Полный текст (31 949 стр.). Показаны 12951–12990 · переход к 12956.
стр. 12951
ثُمَّ إِنَّ لِلتَّسْمِيَةِ حَقِيقَةً وَشَرَائِطَ وَوَقْتًا نَذْكُرُهَا فِي الْفِقْرَاتِ التَّالِيَةِ.
حَقِيقَةُ التَّسْمِيَةِ:
٣٢ - حَقِيقَتُهَا: ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَيَّ اسْمٍ كَانَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. . .﴾ (١) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ اسْمٍ وَاسْمٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. . .﴾ (٢) لأَِنَّهُ إِذَا ذَكَرَ الذَّابِحُ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ لَمْ يَكُنِ الْمَأْكُول مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، وَسَوَاءٌ أَقَرَنَ بِالاِسْمِ الصِّفَةَ بِأَنْ قَال: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَجَل، اللَّهُ الرَّحْمَنُ، اللَّهُ الرَّحِيمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَقْرِنْ بِأَنْ قَال: اللَّهُ أَوِ الرَّحْمَنُ أَوِ الرَّحِيمُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْمَشْرُوطَ بِالآْيَةِ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - وَكَذَا التَّهْلِيل وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّسْبِيحُ، سَوَاءٌ أَكَانَ جَاهِلاً بِالتَّسْمِيَةِ الْمَعْهُودَةِ أَمْ عَالِمًا بِهَا، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ التَّسْمِيَةُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَمْ بِغَيْرِهَا، مِمَّنْ لاَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ يُحْسِنُهَا، هَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ. (٣)
وَوَافَقَ سَائِرُ الْمَذَاهِبِ عَلَى التَّسْمِيَةِ الْمَعْهُودَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي إِلْحَاقِ الصِّيَغِ стр. 12952
الأُْخْرَى بِهَا، وَبَعْضُهُمْ فِي وُقُوعِهَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ. (١)
فَالْمَالِكِيَّةُ قَالُوا: إِنَّ التَّسْمِيَةَ الْوَاجِبَةَ هِيَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ بِأَيِّهِ صِيغَةٍ كَانَتْ مِنْ تَسْمِيَةٍ أَوْ تَهْلِيلٍ أَوْ تَسْبِيحٍ أَوْ تَكْبِيرٍ، لَكِنِ الأَْفْضَل أَنْ يَقُول بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. (٢)
وَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا: يَكْفِي فِي التَّسْمِيَةِ: بِسْمِ اللَّهِ، وَالأَْكْمَل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَقِيل: لاَ يَقُول: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ لأَِنَّ الذَّبْحَ فِيهِ تَعْذِيبٌ (وَالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لاَ يُنَاسِبَانِهِ. (٣)
وَالْحَنَابِلَةُ قَالُوا: إِنَّ الْمَذْهَبَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ هُوَ أَنْ يَقُول: بِسْمِ اللَّهِ، لاَ يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا؛ لأَِنَّ إِطْلاَقَ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ ذِكْرِهَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهَا، وَقِيل: يَكْفِي تَكْبِيرُ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوُهُ كَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ، وَإِنْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ يَحْصُل بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ. (٤)
شَرَائِطُ التَّسْمِيَةِ:
٣٣ - يُشْتَرَطُ فِي التَّسْمِيَةِ أَرْبَعُ شَرَائِطَ:
١ - أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ مِنَ الذَّابِحِ حَتَّى لَوْ سَمَّى стр. 12953
غَيْرَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ ذَاكِرٌ غَيْرُ نَاسٍ لاَ يَحِل عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ التَّسْمِيَةَ. (١)
٢ - أَنْ يُرِيدَ بِهَا التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ، فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ بِهَا التَّسْمِيَةَ لاِفْتِتَاحِ الْعَمَل لاَ يَحِل، وَكَذَا إِذَا قَال الْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَرَادَ بِهِ الْحَمْدَ عَلَى سَبِيل الشُّكْرِ، وَكَذَا لَوْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّل أَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ وَصْفَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالتَّنَزُّهِ عَنْ صِفَاتِ الْحُدُوثِ لاَ غَيْرَ.
وَهَذَا أَيْضًا عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ التَّسْمِيَةَ.
وَمَنْ غَفَل عَنْ إِرَادَةِ الذِّكْرِ وَالتَّعْظِيمِ لَمْ تَحْرُمْ ذَبِيحَتُهُ حَيْثُ لَمْ يُرِدْ مَعْنًى آخَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا. (٢)
٣ - أَلاَّ يَشُوبَ تَعْظِيمَهُ تَعَالَى بِالتَّسْمِيَةِ مَعْنًى آخَرُ كَالدُّعَاءِ، فَلَوْ قَال: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي " لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَسْمِيَةً؛ لأَِنَّهُ دُعَاءٌ، وَالدُّعَاءُ لاَ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ الْمَحْضُ، فَلاَ يَكُونُ تَسْمِيَةً كَمَا لاَ يَكُونُ تَكْبِيرًا. (٣)
٤ - أَنْ يُعَيِّنَ بِالتَّسْمِيَةِ الذَّبِيحَةَ لأَِنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهَا لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِذَلِكَ. (٤)
وَقْتُ التَّسْمِيَةِ:
٣٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ وَقْتَ التَّسْمِيَةِ فِي الذَّكَاةِ الاِخْتِيَارِيَّةِ هُوَ وَقْتُ التَّذْكِيَةِ، стр. 12954
لاَ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ إِلاَّ بِزَمَانٍ قَلِيلٍ لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ. (١)
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَكُونُ عِنْدَ حَرَكَةِ يَدِ الذَّابِحِ، وَقَال جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ الذَّبْحِ أَوْ قَبْلَهُ قَرِيبًا فَصَل بِكَلاَمٍ أَوْ لاَ. (٢)
٣٥ - الشَّرِيطَةُ (الْخَامِسَةُ) - مِنْ شَرَائِطِ الذَّابِحِ - أَلاَّ يُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِالذَّبْحِ. وَالْمَقْصُودُ هُوَ تَعْظِيمُ غَيْرِ اللَّهِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَعَهُ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لاَ، وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ الذَّبْحِ بِأَسْمَاءِ الآْلِهَةِ مُتَقَرِّبِينَ إِلَيْهَا بِذَبَائِحِهِمْ. (٣) وَهِيَ شَرِيطَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا لِتَصْرِيحِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِهَا، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَسْتَثْنُونَ الْكِتَابِيَّ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّرِيطَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ شَرَائِطِ الذَّابِحِ. (ر: ف ٢٩) .
وَلِلإِْهْلاَل لِغَيْرِ اللَّهِ صُوَرٌ:
الصُّورَةُ الأُْولَى:
ذِكْرُ اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ سَوَاءٌ أَذُكِرَ مَعَهُ اسْمُ اللَّهِ أَمْ لاَ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُول الذَّابِحُ: بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ стр. 12955
الرَّسُول فَهَذَا لاَ يَحِل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١) وَلأَِنَّ الْمُشْرِكِينَ يَذْكُرُونَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ فَتَجِبُ مُخَالَفَتُهُمْ بِالتَّجْرِيدِ.
وَلَوْ قَال الذَّابِحُ - بِسْمِ اللَّهِ - مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ فَإِنْ قَال: وَمُحَمَّدٍ - بِالْجَرِّ - لاَ يَحِل، لأَِنَّهُ أَشْرَكَ فِي اسْمِ اللَّهِ اسْمَ غَيْرِهِ. وَإِنْ قَال: وَمُحَمَّدٌ - بِالرَّفْعِ - يَحِل؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَعْطِفْهُ بَل اسْتَأْنَفَ فَلَمْ يُوجَدِ الإِْشْرَاكُ، إِلاَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِوُجُودِ الْوَصْل مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فَيُتَصَوَّرُ بِصُورَةِ الْحَرَامِ فَيُكْرَهُ، هَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ. (٢)
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ قَال: بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ مُحَمَّدٍ، فَإِنْ قَصَدَ التَّشْرِيكَ كَفَرَ وَحَرُمَتِ الذَّبِيحَةُ، وَإِنْ قَصَدَ أَذْبَحُ بِاسْمِ اللَّهِ وَأَتَبَرَّكُ بِاسْمِ مُحَمَّدٍ كَانَ الْقَوْل مَكْرُوهًا وَالذَّبِيحَةُ حَلاَلاً، وَإِنْ أَطْلَقَ كَانَ الْقَوْل مُحَرَّمًا لإِِبْهَامِهِ التَّشْرِيكَ وَكَانَتِ الذَّبِيحَةُ حَلاَلاً. (٣)
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ:
أَنْ يَقْصِدَ الذَّابِحُ التَّقَرُّبَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالذَّبْحِ وَإِنْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ وَحْدَهُ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَذْبَحَ لِقُدُومِ أَمِيرٍ وَنَحْوِهِ.
وَفِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَحَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ عَلَيْهِ مَا خُلاَصَتُهُ: لَوْ ذَبَحَ لِقُدُومِ الأَْمِيرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْعُظَمَاءِ (تَعْظِيمًا لَهُ) حَرُمَتْ ذَبِيحَتُهُ، وَلَوْ أَفْرَدَ стр. 12956
اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى بِالذِّكْرِ؛ لأَِنَّهُ أَهَّل بِهَا لِغَيْرِ اللَّهِ.
وَلَوْ ذَبَحَ لِلضَّيْفِ لَمْ تَحْرُمْ ذَبِيحَتُهُ لأَِنَّهُ سُنَّةُ الْخَلِيل ﵇، وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ تَعْظِيمٌ لِشَرْعِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِثْل ذَلِكَ مَا لَوْ ذَبَحَ لِلْوَلِيمَةِ أَوْ لِلْبَيْعِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَحِل وَمَا يَحْرُمُ: إِنْ قَصَدَ تَعْظِيمَ غَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ يَحْرُمُ، وَقَصْدُ الإِْكْرَامِ وَنَحْوُهُ لاَ يَحْرُمُ. (١)
وَفِي حَاشِيَةِ الْبُجَيْرِمِيِّ عَلَى الإِْقْنَاعِ " أَفْتَى أَهْل بُخَارَى بِتَحْرِيمِ مَا يُذْبَحُ عِنْدَ لِقَاءِ السُّلْطَانِ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ " (٢) .
٣٦ - الشَّرِيطَةُ (السَّادِسَةُ) الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الْمَالِكِيَّةُ:
أَنْ يَقْطَعَ الذَّابِحُ مِنْ مُقَدَّمِ الْعُنُقِ، فَلاَ تَحِل الذَّبِيحَةُ إِنْ ضَرَبَهَا مِنَ الْقَفَا؛ لأَِنَّهَا بِقَطْعِ النُّخَاعِ تَصِيرُ مَيْتَةً، وَكَذَا لاَ تَحِل إِنْ ضَرَبَهَا مِنْ صَفْحَةِ الْعُنُقِ وَبَلَغَ النُّخَاعَ، أَمَّا إِنْ بَدَأَ الضَّرْبَ مِنَ الصَّفْحَةِ وَمَال بِالسِّكِّينِ إِلَى الصَّفْحَةِ الأُْخْرَى مِنْ غَيْرِ قَطْعِ النُّخَاعِ، فَإِنَّهَا تُؤْكَل. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ مِنَ الْقَفَا عَصَى، فَإِنْ أَسْرَعَ فَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَبِالذَّبِيحَةِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ حَلَّتْ؛ لأَِنَّ الذَّكَاةَ صَادَفَتْهَا وَهِيَ حَيَّةٌ وَإِلاَّ فَلاَ تَحِل؛ لأَِنَّهَا صَارَتْ مَيْتَةً فَلاَ يُفِيدُ الذَّبْحُ بَعْدَ ذَلِكَ. стр. 12957
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهَا ابْنُ قُدَامَةَ وَالْمَرْدَاوِيُّ تَحِل، وَالثَّانِيَةُ: لاَ تَحِل، وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَمَفْهُومُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ. (١)
٣٧ - الشَّرِيطَةُ (السَّابِعَةُ) الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا:
أَلاَّ يَرْفَعَ يَدَهُ قَبْل تَمَامِ التَّذْكِيَةِ، فَإِنْ رَفَعَ يَدَهُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لاَ يَضُرُّ إِلاَّ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا لَوْ أَنْفَذَ بَعْضَ مَقَاتِلِهَا وَعَادَ لِتَكْمِلَةِ الذَّبْحِ عَنْ بُعْدٍ، وَمَا عَدَا هَذِهِ تُؤْكَل اتِّفَاقًا أَوْ عَلَى الرَّاجِحِ.
وَصُورَةُ الاِتِّفَاقِ مَا إِذَا كَانَتْ لَوْ تُرِكَتْ تَعِيشُ، أَوْ لاَ تَعِيشُ وَكَانَ الرَّفْعُ اضْطِرَارًا.
وَصُورَةُ الرَّاجِحِ مَا إِذَا كَانَتْ لَوْ تُرِكَتْ لَمْ تَعِشْ وَعَادَ عَنْ قُرْبٍ وَكَانَ الرَّفْعُ اخْتِيَارًا. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ رَفَعَ يَدَهُ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَضُرَّ إِنْ كَانَتْ فِي الْمَذْبُوحِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عِنْدَ بَدْءِ الْمَرَّةِ الأَْخِيرَةِ، فَإِنْ بَدَأَهَا وَفِيهِ حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ لَمْ يَحِل. (٣)
٣٨ - الشَّرِيطَةُ (الثَّامِنَةُ) :
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اشْتِرَاطِ стр. 12958
قَصْدِ التَّذْكِيَةِ بِأَنْ يَنْوِيَ الذَّابِحُ التَّذْكِيَةَ الشَّرْعِيَّةَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ حِل الأَْكْل مِنَ الذَّبِيحَةِ، فَلَوْ قَصَدَ مُجَرَّدَ مَوْتِهَا أَوْ قَصَدَ ضَرْبَهَا فَأَصَابَ مَحَل الذَّبْحِ لَمْ تُؤْكَل، وَكَذَا إِذَا تَرَكَ النِّيَّةَ وَلَوْ نِسْيَانًا أَوْ عَجْزًا لَمْ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ. (١)
إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَعْنُونَ بِالْقَصْدِ قَصْدَ الْفِعْل كَمَا لَوْ صَال عَلَيْهِ حَيَوَانٌ مَأْكُولٌ فَضَرَبَهُ بِسَيْفٍ فَقَطَعَ رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُهُ؛ لأَِنَّ قَصْدَ الذَّبْحِ لاَ يُشْتَرَطُ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْفِعْل وَقَدْ وُجِدَ. (٢)
وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ رَاجِعْ (صَائِل) .
شَرَائِطُ آلَةِ الذَّبْحِ:
٣٩ - يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الذَّبْحِ شَرِيطَتَانِ رَاجِعَتَانِ إِلَى آلَتِهِ:
أَنْ تَكُونَ قَاطِعَةً، وَأَلاَّ تَكُونَ سِنًّا أَوْ ظُفُرًا قَائِمَيْنِ.
٤٠ - الشَّرِيطَةُ (الأُْولَى) الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنْ تَكُونَ قَاطِعَةً، سَوَاءٌ أَكَانَتْ حَدِيدًا أَمْ لاَ، كَالْمَرْوَةِ وَاللِّيطَةِ وَشَقَّةِ الْعَصَا. (٣) وَالزُّجَاجُ، стр. 12959
وَالصَّدَفُ الْقَاطِعُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ حَادَّةً أَمْ كَلِيلَةً مَا دَامَتْ قَاطِعَةً.
وَالأَْصْل فِي جَوَازِ التَّذْكِيَةِ بِغَيْرِ الْحَدِيدِ مَا وَرَدَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّا لاَقُوا الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى. قَال ﷺ : أَعْجِل أَوْ أَرْنِي مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُل، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ. وَسَأُحَدِّثُكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ. (١)
وَأَمَّا جَوَازُ التَّذْكِيَةِ بِالْمُدَى الْكَلِيلَةِ وَنَحْوِهَا إِنْ كَانَتْ تَقْطَعُ فَلِحُصُول مَعْنَى الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ. (٢) وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْكَلِيلَةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَلاَّ يَحْتَاجُ الْقَطْعُ بِهَا إِلَى قُوَّةِ الذَّابِحِ، وَأَنْ يَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ قَبْل انْتِهَاءِ الْحَيَوَانِ إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ. (٣)
٤١ - الشَّرِيطَةُ (الثَّانِيَةُ) ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ إِلَى أَلاَّ تَكُونَ الآْلَةُ سِنًّا أَوْ ظُفُرًا قَائِمَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمْ تَحِل الذَّبِيحَةُ؛ لأَِنَّ الذَّابِحَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا فَتُخْنَقُ وَتُفْسَخُ فَلاَ يَحِل أَكْلُهَا. стр. 12960
وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الظُّفُرُ الْقَائِمُ ظُفُرَ غَيْرِهِ جَازَ وَذَلِكَ بِأَنْ يَأْخُذَ الذَّابِحُ يَدَ غَيْرِهِ فَيُمِرُّ ظُفْرَهَا كَمَا يُمِرُّ السِّكِّينَ فَإِنَّ الذَّبِيحَةَ تَحِل؛ لأَِنَّهَا قَطَعَتْ وَلَمْ تَفْسَخْ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ " قَائِمَيْنِ " السِّنُّ وَالظُّفُرُ الْمَنْزُوعَانِ إِذَا كَانَا قَاطِعَيْنِ فَتَجُوزُ التَّذْكِيَةُ بِهِمَا. (١)
وَهَذَا لاَ يُعَارِضُ الْحَدِيثَ السَّابِقَ فَإِنَّ الْمُرَادَ فِيهِ بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ الْقَائِمَانِ لاَ الْمَنْزُوعَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : كُل مَا أَفْرَى الأَْوْدَاجَ مَا لَمْ يَكُنْ قَرْضَ سِنٍّ أَوْ حَزَّ ظُفُرٍ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الذَّكَاةُ بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ وَبَقِيَّةِ الْعِظَامِ مُطْلَقًا مُتَّصِلَيْنِ كَانَا أَوْ مُنْفَصِلَيْنِ لِظَاهِرِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ السَّابِقِ. (٣)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ لاَ يَجُوزُ بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ، وَفِي الْعَظْمِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْمَذْهَبُ الْجَوَازُ. (٤)
وَالْقَوْل الثَّالِثُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ تَجُوزُ الذَّكَاةُ مُطْلَقًا بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ مُنْفَصِلَيْنِ وَمُتَّصِلَيْنِ.
وَالْقَوْل الرَّابِعُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُ الذَّكَاةِ стр. 12961
بِالظُّفُرِ مُطْلَقًا وَكَرَاهِيَتُهَا بِالسِّنِّ مُطْلَقًا.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا جَوَازُ الذَّكَاةِ بِالْعَظْمِ مُطْلَقًا.
وَمَحَل أَقْوَال الْمَالِكِيَّةِ أَنْ تُوجَدَ آلَةٌ مَعَهُمَا غَيْرُ الْحَدِيدِ فَإِنْ وُجِدَ الْحَدِيدُ تَعَيَّنَ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ آلَةٌ سِوَاهَا تَعَيَّنَ الذَّبْحُ بِهِمَا. (١)
آدَابُ الذَّبْحِ:
٤٢ - يُسْتَحَبُّ فِي الذَّبْحِ أُمُورٌ. (٢) مِنْهَا:
أ - أَنْ يَكُونَ بِآلَةِ حَدِيدٍ حَادَّةٍ كَالسِّكِّينِ وَالسَّيْفِ الْحَادَّيْنِ لاَ بِغَيْرِ الْحَدِيدِ وَلاَ بِالْكَلِيلَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلإِْرَاحَةِ الْمَطْلُوبَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ (٣) .
ب - التَّذْفِيفُ فِي الْقَطْعِ - وَهُوَ الإِْسْرَاعُ - لأَِنَّ فِيهِ إِرَاحَةً لِلذَّبِيحَةِ.
ج - أَنْ يَكُونَ الذَّابِحُ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ، وَالذَّبِيحَةُ مُوَجَّهَةً إِلَى الْقِبْلَةِ بِمَذْبَحِهَا لاَ بِوَجْهِهَا إِذْ هِيَ جِهَةُ الرَّغْبَةِ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ؛ وَلأَِنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَأْكُل ذَبِيحَةً لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ. وَلاَ مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ стр. 12962
د - إِحْدَادُ الشَّفْرَةِ قَبْل إِضْجَاعِ الشَّاةِ وَنَحْوِهَا، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (١) وَاتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ أَنْ يَحُدَّ الذَّابِحُ الشَّفْرَةَ بَيْنَ يَدَيِ الذَّبِيحَةِ، وَهِيَ مُهَيَّأَةٌ لِلذَّبْحِ لِمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلاً أَضْجَعَ شَاةً يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَهَا وَهُوَ يَحُدُّ شَفْرَتَهُ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَاتٍ؟ هَلاَّ حَدَدْتَ شَفْرَتَكَ قَبْل أَنْ تُضْجِعَهَا. (٢)
وَلاَ تَحْرُمُ الذَّبِيحَةُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الذَّبْحِ أَوْ فِعْل شَيْءٍ مِنْ مَكْرُوهَاتِهِ؛ لأَِنَّ النَّهْيَ الْمُسْتَفَادَ مِنَ الْحَدِيثِ لَيْسَ لِمَعْنًى فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بَل لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ مَا يَلْحَقُ الْحَيَوَانَ مِنْ زِيَادَةِ أَلَمٍ لاَ حَاجَةَ إِلَيْهَا، فَلاَ يُوجِبُ الْفَسَادَ. (٣)
هـ - أَنْ تُضْجَعَ الذَّبِيحَةُ عَلَى شِقِّهَا الأَْيْسَرِ بِرِفْقٍ.
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ كَيْفِيَّةَ الإِْضْجَاعِ وَمَا يُسَنُّ مَعَهُ فَقَالُوا: السُّنَّةُ أَنْ تَأْخُذَ الشَّاةَ بِرِفْقٍ وَتُضْجِعَهَا عَلَى شِقِّهَا الأَْيْسَرِ وَرَأْسُهَا مُشْرِفٌ، وَتَأْخُذُ بِيَدِكَ стр. 12963
الْيُسْرَى جَلْدَةَ حَلْقِهَا مِنَ اللَّحْيِ الأَْسْفَل بِالصُّوفِ أَوْ غَيْرِهِ فَتَمُدَّهُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ الْبَشَرَةُ، وَتَضَعَ السِّكِّينَ فِي الْمَذْبَحِ حَتَّى تَكُونَ الْجَوْزَةُ فِي الرَّأْسِ، ثُمَّ تُسَمِّيَ اللَّهَ وَتُمِرَّ السِّكِّينَ مَرًّا مُجْهِزًا مِنْ غَيْرِ تَرْدِيدٍ، ثُمَّ تَرْفَعُ وَلاَ تَنْخَعُ وَلاَ تَضْرِبُ بِهَا الأَْرْضَ وَلاَ تَجْعَل رِجْلَكَ عَلَى عُنُقِهَا.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِاسْتِحْبَابِ شَدِّ قَوَائِمِهَا وَتَرْكِ رِجْلِهَا الْيُمْنَى لِتَسْتَرِيحَ بِتَحْرِيكِهَا.
وَالدَّلِيل عَلَى اسْتِحْبَابِ الإِْضْجَاعِ فِي جَمِيعِ الْمَذْبُوحَاتِ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَال لَهَا: يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ ثُمَّ قَال: اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ. (١)
قَال النَّوَوِيُّ: جَاءَتِ الأَْحَادِيثُ بِالإِْضْجَاعِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ إِضْجَاعَ الذَّبِيحَةِ يَكُونُ عَلَى جَانِبِهَا الأَْيْسَرِ لأَِنَّهُ أَسْهَل عَلَى الذَّابِحِ فِي أَخْذِ السِّكِّينِ بِالْيَمِينِ وَإِمْسَاكِ رَأْسِهَا بِالْيَسَارِ. (٢)
وَقَاسَ الْجُمْهُورُ عَلَى الْكَبْشِ جَمِيعَ الْمَذْبُوحَاتِ الَّتِي تَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الإِْضْجَاعِ. стр. 12964
و - سَوْقُ الذَّبِيحَةِ إِلَى الْمَذْبَحِ بِرِفْقٍ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ.
ز - عَرْضُ الْمَاءِ عَلَى الذَّبِيحَةِ قَبْل ذَبْحِهَا، صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا.
ح - وَإِذَا كَانَتِ الذَّبِيحَةُ قُرْبَةً مِنَ الْقُرُبَاتِ كَالأُْضْحِيَّةِ يُكَبِّرُ الذَّابِحُ ثَلاَثًا قَبْل التَّسْمِيَةِ وَثَلاَثًا بَعْدَهَا، ثُمَّ يَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَإِلَيْكَ فَتَقَبَّلْهُ مِنِّي، صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ. (ر: أُضْحِيَّة) .
ط - كَوْنُ الذَّبْحِ بِالْيَدِ الْيُمْنَى، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ. (١)
ي - عَدَمُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْقَطْعِ حَتَّى يَبْلُغَ الذَّابِحُ النُّخَاعَ أَوْ يُبِينَ رَأْسُ الذَّبِيحَةِ حَال ذَبْحِهَا وَكَذَا بَعْدَ الذَّبْحِ قَبْل أَنْ تَبْرُدَ وَكَذَا سَلْخُهَا قَبْل أَنْ تَبْرُدَ لِمَا فِي كُل ذَلِكَ مِنْ زِيَادَةِ إِيلاَمٍ لاَ حَاجَةَ إِلَيْهَا. (٢)
وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الذَّبِيحَةِ أَنْ تُفَرَّسَ (٣) . قَال إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي " غَرِيبِ الْحَدِيثِ ": الْفَرْسُ أَنْ يَذْبَحَ الشَّاةَ فَتُنْخَعَ، وَقَال ابْنُ الأَْثِيرِ стр. 12965
فِي " النِّهَايَةِ ": هُوَ " كَسْرُ رَقَبَةِ الذَّبِيحَةِ قَبْل أَنْ تَبْرُدَ " فَإِنْ نَخَعَ أَوْ سَلَخَ قَبْل أَنْ تَبْرُدَ لَمْ تَحْرُمِ الذَّبِيحَةُ لِوُجُودِ التَّذْكِيَةِ بِشَرَائِطِهَا.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْهَا أَوْ إِلْقَائِهَا فِي النَّارِ بَعْدَ تَمَامِ ذَبْحِهَا وَقَبْل خُرُوجِ رُوحِهَا. (١)
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا بِكَرَاهَةِ تَحْرِيكِهَا وَنَقْلِهَا قَبْل خُرُوجِ رُوحِهَا.
وَقَال الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَحْرُمُ كَسْرُ عُنُقِهَا حَتَّى تَبْرُدَ، وَقَطْعُ عُضْوٍ مِنْهَا قَبْل أَنْ تَبْرُدَ. (٢)
ثَانِيًا: النَّحْرُ:
حَقِيقَةُ النَّحْرِ:
٤٣ - حَقِيقَتُهُ قَطْعُ الأَْوْدَاجِ فِي اللَّبَّةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ، وَهَذَا رَأْيُ الْجُمْهُورِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ حَقِيقَتَهُ الطَّعْنُ فِي اللَّبَّةِ طَعْنًا يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ تُقْطَعِ الأَْوْدَاجُ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ أَيْضًا. (٣) وَاللَّبَّةُ هِيَ الثُّغْرَةُ بَيْنَ التَّرْقُوَتَيْنِ أَسْفَل الْعُنُقِ كَمَا سَبَقَ فِي (ف ١) . стр. 12966
وَسَبَقَ فِي حَقِيقَةِ الذَّكَاةِ الاِخْتِيَارِيَّةِ (ف ١١) أَنَّ الْمُخْتَصَّ بِالنَّحْرِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ هُوَ الإِْبِل عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ كُل مَا طَال عُنُقُهُ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ مَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّرَافِ وَالْفِيلَةِ، وَجَوَّزُوا الذَّبْحَ وَالنَّحْرَ - مَعَ أَفْضَلِيَّةِ الذَّبْحِ - فِي الْبَقَرِ وَمَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ وَحُمُرِهِ وَخَيْلِهِ وَبِغَالِهِ.
ثُمَّ إِنَّ خِلاَفَ الأَْئِمَّةِ فِيمَا يَكْفِي مِنْ قَطْعِ الأَْوْدَاجِ فِي النَّحْرِ هُوَ الْخِلاَفُ السَّابِقُ فِي " حَقِيقَةِ الذَّبْحِ " (ف ١٤) .
إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ فَرَّقُوا بَيْنَ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ فَقَالُوا: إِنَّ الذَّبْحَ يَكُونُ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ، وَالنَّحْرُ يَكُونُ بِالطَّعْنِ فِي اللَّبَّةِ طَعْنًا مُفْضِيًا إِلَى الْمَوْتِ، دُونَ اشْتِرَاطِ قَطْعِ شَيْءٍ مِنَ الْعُرُوقِ الأَْرْبَعَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، خِلاَفًا لِلَّخْمِيِّ؛ لأَِنَّ وَرَاءَ اللَّبَّةِ عِرْقًا مُتَّصِلاً بِالْقَلْبِ يُفْضِي طَعْنُهُ إِلَى سُرْعَةِ خُرُوجِ الرُّوحِ. (١)
شَرَائِطُ النَّحْرِ:
٤٤ - يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ النَّحْرِ الشَّرَائِطُ السَّابِقُ ذِكْرُهَا فِي الذَّبْحِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَكُونَ الْحَيَوَانُ الْمَنْحُورُ مُخْتَصًّا بِالذَّبْحِ وَهُوَ مَا عَدَا الأَْصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ. فَلَوْ نَحَرَ مَا يَخْتَصُّ بِالذَّبْحِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ حَرُمَ النَّحْرُ وَالْحَيَوَانُ الْمَنْحُورُ стр. 12967
خِلاَفًا لِسَائِرِ الْمَذَاهِبِ الَّتِي تُجِيزُ نَحْرَ مَا يُذْبَحُ.
آدَابُ النَّحْرِ:
٤٥ - يُسْتَحَبُّ فِي النَّحْرِ كُل مَا يُسْتَحَبُّ فِي الذَّبْحِ، وَاخْتِلاَفُ الْمَذَاهِبِ هُنَاكَ هُوَ نَفْسُ اخْتِلاَفِهَا هُنَا. إِلاَّ أَنَّ الإِْبِل تُنْحَرُ قَائِمَةً عَلَى ثَلاَثٍ مَعْقُولَةَ الْيَدِ الْيُسْرَى. (١)
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ لِلنَّحْرِ كَيْفِيَّةً وَهِيَ أَنْ يُوَجِّهَ النَّاحِرُ مَا يُرِيدُ نَحْرَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ وَيَقِفَ بِجَانِبِ الرِّجْل الْيُمْنَى غَيْرِ الْمَعْقُولَةِ مُمْسِكًا مِشْفَرَهُ الأَْعْلَى بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَيَطْعَنُهُ فِي لَبَّتِهِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى مُسَمِّيًا. (٢)
وَنُقِل عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ خَشِيَ عَلَيْهَا أَنَاخَهَا. (٣)
وَمِمَّا يَدُل عَلَى اسْتِحْبَابِ إِقَامَةِ الإِْبِل عَلَى ثَلاَثٍ عِنْدَ النَّحْرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (٤) قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: (مَعْقُولَةً عَلَى ثَلاَثَةٍ) (٥) .
وَأَحَادِيثُ مِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ стр. 12968
كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا (١) .
وَمِنْهَا مَا وَرَدَ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً، فَقَال: " ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ " (٢) .
مَكْرُوهَاتُ النَّحْرِ:
٤٦ - يُكْرَهُ فِي النَّحْرِ جَمِيعُ الْمَكْرُوهَاتِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا فِي الذَّبْحِ.
الذَّكَاةُ الاِضْطِرَارِيَّةُ:
٤٧ - الذَّكَاةُ الاِضْطِرَارِيَّةُ هِيَ الْجَرْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنَ الْبَدَنِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْحَيَوَانِ، أَيْ كَأَنَّهَا صَيْدٌ فَتُسْتَعْمَل لِلضَّرُورَةِ فِي الْمَعْجُوزِ عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ وَالأَْنْعَامِ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْحَالَةُ: الْعَقْرَ.
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى حِل لَحْمِ الْحَيَوَانِ بِذَكَاةِ الضَّرُورَةِ لأَِنَّ الذَّبْحَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا، وَلاَ بُدَّ مِنْ إِخْرَاجِ الدَّمِ لإِِزَالَةِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ وَتَطْيِيبِ اللَّحْمِ، فَيُقَامُ سَبَبُ الذَّبْحِ مَقَامَهُ وَهُوَ الْجَرْحُ؛ لأَِنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ. стр. 12969
فَلَوْ تَوَحَّشَ حَيَوَانٌ أَهْلِيٌّ بَعْدَ أَنْ كَانَ إِنْسِيًّا أَوْ مُسْتَأْنَسًا، أَوْ نَدَّ بَعِيرٌ (شَرَدَ) أَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ تُمْكِنِ الذَّكَاةُ الاِخْتِيَارِيَّةُ، أَيْ عَجَزَ عَنْ ذَبْحِهِ فِي الْحَلْقِ فَذَكَاتُهُ حَيْثُ يُصَابُ بِأَيِّ جَرْحٍ مِنْ بَدَنِهِ، وَيَحِل حِينَئِذٍ أَكْلُهُ كَصَيْدِ الطَّائِرِ أَوِ الْحَيَوَانِ الْمُتَوَحِّشِ، لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَال: كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنْ إِبِل الْقَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ خَيْلٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا. (١)
وَسَوَاءٌ نَدَّ الْبَعِيرُ أَوِ الْبَقَرَةُ أَوِ الشَّاةُ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ فِي الْمِصْرِ، فَذَكَاتُهَا الْعَقْرُ، وَبِهِ قَال عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ ﵃.
قَال الْكَاسَانِيُّ: فَإِنْ نَدَّتْ الشَّاةُ فِي الصَّحْرَاءِ فَذَكَاتُهَا الْعَقْرُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَإِنْ نَدَّتْ فِي الْمِصْرِ لَمْ يَجُزْ عَقْرُهَا؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ أَخْذُهَا، إِذْ هِيَ لاَ تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا فَكَانَ الذَّبْحُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَلاَ يَجُوزُ الْعَقْرُ، وَهَذَا لأَِنَّ الْعَقْرَ خَلَفٌ مِنَ الذَّبْحِ وَالْقُدْرَةَ عَلَى الأَْصْل تَمْنَعُ الْمَصِيرَ إِلَى الْخَلَفِ.
ثُمَّ لاَ خِلاَفَ فِي التَّذْكِيَةِ الاِضْطِرَارِيَّةِ بِالسَّهْمِ وَالرُّمْحِ وَالْحَجَرِ وَالْخَشَبِ وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا إِذَا لَمْ стр. 12970
يُجْرَحْ فَلاَ يَحِل أَكْلُهُ (١) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ سُئِل عَنِ الصَّيْدِ بِالْمِعْرَاضِ، فَقَال ﵇: إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُل وَإِذَا أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَقَتَل فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلاَ تَأْكُل (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ جَمِيعَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُسْتَأْنَسَةِ إِذَا شَرَدَتْ وَتَوَحَّشَتْ فَإِنَّهَا لاَ تُؤْكَل بِالْعَقْرِ عَمَلاً بِالأَْصْل، وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ إِنْ تَوَحَّشَ غَيْرُ الْبَقَرِ لَمْ يُؤْكَل بِالْعَقْرِ، وَإِنْ تَوَحَّشَ الْبَقَرُ جَازَ أَكْلُهُ بِالْعَقْرِ، لأَِنَّ الْبَقَرَ لَهَا أَصْلٌ فِي التَّوَحُّشِ تَرْجِعُ إِلَيْهِ، أَيْ شَبَّهَهَا بِبَقَرِ الْوَحْشِ.
وَإِنْ وَقَعَ فِي حُفْرَةٍ عُجِزَ عَنْ إِخْرَاجِهِ فَلاَ يُؤْكَل بِالْعَقْرِ، وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ: يُؤْكَل الْحَيَوَانُ الْمُتَرَدِّي الْمَعْجُوزُ عَنْ ذَكَاتِهِ بَقَرًا أَوْ غَيْرَهُ بِالْعَقْرِ صِيَانَةً لِلأَْمْوَال. (٣) وَلِلتَّفْصِيل:
(ر: صِيَال وَصَيْد) .
ذَكَاةُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ:
٤٨ - سَبَقَ بَيَانُ أَنَّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ стр. 12971
كَالْجَرَادِ لاَ حَاجَةَ فِي حِل أَكْلِهِ إِلَى الذَّكَاةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَال. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى إِزْهَاقِ رُوحِهِ بِفِعْل شَيْءٍ يَمُوتُ بِفِعْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْفِعْل مِمَّا يُعَجِّل الْمَوْتَ مِنْ قَطْعِ رَأْسٍ أَوْ إِلْقَاءٍ فِي نَارٍ أَوْ مَاءٍ حَارٍّ، أَوَمِمَّا لاَ يُعَجِّل كَقَطْعِ جَنَاحٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ إِلْقَاءٍ فِي مَاءٍ بَارِدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ بُدَّ فِي هَذِهِ التَّذْكِيَةِ مِنَ النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ وَسَائِرِ الشَّرَائِطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّذْكِيَةِ. (٢) (ر: أَطْعِمَة)
ذَكَاةُ الْجَنِينِ تَبَعًا لأُِمِّهِ:
٤٩ - إِذَا ذُكِّيَتْ أُنْثَى مِنَ الْحَيَوَانِ فَمَاتَ بِتَذْكِيَتِهَا جَنِينُهَا فَفِي حِل هَذَا الْجَنِينِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. فَمَنْ قَال بِحِلِّهِ قَال إِنَّ ذَكَاتَهُ هِيَ مَوْتُهُ بِسَبَبِ ذَكَاةِ أُمِّهِ، فَهَذَا الْمَوْتُ ذَكَاةٌ تَبَعِيَّةٌ، وَمَنْ قَال بِعَدَمِ حِلِّهِ قَال إِنَّهُ مَيْتَةٌ لأَِنَّ الذَّكَاةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ اسْتِقْلاَلِيَّةً.
وَتَفْصِيل الْخِلاَفِ فِي ذَلِكَ أَنَّ جَنِينَ الْمُذَكَّاةِ الَّذِي خَرَجَ بَعْدَ تَذْكِيَتِهَا لَهُ حَالَتَانِ. (٣) стр. 12972
(الْحَالَةُ الأُْولَى) : أَنْ يَخْرُجَ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً أَوْ جَنِينًا غَيْرَ كَامِل الْخِلْقَةِ فَلاَ يَحِل عِنْدَ الْجُمْهُورِ لأَِنَّهُ مَيْتَةٌ، إِذْ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْمَوْتِ تَقَدُّمُ الْحَيَاةِ. قَال تَعَالَى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ (١) فَمَعْنَى قَوْلِهِ ﴿كُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ كُنْتُمْ مَخْلُوقِينَ بِلاَ حَيَاةٍ، وَذَلِكَ قَبْل أَنْ تَنْفُخَ فِيهِمُ الرُّوحُ.
(الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) : أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ بِأَنْ يَكُونَ جَنِينًا كَامِل الْخِلْقَةِ - أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ - وَلِهَذِهِ الْحَالَةِ صُوَرٌ:
الصُّورَةُ الأُْولَى: أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً فَتَجِبُ تَذْكِيَتُهُ فَإِنْ مَاتَ قَبْل التَّذْكِيَةِ، فَهُوَ مَيْتَةٌ اتِّفَاقًا.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا كَحَيَاةِ مَذْبُوحٍ فَإِنْ أَدْرَكْنَا ذَكَاتَهُ وَذَكَّيْنَاهُ حَل اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ نُدْرِكْ حَل أَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ حَيَاةَ الْمَذْبُوحِ كَلاَ حَيَاةٍ فَكَأَنَّهُ مَاتَ بِتَذْكِيَةِ أُمِّهِ، وَبِنَحْوِ هَذَا قَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ.
وَبِهَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا، لَكِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي حِلِّهِ حِينَئِذٍ أَنْ يَنْبُتَ شَعْرُ جَسَدِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَكَامَل وَلاَ يَكْفِي شَعْرُ رَأْسِهِ أَوْ عَيْنِهِ.
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَخْرُجَ مَيِّتًا وَيُعْلَمَ أَنْ مَوْتَهُ كَانَ قَبْل تَذْكِيَةِ أُمِّهِ فَلاَ يَحِل اتِّفَاقًا، وَيُعْرَفُ مَوْتُهُ قَبْل ذَكَاةِ أُمِّهِ بِأُمُورٍ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا فِي стр. 12973
بَطْنِهَا فَتُضْرَبُ فَتَسْكُنُ حَرَكَتُهُ ثُمَّ تُذَكَّى، فَيَخْرُجُ مَيِّتًا، وَمِنْهَا: أَنْ يَخْرُجَ رَأْسُهُ مَيِّتًا ثُمَّ تُذَكَّى.
الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَخْرُجَ مَيِّتًا بَعْدَ تَذْكِيَةِ أُمِّهِ بِمُدَّةٍ لِتَوَانِي الْمُذَكِّي فِي إِخْرَاجِهِ، فَلاَ يَحِل اتِّفَاقًا لِلشَّكِّ فِي أَنَّ مَوْتَهُ كَانَ بِتَذْكِيَةِ أُمِّهِ أَوْ بِالاِنْخِنَاقِ لِلتَّوَانِي فِي إِخْرَاجِهِ.
الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يَخْرُجَ مَيِّتًا عَقِبَ تَذْكِيَةِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْلَمَ مَوْتُهُ قَبْل التَّذْكِيَةِ فَيَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ التَّذْكِيَةِ لاَ بِسَبَبٍ آخَرَ. وَهَذِهِ الصُّورَةُ مَحَل خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِأَكْلِهِ.
غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا الإِْشْعَارَ، وَهُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَدَلِيل الْجُمْهُورِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ (١) وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَتَذَكَّى بِذَكَاةِ أُمِّهِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّهُ تَبَعٌ لأُِمِّهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا حُكْمًا فَلأَِنَّهُ يُبَاعُ بِبَيْعِ الأُْمِّ؛ وَلأَِنَّ جَنِينَ الأَْمَةِ يَعْتِقُ بِعِتْقِهَا، وَالْحُكْمُ فِي التَّبَعِ يَثْبُتُ بِعِلَّةِ الأَْصْل وَلاَ تُشْتَرَطُ لَهُ عِلَّةٌ عَلَى حِدَةٍ لِئَلاَّ يَنْقَلِبَ التَّبَعُ أَصْلاً. стр. 12974
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١) وَالْجَنِينُ الَّذِي لَمْ يُدْرَكْ حَيًّا بَعْدَ تَذْكِيَةِ أُمِّهِ مَيْتَةٌ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّ حَيَاةَ الْجَنِينِ مُسْتَقِلَّةٌ إِذْ يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهَا بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهِ فَتَكُونُ تَذْكِيَتُهُ مُسْتَقِلَّةً.
هَل يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِكَوْنِ الذَّابِحِ أَهْلاً لِلتَّذْكِيَةِ:
٥٠ - قَال الزَّيْلَعِيُّ: لَوْ أَنَّ بَازِيًا مُعَلَّمًا أَخَذَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ وَلاَ يُدْرَى أَرْسَلَهُ إِنْسَانٌ أَوْ لاَ، لاَ يُؤْكَل لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي الإِْرْسَال، وَلاَ إِبَاحَةَ بِدُونِهِ، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلاً فَهُوَ مَال الْغَيْرِ فَلاَ يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ إِلاَّ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّيْلَعِيِّ صَاحِبِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ، ثُمَّ قَال: وَقَعَ فِي عَصْرِنَا حَادِثَةُ الْفَتْوَى وَهِيَ أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ شَاتَهُ مَذْبُوحَةً بِبُسْتَانِهِ فَهَل يَحِل لَهُ أَكْلُهَا أَوْ لاَ؟ وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّهُ لاَ يَحِل لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي أَنَّ الذَّابِحَ مِمَّنْ تَحِل ذَكَاتُهُ أَوْ لاَ، وَهَل سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهَا أَوْ لاَ؟ لَكِنْ فِي الْخُلاَصَةِ فِي " اللُّقَطَةِ ": إِنْ أَصَابَ قَوْمٌ بَعِيرًا مَذْبُوحًا فِي طَرِيقِ الْبَادِيَةِ وَلَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنَ الْمَاءِ وَوَقَعَ فِي الْقَلْبِ أَنَّ صَاحِبَهُ فَعَل ذَلِكَ إِبَاحَةً لِلنَّاسِ فَلاَ بَأْسَ بِأَخْذِهِ وَالأَْكْل مِنْهُ؛ لأَِنَّ الثَّابِتَ بِالدَّلاَلَةِ كَالثَّابِتِ بِالصَّرِيحِ وَهَذَا مِنْ صَاحِبِ الْخُلاَصَةِ يَدُل عَلَى إِبَاحَةِ الأَْكْل بِالشَّرِيطَةِ الْمَذْكُورَةِ. فَعُلِمَ أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ стр. 12975
الذَّابِحِ أَهْلاً لِلذَّكَاةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ حَادِثَةِ الْفَتْوَى وَاللُّقَطَةِ بِأَنَّ الذَّابِحَ فِي الأُْولَى غَيْرُ الْمَالِكِ قَطْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ يُحْتَمَل. (١)
وَأَفَادَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْبَازِي وَمَسْأَلَةِ الْمَذْبُوحِ فِي الْبُسْتَانِ فَرْقًا وَهُوَ أَنَّ الْبَازِيَ الَّذِي طَبْعُهُ الاِصْطِيَادُ ظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُرْسَلٍ وَغَيْرُ مَمْلُوكٍ لأَِحَدٍ بِخِلاَفِ الذَّابِحِ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ تَحِل ذَبِيحَتُهُ وَأَنَّهُ سَمَّى، وَاحْتِمَال عَدَمِ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي اللَّحْمِ الَّذِي يُبَاعُ فِي السُّوقِ وَهُوَ احْتِمَالٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي التَّحْرِيمِ قَطْعًا.
وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّ مَسْأَلَةَ الْبَعِيرِ الَّذِي وُجِدَ مَذْبُوحًا قُيِّدَتْ بِقَيْدَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنَ الْمَاءِ لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ احْتَمَل أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ فَأَخْرَجَهُ صَاحِبُهُ مِنْهُ فَذَبَحَهُ عَلَى ظَنِّ حَيَاتِهِ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ دَمٌ فَتَرَكَهُ لِعِلْمِهِ بِمَوْتِهِ بِالْمَاءِ، فَلاَ يَتَأَتَّى احْتِمَال أَنَّهُ تَرَكَهُ إِبَاحَةً لِلنَّاسِ.
وَالْقَيْدُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْقَلْبِ أَنَّ صَاحِبَهُ فَعَل ذَلِكَ إِبَاحَةً لِلنَّاسِ، وَالْمَقْصُودُ بِالْوُقُوعِ فِي الْقَلْبِ الظَّنُّ الْغَالِبُ لاَ مُجَرَّدُ الْخُطُورِ فَإِنَّهُ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ.
وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّهُ يَجِبُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَا لَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْمَذْبُوحُ يَسْكُنُهُ أَوْ يَسْلُكُ فِيهِ مَنْ لاَ تَحِل ذَكَاتُهُ كَالْمَجُوسِيِّ أَوْ لاَ، فَفِي стр. 12976
الْحَالَةِ الأُْولَى لاَ يُؤْكَل بِخِلاَفِ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ. (١)
وَيُنَاسِبُ هَذَا مَا فِي كِتَابِ " الإِْقْنَاعِ " فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ " لَوْ أَخْبَرَهُ فَاسِقٌ أَوْ كِتَابِيٌّ أَنَّهُ ذَبَحَ هَذِهِ الشَّاةَ مَثَلاً حَل أَكْلُهَا؛ لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل الذَّبْحِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَجُوسٌ وَمُسْلِمُونَ وَجُهِل ذَابِحُ الْحَيَوَانِ هَل هُوَ مُسْلِمٌ أَوْ مَجُوسِيٌّ لَمْ يَحِل أَكْلُهُ لِلشَّكِّ فِي الذَّبْحِ الْمُبِيحِ وَالأَْصْل عَدَمُهُ، لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَغْلَبَ كَمَا فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحِل، وَفِي مَعْنَى الْمَجُوسِيِّ كُل مَنْ لَمْ تَحِل ذَبِيحَتُهُ. (٢)
وَفِي كِتَابِ " الْمُقْنِعِ " فِي الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِيِّ " إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَسَمَّى الذَّابِحُ أَمْ لاَ، أَوْ ذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ أَمْ لاَ، فَذَبِيحَتُهُ حَلاَلٌ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَنَا كُل مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ وَالْكِتَابِيُّ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّنَا لاَ نَقِفُ عَلَى كُل ذَابِحٍ. (٣) وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ قَوْمًا هُمْ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ لاَ نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوهُ قَال: سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ. (٤)
مَخْنُوقَةُ الْكِتَابِيِّ:
٥١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَخْنُوقَةَ الْكِتَابِيِّ وَمَا стр. 12977
ذُبِحَ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ لاَ يَجُوزُ أَكْلُهُ، لأَِنَّهَا إِذَا لَمْ تُؤْكَل مِنَ الْمُسْلِمِ فَمِنَ الْكِتَابِيِّ أَوْلَى، وَأَمَّا مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ جَوَازِ أَكْل مَخْنُوقَةِ الْكِتَابِيِّ فَقَدْ رَدُّوهُ عَلَيْهِ.
قَال ابْنُ جُزَيٍّ: إِذَا غَابَ الْكِتَابِيُّ عَلَى الذَّبِيحَةِ فَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ يُذَكُّونَ أَكَلْنَا، وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ الْمَيْتَةَ كَنَصَارَى الأَْنْدَلُسِ، أَوْ شَكَكْنَا فِي ذَلِكَ لَمْ نَأْكُل مَا غَابُوا عَلَيْهِ، وَلاَ يَنْبَغِي لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَقْصِدَ الشِّرَاءَ مِنْ ذَبَائِحِ الْيَهُودِ وَيُنْهَى الْمُسْلِمُونَ عَنْ شِرَاءِ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَيُنْهَى الْيَهُودُ عَنِ الْبَيْعِ مِنْهُمْ، وَمَنِ اشْتَرَى مِنْهُمْ فَهُوَ رَجُل سُوءٍ وَلاَ يُفْسَخُ شِرَاؤُهُ، وَقَال ابْنُ شَعْبَانَ: أَكْرَهُ قَدِيدَ الرُّومِ وَجُبْنَهُمْ لِمَا فِيهِ مِنْ إِنْفَحَةِ الْمَيْتَةِ. قَال الْقَرَافِيُّ: وَكَرَاهِيَتُهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّحْرِيمِ لِثُبُوتِ أَكْلِهِمُ الْمَيْتَةَ، وَأَنَّهُمْ يَخْنُقُونَ الْبَهَائِمَ وَيَضْرِبُونَهَا حَتَّى تَمُوتَ. (١) стр. 12978
ذَبْحٌ
انْظُرْ: ذَبَائِحُ
ذِرَاعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الذِّرَاعُ فِي اللُّغَةِ تُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:
الأَْوَّل: الْيَدُ مِنْ كُل حَيَوَانٍ، لَكِنِ الذِّرَاعُ مِنَ الإِْنْسَانِ مِنَ الْمِرْفَقِ إِلَى أَطْرَافِ الأَْصَابِعِ. وَقَال بَعْضُهُمْ: (هِيَ السَّاعِدُ الْجَامِعُ لِعَظْمَيِ الزَّنْدِ. وَالزَّنْدُ وَصْل طَرَفِ الذِّرَاعِ بِالْكَفِّ) وَذِرَاعُ الْيَدِ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ.
الثَّانِي: ذِرَاعُ الْقِيَاسِ الَّتِي تُقَاسُ بِهَا الْمِسَاحَةُ، يُقَال: ذَرَعْتُ الثَّوْبَ ذَرْعًا أَيْ قِسْتُهُ بِالذِّرَاعِ، وَتُجْمَعُ عَلَى أَذْرُعٍ وَذُرْعَانٍ.
وَذِرَاعُ الْقِيَاسِ أُنْثَى فِي الأَْكْثَرِ، وَبَعْضُ الْعَرَبِ يُذَكِّرُهَا.
وَتُسْتَعْمَل فِي الاِصْطِلاَحِ بِالْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أَوَّلاً: بِالنِّسْبَةِ لِلْمَعْنَى الأَْوَّل:
أ - الْيَدُ:
٢ - الْيَدُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْمَنْكِبِ إِلَى أَطْرَافِ стр. 12979
الأَْصَابِعِ، فَهِيَ تَشْمَل الذِّرَاعَ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل، كَمَا تَشْمَل الْعَضُدَ وَالْكَفَّ. فَذِرَاعُ الإِْنْسَانِ جُزْءٌ مِنْ يَدِهِ. وَتُطْلَقُ الْيَدُ عَلَى الإِْحْسَانِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى سَبِيل التَّجَوُّزِ، فَيُقَال: يَدُهُ عَلَيْهِ، أَيْ سُلْطَانُهُ، وَالأَْمْرُ بِيَدِ فُلاَنٍ، أَيْ فِي تَصَرُّفِهِ. (١)
ب - الْمِرْفَقُ:
٣ - الْمِرْفَقُ الْمَفْصِل الَّذِي يَفْصِل بَيْنَ الْعَضُدِ وَالسَّاعِدِ. (٢)
ثَانِيًا: بِالنِّسْبَةِ لِلْمَعْنَى الثَّانِي:
أ - الأُْصْبُعُ، الْقَبْضَةُ، الْقَصَبَةُ، الأَْشْل، الْقَفِيزُ، الْعَشِيرُ:
٤ - جَاءَ فِي الْمِصْبَاحِ: أَنَّ مَجْمُوعَ عَرْضِ كُل سِتِّ شَعِيرَاتٍ مُعْتَدِلاَتٍ يُسَمَّى أُصْبُعًا، وَالْقَبْضَةَ أَرْبَعُ أَصَابِعَ، وَالذِّرَاعَ سِتُّ قَبَضَاتٍ، وَكُل عَشَرَةِ أَذْرُعٍ تُسَمَّى قَصَبَةً، وَكُل عَشْرِ قَصَبَاتٍ تُسَمَّى أَشْلاً، (٣) وَقَدْ سُمِّيَ مَضْرُوبُ الأَْشْل فِي نَفْسِهِ جَرِيبًا، وَيُسَمَّى مَضْرُوبُ الأَْشْل فِي الْقَصَبَةِ قَفِيزًا، وَمَضْرُوبُ الأَْشْل فِي الذِّرَاعِ стр. 12980
عَشِيرًا. فَحَصَل مِنْ هَذَا أَنَّ الْجَرِيبَ عَشَرَةُ آلاَفِ ذِرَاعٍ. (١)
ب - الْمِيل وَالْفَرْسَخُ وَالْبَرِيدُ:
٥ - الْمِيل بِالْكَسْرِ عِنْدَ الْعَرَبِ يُطْلَقُ عَلَى مِقْدَارِ مَدَى الْبَصَرِ مِنَ الأَْرْضِ كَمَا نَقَلَهُ الْمِصْبَاحُ عَنِ الأَْزْهَرِيِّ. وَعِنْدَ الْقُدَمَاءِ مِنْ أَهْل الْهَيْئَةِ هُوَ ثَلاَثَةُ آلاَفِ ذِرَاعٍ. وَعِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ مِنْهُمْ أَرْبَعُهُ آلاَفِ ذِرَاعٍ. قَال فِي الْمِصْبَاحِ: وَالْخِلاَفُ لَفْظِيٌّ؛ لأَِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِقْدَارَهُ سِتَّةٌ وَتِسْعُونَ أَلْفَ أُصْبُعٍ. . وَلَكِنِ الْقُدَمَاءُ يَقُولُونَ: الذِّرَاعُ اثْنَانِ وَثَلاَثُونَ أُصْبُعًا، وَالْمُحْدَثُونَ يَقُولُونَ: أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا.
أَمَّا الْفَرْسَخُ فَهُوَ ثَلاَثَةُ أَمْيَالٍ، وَالْبَرِيدُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ أَيِ اثْنَا عَشَرَ مِيلاً. (٢)
الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالذِّرَاعِ:
الذِّرَاعُ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل - أَيِ السَّاعِدُ - ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ وَبَيَّنُوا أَحْكَامَهَا فِي مَسَائِل نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَلِي:
أ - غَسْل الذِّرَاعَيْنِ فِي الْوُضُوءِ:
٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ غَسْل стр. 12981
الذِّرَاعِ فِي الْوُضُوءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١) .
وَالْمِرْفَقُ مُجْتَمَعُ طَرَفِ السَّاعِدِ وَالْعَضُدِ، أَوْ هُوَ آخِرُ عَظْمِ الذِّرَاعِ الْمُتَّصِل بِالْعَضُدِ فَشَمَلَتِ الآْيَةُ كُل الذِّرَاعِ إِلَى الْمِرْفَقِ، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِي فَرْضِيَّةِ غَسْل الْمِرْفَقِ نَفْسِهِ. فَالْجُمْهُورُ وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمِرْفَقَ يَجِبُ غَسْلُهُ كَذَلِكَ، فَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ مَعَ الْمَرَافِقِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَل يَدَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدَيْنِ ثُمَّ قَال: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ (٢) .
وَقَال زُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ: إِنَّهُ لاَ يَجِبُ غَسْل الْمِرْفَقَيْنِ؛ لأَِنَّ الْغَايَةَ لاَ تَدْخُل تَحْتَ الْمُغَيَّا، فَالْمِرْفَقَانِ لاَ يَدْخُلاَنِ فِي الْغَسْل، كَمَا لاَ يَدْخُل اللَّيْل فِي الصَّوْمِ (٣) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ (٤) стр. 12982
وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ مَعَ أَدِلَّةِ الْجُمْهُورِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (وُضُوء) .
ب - افْتِرَاشُ الذِّرَاعَيْنِ فِي الصَّلاَةِ:
٧ - يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَفْتَرِشَ ذِرَاعَيْهِ فِي الصَّلاَةِ، أَيْ يَبْسُطَهُمَا فِي حَالَةِ السَّجْدَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، (١) وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلاَ يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ (٢) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَة) بَحْثِ مَا يُكْرَهُ فِيهَا.
ج - الْجِنَايَةُ عَلَى الذِّرَاعِ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَطَعَ ذِرَاعَ إِنْسَانٍ مِنَ الْمَفْصِل، أَيِ الْمِرْفَقِ، فَفِي الْعَمْدِ قِصَاصٌ، وَفِي الْخَطَأِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي قَطْعِ الذِّرَاعِ أَوْ كَسْرِهَا مِنْ غَيْرِ الْمَفْصِل:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَنْ جَنَى عَلَى ذِرَاعِ إِنْسَانٍ فَكَسَرَهَا فَلاَ قِصَاصَ فِيهِ وَلاَ دِيَةَ مُعَيَّنَةٌ، عَمْدًا كَانَ أَوْ стр. 12983
خَطَأً، بَل تَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ، (١) وَذَلِكَ لاِمْتِنَاعِ تَحْقِيقِ الْمُمَاثَلَةِ، وَهِيَ الأَْصْل فِي جَرَيَانِ الْقِصَاصِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَكْسِرُ زِيَادَةً عَنْ عُضْوِ الْجَانِي، أَوْ يَقَعُ خَلَلٌ فِيهِ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ تَقْدِيرٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الدِّيَةِ. (٢)
لَكِنِ الْحَنَابِلَةُ صَرَّحُوا بِأَنَّ فِي كَسْرِ الزَّنْدِ أَرْبَعَةَ أَبْعِرَةٍ لأَِنَّهُ عَظْمَانِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ تَقْدِيرَ فِي جِرَاحِ الْبَدَنِ غَيْرَ الْخَمْسَةِ: الضِّلْعِ، وَالتَّرْقُوَتَيْنِ، وَالزَّنْدَيْنِ؛ لأَِنَّ التَّقْدِيرَ يَثْبُتُ بِالتَّوْقِيفِ، وَمُقْتَضَى الدَّلِيل وُجُوبُ الْحُكُومَةِ فِي هَذِهِ الْعِظَامِ الْبَاطِنَةِ، وَإِنَّمَا خَالَفْنَاهُ فِي هَذِهِ الْعِظَامِ لِقَضَاءِ عُمَرَ ﵁، فَفِيمَا عَدَاهَا يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيل. (٣)
وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الذِّرَاعِ بَعِيرَانِ، إِذَا جُبِرَ ذَلِكَ مُسْتَقِيمًا، بِأَنْ بَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَغَيَّرَ عَنْ صِفَتِهِ. وَإِنْ لَمْ يَنْجَبِرْ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ. (٤)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُقَادُ فِي كَسْرِ الْعِظَامِ إِلاَّ فِيمَا يَعْظُمُ خَطَرُهُ كَالرَّقَبَةِ وَالْفَخِذِ وَالصُّلْبِ. (٥) стр. 12984
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (دِيَة، وَقِصَاص، وَجِنَايَة) .
ثَانِيًا - الذِّرَاعُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي:
الذِّرَاعُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي، أَيْ مَا يُقَاسُ بِهَا، ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ فِي مَسَائِل مِنْهَا مَا يَلِي:
أ - تَقْدِيرُ الْمَاءِ الْكَثِيرِ:
٩ - قَدَّرَ الْفُقَهَاءُ الْمَاءَ الْكَثِيرَ وَالْقَلِيل بِالذِّرَاعِ فِيمَا إِذَا خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (مِيَاه) .
ب - تَحْدِيدُ مَسَافَةِ السَّفَرِ:
١٠ - الْمُسَافِرُ لَهُ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ كَجَوَازِ الإِْفْطَارِ وَقَصْرِ الصَّلاَةِ الرَّبَاعِيَةِ وَجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَسُقُوطِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَنَحْوِهَا.
وَالأَْصْل فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلاَةِ. (١)
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ السَّفَرِ الَّذِي تَثْبُتُ لَهُ هَذِهِ الأَْحْكَامُ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي صَلاَةِ الْمُسَافِرِ وَالصِّيَامِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. стр. 12985
ذُرِّيَّةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الذُّرِّيَّةُ: إِمَّا فُعْلِيَّةٌ: مِنَ الذَّرِّ: أَيْ صِغَارِ النَّمْل أَوْ فُعُّولَةٌ: مِنَ الذَّرْءِ وَهُوَ الْخَلْقُ أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ يَاءً، ثُمَّ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً، وَأُدْغِمَتِ الْيَاءُ فِي الْيَاءِ، وَالْجَمْعُ ذُرِّيَّاتٌ وَذَرَارِيُّ، وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ: قِيل: نَسْل الثَّقَلَيْنِ، وَقِيل: هِيَ وَلَدُ الرَّجُل، وَقِيل: مِنْ أَسْمَاءِ الأَْضْدَادِ تَجِيءُ تَارَةً بِمَعْنَى الأَْبْنَاءِ (١) قَال تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (٢) . وَتَجِيءُ تَارَةً بِمَعْنَى الآْبَاءِ وَالأَْجْدَادِ. (٣) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٤) . وَالاِصْطِلاَحُ الشَّرْعِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. стр. 12986
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الأَْوْلاَدُ:
٢ - الأَْوْلاَدُ جَمْعُ وَلَدٍ، وَيُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى. (١)
ب - النَّسْل:
٣ - النَّسْل فِي الأَْصْل عِبَارَةٌ عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ مُطْلَقًا، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الأَْوْلاَدِ وَالذُّرِّيَّةِ.
ج - الْعَقِبُ:
٤ - الْعَقِبُ هُوَ الْوَلَدُ: مِنْ أَعْقَبَ الرَّجُل إِذَا مَاتَ وَخَلَّفَ عَقِبًا أَيْ وَلَدًا. (٢)
د - الأَْحْفَادُ:
٥ - الأَْحْفَادُ أَوِ الْحَفَدَةُ بِفَتْحَتَيْنِ: يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ: عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ وَعَلَى الأَْعْوَانِ وَالْخَدَمِ وَالأَْخْتَانِ وَالأَْصْهَارِ، وَالْمُفْرَدُ: حَفِيدٌ وَحَافِدٌ. (٣)
هـ - الأَْسْبَاطُ:
٦ - الأَْسْبَاطُ: جَمْعُ سِبْطٍ، وَهُوَ وَلَدُ الاِبْنِ وَالاِبْنَةِ. (٤) стр. 12987
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الذُّرِّيَّةَ تَتَنَاوَل الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ دَخَل فِيهِ أَوْلاَدُ الْبَنَاتِ؛ لأَِنَّ الْبَنَاتِ ذُرِّيَّتُهُ، وَأَوْلاَدُهُنَّ ذُرِّيَّةٌ لَهُ حَقِيقَةً، فَيَجِبُ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْوَقْفِ، وَدَل عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْل وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَعِيسَى﴾ (١) وَهُوَ مِنْ وَلَدِ بِنْتِهِ، فَجَعَلَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ " عِيسَى " وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَإِسْمَاعِيل وَإِدْرِيسَ ثُمَّ قَال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ (٢) وَعِيسَى مَعَهُمْ. (٣)
وَقَال الْخِرَقِيُّ: لاَ يَدْخُل أَوْلاَدُ الْبَنَاتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ، وَاسْتَدَل بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ﴾ (٤) فَدَخَل فِيهِ أَوْلاَدُ الْبَنِينَ دُونَ أَوْلاَدِ الْبَنَاتِ وَهَكَذَا كُل مَوْضُوعٍ ذُكِرَ فِيهِ الْوَلَدُ فِي الإِْرْثِ وَالْحَجْبِ يَدْخُل وَلَدُ الْبَنِينَ دُونَ وَلَدِ стр. 12988
الْبَنَاتِ، وَالذُّرِّيَّةُ وَالنَّسْل فِي حُكْمِ الأَْوْلاَدِ. (١) يُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (وَلَد) وَبَابِ الْوَقْفِ
ذَرْعِيَّاتٌ
ر مِثْلِيٌّ стр. 12989
ذَرْقٌ
١ - الذَّرْقُ فِي اللُّغَةِ خَرْءُ الطَّائِرِ، مِنْ ذَرَقَ الطَّائِرُ يَذْرِقُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا ذَرْقًا وَذُرَاقًا إِذَا رَمَى بِسَلْحِهِ. وَهُوَ مِنْ الطَّائِرِ كَالتَّغَوُّطِ مِنَ الإِْنْسَانِ. وَقَدْ يُسْتَعَارُ فِي الثَّعْلَبِ وَالسَّبُعِ. (١)
وَيُطْلَقُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ نَفْسِهِ. (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - الْخَرْءُ وَالذَّرْقُ وَالْخِثْيُ وَالْبَعْرُ وَالرَّوْثُ وَالنَّجْوُ وَالْعَذِرَةُ أَلْفَاظٌ تُطْلَقُ عَلَى فَضْلَةِ الْحَيَوَانِ الْخَارِجَةِ مِنَ الدُّبُرِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ كَمَا جَاءَ فِي ابْنِ عَابِدِينَ أَنَّ الرَّوْثَ يَكُونُ لِلْفَرَسِ وَالْبَغْل وَالْحِمَارِ، وَالْخِثْيَ لِلْبَقَرِ وَالْفِيل، وَالْبَعْرَ لِلإِْبِل وَالْغَنَمِ، وَالْخَرْءَ لِلطُّيُورِ، وَالنَّجْوَ لِلْكَلْبِ، وَالْعَذِرَةَ لِلإِْنْسَانِ، وَالرَّجِيعُ يُطْلَقُ عَلَى الرَّوْثِ وَالْعَذِرَةِ. (٣) стр. 12990
وَهَذَا فِي الْغَالِبِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَل بَعْضُهَا مَكَانَ بَعْضٍ تَوَسُّعًا، كَمَا وَرَدَ فِي عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أَوَّلاً: ذَرْقُ الطُّيُورِ الَّتِي يُؤْكَل لَحْمُهَا:
٣ - ذَرْقُ الطُّيُورِ مِمَّا يُؤْكَل لَحْمُهُ كَالْحَمَامِ وَالْعَصَافِيرِ، طَاهِرٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) وَذَلِكَ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ بِسَبَبِ امْتِلاَءِ الطُّرُقِ وَالْخَانَاتِ بِهَا؛
وَلإِِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَرْكِ الْحَمَامِ فِي الْمَسَاجِدِ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنْ أَصَابَ شَيْءٌ مِنْهُ بَدَنَ الإِْنْسَانِ أَوْ ثَوْبَهُ دَاخِل الصَّلاَةِ أَوْ خَارِجَهَا لاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ وَلاَ يَنْجُسُ ثَوْبُهُ. (٢)
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ خَرْءَ الدَّجَاجِ وَالْبَطِّ الأَْهْلِيِّ؛ لأَِنَّهُمَا يَتَغَذَّيَانِ بِنَجَسٍ فَلاَ يَخْلُو خَرْؤُهُمَا مِنَ النَّتِنِ وَالْفَسَادِ. (٣)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - بِنَجَاسَةِ خَرْءِ الطُّيُورِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ مَأْكُول اللَّحْمِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْل (٤) وَلأَِنَّهُ رَجِيعٌ فَكَانَ نَجَسًا كَرَجِيعِ الآْدَمِيِّ. следующие страницы →