← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 13021–13060 · переход к 13026.

стр. 13021

فَقِيل: ذِكْرُ الْقَلْبِ أَفْضَل، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ، وَقِيل: لاَ ثَوَابَ فِي الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَحْدَهُ نَقَلَهُ الْهَيْتَمِيُّ عَنْ عِيَاضٍ وَالْبُلْقِينِيِّ، وَقِيل: ذِكْرُ اللِّسَانِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنِ الْمَعْنَى يَحْصُل بِهِ الثَّوَابُ وَهُوَ أَفْضَل مِنَ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَحْدَهُ؛ لأَِنَّ فِي ذِكْرِ اللِّسَانِ امْتِثَالاً لأَِمْرِ الشَّرْعِ مِنْ حَيْثُ الذِّكْرُ؛ لأَِنَّ مَا تَعَبَّدَنَا بِهِ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِالتَّلَفُّظِ بِهِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ، بِخِلاَفِ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَحْدَهُ فَلاَ يَحْصُل بِهِ الاِمْتِثَال. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الذِّكْرِ الْقَلْبِيِّ بِالْمَعْنَى الْمُبَيَّنِ، أَمَّا الذِّكْرُ الْقَلْبِيُّ بِمَعْنَى تَذَكُّرِ عَظَمَةِ اللَّهِ عِنْدَ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَإِرَادَةِ الْفِعْل الَّذِي فِيهِ رِضَاهُ فَيَفْعَلُهُ، أَوِ الَّذِي فِيهِ سُخْطُهُ فَيَتْرُكُهُ، وَالتَّفَكُّرُ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَبَرُوتِهِ وَآيَاتِهِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ وَمَصْنُوعَاتِهِ فَقَال عِيَاضٌ: هَذَا النَّوْعُ لاَ يُقَارِبُهُ ذِكْرُ اللِّسَانِ، فَكَيْفَ يَفْضُلُهُ. (١) وَفِي الْحَدِيثِ خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ (٢) .

стр. 13022

صِيَغُ الذِّكْرِ: ٥ - الأَْذْكَارُ الْقَوْلِيَّةُ قِسْمَانِ: أَذْكَارٌ مَأْثُورَةٌ، وَهِيَ مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَعْلِيمُهَا وَالأَْمْرُ بِهَا، أَوْ وَرَدَ عَنْهُ قَوْلُهَا فِي مُنَاسَبَةٍ خَاصَّةٍ أَوْ فِي غَيْرِ مُنَاسَبَةٍ، وَمِنْ قَبِيل الذِّكْرِ الْمَأْثُورِ الأَْذْكَارُ الْقُرْآنِيَّةُ كَذِكْرِ رُكُوبِ الدَّابَّةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (١) . الْقِسْمُ الأَْوَّل: الأَْذْكَارُ الْمَأْثُورَةُ: ٦ - الأَْذْكَارُ الْوَارِدَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ أَفْرَدَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالتَّأْلِيفِ مِنْهُمُ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الْجَزَرِيِّ وَغَيْرُهُمَا. وَالْقُرْآنُ وَإِنْ كَانَ كُلُّهُ ذِكْرًا بِالْمَعْنَى الأَْعَمِّ لِلذِّكْرِ إِلاَّ أَنَّ فِيهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ - وَهُوَ الذِّكْرُ بِالْمَعْنَى الأَْخَصِّ - الشَّيْءُ الْكَثِيرُ الطَّيِّبُ. وَقَدْ جَمَعَ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ جُمَلاً مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا الشَّيْخُ صِدِّيق حَسَن خَان فِي بَابِ الدَّعَوَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ مِنْ كِتَابِهِ (٢) . فَمِنْ ذَلِكَ أَمْرُهُ تَعَالَى لَنَا بِالاِسْتِعَاذَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣) .

стр. 13023

وَأَمَّا الْمَأْثُورَاتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَثِيرَةٌ وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ الْبَحْثِ جُمْلَةٌ مِنْهَا. ثُمَّ الْمَأْثُورَاتُ عَنْهُ ﷺ مِنْهَا مَا وَرَدَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ مُطْلَقًا أَوْ لِسَبَبٍ، وَمِنْهَا مَا وَرَدَ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ مُطْلَقًا أَوْ لِسَبَبٍ، فَيُتَّبَعُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وَفِيمَا يَلِي مِنَ الأَْذْكَارِ الْمَأْثُورَاتِ أَنْوَاعٌ خُصَّتْ بِمَزِيدِ تَوْكِيدٍ: التَّهْلِيل ٧ - وَهُوَ قَوْل (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (١) وَمَعْنَاهَا نَفْيُ الأُْلُوهِيَّةِ عَنْ كُل شَيْءٍ وَكُل أَحَدٍ، وَإِثْبَاتُ اسْتِحْقَاقِهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، فَلاَ رَبَّ غَيْرُهُ وَلاَ يُعْبَدُ سِوَاهُ. وَتُسَمَّى هَذِهِ الْكَلِمَةُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، فَإِنَّهَا تَدُل عَلَى نَفْيِ الشَّرِيكِ عَلَى الإِْطْلاَقِ. وَتُسَمَّى أَيْضًا كَلِمَةَ الإِْخْلاَصِ (٢) . وَكَلِمَةُ التَّوْحِيدِ خُلاَصَةُ دَعْوَةِ الرُّسُل، كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٣) وَلاَ يَصِحُّ الإِْيمَانُ لِلْقَادِرِ إِلاَّ بِالنُّطْقِ بِهَا مَعَ التَّصْدِيقِ بِمَعْنَاهَا بِالْجَنَانِ، وَقِيل: يَحْصُل بِالتَّصْدِيقِ بِهَا وَهُوَ عَاصٍ بِتَرْكِ اللَّفْظِ،

стр. 13024

وَالْجُمْهُورُ عَلَى الأَْوَّل (١) . وَمَنْ شَهِدَ بِهَا وَبِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ دَخَل فِي الإِْسْلاَمِ حُكْمًا (ر: إِسْلاَم) ، وَقَدْ جُعِلَتِ الشَّهَادَتَانِ جُزْءًا مِنَ الأَْذَانِ، وَهُمَا ذِكْرٌ مِنْ أَذْكَارِ الصَّلاَةِ وَاجِبٌ، وَقِيل: سُنَّةٌ (ر: أَذَان، وَتَشَهُّد) . وَفَضْل التَّهْلِيل عَظِيمٌ، وَوَرَدَ فِي ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَال لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ (٢) وَقَوْلُهُ: أَفْضَل الذِّكْرِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (٣) . وَالتَّهْلِيل مُسْتَحَبٌّ فِي كُل وَقْتٍ وَحَالٍ، وَوَرَدَ فِي السُّنَّةِ الأَْمْرُ بِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا: عِنْدَ دُخُول السُّوقِ؛ لِحَدِيثِ: مَنْ دَخَل السُّوقَ فَقَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفَ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ دَرَجَةٍ (٤) .

стр. 13025

وَمِنْهَا إِذَا أَصْبَحَ الإِْنْسَانُ وَإِذَا أَمْسَى، بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ وَصَلاَةِ الْمَغْرِبِ وَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ، وَمِنْهَا إِذَا سَبَقَ لِسَانُهُ بِالْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ مَنْ حَلَفَ فَقَال فِي حَلِفِهِ وَاللاَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُل لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (١) . التَّسْبِيحُ: ٨ - وَهُوَ قَوْل " سُبْحَانَ اللَّهِ ". وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْقَائِل يُنَزِّهُ اللَّهَ تَعَالَى تَنْزِيهًا عَنْ كُل نَقْصٍ، وَمِنْهُ نَفْيُ الشَّرِيكِ وَالصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ وَجَمِيعِ النَّقْصِ (٢) . وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ مُرْسَلاً أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال - فِي قَوْل الْعَبْدِ سُبْحَانَ اللَّهِ -: تَنْزِيهُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ (٣) . وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّسْبِيحِ مُطْلَقًا كَمَا فِي: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (٤) وَقَوْلِهِ:

стр. 13026

﴿وَتَوَكَّل عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ (١) . وَالأَْكْثَرُ قَرْنُ التَّسْبِيحِ بِاسْمٍ دَالٍّ عَلَى التَّعْظِيمِ، أَوْ بِالْحَمْدِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ التَّسْبِيحَ تَنْزِيهٌ وَتَخْلِيَةٌ فَهُوَ مِنْ بَابِ السَّلْبِ، وَالْحَمْدُ ثَنَاءٌ بِصِفَاتِ الْكَمَال فَهُوَ مِنْ بَابِ الإِْيجَابِ (٢) ، وَلِذَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (٣) وَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَْعْلَى﴾ (٤) وَقَال ﴿وَتَوَكَّل عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ (٥) وَقَال ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٦) . وَفَضْل التَّسْبِيحِ عَظِيمٌ كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ : كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ (٧) . وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِالتَّسْبِيحِ فِي الْقُرْآنِ ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٨) ، وَ ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (٩) ﴿

стр. 13027

وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْل فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ (١) . وَفِي السُّنَّةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا دُعَاءُ الاِسْتِفْتَاحِ " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ. . . " إِلَخْ (٢) . وَالأَْمْرُ بِالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ " وَفِي السُّجُودِ " بِسُبْحَانَ رَبِّيَ الأَْعْلَى (٣) " وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِفِعْلِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ. وَجُعِل التَّسْبِيحُ لِمَنْ فِي الصَّلاَةِ إِذَا نَابَهُ أَمْرٌ تَنْبِيهًا لِغَيْرِهِ، وَأَمَرَ بِهِ وَعِنْدَ سَمَاعِ الرَّعْدِ. وَكَذَا إِنْ حَكَى نِسْبَةَ مَا فِيهِ نَقْصٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ، كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ (٤) أَوْ سَمِعَ ذَلِكَ، أَوْ سَمِعَ مَا يَتَعَجَّبُ مِنْهُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ جُنُبًا وَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ فَانْخَنَسَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ :

стр. 13028

سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ (١) . وَفِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْمَسَائِل تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَسْبِيح) . التَّحْمِيدُ: ٩ - وَيُسَمَّى أَيْضًا الْحَمْدَلَةَ، وَهُوَ قَوْل: الْحَمْدُ لِلَّهِ نُطْقًا. وَمَعْنَى كَوْنِ الْحَمْدِ لِلَّهِ: أَنَّ كُل حَمْدٍ أَوْ حَقِيقَةَ الْحَمْدِ أَوِ الْحَمْدَ الْمَعْهُودَ أَيِ الَّذِي حَمِدَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَحَمِدَهُ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ، مَمْلُوكٌ أَوْ مُسْتَحَقٌّ لَهُ، فَحَمْدُ غَيْرِهِ لاَ اعْتِدَادَ بِهِ؛ لأَِنَّ كُل النِّعَمِ مِنْهُ تَعَالَى، وَفِي الْحَدِيثِ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ (٢) . وَهَذَا يُرَجِّحُ أَنَّ الْمَعْنَى الاِسْتِغْرَاقُ وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ (٣) . وَحَقِيقَةُ الْحَمْدِ: الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيل الاِخْتِيَارِيِّ عَلَى قَصْدِ التَّبْجِيل، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمَدْحَ، فَإِنَّ الْمَدْحَ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيل الاِخْتِيَارِيِّ وَغَيْرِهِ (٤) . وَقِيل الْحَمْدُ الْوَصْفُ

стр. 13029

بِالْجَمِيل اخْتِيَارِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ بِقَصْدِ الثَّنَاءِ (١) ، وَهَذَا أَصَحُّ. وَقِيل الْحَمْدُ فِي الْعُرْفِ يَكُونُ بِالْقَوْل وَبِالْفِعْل أَيْضًا (٢) . وَمَعْنَى الشُّكْرِ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْحَمْدِ إِلاَّ أَنَّهُ كَمَا قَال الزَّمَخْشَرِيُّ أَعَمُّ مَوْرِدًا، أَيْ لأَِنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، وَالْحَمْدُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ، وَالْحَمْدُ أَعَمُّ مُتَعَلَّقًا؛ لأَِنَّ الشُّكْرَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ، وَالْحَمْدُ يَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ وَيَكُونُ لِمُجَرَّدِ اتِّصَافِ الْمَحْمُودِ بِالْجَمِيل. قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَالتَّمْجِيدُ أَخَصُّ مِنَ التَّحْمِيدِ، فَإِنَّ التَّمْجِيدَ: الْمَدْحُ بِصِفَاتِ الْجَلاَل وَالْمُلْكِ وَالسُّؤْدُدِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ (٣) . وَالذِّكْرُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَتَمْجِيدِهِ وَشُكْرِهِ مَأْمُورٌ بِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَفَضْلُهُ كَبِيرٌ، قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ (٤) وَقَال ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأََزِيدَنَّكُمْ﴾ (٥) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ لِلأَْسْوَدِ بْنِ سُرَيْعٍ: إِنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الْحَمْدَ (٦) وَقَال:

стр. 13030

الْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأَُ الْمِيزَانَ (١) . وَتُسَنُّ الْحَمْدَلَةُ فِي ابْتِدَاءِ كُل عَمَلٍ ذِي بَالٍ، فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَخُطْبَةِ النِّكَاحِ، وَالْخُطْبَةِ عِنْدَ عَقْدِهِ، وَفِي التَّدْرِيسِ، وَالتَّصْنِيفِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَبَعْدَ الأَْكْل أَوِ الشُّرْبِ وَعِنْدَ الْعُطَاسِ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْخَلاَءِ، وَفِي افْتِتَاحِ الدُّعَاءِ وَاخْتِتَامِهِ وَعِنْدَ حُصُول النِّعَمِ أَوِ انْدِفَاعِ الْمَكْرُوهِ وَيُسَنُّ لِمَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ أَنْ يَقُول: (الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُل حَالٍ) . (٢) وَاسْتِيفَاؤُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَحْمِيد) . التَّكْبِيرُ: ١٠ - وَهُوَ لُغَةً التَّعْظِيمُ، وَشَرْعًا قَوْل: (اللَّهُ أَكْبَرُ) . وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِهِ مُطْلَقًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٣) وَقَوْلِهِ: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (٤) وَقَوْلِهِ ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٥) ، وَفِي السُّنَّةِ

стр. 13031

قَال النَّبِيُّ ﷺ : كُل تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ (١) . وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا فِي الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَمِنْهَا تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ بِالصَّلاَةِ وَتَكْبِيرَاتُ الاِنْتِقَال فِيهَا، وَالتَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْخُطْبَةِ وَالصَّلاَةِ، وَالتَّكْبِيرُ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُكَبَّرُ فِي صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ. وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ عَقِبَ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَعِنْدَ تَمَامِ الصَّوْمِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِيدَ، وَفِي يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ طَوَافِهِ، وَعِنْدَ ابْتِدَاءِ سَعْيِهِ، وَفِي أَثْنَاءِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. وَيُكَبِّرُ الذَّابِحُ وَالصَّائِدُ مَعَ التَّسْمِيَةِ، وَسُنَّ التَّكْبِيرُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلاَل وَيُسَنُّ لِلْمُسَافِرِ إِذَا عَلاَ شَرَفًا أَوْ رَكِبَ دَابَّةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَكْبِير) . وَوَرَدَ فِي فَضْلِهِ أَحَادِيثُ مِنْهَا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : أَحَبُّ الْكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ فَذَكَرَ مِنْهُنَّ التَّكْبِيرَ (٣) .

стр. 13032

الْحَوْقَلَةُ: ١١ - هِيَ قَوْل: " لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ ". وَمَعْنَاهَا عَلَى مَا قَال ابْنُ حَجَرٍ: لاَ تَحْوِيل لِلْعَبْدِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلاَّ بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَلاَ قُوَّةَ لَهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلاَّ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَفِي الْفُتُوحَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ أَنَّ تَفْسِيرَهَا بِذَلِكَ رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا (١) وَفِي لَفْظِهِ: بِعَوْنِ اللَّهِ. وَقَال النَّوَوِيُّ: هِيَ اسْتِسْلاَمٌ وَتَفْوِيضٌ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِ شَرٍّ وَلاَ قُوَّةٌ فِي جَلْبِ نَفْعٍ، إِلاَّ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ. وَوَرَدَ فِي فَضْلِهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لأَِبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ: لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ (٢) . وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِقَوْلِهَا مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِقَوْلِهَا فِي إِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ عِنْدَ قَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، وَحَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ (٣) .

стр. 13033

وَوَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الأَْمْرُ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ (١) . وَاسْتِيفَاءُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَوْقَلَة) . الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: ١٢ - هَذِهِ الأَْنْوَاعُ الْخَمْسَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنَ الأَْذْكَارِ الْمَأْثُورَةِ وَرَدَ تَسْمِيَتُهَا " الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ " وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : اسْتَكْثِرُوا مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ. قِيل: وَمَا هِيَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيل وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَلاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ (٢) وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا قُل سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَهُنَّ يَحْطُطْنَ الْخَطَايَا كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا، وَهُنَّ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ. وَفِي لَفْظٍ خُذْهُنَّ قَبْل أَنْ يُحَال بَيْنَكَ وَبَيْنَهُنَّ (٣) . وَوَرَدَ فِي فَضْل الأَْرْبَعِ الأُْوَل مِنْهُنَّ أَحَادِيثُ

стр. 13034

جَامِعَةٌ، مِنْهَا أَنَّهُنَّ " أَحَبُّ الْكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ " (١) وَمِنْهَا حَدِيثُ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا " هُنَّ أَفْضَل الْكَلاَمِ بَعْدَ الْقُرْآنِ، وَهُنَّ مِنَ الْقُرْآنِ، لاَ يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ " (٢) وَأَنَّهُنَّ " أَحَبُّ إِلَيْهِ ﷺ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ " (٣) . " وَأَنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنَ الْكَلاَمِ أَرْبَعًا " (٤) فَذَكَرَهُنَّ (٥) . وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِقَوْلِهِنَّ بَعْدَ السَّلاَمِ مِنَ الصَّلاَةِ، وَيَأْتِي صِيغَةُ ذَلِكَ. الاِسْتِرْجَاعُ: ١٣ - هُوَ قَوْل " إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ". وَمَعْنَى " إِنَّا لِلَّهِ " إِقْرَارُ قَائِلِهَا أَنَّنَا نَحْنُ وَأَهْلُنَا وَأَمْوَالُنَا عَبِيدٌ لِلَّهِ يَصْنَعُ فِينَا مَا يَشَاءُ. وَمَعْنَى " وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " إِقْرَارُ قَائِلِهَا عَلَى نَفْسِهِ بِالْهَلاَكِ ثُمَّ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ إِلَى انْفِرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحُكْمِ كَمَا كَانَ أَوَّل مَرَّةٍ.

стр. 13035

وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِقَوْلِهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ مُطْلَقًا، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً فَإِنَّهَا تُسَهِّل عَلَى الإِْنْسَانِ فَقْدَ مَا فَقَدَ، قَال تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١) وَوَرَدَ فِي السُّنَّةِ الأَْمْرُ بِهَا لِمَنْ مَاتَ لَهُ مَيِّتٌ، أَوْ بَلَغَهُ وَفَاةُ صَدِيقِهِ (٢) ، وَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَيَانُ بَعْضِ ذَلِكَ. التَّسْمِيَةُ: ١٤ - وَهِيَ قَوْل (بِسْمِ اللَّهِ) أَوْ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . يُقَال: سَمَّيْتُ اللَّهَ تَعَالَى أَيْ قُلْتَ بِسْمِ اللَّهِ، وَيُقَال أَيْضًا: بَسْمَلْتُ، وَالْمَصْدَرُ الْبَسْمَلَةُ. وَمَعْنَاهَا: أَبْتَدِئُ هَذَا الْفِعْل أَوْ هَذَا الْقَوْل مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ عَلَى إِتْمَامِهِ، أَوْ مُتَبَرِّكًا بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعَالَى. وَقَدِ افْتَتَحَ اللَّهُ بِهَا فَاتِحَةَ كِتَابِهِ وَجَمِيعَ سُوَرِهِ مَا عَدَا سُورَةَ (بَرَاءَةٌ) . وَوَرَدَ الأَْمْرُ بِقَوْلِهَا فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ وَعِنْدَ الْغُسْل وَدُخُول الْمَسْجِدِ أَوِ الْخُرُوجِ مِنْهُ وَعَلَى الذَّبْحِ وَإِرْسَال النَّصْل أَوِ الْجَارِحَةِ عَلَى الصَّيْدِ وَعَلَى الأَْكْل أَوِ الشُّرْبِ أَوِ الْجِمَاعِ، وَكَذَا عِنْدَ دُخُول الْخَلاَءِ (٣) . وَيُنْظَرُ

стр. 13036

تَفْصِيل الْقَوْل فِي كُل شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ وَ (ر: تَسْمِيَة) . قَوْل مَا شَاءَ اللَّهُ: ١٥ - وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ (١) قَال الْقُرْطُبِيُّ: أَيْ هَذِهِ الْجَنَّةُ هِيَ مَا شَاءَ اللَّهُ. وَقَال الزَّجَّاجُ وَالْفَرَّاءُ: تَقْدِيرُهُ: الأَْمْرُ مَا شَاءَ اللَّهُ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ قَال النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ فَقَال: مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ الْعَيْنُ (٢) وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِذَا خَرَجَ الرَّجُل مِنْ مَنْزِلِهِ فَقَال: بِسْمِ اللَّهِ قَال الْمَلَكُ: هُدِيتَ، وَإِذَا قَال: مَا شَاءَ اللَّهُ قَال: كُفِيتَ، وَإِذَا قَال: لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ قَال الْمَلِكُ: وُقِيتَ. قَال أَشْهَبُ: قَال مَالِكٌ: يَنْبَغِي لِكُل مَنْ دَخَل مَنْزِلَهُ أَنْ يَقُول هَذَا. يَعْنِي مَا وَرَدَ فِي الآْيَةِ (٣) .

стр. 13037

الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : ١٦ - وَهِيَ قَوْل " صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ " أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا يُفِيدُ سُؤَال اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِهِ وَيُسَلِّمَ عَلَيْهِ. وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ لاَ تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ (٢) . وَمِنَ الصِّيَغِ الْوَارِدَةِ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الأَْنْصَارِيِّ أَنَّ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُول اللَّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَال: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٣) . وَالصَّلاَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ، وَقِيل: رَحْمَتُهُ لَهُ، وَصَلاَةُ الْمَلاَئِكَةِ وَالْعِبَادِ عَلَيْهِ دُعَاءٌ بِالرَّحْمَةِ مَقْرُونٌ بِالتَّعْظِيمِ (٤) .

стр. 13038

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . التَّلْبِيَةُ: ١٧ - وَهِيَ قَوْل " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ " وَهِيَ مِنْ أَذْكَارِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَمَعْنَاهَا: أُقِيمُ عَلَى إِجَابَتِكَ يَا رَبِّ إِقَامَةً بَعْدَ إِقَامَةٍ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل أَحْكَامِهَا فِي مَبَاحِثِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْحَسْبَلَةُ: ١٨ - وَهِيَ قَوْل " حَسْبِيَ اللَّهُ " وَمَعْنَاهُ الاِكْتِفَاءُ بِدِفَاعِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ عَنْ دِفَاعِ غَيْرِهِ وَعَوْنِهِ. وَيُسَنُّ قَوْلُهَا لِمَنْ غَلَبَهُ أَمْرٌ (١) ، لِمَا فِي حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَال الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُل حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (٢) . أَذْكَارٌ مَأْثُورَةٌ أُخْرَى: ١٩ - وَهُنَاكَ أَذْكَارٌ أُخْرَى مَأْثُورَةٌ مُرْتَبِطَةٌ بِأَسْبَابٍ أَوْ مُطْلَقَةٌ يَأْتِي بَيَانُ بَعْضِهَا فِي الْبَحْثِ.

стр. 13039

وَقَدْ جَمَعَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ السُّنِّيِّ فِي " عَمَل الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ " وَالنَّوَوِيِّ فِي " الأَْذْكَارِ " وَابْنِ الْقَيِّمِ فِي " الْوَابِل الصَّيِّبِ مِنَ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ " وَصِدِّيق حَسَن خَان فِي " نُزُل الأَْبْرَارِ ". وَيَعْرِضُ لَهَا الْفُقَهَاءُ فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ مَبَاحِثِ الْفِقْهِ. أَفْضَل الأَْذْكَارِ: ٢٠ - قَال النَّوَوِيُّ: الْقُرْآنُ أَفْضَل الذِّكْرِ. قَال الْقُرْطُبِيُّ: لأَِنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ الذِّكْرِ مِنْ تَذْكِيرٍ وَتَهْلِيلٍ وَتَحْمِيدٍ وَتَسْبِيحٍ وَتَمْجِيدٍ وَعَلَى الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالدُّعَاءِ وَالسُّؤَال وَالأَْمْرِ بِالتَّفَكُّرِ وَالاِعْتِبَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ وَتَدَبَّرَهُ فَقَدْ حَصَّل أَفْضَل الْعِبَادَاتِ، وَهُوَ قَبْل ذَلِكَ كَلاَمُ اللَّهِ فَلاَ يُدَانِيهِ شَيْءٌ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي أَفْضَلِيَّتِهِ قَيْدًا فَقَال: أَفْضَل الذِّكْرِ الْقُرْآنُ لِمَنْ عَمِل بِهِ، وَنُقِل ذَلِكَ عَنْ سُفْيَانِ الثَّوْرِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَل مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْل كَلاَمِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلاَمِ كَفَضْل اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ (١) . وَاسْتَدَل ابْنُ تَيْمِيَّةَ لِكَوْنِ الْقُرْآنِ أَفْضَل مِنْ سَائِرِ الذِّكْرِ بِتَعَيُّنِهِ فِي الصَّلاَةِ، وَبِأَنَّهُ لاَ يَقْرَبُهُ

стр. 13040

جُنُبٌ، وَلاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الطَّاهِرُ، بِخِلاَفِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ (١) . وَلاَ تَخْتَلِفُ الأَْحَادِيثُ فِي أَنَّ أَفْضَل الأَْذْكَارِ بَعْدَ الْقُرْآنِ الْكَلِمَاتُ الأَْرْبَعُ " سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ " (٢) . وَرَدَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، وَفِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لأََنْ أَقُولَهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ (٣) . وَوَرَدَ أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنَ الْكَلاَمِ أَرْبَعًا (٤) . فَذَكَرَهُنَّ. وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ بِهِنَّ أَفْضَل مِنْهُ بِغَيْرِهِنَّ مِمَّا فِي الْقُرْآنِ، وَهُنَّ كَذَلِكَ أَفْضَل مِنْ سَائِرِ الأَْذْكَارِ الْمَأْثُورَةِ، فَعَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: هُنَّ أَفْضَل الْكَلاَمِ بَعْدَ الْقُرْآنِ، وَهُنَّ مِنَ الْقُرْآنِ، لاَ يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ (٥) . أَمَّا الأَْفْضَل مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الأَْرْبَعِ فَهُوَ كَلِمَةُ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ وَالطِّيبِيُّ، وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ: ﴿

стр. 13041

أَفْضَل الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَأَفْضَل مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ (١) . وَالْحَدِيثُ الآْخَرُ الْقُدْسِيُّ لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي فِي كِفَّةٍ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فِي كِفَّةٍ مَالَتْ بِهِنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (٢) وَالْحَدِيثُ الآْخَرُ أَفْضَل الذِّكْرِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (٣) وَفِي حَدِيثٍ هِيَ أَفْضَل الْحَسَنَاتِ (٤) وَلأَِنَّهَا مِفْتَاحُ الإِْسْلاَمِ وَبَابُهُ الَّذِي لاَ يَدْخُل إِلَيْهِ إِلاَّ مِنْهُ، وَعَمُودُهُ الَّذِي لاَ يَقُومُ بِغَيْرِهِ، وَهِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ (٥) ". قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَيُعَارِضُ ذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ

стр. 13042

حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الْمَرْفُوعُ: أَنَّ أَحَبَّ الْكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ (١) وَجُمِعَ بَيْنَ ذَلِكَ بِأَوْجُهٍ مِنْهَا: أَنَّ أَفْضَلِيَّةَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ لِدُخُول مَعَانِي الْكَلِمَاتِ الأَْرْبَعِ تَحْتَهَا إِمَّا بِالتَّصْرِيحِ أَوْ بِالاِسْتِلْزَامِ فَقَدْ صَرَّحَتْ بِالتَّنْزِيهِ وَالتَّحْمِيدِ، وَإِذَا كَانَ مَعْنَاهَا تَنْزِيهَهُ تَعَالَى عَمَّا لاَ يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ انْدَرَجَ فِيهِ مَعْنَى لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَإِذَا كَانَ كُل فَضْلٍ وَإِفْضَالٍ مِنْهُ تَعَالَى فَلاَ شَيْءَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَأَمَّا أَفْضَلِيَّةُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَلِذِكْرِ الْوَحْدَانِيَّةِ صَرِيحًا (٢) . وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الذِّكْرَ أَفْضَل مِنَ الدُّعَاءِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ (٣) ؛ لِحَدِيثِ مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَل مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ (٤) . أَفْضَل الأَْذْكَارِ مِنْ حَيْثُ الاِشْتِغَال بِهَا: ٢١ - مَا تَقَدَّمَ هُوَ الأَْفْضَلِيَّةُ فِي الذِّكْرِ الْمُطْلَقِ: أَفْضَلُهُ الاِشْتِغَال بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَهِيَ أَفْضَل مِنَ الاِشْتِغَال بِالتَّهْلِيل وَالتَّسْبِيحِ الْمُطْلَقِ. ثُمَّ الْكَلِمَاتُ الأَْرْبَعُ، ثُمَّ سَائِرُ أَنْوَاعِ الذِّكْرِ، قَال

стр. 13043

النَّوَوِيُّ: أَمَّا الْمَأْثُورُ فِي وَقْتٍ أَوْ نَحْوِهِ - أَيْ لِسَبَبٍ - فَالاِشْتِغَال بِهِ - أَيْ فِي الْوَقْتِ أَوْ عِنْدَ السَّبَبِ - أَفْضَل. اهـ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الاِشْتِغَال بِالذِّكْرِ الْمُؤَقَّتِ فِي وَقْتِهِ، وَالْمُقَيَّدِ بِسَبَبٍ عِنْدَ سَبَبِهِ أَفْضَل مِنَ الاِشْتِغَال بِسَائِرِ الْمَأْثُورَاتِ، حَتَّى مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ وَنَحْوِهِمَا وَحَتَّى مِنَ الاِشْتِغَال بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. قَال ابْنُ عَلاَّنَ: مَا وَرَدَ مِنَ الذِّكْرِ مُخْتَصًّا بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ حَالٍ كَأَذْكَارِ الطَّوَافِ وَلَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَحَال النَّوْمِ فَالاِشْتِغَال بِهِ أَفْضَل مِنَ الاِشْتِغَال بِالتِّلاَوَةِ (١) . قَال عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: سَأَلْتُ الأَْوْزَاعِيَّ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَعْجَبُ إِلَيْكَ أَمِ الذِّكْرُ؟ فَقَال: سَل أَبَا مُحَمَّدٍ، يَعْنِي سَعِيدًا، أَيِ ابْنَ الْمُسَيِّبِ، فَسَأَلْتُهُ فَقَال: بَل الْقُرْآنُ. فَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يَعْدِل الْقُرْآنَ، وَلَكِنْ إِنَّمَا كَانَ هَدْيُ مَنْ سَلَفَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْل الْغُرُوبِ (٢) . قَال الشَّوْكَانِيُّ: وَهَكَذَا مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الأَْذْكَارِ فِي الأَْوْقَاتِ وَعَقِيبَ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي الاِشْتِغَال بِمَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ فَإِنَّ إِرْشَادَهُ إِلَيْهِ يَدُل عَلَى أَنَّهُ أَفْضَل مِنْ غَيْرِهِ (٣) . وَصَرَّحَ بِمِثْل ذَلِكَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ فِي قَوَاعِدِهِ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي فَتَاوِيهِ (٤) . وَفِي مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى

стр. 13044

الْقُرْآنُ أَفْضَل مِنْ سَائِرِ الذِّكْرِ لَكِنِ الاِشْتِغَال بِالْمَأْثُورِ مِنَ الذِّكْرِ فِي مَحَلِّهِ كَأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ أَفْضَل مِنْ تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ الْمَحَل (١) . وَعَلَى هَذَا فَالأَْفْضَل عِنْدَ الأَْذَانِ الاِشْتِغَال بِإِجَابَتِهِ وَبَعْدَ الصَّلاَةِ بِالأَْذْكَارِ الْوَارِدَةِ وَعِنْدَ الإِْفْطَارِ فِي رَمَضَانَ الاِشْتِغَال بِمَا وَرَدَ مِنَ الذِّكْرِ، وَهَكَذَا. الذِّكْرُ بِغَيْرِ الْمَأْثُورِ: أ - فِي الأَْذْكَارِ الْمُطْلَقَةِ: ٢٢ - يَجُوزُ فِي الأَْذْكَارِ الْمُطْلَقَةِ الإِْتْيَانُ بِمَا هُوَ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ مِمَّا يَتَضَمَّنُ الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلاَ يَسْتَلْزِمُ نَقْصًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الصِّيغَةُ مَأْثُورَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَهَذَا فِي الذِّكْرِ الْمُطْلَقِ مَوْضِعُ اتِّفَاقٍ. وَلاَ يَدْخُل فِي الْمَأْثُورِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا نُقِل عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃، عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَلاَّنَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، قَال: لأَِنَّ مَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابِيِّ مِمَّا لِلرَّأْيِ فِيهِ مَدْخَلٌ لاَ يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ (٢) . فَيَكُونُ مَا وَرَدَ مِنْ أَذْكَارِ الصَّحَابَةِ ﵃ مَضْمُومًا إِلَى مَا نُقِل مِنَ الأَْذْكَارِ

стр. 13045

عَنْ غَيْرِهِمْ فِي كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ الْمَأْثُورِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا نُقِل عَنْهُمُ الْكَثِيرُ الطَّيِّبُ مِمَّا يَحْسُنُ تَعَلُّمُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الاِشْتِغَال بِالذِّكْرِ الْمَأْثُورِ أَفْضَل مِنَ الاِشْتِغَال بِذِكْرٍ يَخْتَرِعُهُ الإِْنْسَانُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ. وَوَجْهُ الأَْفْضَلِيَّةِ وَاضِحٌ وَهُوَ مَا فِيهِ مِنَ الاِقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَكَوْنُهُ أَعْلَمَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَكَوْنُهُ أَفْصَحَ الْعَرَبِ وَأَعْلَمَهُمْ بِمَوَاقِعِ الْكَلاَمِ، وَكَوْنُهُ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَأُمِدَّ بِالتَّسْدِيدِ الرَّبَّانِيِّ، وَكَمَال النُّصْحِ لأُِمَّتِهِ (١) . وَقَال النَّوَوِيُّ: الْخَيْرُ وَالْفَضْل إِنَّمَا هُوَ فِي اتِّبَاعِ الْمَأْثُورِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَفِيهِمَا مَا يَكْفِي فِي سَائِرِ الأَْوْقَاتِ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُنَا. وَقَال فِي مَوْضِعٍ: أَوْرَادُ الْمَشَايِخِ وَأَحْزَابُهُمْ لاَ بَأْسَ بِالاِشْتِغَال بِهَا. وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْهِنْدِيَّةِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ فِي صَلاَتِهِ بِدُعَاءٍ مَحْفُوظٍ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ بِمَا يَحْضُرُهُ (٢) . ب - الذِّكْرُ بِغَيْرِ الْمَأْثُورِ فِي مُنَاسِبَاتٍ مُعَيَّنَةٍ: ٢٣ - مَا تَقَدَّمَ هُوَ فِي الذِّكْرِ الْمُطْلَقِ، أَمَّا فِي الأَْسْبَابِ وَالْمُنَاسَبَاتِ الْمُعَيَّنَةِ: أ - فَإِنْ كَانَ فِي مِثْل تِلْكَ الْمُنَاسَبَةِ ذِكْرٌ مَأْثُورٌ فَإِنَّ

стр. 13046

التَّكْلِيفَ يَتَأَدَّى بِهِ. فَلَوْ أَتَى بَدَلَهُ بِذِكْرٍ غَيْرِ مَأْثُورٍ فَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ: فَمَا كَانَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْعِبَادَةِ أَوْ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِهَا لَمْ يُمْكِنْ إِبْدَالُهُ، وَذَلِكَ كَأَذْكَارِ الأَْذَانِ، وَأَذْكَارِ الصَّلاَةِ الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْهَا كَالْفَاتِحَةِ، وَتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، وَالتَّشَهُّدِ. وَمَا كَانَ الإِْتْيَانُ بِهِ مِنَ الأَْذْكَارِ الْمَأْثُورَةِ مُسْتَحَبًّا أَوْ جَائِزًا فَفِي إِبْدَالِهِ بِغَيْرِهِ تَفْصِيلٌ: فَالأَْصْل أَنَّ الإِْتْيَانَ بِالذِّكْرِ الْمَأْثُورِ أَفْضَل، وَإِنْ دَعَا وَذَكَرَ بِغَيْرِهِ مِمَّا يَلِيقُ فَلاَ بَأْسَ. فَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الطَّوَافُ، قَال النَّوَوِيُّ: قَال أَصْحَابُنَا: الْقِرَاءَةُ فِي الطَّوَافِ أَفْضَل مِنَ الدَّعَوَاتِ غَيْرِ الْمَأْثُورَةِ وَأَمَّا الْمَأْثُورَةُ فَهِيَ أَفْضَل مِنِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الصَّحِيحِ (١) . ب - أَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُنَاسَبَةِ الْمُعَيَّنَةِ ذِكْرٌ وَارِدٌ، فَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنْكَرُ اسْتِعْمَال ذِكْرٍ مِمَّا يُحِبُّ الإِْنْسَانُ مِمَّا يَلِيقُ بِالْمُنَاسَبَةِ، أَخْذًا مِنْ إِطْلاَقِ الأَْمْرِ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فِي النُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ. دُونَ أَنْ يُدَّعَى لِذَلِكَ الذِّكْرِ أَوِ الدُّعَاءِ فَضْلٌ أَوْ خُصُوصِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ. وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ التَّهْنِئَةُ بِالْعِيدِ وَبِدُخُول الأَْعْوَامِ وَالأَْشْهُرِ، قَال صَاحِبُ الدُّرِّ: التَّهْنِئَةُ بِالْعِيدِ بِلَفْظِ تَقَبَّل اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ لاَ تُنْكَرُ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّمَا قَال ذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. قَال: وَفِي

стр. 13047

الْقُنْيَةِ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَل فِيهَا عَنْ أَصْحَابِنَا كَرَاهَةٌ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: يُمْكِنُ أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: عِيدٌ مُبَارَكٌ وَنَحْوُهُ. ثُمَّ قَال: عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ الدُّعَاءُ بِالْبَرَكَةِ فِي أُمُورٍ شَتَّى فَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ بِهَذَا أَيْضًا. وَعَنِ الْحَافِظِ الْمَقْدِسِيِّ: أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا مُخْتَلِفِينَ فِيهِ وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لاَ سُنَّةَ فِيهِ وَلاَ بِدْعَةَ (١) . اهـ. وَفِي الْمُغْنِي: عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَال: لاَ أَبْتَدِئُ بِهِ أَحَدًا وَإِنْ قَالَهُ أَحَدٌ رَدَدْتُ عَلَيْهِ (٢) . وَعَنْ مَالِكٍ فِي مِثْل " تَقَبَّل اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ، وَغَفَرَ لَنَا وَلَكَ " يَوْمَ الْعِيدِ: قَال: لاَ أَعْرِفُهُ وَلاَ أُنْكِرُهُ. قَال ابْنُ حَبِيبٍ: أَيْ: لاَ يَعْرِفُهُ سُنَّةً وَلاَ يُنْكِرُهُ عَلَى مَنْ يَقُولُهُ لأَِنَّهُ قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لأَِنَّهُ دُعَاءٌ. قَال صَاحِبُ الْفَوَاكِهِ: وَمِثْلُهُ قَوْل النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ " عِيدٌ مُبَارَكٌ، وَأَحْيَاكُمُ اللَّهُ لأَِمْثَالِهِ " لاَ شَكَّ فِي جَوَازِ كُل ذَلِكَ (٣) . وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: هُوَ بِدْعَةٌ (٤) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا سُنَّةٌ (٥) . وَانْظُرْ بَحْثَ (تَهْنِئَةٌ) مِنَ الْمَوْسُوعَةِ (١٤ ٩٩) .

стр. 13048

الزِّيَادَةُ فِي الذِّكْرِ عَلَى مَا وَرَدَ: ٢٤ - الزِّيَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْمُرَتَّبِ شَرْعًا عَلَى سَبَبٍ، الأَْصْل فِيهِ الْجَوَازُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيَتَقَيَّدُ بِقُيُودٍ تُفْهَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ، فَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ الْمَعْنَى لاَ يَسْتَلْزِمُ نَقْصًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَأَلاَّ يَكُونَ مِمَّا عُلِمَ أَنَّ الشَّارِعَ أَرَادَ الْمُحَافَظَةَ فِيهِ عَلَى اللَّفْظِ الْوَارِدِ، فَلاَ يُزَادُ عَلَى أَلْفَاظِ الأَْذَانِ وَأَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ وَنَحْوِهِمَا، وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مَا وَرَدَ، وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا يَلِيقُ. وَقَدْ نَقَل ابْنُ عَلاَّنَ أَنَّ زِيَادَاتِ الْعُلَمَاءِ فِي الْقُنُوتِ وَنَحْوِهِ مِنَ الأَْذْكَارِ يَكُونُ الإِْتْيَانُ بِهَا أَوْلَى، وَفَارَقَ التَّشَهُّدَ وَغَيْرَهُ بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ فَهِمُوا أَنَّ الْمَدَارَ فِيهِ عَلَى لَفْظِهِ فَلِذَا لَمْ يَزِيدُوا فِيهِ، وَرَأَوْا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهِ خِلاَفُ الأَْوْلَى بِخِلاَفِ الْقُنُوتِ فَإِنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ لِلدُّعَاءِ تَأْثِيرًا عَظِيمًا فِي الاِسْتِجَابَةِ فَتَوَسَّعُوا فِي الدُّعَاءِ فِيهِ (١) . وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁ كَانَ يُلَبِّي فِي الْحَجِّ بِتَلْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ، لاَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا " لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ لَبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَل

стр. 13049

وَفِي رِوَايَةٍ: قَال ابْنُ عُمَرَ: كَانَ عُمَرُ يُهِل بِهَذَا (أَيْ بِتَلْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَزِيدُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ (١) إِلَخْ. قَال ابْنُ حَجَرٍ: قَال الطَّحَاوِيُّ: قَال قَوْمٌ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّلْبِيَةِ مَا أَحَبَّ مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ، وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ. وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْمَرْوِيِّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ. وَقَال آخَرُونَ: لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَى مَا عَلَّمَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، كَمَا عَلَّمَهُمُ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلاَةِ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُتَعَدَّى فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا عَلَّمَهُ. اهـ. ثُمَّ قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَقَوْل مَنْ قَال: إِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى التَّلْبِيَةِ هُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ وَبِهِ صَرَّحَ أَشْهَبُ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةَ. قَال: وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. وَقَال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَحَكَى أَهْل الْعِرَاقِ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ كَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَرْفُوعِ، وَغَلِطُوا، بَل لاَ يُكْرَهُ وَلاَ يُسْتَحَبُّ. وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ إِنْ زَادَ فِي التَّلْبِيَةِ شَيْئًا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ فَلاَ بَأْسَ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ زَادَ فِي التَّلْبِيَةِ عَمَّا وَرَدَ فَحَسَنٌ. وَحُكِيَ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا قَوْلُهُ: " لاَ ضِيقَ عَلَى أَحَدٍ فِي قَوْل مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ، غَيْرَ أَنَّ الاِخْتِيَارَ عِنْدِي أَنْ يُفْرِدَ مَا رُوِيَ

стр. 13050

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ ". قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا أَعْدَل الْوُجُوهِ، فَيُفْرَدُ مَا جَاءَ مَرْفُوعًا، وَإِذَا اخْتَارَ قَوْل مَا جَاءَ مَوْقُوفًا، أَوْ أَنْشَأَهُ هُوَ مِنْ قِبَل نَفْسِهِ مِمَّا يَلِيقُ، قَالَهُ عَلَى انْفِرَادِهِ حَتَّى لاَ يَخْتَلِطَ بِالْمَرْفُوعِ. قَال: وَهُوَ شَبِيهٌ بِحَال الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال فِيهِ: ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ (١) . أَيْ بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنَ الْمَرْفُوعِ (٢) . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ قَال: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَال رَجُلٌ وَرَاءَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ؟ قَال: أَنَا. قَال: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّل (٣) ، ثُمَّ قَال ابْنُ حَجَرٍ: اسْتَدَل بِهَذَا عَلَى إِحْدَاثِ ذِكْرٍ فِي الصَّلاَةِ غَيْرِ مَأْثُورٍ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِلْمَأْثُورِ (٤) . قَال عَلِيٌّ الْقَارِيُّ: وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلاً عَطَسَ إِلَى جَنْبِهِ فَقَال:

стр. 13051

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُول اللَّهِ. فَقَال ابْنُ عُمَرَ. وَأَنَا أَقُول: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُول اللَّهِ وَلَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ (١) . ثُمَّ بَيَّنَ الْقَارِيُّ وَجْهَ إِنْكَارِ ابْنِ عُمَرَ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ قَائِلاً: الزِّيَادَةُ الْمَطْلُوبَةُ هِيَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَمْدِ لَهُ سَوَاءٌ وَرَدَ أَمْ لاَ، وَأَمَّا زِيَادَةُ ذِكْرٍ آخَرَ بِطَرِيقِ الضَّمِّ إِلَيْهِ فَغَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ؛ لأَِنَّ مَنْ سَمِعَ رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَأْثُورِ بِهِ (٢) . التَّبْدِيل فِي أَلْفَاظِ الأَْذْكَارِ الْوَارِدَةِ: ٢٥ - تَبْدِيل لَفْظٍ مِنَ الأَْذْكَارِ الْوَارِدَةِ بِلَفْظٍ آخَرَ اخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا، فَقِيل: هُوَ جَائِزٌ لأَِنَّهُ شَبِيهٌ بِالرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ اللَّفْظُ الْبَدِيل مُسَاوِيًا فِي الْمَعْنَى لِلَّفْظِ الْوَارِدِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمَازِرِيُّ فَقَال تَعْلِيقًا عَلَى حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهُ: إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَْيْمَنِ. ثُمَّ قُل: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ

стр. 13052

نَفْسِي إِلَيْكَ. . إِلَى قَوْلِهِ: آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. . . قَال فَرَدَدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: وَرَسُولِكَ قَال: لاَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ (١) . قَال الْمَازِرِيُّ عَقِبَهُ: سَبَبُ هَذَا الإِْنْكَارِ أَنَّ هَذَا ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ، فَيَنْبَغِي فِيهِ الاِقْتِصَارُ عَلَى الذِّكْرِ الْوَارِدِ بِحُرُوفِهِ، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ الْجَزَاءُ بِتِلْكَ الْحُرُوفِ، وَلَعَلَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ، فَتَعَيَّنَ أَدَاؤُهَا بِحُرُوفِهَا (٢) . وَإِلَى مِثْل ذَلِكَ مَال ابْنُ حَجَرٍ (٣) . وَهَذَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ فِي الأَْذْكَارِ الْمُقَيَّدَةِ الَّتِي رَتَّبَ الشَّارِعُ عَلَيْهَا فَضْلاً خَاصًّا، لاَ فِي الذِّكْرِ الْمُطْلَقِ. الذِّكْرُ بِالاِسْمِ الْمُفْرَدِ، وَبِالضَّمِيرِ الْمُفْرَدِ: ٢٦ - ذَكَرَ الرَّشِيدِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى النِّهَايَةِ مَا يَدُل عَلَى أَنَّ فِي الذِّكْرِ بِالاِسْمِ الْمُفْرَدِ (اللَّهُ، اللَّهُ، اللَّهُ) خِلاَفًا فِي أَنَّهُ ذِكْرٌ أَمْ لاَ. وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الاِسْمُ الْمُفْرَدُ مُظْهَرًا أَوْ مُضْمَرًا لَيْسَ بِكَلاَمٍ تَامٍّ وَلاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ إِيمَانٌ وَلاَ كُفْرٌ، وَلاَ أَمْرٌ، وَلاَ نَهْيٌ، وَلاَ يُعْطِي الْقَلْبَ

стр. 13053

مَعْرِفَةً مُفِيدَةً، وَإِنَّمَا يُعْطِيهِ تَصَوُّرًا مُطْلَقًا. وَالذِّكْرُ بِالاِسْمِ الْمُضْمَرِ أَبْعَدُ عَنِ السُّنَّةِ (١) . آدَابُ الذَّاكِرِينَ: لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ آدَابٌ يَسْتَدْعِيهَا كَمَال الْمَذْكُورِ وَجَلاَلُهُ، وَإِذَا رُوعِيَتْ كَانَتْ أَوْلَى بِالْقَبُول وَالإِْجَابَةِ، فَمِنْ تِلْكَ الآْدَابِ: أ - طَلَبُ الْعَوْنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الذِّكْرِ: ٢٧ - وَقَدْ حَثَّ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذًا عَلَى أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ (٢) . ب - أَنْ يَكُونَ الذَّاكِرُ مُتَطَهِّرًا مِنَ الْحَدَثِ: ٢٨ - وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِحَدِيثِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ قَال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُول، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيَّ وَقَال: إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ، أَوْ قَال: عَلَى طَهَارَةٍ (٣) . وَقَال ابْنُ عَلاَّنَ: يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ

стр. 13054

الأَْفْضَل أَلاَّ تُوجَدَ الأَْذْكَارُ إِلاَّ فِي أَكْمَل الأَْحْوَال، كَالطَّهَارَةِ مِنَ الْحَدَثَيْنِ، وَطَهَارَةِ الْفَمِ مِنَ الْخَبَثِ (١) . وَلَمْ يَقُولُوا بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : " كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُل أَحْيَانِهِ (٢) ". وَ " كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ قَال: غُفْرَانَكَ (٣) "، وَ " كَانَ يَقُول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَْذَى وَعَافَانِي " (٤) . فَهَذَا ذِكْرٌ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ لِلْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ (٥) . وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى مَا فِي الْهِدَايَةِ وَشُرُوحِهَا أَنَّ الذَّاكِرَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَضِّئًا. وَمِنْ ذَلِكَ الأَْذَانُ وَالإِْقَامَةُ، فَإِنْ أَذَّنَ بِلاَ وُضُوءٍ جَازَ بِلاَ كَرَاهَةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الذِّكْرِ، وَإِنْ أَقَامَ بِلاَ وُضُوءٍ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ

стр. 13055

الْفَصْل بَيْنَ الإِْقَامَةِ وَالصَّلاَةِ بِالاِشْتِغَال بِأَعْمَال الْوُضُوءِ، وَالإِْقَامَةُ شُرِعَتْ مُتَّصِلَةً (١) . وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ اسْتِحْبَابَ التَّطَهُّرِ لِلذِّكْرِ إِنَّمَا هُوَ فِي أَحْوَالٍ خَاصَّةٍ كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَالأَْذَانِ (٢) ، وَفِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: الْوُضُوءُ لِمُطْلَقِ الذِّكْرِ مَنْدُوبٌ وَلَوْ لِلْجُنُبِ، وَتَرْكُهُ خِلاَفُ الأَْوْلَى (٣) . وَقَال النَّوَوِيُّ: إِنْ كَانَ فِي فَمِهِ نَجَاسَةٌ أَزَالَهَا بِالْمَاءِ، فَلَوْ ذَكَرَ وَلَمْ يَغْسِلْهَا فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَلاَ يَحْرُمُ، وَلَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَفَمُهُ نَجَسٌ كُرِهَ، وَفِي تَحْرِيمِهِ وَجْهَانِ لأَِصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا لاَ يَحْرُمُ (٤) . وَقَال الشَّوْكَانِيُّ: تَنْظِيفُ الْفَمِ عِنْدَ الذِّكْرِ بِالسِّوَاكِ أَدَبٌ حَسَنٌ؛ لأَِنَّهُ الْمَحَل الَّذِي يَكُونُ الذِّكْرُ بِهِ فِي الصَّلاَةِ، وَقَدْ صَحَّ: أَنَّهُ ﷺ لَمَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ تَيَمَّمَ مِنْ جِدَارِ الْحَائِطِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ (٥) ، فَهَذَا فِي مُجَرَّدِ رَدِّ السَّلاَمِ فَذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَوْلَى (٦) . وَيُسْتَثْنَى مِنَ الأَْحْكَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْقُرْآنُ،

стр. 13056

فَتَحْرُمُ قِرَاءَتُهُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْجُنُبِ؛ لِحَدِيثِ: لاَ يَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلاَ الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (قُرْآن، جَنَابَة، وَحَيْض) . فَإِنْ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الأَْذْكَارِ الَّتِي تُوَافِقُ الْقُرْآنَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْل، وَكَانَ يَنْوِي بِهَا الذِّكْرَ لاَ الْقُرْآنَ، فَلاَ بَأْسَ، وَذَلِكَ كَالْبَسْمَلَةِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَكَآيَتَيِ الرُّكُوبِ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا. . .﴾ (٢) وَآيَةِ النُّزُول: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكًا. . .﴾ (٣) وَآيَةِ الاِسْتِرْجَاعِ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٤) . وَقِيل: يَحْرُمُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ قِرَاءَةُ آيَةٍ وَلَوْ بِقَصْدِ ذِكْرٍ سَدًّا لِلْبَابِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى (٥) . ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى حَال قَضَاءِ الْحَاجَةِ: ٢٩ - يُكْرَهُ لِمَنْ هُوَ فِي الْخَلاَءِ لِحَاجَتِهِ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ

стр. 13057

تَعَالَى، أَوْ أَنْ يَتَكَلَّمَ، صَرَّحَ بِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ. وَقَال ابْنُ كَجٍّ: إِنَّهُ يَحْرُمُ الذِّكْرُ فِي تِلْكَ الْحَال، وَإِلَيْهِ مَال الأَْذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَنُقِلَتْ إِجَازَةُ الذِّكْرِ فِي الْمِرْحَاضِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، وَعَنِ النَّخَعِيِّ. وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّهُ إِذَا عَطَسَ فِي الْخَلاَءِ فَلاَ يَحْمَدُ اللَّهَ بِلِسَانِهِ بَل بِقَلْبِهِ وَقَال فِي الأَْذْكَارِ: وَصَرَّحَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّهُ لاَ يُشَمِّتُ عَاطِسًا وَلاَ يَرُدُّ السَّلاَمَ وَلاَ يُجِيبُ الْمُؤَذِّنَ. وَكَذَا فِي حَال الْجِمَاعِ (١) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (قَضَاء الْحَاجَةِ) . ج - التَّحَرِّي فِي الأَْمْكِنَةِ: ٣٠ - يُجْتَنَبُ الذِّكْرُ فِي الْمَوَاضِعِ الْقَذِرَةِ وَمَوْضِعِ التَّخَلِّي كَمَا تَقَدَّمَ (٢) . وَمِنَ الأَْدَبِ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ نَظِيفًا خَالِيًا عَمَّا يَشْغَل الْبَال (٣) . أَمَّا الْحَمَّامُ فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، أَوْ عَلَى سَطْحِهِ وَنَحْوِهِ مِنْ كُل مَا يَتْبَعُهُ فِي بَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ؛ لِمَا رَوَى

стр. 13058

النَّخَعِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ دَخَل الْحَمَّامَ فَقَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (١) . وَلاَ يُكْرَهُ ذِكْرُ اللَّهِ فِي الطَّرِيقِ (٢) ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا سَلَكَ رَجُلٌ طَرِيقًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ فِيهِ إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِ تِرَةٌ (٣) . وَالأَْصْل فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَوْضِعِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْكَرَاهَةِ (٤) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَْرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْل اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥) . د - تَحَرِّي الأَْمَاكِنِ الْفَاضِلَةِ: ٣١ - كَالْمَسَاجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (٦) .

стр. 13059

وَقَال النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا: إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلاَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (١) . وَمِنْهَا الْمَشَاعِرُ الْمُعَظَّمَةُ، كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٢) . هـ - تَحَرِّي الأَْزْمِنَةِ الْفَاضِلَةِ: ٣٢ - وَذَلِكَ كَالْغُدُوِّ وَالآْصَال، وَأَطْرَافِ اللَّيْل وَالنَّهَارِ، لِمَا وَرَدَ مِنَ الأَْمْرِ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِْبْكَارِ﴾ (٣) وَقَوْلِهِ ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْل غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْل فَسَبِّحْ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ (٤) وَقَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً وَمِنَ اللَّيْل فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ (٥) . قِيل وَإِنَّمَا خَصَّ مِنَ النَّهَارِ الْبُكْرَةَ وَالْعَشِيَّ؛ لأَِنَّ الشُّغْل فِيهِمَا غَالِبٌ عَلَى النَّاسِ. قَال النَّوَوِيُّ: أَشْرَفُ أَوْقَاتِ الذِّكْرِ فِي النَّهَارِ الذِّكْرُ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، قَال ابْنُ عَلاَّنَ: إِنَّمَا فُضِّل الذِّكْرُ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِكَوْنِهِ تَشْهَدُهُ

стр. 13060

الْمَلاَئِكَةُ (١) ، قَال تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٢) وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حِجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ (٣) وَمِنْ هُنَا كَرِهَ مَالِكٌ الْكَلاَمَ بَعْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ لأَِجْل الاِنْشِغَال بِالذِّكْرِ وَيُكْرَهُ النَّوْمُ عِنْدَهُمْ حِينَئِذٍ (٤) . وَمِنْ أَفْضَل مَوَاسِمِ الذِّكْرِ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ. قَال النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ الإِْكْثَارُ مِنَ الذِّكْرِ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى غَيْرِهَا، وَيُسْتَحَبُّ مِنْ ذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَةَ مَا لاَ يُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِهِ (٥) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٦) . وَالأَْصْل أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَحَبٌّ فِي كُل وَقْتٍ، وَلاَ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَوْقَاتُ النَّهْيِ، بَل قَدْ نُقِل عَنِ الْغَزَالِيِّ فِي الإِْحْيَاءِ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَنْ قَال: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَامَتْ مَقَامَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ،
следующие страницы →