← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 13476–13515 · переход к 13481.

стр. 13476

وَعَلَى مَا صَحَّ مِنْ حَثِّ الشَّرْعِ عَلَيْهَا وَتَرْغِيبِهِ فِي الأَْخْذِ بِهَا - تَبْقَى فِي النِّهَايَةِ إِضَافِيَّةً: أَيْ أَنَّ كُل أَحَدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ فَقِيهُ نَفْسِهِ فِي الأَْخْذِ بِهَا أَوْ فِي عَدَمِهِ. (١) وَيَكْفِي أَنْ نَعْلَمَ لِتَوْضِيحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ مَثَلاً الَّتِي تُعْتَبَرُ سَبَبًا هَامًّا مِنْ أَسْبَابِ الرُّخَصِ تَخْتَلِفُ قُوَّةً وَضَعْفًا بِحَسَبِ أَحْوَال النَّاسِ، فَفِي التَّنَقُّل تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمُسَافِرِينَ، وَأَزْمِنَةِ السَّفَرِ، وَمُدَّتِهِ وَوَسَائِلِهِ، وَمَا إِلَى هَذَا مِمَّا يَتَعَذَّرُ ضَبْطُهُ وَاطِّرَادُهُ فِي جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَلَمْ يُنَطِ الْحُكْمُ بِذَاتِ الْمَشَقَّةِ بَل أُسْنِدَ إِلَى أَمْرٍ آخَرَ مِمَّا يَدُل غَالِبًا عَلَيْهَا وَهُوَ السَّفَرُ لأَِنَّهُ مَظِنَّةُ حُصُولِهَا. رَخَمٌ انْظُرْ: أَطْعِمَة

стр. 13477

رِدْءٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الرِّدْءُ فِي اللُّغَةِ: الْمُعِينُ وَالنَّاصِرُ، مِنْ رَدَأَ، يُقَال: رَدَأْتُ الْحَائِطَ رِدْءًا أَيْ: دَعَّمْتُهُ وَقَوَّيْتُهُ. وَيُقَال: أَرْدَأْتُ فُلاَنًا: أَيْ أَعَنْتُهُ. وَيُقَال: فُلاَنٌ رِدْءُ فُلاَنٍ، أَيْ يَنْصُرُهُ وَيَشُدُّ ظَهْرَهُ، وَجَمْعُهُ أَرْدَاءٌ. قَال اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسَى ﵇: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ (١) يَعْنِي مُعِينًا. (٢) وَاصْطِلاَحًا الأَْرْدَاءُ: هُمُ الَّذِينَ يَخْلُفُونَ الْمُقَاتِلِينَ فِي الْجِهَادِ، وَقِيل: هُمُ الَّذِينَ وَقَفُوا عَلَى مَكَانٍ حَتَّى إِذَا تَرَكَ الْمُقَاتِلُونَ الْقِتَال قَاتَلُوا. (٣)

стр. 13478

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْمَدَدُ: ٢ - الْمَدَدُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ مِنْ مَدَّهُ مَدًّا أَيْ زَادَهُ، وَيُقَال: أَمْدَدْتُهُ بِمَدَدٍ أَيْ: أَعَنْتُهُ وَقَوَّيْتُهُ بِهِ (١) . قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ (٢) وَقَال سُبْحَانَهُ: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (٣) وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُطْلَقُ غَالِبًا عَلَى الْعَسَاكِرِ الَّتِي تَلْحَقُ بِالْمَغَازِي فِي سَبِيل اللَّهِ. (٤) الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: حَقُّ الرِّدْءِ فِي الْغَنَائِمِ: ٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّدْءَ أَيْ: الْعَوْنَ الَّذِي حَضَرَ بِنِيَّةِ الْقِتَال وَلَمْ يُقَاتِل وَالْمُقَاتِل الْمُبَاشِرَ سِيَّانِ فِي أَصْل الاِسْتِحْقَاقِ فِي الْغَنَائِمِ، مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي جَوَازِ تَفْضِيل الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى التَّسْوِيَةِ الْكَامِلَةِ؛ لاِسْتِوَاءِ الْكُل فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الدَّرْبِ بِنِيَّةِ الْقِتَال عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَشُهُودُ الْوَقْعَةِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، وَلِقَوْل أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄

стр. 13479

: " الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ " (١) وَلأَِنَّهُ لَيْسَ كُل الْجَيْشِ يُقَاتِل؛ لأَِنَّ ذَلِكَ خِلاَفُ مَصْلَحَةِ الْحَرْبِ؛ لأَِنَّهُ يُحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فِي الرِّدْءِ، وَبَعْضُهُمْ يَحْفَظُونَ السَّوَادَ، وَبَعْضُهُمْ فِي الْعُلُوفَةِ عَلَى حَسَبِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْحَرْبِ، كَمَا بَيَّنَهُ الْمَالِكِيَّةُ. (٢) أَمَّا مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ لاَ بِنِيَّةِ الْقِتَال، كَالسُّوقِيِّ (التَّاجِرِ) وَالْخَادِمِ، وَالْمُحْتَرِفِ كَالْخَيَّاطِ، فَإِنْ قَاتَل أُسْهِمَ لَهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي خِلاَفِ الأَْظْهَرِ لِلشَّافِعِيَّةِ لاَ يُسْهَمُ لَهُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الْقِتَال. (٣) وَإِنْ لَمْ يُقَاتِل لاَ يُسْهَمُ لَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِعَدَمِ نِيَّةِ الْقِتَال وَعَدَمِ الاِشْتِرَاكِ فِيهِ، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُسْهَمُ لَهُ؛ لأَِنَّهُ حَضَرَ الْوَقْعَةَ، وَفِيهِ تَكْثِيرُ سَوَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الْحُضُورَ إِلَى الْقِتَال يَجُرُّ إِلَيْهِ. أَمَّا مَنْ لَمْ يَحْضُرِ الْقِتَال أَصْلاً فَلاَ سَهْمَ لَهُ إِلاَّ إِذَا حُبِسَ فِي خِدْمَةِ الْجِهَادِ وَلِمَصْلَحَةِ الْجَيْشِ، كَأَنْ طَلَبَ الإِْمَامُ

стр. 13480

بَعْضَ الْعَسْكَرِ لِيُحْرَسَ مِنْ هُجُومِ الْعَدُوِّ، أَوْ أَفْرَدَ مِنَ الْجَيْشِ كَمِينًا؛ لِكَوْنِهِمْ رِدْءًا لِمَنْ قَاتَل، وَعَوْنًا لَهُمْ عَلَى الْغَنِيمَةِ تَقْوَى بِهِ نُفُوسُ الْمُقَاتِلِينَ. (١) وَأَمَّا الْمَدَدُ فَإِذَا لَحِقُوا عَسَاكِرَ الْمُسْلِمِينَ أَثْنَاءَ الْقِتَال يُسْهَمُ لَهُمْ، وَإِذَا لَحِقُوهُمْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَال وَإِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ لاَ يُسْهَمُ لَهُمْ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. أَمَّا إِذَا لَحِقُوهُمْ بَعْدَ الْقِتَال قَبْل أَنْ يُخْرِجُوا الْغَنِيمَةَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ فَلاَ يُسْهَمُ لَهُمْ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا الْوَقْعَةَ، وَيُسْهَمُ لَهُمْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بَعْدَ الإِْحْرَازِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (٢) وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ: (غَنِيمَة) . الرِّدْءُ فِي الْجِنَايَاتِ: ٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ عُقُوبَةِ الرِّدْءِ فِي جَرَائِمِ التَّعْزِيرِ إِذَا رَأَى الْقَاضِي ذَلِكَ. أَمَّا فِي الْحُدُودِ، فَلاَ يُحَدُّ الرِّدْءُ حَدَّ الزِّنَى وَلاَ حَدَّ الشُّرْبِ وَالْقَذْفِ؛ لأَِنَّهَا جَرَائِمُ تَتَعَلَّقُ بِشَخْصِ الْمُجْرِمِ.

стр. 13481

وَاخْتَلَفُوا فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ (الْحِرَابَةِ) وَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْل، وَبَيَانُهُ فِيمَا يَلِي: أ - الرِّدْءُ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ (الْحِرَابَةِ) : ٥ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) أَنَّ الرِّدْءَ أَيِ الْمُعِينَ لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ، فَإِنْ بَاشَرَ أَحَدُهُمْ أُجْرِيَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ بِأَجْمَعِهِمْ، فَإِذَا قَتَل أَحَدُهُمْ يُقْتَل هُوَ وَالآْخَرُونَ؛ لأَِنَّهُ جَزَاءُ الْمُحَارَبَةِ، وَهِيَ تَتَحَقَّقُ بِأَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ رِدْءًا لِلْبَعْضِ؛ وَلأَِنَّ الْمُحَارَبَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حُصُول الْمَنَعَةِ وَالْمُعَاضَدَةِ وَالْمُنَاصَرَةِ، وَمِنْ عَادَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الْمُبَاشَرَةُ مِنَ الْبَعْضِ وَالإِْعَانَةُ مِنَ الْبَعْضِ الآْخَرِ، وَلاَ يَتَمَكَّنُ الْمُبَاشِرُ مِنْ فِعْلِهِ إِلاَّ بِقُوَّةِ الرِّدْءِ، فَلَوْ لَمْ يَلْحَقِ الرِّدْءُ بِالْمُبَاشِرِ لأََدَّى ذَلِكَ إِلَى انْفِتَاحِ بَابِ قَطْعِ الطَّرِيقِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُبَاشِرُ وَالرِّدْءُ كَالْغَنِيمَةِ، وَنَصَّ الدُّسُوقِيُّ عَلَى أَنَّ الرِّدْءَ يَشْمَل مَنْ يَتَقَوَّى الْمُحَارِبُونَ بِجَاهِهِ، إِذْ لَوْلاَ جَاهُهُ مَا تَجَرَّأَ الْقَاتِل عَلَى الْقَتْل، فَجَاهُهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْقَتْل حُكْمًا (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ أَعَانَ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ أَوْ كَثَّرَ جَمْعَهُمْ بِالْحُضُورِ، أَوْ كَانَ

стр. 13482

عَيْنًا لَهُمْ وَلَمْ يُبَاشِرْ بِنَفْسِهِ، بَل يُعَزَّرُ بِالْحَبْسِ وَالنَّفْيِ وَغَيْرِهِمَا (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (حِرَابَة) . ب - الرِّدْءُ فِي السَّرِقَةِ: ٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّدْءَ إِذَا لَمْ يَدْخُل الْحِرْزَ، وَلَمْ يَشْتَرِكْ فِي إِخْرَاجِ الْمَال فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ (٢) . وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ: (سَرِقَة) . ج - الرِّدْءُ فِيمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ: ٧ - إِذَا تَمَالأََ جَمَاعَةٌ عَلَى قَتْل إِنْسَانٍ فَبَاشَرَ بَعْضُهُمُ الْفِعْل الْمُفْضِيَ لِلْقَتْل وَلَمْ يُبَاشِرْهُ الآْخَرُونَ لَكِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى ارْتِكَابِهِ مُسْبَقًا وَحَضَرُوا رِدْءًا لِلْقَتَلَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى مَنْ لَمْ يُبَاشِرِ الْفِعْل الْمُفْضِيَ لِلْقَتْل؛ لأَِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الْقِصَاصِ مِنَ الْجَمَاعَةِ الْمُبَاشَرَةَ مِنَ الْكُل، وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ فَضْلاً عَنِ الْمُبَاشَرَةِ أَنْ يَكُونَ جُرْحُ كُل وَاحِدٍ جُرْحًا سَارِيًا (٣) ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ هَذَا الشَّرْطَ وَقَالُوا:

стр. 13483

يُقْتَل الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ وَإِنْ تَفَاضَلَتْ جِرَاحَاتُهُمْ فِي الْعَدَدِ وَالْفُحْشِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ قِصَاصَ عَلَى الرِّدْءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُقْتَل الْمُتَمَالِئُونَ عَلَى الْقَتْل أَوِ الضَّرْبِ بِأَنْ قَصَدَ الْجَمِيعُ الْقَتْل أَوِ الضَّرْبَ وَحَضَرُوا وَإِنْ لَمْ يَتَوَلَّهُ إِلاَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ لَوِ اسْتُعِينَ بِهِمْ أَعَانُوا، وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ غَيْرُهُمْ ضَرَبُوا (١) . وَعَلَى ذَلِكَ فَيُقْتَصُّ مِنَ الرِّدْءِ الْمُتَمَالِئِينَ عَلَى الْقَتْل (أَيِ الْمُتَّفِقِينَ مُسْبَقًا عَلَى الْقَتْل) وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْهُ إِلاَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِذَا كَانُوا بِحَيْثُ لَوِ اسْتُعِينَ بِهِمْ أَعَانُوا. وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحَيْ: (تَوَاطُؤ ج ١٤ ص ١١٤، ١١٥، وَقِصَاص) . أَثَرُ الرِّدْءِ فِي مَنْعِ الإِْرْثِ: ٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ الْقَاتِل يُمْنَعُ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مَضْمُونًا بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ أَوِ الْكَفَّارَةِ لاَ يُمْنَعُ مِنْ مِيرَاثِ مُوَرِّثِهِ الْقَتِيل عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ كُل مَنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْقَتْل يُمْنَعُ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَلَوْ كَانَ الْقَتْل بِحَقٍّ كَمُقْتَصٍّ، وَإِمَامٍ وَقَاضٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْقَتْل عَمْدًا أَمْ غَيْرَهُ، مَضْمُونًا أَمْ لاَ.

стр. 13484

وَيُمْنَعُ مِنَ الْمِيرَاثِ مَنْ بَاشَرَ أَوْ تَسَبَّبَ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي التَّسَبُّبِ، كَمَا إِذَا حَفَرَ بِئْرًا أَوْ وَضَعَ حَجَرًا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ (١) . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (إِرْث ج ٣ ف ١٧) (وَقَتْل) .

стр. 13485

رِدَاءٌ التَّعْرِيفُ: ١ - مِنْ مَعَانِي الرِّدَاءِ فِي اللُّغَةِ: الثَّوْبُ يَسْتُرُ الْجُزْءَ الأَْعْلَى مِنَ الْجِسْمِ فَوْقَ الإِْزَارِ، وَيُطْلَقُ عَلَى كُل مَا يُرْتَدَى وَيُلْبَسُ (١) . وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: مَا يَسْتُرُ أَعْلَى الْبَدَنِ مِنَ الثِّيَابِ. وَيُقَابِلُهُ: الإِْزَارُ وَهُوَ: مَا يَسْتُرُ أَسْفَل الْبَدَنِ (٢) . الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ: ٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَ رِدَاءً وَإِزَارًا أَبْيَضَيْنِ جَدِيدَيْنِ أَوْ مَغْسُولَيْنِ (٣) . لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا: وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ (٤) وَالتَّفَاصِيل فِي (إِحْرَام) .

стр. 13486

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ الرِّدَاءُ لِكُل مُصَلٍّ وَلَوْ نَافِلَةً. وَالرِّدَاءُ: هُوَ مَا يُلْقِيهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ أَيْ كَتِفَيْهِ فَوْقَ ثَوْبِهِ دُونَ أَنْ يُغَطِّيَ بِهِ رَأْسَهُ، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ لأَِئِمَّةِ الْمَسْجِدِ، وَيُكْرَهُ لَهُمْ تَرْكُهُ (١) . وَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الأَْفْضَل أَنْ يُصَلِّيَ بِقَمِيصٍ وَرِدَاءٍ، فَإِنْ أَرَادَ الاِقْتِصَارَ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَالْقَمِيصُ أَفْضَل مِنَ الرِّدَاءِ؛ لأَِنَّهُ أَبْلَغُ فِي السَّتْرِ، ثُمَّ الرِّدَاءُ ثُمَّ الْمِئْزَرُ، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي بِثَوْبَيْنِ فَالأَْفْضَل الْقَمِيصُ وَالرِّدَاءُ، ثُمَّ الإِْزَارُ أَوِ السَّرَاوِيل مَعَ الْقَمِيصِ، ثُمَّ أَحَدُهُمَا مَعَ الرِّدَاءِ، وَالإِْزَارُ مَعَ الرِّدَاءِ أَفْضَل مِنَ السَّرَاوِيل مَعَ الرِّدَاءِ؛ لأَِنَّهُ لُبْسُ الصَّحَابَةِ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يَحْكِي تَقَاطِيعَ الْخِلْقَةِ (٢) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: قَمِيصٌ مَعَ رِدَاءٍ أَوْ إِزَارٍ أَوْ سَرَاوِيل، أَوْلَى مِنْ رِدَاءٍ مَعَ إِزَارٍ أَوْ سَرَاوِيل وَأَوْلَى مِنْ إِزَارٍ مَعَ سَرَاوِيل. وَإِنْ صَلَّى فِي الرِّدَاءِ وَحْدَهُ وَكَانَ وَاسِعًا الْتَحَفَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ بِمَنْكِبَيْهِ (٣) .، وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالاِضْطِبَاعِ بِأَنْ يَجْعَل وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الأَْيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى الأَْيْسَرِ، وَيُكْرَهُ اشْتِمَال الصَّمَّاءِ: بِأَنْ يُجَلِّل بَدَنَهُ بِالرِّدَاءِ ثُمَّ يَرْفَعَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْسَرِ، كَمَا يُكْرَهُ اشْتِمَال الْيَهُودِ بِأَنْ

стр. 13487

يُجَلِّل بَدَنَهُ بِالثَّوْبِ دُونَ رَفْعِ طَرَفَيْهِ (١) لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. ر: (صَلاَة) . تَحْوِيل الرِّدَاءِ فِي دُعَاءِ الاِسْتِسْقَاءِ: ٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَحْوِيل الرِّدَاءِ بَعْدَ دُعَاءِ الاِسْتِسْقَاءِ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَل مَا عَلَى الْمَنْكِبِ الأَْيْمَنِ عَلَى الأَْيْسَرِ، وَمَا عَلَى الأَْيْسَرِ عَلَى الأَْيْمَنِ (٢) . لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى فَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ (٣) . وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ يَدْعُو بِلاَ قَلْبِ رِدَاءٍ (٤)

стр. 13488

رَدَاءَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الرَّدَاءَةُ فِي اللُّغَةِ: نَقِيضُ الْجَوْدَةِ، وَمَعْنَاهَا الْخِسَّةُ وَالْفَسَادُ، وَرَدُؤَ الشَّيْءُ رَدَاءَةً فَهُوَ رَدِيءٌ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ أَيْ وَضِيعٌ خَسِيسٌ (١) . وَضِدُّهُ جَادَ الشَّيْءُ جُودَةً وَجَوْدَةً (بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (١ م (٢)) الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرَّدَاءَةِ: إِخْرَاجُ الرَّدِيءِ عَنِ الْجَيِّدِ فِي الزَّكَاةِ: ٢ - لاَ يَجُوزُ لِلْمَالِكِ أَنْ يُخْرِجَ الرَّدِيءَ عَنِ الْجَيِّدِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ

стр. 13489

لِلْمُتَصَدِّقِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ (١) . وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ضِمْنَ الصِّفَاتِ الَّتِي يَجِبُ مُرَاعَاتُهَا فِيمَا يُخْرِجُهُ الْمُزَكِّي وَيَأْخُذُهُ السَّاعِي أَنْ يَكُونَ وَسَطًا، فَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ الْجَيِّدَ وَلاَ الرَّدِيءَ إِلاَّ مِنْ طَرِيقِ التَّقْدِيمِ بِرِضَا صَاحِبِ الْمَال. فَعَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلاً عَلَى الصَّدَقَةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْبِكْرَ وَالشَّارِفَ وَذَا الْعَيْبِ وَإِيَّاكَ وَحَزَرَاتِ أَنْفُسِهِمْ (٢) . وَوَرَدَ أَنَّهُ قَال لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ (٣) . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الإِْيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ رَافِدَةً (٤) عَلَيْهِ كُل عَامٍ، وَلاَ يُعْطِي الْهَرِمَةَ وَلاَ الدَّرِنَةَ (٥) ، وَلاَ الْمَرِيضَةَ وَلاَ الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ (٦) ، وَلَكِنْ مِنْ

стр. 13490

وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ (١) . وَلأَِنَّ مَبْنَى الزَّكَاةِ عَلَى مُرَاعَاةِ الْجَانِبَيْنِ وَذَلِكَ بِأَخْذِ الْوَسَطِ، وَالْوَسَطُ هُوَ أَنْ يَكُونَ أَدْوَنَ مِنَ الأَْرْفَعِ، وَأَرْفَعَ مِنَ الأَْدْوَنِ (٢) . بَيْعُ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ: ٣ - يَرَى أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ أَنَّ الْجَيِّدَ وَالرَّدِيءَ مِنَ الرِّبَوِيَّاتِ سَوَاءٌ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ مَعَ التَّمَاثُل وَتَحْرِيمِهِ مَعَ التَّفَاضُل، لِقَوْلِهِ ﵊ جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ (٣) ، وَلأَِنَّ تَفَاوُتَ الْوَصْفِ لاَ يُعَدُّ تَفَاوُتًا عَادَةً، وَلَوِ اعْتُبِرَ لأََفْسَدَ بَابَ الْبِيَاعَاتِ، إِذْ قَلَّمَا يَخْلُو عِوَضَانِ عَنْ تَفَاوُتٍ مَا،

стр. 13491

فَلَمْ يُعْتَبَرْ (١) . ذِكْرُ الرَّدَاءَةِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ: ٤ - يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ لِصِحَّةِ السَّلَمِ ذِكْرَ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ لاِخْتِلاَفِ الْغَرَضِ بِهِمَا فَيُفْضِي تَرْكُهُمَا إِلَى النِّزَاعِ (٢) . وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ عِنْدَ ذِكْرِ الشُّرُوطِ الَّتِي لاَ يَصِحُّ السَّلَمُ إِلاَّ بِتَوَافُرِهَا: أَنْ يُضْبَطَ الْمُسْلَمُ فِيهِ بِصِفَاتِهِ الَّتِي يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِهَا ظَاهِرًا، فَإِنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ عِوَضٌ فِي الذِّمَّةِ فَلاَ بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مَعْلُومًا بِالْوَصْفِ كَالثَّمَنِ. وَلأَِنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي الْمَبِيعِ، وَطَرِيقُهُ إِمَّا الرُّؤْيَةُ وَإِمَّا الْوَصْفُ، وَالرُّؤْيَةُ مُمْتَنِعَةٌ هَاهُنَا فَتَعَيَّنَ الْوَصْفُ. وَالأَْوْصَافُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُتَّفَقٍ عَلَى اشْتِرَاطِهَا وَمُخْتَلَفٍ فِيهَا. فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا ثَلاَثَةُ أَوْصَافٍ: الْجِنْسُ، وَالنَّوْعُ، وَالْجَوْدَةُ أَوِ الرَّدَاءَةُ. فَهَذِهِ لاَ بُدَّ مِنْهَا فِي كُل مُسْلَمٍ فِيهِ (٣) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ

стр. 13492

ذِكْرُ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَيُحْمَل الْمُطْلَقُ عَلَى الْجَيِّدِ لِلْعُرْفِ (١) . وَلِلتَّفْصِيل: (ر: سَلَم) . ذِكْرُ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فِي الْحَوَالَةِ: ٥ - يَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ لِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ تَمَاثُل الدَّيْنَيْنِ - الْمُحَال بِهِ وَالْمُحَال عَلَيْهِ - جِنْسًا وَقَدْرًا، وَحُلُولاً أَوْ تَأْجِيلاً، وَصِحَّةً أَوْ تَكَسُّرًا، وَجَوْدَةً أَوْ رَدَاءَةً. لأَِنَّ الْحَوَالَةَ تَحْوِيل الْحَقِّ فَيُعْتَبَرُ تَحَوُّلُهُ عَلَى صِفَتِهِ (٢) ، وَالْمُرَادُ بِالصِّفَةِ مَا يَشْمَل الْجَوْدَةَ أَوِ الرَّدَاءَةَ، وَالصِّحَّةَ أَوِ التَّكَسُّرَ (٣) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ: تَجُوزُ الْحَوَالَةُ بِالْقَلِيل عَلَى الْكَثِيرِ، وَبِالصَّحِيحِ عَلَى الْمُكَسَّرِ، وَبِالْجَيِّدِ عَلَى الرَّدِيءِ، وَبِالْمُؤَجَّل عَلَى الْحَال، وَبِالأَْبْعَدِ أَجَلاً عَلَى الأَْقْرَبِ (٤) . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلاَ يَشْتَرِطُونَ لِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَدْيُونًا لِلْمُحِيل، وَمِنْ ثَمَّ لاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَهُمُ التَّمَاثُل بَيْنَ الدَّيْنَيْنِ الْمُحَال بِهِ وَالْمُحَال عَلَيْهِ جِنْسًا، أَوْ قَدْرًا، أَوْ صِفَةً (٥) . وَالتَّفْصِيل (ر: حَوَالَة) .

стр. 13493

قَبُول الرَّدِيءِ عَنِ الْجَيِّدِ فِي الْقَرْضِ: ٦ - لاَ يَجِبُ عَلَى الْمُقْرِضِ قَبُول الرَّدِيءِ عَنِ الْجَيِّدِ فِي الْقَرْضِ، فَإِنْ أَقْرَضَهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَقَضَاهُ خَيْرًا مِنْهُ فِي الْقَدْرِ أَوِ الصِّفَةِ أَوْ دُونَهُ بِرِضَاهُمَا جَازَ فِي الْجُمْلَةِ (١) . وَفِي بَعْضِ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ لِلْفُقَهَاءِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (قَرْض)

стр. 13494

رَدٌّ التَّعْرِيفُ: ١ - الرَّدُّ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ رَدَدْتُ الشَّيْءَ، وَمِنْ مَعَانِيهِ مَنْعُ الشَّيْءِ وَصَرْفُهُ، وَرَدُّ الشَّيْءِ أَيْضًا إِرْجَاعُهُ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: مَنْ عَمِل عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ (١) . أَيْ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ. وَذَلِكَ إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِمَا عَلَيْهِ السُّنَّةُ. وَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّيْءَ إِذَا لَمْ يَقْبَلْهُ. وَرَدَّ فُلاَنًا خَطَّأَهُ. وَتَقُول: رَدَّهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَرَدَّ إِلَيْهِ جَوَابًا أَيْ: رَجَعَهُ وَأَرْسَلَهُ. وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ فِي الْجُمْلَةِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (٢) .

стр. 13495

وَالرَّدُّ فِي الإِْرْثِ: دَفْعُ مَا فَضَل عَنْ فَرْضِ ذَوِي الْفُرُوضِ النَّسَبِيَّةِ إِلَيْهِمْ بِقَدْرِ حُقُوقِهِمْ عِنْدَ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْغَيْرِ. (انْظُرْ مُصْطَلَحَ: إِرْث ف ٦٣ ج ٣ ص ٤٩) . وَالْقِسْمَةُ بِالرَّدِّ هِيَ الَّتِي يُحْتَاجُ فِيهَا لِرَدِّ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِلآْخَرِ مَالاً أَجْنَبِيًّا، كَأَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مِنْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بِئْرٌ أَوْ شَجَرٌ لاَ تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، وَمَا فِي الْجَانِبِ الآْخَرِ لاَ يُعَادِل ذَلِكَ إِلاَّ بِضَمِّ شَيْءٍ إِلَيْهِ مِنْ خَارِجٍ، فَيَرُدُّ مَنْ يَأْخُذُ الْجَانِبَ الَّذِي فِيهِ الْبِئْرُ أَوِ الشَّجَرُ قِسْطَ قِيمَتِهِ أَيْ قِيمَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْبِئْرِ أَوِ الشَّجَرِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قِسْمَة) الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٢ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلرَّدِّ بِاخْتِلاَفِ مَوْطِنِهِ كَمَا يَلِي: الرَّدُّ فِي الْعُقُودِ: مُوجِبَاتُ الرَّدِّ: لِلرَّدِّ مُوجِبَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا يَلِي: ٣ - أ - الاِسْتِحْقَاقُ: فَإِذَا ظَهَرَ كَوْنُ الشَّيْءِ

стр. 13496

مُسْتَحَقًّا لِلْغَيْرِ وَجَبَ رَدُّ الشَّيْءِ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْعُقُودِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، أَوْ فِي الْجِنَايَاتِ كَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (١) . وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِحْقَاق ج ٣ ٢١٩) ، وَمُصْطَلَحِ: (اسْتِرْدَاد) (ف ٥ ح ٣ ٢٨٣) . ٤ - ب - فَسْخُ الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ: سَوَاءٌ كَانَ عَدَمُ لُزُومِهَا عَائِدًا إِلَى طَبِيعَتِهَا، كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ، أَوْ إِلَى دُخُول الْخِيَارِ - بِأَنْوَاعِهِ - عَلَيْهَا كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَكِلاَ الطَّرَفَيْنِ، أَوْ لِمَنْ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ، وَيَرُدُّ كُلٌّ مَا فِي يَدِهِ إِلَى صَاحِبِهِ (٢) . ٥ - ج - بُطْلاَنُ الْعَقْدِ: فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ وَجَبَ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ مِنَ الآْخَرِ وَذَلِكَ لأَِنَّ الْعَقْدَ الْبَاطِل لاَ وُجُودَ لَهُ شَرْعًا، وَلاَ يُنْتِجُ أَيَّ أَثَرٍ. وَالْعَقْدُ الْفَاسِدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُسْتَحِقٌّ لِلْفَسْخِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ، إِلاَّ أَنَّهُ

стр. 13497

مِلْكٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، وَالْفَسْخُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ يَسْتَلْزِمُ رَدَّ الْمَبِيعِ عَلَى بَائِعِهِ، وَرَدَّ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي (١) . (انْظُرْ: اسْتِرْدَاد) . ٦ - د - الإِْقَالَةُ: وَمَحَلُّهَا الْعُقُودُ اللاَّزِمَةُ. وَمُقْتَضَى الإِْقَالَةِ رَدُّ الأَْمْرِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، أَيْ رَدُّ الْمَبِيعِ إِلَى الْبَائِعِ، وَالثَّمَنِ إِلَى الْمُشْتَرِي (٢) ، سَوَاءٌ عِنْدَ مَنِ اعْتَبَرَهَا فَسْخًا وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَوْ عِنْدَ مَنِ اعْتَبَرَهَا بَيْعًا فِي حَقِّ الْعَاقِدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ، أَوْ عِنْدَ مَنِ اعْتَبَرَهَا فَسْخًا فِي حَقِّ الْعَاقِدَيْنِ بَيْعًا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِقَالَة ج ٥ ٣٢٤) ٧ - هـ - انْتِهَاءُ مُدَّةِ الْعَقْدِ: إِذَا انْتَهَتْ مُدَّةُ الْعَقْدِ فِي الْعُقُودِ الْمُقَيَّدَةِ بِمُدَّةٍ فَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ رَفْعُ يَدِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الرَّدُّ. قِيل لأَِحْمَدَ: إِذَا اكْتَرَى دَابَّةً أَوِ اسْتَعَارَ أَوِ اسْتَوْدَعَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَهُ؟ فَقَال أَحْمَدُ: مَنِ اسْتَعَارَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ رَدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذَهُ، فَأَوْجَبَ الرَّدَّ فِي الْعَارِيَّةِ وَلَمْ

стр. 13498

يُوجِبْهُ فِي الإِْجَارَةِ وَالْوَدِيعَةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ عَقْدٌ لاَ يَقْتَضِي الضَّمَانَ فَلاَ يَقْتَضِي رَدَّهُ وَمُؤْنَتَهُ، كَالْوَدِيعَةِ، وَفَارَقَ الْعَارِيَّةَ، فَإِنَّ ضَمَانَهَا يَجِبُ، فَكَذَلِكَ رَدُّهَا، وَعَلَى هَذَا مَتَى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ أَمَانَةً كَالْوَدِيعَةِ إِنْ تَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ فِي رَدِّ الْمُسْتَأْجِرِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الإِْجَارَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَال: لاَ يَلْزَمُهُ قَبْل الْمُطَالَبَةِ؛ لأَِنَّهُ أَمَانَةٌ فَلاَ يَلْزَمُهُ رَدُّهَا قَبْل الطَّلَبِ كَالْوَدِيعَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: يَلْزَمُهُ لأَِنَّهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الإِْجَارَةِ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِي إِمْسَاكِهَا فَلَزِمَهُ الرَّدُّ كَالْعَارِيَّةِ الْمُؤَقَّتَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِهَا، فَإِنْ قُلْنَا لاَ يَلْزَمُهُ الرَّدُّ لَمْ يَلْزَمْهُ مُؤْنَةُ الرَّدِّ كَالْوَدِيعَةِ، وَإِنْ قُلْنَا يَلْزَمُهُ لَزِمَهُ مُؤْنَةُ الرَّدِّ كَالْعَارِيَّةِ (١) . مُسْقِطَاتُ الرَّدِّ فِي الْعُقُودِ: يَسْقُطُ الرَّدُّ فِي الْعُقُودِ لِعِدَّةِ أُمُورٍ مِنْهَا مَا يَلِي: ٨ - أ - تَصْحِيحُ الْعَقْدِ: جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعَقْدِ الْبَاطِل وَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ فَهُمَا عِنْدَهُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ بَاطِلاً هَل يَنْقَلِبُ صَحِيحًا إِذَا رُفِعَ الْمُفْسِدُ أَمْ لاَ؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْعَقْدَ لاَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ إِذْ لاَ عِبْرَةَ بِالْفَاسِدِ.

стр. 13499

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا إِذَا حُذِفَ الشَّرْطُ الْمُفْسِدُ لِلْعَقْدِ. وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ بَعْضَ الشُّرُوطِ فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ مَعَهَا وَلَوْ حُذِفَ الشَّرْطُ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَصْحِيح ج ١٢ ٥٨ ف ١١) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْعَقْدِ الْبَاطِل وَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ، فَيَصِحُّ عِنْدَهُمْ أَنْ يَنْقَلِبَ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ صَحِيحًا وَذَلِكَ بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ. وَلاَ يَصِحُّ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ الْبَاطِل، وَإِذَا انْقَلَبَ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ صَحِيحًا سَقَطَ الرَّدُّ لِزَوَال مُوجِبِهِ (١) . انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (تَصْحِيح ج ١٢ ٥٨ ف ١١، ١٢، ١٣، ١٤) . ٩ - ب - تَجْدِيدُ الْعَقْدِ: وَيَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي الْعُقُودِ الْمُقَيَّدَةِ بِمُدَّةٍ كَالإِْجَارَةِ، فَإِذَا اتَّفَقَ الْعَاقِدَانِ عَلَى تَجْدِيدِ الْعَقْدِ لِمُدَّةٍ أُخْرَى سَقَطَ رَدُّ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لِوُرُودِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا؛ وَلِزَوَال مَا يُوجِبُهُ وَهُوَ انْتِهَاءُ فَتْرَةِ الْعَقْدِ. ١٠ - ج - سُقُوطُ الْخِيَارِ: وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ بِسَبَبِ دُخُول الْخِيَارِ عَلَيْهَا، فَإِذَا سَقَطَ الْخِيَارُ بِأَحَدِ مُسْقِطَاتِهِ أَصْبَحَ الْعَقْدُ لاَزِمًا وَامْتَنَعَ الرَّدُّ حِينَئِذٍ.

стр. 13500

وَالْخِيَارَاتُ مُتَعَدِّدَةٌ وَكَذَلِكَ مُسْقِطَاتُهَا، وَهِيَ مَحَل خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (خِيَار) . أَنْوَاعُ الرَّدِّ: ١١ - يُقَسِّمُ الْحَنَفِيَّةُ رَدَّ الْمَبِيعِ بِالْعَيْبِ إِلَى رَدٍّ بِالْقَضَاءِ وَرَدٍّ بِالتَّرَاضِي. وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ الْمَعِيبِ إِلَى ثَالِثٍ ثُمَّ رَدِّهِ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ، فَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ بَاعَهُ فَرُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءٍ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ، كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ الأَْوَّل؛ لأَِنَّهُ فُسِخَ مِنَ الأَْصْل فَجُعِل الْبَيْعُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ. وَإِنْ قَبِلَهُ بِالتَّرَاضِي فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ الأَْوَّل. فَالْحَنَفِيَّةُ يَعْتَبِرُونَ الرَّدَّ بِالْقَضَاءِ فَسْخًا، وَبِالتَّرَاضِي بَيْعًا جَدِيدًا فِي حَقِّ الْبَائِعِ الأَْوَّل فَسْخًا فِي الْمُشْتَرِي الأَْوَّل وَالْمُشْتَرِي الثَّانِي. وَلَمْ يُفَرِّقِ الْجُمْهُورُ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - بَيْنَ الرَّدِّ بِالْقَضَاءِ وَالرَّدِّ بِالتَّرَاضِي،

стр. 13501

فَكِلاَهُمَا يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ (١) . وَيَنْقَسِمُ رَدُّ الْمَبِيعِ كَذَلِكَ إِلَى رَدٍّ قَهْرِيٍّ، وَرَدٍّ اخْتِيَارِيٍّ، فَالرَّدُّ الْقَهْرِيُّ كَرَدِّ الْمَبِيعِ بِالْعَيْبِ، وَالرَّدُّ الاِخْتِيَارِيُّ كَالإِْقَالَةِ (٢) . رَدُّ مَال الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ: ١٢ - إِذَا بَلَغَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَرَشَدَ وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ دَفْعُ الْمَال إِلَيْهِ (٣) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ (٤) ﴾ . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (رُشْد، حَجْر) . رَدُّ السَّلاَمِ: ١٣ - رَدُّ السَّلاَمِ وَاجِبٌ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: قَال فِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ: اعْلَمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ السَّلاَمَ سُنَّةٌ وَإِسْمَاعَهُ مُسْتَحَبٌّ، وَجَوَابَهُ أَيْ رَدَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَإِسْمَاعَ رَدِّهِ وَاجِبٌ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُسْمِعْهُ لاَ يَسْقُطُ هَذَا الْفَرْضُ عَنِ

стр. 13502

السَّامِعِ، حَتَّى قِيل: لَوْ كَانَ الْمُسَلِّمُ أَصَمَّ يَجِبُ عَلَى الرَّادِّ أَنْ يُحَرِّكَ شَفَتَيْهِ وَيُرِيَهُ، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَصَمَّ لَسَمِعَهُ. قَال الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: هُوَ - أَيْ رَدُّ السَّلاَمِ - حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى (١) . وَهُنَاكَ تَفْصِيلاَتٌ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (سَلاَم) . رَدُّ الشَّهَادَةِ: ١٤ - الأَْصْل فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ التُّهْمَةُ أَيِ الشَّكُّ وَالرِّيبَةُ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ؛ لأَِنَّهَا خَبَرٌ يَحْتَمِل الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً إِذَا تَرَجَّحَ جَانِبُ الصِّدْقِ فِيهِ، وَبِالتُّهْمَةِ لاَ يَتَرَجَّحُ. وَالتُّهْمَةُ قَدْ تَكُونُ لِمَعْنًى فِي الشَّاهِدِ كَالْفِسْقِ، فَإِنَّ مَنْ لاَ يَنْزَجِرُ عَنْ غَيْرِ الْكَذِبِ مِنْ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ فَقَدْ لاَ يَنْزَجِرُ عَنْهُ أَيْضًا، فَكَانَ مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، وَقَدْ تَكُونُ لِمَعْنًى فِي الْمَشْهُودِ لَهُ مِنْ قَرَابَةٍ يُتَّهَمُ بِهَا بِإِيثَارِ الْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، كَقَرَابَةِ الْوِلاَدَةِ. وَقَدْ تَكُونُ لِخَلَلٍ فِي التَّمْيِيزِ كَالْعَمَى الْمُفْضِي إِلَى تُهْمَةِ الْغَلَطِ فِي الشَّهَادَةِ. وَقَدْ تَكُونُ بِالْعَجْزِ عَمَّا جَعَلَهُ الشَّارِعُ دَلِيلاً عَلَى صِدْقِهِ كَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ (٢) ، قَال

стр. 13503

اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١) ﴾ . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (شَهَادَة) . رَدُّ الْيَمِينِ: ١٥ - إِذَا وَجَبَتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَامْتَنَعَ، وَحَكَمَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ نَاكِلٌ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ بِالْحَقِّ بِالنُّكُول، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِذَا حَلَفَ حَكَمَ لَهُ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاء، إِثْبَات، وَأَيْمَان، وَنُكُول) . رَدُّ مَال الْغَيْرِ: ١٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَنْ أَخَذَ مَال الْغَيْرِ بِطَرِيقٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ كَالْغَصْبِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إِلَى صَاحِبِهِ فَوْرًا؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (٣) وَلأَِنَّ

стр. 13504

الْمَظَالِمَ يَجِبُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا فَوْرًا؛ لأَِنَّ بَقَاءَهَا بِيَدِهِ ظُلْمٌ آخَرُ. وَكَذَا السَّارِقُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ الْعَيْنِ الْمَسْرُوقَةِ إِنْ كَانَتْ قَائِمَةً اتِّفَاقًا. فَإِنْ هَلَكَتْ أَوِ اسْتُهْلِكَتْ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ مِثْلِهَا إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَإِلاَّ فَقِيمَتُهَا، سَوَاءٌ قُطِعَ أَوْ لَمْ يُقْطَعْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ قُطِعَ فِي السَّرِقَةِ وَالْعَيْنُ هَالِكَةٌ لاَ يَضْمَنُ حِينَئِذٍ، فَلاَ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمُ الْقَطْعُ وَالْغُرْمُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ يُغَرَّمُ صَاحِبُ سَرِقَةٍ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ (١) وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ لاَ يَضْمَنُ السَّارِقُ سَرِقَتَهُ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ (٢) وَفِي رِوَايَةٍ لاَ غُرْمَ عَلَى السَّارِقِ بَعْدَ قَطْعِ يَمِينِهِ (٣) . وَلأَِنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ يُنَافِي الْقَطْعَ؛ لأَِنَّهُ لَوْ ضَمِنَهُ لَمَلَكَهُ مِلْكًا مُسْتَنِدًا إِلَى وَقْتِ الأَْخْذِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مِلْكِهِ فَيَنْتَفِي الْقَطْعُ لِلشُّبْهَةِ وَمَا يُؤَدِّي إِلَى انْتِفَائِهِ فَهُوَ الْمُنْتَفِي.

стр. 13505

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا يَوْمَ الْقَطْعِ ضَمِنَ قِيمَةَ الْمَسْرُوقِ، وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا لَمْ يَضْمَنْ وَلَمْ يَغْرَمْ (١) . وَكَذَلِكَ يَجِبُ رَدُّ مَال الْغَيْرِ إِذَا أَخَذَهُ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ عِنْدَمَا يُوجَدُ مَا يُوجِبُ الرَّدَّ، وَذَلِكَ كَرَدِّ اللُّقَطَةِ عِنْدَ ظُهُورِ الْمَالِكِ، وَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ عِنْدَ الطَّلَبِ (٢) . مُؤْنَةُ (٣) الرَّدِّ: ١٧ - مِنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ الْفَسْخُ وَرَدُّ الْمَبِيعِ إِلَى بَائِعِهِ وَالثَّمَنِ إِلَى الْمُشْتَرِي، وَتَكُونُ مُؤْنَةُ رَدِّ الْمَبِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَبِيعَ إِذَا كَانَ وَاجِبَ الرَّدِّ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ وَهُوَ الْمُشْتَرِي (٤) . وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مُؤْنَةَ رَدِّ الْعَارِيَّةِ عَلَى

стр. 13506

الْمُسْتَعِيرِ (١) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (٢) . وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا إِلَى أَنَّ مُؤْنَةَ رَدِّ الْمَغْصُوبِ عَلَى الْغَاصِبِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ صَاحِبِهِ لاَعِبًا أَوْ جَادًّا، وَإِذَا أَخَذَ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرْدُدْهَا عَلَيْهِ (٣) وَلأَِنَّ الْمُؤْنَةَ مِنْ ضَرُورَاتِ الرَّدِّ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ كَمَا فِي رَدِّ الْعَارِيَّةِ (٤) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (مُؤْنَة)

стр. 13507

رِدَّةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الرِّدَّةُ لُغَةً: الرُّجُوعُ عَنِ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ الرِّدَّةُ عَنِ الإِْسْلاَمِ. يُقَال: ارْتَدَّ عَنْهُ ارْتِدَادًا أَيْ تَحَوَّل. وَالاِسْمُ الرِّدَّةُ، وَالرِّدَّةُ عَنِ الإِْسْلاَمِ: الرُّجُوعُ عَنْهُ. وَارْتَدَّ فُلاَنٌ عَنْ دِينِهِ إِذَا كَفَرَ بَعْدَ إِسْلاَمِهِ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: (الرِّدَّةُ: كُفْرُ الْمُسْلِمِ بِقَوْلٍ صَرِيحٍ أَوْ لَفْظٍ يَقْتَضِيهِ أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ (٢)) . شَرَائِطُ الرِّدَّةِ: ٢ - لاَ تَقَعُ الرِّدَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِ إِلاَّ إِذَا تَوَفَّرَتْ شَرَائِطُ الْبُلُوغِ وَالْعَقْل وَالاِخْتِيَارِ (٣) .

стр. 13508

رِدَّةُ الصَّبِيِّ: ٣ - رِدَّةُ الصَّبِيِّ لاَ تُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ، وَقَوْلٌ لأَِحْمَدَ (١) . وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى وَمُحَمَّدٌ: يُحْكَمُ بِرِدَّةِ الصَّبِيِّ اسْتِحْسَانًا (٢) ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ (٣) . الْمُرْتَدُّ قَبْل الْبُلُوغِ لاَ يُقْتَل: ٤ - ذَهَبَ الْقَائِلُونَ بِوُقُوعِ رِدَّةِ الصَّبِيِّ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقْتَل قَبْل بُلُوغِهِ (٤) . وَقَال الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الصَّبِيَّ إِذَا ارْتَدَّ لاَ يُقْتَل حَتَّى بَعْدَ بُلُوغِهِ، قَال فِي الأُْمِّ: (فَمَنْ أَقَرَّ بِالإِْيمَانِ قَبْل الْبُلُوغِ وَإِنْ كَانَ عَاقِلاً، ثُمَّ ارْتَدَّ قَبْل الْبُلُوغِ أَوْ بَعْدَهُ، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَلاَ

стр. 13509

يُقْتَل؛ لأَِنَّ إِيمَانَهُ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ بَالِغٌ، وَيُؤْمَرُ بِالإِْيمَانِ، وَيُجْهَدُ عَلَيْهِ بِلاَ قَتْلٍ (١)) . رِدَّةُ الْمَجْنُونِ: ٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ صِحَّةَ لإِِسْلاَمِ مَجْنُونٍ وَلاَ لِرِدَّتِهِ (٢) . وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ تَبْقَى سَائِرَةً عَلَيْهِ (٣) . لَكِنْ إِنْ كَانَ يُجَنُّ سَاعَةً وَيُفِيقُ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ فِي إِفَاقَتِهِ وَقَعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي جُنُونِهِ لاَ تَقَعُ، كَمَا نَقَل ذَلِكَ الْكَاسَانِيُّ (٤) . رِدَّةُ السَّكْرَانِ: ٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّ رِدَّةَ السَّكْرَانِ لاَ تُعْتَبَرُ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الرِّدَّةَ تُبْنَى عَلَى الاِعْتِقَادِ، وَالسَّكْرَانُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِمَا يَقُول (٥) . وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ،

стр. 13510

وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى وُقُوعِ رِدَّةِ السَّكْرَانِ، وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّ الصَّحَابَةَ أَقَامُوا حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى السَّكْرَانِ، وَأَنَّهُ يَقَعُ طَلاَقُهُ، فَتَقَعُ رِدَّتُهُ، وَأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، وَأَنَّ عَقْلَهُ لاَ يَزُول كُلِّيًّا، فَهُوَ أَشْبَهُ بِالنَّاعِسِ مِنْهُ بِالنَّائِمِ أَوِ الْمَجْنُونِ (١) . الْمُكْرَهُ عَلَى الرِّدَّةِ: ٧ - الإِْكْرَاهُ: اسْمٌ لِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ بِغَيْرِهِ، فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ، أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْعَدِمَ بِهِ أَهْلِيَّتُهُ، أَوْ يَسْقُطَ عَنْهُ الْخِطَابُ (٢) . وَالإِْكْرَاهُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُوجِبُ الإِْلْجَاءَ وَالاِضْطِرَارَ طَبْعًا، كَالإِْكْرَاهِ بِالْقَتْل أَوِ الْقَطْعِ أَوِ الضَّرْبِ الَّذِي يُخَافُ فِيهِ تَلَفُ النَّفْسِ أَوِ الْعُضْوِ، قَل الضَّرْبُ أَوْ كَثُرَ. وَهَذَا النَّوْعُ يُسَمَّى إِكْرَاهًا تَامًّا. وَنَوْعٌ لاَ يُوجِبُ الإِْلْجَاءَ وَالاِضْطِرَارَ، وَهُوَ الْحَبْسُ أَوِ الْقَيْدُ أَوِ الضَّرْبُ الَّذِي لاَ يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الإِْكْرَاهِ يُسَمَّى إِكْرَاهًا نَاقِصًا (٣) . ٨ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَأَتَى بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، لَمْ يَصِرْ كَافِرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى

стр. 13511

: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ (١) ﴾ . وَمَا نُقِل مِنْ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ ﵄ حَمَلَهُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَا يَكْرَهُ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال لَهُ: إِنْ عَادُوا فَعُدْ (٢) ، وَهَذَا فِي الإِْكْرَاهِ التَّامِّ (٣) . ٩ - وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الإِْسْلاَمِ فَأَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ قَبْل أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى الإِْسْلاَمِ طَوْعًا، مِثْل أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الإِْسْلاَمِ بَعْدَ زَوَال الإِْكْرَاهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ يَجُوزُ إِكْرَاهُهُمْ عَلَى الإِْسْلاَمِ - وَهُمْ أَهْل الذِّمَّةِ وَالْمُسْتَأْمَنُونَ - فَلاَ يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا، وَلاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ وَلاَ إِجْبَارُهُ عَلَى الإِْسْلاَمِ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ إِسْلاَمِهِ ابْتِدَاءً. أَمَّا إِنْ كَانَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الإِْسْلاَمِ مِمَّنْ يَجُوزُ إِكْرَاهُهُ وَهُوَ الْحَرْبِيُّ وَالْمُرْتَدُّ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا بِرُجُوعِهِ عَنِ الإِْسْلاَمِ، وَيُطَبَّقُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ (٤) .

стр. 13512

مَا تَقَعُ بِهِ الرِّدَّةُ: ١٠ - تَنْقَسِمُ الأُْمُورُ الَّتِي تَحْصُل بِهَا الرِّدَّةُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أ - رِدَّةٌ فِي الاِعْتِقَادِ. ب - رِدَّةٌ فِي الأَْقْوَال. ج - رِدَّةٌ فِي الأَْفْعَال. د - رِدَّةٌ فِي التَّرْكِ. إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ الأَْقْسَامَ تَتَدَاخَل، فَمَنِ اعْتَقَدَ شَيْئًا عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، أَوْ تَرْكٍ. مَا يُوجِبُ الرِّدَّةَ مِنْ الاِعْتِقَادِ: ١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، أَوْ جَحَدَهُ، أَوْ نَفَى صِفَةً ثَابِتَةً مِنْ صِفَاتِهِ، أَوْ أَثْبَتَ لِلَّهِ الْوَلَدَ فَهُوَ مُرْتَدٌّ كَافِرٌ (١) . وَكَذَلِكَ مَنْ قَال بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بَقَائِهِ، أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ (٢) . وَدَلِيلُهُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ (٣) ﴾ . وَقَال ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: (لأَِنَّ حُدُوثَ

стр. 13513

الْعَالَمِ مِنْ قَبِيل مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الإِْجْمَاعُ وَالتَّوَاتُرُ، بِالنَّقْل عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، فَيَكْفُرُ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِ النَّقْل الْمُتَوَاتِرَ (١)) . ١٢ - وَيَكْفُرُ مَنْ جَحَدَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ (٢) ، وَلَوْ كَلِمَةً. وَقَال الْبَعْضُ: بَل يَحْصُل الْكُفْرُ بِجَحْدِ حَرْفٍ وَاحِدٍ (٣) . كَمَا يَقَعُ الْكُفْرُ بِاعْتِقَادِ تَنَاقُضِهِ وَاخْتِلاَفِهِ، أَوِ الشَّكِّ بِإِعْجَازِهِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى مِثْلِهِ، أَوْ إِسْقَاطِ حُرْمَتِهِ (٤) ، أَوِ الزِّيَادَةِ فِيهِ (٥) . أَمَّا تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ وَتَأْوِيلُهُ، فَلاَ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ، وَلاَ رَادُّهُ؛ لأَِنَّهُ أَمْرٌ اجْتِهَادِيٌّ مِنْ فِعْل الْبَشَرِ. وَقَدْ نَصَّ ابْنُ قُدَامَةَ عَلَى أَنَّ اسْتِحْلاَل دِمَاءِ الْمَعْصُومِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، إِنْ جَرَى بِتَأْوِيل الْقُرْآنِ - كَمَا فَعَل الْخَوَارِجُ - لَمْ يَكْفُرْ صَاحِبُهُ (٦) . وَلَعَل السَّبَبَ أَنَّ الاِسْتِحْلاَل جَرَى بِاجْتِهَادٍ خَاطِئٍ، فَلاَ يَكْفُرُ صَاحِبُهُ. ١٣ - وَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا مَنِ اعْتَقَدَ كَذِبَ

стр. 13514

النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ، وَمَنِ اعْتَقَدَ حِل شَيْءٍ مُجْمَعٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ، كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ أَنْكَرَ أَمْرًا مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ (١) . حُكْمُ سَبِّ اللَّهِ تَعَالَى: ١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى كَفَرَ، سَوَاءٌ كَانَ مَازِحًا أَوْ جَادًّا أَوْ مُسْتَهْزِئًا (٢) . وَقَدْ قَال تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُل أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (٣) ﴾ . وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُول تَوْبَتِهِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (٤) وَالْحَنَابِلَةُ (٥) إِلَى قَبُولِهَا، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٦) . وَلَمْ نَجِدْ لِلشَّافِعِيَّةِ تَفْرِقَةً بَيْنَ الرِّدَّةِ بِذَلِكَ وَبَيْنَ الرِّدَّةِ بِغَيْرِهِ.

стр. 13515

حُكْمُ سَبِّ الرَّسُول ﷺ : ١٥ - السَّبُّ هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الاِنْتِقَادُ وَالاِسْتِخْفَافُ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ السَّبُّ فِي عُقُول النَّاسِ، عَلَى اخْتِلاَفِ اعْتِقَادَاتِهِمْ، كَاللَّعْنِ وَالتَّقْبِيحِ (١) . وَحُكْمُ سَابِّهِ ﷺ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ بِلاَ خِلاَفٍ (٢) . وَيُعْتَبَرُ سَابًّا لَهُ ﷺ كُل مَنْ أَلْحَقَ بِهِ ﷺ عَيْبًا أَوْ نَقْصًا، فِي نَفْسِهِ، أَوْ نَسَبِهِ، أَوْ دِينِهِ، أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ، أَوِ ازْدَرَاهُ، أَوْ عَرَّضَ بِهِ، أَوْ لَعَنَهُ (٣) ، أَوْ شَتَمَهُ، أَوْ عَابَهُ، أَوْ قَذَفَهُ، أَوِ اسْتَخَفَّ بِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ (٤) . هَل يُقْتَل السَّابُّ رِدَّةً أَمْ حَدًّا ؟ ١٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ (٥) وَالْحَنَابِلَةُ (٦) وَابْنُ تَيْمِيَّةَ (٧) : إِنَّ سَابَّ النَّبِيِّ ﷺ يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا، كَأَيِّ مُرْتَدٍّ؛ لأَِنَّهُ بَدَّل دِينَهُ فَيُسْتَتَابُ، وَتُقْبَل تَوْبَتُهُ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ - فِيمَا يَنْقُلُهُ السُّبْكِيُّ - فَيَرَوْنَ أَنَّ سَبَّ النَّبِيِّ ﷺ رِدَّةٌ وَزِيَادَةٌ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ
следующие страницы →