Полный текст (31 949 стр.). Показаны 13301–13340 · переход к 13306.
стр. 13301
حَرِيمِهِمْ، وَقُوَّةٌ لأَِهْل الثَّغْرِ وَلأَِهْل الْغَزْوِ، قَال أَحْمَدُ: هُوَ أَصْل الْجِهَادِ وَفَرْعُهُ (١) .
وَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الأَْمْرُ بِهِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (٢) .
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: قَال جُمْهُورُ الأُْمَّةِ فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ: رَابِطُوا أَعْدَاءَكُمْ بِالْخَيْل، وَعَزَا إِلَى ابْنِ عَطِيَّةَ قَوْلَهُ: الْقَوْل الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى رَابِطُوا: أَنَّ الرِّبَاطَ هُوَ الْمُلاَزَمَةُ فِي سَبِيل اللَّهِ، أَصْلُهَا مِنْ رَبْطِ الْخَيْل، ثُمَّ سُمِّيَ كُل مُلاَزِمٍ لِثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ مُرَابِطًا، فَارِسًا كَانَ أَمْ رَاجِلاً (٣) .
فَضْل الرِّبَاطِ:
٥ - وَرَدَ فِي فَضْل الرِّبَاطِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: قَوْلُهُ ﷺ : رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيل اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا (٤) .
وَقَال: رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ стр. 13302
يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ (١) . وَوَرَدَ عَنْهُ ﷺ كُل مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلاَّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيل اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنَمَّى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فَتَّانِ الْقَبْرِ (٢) .
أَفْضَل الرِّبَاطِ:
٦ - أَفْضَل الرِّبَاطِ: أَشَدُّ الثُّغُورِ خَوْفًا؛ لأَِنَّ مُقَامَهُ بِهِ أَنْفَعُ، وَأَهْلَهُ أَحْوَجُ (٣) .
الْمَحَل الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ الرِّبَاطُ:
٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَحَل الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ الرِّبَاطُ، فَإِنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ فِي كُل مَحَلٍّ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الْمُخْتَارُ: أَنَّهُ لاَ يَكُونُ الرِّبَاطُ، إِلاَّ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَكُونُ وَرَاءَهُ إِسْلاَمٌ؛ لأَِنَّ مَا دُونَهُ لَوْ كَانَ رِبَاطًا فَكُل الْمُسْلِمِينَ فِي بِلاَدِهِمْ مُرَابِطُونَ، وَقَال بَعْضُهُمْ: إِذَا أَغَارَ الْعَدُوُّ عَلَى مَوْضِعٍ مَرَّةً سُمِّيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ رِبَاطًا، أَرْبَعِينَ سَنَةً (٤) . стр. 13303
وَالأَْصْل فِي هَذَا: حَدِيثُ مَنْ حَرَسَ مِنْ وَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي سَبِيل اللَّهِ مُتَطَوِّعًا لاَ يَأْخُذُهُ سُلْطَانٌ لَمْ يَرَ النَّارَ بِعَيْنَيْهِ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ (١) .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: إِذَا نَوَى بِالإِْقَامَةِ فِي أَيِّ مَكَانٍ وَإِنْ كَانَ وَطَنَهُ دَفْعَ الْعَدُوِّ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُرَابِطًا، قَال: وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ سُكْنَى الثُّغُورِ. وَعَزَا إِلَى ابْنِ التِّينِ أَنَّهُ قَال: الرِّبَاطُ مُلاَزَمَةُ الْمَكَانِ الَّذِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لِحِرَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْوَطَنِ، وَعَزَا ذَلِكَ إِلَى ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ (٢) .
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَابِطُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ الَّذِي يَشْخَصُ إِلَى ثَغْرٍ مِنَ الثُّغُورِ لِيُرَابِطَ فِيهِ مُدَّةً مَا. أَمَّا سُكَّانُ الثُّغُورِ دَائِمًا بِأَهْلِيهِمُ الَّذِينَ يَعْمُرُونَ وَيَكْتَسِبُونَ هُنَالِكَ فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا حُمَاةً فَلَيْسُوا بِمُرَابِطِينَ (٣) .
مُدَّةُ الرِّبَاطِ:
٨ - قَال الْفُقَهَاءُ: تَمَامُ الرِّبَاطِ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا стр. 13304
فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: تَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا (١) .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ رَابَطَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدِ اسْتَكْمَل الرِّبَاطَ.
وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَلَمْ نَقِفْ عَلَى خِلاَفٍ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ مِنَ الرِّبَاطِ، فَقَال: كَمْ رَابَطْتَ؟ قَال: ثَلاَثِينَ يَوْمًا، فَقَال عُمَرُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ أَلاَّ رَجَعْتَ حَتَّى تُتِمَّهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَإِنْ رَابَطَ أَكْثَرَ فَلَهُ أَجْرُهُ.
أَمَّا أَقَل الرِّبَاطِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ أَقَل الرِّبَاطِ سَاعَةٌ (٢) .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: أَقَل مَا يُجْزِئُ يَوْمٌ أَوْ لَيْلَةٌ، وَقَال: لأَِنَّهُ قَيَّدَ الْيَوْمَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَطْلَقَ فِي الآْيَةِ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مُطْلَقَ الآْيَةِ مُقَيَّدٌ بِالْحَدِيثِ؛ لأَِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ أَقَل الرِّبَاطِ يَوْمٌ، لِسِيَاقِهِ فِي مَقَامِ الْمُبَالَغَةِ وَذِكْرُهُ مَعَ سَوْطٍ يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ (٣) .
الرِّبَاطَاتُ الْمُسَبَّلَةُ:
٩ - الرِّبَاطَاتُ الْمُسَبَّلَةُ فِي الطُّرُقِ وَعَلَى أَطْرَافِ стр. 13305
بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ - وَهِيَ مَا يُبْنَى لِلْمُسَافِرِينَ وَالْغُرَبَاءِ وَالْفُقَرَاءِ - مِنَ الْمَنَافِعِ الْمُشْتَرَكَةِ. فَمَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا وَهُوَ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِمَنَافِعِهَا صَارَ أَحَقَّ بِهِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ إِزْعَاجُهُ، سَوَاءٌ دَخَل بِإِذْنِ الإِْمَامِ أَمْ لاَ. وَلاَ يَبْطُل حَقُّهُ بِالْخُرُوجِ لِحَاجَةٍ كَشِرَاءِ طَعَامٍ، وَنَحْوِهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ تَخْلِيفُهُ نَائِبًا لَهُ فِي الْمَوْضِعِ، وَلاَ أَنْ يَتْرُكَ فِيهِ مَتَاعَهُ. وَإِذَا سَكَنَ بَيْتًا مِنْهَا مَنْ تَتَوَفَّرُ فِيهِ شُرُوطُ الْمُسَبَّلَةِ، وَغَابَ أَيَّامًا قَلِيلَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ إِذَا عَادَ. فَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ بَطَل حَقُّهُ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (الْمَنَافِعُ الْمُشْتَرَكَةُ، وَقْف) . стр. 13306
رِبَاعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الرِّبَاعُ لُغَةً: جَمْعُ رَبْعٍ وَهُوَ الْمَنْزِل وَالدَّارُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ يَرْبَعُ فِيهِ أَيْ يَسْكُنُهُ وَيُقِيمُ فِيهِ. وَالْجَمْعُ: أَرْبُعٌ وَرِبَاعٌ وَرُبُوعٌ. وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ ﵁ قَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : وَهَل تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ دَارٍ (١) ، وَرَبْعُ الْقَوْمِ: مَحَلَّتُهُمْ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَرَادَتْ بَيْعَ رِبَاعِهَا أَيْ مَنَازِلِهَا، وَالرَّبْعَةُ: أَخَصُّ مِنَ الرَّبْعِ، وَالرَّبْعُ: الْمَحَلَّةُ. يُقَال: مَا أَوْسَعَ رَبْعَ بَنِي فُلاَنٍ (٢) .
وَاصْطِلاَحًا: أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ اسْمَ الرَّبْعِ عَلَى الْبِنَاءِ وَحَائِطِ النَّخْل يُحَوَّطُ عَلَيْهِ بِجِدَارٍ أَوْ غَيْرِهِ (٣) . стр. 13307
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعَقَارُ:
٢ - الْعَقَارُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ: كُل مِلْكٍ ثَابِتٍ لَهُ أَصْلٌ، كَ الدَّارِ وَالنَّخْل.
وَعَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ الضَّيْعَةُ، وَجَعَلُوا الْبِنَاءَ وَالنَّخْل مِنَ الْمَنْقُولاَتِ، وَعِنْدَهُمْ قَوْلٌ كَقَوْل الْجُمْهُورِ.
وَعَقَارُ الْبَيْتِ: مَتَاعُهُ وَنَضَدُهُ إِذَا كَانَ حَسَنًا كَبِيرًا، وَيُقَال: فِي الْبَيْتِ عَقَارٌ حَسَنٌ أَيْ: مَتَاعٌ وَأَدَاةٌ (١) .
ب - الأَْرْضُ:
٣ - الأَْرْضُ مَعْرُوفَةٌ وَجَمْعُهَا أَرَاضٍ وَأَرَضُونَ.
ج - الدَّارُ:
٤ - الدَّارُ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْعَرْصَةِ وَالْبِنَاءِ وَالْمَحَلَّةِ، وَاللَّفْظُ مُؤَنَّثٌ.
وَقَال ابْنُ جِنِّي: هِيَ مِنْ دَارَ يَدُورُ لِكَثْرَةِ حَرَكَاتِ النَّاسِ فِيهَا وَالْجَمْعُ أَدْوُرٌ وَأَدْؤُرٌ، وَالْكَثِيرُ دِيَارٌ وَدُورٌ.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالرِّبَاعِ مِنْ أَحْكَامٍ:
أ - رِبَاعُ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ:
٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ وَإِجَارَةِ رِبَاعِ مَكَّةَ وَعَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ، стр. 13308
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (١) ، وَلِحَدِيثِ مُجَاهِدٍ مَرْفُوعًا مَكَّةُ حَرَامٌ، حَرَّمَهَا اللَّهُ، لاَ تَحِل بَيْعُ رِبَاعِهَا، وَلاَ إِجَارَةُ بُيُوتِهَا (٢) ، وَلِحَدِيثِ مَكَّةُ مُنَاخٌ لاَ تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلاَ تُؤَاجَرُ بُيُوتُهَا (٣) ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: فَإِنْ سَكَنَ بِأُجْرَةٍ فِي رِبَاعِ مَكَّةَ لَمْ يَأْثَمْ بِدَفْعِهَا (٤) .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ، وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَاسْتَدَل الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِجَوَازِ بَيْعِ رِبَاعِ مَكَّةَ وَكِرَاءِ دُورِهَا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (٥) فَنَسَبَ الدِّيَارَ إِلَى الْمَالِكِينَ، وَبِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِل فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَال: وَهَل تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ (٦) ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا стр. 13309
طَالِبٍ، وَلَمْ يَرِثْ جَعْفَرٌ وَلاَ عَلِيٌّ ﵄ شَيْئًا لأَِنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَبِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ دَخَل دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ (١) فَنَسَبَ الدِّيَارَ إِلَى مَالِكِيهَا، وَبِاشْتِرَاءِ عُمَرَ ﵁ دَارَ الْحَجَّامِينَ وَإِسْكَانِهَا (٢) .
وَالْمَالِكِيَّةُ عِنْدَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ:
الأُْولَى: الْمَنْعُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَالثَّانِيَةُ: الْجَوَازُ، قَال ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ وَالْمُعْتَمَدُ الَّذِي بِهِ الْفَتْوَى، وَعَلَيْهِ جَرَى الْعَمَل مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى وَالْقُضَاةِ بِمَكَّةَ.
وَالثَّالِثَةُ: الْكَرَاهَةُ، فَإِنْ قَصَدَ بِالْكِرَاءِ الآْلاَتِ وَالأَْخْشَابَ جَازَ، وَإِنْ قَصَدَ الْبُقْعَةَ فَلاَ خَيْرَ فِيهِ.
وَالرَّابِعَةُ: تَخْصِيصُ الْكَرَاهَةِ بِالْمَوْسِمِ لِكَثْرَةِ النَّاسِ وَاحْتِيَاجِهِمْ إِلَى الْوَقْفِ (٣) .
ب - الشُّفْعَةُ فِي الرِّبَاعِ:
٦ - تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي الرِّبَاعِ قَبْل قِسْمَتِهَا بِالإِْجْمَاعِ تَبَعًا لِلأَْرْضِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَصْلاً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّ ضَرَرَ أَذَى الدَّخِيل يَتَأَبَّدُ، وَذَلِكَ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ فِي الْعَقَارِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي الْعَقَارِ إِنْ стр. 13310
كَانَ رَبْعًا أَوْ حَائِطًا. قَالُوا: لأَِنَّ الضَّرَرَ فِي الْعَقَارِ يَتَأَبَّدُ مِنْ جِهَةِ الشَّرِيكِ فَتَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ لإِِزَالَةِ الضَّرَرِ (١) .
وَلِمَزِيدِ الإِْيضَاحِ انْظُرْ: (شُفْعَةٌ) .
ج - قِسْمَةُ الرِّبَاعِ:
٧ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ يَتْبَعَانِ الأَْرْضَ فِي الْقِسْمَةِ، وَالأَْرْضُ لاَ تَتْبَعُهُمَا، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَصِيبِهِ مِنْ قِسْمَةِ الأَْرْضِ شَيْءٌ مِنْهُمَا فَهُوَ لَهُ، بِخِلاَفِ الْعَكْسِ (٢) .
وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ فَنَصُّوا عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الأَْرْضِ وَالْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ يَتْبَعُ الآْخَرَ فِي بَيْعِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ شَرْطٌ أَوْ عُرْفٌ (٣) . وَلِمَزِيدٍ مِنَ الإِْيضَاحِ انْظُرْ: (قِسْمَةٌ) .
د - وَقْفُ الرِّبَاعِ:
٨ - يَصِحُّ وَقْفُ الْعَقَارِ مِنْ أَرْضٍ وَدُورٍ وَحَوَانِيتَ وَبَسَاتِينَ وَنَحْوِهَا بِالاِتِّفَاقِ بِدَلِيل وَقْفِ عُمَرَ ﵁ مِائَةَ سَهْمٍ فِي خَيْبَرَ؛ وَلأَِنَّ جَمَاعَةً стр. 13311
مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَفُوا؛ وَلأَِنَّ الْعَقَارَ مُتَأَبِّدٌ عَلَى الدَّوَامِ وَالْوَقْفُ تَحْبِيسُ الأَْصْل وَتَسْبِيل الْمَنْفَعَةِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَقْفٌ) . стр. 13312
رِبْحٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الرِّبْحُ وَالرَّبَحُ وَالرَّبَاحُ لُغَةً النَّمَاءُ فِي التِّجَارَةِ، وَيُسْنَدُ الْفِعْل إِلَى التِّجَارَةِ مَجَازًا، فَيُقَال: رَبِحَتْ تِجَارَتُهُ، فَهِيَ رَابِحَةٌ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١) .
قَال الأَْزْهَرِيُّ: رَبِحَ فِي تِجَارَتِهِ إِذَا أَفْضَل فِيهَا، وَأَرْبَحَ فِيهَا: صَادَفَ سُوقًا ذَاتَ رِبْحٍ، وَأَرْبَحْتُ الرَّجُل إِرْبَاحًا: أَعْطَيْتُهُ رِبْحًا.
وَبِعْتُهُ الْمَتَاعَ وَاشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ مُرَابَحَةً: إِذَا سَمَّيْتُ لِكُل قَدْرٍ مِنَ الثَّمَنِ رِبْحًا (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
النَّمَاءُ:
٢ - النَّمَاءُ الزِّيَادَةُ، وَكُل شَيْءٍ عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ إِمَّا نَامٍ أَوْ صَامِتٌ، فَالنَّامِي مِثْل النَّبَاتِ стр. 13313
وَالأَْشْجَارِ، وَالصَّامِتُ كَالْحَجَرِ وَالْجَبَل، وَالنَّمَاءُ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مَجَازٌ، وَفِي الْمَاشِيَةِ حَقِيقَةٌ؛ لأَِنَّهَا تَزِيدُ بِتَوَالُدِهَا (١) . وَالنَّمَاءُ قَدْ يَكُونُ بِطَبِيعَةِ الشَّيْءِ أَوْ بِالْعَمَل. فَالنَّمَاءُ أَعَمُّ مِنَ الرِّبْحِ.
الْغَلَّةُ:
٣ - تُطْلَقُ الْغَلَّةُ عَلَى الدَّخْل الَّذِي يَحْصُل مِنْ رَيْعِ الأَْرْضِ أَوْ أُجْرَتِهَا، أَوْ أُجْرَةِ الدَّارِ وَاللَّبَنِ وَالنِّتَاجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَفِي الْحَدِيثِ: الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ قَال ابْنُ الأَْثِيرِ: هُوَ كَحَدِيثِهِ ﷺ . الآْخَرِ: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ (٢) .
وَاسْتِغْلاَل الْمُسْتَغَلاَّتِ، أَخْذُ غَلَّتِهَا، وَأَغَلَّتِ الضَّيْعَةُ أَعْطَتِ الْغَلَّةَ فَهِيَ مُغِلَّةٌ: إِذَا أَتَتْ بِشَيْءٍ وَأَصْلُهَا بَاقٍ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - الرِّبْحُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا، أَوْ غَيْرَ مَشْرُوعٍ أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ.
فَالرِّبْحُ الْمَشْرُوعُ هُوَ مَا نَتَجَ عَنْ تَصَرُّفٍ مُبَاحٍ стр. 13314
كَالْعُقُودِ الْجَائِزَةِ، مِثْل الْبَيْعِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ وَغَيْرِهَا فَالرِّبْحُ النَّاتِجُ عَنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُبَاحَةِ حَلاَلٌ بِالإِْجْمَاعِ مَعَ مُرَاعَاةِ أَنَّ لِكُل عَقْدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ قَوَاعِدَ وَشَرَائِطَ شَرْعِيَّةً لاَ بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا (١) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَاتِ: (بَيْعٌ، شَرِكَةٌ، مُرَابَحَةٌ) .
وَالرِّبْحُ غَيْرُ الْمَشْرُوعِ: هُوَ مَا نَتَجَ عَنْ تَصَرُّفٍ مُحَرَّمٍ كَالرِّبَا وَالْقِمَارِ وَالتِّجَارَةِ بِالْمُحَرَّمَاتِ لِقَوْلِهِ : ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) .
وَقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ (٣) (ر: رِبًا، أَشْرِبَةٌ، بَيْعٌ) .
وَأَمَّا الرِّبْحُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، فَمِنْهُ مَا نَتَجَ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيمَا كَانَ تَحْتَ يَدِ الإِْنْسَانِ مِنْ مَال غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ كَالْمُودَعِ، أَمْ يَدَ ضَمَانٍ كَالْغَاصِبِ وَخِلاَفِهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:
فَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لاَ يَطِيبُ لِمَنْ تَصَرَّفَ فِي الْمَغْصُوبِ أَوِ الْوَدِيعَةِ، هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ стр. 13315
وَمُحَمَّدٍ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ. وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ حَصَل التَّصَرُّفُ فِي ضَمَانِهِ وَمِلْكِهِ. أَمَّا الضَّمَانُ فَظَاهِرٌ؛ لأَِنَّ الْمَغْصُوبَ دَخَل فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ، وَأَمَّا الْمِلْكُ؛ فَلأَِنَّهُ يَمْلِكُهُ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِذَا ضُمِّنَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ التَّصَرُّفَ حَصَل فِي مِلْكِهِ وَضَمَانِهِ، لَكِنَّهُ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ؛ لأَِنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ فَسَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ، إِذِ الْفَرْعُ يَحْصُل عَلَى وَصْفِ الأَْصْل، وَأَصْلُهُ حَدِيثُ الشَّاةِ حَيْثُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّصَدُّقِ بِلَحْمِهَا عَلَى الأَْسْرَى (١) .
وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ فَالرِّبْحُ لِمَنْ تَصَرَّفَ فِي الْوَدِيعَةِ وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ؛ لأَِنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ لَضَمِنَهَا، وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: لَوِ اتَّجَرَ الْغَاصِبُ فِي الْمَال الْمَغْصُوبِ فَالرِّبْحُ لَهُ فِي الأَْظْهَرِ، فَإِذَا غَصَبَ دَرَاهِمَ وَاشْتَرَى شَيْئًا فِي ذِمَّتِهِ وَنَقَدَ الدَّرَاهِمَ فِي ثَمَنِهِ وَرَبِحَ رَدَّ مِثْل стр. 13316
الدَّرَاهِمِ؛ لأَِنَّهَا مِثْلِيَّةٌ إِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ، وَإِلاَّ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ بِعَيْنِهِ، أَمَّا إِذَا اشْتَرَى بِعَيْنِهِ فَالْجَدِيدُ بُطْلاَنُهُ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: الرِّبْحُ لِصَاحِبِ الْوَدِيعَةِ أَوْ مَالِكِ الْمَغْصُوبِ (١) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا غَصَبَ أَثْمَانًا فَاتَّجَرَ بِهَا أَوْ عُرُوضًا فَبَاعَهَا وَاتَّجَرَ بِثَمَنِهَا فَالرِّبْحُ لِلْمَالِكِ وَالسِّلَعُ الْمُشْتَرَاةُ لَهُ. وَقَال الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ كَانَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِ الْمَال فَالرِّبْحُ لِلْمَالِكِ، قَال الشَّرِيفُ: وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ.
وَإِنِ اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ نَقَدَ الأَْثْمَانَ فَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ لِلْغَاصِبِ؛ لأَِنَّهُ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ فِي ذِمَّتِهِ، فَكَانَ الشِّرَاءُ لَهُ، وَالرِّبْحُ لَهُ، وَعَلَيْهِ بَدَل الْمَغْصُوبِ، وَهَذَا قِيَاسُ قَوْل الْخِرَقِيِّ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، فَكَانَ لَهُ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى لَهُ بِعَيْنِ الْمَال، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ حَصَل خُسْرَانٌ فَهُوَ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لأَِنَّهُ نَقْصٌ حَصَل فِي الْمَغْصُوبِ (٢) . стр. 13317
الرِّبْحُ فِي الْمُضَارَبَةِ:
٥ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَحْدِيدَ النِّسْبَةِ فِي قِسْمَةِ الرِّبْحِ مِنْ أَرْكَانِ صِحَّةِ عَقْدِ الْقِرَاضِ (الْمُضَارَبَةِ) وَيَكُونُ بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْعَامِل عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنَ التَّسَاوِي أَوِ التَّفَاضُل، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِل نِصْفُ الرِّبْحِ أَوْ ثُلُثُهُ، أَوْ رُبُعُهُ، أَوْ خُمُسُهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ، أَيْ يَجُوزُ لِلْمَالِكِ أَنْ يَشْرِطَ لِنَفْسِهِ ثُلُثَيِ الرِّبْحِ، أَوْ ثُلُثَهُ، أَوْ رُبُعَهُ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ النِّسَبِ، كَثِيرَةً كَانَتْ أَوْ قَلِيلَةً، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَلَوْ قَال الْمَالِكُ لِلْعَامِل: خُذْ هَذَا الْمَال مُضَارَبَةً وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي، أَوْ قَال: كُلُّهُ لَكَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ رِعَايَةً لِلَّفْظِ؛ لأَِنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَإِذَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالرِّبْحِ انْتَفَى مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَفَسَدَ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ مُضَارَبَةً صَحِيحَةً فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لأَِنَّهُمَا دَخَلاَ فِي التَّرَاضِي فَإِذَا شَرَطَ لأَِحَدِهِمَا الرِّبْحَ فَكَأَنَّهُ وَهَبَ الآْخَرَ نَصِيبَهُ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَال: وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي كَانَ إِبْضَاعًا صَحِيحًا؛ لأَِنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ حُكْمَ الإِْبْضَاعِ فَانْصَرَفَ إِلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلٌ آخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَالإِْبْضَاعُ بَعْثُ الْمَال مَعَ مَنْ يَتَّجِرُ فِيهِ مُتَبَرِّعًا، وَالْبِضَاعَةُ الْمَال الْمَبْعُوثُ، وَمِنَ الصِّيَغِ الصَّحِيحَةِ
стр. 13318
لِلإِْبْضَاعِ قَوْل الْمَالِكِ لِلْعَامِل: خُذْ هَذَا الْمَال فَاتَّجِرْ بِهِ أَوْ تَصَرَّفْ فِيهِ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي، وَكَذَا قَوْلُهُ: أَبْضَعْتُكَ هَذَا الْمَال. أَمَّا إِذَا قَال: وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ، فَقَرْضٌ، وَقَدْ جَرَى مِثْل هَذَا الْخِلاَفِ فِيمَا إِذَا قَال: أَبْضَعْتُكَ عَلَى أَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لَكَ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ قِرَاضٌ فَاسِدٌ رِعَايَةً لِلْمَعْنَى. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ إِبْضَاعٌ رِعَايَةً لِلَّفْظِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (إِبْضَاعٌ، مُضَارَبَةٌ، قَرْضٌ) .
الرِّبْحُ فِي الشَّرِكَةِ:
٦ - الرِّبْحُ فِي الشَّرِكَةِ يَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ أَوِ الشُّرَكَاءِ عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ أَوْ يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ مِنْ نِصْفٍ، أَوْ ثُلُثٍ، أَوْ رُبُعٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أَيْ يَجُوزُ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِيهِ مَعَ تَفَاضُلِهِمَا فِي الْمَال وَأَنْ يَتَفَاضَلاَ فِيهِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْمَال؛ لأَِنَّ الْعَمَل مِمَّا يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ، فَجَازَ أَنْ يَتَفَاضَلاَ فِي الرِّبْحِ مَعَ وُجُودِ الْعَمَل مِنْهُمَا؛ لأَِنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ يَكُونُ أَبْصَرَ بِالتِّجَارَةِ مِنَ الآْخَرِ وَأَقْوَى عَلَى الْعَمَل، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ زِيَادَةً فِي الرِّبْحِ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ، كَمَا يَشْتَرِطُ الرِّبْحَ فِي مُقَابَلَةِ عَمَل الْمُضَارِبِ، وَبِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: стр. 13319
إِنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الشَّرِكَةِ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ فَإِنْ تَسَاوَى الْمَالاَنِ فَالرِّبْحُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا بِالتَّسَاوِي، وَإِنْ تَفَاضَل يَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا مُتَفَاضِلاً، سَوَاءٌ تَسَاوَيَا فِي الْعَمَل أَوْ تَفَاوَتَا فِيهِ؛ لأَِنَّ الرِّبْحَ هُوَ ثَمَرَةُ الْمَالَيْنِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى قَدْرِهِمَا، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا مِنَ الرِّبْحِ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ فِي الْمَال (١) .
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (شَرِكَة) .
زَكَاةُ رِبْحِ التِّجَارَةِ:
٧ - يُضَمُّ الرِّبْحُ الْحَاصِل مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل إِلَى الأَْصْل، وَذَلِكَ لأَِجْل حِسَابِ الزَّكَاةِ. فَلَوِ اشْتَرَى مَثَلاً عَرْضًا فِي شَهْرِ الْمُحَرَّمِ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَارَتْ قِيمَتُهُ قَبْل آخِرِ الْحَوْل وَلَوْ بِلَحْظَةٍ ثَلاَثَمِائَةِ دِرْهَمٍ زَكَّى الْجَمِيعَ آخِرَ الْحَوْل، سَوَاءٌ حَصَل الرِّبْحُ فِي نَفْسِ الْعَرَضِ كَسِمَنِ الْحَيَوَانِ، أَمْ بِارْتِفَاعِ الأَْسْوَاقِ، قِيَاسًا عَلَى النِّتَاجِ مَعَ الأُْمَّهَاتِ؛ وَلأَِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى حَوْل كُل زِيَادَةٍ مَعَ اضْطِرَابِ الأَْسْوَاقِ مِمَّا يَشُقُّ؛ وَلأَِنَّهُ نَمَاءٌ جَارٍ فِي الْحَوْل تَابِعٌ لأَِصْلِهِ فِي الْمِلْكِ فَكَانَ مَضْمُومًا إِلَيْهِ فِي الْحَوْل، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ هُوَ خِلاَفُ الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةِ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَضُمُّ الرِّبْحَ إِلَى الأَْصْل مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ стр. 13320
نُضُوضٌ فَإِنْ كَانَ فَلاَ يَضُمُّ بَل يُزَكِّي الأَْصْل لِحَوْلِهِ وَيَسْتَأْنِفُ لِلرِّبْحِ حَوْلاً.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّهُ يَبْنِي حَوْل كُل مُسْتَفَادٍ عَلَى حَوْل جِنْسِهِ نَمَاءً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (١) .
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاةُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ) . стр. 13321
رَبَضٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الرَّبَضُ بِفَتْحَتَيْنِ مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: مَأْوَى الْغَنَمِ، يُقَال: رَبَضَتِ الدَّابَّةُ رَبْضًا وَرُبُوضًا. وَالرَّبَضُ وَالرُّبُوضُ لِلْغَنَمِ كَالْبُرُوكِ لِلإِْبِل، وَجَمْعُهُ أَرْبَاضٌ.
وَمِثْل الرَّبَضِ بِهَذَا الْمَعْنَى الْمَرْبِضُ، وَجَمْعُهُ مَرَابِضُ (١) .
وَفِي الْحَدِيثِ: مَثَل الْمُنَافِقِ مَثَل الشَّاةِ بَيْنَ الرَّبِيضَيْنِ (٢) . أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا الْمَثَل قَوْل اللَّهِ : ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ﴾ (٣) .
وَيُطْلَقُ الرَّبَضُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَمْرَيْنِ:
أ - مَا حَوْل الْمَدِينَةِ مِنْ بُيُوتٍ وَمَسَاكِنَ، كَمَا стр. 13322
يَقُولُونَ: لاَ بُدَّ لِلْقَصْرِ فِي السَّفَرِ مِنْ مُجَاوَزَةِ الْقَرْيَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِرَبَضِ الْمِصْرِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
ب - الْمَرْبِضُ، أَيْ مَأْوَى الْغَنَمِ وَبُرُوكِ الْبَهِيمَةِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْفِنَاءُ:
٢ - الْفِنَاءُ بِالْكَسْرِ: سَعَةٌ أَمَامَ الدَّارِ، وَفِنَاءُ الشَّيْءِ مَا اتَّصَل بِهِ مُعَدًّا لِمَصَالِحِهِ (٢) .
وَفِنَاءُ الْبَلَدِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ: الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِمَصَالِحِ الْبَلَدِ كَرَكْضِ الدَّوَابِّ وَدَفْنِ الْمَوْتَى وَإِلْقَاءِ التُّرَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (٣) .
ب - الْحَرِيمُ:
٣ - حَرِيمُ الشَّيْءِ مَا حَوْلَهُ مِنْ حُقُوقٍ وَمَرَافِقَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ مَالِكِهِ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِالاِنْتِفَاعِ بِهِ (٤) . قَال النَّوَوِيُّ: الْحَرِيمُ هُوَ الْمَوَاضِعُ الْقَرِيبَةُ الَّتِي يُحْتَاجُ إِلَيْهَا لِتَمَامِ الاِنْتِفَاعِ كَالطَّرِيقِ وَمَسِيل الْمَاءِ وَنَحْوِهِمَا (٥) .
وَيَخْتَلِفُ مِقْدَارُ الْحَرِيمِ بِاخْتِلاَفِ الْمَوَاضِعِ وَمَا стр. 13323
يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَرِيمُ. كَحَرِيمِ الْقَرْيَةِ وَحَرِيمِ الدَّارِ، وَحَرِيمِ الْبِئْرِ وَحَرِيمِ النَّهْرِ وَنَحْوِهَا (١) . وَانْظُرْ: (حَرِيم) .
ج - الْعَطَنُ وَالْمَعْطَنُ:
٤ - الْعَطَنُ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُنَحَّى إِلَيْهِ الإِْبِل عَنِ الْمَاءِ إِذَا شَرِبَتِ الشَّرْبَةَ الأُْولَى فَتَبْرُكُ فِيهِ، ثُمَّ يُمْلأَُ الْحَوْضُ لَهَا ثَانِيَةً فَتَعُودُ مِنْ عَطَنِهَا إِلَى الْحَوْضِ لِتَعِل، أَيْ تَشْرَبَ الشَّرْبَةَ الثَّانِيَةَ، وَهُوَ الْعَلَل.
وَيُسَمَّى الْمَوْضِعُ الَّذِي تَبْرُكُ فِيهِ الإِْبِل مَعْطَنًا أَيْضًا، وَجَمْعُهُ مَعَاطِنُ (٢) . وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: لاَ تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الإِْبِل (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٥ - الرَّبَضُ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل، أَيْ مَا حَوْل الْمَدِينَةِ مِنْ بُيُوتٍ وَمَسَاكِنَ، ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ حُكْمَهُ فِي صَلاَةِ الْمُسَافِرِ، حَيْثُ اشْتَرَطُوا مُفَارَقَتَهُ لِقَصْرِ الصَّلاَةِ الرُّبَاعِيَّةِ لِلْمُسَافِرِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: يُشْتَرَطُ لِقَصْرِ الصَّلاَةِ стр. 13324
الرُّبَاعِيَّةِ فِي السَّفَرِ خُرُوجُ الْمُسَافِرِ مِنْ عِمَارَةِ مَوْضِعِ إِقَامَتِهِ مِنْ جَانِبِ خُرُوجِهِ، كَمَا يُشْتَرَطُ مُفَارَقَتُهُ تَوَابِعَ مَوْضِعِ الإِْقَامَةِ، كَرَبَضِ الْمَدِينَةِ - وَهُوَ مَا حَوْل الْمَدِينَةِ مِنْ بُيُوتٍ وَمَسَاكِنَ - فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمِصْرِ، وَكَذَا الْقُرَى الْمُتَّصِلَةُ بِالرَّبَضِ فِي الصَّحِيحِ. وَبِخِلاَفِ الْبَسَاتِينِ وَلَوْ مُتَّصِلَةً بِالْبِنَاءِ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْبَلْدَةِ، وَلَوْ سَكَنَهَا أَهْل الْبَلْدَةِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ أَوْ بَعْضِهَا (١) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةُ الْمُسَافِرِ) .
صَلاَةُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فِي الأَْرْبَاضِ بِاعْتِبَارِهَا خَارِجَ الْبَلَدِ:
٦ - لَمْ يَتَعَرَّضِ الْفُقَهَاءُ لِصِحَّةِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فِي الأَْرْبَاضِ نَصًّا. وَالرَّبَضُ التَّابِعُ لِلْبَلَدِ لاَ يَجُوزُ الْقَصْرُ لِلْمُسَافِرِ قَبْل مُجَاوَزَتِهِ، فَتَجُوزُ فِيهِ صَلاَةُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ إِذَا تَوَفَّرَتْ سَائِرُ شُرُوطِهَا، أَمَّا الأَْرْبَاضُ خَارِجَ الْبَلَدِ غَيْرُ التَّابِعَةِ لَهُ فَلاَ تَصِحُّ صَلاَةُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (٢)) . стр. 13325
وَتَفْصِيلُهُ فِي: (صَلاَةُ الْجُمُعَةِ، وَصَلاَةُ الْعِيدِ) .
إِحْيَاءُ الأَْرْبَاضِ:
٧ - الإِْحْيَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ لأَِرْضِ الْمَوَاتِ، وَالْمَوَاتُ اسْمٌ لِمَا لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الأَْرْضِ الْخَرَابِ الدَّارِسَةِ. فَمَا لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لأَِحَدٍ، وَلاَ حَقًّا خَاصًّا لَهُ، وَلاَ حَرِيمًا لِمَعْمُورٍ، وَلاَ مُنْتَفَعًا بِهِ، يُعْتَبَرُ مَوَاتًا يَحِل إِحْيَاؤُهُ. وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَوَاتِ أَنْ لاَ يَكُونَ قَرِيبًا مِنَ الْقَرْيَةِ عُرْفًا (كَمَا هُوَ تَحْدِيدُ الْحَنَابِلَةِ وَمَنْ مَعَهُمْ، أَوْ بِحَيْثُ يَصِل إِلَيْهِ صَوْتُ الْمُنَادِي مِنَ الْقَرْيَةِ كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ) وَذَلِكَ لأَِنَّ الْقَرِيبَ مِنَ الْقَرْيَةِ لاَ يَنْقَطِعُ ارْتِفَاقُ أَهْلِهَا عَنْهُ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَكُونُ مِنَ الْمَوَاتِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَالأَْرْبَاضُ لاَ تُعْتَبَرُ مَوَاتًا فَلاَ يَجُوزُ إِحْيَاؤُهَا (١) . وَتَفْصِيل مَا يَجُوزُ إِحْيَاؤُهُ وَمَا لاَ يَجُوزُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ ف ١١، ١٢، ١٦) .
الرَّبَضُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي: (مَأْوَى الْغَنَمِ) :
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الصَّلاَةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ إِذَا أُمِنَتِ النَّجَاسَةُ لِحَدِيثِ: صَلُّوا فِي стр. 13326
مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلاَ تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الإِْبِل (١) . وَلِحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلاً سَأَل النَّبِيَّ ﷺ قَال: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الإِْبِل؟ قَال: لاَ. (٢) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَة، وَمَكْرُوهَاتُ الصَّلاَةِ) . стр. 13327
رَبِيئَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الرَّبِيئَةُ وَالرَّبِيءُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ الطَّلِيعَةِ - عَيْنُ الْقَوْمِ - يَرْقُبُ الْعَدُوَّ مِنْ مَكَانٍ عَالٍ لِئَلاَّ يَدْهَمَ قَوْمَهُ، مِنْ رَبَأَ الْقَوْمَ يَرْبَؤُهُمْ رَبْئًا: اطَّلَعَ لَهُمْ عَلَى شَرَفٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ: مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَل رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ (١) .
قَال فِي اللِّسَانِ: وَإِنَّمَا أَنَّثُوهُ؛ لأَِنَّ الطَّلِيعَةَ يُقَال لَهُ الْعَيْنُ، وَالْعَيْنُ مُؤَنَّثَةٌ إِذْ بِعَيْنِهِ يَنْظُرُ وَيَرْعَى أُمُورَ الْقَوْمِ وَيَحْرُسُهُمْ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، قَال الْخَطَّابِيُّ: هُوَ الرَّقِيبُ الَّذِي يُشْرِفُ عَلَى الْمَرْقَبِ، وَيَنْظُرُ الْعَدُوَّ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَأْتِي، فَيُنْذِرُ أَصْحَابَهُ. وَلاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى شَرَفٍ أَوْ جَبَلٍ أَوْ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ (٣) . стр. 13328
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْجَاسُوسُ:
٢ - الْجَاسُوسُ اسْمٌ لِمَنْ يَتَتَبَّعُ الأَْخْبَارَ وَيَفْحَصُ عَنْ بَوَاطِنِ الأُْمُورِ، مِنْ جَسَّ الأَْخْبَارَ وَتَجَسَّسَهَا أَيْ: تَتَبَّعَهَا. وَهُوَ صَاحِبُ الشَّرِّ، وَقِيل: يَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ (١) .
ب - الْمُرَابِطُ:
٣ - الْمُرَابِطُ: الْمُقِيمُ فِي ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ لإِِعْزَازِ الدِّينِ وَمُرَاقَبَةِ الْعَدُوِّ (٢) .
ج - الْحَارِسُ:
٤ - الْحَارِسُ: فَاعِلٌ مِنَ الْحِرَاسَةِ بِمَعْنَى الْحِفْظِ. وَجَمْعُهُ حُرَّاسٌ، وَحَرَسُ السُّلْطَانِ أَعْوَانُهُ.
فَالرَّبِيئَةُ وَالْحَارِسُ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى (٣) ، غَيْرَ أَنَّ الرَّبِيئَةَ يَكُونُ غَالِبًا عَلَى جَبَلٍ أَوْ شَرَفٍ مُرْتَفِعٍ وَلاَ يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الْحَارِسِ.
د - الرَّصَدِيُّ:
٥ - الرَّصَدِيُّ الَّذِي يَقْعُدُ عَلَى الطَّرِيقِ يَنْظُرُ النَّاسَ لِيَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا (٤) . стр. 13329
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٦ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الرَّبِيئَةِ فِي الْغَنَائِمِ وَالْقَتْل وَقَطْعِ الطَّرِيقِ.
أَوَّلاً: فِي الْجِهَادِ وَالْغَنَائِمِ:
٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ رَبِيئَةَ الْقَوْمِ فِي الْجِهَادِ مِنْهُمْ، وَيُسْهَمُ لَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ كَالْمُقَاتِلِينَ؛
لأَِنَّ مَصْلَحَةَ الْجِهَادِ تَقْتَضِي أَنْ يُقَاتِل بَعْضُ الْقَوْمِ، وَيَكُونَ بَعْضُهُمْ فِي الرِّدْءِ، وَبَعْضُهُمْ يَحْفَظُونَ السَّوَادَ، وَبَعْضُهُمْ فِي الْعُلُوفَةِ، وَلَوْ قَاتَل كُل الْجَيْشِ لَفَسَدَ التَّدْبِيرُ (١) .
حُكْمُ الرَّبِيئَةِ فِي الْقِصَاصِ:
٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَل الْجَمْعُ بِالْوَاحِدِ إِذَا اشْتَرَكَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْفِعْل الْمُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ، وَيُقْتَصُّ مِنْهُمْ جَمِيعًا إِذَا تَحَقَّقَتْ سَائِرُ شُرُوطِ الْقِصَاصِ، كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاص) .
وَإِذَا كَانَ مَعَهُمْ رَبِيئَةٌ وَلَمْ يَشْتَرِكْ مَعَهُمْ فِي الْفِعْل الْمُفْضِي لِلْمَوْتِ وَلَمْ يُبَاشِرْهُ فَالْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقْتَصُّ مِنْهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَّفِقًا مَعَهُمْ فِي قَصْدِ الْقَتْل أَمْ стр. 13330
لاَ؛ لأَِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ فِي الْقِصَاصِ الْمُبَاشَرَةَ مِنَ الْكُل (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُقْتَصُّ مِنْهُ إِذَا كَانَ مُتَمَالِئًا مَعَهُمْ، بِأَنْ قَصَدَ الْجَمِيعُ الْقَتْل وَحَضَرُوا وَإِنْ لَمْ يَتَوَلَّهُ إِلاَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوِ اسْتُعِينَ بِهِ أَعَانَهُ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ فِي الرِّدْءِ (٢) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاص) .
حُكْمُ الرَّبِيئَةِ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ:
٩ - الرَّبِيئَةُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ (الْحِرَابَةِ) فَيُقْتَل مَعَ الْمُحَارِبِينَ إِذَا حَصَل الْقَتْل وَلَوْ بَاشَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْمُحَارَبَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حُصُول الْمَنَعَةِ وَالْمُعَاضَدَةِ، وَمِنْ عَادَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الْمُبَاشَرَةُ مِنَ الْبَعْضِ وَالإِْعَانَةُ مِنَ الْبَعْضِ الآْخَرِ. بِخِلاَفِ سَائِرِ الْحُدُودِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ قَتَل مَنْ كَانَ رَبِيئَةً لِلَّذِينَ قَتَلُوا (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ أَعَانَ стр. 13331
قُطَّاعَ الطَّرِيقِ أَوْ كَثَّرَ جَمْعَهُمْ بِالْحُضُورِ أَوْ كَانَ عَيْنًا لَهُمْ، وَلَمْ يُبَاشِرْ بِنَفْسِهِ، بَل يُعَزَّرُ (١) .
(ر: قَطْعُ الطَّرِيقِ) . стр. 13332
رَبِيبَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الرَّبِيبَةُ لُغَةً: هِيَ ابْنَةُ امْرَأَةِ الرَّجُل مِنْ غَيْرِهِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الرَّبِّ، وَهُوَ الإِْصْلاَحُ؛ لأَِنَّهُ يَقُومُ بِأُمُورِهَا وَيُصْلِحُ أَحْوَالَهَا، وَالْجَمْعُ رَبَائِبُ (١) .
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: الرَّبِيبَةُ: بِنْتُ الزَّوْجَةِ، وَبِنْتُ ابْنِهَا، وَبِنْتُ بِنْتِهَا وَإِنْ سَفَلاَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ وَارِثَةً أَوْ غَيْرَ وَارِثَةٍ. وَالاِبْنُ رَبِيبٌ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الرَّبِيبَةُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ بِشَرْطِ دُخُول الرَّجُل بِأُمِّهَا، فَإِذَا دَخَل الرَّجُل بِزَوْجَتِهِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ رَبِيبَتُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِهِ أَمْ لَمْ تَكُنْ فِي قَوْل عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ ذِكْرَ الْحِجْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (٣) خَرَجَ стр. 13333
مَخْرَجَ الْعَادَةِ وَالْغَالِبِ، لاَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ فَلاَ يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ حِينَئِذٍ إِجْمَاعًا، وَلِهَذَا اكْتَفَى فِي مَوْضِعِ الإِْحْلاَل بِنَفْيِ الدُّخُول، وَلَمْ يَشْتَرِطْ نَفْيَ كَوْنِهَا فِي الْحِجْرِ مَعَ نَفْيِ الدُّخُول حَيْثُ لَمْ يَقُل فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وَلَسْنَ فِي حُجُورِكُمْ، فَإِنَّ الإِْبَاحَةَ تَتَعَلَّقُ بِضِدِّ مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُرْمَةُ (١) .
وَقَال عُمَرُ وَعَلِيٌّ ﵄ وَبَعْضُ النَّاسِ: لاَ تُحَرَّمُ الرَّبِيبَةُ عَلَى الرَّجُل إِلاَّ إِذَا كَانَتْ فِي حِجْرِهِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى بِنْتَ الزَّوْجَةِ بِوَصْفِ كَوْنِهَا فِي حِجْرِ الزَّوْجِ فَيَتَقَيَّدُ التَّحْرِيمُ بِهَذَا الْوَصْفِ (٢) .
هَذَا وَلِلْفُقَهَاءِ تَفَاصِيل (٣) فِي مَعْنَى الدُّخُول الَّذِي يَقَعُ بِهِ تَحْرِيمُ الرَّبَائِبِ، وَفِي ثُبُوتِ حُرْمَةِ стр. 13334
الْمُصَاهَرَةِ بِالْخَلْوَةِ وَاللَّمْسِ وَالنَّظَرِ، وَفِي تَعَلُّقِ تِلْكَ الْحُرْمَةِ بِالزِّنَا وَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ تُنْظَرُ فِي (مُحَرَّمَات) .
أَثَرُ مَوْتِ الزَّوْجَةِ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ:
٣ - يَرَى عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الرَّجُل إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ ثُمَّ مَاتَتْ قَبْل الدُّخُول بِهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَهَا فَلاَ يَقُومُ الْمَوْتُ مَقَامَ الدُّخُول فِي التَّحْرِيمِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) . قَال صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ: فَإِنَّ حُرْمَةَ الرَّبِيبَةِ فِي الآْيَةِ تَعَلَّقَتْ شَرْعًا بِشَرْطِ الدُّخُول فَلَوْ أَقَمْنَا الْمَوْتَ مَقَامَ الدُّخُول كَانَ ذَلِكَ بِالرَّأْيِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ نَصْبُ شَرْطٍ بِالرَّأْيِ لاَ يَجُوزُ إِقَامَةُ شَرْطٍ مَقَامَ شَرْطٍ بِالرَّأْيِ. وَلأَِنَّ الْفُرْقَةَ النَّاتِجَةَ عَنِ الْمَوْتِ فُرْقَةٌ قَبْل الدُّخُول فَلَمْ تُحَرِّمِ الرَّبِيبَةَ كَفُرْقَةِ الطَّلاَقِ (٢) .
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ - وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَبِهِ قَال زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ -: إِنَّ الْمَوْتَ يَنْزِل مَنْزِلَةَ الدُّخُول فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ؛ لأَِنَّ الْمَوْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الدُّخُول فِي تَكْمِيل الْعِدَّةِ وَالصَّدَاقِ فَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ (٣) . стр. 13335
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ: (مُحَرَّمَات) (وَمَوْت) (وَدُخُول) .
تَحْرِيمُ بَنَاتِ الرَّبِيبَةِ وَبَنَاتِ أَبْنَائِهَا:
٤ - تَثْبُتُ حُرْمَةُ بَنَاتِ الرَّبِيبَةِ وَبَنَاتِ أَبْنَائِهَا وَإِنْ سَفَلْنَ بِالإِْجْمَاعِ؛ وَلأَِنَّ الاِسْمَ يَشْمَلُهُنَّ (١) . стр. 13336
رَتَقٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الرَّتْقُ لُغَةً: ضِدُّ الْفَتْقِ، وَقَدْ رَتَقْتُ الْفَتْقَ أَرْتُقُهُ فَارْتَتَقَ، أَيْ: الْتَأَمَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (١) .
وَالرَّتَقُ - بِالتَّحْرِيكِ - مَصْدَرُ قَوْلِكَ: رَتِقَتِ الْمَرْأَةُ تَرْتَقُ فَهِيَ رَتْقَاءُ بَيِّنَةُ الرَّتَقِ أَيْ: لاَ يُسْتَطَاعُ جِمَاعُهَا لاِرْتِتَاقِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهَا، أَوْ لاَ خَرْقَ لَهَا إِلاَّ الْمَبَال خَاصَّةً (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. فَقَدْ عَرَّفَ النَّوَوِيُّ الرَّتَقَ بِأَنَّهُ انْسِدَادُ مَحَل الْجِمَاعِ بِاللَّحْمِ (٣) .
وَقَال الرَّحِيبَانِيُّ: الرَّتَقُ هُوَ كَوْنُ الْفَرْجِ مَسْدُودًا مُلْتَصِقًا لاَ يَسْلُكُهُ ذَكَرٌ بِأَصْل الْخِلْقَةِ (٤) . стр. 13337
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْقَرَنُ:
٢ - الْقَرَنُ مَا يَمْنَعُ سُلُوكَ الذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ وَهُوَ إِمَّا غُدَّةٌ غَلِيظَةٌ أَوْ لَحْمَةٌ مُرْتَفِعَةٌ أَوْ عَظْمٌ، وَامْرَأَةٌ قَرْنَاءُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِهَا. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقَرَنَ عَظْمٌ نَاتِئٌ مُحَدَّدُ الرَّأْسِ كَقَرْنِ الْغَزَالَةِ يَمْنَعُ الْجِمَاعَ (١) .
ب - الْعَفَل:
٣ - الْعَفَل - بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْفَاءِ - لَحْمٌ يَبْرُزُ فِي قُبُل الْمَرْأَةِ، وَلاَ يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ رَشْحٍ يُشْبِهُ أُدْرَةَ الرَّجُل. وَقِيل: إِنَّهُ رَغْوَةٌ فِي الْفَرْجِ تَحْدُثُ عِنْدَ الْجِمَاعِ (٢) .
قَال صَاحِبُ غَايَةِ الْمُنْتَهَى: إِنْ كَانَ الاِنْسِدَادُ بِأَصْل الْخِلْقَةِ فَهِيَ رَتْقَاءُ، وَإِلاَّ فَهِيَ قَرْنَاءُ وَعَفْلاَءُ. وَسَوَّى الأَْزْهَرِيُّ بَيْنَ الرَّتَقِ وَالْقَرَنِ وَالْعَفَل، ثُمَّ قَال: الْعَفَل لاَ يَكُونُ فِي الأَْبْكَارِ، إِنَّمَا يُصِيبُ الْمَرْأَةَ بَعْدَمَا تَلِدُ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أَثَرُ الرَّتَقِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ:
٤ - يَعْتَبِرُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الرَّتَقَ مِنَ стр. 13338
الْعُيُوبِ الْمُثْبِتَةِ لِلْخِيَارِ (١) .
فَالزَّوْجُ لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ إِذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ رَتْقَاءَ حَال الْعَقْدِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا؛ لأَِنَّ الرَّتَقَ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْوَطْءُ، وَعَامَّةُ مَصَالِحِ النِّكَاحِ يَقِفُ حُصُولُهَا عَلَى الْوَطْءِ.
فَإِنَّ الْعِفَّةَ عَنِ الزِّنَا وَالسَّكَنَ وَالْوَلَدَ تَحْصُل بِالْوَطْءِ، وَالرَّتَقُ يَمْنَعُ مِنْهُ، فَلِهَذَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِهِ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِالزَّوْجَةِ رَتَقٌ فَلاَ خِيَارَ لِلزَّوْجِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ. وَبِهَذَا قَال عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو قِلاَبَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، وَفِي الْمَبْسُوطِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ (٣) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِأَنَّ الرَّتَقَ لاَ يُخِل بِمُوجِبِ الْعَقْدِ وَهُوَ الْحِل، فَلاَ يَثْبُتُ بِهِ خِيَارُ الْفَسْخِ كَالْعَمَى وَالشَّلَل وَالزَّمَانَةِ، فَأَمَّا الاِسْتِيفَاءُ فَهُوَ ثَمَرَةٌ وَفَوَاتُ الثَّمَرَةِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ.
نَظِيرُهُ أَنَّ الاِسْتِيفَاءَ يَفُوتُ بِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَلاَ يُوجِبُ ذَلِكَ انْفِسَاخَ النِّكَاحِ حَتَّى стр. 13339
لاَ يَسْقُطَ شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ. وَالرَّتَقُ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ دُونَ الْمَوْتِ؛ لأَِنَّ الاِسْتِيفَاءَ هُنَا يَتَأَتَّى بِوَاسِطَةٍ، لإِِمْكَانِ شَقِّ الرَّتَقِ (١) .
إِجْبَارُ الرَّتْقَاءِ عَلَى مُدَاوَاةِ رَتَقِهَا:
٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرَّتْقَاءَ إِذَا طَلَبَ زَوْجُهَا الْفَسْخَ وَطَلَبَتِ التَّدَاوِيَ تُؤَجَّل لِذَلِكَ بِالاِجْتِهَادِ وَلاَ تُجْبَرُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ خِلْقَةً، وَيَلْزَمُ الرَّجُل الصَّبْرُ حَيْثُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى مُدَاوَاتِهَا حُصُول عَيْبٍ فِي فَرْجِهَا. كَمَا أَنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إِذَا طَلَبَهُ الزَّوْجُ إِذَا كَانَ لاَ ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي الْمُدَاوَاةِ (٢) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ إِجْبَارُ الرَّتْقَاءِ عَلَى شَقِّ الْمَوْضِعِ فَلَوْ فَعَلَتْ وَأَمْكَنَ الْوَطْءُ فَلاَ خِيَارَ لِزَوَال سَبَبِهِ (٣) . وَقَال صَاحِبُ الدُّرِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لِلزَّوْجِ شَقُّ رَتَقِ زَوْجَتِهِ وَهَل تُجْبَرُ؟ الظَّاهِرُ: نَعَمْ؛ لأَِنَّ التَّسْلِيمَ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا لاَ يُمْكِنُ بِدُونِهِ.
وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَابِدِينَ بِقَوْلِهِ: لَكِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ " لَهُ شَقُّ رَتَقِهَا " غَيْرُ مَنْقُولَةٍ وَإِنَّمَا الْمَنْقُول قَوْلُهُمْ فِي تَعْلِيل عَدَمِ الْخِيَارِ بِعَيْبِ الرَّتَقِ: " لإِِمْكَانِ شَقِّهِ " وَهَذَا لاَ يَدُل عَلَى أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَلِذَا قَال فِي стр. 13340
الْبَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ التَّعْلِيل الْمَذْكُورَ: وَلَكِنْ مَا رَأَيْتُ هَل يُشَقُّ جَبْرًا أَمْ لاَ (١) ؟
وَلَمْ يُسْتَدَل عَلَى نَصٍّ لِلْحَنَابِلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ يَثْبُتُ خِيَارٌ فِي عَيْبٍ زَال بَعْدَ عَقْدٍ لِزَوَال سَبَبِهِ (٢) .
نَفَقَةُ الرَّتْقَاءِ:
٦ - تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلرَّتْقَاءِ سَوَاءٌ حَدَثَ الرَّتَقُ بَعْدَ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِلزَّوْجِ أَمْ قَارَنَهُ؛ لأَِنَّ الاِسْتِمْتَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَلاَ تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهَا. بِهَذَا قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (٣) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِمُطِيقَةٍ بِهَا مَانِعٌ كَرَتَقٍ إِلاَّ أَنْ يَتَلَذَّذَ بِهَا عَالِمًا (٤) .
وَلِلتَّفْصِيل: (ر: نَفَقَة) .
قَسْمُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ الرَّتْقَاءِ:
٧ - يَقْسِمُ الزَّوْجُ وُجُوبًا لِزَوْجَتِهِ الرَّتْقَاءِ، لأَِنَّ الْقَصْدَ بِالْقَسْمِ الأُْنْسُ لاَ الْوَطْءُ (٥) . следующие страницы →