنُ حَارِثَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ : قَسَمَ خَيْبَرَ عَلَى أَهْل الْحُدَيْبِيَةِ فَأَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ وَأَعْطَى الرَّاجِل سَهْمًا (٢) ، وَلأَِنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو سَهْمٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى سَهْمٍ كَالآْدَمِيِّ. وَلاَ يُسْهَمُ لأَِكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ وَاحِدٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ - وَالْمَالِكِيَّةَ، وَالشَّافِعِيَّةَ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَاتِل عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا، فَلاَ يُسْهَمُ لِمَا زَادَ عَلَيْهَا. وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ مِنَ

стр. 12278

الْحَنَفِيَّةِ، أَنَّهُ يُسْهَمُ لِفَرَسَيْنِ وَلاَ يُسْهَمُ لأَِكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. لِمَا رَوَى الأَْوْزَاعِيُّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسْهِمُ لِلْخَيْل، وَكَانَ لاَ يُسْهِمُ لِلرَّجُل فَوْقَ فَرَسَيْنِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ أَفْرَاسٍ (١) . وَلأَِنَّ بِهِ إِلَى الثَّانِي حَاجَةً، فَإِنَّ إِدَامَةَ رُكُوبِ وَاحِدٍ تُضْعِفُهُ، وَتَمْنَعُ الْقِتَال عَلَيْهِ، فَيُسْهَمُ لَهُ كَالأَْوَّل بِخِلاَفِ الثَّالِثِ فَإِنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ (٢) . وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (غَنَائِمُ) . الْمُسَابَقَةُ بَيْنَهَا: ٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ الْخَيْل سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِعِوَضٍ أَمْ بِغَيْرِهِ (٣) ، وَفِي كَيْفِيَّةِ تَحَقُّقِ السَّبْقِ بَيْنَهَا تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (رَمْيٌ، وَسَبْقٌ) . ٧ - وَبِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا سَبَقَ يَتَعَلَّقُ بِالْخَيْل مَسَائِل أُخْرَى بَحَثَهَا الْفُقَهَاءُ فِي مَوَاطِنِهَا، فَمَسْأَلَةُ إِنْزَاءِ

стр. 12279

الْحَمِيرِ عَلَيْهَا تَطَرَّقَ إِلَيْهَا الْفُقَهَاءُ فِي الزَّكَاةِ (١) ، وَطَهَارَةُ بَوْلِهَا لِلْمُجَاهِدِ أَصَابَهُ بِأَرْضِ حَرْبٍ، بُحِثَ فِي بَابِ النَّجَاسَاتِ (٢) ، وَرُكُوبُ الْمَرْأَةِ عَلَيْهَا بُحِثَ فِي مَبَاحِثِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ (٣) . وَمَنْعُ الذِّمِّيِّ مِنْ رُكُوبِهَا بُحِثَ فِي الْجِزْيَةِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ تَمْيِيزِ أَهْل الذِّمَّةِ فِي الْمَلْبَسِ (٤) ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ. خُيَلاَءُ انْظُرْ: اخْتِيَالٌ دَاتُورَةٌ انْظُرْ: مُخَدِّرٌ

стр. 12280

دَاخِلٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الدَّاخِل فِي اللُّغَةِ: فَاعِلٌ مِنْ دَخَل الشَّيْءُ دُخُولاً، وَدَاخِل الشَّيْءِ خِلاَفُ خَارِجِهِ، وَدَخَلْتُ الدَّارَ وَنَحْوَهَا دُخُولاً صِرْتَ دَاخِلَهَا، فَهِيَ حَاوِيَةٌ لَكَ (١) . وَالْمُرَادُ بِالدَّاخِل فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ: وَاضِعُ الْيَدِ عَلَى الْعَيْنِ، وَيُعَبِّرُ عَنْهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِذِي الْيَدِ، وَصَاحِبِ الْيَدِ، وَالْحَائِزِ (٢) . يَقُول الْبَعْلِيُّ الْحَنْبَلِيُّ: الدَّاخِل: مِنَ الْعَيْنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا فِي يَدِهِ (٣) . وَجَاءَ فِي الْمَجَلَّةِ فِي تَعْرِيفِ ذِي الْيَدِ: (هُوَ الَّذِي وَضَعَ يَدَهُ عَلَى عَيْنٍ بِالْفِعْل، أَوِ الَّذِي ثَبَتَ تَصَرُّفُهُ تَصَرُّفَ الْمُلاَّكِ) (٤) . وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ (الدَّاخِل) بِالْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا.

стр. 12281

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْخَارِجُ: ٢ - الْخَارِجُ خِلاَفُ الدَّاخِل. وَيُرَادُ بِهِ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ مَنْ لاَ شَيْءَ فِي يَدِهِ، بَل جَاءَ مِنَ الْخَارِجِ، وَيُنَازِعُ الدَّاخِل (١) (ذَا الْيَدِ) . فَهُوَ الْبَرِيءُ عَنْ وَضْعِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (٢) . وَيَكْثُرُ اسْتِعْمَال كَلِمَتَيِ الدَّاخِل وَالْخَارِجِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي مَبَاحِثِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ. وَإِذَا تَمَيَّزَ الدَّاخِل عَنِ الْخَارِجِ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ يَتَمَيَّزُ الْمُدَّعِي عَنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَالْخَارِجُ هُوَ الْمُدَّعِي، وَالدَّاخِل هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الأَْصْل فِي الدَّعْوَى، لأَِنَّ الدَّاخِل لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الدَّعْوَى لِوُجُودِ الْعَيْنِ فِي يَدِهِ (٣) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٣ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي الدَّعَاوَى وَتَرْجِيحِ الْبَيِّنَاتِ صُوَرًا تُرَجَّحُ فِيهَا بَيِّنَةُ الْخَارِجِ عَلَى الدَّاخِل، وَأُخْرَى تُرَجَّحُ فِيهَا بَيِّنَةُ الدَّاخِل عَلَى الْخَارِجِ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ حَال إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، نَذْكُرُ مِنْهَا الصُّوَرَ الْمَشْهُورَةَ التَّالِيَةَ مَعَ بَيَانِ أَدِلَّتِهِمْ

стр. 12282

إِجْمَالاً تَارِكِينَ التَّفْصِيل إِلَى مَوَاضِعِهِ مِنْ مُصْطَلَحَاتِ: (تَعَارُضٌ، دَعْوَى، شَهَادَةٌ) . أَوَّلاً: الْبَيِّنَةُ عَلَى دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ (١) : ٤ - إِذَا تَدَاعَى الرَّجُلاَنِ عَلَى مِلْكٍ مُطْلَقٍ بِأَنِ ادَّعَيَا مِلْكَ عَيْنٍ دُونَ سَبَبِ الْمِلْكِيَّةِ مِنَ الإِْرْثِ أَوِ الشِّرَاءِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَأَقَامَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْل عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُقْضَى بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَلاَ تُعْتَبَرُ بَيِّنَةُ الدَّاخِل (ذِي الْيَدِ) فِي مِلْكٍ مُطْلَقٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْخَارِجَ هُوَ الْمُدَّعِي، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (٢) . فَجَعَل جِنْسَ الْبَيِّنَةِ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعِي فَلاَ يَبْقَى فِي جَنْبَةِ

стр. 12283

الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ. وَلأَِنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي أَكْثَرُ فَائِدَةً، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا، كَتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيل، وَدَلِيل كَثْرَةِ فَائِدَتِهَا أَنَّهَا تُثْبِتُ سَبَبًا لَمْ يَكُنْ، وَبَيِّنَةُ الْمُنْكِرِ إِنَّمَا تُثْبِتُ ظَاهِرًا تَدُل عَلَيْهِ الْيَدُ، فَلَمْ تَكُنْ مُفِيدَةً، لأَِنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهَا رُؤْيَةَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفَ (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَأَقَامَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ (الدَّاخِل) ، لأَِنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَتَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِل بِيَدِهِ، كَالْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ مَعَ أَحَدِهِمَا قِيَاسٌ، فَيُقْضَى لَهُ بِهَا (٢) . قَال ابْنُ فَرْحُونَ: وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِل عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ عِنْدَ التَّكَافُؤِ (٣) . وَهَل يُحْكَمُ لِلدَّاخِل بِبَيِّنَةٍ مَعَ الْيَمِينِ أَوْ بِغَيْرِ الْيَمِينِ؟ قَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ بَيِّنَتِهِ فِي الأَْصَحِّ، وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الدُّسُوقِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونَ أَنَّهُ يُحْكَمُ لِلْحَائِزِ مَعَ الْيَمِينِ، وَبِهِ قَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ (٤) .

стр. 12284

ثَانِيًا: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمِلْكِ الْمُضَافِ إِلَى سَبَبٍ: ٥ - إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى عَلَى مِلْكٍ مُسْتَنِدٍ إِلَى سَبَبٍ مِنَ الإِْرْثِ، أَوِ الشِّرَاءِ، أَوْ غَيْرِهِمَا فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنِ اخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ بِاخْتِلاَفِ الصُّوَرِ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي: أ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ إِذَا كَانَ قَابِلاً لِلتَّكْرَارِ، كَالشِّرَاءِ، وَنَسْجِ ثَوْبِ الْخَزِّ، وَزَرْعِ الْحُبُوبِ وَنَحْوِهَا تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ، لِكَوْنِهَا فِي حُكْمِ دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ. إِلاَّ إِذَا ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا تَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، بِأَنْ قَال كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا: إِنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ مَثَلاً. فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِل. أَمَّا إِذَا كَانَ سَبَبُ الْمِلْكِ غَيْرَ قَابِلٍ لِلتَّكْرَارِ، كَالنِّتَاجِ، أَوْ نَسْجِ ثَوْبِ الْقُطْنِ مَثَلاً، فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِل، لأَِنَّ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَمْرٌ زَائِدٌ لاَ تَدُل عَلَيْهِ الْيَدُ فَتَعَارَضَتَا، فَتَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ بِالْيَدِ (١) . وَلِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ رَجُلاَنِ فِي دَابَّةٍ أَوْ بَعِيرٍ، فَأَقَامَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَتَهُ بِأَنَّهَا لَهُ نُتِجَهَا، فَقَضَى بِهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ لِلَّذِي فِي يَدِهِ (٢) .

стр. 12285

وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَرْجِيحُ بَيِّنَةِ الدَّاخِل (ذِي الْيَدِ) إِذَا تَسَاوَتَا فِي الْعَدَالَةِ (١) ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الدَّعْوَى فِي مِلْكٍ مُطْلَقٍ أَوْ فِي مِلْكٍ مُضَافٍ إِلَى سَبَبٍ يَتَكَرَّرُ أَوْ لاَ يَتَكَرَّرُ. وَقَال ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لاَ يَنْتَفِعُ الْحَائِزُ (الدَّاخِل) بِبَيِّنَتِهِ، وَبَيِّنَةُ الْمُدَّعِي أَوْلَى. أَمَّا إِذَا ذَكَرَتْ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ سَبَبَ الْمِلْكِ مِنْ نِتَاجٍ أَوْ زِرَاعَةٍ، وَالأُْخْرَى لَمْ تَذْكُرْ سِوَى مُجَرَّدِ الْمِلْكِ فَإِنَّهُ يُرَجَّحُ مَنْ ذَكَرَ السَّبَبَ (٢) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ (الدَّاخِل) فِي الْمِلْكِ الْمُضَافِ إِلَى سَبَبٍ أَيْضًا، كَمَا فِي الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، إِلاَّ إِذَا أَطْلَقَ الدَّاخِل دَعْوَى الْمِلْكِ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً. وَقَيَّدَهُ الْخَارِجُ بِقَوْلِهِ: (اشْتَرَيْتُهُ مِنْكَ) ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ، لِزِيَادَةِ عِلْمِهَا، لَكِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الدَّاخِل إِلاَّ بَعْدَ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي جَانِبِهِ الْيَمِينُ فَلاَ يَعْدِل عَنْهَا مَا دَامَتْ كَافِيَةً (٣) . أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلَهُمْ ثَلاَثُ رِوَايَاتٍ: الأُْولَى:

стр. 12286

وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَهُمْ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي (الْخَارِجِ) ، وَعَدَمُ سَمَاعِ بَيِّنَةِ الدَّاخِل بِحَالٍ، سَوَاءٌ أَشَهِدَتْ بِأَنَّ الْعَيْنَ لَهُ نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ، أَوْ قَطِيعَةُ الإِْمَامِ أَمْ لاَ، إِلاَّ إِذَا أَقَامَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الآْخَرِ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِل. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِل بِسَبَبِ الْمِلْكِ فَقَالَتْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ، أَوِ اشْتَرَاهَا، أَوْ نَسَجَهَا. . قُدِّمَتْ، وَإِلاَّ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي (الْخَارِجِ) . وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (الدَّاخِل) تُقَدَّمُ بِكُل حَالٍ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُسْتَنِدَةً إِلَى سَبَبٍ أَمْ عَلَى مِلْكٍ مُطْلَقٍ، لأَِنَّ جَنْبَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقْوَى، لأَِنَّ الأَْصْل مَعَهُ وَيَمِينُهُ تُقَدَّمُ عَلَى يَمِينِ الْمُدَّعِي، فَإِذَا تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ وَجَبَ إِبْقَاءُ يَدِهِ عَلَى مَا فِيهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَحَدِيثُ جَابِرٍ يَدُل عَلَى هَذَا، فَإِنَّهُ إِنَّمَا قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ لِيَدِهِ (١) . ثَالِثًا: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمِلْكِ الْمُؤَرَّخِ: ٦ - إِذَا أَقَامَ كُلٌّ مِنَ الدَّاخِل وَالْخَارِجِ بَيِّنَةً عَلَى مِلْكِ عَيْنٍ وَذَكَرَ التَّارِيخَ، فَبَيِّنَةُ مَنْ تَارِيخُهُ مُقَدَّمٌ أَوْلَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ

стр. 12287

الْحَنَابِلَةِ، مَثَلاً إِذَا ادَّعَى أَحَدٌ أَنَّ الْعَرْصَةَ الَّتِي فِي يَدِ غَيْرِهِ مَلَكَهَا هُوَ مُنْذُ سَنَةٍ، وَقَال ذُو الْيَدِ (الدَّاخِل) : إِنَّهُ مَلَكَهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ، تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ. وَإِنْ قَال الدَّاخِل: (مَلَكْتُهَا مُنْذُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ بَيِّنَةَ مَنْ يَكُونُ تَارِيخُهُ مُقَدَّمًا تُثْبِتُ الْمِلْكَ لَهُ وَقْتَ التَّارِيخِ، وَالآْخَرُ لاَ يَدَّعِيهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لاَ يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ إِلاَّ بِالتَّلَقِّي مِنْهُ، إِذِ الأَْصْل فِي الثَّابِتِ دَوَامُهُ. وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ هَذَا الأَْصْل دَعْوَى النِّتَاجِ، فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ فِيهَا أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ مُطْلَقًا، دُونَ اعْتِبَارِ التَّارِيخِ، كَمَا يَدُل عَلَيْهِ حَدِيثُ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمُ (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ كَانَتِ الْيَدُ لِمُتَقَدِّمِ التَّارِيخِ قُدِّمَتْ قَطْعًا، وَإِذَا كَانَتْ لِمُتَأَخِّرِ التَّارِيخِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تُقَدَّمُ أَيْضًا، لأَِنَّهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ فِي إِثْبَاتِ الْمِلْكِ فِي الْحَال فَيَتَسَاقَطَانِ فِيهِ، وَتَبْقَى الْيَدُ فِيهِ مُقَابِلَةَ الْمِلْكِ السَّابِقِ، وَهِيَ أَقْوَى مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمِلْكِ السَّابِقِ بِدَلِيل أَنَّهَا لاَ تُزَال بِهَا. وَفِي الْقَوْل الثَّانِي: يُرَجَّحُ السَّبْقُ، وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ: يَتَسَاوَيَانِ (٢) .

стр. 12288

وَفِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ وَلاَ اعْتِبَارَ لِلتَّارِيخِ (١) . وَهُنَاكَ صُوَرٌ وَفُرُوعٌ أُخْرَى يُرْجَعُ لِحُكْمِهَا وَأَدِلَّةِ الْفُقَهَاءِ فِيهَا فِي مُصْطَلَحَاتِ: (دَعْوَى، شَهَادَةٌ) .

стр. 12289

دَارٌ التَّعْرِيفُ ١ - الدَّارُ لُغَةً اسْمٌ جَامِعٌ لِلْعَرْصَةِ وَالْبِنَاءِ وَالْمَحَلَّةِ. وَفِي كُلِّيَّاتِ أَبِي الْبَقَاءِ: الدَّارُ اسْمٌ لِمَا يَشْتَمِل عَلَى بُيُوتٍ وَمَنَازِل وَصَحْنٍ غَيْرِ مَسْقُوفٍ. وَهِيَ مِنْ دَارَ يَدُورُ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ حَرَكَاتِ النَّاسِ فِيهَا وَاعْتِبَارًا بِدَوَرَانِهَا الَّذِي لَهَا بِالْحَائِطِ، وَجَمْعُهَا أَدْوُرٌ، وَدُورٌ، وَالْكَثِيرُ دِيَارٌ، وَهِيَ الْمَنَازِل الْمَسْكُونَةُ وَالْمَحَال. وَكُل مَوْضِعٍ حَل بِهِ قَوْمٌ فَهُوَ دَارُهُمْ، وَمِنْ هُنَا سُمِّيَتِ الْبَلْدَةُ دَارًا، وَالصَّقْعُ دَارًا. وَقَدْ تُطْلَقُ الدَّارُ عَلَى الْقَبَائِل مَجَازًا (١) . وَمَعْنَاهَا الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْتَلِفُ عَنْ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْبَيْتُ: ٢ - أَصْل الْبَيْتِ لُغَةً مَأْوَى الإِْنْسَانِ بِاللَّيْل، لأَِنَّهُ

стр. 12290

يُقَال: بَاتَ: أَيْ أَقَامَ بِاللَّيْل، كَمَا يُقَال: ظَل بِالنَّهَارِ، وَيُقَال: لِلْمَسْكَنِ بَيْتٌ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ اللَّيْل فِيهِ. وَيَقَعُ اسْمُ الْبَيْتِ عَلَى الْمُتَّخَذِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، أَوْ صُوفٍ، أَوْ وَبَرٍ، أَوْ غَيْرِهَا. وَيُعَبَّرُ عَنْ مَكَانِ الشَّيْءِ بِأَنَّهُ بَيْتُهُ، وَفِي التَّنْزِيل: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ (١) وَبَيْتُ اللَّهِ مَحَل عِبَادَتِهِ. وَالْبَيْتُ الْعَتِيقُ، وَالْبَيْتُ الْحَرَامُ هُوَ الْكَعْبَةُ أَوِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ كُلُّهُ (٢) . فَبَيْنَ الْبَيْتِ وَالدَّارِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ (٣) . ب - الْحُجْرَةُ: ٣ - الْحُجْرَةُ هِيَ الْوَاحِدَةُ مِنْ حُجَرِ الدَّارِ، وَالْجَمْعُ حُجَرٌ، وَحُجُرَاتٌ، مِثْل غُرَفٍ وَغُرُفَاتٍ (٤) . ح - الْغُرْفَةُ: ٤ - الْغُرْفَةُ: الْعُلِّيَّةُ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْحُجْرَةِ، وَالْجَمْعُ غُرَفٌ، ثُمَّ غُرُفَاتٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا (٥) .
следующие страницы →