← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 13231–13270 · переход к 13236.

стр. 13231

كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى الْعِوَضِ، وَإِلاَّ فَبِلاَ عِوَضٍ، وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْ مِنْهُ، فَإِنْ قَصَّرَ ضَمِنَ دِيَةَ الْجَنِينِ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي بَابِ الدِّيَاتِ، وَمُصْطَلَحِ: (إِجْهَاضٌ، ف ٩) . هـ - ثُبُوتُ حَدِّ الشُّرْبِ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ: ٦ - لاَ يَثْبُتُ حَدُّ الشُّرْبِ بِوُجُودِ رَائِحَةِ الْخَمْرِ فِي فَمِ الشَّارِبِ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ. وَقَالُوا: يُحْتَمَل أَنَّهُ تَمَضْمَضَ بِالْخَمْرِ أَوْ حَسِبَهَا مَاءً فَلَمَّا صَارَتْ فِي فَمِهِ مَجَّهَا، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ مُكْرَهًا، أَوْ شَرِبَ شَرَابَ التُّفَّاحِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُ كَرَائِحَةِ الْخَمْرِ، وَبِوُجُودِ الاِحْتِمَال لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ؛ لأَِنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ (٢) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَثْبُتُ حَدُّ الشُّرْبِ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَلَدَ رَجُلاً وَجَدَ مِنْهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ؛ وَلأَِنَّ الرَّائِحَةَ تَدُل عَلَى شُرْبِهِ لِلْخَمْرِ، فَأُجْرِيَ مَجْرَى الإِْقْرَارِ (٣) . وَالتَّفْصِيل فِي: (سُكْرٌ) .

стр. 13232

و - تَغَيُّرُ رَائِحَةِ لَحْمِ الْجَلاَّلَةِ أَوْ لَبَنِهَا: ٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَكْل لَحْمِ الْجَلاَّلَةِ وَشُرْبُ لَبَنِهَا إِذَا تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُمَا بِالنَّجَاسَةِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ بِالتَّحْرِيمِ. وَانْظُرْ: (أَطْعِمَةٌ، جَلاَّلَةٌ) . ز - مَنْعُ الزَّوْجَةِ مِنْ أَكْل مَا يَتَأَذَّى الزَّوْجُ مِنْ رَائِحَتِهِ: ٨ - لِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ تَنَاوُل مَا يَتَأَذَّى مِنْ رَائِحَتِهِ كَالثُّومِ، وَالْبَصَل وَنَحْوِهِمَا. كَمَا لَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى إِزَالَةِ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ مِنْ بَدَنِهَا، وَثَوْبِهَا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ كَمَال الاِسْتِمْتَاعِ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (نِكَاحٌ) .

стр. 13233

رَابِغٌ التَّعْرِيفُ: ١ - رَابِغٌ: وَادٍ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ قُرْبَ الْبَحْرِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ قَرِيبٌ مِنَ الْجُحْفَةِ (١) . وَأَصْل هَذَا الْمُصْطَلَحِ اللُّغَوِيِّ: رَبَغَ الْقَوْمُ فِي النَّعِيمِ: أَقَامُوا. . . وَالرَّبْغُ: التُّرَابُ، وَالرَّابِغُ: مَنْ يُقِيمُ عَلَى أَمْرٍ مُمْكِنٍ لَهُ. وَالْجُحْفَةُ مِيقَاتُ الإِْحْرَامِ لأَِهْل الشَّامِ وَتُرْكِيَّةَ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ، وَتَقَعُ قُرْبَ السَّاحِل وَسَطَ الطَّرِيقِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. وَقَدِ انْدَثَرَتِ الْجُحْفَةُ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ وَأَصْبَحَتْ لاَ تَكَادُ تُعْرَفُ، وَأَصْبَحَ حُجَّاجُ هَذِهِ الْبِلاَدِ يُحْرِمُونَ مِنْ رَابِغٍ احْتِيَاطًا، وَتَقَعُ قَبْل الْجُحْفَةِ بِقَلِيلٍ؛ لِلْقَادِمِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَتَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ (٢٢٠) كِيلُو مِتْرًا. انْظُرْ: (إِحْرَامٌ: ف ٤٠) .

стр. 13234

رَاتِبٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الرَّاتِبُ: لُغَةً مِنْ رَتَبَ الشَّيْءُ رُتُوبًا إِذَا ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ، فَالرَّاتِبُ هُوَ الثَّابِتُ، وَعَيْشٌ رَاتِبٌ: أَيْ ثَابِتٌ دَائِمٌ. قَال ابْنُ جِنِّي: يُقَال: مَا زِلْتُ عَلَى هَذَا رَاتِبًا أَيْ مُقِيمًا (١) . وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (٢) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٢ - وَرَدَ مُصْطَلَحُ الرَّاتِبِ فِي عِدَّةِ أَبْوَابٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ مِنْهَا: أ - السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ مِنَ الصَّلَوَاتِ: ٣ - وَهِيَ السُّنَنُ التَّابِعَةُ لِلْفَرَائِضِ، وَوَقْتُهَا وَقْتُ الْمَكْتُوبَاتِ الَّتِي تَتْبَعُهَا. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَقَادِيرِهَا.

стр. 13235

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الرَّوَاتِبَ الْمُؤَكَّدَةَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ، رَكْعَتَانِ قَبْل الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْل الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ؛ لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَال: حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْل الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْل الصُّبْحِ، وَكَانَتْ سَاعَةً لاَ يُدْخَل عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا، حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ ﵂ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (١) . وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ مَرْجُوحَةٌ عِنْدَ الْمَذَاهِبِ تَذْكُرُ أَرْبَعًا بَعْدَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعًا قَبْل الْعَصْرِ، وَاثْنَتَيْنِ قَبْل الْمَغْرِبِ، وَسِتًّا بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَأَنْ لاَ رَاتِبَةَ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِلاَ حَدٍّ (٢) . وَالتَّفَاصِيل فِي: (السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مِقْدَارَهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً: رَكْعَتَانِ قَبْل صَلاَةِ الْفَجْرِ، وَأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ قَبْل صَلاَةِ الظُّهْرِ - لاَ يُسَلِّمُ إِلاَّ فِي آخِرِهِنَّ - وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ صَلاَةِ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ صَلاَةِ

стр. 13236

الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ (١) . لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ: أَرْبَعًا قَبْل الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْل الْفَجْرِ (٢) . وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنْهَا إِلاَّ لِعُذْرٍ. ٤ - وَآكَدُ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ لِوُرُودِ الأَْحَادِيثِ بِالتَّرْغِيبِ فِيهِمَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ النَّوَافِل (٣) . عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (٤) وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْضًا أَنَّهُ قَال: لاَ تَدَعُوا الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْل صَلاَةِ

стр. 13237

الْفَجْرِ، فَإِنَّ فِيهِمَا الرَّغَائِبَ (١) وَفِي رِوَايَةٍ: لاَ تَدَعُوا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَلَوْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْل (٢) . ب - الْمُؤَذِّنُ الرَّاتِبُ: ٥ - إِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مُؤَذِّنٌ رَاتِبٌ فَلاَ يُؤَذَّنُ قَبْلَهُ إِلاَّ أَنْ يَتَخَلَّفَ وَيُخَافَ فَوَاتُ وَقْتِ التَّأْذِينِ فَيُؤَذِّنُ غَيْرُهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ أَنَّهُ أَذَّنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ غَابَ بِلاَلٌ ﵁ (٣) وَأَذَّنَ رَجُلٌ حِينَ غَابَ أَبُو مَحْذُورَةَ (٤) . وَلأَِنَّ مُؤَذِّنِي الرَّسُول ﷺ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ يَسْبِقُهُمْ بِالأَْذَانِ.

стр. 13238

وَإِذَا نَازَعَ الْمُؤَذِّنَ الرَّاتِبَ غَيْرُهُ فِي الأَْذَانِ يُقَدَّمُ الرَّاتِبُ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الْمُؤَذِّنَ الرَّاتِبَ يُعِيدُ الأَْذَانَ إِذَا أَذَّنَ فِي الْمَسْجِدِ مَنْ يُكْرَهُ أَذَانُهُ كَالْفَاسِقِ، وَالْجُنُبِ، وَالْمَرْأَةِ. وَقَال فِي الْمَجْمُوعِ شَرْطُ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْمَوَاقِيتِ إِمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَاسِطَةِ ثِقَةٍ آخَرَ (١) . وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (أَذَانٌ) . ج - الإِْمَامُ الرَّاتِبُ: ٦ - الإِْمَامُ الرَّاتِبُ - وَهُوَ الَّذِي رَتَّبَهُ السُّلْطَانُ، أَوْ نَائِبُهُ، أَوِ الْوَاقِفُ، أَوْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - يُقَدَّمُ فِي إِمَامَةِ الصَّلاَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحَاضِرِينَ وَإِنِ اخْتُصَّ غَيْرُهُ بِفَضِيلَةٍ كَأَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ مِنْهُ أَوْ أَقْرَأَ مِنْهُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ أَتَى أَرْضًا لَهُ وَعِنْدَهَا مَسْجِدٌ يُصَلِّي فِيهِ مَوْلًى لاِبْنِ عُمَرَ فَصَلَّى مَعَهُمْ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ فَأَبَى وَقَال: صَاحِبُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ. أَمَّا إِنْ كَانَ مَعَهُ الإِْمَامُ الأَْعْظَمُ أَوْ نَائِبُهُ أَوِ الْقَاضِي أَوْ أَمْثَالُهُمْ مِنْ ذَوِي السُّلْطَانِ وَالْوِلاَيَةِ، فَيُقَدَّمُونَ عَلَى الإِْمَامِ الرَّاتِبِ لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ يَؤُمَّنَّ الرَّجُل الرَّجُل فِي سُلْطَانِهِ وَلاَ يَقْعُدْ عَلَى

стр. 13239

تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (١) . " وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ : أَمَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَأَنَسًا فِي بُيُوتِهِمَا (٢) . وَلأَِنَّ تَقَدُّمَ غَيْرِ صَاحِبِ السُّلْطَانِ بِحَضْرَتِهِ بِدُونِ إِذْنِهِ لاَ يَلِيقُ بِبَذْل الطَّاعَةِ (٣) . وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ مَحَل تَقْدِيمِ الْوَالِي عَلَى الإِْمَامِ الرَّاتِبِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِْمَامُ مُرَتَّبًا مِنَ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الإِْمَامُ مِمَّنْ رَتَّبَهُ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ فَإِنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى وَالِي الْبَلَدِ وَقَاضِيهِ (٤) . ٧ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ إِعَادَةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ - وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - إِلَى كَرَاهَةِ إِعَادَةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَهُ إِمَامٌ رَاتِبٌ، وَلاَ يَقَعُ فِي مَمَرِّ النَّاسِ، مَا لَمْ تَكُنِ الإِْعَادَةُ بِإِذْنِ الإِْمَامِ الرَّاتِبِ، فَمَنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ مَعَ الإِْمَامِ الرَّاتِبِ صَلَّى

стр. 13240

مُنْفَرِدًا لِئَلاَّ يُفْضِي ذَلِكَ إِلَى اخْتِلاَفِ الْقُلُوبِ وَالْعَدَاوَةِ وَالتَّهَاوُنِ فِي الصَّلاَةِ مَعَ الإِْمَامِ الرَّاتِبِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالنَّوَوِيُّ، وَأَبُو قِلاَبَةَ، وَأَيُّوبُ، وَابْنُ عَوْنٍ (١) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ إِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَهُ إِمَامٌ رَاتِبٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا فِي مَمَرِّ النَّاسِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُل صَلاَةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَفِي رِوَايَةٍ: بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (٢) . وَلِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّ رَجُلاً دَخَل الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ فَقَال: مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّي مَعَهُ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَصَلَّى مَعَهُ (٣) . وَفِي رِوَايَةٍ فَقَال ﷺ : أَلاَ رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ.

стр. 13241

وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، وَزَادَ: قَال: فَلَمَّا صَلَّيَا قَال: وَهَذَانِ جَمَاعَةٌ (١) . وَلأَِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ فَاسْتُحِبَّ لَهُ فِعْلُهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ (٢) . أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ يَقَعُ فِي سُوقٍ، أَوْ فِي مَمَرِّ النَّاسِ، أَوْ لَيْسَ لَهُ إِمَامٌ رَاتِبٌ، أَوْ لَهُ إِمَامٌ رَاتِبٌ وَلَكِنَّهُ أَذِنَ لِلْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَلاَ كَرَاهَةَ فِي الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَمَا زَادَ، بِالإِْجْمَاعِ (٣) . وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَزِيدُ تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي: (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) . ٨ - أَمَّا مَسْأَلَةُ الاِسْتِحْقَاقِ الرَّاتِبِ فِي الْوَقْفِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْوَظَائِفِ فَتَفَاصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (رِزْقٌ، وَظِيفَةٌ، وَقْفٌ، إِجَارَةٌ) . رَاكِبٌ انْظُرْ: رُكُوبٌ.

стр. 13242

رَاهِبٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الرَّاهِبُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ الْفَاعِل مِنْ رَهِبَ يَرْهَبُ رَهَبًا وَرُهْبًا وَرَهْبَةً إِذَا خَافَ. وَالرَّاهِبُ: الْمُنْقَطِعُ لِلْعِبَادَةِ مِنَ النَّصَارَى. وَيُجْمَعُ عَلَى رُهْبَانٍ، كَرَاكِبٍ وَرُكْبَانٍ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْقِسِّيسُ: ٢ - الْقِسِّيسُ بِالْكَسْرِ: عَالِمُ النَّصَارَى، وَجَمْعُهُ قِسِّيسُونَ، وَقَسَاوِسَةُ. قَال الْقُرْطُبِيُّ: وَالْقَسُّ بِالْفَتْحِ أَيْضًا رَئِيسٌ مِنْ رُؤَسَاءِ النَّصَارَى فِي الدِّينِ وَالْعِلْمِ (٢) . فَالرَّاهِبُ: عَابِدُ النَّصَارَى، وَالْقِسِّيسُ: عَالِمُهُمْ. ب - الأَْحْبَارُ: ٣ - الأَْحْبَارُ جَمْعُ الْحِبْرِ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الْعَالِمُ.

стр. 13243

وَالْحَبْرُ بِالْفَتْحِ لُغَةٌ فِيهِ، وَهُوَ مِنَ التَّحْبِيرِ، وَهُوَ التَّحْسِينُ، سُمِّيَ الْعَالِمُ حَبْرًا لأَِنَّهُ يُحَبِّرُ الْعِلْمَ، أَيْ: يُبَيِّنُهُ وَيُزَيِّنُهُ. وَقَال الْجَوْهَرِيُّ: الْحِبْرُ وَالْحَبْرُ وَاحِدُ أَحْبَارِ الْيَهُودِ (١) . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢) . الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالرَّاهِبِ: أ - قَتْل الرَّاهِبِ فِي الْجِهَادِ: ٤ - إِذَا اشْتَرَكَ الرُّهْبَانُ فِي قِتَال الْمُسْلِمِينَ فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ قَتْلِهِمْ حِينَ الظَّفَرِ بِهِمْ كَسَائِرِ الْمُقَاتِلِينَ، وَكَذَلِكَ إِذَا خَالَطُوا النَّاسَ، أَوْ كَانُوا يُمِدُّونَ الْمُقَاتِلِينَ بِرَأْيِهِمْ وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الْقِتَال (٣) . أَمَّا إِذَا لَمْ يَشْتَرِكُوا فِي الْقِتَال وَلَمْ يُخَالِطُوا النَّاسَ بَل كَانُوا مُنْعَزِلِينَ فِي صَوَامِعِهِمْ بِلاَ رَأْيٍ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) إِلَى أَنَّهُمْ لاَ يُقْتَلُونَ؛ لاِعْتِزَالِهِمْ أَهْل دِينِهِمْ عَنْ مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَلِمَا

стр. 13244

رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَال: وَسَتَمُرُّونَ عَلَى أَقْوَامٍ فِي الصَّوَامِعِ قَدْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا فَدَعُوهُمْ حَتَّى يُمِيتَهُمُ اللَّهُ عَلَى ضَلاَلِهِمْ. وَلأَِنَّهُمْ لاَ يُقَاتِلُونَ تَدَيُّنًا فَأَشْبَهُوا مَنْ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَال (١) . وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازُ قَتْلِهِمْ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) ، وَلأَِنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُكَلَّفُونَ فَجَازَ قَتْلُهُمْ كَغَيْرِهِمْ (٣) . (ر: جِهَادٌ) . ب - وَضْعُ الْجِزْيَةِ عَلَى الرُّهْبَانِ: ٥ - وَضْعُ الْجِزْيَةِ عَلَى الرُّهْبَانِ مَحَل خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي: (جِزْيَةٌ) .

стр. 13245

رِبًا التَّعْرِيفُ: ١ - الرِّبَا فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ مَقْصُورٌ عَلَى الأَْشْهَرِ، وَهُوَ مِنْ رَبَا يَرْبُو رَبْوًا، وَرُبُوًّا وَرِبَاءً (١) . وَأَلِفُ الرِّبَا بَدَلٌ عَنْ وَاوٍ، وَيُنْسَبُ إِلَيْهِ فَيُقَال: رِبَوِيٌّ، وَيُثَنَّى بِالْوَاوِ عَلَى الأَْصْل فَيُقَال: رِبَوَانِ، وَقَدْ يُقَال: رِبَيَانِ - بِالْيَاءِ - لِلإِْمَالَةِ السَّائِغَةِ فِيهِ مِنْ أَجْل الْكَسْرَةِ (٢) . وَالأَْصْل فِي مَعْنَاهُ الزِّيَادَةُ، يُقَال: رَبَا الشَّيْءُ إِذَا زَادَ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٣) . وَأَرْبَى الرَّجُل: عَامَل بِالرِّبَا أَوْ دَخَل فِيهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: مَنْ أَجْبَى فَقَدْ أَرْبَى (٤) وَالإِْجْبَاءُ: بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْل أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهُ. وَيُقَال: الرِّبَا وَالرَّمَا وَالرَّمَاءُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁

стр. 13246

قَوْلُهُ: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَا، يَعْنِي الرِّبَا (١) . وَالرُّبْيَةُ - بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيفِ - اسْمٌ مِنَ الرِّبَا، وَالرُّبِّيَّةُ: الرِّبَاءُ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صُلْحِ أَهْل نَجْرَانَ: أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ رُبِّيَّةٌ وَلاَ دَمٌ (٢) . قَال أَبُو عُبَيْدٍ: هَكَذَا رُوِيَ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ وَالْيَاءِ، وَقَال الْفَرَّاءُ: أَرَادَ بِهَا الرِّبَا الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَالدِّمَاءَ الَّتِي كَانُوا يَطْلُبُونَ بِهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُمْ كُل رِبًا كَانَ عَلَيْهِمْ إِلاَّ رُءُوسَ الأَْمْوَال فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَهَا (٣) . وَالرِّبَا فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: فَضْلٌ خَالٍ عَنْ عِوَضٍ بِمِعْيَارٍ شَرْعِيٍّ مَشْرُوطٍ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمُعَاوَضَةِ (٤) . وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ: عَقْدٌ عَلَى عِوَضٍ مَخْصُوصٍ غَيْرِ مَعْلُومِ التَّمَاثُل فِي مِعْيَارِ الشَّرْعِ

стр. 13247

حَالَةَ الْعَقْدِ أَوْ مَعَ تَأْخِيرٍ فِي الْبَدَلَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا (١) . وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ: تَفَاضُلٌ فِي أَشْيَاءَ، وَنَسْءٌ فِي أَشْيَاءَ، مُخْتَصٌّ بِأَشْيَاءَ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهَا - أَيْ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِيهَا - نَصًّا فِي الْبَعْضِ، وَقِيَاسًا فِي الْبَاقِي مِنْهَا (٢) . وَعَرَّفَ الْمَالِكِيَّةُ كُل نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الرِّبَا عَلَى حِدَةٍ (٣) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْبَيْعُ: ٢ - الْبَيْعُ لُغَةً: مَصْدَرُ بَاعَ، وَالأَْصْل فِيهِ أَنَّهُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْعَقْدِ مَجَازًا لأَِنَّهُ سَبَبُ التَّمْلِيكِ وَالتَّمَلُّكِ. وَالْبَيْعُ مِنَ الأَْضْدَادِ مِثْل الشِّرَاءِ، وَيُطْلَقُ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَفْظُ بَائِعٍ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ إِذَا أُطْلِقَ فَالْمُتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ بَاذِل السِّلْعَةِ، وَيُطْلَقُ الْبَيْعُ عَلَى الْمَبِيعِ فَيُقَال: بَيْعٌ جَيِّدٌ (٤) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهُ الْقَلْيُوبِيُّ بِأَنَّهُ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ تُفِيدُ مِلْكَ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ عَلَى

стр. 13248

التَّأْبِيدِ لاَ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ (١) . وَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ الْبَيْعِ أَقْوَالٌ أُخْرَى سَبَقَتْ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ (٢)) . وَالْبَيْعُ فِي الْجُمْلَةِ حَلاَلٌ، وَالرِّبَا حَرَامٌ. ب - الْعَرَايَا: ٣ - الْعَرِيَّةُ لُغَةً: النَّخْلَةُ يُعْرِيهَا صَاحِبُهَا غَيْرَهُ لِيَأْكُل ثَمَرَتَهَا فَيَعْرُوهَا أَيْ يَأْتِيهَا، أَوْ هِيَ النَّخْلَةُ الَّتِي أُكِل مَا عَلَيْهَا، وَالْجَمْعُ عَرَايَا، وَيُقَال: اسْتَعْرَى النَّاسُ أَيْ: أَكَلُوا الرُّطَبَ (٣) . وَعَرَّفَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْعَ الْعَرَايَا بِأَنَّهُ: بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى النَّخْل بِتَمْرٍ فِي الأَْرْضِ، أَوْ الْعِنَبِ فِي الشَّجَرِ بِزَبِيبٍ، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِتَقْدِيرِ الْجَفَافِ بِمِثْلِهِ (٤) . وَيَذْهَبُ آخَرُونَ فِي تَعْرِيفِ بَيْعِ الْعَرَايَا وَحُكْمِهِ مَذَاهِبَ يُرْجَعُ فِي تَفْصِيلِهَا إِلَى مُصْطَلَحِ: (تَعْرِيَةٌ) (وَبَيْعُ الْعَرَايَا) مِنَ الْمَوْسُوعَةِ ٩ ٩١. وَبَيْعُ الْعَرَايَا مِنَ الْمُزَابَنَةِ، وَفِيهِ مَا فِي الْمُزَابَنَةِ مِنَ الرِّبَا أَوْ شُبْهَتِهِ، لَكِنَّهُ أُجِيزَ بِالنَّصِّ، وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَال: نَهَى رَسُول

стр. 13249

اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا (١) ، وَفِي لَفْظٍ: عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ وَقَال: ذَلِكَ الرِّبَا تِلْكَ الْمُزَابَنَةُ، إِلاَّ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ: النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ يَأْخُذُهَا أَهْل الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا (٢) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٤ - الرِّبَا مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ، وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَمِنَ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ، وَلَمْ يُؤْذِنِ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَاصِيًا بِالْحَرْبِ سِوَى آكِل الرِّبَا، وَمَنِ اسْتَحَلَّهُ فَقَدْ كَفَرَ - لإِِنْكَارِهِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ - فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِل، أَمَّا مَنْ تَعَامَل بِالرِّبَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِلًّا لَهُ فَهُوَ فَاسِقٌ (٣) . قَال الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الرِّبَا لَمْ يَحِل فِي شَرِيعَةٍ قَطُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (٤) يَعْنِي فِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ (٥) .

стр. 13250

وَدَلِيل التَّحْرِيمِ مِنَ الْكِتَابِ قَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) . وَقَوْلُهُ : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ. . .﴾ (٢) . ٥ - قَال السَّرَخْسِيُّ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى لآِكِل الرِّبَا خَمْسًا مِنَ الْعُقُوبَاتِ: إِحْدَاهَا: التَّخَبُّطُ. . قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٣) . الثَّانِيَةُ: الْمَحْقُ. . قَال تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (٤) وَالْمُرَادُ الْهَلاَكُ وَالاِسْتِئْصَال، وَقِيل: ذَهَابُ الْبَرَكَةِ وَالاِسْتِمْتَاعِ حَتَّى لاَ يَنْتَفِعَ بِهِ، وَلاَ وَلَدُهُ بَعْدَهُ. الثَّالِثَةُ: الْحَرْبُ. . قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥) . الرَّابِعَةُ: الْكُفْرُ. . قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٦) وَقَال سُبْحَانَهُ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّبَا: ﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُل كَفَّارٍ

стр. 13251

أَثِيمٍ﴾ (١) أَيْ: كَفَّارٍ بِاسْتِحْلاَل الرِّبَا، أَثِيمٍ فَاجِرٍ بِأَكْل الرِّبَا. الْخَامِسَةُ: الْخُلُودُ فِي النَّارِ (٢) . قَال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣) . وَكَذَلِكَ - قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤) ، قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ لَيْسَ لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ بِهِ، بَل لِمُرَاعَاةِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْعَادَةِ تَوْبِيخًا لَهُمْ بِذَلِكَ، إِذْ كَانَ الرَّجُل يُرْبِي إِلَى أَجَلٍ، فَإِذَا حَل الأَْجَل قَال لِلْمَدِينِ: زِدْنِي فِي الْمَال حَتَّى أَزِيدَكَ فِي الأَْجَل، فَيَفْعَل، وَهَكَذَا عِنْدَ مَحَل كُل أَجَلٍ، فَيَسْتَغْرِقُ بِالشَّيْءِ الطَّفِيفِ مَالَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَنَزَلَتِ الآْيَةُ (٥) . ٦ - وَدَلِيل التَّحْرِيمِ مِنَ السُّنَّةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ

стр. 13252

قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْل النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْل الرِّبَا، وَأَكْل مَال الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ (١) . وَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَال: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ آكِل الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَال: هُمْ سَوَاءٌ (٢) . وَأَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَصْل تَحْرِيمِ الرِّبَا (٣) . وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيل مَسَائِلِهِ وَتَبْيِينِ أَحْكَامِهِ وَتَفْسِيرِ شَرَائِطِهِ. ٧ - هَذَا، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يُقْرِضُ أَوْ يَقْتَرِضُ أَوْ يَبِيعُ أَوْ يَشْتَرِي أَنْ يَبْدَأَ بِتَعَلُّمِ أَحْكَامِ هَذِهِ الْمُعَامَلاَتِ قَبْل أَنْ يُبَاشِرَهَا، حَتَّى تَكُونَ صَحِيحَةً وَبَعِيدَةً عَنِ الْحَرَامِ وَالشُّبُهَاتِ، وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَتَرْكُهُ إِثْمٌ وَخَطِيئَةٌ، وَهُوَ إِنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ هَذِهِ الأَْحْكَامَ قَدْ يَقَعُ

стр. 13253

فِي الرِّبَا دُونَ أَنْ يَقْصِدَ الإِْرْبَاءَ، بَل قَدْ يَخُوضُ فِي الرِّبَا وَهُوَ يَجْهَل أَنَّهُ تَرَدَّى فِي الْحَرَامِ وَسَقَطَ فِي النَّارِ، وَجَهْلُهُ لاَ يُعْفِيهِ مِنَ الإِْثْمِ وَلاَ يُنَجِّيهِ مِنَ النَّارِ؛ لأَِنَّ الْجَهْل وَالْقَصْدَ لَيْسَا مِنْ شُرُوطِ تَرَتُّبِ الْجَزَاءِ عَلَى الرِّبَا، فَالرِّبَا بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ - مِنَ الْمُكَلَّفِ - مُوجِبٌ لِلْعَذَابِ الْعَظِيمِ الَّذِي تَوَعَّدَ اللَّهُ ﷻ بِهِ الْمُرَابِينَ، يَقُول الْقُرْطُبِيُّ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الرِّبَا إِلاَّ عَلَى مَنْ قَصَدَهُ مَا حُرِّمَ إِلاَّ عَلَى الْفُقَهَاءِ. وَقَدْ أُثِرَ عَنِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَذِّرُونَ مِنْ الاِتِّجَارِ قَبْل تَعَلُّمِ مَا يَصُونُ الْمُعَامَلاَتِ التِّجَارِيَّةَ مِنَ التَّخَبُّطِ فِي الرِّبَا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل عُمَرَ ﵁: لاَ يَتَّجِرُ فِي سُوقِنَا إِلاَّ مَنْ فَقِهَ، وَإِلاَّ أَكَل الرِّبَا، وَقَوْل عَلِيٍّ ﵁: مَنِ اتَّجَرَ قَبْل أَنْ يَتَفَقَّهَ ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا ثُمَّ ارْتَطَمَ ثُمَّ ارْتَطَمَ، أَيْ: وَقَعَ وَارْتَبَكَ وَنَشِبَ (١) . وَقَدْ حَرَصَ الشَّارِعُ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الرِّبَا؛ لأَِنَّ مَا أَفْضَى إِلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ، وَكُل ذَرِيعَةٍ إِلَى الْحَرَامِ هِيَ حَرَامٌ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: لَمَّا نَزَلَتْ:

стр. 13254

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ. .﴾ (١) قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ لَمْ يَذَرِ الْمُخَابَرَةَ فَلْيُؤْذَنْ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (٢) قَال ابْنُ كَثِيرٍ: وَإِنَّمَا حُرِّمَتِ الْمُخَابَرَةُ وَهِيَ الْمُزَارَعَةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الأَْرْضِ، وَالْمُزَابَنَةُ وَهِيَ اشْتِرَاءُ الرُّطَبِ فِي رُءُوسِ النَّخْل بِالتَّمْرِ عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ، وَالْمُحَاقَلَةُ وَهِيَ اشْتِرَاءُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ فِي الْحَقْل بِالْحَبِّ عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ، إِنَّمَا حُرِّمَتْ هَذِهِ الأَْشْيَاءُ وَمَا شَاكَلَهَا حَسْمًا لِمَادَّةِ الرِّبَا؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعْلَمُ التَّسَاوِي بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ قَبْل الْجَفَافِ، وَلِهَذَا قَال الْفُقَهَاءُ: الْجَهْل بِالْمُمَاثَلَةِ كَحَقِيقَةِ الْمُفَاضَلَةِ، وَمِنْ هَذَا حَرَّمُوا أَشْيَاءَ بِمَا فَهِمُوا مِنْ تَضْيِيقِ الْمَسَالِكِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الرِّبَا وَالْوَسَائِل الْمُوَصِّلَةِ إِلَيْهِ، وَتَفَاوَتَ نَظَرُهُمْ بِحَسَبِ مَا وَهَبَ اللَّهُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مِنَ الْعِلْمِ. ٨ - وَبَابُ الرِّبَا مِنْ أَشْكَل الأَْبْوَابِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، وَقَدْ قَال عُمَرُ ﵁: ثَلاَثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ: الْجَدُّ وَالْكَلاَلَةُ وَأَبْوَابٌ مِنَ الرِّبَا، يَعْنِي - كَمَا قَال ابْنُ كَثِيرٍ - بِذَلِكَ بَعْضَ الْمَسَائِل الَّتِي فِيهَا شَائِبَةُ الرِّبَا، وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ

стр. 13255

سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَال: مِنْ آخِرِ مَا نَزَل آيَةُ الرِّبَا، وَإِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قُبِضَ قَبْل أَنْ يُفَسِّرَهَا لَنَا، فَدَعُوا الرِّبَا وَالرِّيبَةَ، وَعَنْهُ ﵁ قَال: ثَلاَثٌ لأََنْ يَكُونَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَيَّنَهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: الْكَلاَلَةُ، وَالرِّبَا، وَالْخِلاَفَةُ (١) . حِكْمَةُ تَحْرِيمِ الرِّبَا: ٩ - أَوْرَدَ الْمُفَسِّرُونَ لِتَحْرِيمِ الرِّبَا حِكَمًا تَشْرِيعِيَّةً: مِنْهَا: أَنَّ الرِّبَا يَقْتَضِي أَخْذَ مَال الإِْنْسَانِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ؛ لأَِنَّ مَنْ يَبِيعُ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ نَقْدًا أَوْ نَسِيئَةً تَحْصُل لَهُ زِيَادَةُ دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَمَال الْمُسْلِمِ مُتَعَلِّقُ حَاجَتِهِ، وَلَهُ حُرْمَةٌ عَظِيمَةٌ، قَال ﷺ : حُرْمَةُ مَال الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ (٢) وَإِبْقَاءُ الْمَال فِي يَدِهِ مُدَّةً مَدِيدَةً وَتَمْكِينُهُ مِنْ أَنْ يَتَّجِرَ فِيهِ وَيَنْتَفِعَ بِهِ أَمْرٌ مَوْهُومٌ، فَقَدْ يَحْصُل وَقَدْ لاَ يَحْصُل، وَأَخْذُ الدِّرْهَمِ الزَّائِدِ مُتَيَقَّنٌ، وَتَفْوِيتُ

стр. 13256

الْمُتَيَقَّنِ لأَِجْل الْمَوْهُومِ لاَ يَخْلُو مِنْ ضَرَرٍ (١) . وَمِنْهَا: أَنَّ الرِّبَا يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الاِشْتِغَال بِالْمَكَاسِبِ؛ لأَِنَّ صَاحِبَ الدِّرْهَمِ إِذَا تَمَكَّنَ بِوَاسِطَةِ عَقْدِ الرِّبَا مِنْ تَحْصِيل الدِّرْهَمِ الزَّائِدِ نَقْدًا كَانَ أَوْ نَسِيئَةً خَفَّ عَلَيْهِ اكْتِسَابُ وَجْهِ الْمَعِيشَةِ، فَلاَ يَكَادُ يَتَحَمَّل مَشَقَّةَ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَاتِ الشَّاقَّةِ، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى انْقِطَاعِ مَنَافِعِ الْخَلْقِ الَّتِي لاَ تَنْتَظِمُ إِلاَّ بِالتِّجَارَاتِ وَالْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالْعِمَارَاتِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الرِّبَا يُفْضِي إِلَى انْقِطَاعِ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ النَّاسِ مِنَ الْقَرْضِ؛ لأَِنَّ الرِّبَا إِذَا حُرِّمَ طَابَتِ النُّفُوسُ بِقَرْضِ الدِّرْهَمِ وَاسْتِرْجَاعِ مِثْلِهِ، وَلَوْ حَل الرِّبَا لَكَانَتْ حَاجَةُ الْمُحْتَاجِ تَحْمِلُهُ عَلَى أَخْذِ الدِّرْهَمِ بِدِرْهَمَيْنِ، فَيُفْضِي إِلَى انْقِطَاعِ الْمُوَاسَاةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالإِْحْسَانِ (٢) . وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَال ابْنُ الْقَيِّمِ. . . فَرِبَا النَّسِيئَةِ، وَهُوَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مِثْل أَنْ يُؤَخِّرَ دَيْنَهُ وَيَزِيدَهُ فِي الْمَال، وَكُلَّمَا أَخَّرَهُ زَادَ فِي الْمَال، حَتَّى تَصِيرَ الْمِائَةُ عِنْدَهُ آلاَفًا

стр. 13257

مُؤَلَّفَةً، وَفِي الْغَالِبِ لاَ يَفْعَل ذَلِكَ إِلاَّ مُعْدِمٌ مُحْتَاجٌ، فَإِذَا رَأَى أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ يُؤَخِّرُ مُطَالَبَتَهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهِ بِزِيَادَةٍ يَبْذُلُهَا لَهُ تَكَلَّفَ بَذْلَهَا لِيَفْتَدِيَ مِنْ أَسْرِ الْمُطَالَبَةِ وَالْحَبْسِ، وَيُدَافِعُ مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ، فَيَشْتَدُّ ضَرَرُهُ، وَتَعْظُمُ مُصِيبَتُهُ، وَيَعْلُوهُ الدَّيْنُ حَتَّى يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ مَوْجُودِهِ، فَيَرْبُو الْمَال عَلَى الْمُحْتَاجِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُل لَهُ، وَيَزِيدُ مَال الْمُرَابِي مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُل مِنْهُ لأَِخِيهِ، فَيَأْكُل مَال أَخِيهِ بِالْبَاطِل، وَيَحْصُل أَخُوهُ عَلَى غَايَةِ الضَّرَرِ، فَمِنْ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ وَحِكْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَى خَلْقِهِ أَنْ حَرَّمَ الرِّبَا (١) . . . ١٠ - وَأَمَّا الأَْصْنَافُ السِّتَّةُ الَّتِي حُرِّمَ فِيهَا الرِّبَا بِمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، الآْخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ (٢) . ١١ - أَمَّا هَذِهِ الأَْصْنَافُ فَقَدْ أَجْمَل ابْنُ الْقَيِّمِ حِكْمَةَ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِيهَا حَيْثُ قَال: وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ

стр. 13258

أَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنَ التِّجَارَةِ فِي الأَْثْمَانِ - أَيِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ - بِجِنْسِهَا لأَِنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ مَقْصُودَ الأَْثْمَانِ، وَمَنَعُوا التِّجَارَةَ فِي الأَْقْوَاتِ - أَيِ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ - بِجِنْسِهَا لأَِنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ مَقْصُودَ الأَْقْوَاتِ (١) . وَفَصَّل ابْنُ الْقَيِّمِ فَقَال: الصَّحِيحُ بَل الصَّوَابُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ هِيَ الثَّمَنِيَّةُ، فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ أَثْمَانُ الْمَبِيعَاتِ، وَالثَّمَنُ هُوَ الْمِعْيَارُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ تَقْوِيمُ الأَْمْوَال، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْدُودًا مَضْبُوطًا لاَ يَرْتَفِعُ وَلاَ يَنْخَفِضُ، إِذْ لَوْ كَانَ الثَّمَنُ يَرْتَفِعُ وَيَنْخَفِضُ كَالسِّلَعِ لَمْ يَكُنْ لَنَا ثَمَنٌ نَعْتَبِرُ بِهِ الْمَبِيعَاتِ، بَل الْجَمِيعُ سِلَعٌ، وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَى ثَمَنٍ يَعْتَبِرُونَ بِهِ الْمَبِيعَاتِ حَاجَةٌ ضَرُورِيَّةٌ عَامَّةٌ، وَذَلِكَ لاَ يُعْرَفُ إِلاَّ بِسِعْرٍ تُعْرَفُ بِهِ الْقِيمَةُ، وَذَلِكَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِثَمَنٍ تُقَوَّمُ بِهِ الأَْشْيَاءُ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلاَ يُقَوَّمُ هُوَ بِغَيْرِهِ، إِذْ يَصِيرُ سِلْعَةً يَرْتَفِعُ وَيَنْخَفِضُ، فَتَفْسُدُ مُعَامَلاَتُ النَّاسِ وَيَقَعُ الْخُلْفُ وَيَشْتَدُّ الضَّرَرُ. . . فَالأَْثْمَانُ لاَ تُقْصَدُ لأَِعْيَانِهَا، بَل يُقْصَدُ التَّوَصُّل بِهَا إِلَى السِّلَعِ، فَإِذَا صَارَتْ فِي أَنْفُسِهَا سِلَعًا تُقْصَدُ لأَِعْيَانِهَا فَسَدَ أَمْرُ النَّاسِ. وَأَضَافَ: وَأَمَّا الأَْصْنَافُ الأَْرْبَعَةُ الْمَطْعُومَةُ فَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهَا أَعْظَمُ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى

стр. 13259

غَيْرِهَا؛ لأَِنَّهَا أَقْوَاتُ الْعَالَمِ، فَمِنْ رِعَايَةِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ أَنْ مُنِعُوا مِنْ بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ إِلَى أَجَلٍ، سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوِ اخْتَلَفَ، وَمُنِعُوا مِنْ بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ حَالًّا مُتَفَاضِلاً وَإِنِ اخْتَلَفَتْ صِفَاتُهَا، وَجُوِّزَ لَهُمُ التَّفَاضُل مَعَ اخْتِلاَفِ أَجْنَاسِهَا. فَقَدْ قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَسِرُّ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَوْ جَوَّزَ بَيْعَ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ نَسَاءً لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ أَحَدٌ إِلاَّ إِذَا رَبِحَ، وَحِينَئِذٍ تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِبَيْعِهَا حَالَّةً لِطَمَعِهِ فِي الرِّبْحِ، فَيَعِزُّ الطَّعَامُ عَلَى الْمُحْتَاجِ وَيَشْتَدُّ ضَرَرُهُ،. . فَكَانَ مِنْ رَحْمَةِ الشَّارِعِ بِهِمْ وَحِكْمَتِهِ أَنْ مَنَعَهُمْ مِنْ رِبَا النَّسَاءِ فِيهَا كَمَا مَنَعَهُمْ مِنْ رِبَا النَّسَاءِ فِي الأَْثْمَانِ؛ إِذْ لَوْ جَوَّزَ لَهُمُ النَّسَاءَ فِيهَا لَدَخَلَهَا " إِمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ " فَيَصِيرُ الصَّاعُ الْوَاحِدُ لَوْ أُخِذَ قُفْزَانًا كَثِيرَةً، فَفُطِمُوا عَنِ النَّسَاءِ، ثُمَّ فُطِمُوا عَنْ بَيْعِهَا مُتَفَاضِلاً يَدًا بِيَدٍ، إِذْ تَجُرُّهُمْ حَلاَوَةُ الرِّبْحِ وَظَفَرُ الْكَسْبِ إِلَى التِّجَارَةِ فِيهَا نَسَاءً وَهُوَ عَيْنُ الْمَفْسَدَةِ، وَهَذَا بِخِلاَفِ الْجِنْسَيْنِ الْمُتَبَايِنَيْنِ فَإِنَّ حَقَائِقَهُمَا وَصِفَاتِهِمَا وَمَقَاصِدَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، فَفِي إِلْزَامِهِمُ الْمُسَاوَاةَ فِي بَيْعِهَا إِضْرَارٌ بِهِمْ، وَلاَ يَفْعَلُونَهُ، وَفِي تَجْوِيزِ النَّسَاءِ بَيْنَهَا ذَرِيعَةٌ إِلَى " إِمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ " فَكَانَ مِنْ تَمَامِ رِعَايَةِ مَصَالِحِهِمْ أَنْ قَصَرَهُمْ عَلَى بَيْعِهَا يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شَاءُوا، فَحَصَلَتْ لَهُمُ الْمُبَادَلَةُ، وَانْدَفَعَتْ عَنْهُمْ مَفْسَدَةُ " إِمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ " وَهَذَا

стр. 13260

بِخِلاَفِ مَا إِذَا بِيعَتْ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْمَوْزُونَاتِ نَسَاءً فَإِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ، فَلَوْ مُنِعُوا مِنْهُ لأََضَرَّ بِهِمْ، وَلاَمْتَنَعَ السَّلَمُ الَّذِي هُوَ مِنْ مَصَالِحِهِمْ فِيمَا هُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَالشَّرِيعَةُ لاَ تَأْتِي بِهَذَا، وَلَيْسَ بِهِمْ حَاجَةٌ فِي بَيْعِ هَذِهِ الأَْصْنَافِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ نَسَاءً، وَهُوَ ذَرِيعَةٌ قَرِيبَةٌ إِلَى مَفْسَدَةِ الرِّبَا، فَأُبِيحَ لَهُمْ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَتُهُمْ وَلَيْسَ بِذَرِيعَةٍ إِلَى مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ، وَمُنِعُوا مِمَّا لاَ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ وَيُتَذَرَّعُ بِهِ غَالِبًا إِلَى مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ (١) . أَقْسَامُ الرِّبَا: رِبَا الْبَيْعِ (رِبَا الْفَضْل) : ١٢ - وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي الأَْعْيَانِ الرِّبَوِيَّةِ، وَالَّذِي عُنِيَ الْفُقَهَاءُ بِتَعْرِيفِهِ وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ فِي الْبُيُوعِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ أَنْوَاعِهِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) إِلَى أَنَّهُ نَوْعَانِ: ١ - رِبَا الْفَضْل. . وَعَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ فَضْلٌ خَالٍ عَنْ عِوَضٍ بِمِعْيَارٍ شَرْعِيٍّ مَشْرُوطٍ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمُعَاوَضَةِ (٣) . ٢ - رِبَا النَّسِيئَةِ. . . وَهُوَ: فَضْل الْحُلُول عَلَى

стр. 13261

الأَْجَل، وَفَضْل الْعَيْنِ عَلَى الدَّيْنِ فِي الْمَكِيلَيْنِ أَوِ الْمَوْزُونَيْنِ عِنْدَ اخْتِلاَفِ الْجِنْسِ، أَوْ فِي غَيْرِ الْمَكِيلَيْنِ أَوِ الْمَوْزُونَيْنِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ (١) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ رِبَا الْبَيْعِ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: ١ - رِبَا الْفَضْل. . وَهُوَ الْبَيْعُ مَعَ زِيَادَةِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ عَنِ الآْخَرِ فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ. ٢ - رِبَا الْيَدِ. . وَهُوَ الْبَيْعُ مَعَ تَأْخِيرِ قَبْضِ الْعِوَضَيْنِ أَوْ قَبْضِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ أَجَلٍ. ٣ - رِبَا النَّسَاءِ. . وَهُوَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ أَجَلٍ وَلَوْ قَصِيرًا فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ. وَزَادَ الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ رِبَا الْقَرْضِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ جَرُّ نَفْعٍ، قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَيُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى رِبَا الْفَضْل، وَقَال الرَّمْلِيُّ: إِنَّهُ مِنْ رِبَا الْفَضْل، وَعَلَّل الشَّبْرَامَلِّسِيُّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا جُعِل رِبَا الْقَرْضِ مِنْ رِبَا الْفَضْل مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ - يَعْنِي الْبَيْعَ -؛ لأَِنَّهُ لَمَّا شَرَطَ نَفْعًا لِلْمُقْرِضِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنَّهُ بَاعَ مَا أَقْرَضَهُ بِمَا يَزِيدُ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ فَهُوَ مِنْهُ حُكْمًا. رِبَا النَّسِيئَةِ: ١٣ - وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ نَظِيرَ الأَْجَل أَوِ الزِّيَادَةِ فِيهِ وَسُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الرِّبَا رِبَا النَّسِيئَةِ

стр. 13262

مِنْ أَنْسَأْتُهُ الدَّيْنَ: أَخَّرْتُهُ - لأَِنَّ الزِّيَادَةَ فِيهِ مُقَابِل الأَْجَل أَيًّا كَانَ سَبَبُ الدَّيْنِ بَيْعًا كَانَ أَوْ قَرْضًا (١) . وَسُمِّيَ رِبَا الْقُرْآنِ؛ لأَِنَّهُ حُرِّمَ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً. . .﴾ (٢) . ثُمَّ أَكَّدَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ تَحْرِيمَهُ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ وَفِي أَحَادِيثَ أُخْرَى. ثُمَّ انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَسُمِّيَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، لأَِنَّ تَعَامُل أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ بِالرِّبَا لَمْ يَكُنْ إِلاَّ بِهِ كَمَا قَال الْجَصَّاصُ. وَالرِّبَا الَّذِي كَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُهُ وَتَفْعَلُهُ إِنَّمَا كَانَ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ إِلَى أَجَلٍ بِزِيَادَةٍ عَلَى مِقْدَارِ مَا اسْتَقْرَضَ عَلَى مَا يَتَرَاضَوْنَ بِهِ (٣) . وَسُمِّيَ أَيْضًا الرِّبَا الْجَلِيَّ، قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: الْجَلِيُّ: رِبَا النَّسِيئَةِ، وَهُوَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مِثْل أَنْ يُؤَخِّرَ دَيْنَهُ وَيَزِيدَهُ فِي الْمَال، وَكُلَّمَا أَخَّرَهُ زَادَهُ فِي الْمَال حَتَّى تَصِيرَ الْمِائَةُ عِنْدَهُ آلاَفًا مُؤَلَّفَةً (٤) . .

стр. 13263

١٤ - وَرِبَا الْفَضْل يَكُونُ بِالتَّفَاضُل فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ أَمْوَال الرِّبَا إِذَا بِيعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، كَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ نَقْدًا، أَوْ بَيْعِ صَاعِ قَمْحٍ بِصَاعَيْنِ مِنَ الْقَمْحِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَيُسَمَّى رِبَا الْفَضْل لِفَضْل أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ عَلَى الآْخَرِ، وَإِطْلاَقُ التَّفَاضُل عَلَى الْفَضْل مِنْ بَابِ الْمَجَازِ، فَإِنَّ الْفَضْل فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الآْخَرِ. وَيُسَمَّى رِبَا النَّقْدِ فِي مُقَابَلَةِ رِبَا النَّسِيئَةِ: وَيُسَمَّى الرِّبَا الْخَفِيَّ، قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: الرِّبَا نَوْعَانِ: جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ، فَالْجَلِيُّ حُرِّمَ، لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ، وَالْخَفِيُّ حُرِّمَ، لأَِنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْجَلِيِّ، فَتَحْرِيمُ الأَْوَّل قَصْدًا، وَتَحْرِيمُ الثَّانِي لأَِنَّهُ وَسِيلَةٌ، فَأَمَّا الْجَلِيُّ فَرِبَا النَّسِيئَةِ وَهُوَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَأَمَّا رِبَا الْفَضْل فَتَحْرِيمُهُ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لاَ تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ (١) وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا، فَمَنَعَهُمْ مِنْ

стр. 13264

رِبَا الْفَضْل لِمَا يَخَافُهُ عَلَيْهِمْ مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا بَاعُوا دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ - وَلاَ يُفْعَل هَذَا إِلاَّ لِلتَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَ النَّوْعَيْنِ - إِمَّا فِي الْجَوْدَةِ، وَإِمَّا فِي السِّكَّةِ، وَإِمَّا فِي الثِّقَل وَالْخِفَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - تَدَرَّجُوا بِالرِّبْحِ الْمُعَجَّل فِيهَا إِلَى الرِّبْحِ الْمُؤَخَّرِ وَهُوَ عَيْنُ رِبَا النَّسِيئَةِ، وَهَذَا ذَرِيعَةٌ قَرِيبَةٌ جِدًّا، فَمِنْ حِكْمَةِ الشَّارِعِ أَنْ سَدَّ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الذَّرِيعَةَ، وَهِيَ تَسُدُّ عَلَيْهِمْ بَابَ الْمَفْسَدَةِ (١) . . أَثَرُ الرِّبَا فِي الْعُقُودِ: ١٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي يُخَالِطُهُ الرِّبَا مَفْسُوخٌ لاَ يَجُوزُ بِحَالٍ، وَأَنَّ مَنْ أَرْبَى يُنْقَضُ عَقْدُهُ وَيُرَدُّ فِعْلُهُ وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً؛ لأَِنَّهُ فَعَل مَا حَرَّمَهُ الشَّارِعُ وَنَهَى عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَالْفَسَادَ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ عَمِل عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ (٢) وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: جَاءَ بِلاَلٌ ﵁ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ فَقَال بِلاَلٌ: مِنْ تَمْرٍ كَانَ عِنْدَنَا رَدِيءٍ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِمَطْعَمِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَال رَسُول

стр. 13265

اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا، لاَ تَفْعَل، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ التَّمْرَ فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ (١) فَقَوْلُهُ ﷺ : أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا أَيْ هُوَ الرِّبَا الْمُحَرَّمُ نَفْسُهُ لاَ مَا يُشْبِهُهُ، وَقَوْلُهُ: فَهُوَ رَدٌّ يَدُل عَلَى وُجُوبِ فَسْخِ صَفْقَةِ الرِّبَا وَأَنَّهَا لاَ تَصِحُّ بِوَجْهٍ (٢) . وَرَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّل رِبًا أَضَعُ رِبَانَا: رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ (٣) . وَقَال عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِالْوَضْعِ الرَّدُّ وَالإِْبْطَال (٤) . وَفَصَّل ابْنُ رُشْدٍ فَقَال: مَنْ بَاعَ بَيْعًا أَرْبَى فِيهِ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ لِلرِّبَا فَعَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ الْمُوجِعَةُ إِنْ لَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلٍ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ مَا كَانَ قَائِمًا، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَرَ السَّعْدَيْنِ أَنْ يَبِيعَا آنِيَةً مِنَ الْمَغَانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَبَاعَا كُل ثَلاَثَةٍ بِأَرْبَعَةٍ عَيْنًا، أَوْ كُل أَرْبَعَةٍ بِثَلاَثَةٍ عَيْنًا، فَقَال لَهُمَا رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا (٥) .

стр. 13266

فَإِنْ فَاتَ الْبَيْعُ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ رَأْسُ مَالِهِ قَبَضَ الرِّبَا أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ، فَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ رَدَّهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَرْبَى ثُمَّ تَابَ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ رَأْسُ مَالِهِ، وَمَا قَبَضَ مِنَ الرِّبَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى مَنْ قَبَضَهُ مِنْهُ، وَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَ وَلَهُ رِبًا، فَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ فَهُوَ لَهُ؛ لِقَوْل اللَّهِ : ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (١) وَلِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ (٢) وَأَمَّا إِنْ كَانَ لَمْ يَقْبِضِ الرِّبَا فَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي هَذَا أَعْلَمُهُ (٣) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: اشْتِرَاطُ الرِّبَا فِي الْبَيْعِ مُفْسِدٌ لِلْبَيْعِ، لَكِنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ فِي الْمُعَامَلاَتِ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل، فَيُمْلَكُ الْمَبِيعُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِالْقَبْضِ، وَلاَ يُمْلَكُ فِي الْبَيْعِ الْبَاطِل بِالْقَبْضِ، يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: الْفَسَادُ وَالْبُطْلاَنُ فِي الْعِبَادَاتِ سِيَّانِ، أَمَّا فِي الْمُعَامَلاَتِ فَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ أَثَرُ الْمُعَامَلَةِ عَلَيْهَا فَهُوَ الْبُطْلاَنُ، وَإِنْ تَرَتَّبَ فَإِنْ كَانَ مَطْلُوبَ التَّفَاسُخِ شَرْعًا فَهُوَ الْفَسَادُ، وَإِلاَّ

стр. 13267

فَهُوَ الصِّحَّةُ (١) . وَالْبَيْعُ الرِّبَوِيُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ، وَحُكْمُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعِوَضَ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ وَيَجِبُ رَدُّهُ لَوْ قَائِمًا، وَرَدُّ مِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ لَوْ مُسْتَهْلَكًا، وَعَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ رَدُّ الزِّيَادَةِ الرِّبَوِيَّةِ لَوْ قَائِمَةً، لاَ رَدُّ ضَمَانِهَا، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِيهِ حَقَّيْنِ، حَقَّ الْعَبْدِ وَهُوَ رَدُّ عَيْنِهِ لَوْ قَائِمًا وَمِثْلِهِ لَوْ هَالِكًا، وَحَقَّ الشَّرْعِ وَهُوَ رَدُّ عَيْنِهِ لِنَقْضِ الْعَقْدِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا، وَبَعْدَ الاِسْتِهْلاَكِ لاَ يَتَأَتَّى رَدُّ عَيْنِهِ فَتَعَيَّنَ رَدُّ الْمِثْل وَهُوَ مَحْضُ حَقِّ الْعَبْدِ، ثُمَّ إِنَّ رَدَّ عَيْنِهِ لَوْ قَائِمًا فِيمَا لَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى الزَّائِدِ، أَمَّا لَوْ بَاعَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَزَادَهُ دَانِقًا هِبَةً مِنْهُ فَإِنَّهُ لاَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ (٢) . الْخِلاَفُ فِي رِبَا الْفَضْل: ١٦ - أَطْبَقَتِ الأُْمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُل فِي بَيْعِ الرِّبَوِيَّاتِ إِذَا اجْتَمَعَ التَّفَاضُل مَعَ النَّسَاءِ، وَأَمَّا إِذَا انْفَرَدَ نَقْدًا فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِ خِلاَفٌ قَدِيمٌ: صَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵃ إِبَاحَتُهُ، وَكَذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ مَعَ رُجُوعِهِ عَنْهُ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵃، وَفِيهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ شَيْءٌ

стр. 13268

مُحْتَمَلٌ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَأَمَّا التَّابِعُونَ: فَصَحَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَفُقَهَاءِ الْمَكِّيِّينَ، وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ وَعُرْوَةَ (١) . انْقِرَاضُ الْخِلاَفِ فِي رِبَا الْفَضْل وَدَعْوَى الإِْجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ: ١٧ - نَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ قَال: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الأَْمْصَارِ: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْل الْمَدِينَةِ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْل الْعِرَاقِ، وَالأَْوْزَاعِيُّ وَمَنْ قَال بِقَوْلِهِ مِنْ أَهْل الشَّامِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدِ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْل مِصْرَ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ، وَلاَ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ، وَلاَ بُرٍّ بِبُرٍّ، وَلاَ شَعِيرٍ بِشَعِيرٍ، وَلاَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ، وَلاَ مِلْحٍ بِمِلْحٍ، مُتَفَاضِلاً يَدًا بِيَدٍ، وَلاَ نَسِيئَةً، وَأَنَّ مَنْ فَعَل ذَلِكَ فَقَدْ أَرْبَى وَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ، قَال: وَقَدْ رَوَيْنَا هَذَا الْقَوْل عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَجَمَاعَةٍ يَكْثُرُ عَدَدُهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ (٢) . وَنَاقَشَ السُّبْكِيُّ دَعْوَى الإِْجْمَاعِ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ، وَانْتَهَى إِلَى الْقَوْل: فَعَلَى هَذَا امْتَنَعَ دَعْوَى الإِْجْمَاعِ فِي تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْل بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، لَكِنَّا بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَغْنُونَ عَنِ

стр. 13269

الإِْجْمَاعِ فِي ذَلِكَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَضَافِرَةِ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَى الإِْجْمَاعِ فِي مَسْأَلَةٍ خَفِيَّةٍ سَنَدُهَا قِيَاسٌ أَوِ اسْتِنْبَاطٌ دَقِيقٌ (١) . الأَْحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْل: ١٨ - رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْل (٢) : مِنْهَا: مَا رَوَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ قَال: لاَ تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلاَ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ (٣) . وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، لاَ فَضْل بَيْنَهُمَا، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِوَرِقٍ، فَلْيَصْرِفْهَا بِذَهَبٍ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِذَهَبٍ فَلْيَصْرِفْهَا بِوَرِقٍ، وَالصَّرْفُ هَاءَ وَهَاءَ (٤) . وَمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ،

стр. 13270

وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (١) . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ (٢) فَقَدْ قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: مِثْل هَذَا يُرَادُ بِهِ حَصْرُ الْكَمَال وَأَنَّ الرِّبَا الْكَامِل إِنَّمَا هُوَ فِي النَّسِيئَةِ، كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣) وَكَقَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّمَا الْعَالِمُ الَّذِي يَخْشَى اللَّهَ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ، قَال: قِيل الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: لاَ رِبًا إِلاَّ فِي النَّسِيئَةِ الرِّبَا الأَْغْلَظُ الشَّدِيدُ التَّحْرِيمِ الْمُتَوَعَّدُ عَلَيْهِ بِالْعِقَابِ الشَّدِيدِ، كَمَا تَقُول الْعَرَبُ: لاَ عَالِمَ فِي الْبَلَدِ إِلاَّ زَيْدٌ مَعَ أَنَّ فِيهَا عُلَمَاءَ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ نَفْيُ الأَْكْمَل لاَ نَفْيُ الأَْصْل (٤) .
следующие страницы →