← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 12811–12850 · переход к 12816.

стр. 12811

وَثِيقَةً وَحُجَّةً؛ لأَِنَّ الشَّهَادَةَ تَرْفَعُ الشَّكَّ وَتُزِيل الاِحْتِمَال (١) . وَمِنْ أَهَمِّ صُوَرِ التَّوْثِيقِ بِالْكِتَابَةِ: ٤٤ - أَوَّلاً: إِذَا أَمَرَ شَخْصٌ آخَرَ بِأَنْ يَكْتُبَ إِقْرَارَهُ، فَيَكُونَ هَذَا الأَْمْرُ إِقْرَارًا حُكْمًا. جَاءَ فِي " الدُّرِّ الْمُخْتَارِ ": " الأَْمْرُ بِكِتَابَةِ الإِْقْرَارِ إِقْرَارٌ حُكْمًا (٢) ، فَإِنَّهُ كَمَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ يَكُونُ بِالْبَنَانِ، فَلَوْ قَال لِلصَّكَّاكِ: اكْتُبْ خَطَّ إِقْرَارِي بِأَلْفٍ عَلَيَّ، أَوِ اكْتُبْ بَيْعَ دَارِي، أَوْ طَلاَقَ امْرَأَتِي صَحَّ (٣) ". ٤٥ - ثَانِيًا: إِنَّ قُيُودَ التُّجَّارِ - كَالصَّرَّافِ وَالْبَيَّاعِ وَالسِّمْسَارِ - الَّتِي تَكُونُ فِي دَفَاتِرِهِمُ الْمُعْتَدِّ بِهَا، وَتُبَيِّنُ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ دُيُونٍ تُعْتَبَرُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي شَكْل صَكٍّ أَوْ سَنَدٍ رَسْمِيٍّ، وَذَلِكَ

стр. 12812

لأَِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ أَنَّ التَّاجِرَ يَكْتُبُ دَيْنَهُ وَمَطْلُوبَهُ فِي دَفْتَرِهِ صِيَانَةً لَهُ مِنْ النِّسْيَانِ، وَلاَ يَكْتُبُهُ لِلَّهْوِ وَاللَّعِبِ. أَمَّا مَا يُكْتَبُ فِيهَا مِنْ دُيُونٍ لَهُمْ عَلَى النَّاسِ فَلاَ يُعْتَبَرُ وَثِيقَةً وَحُجَّةً، وَيَحْتَاجُ فِي إِثْبَاتِهَا إِلَى وَجْهٍ آخَرَ (١) . ٤٦ - ثَالِثًا: السَّنَدَاتُ وَالْوُصُولاَتُ الرَّسْمِيَّةُ تُعْتَبَرُ حُجَجًا مُعْتَمَدَةً فِي تَوْثِيقِ الدَّيْنِ وَإِثْبَاتِهِ (٢) . جَاءَ فِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ: " إِذَا كَتَبَ عَلَى وَجْهِ الصُّكُوكِ يَلْزَمُهُ الْمَال، وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ: يَقُول فُلاَنٌ الْفُلاَنِيُّ إِنَّ فِي ذِمَّتِي لِفُلاَنٍ الْفُلاَنِيِّ كَذَا وَكَذَا، فَهُوَ إِقْرَارٌ يَلْزَمُ (٣) ". ٤٧ - رَابِعًا: إِذَا أَنْكَرَ مَنْ كَتَبَ أَوِ اسْتَكْتَبَ سَنَدًا رَسْمِيًّا مَمْضِيًّا بِإِمْضَائِهِ أَوْ مَخْتُومًا بِخَتْمِهِ الدَّيْنَ الَّذِي يَحْتَوِيهِ ذَلِكَ السَّنَدُ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِخَطِّهِ وَخَتْمِهِ، فَلاَ يُعْتَبَرُ إِنْكَارُهُ، وَيَلْزَمُهُ أَدَاءُ ذَلِكَ الدَّيْنِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى إِثْبَاتٍ بِوَجْهٍ آخَرَ (٤) .

стр. 12813

أَمَّا إِذَا أَنْكَرَ خَطَّ السَّنَدِ الَّذِي أَعْطَاهُ مَرْسُومًا أَيْضًا وَقَال: إِنَّهُ لَيْسَ خَطِّي، فَيُنْظَرُ: - فَإِنْ كَانَ خَطُّهُ مَشْهُورًا وَمُتَعَارَفًا بَيْنَ الْجَارِ وَأَهْل الْبَلَدِ وَثَبَتَ أَنَّهُ خَطُّهُ، فَلاَ يُعْتَبَرُ إِنْكَارُهُ، وَيُعْمَل بِذَلِكَ السَّنَدِ بِدُونِ حَاجَةٍ لإِِثْبَاتِ مَضْمُونِهِ (١) . - أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ خَطُّهُ مَشْهُورًا وَمُتَعَارَفًا فَيُسْتَكْتَبُ، وَيُعْرَضُ خَطُّهُ عَلَى الْخُبَرَاءِ، فَإِذَا أَفَادُوا أَنَّ الْخَطَّيْنِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ، فَيُؤْمَرُ ذَلِكَ الشَّخْصُ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ الْمَذْكُورِ، وَإِلاَّ فَلاَ (٢) . ٤٨ - خَامِسًا: إِذَا أَعْطَى شَخْصٌ لآِخَرَ سَنَدًا رَسْمِيًّا يُفِيدُ أَنَّهُ مَدِينٌ لَهُ بِمَبْلَغٍ مِنَ الْمَال، ثُمَّ تُوُفِّيَ، فَيُلْزَمُ وَرَثَتُهُ بِإِيفَائِهِ مِنَ التَّرِكَةِ إِذَا اعْتَرَفُوا بِكَوْنِ السَّنَدِ لِلْمُتَوَفَّى وَلَوْ أَنْكَرُوا الدَّيْنَ. أَمَّا إِذَا أَنْكَرُوا السَّنَدَ فَيُنْظَرُ: إِنْ كَانَ خَطُّ الْمُتَوَفَّى وَخَتْمُهُ مَشْهُورًا وَمُتَعَارَفًا، وَثَبَتَ أَنَّ الْخَطَّ خَطُّهُ وَالْخَتْمَ خَتْمُهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أَدَاءُ الدَّيْنِ مِنَ التَّرِكَةِ، وَلاَ عِبْرَةَ لإِِنْكَارِهِمْ، وَإِنْ كَانَ خِلاَفَ ذَلِكَ فَلاَ يُعْمَل بِالسَّنَدِ لِوُجُودِ شُبْهَةِ التَّزْوِيرِ فِيهِ (٣) .

стр. 12814

٤٩ - سَادِسًا: إِذَا وَجَدَ الْوَارِثُ خَطًّا لِمُوَرِّثِهِ يُفِيدُ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا قَدْرُهُ كَذَا وَكَذَا لِفُلاَنٍ، فَيَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ الْعَمَل بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ وَدَفْعُ الدَّيْنِ إِلَى مَنْ هُوَ مَكْتُوبٌ بِاسْمِهِ مِنَ التَّرِكَةِ (١) . حُكْمُ التَّوْثِيقِ بِالْكِتَابَةِ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَوْثِيقِ الدَّيْنِ بِالْكِتَابَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: ٥٠ - أَحَدُهُمَا: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ أَنَّ كِتَابَةَ الدَّيْنِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً (٢) . إِذِ الأَْمْرُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ لِلإِْرْشَادِ لِمَنْ يَخْشَى ضَيَاعَ دَيْنِهِ بِالنِّسْيَانِ أَوِ الإِْنْكَارِ، حَيْثُ لاَ يَكُونُ الْمَدِينُ مَوْضِعَ ثِقَةٍ كَامِلَةٍ مِنْ دَائِنِهِ، يَدُل عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٣) وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْكِتَابَةَ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ إِذَا تَوَافَرَتِ الأَْمَانَةُ وَالثِّقَةُ بَيْنَ

стр. 12815

الْمُتَعَامِلِينَ، وَقَدْ دَرَجَ النَّاسُ مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا عَلَى عَدَمِ كِتَابَةِ الدُّيُونِ مَا دَامَتِ الثِّقَةُ قَائِمَةً بَيْنَ الْمُتَدَايِنَيْنِ، وَلَمْ يُنْقَل عَنْ فُقَهَائِهِمْ نَكِيرٌ مَعَ اشْتِهَارِ ذَلِكَ. ٥١ - وَالثَّانِي: لاِبْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَبَعْضِ السَّلَفِ: وَهُوَ أَنَّ كِتَابَةَ الدَّيْنِ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ إِذِ الأَْصْل فِي الأَْمْرِ إِفَادَةُ الْوُجُوبِ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ دَلاَلَةَ هَذَا الأَْمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ اهْتِمَامُ الآْيَةِ بِبَيَانِ مَنْ لَهُ حَقُّ الإِْمْلاَءِ وَصِفَةِ الْكَاتِبِ، وَحَثِّهِ عَلَى الاِسْتِجَابَةِ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَالْحَثِّ عَلَى كِتَابَةِ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، ثُمَّ التَّعْبِيرِ عَنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْكِتَابَةِ فِي الْمُبَادَلاَتِ النَّاجِزَةِ بِنَفْيِ الْجُنَاحِ، حَيْثُ إِنَّهُ يُشْعِرُ بِلَوْمِ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَةَ عِنْدَ تَعَامُلِهِ بِالدَّيْنِ (١) . ب - تَوْثِيقُ الدَّيْنِ بِالشَّهَادَةِ: ٥٢ - دَل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ. . .﴾ (٢) إِلَى آخِرِ الآْيَةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَوْثِيقِ الدَّيْنِ بِالشَّهَادَةِ وَأَنَّهَا وَثِيقَةٌ وَاحْتِيَاطٌ لِلدَّائِنِ؛ لأَِنَّ اسْتِشْهَادَ الشُّهُودِ أَنْفَى لِلرَّيْبِ وَأَبْقَى لِلْحَقِّ وَأَدْعَى إِلَى رَفْعِ

стр. 12816

التَّنَازُعِ وَالاِخْتِلاَفِ، وَفِي ذَلِكَ صَلاَحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مَعًا. وَبَيَّنَتِ الآْيَةُ أَنَّ نِصَابَ الشَّهَادَةِ عَلَى الدَّيْنِ هُوَ: إِمَّا رَجُلاَنِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ يُرْتَضَى مِنَ الْعُدُول الثِّقَاتِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ كَانَ وَثِيقَةً مُعْتَبَرَةً وَحُجَّةً شَرْعِيَّةً فِي إِثْبَاتِ الدَّيْنِ، وَبَيِّنَةً قَوِيَّةً يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الْقَاضِي فِي الْحُكْمِ بِهِ لِطَالِبِهِ. حُكْمُ التَّوْثِيقِ بِالشَّهَادَةِ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَوْثِيقِ الدَّيْنِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: ٥٣ - أَحَدُهُمَا: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى الدَّيْنِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ، وَقَال إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ: " وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الأَْمْنَ لاَ يَقَعُ إِلاَّ بِحَسَبِ الظَّنِّ وَالتَّوَهُّمِ لاَ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَذَلِكَ يَدُل عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا أَمَرَ بِهَا لِطُمَأْنِينَةِ قَلْبِهِ لاَ لِحَقِّ الشَّرْعِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِحَقِّ الشَّرْعِ لَمَا قَال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وَلاَ ثِقَةَ بِأَمْنِ الْعِبَادِ، إِنَّمَا الاِعْتِمَادُ عَلَى مَا يَرَاهُ الشَّرْعُ

стр. 12817

مَصْلَحَةً، فَالشَّهَادَةُ مَتَى شُرِعَتْ فِي النِّكَاحِ لَمْ تَسْقُطْ بِتَرَاضِيهِمَا وَأَمْنِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَدَل ذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ (فِي غَيْرِ النِّكَاحِ) شُرِعَتْ لِلطُّمَأْنِينَةِ؛ وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل لِتَوْثِيقِ الدُّيُونِ طُرُقًا مِنْهَا: الْكِتَابُ، وَمِنْهَا الرَّهْنُ، وَمِنْهَا الإِْشْهَادُ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الأَْمْصَارِ أَنَّ الرَّهْنَ مَشْرُوعٌ بِطَرِيقِ النَّدْبِ لاَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ، فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُهُ فِي الإِْشْهَادِ (١) ". ٥٤ - وَالثَّانِي: لِبَعْضِ السَّلَفِ: وَهُوَ أَنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى الدَّيْنِ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آيَةِ الدَّيْنِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ . الآْيَةَ (٢) ج - تَوْثِيقُ الدَّيْنِ بِالرَّهْنِ: ٥٥ - الْمُرَادُ بِالرَّهْنِ " الْمَال الَّذِي يُجْعَل وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْ ثَمَنِهِ إِنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ (٣) . . ". وَبِهَذِهِ الْوَثِيقَةِ يَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِالرَّهْنِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، فَإِذَا كَانَ عَلَى الرَّاهِنِ دُيُونٌ أُخْرَى لاَ تَفِي بِهَا أَمْوَالُهُ، وَبِيعَ الرَّهْنُ لِسَدَادِ مَا عَلَيْهِ، كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ

стр. 12818

مِنْ ثَمَنِهِ أَوَّلاً، فَإِذَا بَقِيَ شَيْءٌ فَهُوَ لِسَائِرِ الْغُرَمَاءِ (١) . حُكْمُ التَّوْثِيقِ بِالرَّهْنِ: ٥٦ - ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ تَوْثِيقَ الدَّيْنِ بِالرَّهْنِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَأَنَّ الأَْمْرَ بِهِ فِي الآْيَةِ لِلإِْرْشَادِ (٢) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: " وَالرَّهْنُ غَيْرُ وَاجِبٍ، لاَ نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لأَِنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ كَالضَّمَانِ وَالْكِتَابَةِ، وَقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٣) إِرْشَادٌ لَنَا لاَ إِيجَابٌ عَلَيْنَا، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٤) ؛ وَلأَِنَّهُ أَمَرَ بِهِ عِنْدَ إِعْوَازِ الْكِتَابَةِ، وَالْكِتَابَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَكَذَا بَدَلُهَا (٥) ". د - تَوْثِيقُ الدَّيْنِ بِالْكَفَالَةِ: ٥٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِيقَةِ كَفَالَةِ الدَّيْنِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: ١ - فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا " ضَمُّ ذِمَّةِ

стр. 12819

الْكَفِيل إِلَى ذِمَّةِ الْمَكْفُول فِي الاِلْتِزَامِ بِالدَّيْنِ، فَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِمَا جَمِيعًا، وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا (١) ". وَشَغْل الدَّيْنِ الْوَاحِدِ ذِمَّتَيْنِ عَلَى سَبِيل التَّعَلُّقِ وَالاِسْتِيثَاقِ، كَتَعَلُّقِ دَيْنِ الرَّهْنِ بِهِ وَبِذِمَّةِ الرَّاهِنِ (٢) ، وَأَنَّهُ كَفَرْضِ الْكِفَايَةِ، يَتَعَلَّقُ بِالْكُل وَيَسْقُطُ بِفِعْل الْبَعْضِ. وَتَعَلُّقُهُ هَذَا لاَ يَعْنِي تَعَدُّدَهُ؛ لأَِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ. . وَمَا التَّعَدُّدُ إِلاَّ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ تَعَلَّقَ بِهِمْ فَقَطْ (٣) . وَعَلَى هَذَا فَلاَ زِيَادَةَ فِي الدَّيْنِ؛ لأَِنَّ الاِسْتِيفَاءَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٤) . ٢ - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا " ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيل إِلَى ذِمَّةِ الْمَكْفُول فِي الاِلْتِزَامِ بِالدَّيْنِ " إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَ لِلْمَكْفُول لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْكَفِيل بِالدَّيْنِ إِلاَّ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الاِسْتِيفَاءُ مِنَ الأَْصِيل؛ لأَِنَّ الضَّمَانَ وَثِيقَةٌ، فَلاَ يُسْتَوْفَى الْحَقُّ مِنْهَا إِلاَّ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ اسْتِيفَائِهِ مِنَ الْمَدِينِ، كَالرَّهْنِ (٥) .

стр. 12820

٣ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيل إِلَى ذِمَّةِ الأَْصِيل فِي وُجُوبِ الأَْدَاءِ، لاَ فِي وُجُوبِ الدَّيْنِ؛ لأَِنَّ ثُبُوتَ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ اعْتِبَارٌ شَرْعِيٌّ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِدَلِيلٍ، وَلاَ دَلِيل عَلَى ثُبُوتِهِ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيل؛ لأَِنَّ التَّوْثِيقَ يَحْصُل بِالْمُشَارَكَةِ فِي وُجُوبِ الأَْدَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى إِيجَابِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ، كَالْوَكِيل بِالشِّرَاءِ يُطَالِبُ بِالثَّمَنِ، وَالثَّمَنُ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّل وَحْدَهُ، وَعَلَى هَذَا عَرَّفُوهَا بِأَنَّهَا " ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيل إِلَى ذِمَّةِ الأَْصِيل فِي الْمُطَالَبَةِ (١) ". ٤ - وَذَهَبَ ابْنُ أَبِي يَعْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَنْتَقِل بِالْكَفَالَةِ إِلَى ذِمَّةِ الْكَفِيل - كَمَا فِي الْحَوَالَةِ - فَلاَ يَكُونُ لِلدَّائِنِ أَنْ يُطَالِبَ الأَْصِيل (٢) . وَعَلَى أَيَّةِ حَالٍ، فَسَوَاءٌ أَكَانَتْ كَفَالَةُ الدَّيْنِ مَعْنَاهَا ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيل إِلَى ذِمَّةِ الْمَكْفُول فِي الاِلْتِزَامِ بِالدَّيْنِ، أَمْ فِي الْمُطَالَبَةِ فَقَطْ، أَمِ انْتِقَال الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةِ الْمَكْفُول إِلَى ذِمَّةِ الْكَفِيل فَإِنَّهَا تَقْتَضِي بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ الْتِزَامَ الْكَفِيل بِأَدَاءِ الدَّيْنِ إِلَى الدَّائِنِ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ الأَْصِيل، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى التَّوْثِيقِ وَفَائِدَتُهُ وَثَمَرَتُهُ.

стр. 12821

التَّصَرُّفُ فِي الدَّيْنِ: التَّصَرُّفُ فِي الدَّيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الدَّائِنِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَدِينِ. تَصَرُّفُ الدَّائِنِ: يَنْحَصِرُ تَصَرُّفُ الدَّائِنِ فِي دَيْنِهِ بِتَمْلِيكِهِ لِلْمَدِينِ أَوْ لِغَيْرِهِ بِإِحْدَى طَرَائِقِ التَّمْلِيكِ الْمَشْرُوعَةِ، سَوَاءٌ بِعِوَضٍ أَمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ. الْحَالَةُ الأُْولَى: (تَمْلِيكُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ) : يَخْتَلِفُ حُكْمُ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ بِحَسَبِ حَال الدَّيْنِ وَمَدَى اسْتِقْرَارِ مِلْكِ الدَّائِنِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الدُّيُونَ نَوْعَانِ: ٥٨ - (النَّوْعُ الأَْوَّل) مَا يَكُونُ الْمِلْكُ عَلَيْهِ مُسْتَقِرًّا: كَغَرَامَةِ الْمُتْلَفِ، وَبَدَل الْقَرْضِ، وَقِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، وَعِوَضِ الْخُلْعِ، وَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَالأُْجْرَةِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَالْمَهْرِ بَعْدَ الدُّخُول، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الدُّيُونِ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ تَمْلِيكِهِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ (١) .

стр. 12822

غَيْرَ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ اسْتَثْنَوْا مِنْ قَاعِدَةِ جَوَازِ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ لِمَنْ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ بَدَل الصَّرْفِ وَرَأْسِ مَال السَّلَمِ، فَلَمْ يُجِيزُوا التَّصَرُّفَ فِي أَيٍّ مِنْهُمَا قَبْل قَبْضِهِ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ تَفْوِيتًا لِشَرْطِ الصِّحَّةِ، وَهُوَ الْقَبْضُ فِي بَدَلَيِ الصَّرْفِ وَرَأْسِ مَال السَّلَمِ قَبْل الاِفْتِرَاقِ (١) . كَمَا اشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِصِحَّةِ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ لِمَنْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْلُوَ الْعَقْدُ مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ، فَلَوْ بَاعَ الدَّائِنُ دَيْنَهُ مِنَ الْمَدِينِ بِمَا لاَ يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ أَوْ حِنْطَةٍ بِشَعِيرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ، فَلاَ يَصِحُّ ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا قَبَضَ الدَّائِنُ الْعِوَضَ قَبْل التَّفَرُّقِ مِنَ الْمَجْلِسِ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: كُنْتُ أَبِيعُ الإِْبِل بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَأَتَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: لاَ بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا

стр. 12823

شَيْءٌ (١) . فَقَدْ شَرَطَ ﷺ الْقَبْضَ قَبْل التَّفَرُّقِ (٢) . وَعَلَى ذَلِكَ فَإِذَا قَبَضَ الدَّائِنُ الْعِوَضَ فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ الدَّيْنِ وَتَمْلِيكُهُ لاِنْتِفَاءِ الْمَانِعِ، إِذْ يَصْدُقُ عَلَى مَا ذُكِرَ أَنَّهُ تَقَابُضٌ، لِوُجُودِ الْقَبْضِ الْحَقِيقِيِّ فِي الْعِوَضِ الْمَدْفُوعِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، وَالْحُكْمِيِّ فِيمَا فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ؛ لأَِنَّهُ كَأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْهُ وَرَدَّهُ إِلَيْهِ (٣) . وَكَذَلِكَ اشْتَرَطَ جَمْعٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ انْتِفَاءَ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لِصِحَّةِ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ، حَيْثُ نَقَل أَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ رُشْدٍ وَالسُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُمْ إِجْمَاعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ غَيْرُ جَائِزٍ (٤) . وَعَلَى ذَلِكَ: أ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ صَرْفِ مَا فِي الذِّمَّةِ. فَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ

стр. 12824

دَنَانِيرُ، وَالآْخَرُ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ، فَاصْطَرَفَا بِمَا فِي ذِمَّتَيْهِمَا، فَلاَ يَصِحُّ ذَلِكَ (١) . قَال الشَّافِعِيُّ فِي " الأُْمِّ ": " وَمَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ لِرَجُلٍ، وَلِلرَّجُل عَلَيْهِ دَنَانِيرُ، فَحَلَّتْ أَوْ لَمْ تَحِل، فَتَطَارَحَاهَا صَرْفًا فَلاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ دَيْنٌ بِدَيْنٍ (٢) ". وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَتَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَتَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَقَالُوا: بِجَوَازِ صَرْفِ مَا فِي الذِّمَّةِ؛ لأَِنَّ الذِّمَّةَ الْحَاضِرَةَ كَالْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنَانِ قَدْ حَلاَّ مَعًا، فَأَقَامُوا حُلُول الأَْجَلَيْنِ فِي ذَلِكَ مَقَامَ النَّاجِزِ بِالنَّاجِزِ (٣) .

стр. 12825

ب - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ جَعْل الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ رَأْسَ مَال سَلَمٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ (١) . وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمِ وَقَالاَ: بِجَوَازِهِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ - وَهُوَ بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، أَيِ الدَّيْنِ الْمُؤَخَّرِ بِالدَّيْنِ الْمُؤَخَّرِ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (٢) . ج - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ عَلَى أَنَّ الدَّائِنَ إِذَا بَاعَ الدَّيْنَ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ أَنْ يَقْبِضَ الدَّائِنُ الْعِوَضَ قَبْل التَّفَرُّقِ مِنَ الْمَجْلِسِ، كَيْ لاَ يَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ (٣) . أَمَّا إِذَا بَاعَ الدَّيْنَ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، فَلاَ يُشْتَرَطُ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ قَبْضُ الْمُشْتَرِي،

стр. 12826

لاِنْتِفَاءِ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ. قَال الْكَاسَانِيُّ: " إِنَّ الدَّيْنَ لاَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ فُلُوسًا أَوْ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا أَوْ قِيمَةَ الْمُسْتَهْلَكِ، فَإِنْ كَانَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَاشْتَرَى بِهِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ جَازَ الشِّرَاءُ، وَقَبْضُ الْمُشْتَرِي لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ افْتِرَاقًا عَنْ عَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ فِيمَا لاَ يَتَضَمَّنُ رِبَا النَّسَاءِ، وَلاَ يَتَضَمَّنُ هَاهُنَا. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا أَوْ قِيمَةَ الْمُسْتَهْلَكِ لِمَا قُلْنَا (١) ". ٥٩ - (وَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الدُّيُونِ) مَا لاَ يَكُونُ الْمِلْكُ عَلَيْهِ مُسْتَقِرًّا: كَالْمُسْلَمِ فِيهِ وَالأُْجْرَةِ قَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ مُضِيِّ زَمَانِهَا، وَالْمَهْرُ قَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ مُضِيِّ زَمَانِهَا وَالْمَهْرُ قَبْل الدُّخُول وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الدُّيُونِ يَجُوزُ تَمْلِيكُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ إِسْقَاطًا لِلدَّيْنِ عَنِ الْمَدِينِ، وَلاَ دَلِيل عَلَى مَنْعِهِ (٢) . أَمَّا تَمْلِيكُهُ بِعِوَضٍ، فَقَدْ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ دَيْنِ السَّلَمِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ غَيْرِ الْمُسْتَقِرَّةِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: أ - دَيْنُ السَّلَمِ ٦٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ بَيْعِ الْمُسْلِمِ الدَّيْنَ

стр. 12827

الْمُسْلَمَ فِيهِ لِلْمَدِينِ، أَوِ الاِعْتِيَاضِ عَنْهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْل قَبْضِهِ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مِنْ فَسْخِ الْعَقْدِ بِسَبَبِ انْقِطَاعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَامْتِنَاعِ الاِعْتِيَاضِ عَنْهُ، فَكَانَ كَالْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلاَ يَصْرِفْهُ فِي غَيْرِهِ. (١) قَالُوا: وَهَذَا يَقْتَضِي أَلاَّ يَبِيعَ الْمُسْلِمُ دَيْنَ السَّلَمِ لاَ مِنْ صَاحِبِهِ وَلاَ مِنْ غَيْرِهِ (٢) . وَالثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَصَحَّحَهُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمُ، وَهُوَ جَوَازُ بَيْعِ الْعَرَضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْل قَبْضِهِ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ بِثَمَنِ الْمِثْل أَوْ دُونِهِ، لاَ أَكْثَرَ مِنْهُ (٣) .

стр. 12828

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ مِنَ الْمَدِينِ وَالاِعْتِيَاضِ عَنْهُ إِذَا كَانَ بِسِعْرِ الْمِثْل أَوْ دُونَهُ بِعَدَمِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ، إِذِ الْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَل بِهِ الْمَانِعُونَ مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلاَ يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ ضَعِيفٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ، وَحَتَّى لَوْ صَحَّ، فَإِنَّ مَعْنَى فَلاَ يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ أَنْ لاَ يَصْرِفَهُ إِلَى سَلَمٍ آخَرَ، أَوْ لاَ يَبِيعَهُ بِمُعَيَّنٍ مُؤَجَّلٍ، وَذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَحَل النِّزَاعِ. قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: " فَثَبَتَ أَنَّهُ لاَ نَصَّ فِي التَّحْرِيمِ وَلاَ إِجْمَاعَ وَلاَ قِيَاسَ، وَأَنَّ النَّصَّ وَالْقِيَاسَ يَقْتَضِيَانِ الإِْبَاحَةَ (١) ". أَمَّا عَدَمُ جَوَازِ الاِعْتِيَاضِ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَلأَِنَّ دَيْنَ السَّلَمِ مَضْمُونٌ عَلَى الْبَائِعِ، وَلَمْ يَنْتَقِل إِلَى ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ بِزِيَادَةٍ، فَقَدْ رَبِحَ رَبُّ السَّلَمِ فِيمَا لَمْ يَضْمَنْ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ (٢) . ٦١ - (ب) الدُّيُونُ الَّتِي لَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُ الدَّائِنِ

стр. 12829

عَلَيْهَا لِعَدَمِ قَبْضِ الْمَدِينِ الشَّيْءَ الْمُقَابِل لَهَا، كَالأُْجْرَةِ قَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ مُضِيِّ زَمَانِهَا، وَكَالْمَهْرِ قَبْل الدُّخُول وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الدُّيُونُ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَمْلِيكِهَا مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ عَلَى قَوْلَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) لِلْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهَا غَيْرُ تَامٍّ (١) . وَالثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ جَوَازُ بَيْعِهَا مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ، كَالدُّيُونِ الَّتِي اسْتَقَرَّ مِلْكُ الدَّائِنِ عَلَيْهَا، إِذْ لاَ فَرْقَ بَيْنَهَا (٢) . الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: (تَمْلِيكُ الدُّيُونِ لِغَيْرِ الْمَدِينِ) : ٦٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ (٣) .

стр. 12830

وَالثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِعِوَضٍ أَمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ. كَأَنْ يَقُول شَخْصٌ لآِخَرَ: وَهَبْتُكَ مَا لِي مِنْ دَيْنٍ عَلَى فُلاَنٍ فَيَقْبَل. أَوْ يَقُول لَهُ: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ كَذَا بِمَا لِيَ مِنْ دَيْنٍ عَلَى فُلاَنٍ، فَيَقْبَل أَوْ يَقُول لَهُ: اسْتَأْجَرْتُ مِنْكَ كَذَا بِالدَّيْنِ الثَّابِتِ لِي فِي ذِمَّةِ فُلاَنٍ، فَيَقْبَل. فَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لأَِنَّ الْوَاهِبَ أَوِ الْمُشْتَرِيَ أَوِ الْمُسْتَأْجِرَ يَهَبُ أَوْ يَبِيعُ مَا لَيْسَ فِي يَدِهِ، وَلاَ لَهُ مِنَ السُّلْطَةِ شَرْعًا مَا يُمَكِّنُهُ مِنْ قَبْضِهِ مِنْهُ، فَكَانَ بَيْعًا لِشَيْءٍ لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، إِذْ رُبَّمَا مَنَعَهُ الْمَدِينُ أَوْ جَحَدَهُ، وَذَلِكَ غَرَرٌ فَلاَ يَجُوزُ (١) . وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ قَاعِدَةِ عَدَمِ جَوَازِ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ ثَلاَثَ حَالاَتٍ (٢) : الأُْولَى: إِذَا وَكَّل الدَّائِنُ الشَّخْصَ الَّذِي

стр. 12831

مَلَّكَهُ الدَّائِنُ فِي قَبْضِ ذَلِكَ الدَّيْنِ مِنْ مَدِينِهِ، فَيَصِحُّ ذَلِكَ، وَيَقْبِضُ الدَّيْنَ مِنَ الْمَدِينِ بِاعْتِبَارِهِ وَكِيلاً عَنِ الدَّائِنِ، وَبِمُجَرَّدِ الْقَبْضِ يَصِيرُ قَابِضًا لِنَفْسِهِ، وَتَنْتَقِل مَلَكِيَّةُ الدَّيْنِ إِلَيْهِ. وَالثَّانِيَةُ: إِذَا أَحَال الدَّائِنُ الشَّخْصَ الَّذِي مَلَّكَهُ الدَّيْنَ عَلَى مَدِينِهِ، فَيَصِحُّ ذَلِكَ، وَيَقْبِضُ الدَّيْنَ مِنَ الْمَدِينِ بِاعْتِبَارِهِ مُحَالاً مِنَ الدَّائِنِ عَلَيْهِ، وَبِمُجَرَّدِ الْقَبْضِ تَنْتَقِل مَلَكِيَّةُ الدَّيْنِ إِلَيْهِ. وَالثَّالِثَةُ: الْوَصِيَّةُ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ بِالدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهَا تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَيَنْتَقِل الْمِلْكُ فِيهِ كَمَا يَنْتَقِل بِالإِْرْثِ. وَالثَّالِثُ: لِلشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ - صَحَّحَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ كَالشِّيرَازِيِّ فِي الْمُهَذَّبِ وَالنَّوَوِيِّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ وَأَفْتَى بِهِ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ وَغَيْرُهُ - وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ سَائِرِ الدُّيُونِ - عَدَا دَيْنِ السَّلَمِ - لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُهَا لِلْمَدِينِ وَلاَ فَرْقَ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا وَالْمَدِينُ مُقِرًّا مَلِيئًا أَوْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ لاَ كُلْفَةَ فِي إِقَامَتِهَا. وَذَلِكَ لاِنْتِفَاءِ الْغَرَرِ النَّاشِئِ عَنْ عَدَمِ قُدْرَةِ الدَّائِنِ عَلَى تَسْلِيمِ الدَّيْنِ إِلَيْهِ (١) .

стр. 12832

وَكَمَا اشْتُرِطَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ إِذَا كَانَ بِمَا لاَ يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً - كَالرِّبَوِيَّاتِ بِبَعْضِهَا - فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ كَذَلِكَ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ. وَالرَّابِعُ لِلْمَالِكِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ الْمَدِينِ بِشُرُوطٍ تُبَاعِدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرَرِ، وَتَنْفِي عَنْهُ سَائِرَ الْمَحْظُورَاتِ الأُْخْرَى، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ ثَمَانِيَةٌ (١) : ١ - أَنْ يُعَجِّل الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ؛ لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يُعَجِّل فِي الْحِينِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ. ٢ - أَنْ يَكُونَ الْمَدِينُ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ؛ لِيَعْلَمَ مِنْ فَقْرٍ أَوْ غِنًى؛ لأَِنَّ عِوَضَ الدَّيْنِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ حَال الْمَدِينِ، وَالْمَبِيعُ لاَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولاً. ٣ - أَنْ يَكُونَ الْمَدِينُ مُقِرًّا بِالدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا لَهُ فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ دَيْنِهِ وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا بِالْبَيِّنَةِ حَسْمًا لِلْمُنَازَعَاتِ. ٤ - أَنْ يُبَاعَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، أَوْ بِجِنْسِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُ. ٥ - أَلاَّ يَكُونَ ذَهَبًا بِفِضَّةٍ وَلاَ عَكْسَهُ، لاِشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ فِي صِحَّةِ بَيْعِهَا. ٦ - أَلاَّ يَكُونَ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَالْمَدِينِ عَدَاوَةٌ.

стр. 12833

٧ - أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ، احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ كَانَ طَعَامًا، إِذْ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ. ٨ - أَلاَّ يَقْصِدَ الْمُشْتَرِي إِعْنَاتَ الْمَدِينِ وَالإِْضْرَارَ بِهِ. تَصَرُّفُ الْمَدِينِ: ٦٣ - يَنْحَصِرُ تَصَرُّفُ الْمَدِينِ فِي الدَّيْنِ الثَّابِتِ فِي ذِمَّتِهِ فِي أَمْرَيْنِ: الْحَوَالَةِ، وَالسَّفْتَجَةِ. الْحَالَةُ الأُْولَى: الْحَوَالَةُ. (ر: حَوَالَة) . الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: السَّفْتَجَةُ. (ر: سَفْتَجَة) . الدَّيْنُ فِي ظِل تَغَيُّرَاتِ النُّقُودِ: ٦٤ - يُفَرِّقُ الْفُقَهَاءُ فِي أَحْكَامِ الدَّيْنِ مِنَ النُّقُودِ عِنْدَ طُرُوءِ التَّغَيُّرَاتِ عَلَى النَّقْدِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ الثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ نَقْدًا بِالْخِلْقَةِ (أَيْ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ) وَمَا إِذَا كَانَ ثَابِتًا بِالاِصْطِلاَحِ (بِأَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ وَجَرَى الاِصْطِلاَحُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ اسْتِعْمَال النَّقْدَيْنِ) كَالْفُلُوسِ الرَّائِجَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْعُمُلاَتِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: تَغَيُّرُ النُّقُودِ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ نَقْدًا بِالْخِلْقَةِ: ٦٥ - إِنَّ الدَّيْنَ الثَّابِتَ فِي الذِّمَّةِ إِذَا كَانَ عُمْلَةً ذَهَبِيَّةً أَوْ فِضِّيَّةً مُحَدَّدَةً مُسَمَّاةً فَغَلَتْ أَوْ رَخُصَتْ عِنْدَ حُلُول وَقْتِ الأَْدَاءِ، فَلاَ يَلْزَمُ الْمَدِينَ أَنْ

стр. 12834

يُؤَدِّيَ غَيْرَهَا؛ لأَِنَّهَا نَقْدٌ بِالْخِلْقَةِ، وَهَذَا التَّغَيُّرُ فِي قِيمَتِهَا لاَ تَأْثِيرَ لَهُ عَلَى الدَّيْنِ أَلْبَتَّةَ (١) . وَقَدْ جَاءَ فِي (م ٨٠٥) مِنْ مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ. " وَإِنِ اسْتَقْرَضَ شَيْئًا مِنَ الْمَكِيلاَتِ أَوِ الْمَوْزُونَاتِ أَوِ الْمَسْكُوكَاتِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَرَخُصَتْ أَسْعَارُهَا أَوْ غَلَتْ، فَعَلَيْهِ رَدُّ مِثْلِهَا، وَلاَ عِبْرَةَ بِرُخْصِهَا وَغُلُوِّهَا ". وَحَتَّى لَوْ زَادَتِ الْجِهَةُ الْمُصْدِرَةُ لِهَذِهِ الْعُمْلَةِ سِعْرَهَا أَوْ نَقَصَتْهُ، فَلاَ يَلْزَمُ الْمَدِينَ إِلاَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْعَقْدُ (٢) . يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: " ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَدَّدَ فِي زَمَانِنَا وُرُودُ الأَْمْرِ السُّلْطَانِيِّ بِتَغْيِيرِ سِعْرِ بَعْضٍ مِنَ النُّقُودِ الرَّائِجَةِ بِالنَّقْصِ، وَاخْتَلَفَ الإِْفْتَاءُ فِيهِ. وَالَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَال الآْنَ دَفْعُ النَّوْعِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا، كَمَا إِذَا اشْتَرَى سِلْعَةً بِمِائَةِ رِيَالٍ إِفْرِنْجِيٍّ أَوْ مِائَةِ ذَهَبٍ عَتِيقٍ (٣) ". وَلَوْ أَبْطَلَتِ السُّلْطَةُ الْمُصْدِرَةُ لِهَذِهِ الْعُمْلَةِ التَّعَامُل بِهَا، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ الْمَدِينَ سِوَاهَا وَفَاءً بِالْعَقْدِ، إِذْ هِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا، وَهِيَ الثَّابِتَةُ فِي الذِّمَّةِ دُونَ غَيْرِهَا. وَعَلَى ذَلِكَ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي

стр. 12835

" الأُْمِّ " وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ (١) . قَال الشَّافِعِيُّ: " وَمَنْ سَلَّفَ فُلُوسًا أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ بَاعَ بِهَا، ثُمَّ أَبْطَلَهَا السُّلْطَانُ، فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ مِثْل فُلُوسِهِ أَوْ دَرَاهِمِهِ الَّتِي سَلَّفَ أَوْ بَاعَ بِهَا (٢) ". وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِذَا أُبْطِلَتْ هَذِهِ الْعُمْلَةُ وَاسْتُبْدِل بِهَا غَيْرُهَا، فَيُرْجَعُ إِلَى قِيمَةِ الْعُمْلَةِ الْمُلْغَاةِ مِنَ الذَّهَبِ، وَيَأْخُذُ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْقِيمَةَ ذَهَبًا (٣) . أَمَّا إِذَا عُدِمَتْ تِلْكَ الْعُمْلَةُ أَوِ انْقَطَعَتْ أَوْ فُقِدَتْ فِي بَلَدِ الْمُتَدَايِنَيْنِ، فَتَجِبُ عِنْدَئِذٍ قِيمَتُهَا مِمَّا تَجَدَّدَ وَتَوَفَّرَ التَّعَامُل بِهِ مِنَ الْعُمُلاَتِ (٤) . وَلَوْ قَلَّتْ أَوْ عَزَّ وُجُودُهَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجِبُ غَيْرُهَا لإِِمْكَانِ تَحْصِيلِهَا مَعَ الْعِزَّةِ، بِخِلاَفِ انْقِطَاعِهَا وَانْعِدَامِهَا وَفَقْدِهَا (٥) . قَال الْهَيْثَمِيُّ: " وَلَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، وَعَيَّنَ شَيْئًا مَوْجُودًا، اتُّبِعَ وَإِنْ عَزَّ (٦) ". وَتَجْدُرُ الإِْشَارَةُ فِي هَذَا الْمَقَامِ إِلَى أَنَّ الْحَنَابِلَةَ قَيَّدُوا الْقَوْل بِإِلْزَامِ الدَّائِنِ بِقَبُول مِثْل النَّقْدِ الَّذِي ثَبَتَ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ، وَإِلْزَامِ الْمَدِينِ بِأَدَائِهِ إِذَا كَانَ

стр. 12836

مُتَوَفِّرًا - فِي حَالَتَيِ الْغَلاَءِ وَالرُّخْصِ - بِأَنْ يَكُونَ التَّعَامُل بِهَذَا النَّقْدِ مَسْمُوحًا بِهِ مِنْ قِبَل الدَّوْلَةِ. أَمَّا إِذَا مَنَعَتِ الدَّوْلَةُ النَّاسَ مِنَ التَّعَامُل بِهِ، فَلاَ يُجْبَرُ الدَّائِنُ عَلَى قَبُولِهِ، وَيَكُونُ لَهُ الْقِيمَةُ وَقْتَ ثُبُوتِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مِنَ النُّقُودِ إِنْ تَرَتَّبَ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ مِنْ جِنْسِهِ رِبَا الْفَضْل، سَوَاءٌ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ التَّعَامُل بِهَذَا النَّقْدِ أَمْ لَمْ يَتَّفِقُوا، أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى أَدَاءِ الْقِيمَةِ مِنْ جِنْسِهِ رِبَا الْفَضْل، فَلاَ مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْوَفَاءُ بِقِيمَتِهِ مِنْ جِنْسِهِ (١) . تَغَيُّرُ النُّقُودِ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ نَقْدًا بِالاِصْطِلاَحِ: إِذَا كَانَ الدَّيْنُ الثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ نَقْدًا بِالاِصْطِلاَحِ لاَ بِالْخِلْقَةِ كَسَائِرِ الْعُمُلاَتِ الأُْخْرَى غَيْرِ الذَّهَبِيَّةِ وَالْفِضِّيَّةِ، فَطَرَأَ عَلَيْهِ تَغَيُّرٌ عِنْدَ حُلُولِهِ، فَعِنْدَئِذٍ يُفَرَّقُ بَيْنَ خَمْسِ حَالاَتٍ: الْحَالَةُ الأُْولَى: (الْكَسَادُ الْعَامُّ لِلنَّقْدِ) : ٦٦ - وَذَلِكَ بِأَنْ تُوقِفَ الْجِهَةُ الْمُصْدِرَةُ لِلنَّقْدِ التَّعَامُل بِهِ، فَتُتْرَكُ الْمُعَامَلَةُ بِهِ فِي جَمِيعِ الْبِلاَدِ،

стр. 12837

وَهُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ بِـ " كَسَادِ النَّقْدِ " (١) . فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ: لَوِ اشْتَرَى شَخْصٌ سِلْعَةً بِنَقْدٍ مُحَدَّدٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ كَسَدَ ذَلِكَ النَّقْدُ قَبْل الْوَفَاءِ، أَوِ اسْتَدَانَ نَقْدًا مَعْلُومًا ثُمَّ كَسَدَ قَبْل الأَْدَاءِ، أَوْ وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ الْمَهْرُ الْمُؤَجَّل نَقْدًا مُحَدَّدًا، ثُمَّ كَسَدَ قَبْل حُلُولِهِ. فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: الْقَوْل الأَْوَّل: لأَِبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَنَّ النَّقْدَ الَّذِي كَسَدَ إِذَا كَانَ ثَمَنًا فِي بَيْعٍ، فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَيَجِبُ الْفَسْخُ مَا دَامَ مُمْكِنًا؛ لأَِنَّهُ بِالْكَسَادِ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ ثَمَنًا، حَيْثُ إِنَّ ثَمَنِيَّتَهُ ثَبَتَتْ بِالاِصْطِلاَحِ، فَإِذَا تَرَكَ النَّاسُ التَّعَامُل بِهِ، فَإِنَّهَا تَزُول عَنْهُ صِفَةُ الثَّمَنِيَّةِ، فَيَبْقَى الْمَبِيعُ بِلاَ ثَمَنٍ، فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ. أَمَّا إِذَا كَانَ دَيْنًا فِي قَرْضٍ أَوْ مَهْرًا مُؤَجَّلاً، فَيَجِبُ رَدُّ مِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ كَاسِدًا؛ لأَِنَّهُ هُوَ الثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ لاَ غَيْرُهُ (٢) . حَيْثُ " إِنَّ الْقَرْضَ إِعَارَةٌ، وَمُوجِبُهَا رَدُّ الْعَيْنِ مَعْنًى، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِرَدِّ مِثْلِهِ

стр. 12838

وَلَوْ كَانَ كَاسِدًا - لأَِنَّ الثَّمَنِيَّةَ زِيَادَةٌ فِيهِ، حَيْثُ إِنَّ صِحَّةَ الْقَرْضِ لاَ تَعْتَمِدُ الثَّمَنِيَّةَ، بَل تَعْتَمِدُ الْمِثْلِيَّةَ، وَبِالْكَسَادِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِثْلاً، وَلِهَذَا صَحَّ اسْتِقْرَاضُهُ بَعْدَ الْكَسَادِ، وَصَحَّ اسْتِقْرَاضُ مَا لَيْسَ بِثَمَنٍ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ وَالْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَنًا، وَلَوْلاَ أَنَّهُ إِعَارَةٌ فِي الْمَعْنَى لَمَا صَحَّ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ مُبَادَلَةَ الْجِنْسِ بِالْجِنْسِ نَسِيئَةً وَأَنَّهُ حَرَامٌ، فَصَارَ الْمَرْدُودُ عَيْنَ الْمَقْبُوضِ حُكْمًا، فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الرَّوَاجُ كَرَدِّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالْقَرْضُ كَالْغَصْبِ إِذْ هُوَ مَضْمُونٌ بِمِثْلِهِ (١) ". وَالْقَوْل الثَّانِي: لأَِبِي يُوسُفَ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي غَيْرِ الْمَشْهُورِ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ رَدُّ الْمِثْل بَعْدَمَا كَسَدَ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَدِينِ رَدُّ قِيمَةِ النَّقْدِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ - يَوْمَ التَّعَامُل - مِنْ نَقْدٍ آخَرَ (٢) . وَبِهَذَا أَخَذَتِ الْمَادَّةُ:

стр. 12839

" ٨٠٥ " مِنْ مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا: " إِذَا اسْتَقْرَضَ مِقْدَارًا مُعَيَّنًا مِنَ الْفُلُوسِ الرَّائِجَةِ وَالنُّقُودِ غَالِبَةِ الْغِشِّ (١) ، فَكَسَدَتْ وَبَطَل التَّعَامُل بِهَا فَعَلَيْهِ رَدُّ قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبْضِهَا لاَ يَوْمَ رَدِّهَا ". وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ: أَوَّلاً: بِأَنَّ إِيقَافَ التَّعَامُل بِهَا مِنْ قِبَل الْجِهَةِ الْمُصْدِرَةِ لَهَا مَنْعٌ لِنَفَاقِهَا وَإِبْطَالٌ لِمَالِيَّتِهَا، إِذْ هِيَ أَثْمَانٌ بِالاِصْطِلاَحِ لاَ بِالْخِلْقَةِ، فَصَارَ ذَلِكَ إِتْلاَفًا لَهَا، فَيَجِبُ بَدَلُهَا وَهُوَ الْقِيمَةُ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ الْجَوَابِرِ. ثَانِيًا: وَلأَِنَّ الدَّائِنَ قَدْ دَفَعَ شَيْئًا مُنْتَفَعًا بِهِ لأَِخْذِ عِوَضٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ، فَلاَ يُظْلَمُ بِإِعْطَائِهِ مَا لاَ يَنْتَفِعُ بِهِ. قَالُوا: وَإِنَّمَا اعْتُبِرَتِ الْقِيمَةُ يَوْمَ التَّعَامُل؛ لأَِنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ. وَالْقَوْل الثَّالِثُ: لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَدِينِ رَدُّ قِيمَةِ النَّقْدِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ التَّعَامُل مِنَ النَّقْدِ الآْخَرِ وَقْتَ الْكَسَادِ، أَيْ فِي آخِرِ نَفَاقِهَا، وَهُوَ آخِرُ مَا تَعَامَل النَّاسُ بِهَا؛ لأَِنَّهُ وَقْتُ الاِنْتِقَال إِلَى الْقِيمَةِ، إِذْ كَانَ يَلْزَمُهُ رَدُّ مِثْلِهَا مَا دَامَتْ نَافِقَةً، فَإِذَا كَسَدَتِ انْتَقَل إِلَى قِيمَتِهَا حِينَئِذٍ (٢) .

стр. 12840

وَالْقَوْل الرَّابِعُ: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ أَنَّ النَّقْدَ إِذَا كَسَدَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ وَقَبْل أَدَائِهِ، فَلَيْسَ لِلدَّائِنِ سِوَاهُ. وَيُعْتَبَرُ هَذَا الْكَسَادُ كَجَائِحَةٍ نَزَلَتْ بِالدَّائِنِ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ قَرْضًا أَوْ ثَمَنَ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ (١) . الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: (الْكَسَادُ الْمَحَلِّيُّ لِلنَّقْدِ) : ٦٧ - وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْطُل التَّعَامُل بِالنَّقْدِ فِي بَعْضِ الْبِلاَدِ لاَ فِي جَمِيعِهَا. وَمِثْلُهُ فِي عَصْرِنَا الْحَاضِرِ الْعُمُلاَتُ الَّتِي تُصْدِرُهَا بَعْضُ الدُّوَل وَتَمْنَعُ تَدَاوُلَهَا فِي خَارِجِ أَرَاضِيهَا. فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ: إِذَا اشْتَرَى شَخْصٌ بِنَقْدٍ نَافِقٍ ثُمَّ كَسَدَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْبَيْعُ قَبْل

стр. 12841

الأَْدَاءِ، فَإِنَّ الْبَيْعَ لاَ يَفْسُدُ، وَيَكُونُ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالنَّقْدِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ، وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَةِ ذَلِكَ النَّقْدِ مِنْ عُمْلَةٍ رَائِجَةٍ. وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الْمُعْتَمَدُ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ (١) . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إِذَا كَسَدَ النَّقْدُ فِي بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ، فَيَجْرِي عَلَيْهِ فِيهَا حُكْمُ الْكَسَادِ الْعَامِّ فِي جَمِيعِ الْبِلاَدِ اعْتِبَارًا لاِصْطِلاَحِ أَهْل تِلْكَ الْبَلْدَةِ (٢) . الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: (انْقِطَاعُ النَّقْدِ) : ٦٨ - وَذَلِكَ بِأَنْ يُفْقَدَ النَّقْدُ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ، وَلاَ يَتَوَفَّرَ فِي الأَْسْوَاقِ لِمَنْ يُرِيدُهُ (٣) . فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ: لَوِ اشْتَرَى شَخْصٌ سِلْعَةً

стр. 12842

بِنَقْدٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ انْقَطَعَ قَبْل أَنْ يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: الْقَوْل الأَْوَّل: لِلْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ، وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِي أَدَاءَ مَا يُسَاوِيهِ فِي الْقِيمَةِ فِي آخِرِ يَوْمٍ قَبْل الاِنْقِطَاعِ؛ لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِ مِثْل النَّقْدِ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ، فَيُصَارُ إِلَى بَدَلِهِ وَهُوَ الْقِيمَةُ. وَمِثْل ذَلِكَ يُقَال فِي دَيْنِ الْقَرْضِ وَغَيْرِهِ. وَإِنَّمَا اعْتُبِرَتِ الْقِيمَةُ قُبَيْل الاِنْقِطَاعِ؛ لأَِنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَنْتَقِل الْوُجُوبُ فِيهِ مِنَ الْمِثْل إِلَى الْقِيمَةِ (١) . وَالْقَوْل الثَّانِي: لأَِبِي يُوسُفَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَدِينِ أَدَاءُ مَا يُسَاوِيهِ فِي الْقِيمَةِ يَوْمَ التَّعَامُل؛ لأَِنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ (٢) . وَالْقَوْل الثَّالِثُ: لأَِبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَنَّ الاِنْقِطَاعَ كَالْكَسَادِ يُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ (٣) . وَالْقَوْل الرَّابِعُ: لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ الْحُصُول عَلَى ذَلِكَ النَّقْدِ مَعَ فَقْدِهِ وَانْقِطَاعِهِ، فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِلاَّ فَتَجِبُ

стр. 12843

قِيمَتُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ دَيْنَ قَرْضٍ أَوْ ثَمَنَ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. لَكِنْ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ عِنْدَمَا يُصَارُ إِلَيْهَا: فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَجِبُ فِي وَقْتِ الْمُطَالَبَةِ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ (٢) : تَجِبُ فِي أَبْعَدِ الأَْجَلَيْنِ مِنَ الاِسْتِحْقَاقِ - وَهُوَ حُلُول الأَْجَل - وَالْعَدَمِ الَّذِي هُوَ الاِنْقِطَاعُ (٣) . وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْقِيمَةَ إِنَّمَا تُقَدَّرُ وَقْتَ الْحُكْمِ (٤) . الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: (غَلاَءُ النَّقْدِ وَرُخْصُهُ) . ٦٩ - وَذَلِكَ بِأَنْ تَزِيدَ قِيمَةُ النَّقْدِ أَوْ تَنْقُصَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، اللَّذَيْنِ يُعْتَبَرَانِ

стр. 12844

الْمِقْيَاسَ الَّذِي تُقَدَّرُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ أَثْمَانُ الأَْشْيَاءِ وَقِيَمُهَا، وَيُعَدَّانِ ثَمَنًا. وَهَذَا هُوَ مُرَادُ الْفُقَهَاءِ بِـ " الْغَلاَءِ " " وَالرُّخْصِ " فِي هَذَا الْمَقَامِ. فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ: إِذَا تَغَيَّرَتْ قِيمَةُ النَّقْدِ غَلاَءً أَوْ رُخْصًا بَعْدَمَا ثَبَتَ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ بَدَلاً فِي قَرْضٍ أَوْ دَيْنِ مَهْرٍ أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَقَبْل أَنْ يُؤَدِّيَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَا يَلْزَمُ الْمَدِينَ أَدَاؤُهُ. عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ: الْقَوْل الأَْوَّل: لأَِبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمَدِينِ أَدَاؤُهُ هُوَ نَفْسُ النَّقْدِ الْمُحَدَّدِ فِي الْعَقْدِ وَالثَّابِتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، دُونَ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، وَلَيْسَ لِلدَّائِنِ سِوَاهُ (١) . وَقَدْ كَانَ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الرَّأْيِ أَوَّلاً ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وَالْقَوْل الثَّانِي: لأَِبِي يُوسُفَ - وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَدِينِ أَنْ يُؤَدِّيَ قِيمَةَ النَّقْدِ الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهِ الْغَلاَءُ أَوِ الرُّخْصُ يَوْمَ ثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ مِنْ نَقْدٍ رَائِجٍ. فَفِي الْبَيْعِ تَجِبُ

стр. 12845

الْقِيمَةُ يَوْمَ الْعَقْدِ، وَفِي الْقَرْضِ يَوْمَ الْقَبْضِ (١) . وَالْقَوْل الثَّالِثُ: وَجْهٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ التَّغَيُّرَ إِذَا كَانَ فَاحِشًا، فَيَجِبُ أَدَاءُ قِيمَةِ النَّقْدِ الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهِ الْغَلاَءُ أَوِ الرُّخْصُ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا فَالْمِثْل (٢) . قَال الرَّهُونِيُّ - مُعَلِّقًا عَلَى قَوْل الْمَالِكِيَّةِ الْمَشْهُورِ بِلُزُومِ الْمِثْل وَلَوْ تَغَيَّرَ النَّقْدُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ -: " قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا إِذَا لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ جِدًّا، حَتَّى يَصِيرَ الْقَابِضُ لَهَا كَالْقَابِضِ لِمَا لاَ كَبِيرَ مَنْفَعَةٍ فِيهِ؛ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ (٣) الَّتِي عَلَّل بِهَا الْمُخَالِفُ فِي الْكَسَادِ (٤) . انْقِضَاءُ الدَّيْنِ: إِذَا ثَبَتَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ فَإِنَّهَا تَبْقَى مَشْغُولَةً بِالدَّيْنِ، وَلاَ تَبْرَأُ إِلاَّ بِحُصُول أَحَدِ أَسْبَابِ انْقِضَاءِ الدَّيْنِ التَّالِيَةِ: أَوَّلاً: الأَْدَاءُ: ٧٠ - إِذَا أَدَّى الْمَدِينُ أَوْ نَائِبُهُ أَوْ كَفِيلُهُ أَوْ غَيْرُهُمُ

стр. 12846

الدَّيْنَ إِلَى الدَّائِنِ أَوْ نَائِبِهِ الَّذِي لَهُ وِلاَيَةُ قَبْضِ دُيُونِهِ، فَإِنَّ ذِمَّةَ الْمَدِينِ تَبْرَأُ بِالأَْدَاءِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الدَّيْنُ. أَمَّا إِذَا دَفَعَ الدَّيْنَ إِلَى مَنْ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَى قَبْضِ دُيُونِ الدَّائِنِ، فَلاَ يَنْقَضِي الدَّيْنُ، وَلاَ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَدِينِ (١) . (ر: أَدَاء) . وَوِلاَيَةُ قَبْضِ الدُّيُونِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ تَثْبُتُ بِأَمْرَيْنِ: إِمَّا بِتَوْلِيَةِ الدَّائِنِ، وَإِمَّا بِتَوْلِيَةِ الشَّارِعِ: - أَمَّا الَّتِي تَثْبُتُ بِتَوْلِيَةِ الدَّائِنِ: فَهِيَ وِلاَيَةُ الْوَكِيل بِقَبْضِ الدَّيْنِ؛ لأَِنَّ مَنْ مَلَكَ التَّصَرُّفَ فِي شَيْءٍ أَصَالَةً مَلَكَ التَّوْكِيل فِيهِ، وَنَفْسُ الْقَبْضِ وَالاِسْتِيفَاءِ مِمَّا يَقْبَل النِّيَابَةَ، فَكَانَ قَبْضُ الْوَكِيل بِمَنْزِلَةِ قَبْضِ الْمُوَكِّل وَلاَ فَرْقَ. . وَلاَ بُدَّ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل أَهْلاً لِلْقَبْضِ. (ر: قَبْض) . - وَأَمَّا الَّتِي تَثْبُتُ بِتَوْلِيَةِ الشَّارِعِ: فَهِيَ وِلاَيَةُ مَنْ يَلِي مَال الْمَحْجُورِ وَيَتَوَلَّى قَبْضَ حُقُوقِهِ. وَهَذِهِ الْوِلاَيَةُ لَيْسَتْ بِتَوْلِيَةِ الدَّائِنِ؛ لاِنْتِفَاءِ أَهْلِيَّتِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ بِتَوْلِيَةِ الشَّارِعِ. (ر: وِلاَيَة) . وَيُشْتَرَطُ لِنَفَاذِ وَفَاءِ الدَّيْنِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الدَّافِعُ مَالِكًا لِمَا دَفَعَهُ، فَإِنِ اسْتَحَقَّ بِالْبَيِّنَةِ وَأَخَذَهُ صَاحِبُهُ فَلِلدَّائِنِ الرُّجُوعُ بِدَيْنِهِ عَلَى غَرِيمِهِ (٢) .

стр. 12847

ثَانِيًا: الإِْبْرَاءُ: ٧١ - وَذَلِكَ كَمَا إِذَا كَانَ لِزَيْدٍ فِي ذِمَّةِ بَكْرٍ مِائَةُ دِينَارٍ ثَمَنُ مَبِيعٍ أَوْ بَدَل قَرْضٍ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَأَبْرَأَهُ مِنَ الدَّيْنِ كُلِّهِ، فَيَنْتَهِي بِذَلِكَ الْتِزَامُ الْمَدِينِ لِفَرَاغِ ذِمَّتِهِ بِالإِْبْرَاءِ، وَيَنْقَضِي الدَّيْنُ. كَمَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْكَفِيل بِالدَّيْنِ تَبَعًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الأَْصِيل إِذَا كَانَ الدَّيْنُ مَضْمُونًا. وَلَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ بَعْضِ الدَّيْنِ لَمْ يَبْقَ لَهُ إِلاَّ مُطَالَبَتُهُ بِالْبَاقِي. وَالإِْبْرَاءُ يَتِمُّ بِإِيجَابٍ مِنَ الدَّائِنِ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَبُولٍ مِنَ الْمَدِينِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ؛ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ عَنِ الدَّيْنِ إِسْقَاطٌ مِنْ وَجْهٍ وَتَمْلِيكٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. . فَمِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ إِسْقَاطًا لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُول، وَبِاعْتِبَارِهِ تَمْلِيكًا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ؛ لأَِنَّ الْمَرْءَ لاَ يُجْبَرُ عَلَى إِدْخَال شَيْءٍ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ. إِلاَّ فِي الإِْرْثِ (١) . (ر: إِبْرَاء) . ثَالِثًا: الْمُقَاصَّةُ: ٧٢ - وَهِيَ إِسْقَاطُ دَيْنٍ مَطْلُوبٍ لِشَخْصٍ مِنْ غَرِيمِهِ فِي مُقَابَلَةِ دَيْنٍ مَطْلُوبٍ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ لِغَرِيمِهِ ، وَذَلِكَ بِأَنْ تُشْغَل ذِمَّةُ الدَّائِنِ بِمِثْل مَا لَهُ عَلَى الْمَدِينِ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَوَقْتِ الأَْدَاءِ، فَعِنْدَئِذٍ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ وَيَسْقُطُ الدَّيْنَانِ إِذَا كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْمِقْدَارِ، فَإِنْ تَفَاوَتَا فِي الْقَدْرِ سَقَطَ مِنَ الأَْكْثَرِ بِقَدْرِ الأَْقَل وَبَقِيَتْ الزِّيَادَةُ، فَتَكُونُ

стр. 12848

الْمُقَاصَّةُ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَيَبْقَى أَحَدُهُمَا مَدِينًا لِلآْخَرِ بِمَا زَادَ (١) . (ر: مُقَاصَّة) . رَابِعًا: اتِّحَادُ الذِّمَّةِ: ٧٣ - وَذَلِكَ كَمَا إِذَا كَانَ زَيْدٌ مَدِينًا لأَِخِيهِ الشَّقِيقِ بَكْرٍ بِمَبْلَغِ أَلْفِ دِينَارٍ مَثَلاً، ثُمَّ مَاتَ بَكْرٌ الدَّائِنُ، وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إِلاَّ أَخُوهُ زَيْدٌ، فَيَرِثُ زَيْدٌ مِنْ ضِمْنِ مَا يَرِثُهُ عَنْ بَكْرٍ هَذَا الدَّيْنَ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ زَيْدٌ مَدِينًا وَدَائِنًا لِحُلُولِهِ مَحَل الدَّائِنِ الْمُورَثِ، فَإِذَا طَالَبَ بِالدَّيْنِ، فَهُوَ إِنَّمَا يُطَالِبُ نَفْسَهُ لِيَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ لاِتِّحَادِ الذِّمَّةِ، فَيَسْقُطُ الدَّيْنُ وَيَنْقَضِي لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي الْمُطَالَبَةِ. (ر: إِرْث) . خَامِسًا: التَّقَادُمُ: ٧٤ - لاَ يُعْتَبَرُ التَّقَادُمُ مِنْ أَسْبَابِ انْقِضَاءِ الدَّيْنِ شَرْعًا؛ لأَِنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ لاَصِقٌ بِذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لِمَنْ هُوَ لَهُ، لاَ يُسْقِطُهُ تَقَادُمُ الزَّمَنِ مَهْمَا طَال. وَلَكِنْ تَقَادُمُ الزَّمَنِ يُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ سَمَاعِ الدَّعْوَى إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرًا، وَالْمُدَّعِي لاَ عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِ الْمُطَالَبَةِ، عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ بَيَانًا مُفَصَّلاً (٢) . (ر: تَقَادُم) . سَادِسًا: انْفِسَاخُ سَبَبِ الْوُجُوبِ: ٧٥ - وَذَلِكَ كَمَا إِذَا فُسِخَ عَقْدُ الْمُعَاوَضَةِ الْوَارِدِ

стр. 12849

عَلَى الأَْعْيَانِ الْمَالِيَّةِ بِخِيَارٍ مِنَ الْخِيَارَاتِ، أَوْ بِسَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِفَسْخِهِ، فَإِنَّهُ يَنْقَضِي الدَّيْنُ الَّذِي كَانَ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ، وَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَدِينِ مِنَ الْبَدَل الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ هَلاَكُ الْعَيْنِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا، وَفَوَاتُ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهَا فِي إِجَارَةِ الأَْعْيَانِ، حَيْثُ تَسْقُطُ الأُْجْرَةُ عَنِ الْمُدَّةِ الْمُتَبَقِّيَةِ وَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَجَّل شَيْئًا مِنْهَا، فَلَهُ اسْتِرْدَادُ مَا عَجَّلَهُ زَائِدًا عَلَى أُجْرَةِ الْمُدَّةِ السَّابِقَةِ عَلَى هَلاَكِ الْعَيْنِ (١) . (ر: فَسْخ، إِجَارَة، بَيْع، خِيَار) . سَابِعًا: تَجْدِيدُ الدَّيْنِ: ٧٦ - وَذَلِكَ بِاسْتِبْدَال دَيْنٍ جَدِيدٍ بِالدَّيْنِ الأَْصْلِيِّ، حَيْثُ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ فَسْخِ عَقْدِ الْمُدَايَنَةِ الأُْولَى وَتَجْدِيدِهَا فِي عَقْدٍ آخَرَ بِتَرَاضِي الْمُتَدَايِنَيْنِ، كَمَا إِذَا كَانَ زَيْدٌ مَدِينًا لِبَكْرٍ بِمَبْلَغِ عِشْرِينَ دِينَارًا أُجْرَةِ مَنْزِلٍ مَمْلُوكٍ لِبَكْرٍ اسْتَأْجَرَهُ زَيْدٌ مِنْهُ، فَيَتَّفِقُ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَبْقَى ذَلِكَ الدَّيْنُ بِذِمَّتِهِ عَلَى سَبِيل الْقَرْضِ (٢) . وَلاَ يَخْفَى أَنَّهُ إِذَا فُسِخَ عَقْدُ الْمُدَايَنَةِ الأُْولَى وَصَارَ تَجْدِيدُهُ بِعَقْدٍ آخَرَ، سَقَطَ الدَّيْنُ الْوَاجِبُ بِالْعَقْدِ الأَْوَّل، وَتَرَتَّبَ عَلَى الْمَدِينِ دَيْنٌ جَدِيدٌ

стр. 12850

بِالْعَقْدِ الثَّانِي (١) . وَمِنْ آثَارِ انْقِضَاءِ الدَّيْنِ وَسُقُوطِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ الأَْوَّل مَكْفُولاً، وَفُسِخَ عَقْدُهُ، وَصَارَ تَجْدِيدُهُ بِعَقْدٍ آخَرَ، بَطَلَتِ الْكَفَالَةُ وَبَرِئَ الْكَفِيل، فَلاَ يُطَالَبُ بِالدَّيْنِ الْحَاصِل بِالْعَقْدِ الْجَدِيدِ إِلاَّ إِذَا جُدِّدَتِ الْكَفَالَةُ (٢) . ثَامِنًا: الْحَوَالَةُ: ٧٧ - وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحَال إِذَا قَبِل الْحَوَالَةَ وَرَضِيَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِهَا بَرِئَ الْمُحِيل وَكَفِيلُهُ - إِنْ كَانَ لَهُ كَفِيلٌ - مِنَ الدَّيْنِ وَمِنَ الْمُطَالَبَةِ مَعًا؛ لاِنْقِضَاءِ الدَّيْنِ بِالْحَوَالَةِ، وَيَثْبُتُ لِلْمُحَال حَقُّ مُطَالَبَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ بَرَاءَةَ الْمُحِيل وَكَفِيلِهِ الْمُشَارَ إِلَيْهَا مُقَيَّدَةٌ بِسَلاَمَةِ حَقِّ الْمُحَال لَدَى الْمُحَال عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) . (ر: حَوَالَة) . تَاسِعًا: مَوْتُ الْمَدِينِ مُفْلِسًا: ٧٨ - وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الذَّاهِبِينَ إِلَى سُقُوطِ الدَّيْنِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا عَنِ الْمَدِينِ إِذَا مَاتَ مُفْلِسًا، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ كَفِيلٌ بِالدَّيْنِ، أَوْ رَهْنٌ قَبْل الْمَوْتِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: " إِنَّ الدَّيْنَ يَسْقُطُ
следующие страницы →