Полный текст (31 949 стр.). Показаны 13756–13795 · переход к 13761.
стр. 13756
الطَّلاَقَ إِلَى رَقَبَةِ زَوْجَتِهِ أَوْ عُنُقِهَا، كَأَنْ يَقُول: طَلَّقْتُ رَقَبَتَهَا أَوْ عُنُقَهَا، أَوْ خَاطَبَهَا بِطَلَّقْتُ رَقَبَتَكِ أَوْ عُنُقَكِ، فَإِنَّ الطَّلاَقَ يَقَعُ؛ لأَِنَّهَا جُزْءٌ يُسْتَبَاحُ بِنِكَاحِهَا فَتُطَلَّقُ بِهِ (١) .
ج - إِضَافَةُ الظِّهَارِ إِلَى الرَّقَبَةِ:
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُظَاهِرَ لَوْ شَبَّهَ رَقَبَةَ زَوْجَتِهِ أَوْ عُنُقَهَا بِظَهْرِ أُمِّهِ فَهُوَ مُظَاهِرٌ.
وَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَوْ شَبَّهَ عُضْوًا مِنْ زَوْجَتِهِ بِرَقَبَةِ أُمِّهِ أَوْ عُنُقِهَا فَهُوَ مُظَاهِرٌ كَذَلِكَ.
وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُظَاهِرٍ حَتَّى يُشَبِّهَ جُمْلَةَ امْرَأَتِهِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ لاَ يَمَسُّ عُضْوًا مِنْهَا لَمْ يَسْرِ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَْعْضَاءِ، فَكَذَلِكَ الْمُظَاهِرُ (٢) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ شَبَّهَهَا بِرَقَبَةِ الأُْمِّ أَوْ عُنُقِهَا لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا؛ لأَِنَّهُ شَبَّهَهَا بِعُضْوٍ مِنَ الأُْمِّ لاَ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ، وَيَكُونُ مُظَاهِرًا عِنْدَهُمْ إِذَا شَبَّهَهَا بِعُضْوٍ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنَ الأُْمِّ كَالْفَرْجِ وَالْفَخِذِ وَالْبَطْنِ وَنَحْوِهَا. стр. 13757
الرَّقَبَةُ بِمَعْنَى الإِْنْسَانِ الْمَمْلُوكِ:
٥ - تَرِدُ الرَّقَبَةُ بِمَعْنَى الإِْنْسَانِ الْمَمْلُوكِ فِي أَبْوَابِ الْعِتْقِ، وَالْمُكَاتَبَةِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَعَدَّدَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ شُرُوطًا لِلرَّقَبَةِ الَّتِي تَعْتِقُ مِنْ أَجْل كَفَّارَةِ إِفْسَادِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَكَذَلِكَ الظِّهَارِ، وَالْقَتْل، وَالْيَمِينِ، وَالنَّذْرِ مِنْهَا (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الأَْبْوَابِ الْمَذْكُورَةِ وَفِي مُصْطَلَحِ: (رِقّ) . стр. 13758
رَقْص
التَّعْرِيفُ:
١ - الرَّقْصُ وَالرَّقَصُ وَالرَّقَصَانُ مَعْرُوفٌ.
وَهُوَ مَصْدَرُ رَقَصَ يَرْقُصُ رَقْصًا، وَالرَّقْصُ: أَحَدُ الْمَصَادِرِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى فَعَل فِعْلاً نَحْوُ طَرَدَ طَرَدًا، وَحَلَبَ حَلَبًا.
وَيُقَال: أَرْقَصَتِ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا وَرَقَّصَتْهُ، وَفُلاَنٌ يَرْقُصُ فِي كَلاَمِهِ أَيْ: يُسْرِعُ، وَلَهُ رَقْصٌ فِي الْقَوْل أَيْ: عَجَلَةٌ (١) .
فَتَدُورُ مَوَادُّ اللَّفْظِ لُغَةً عَلَى مَعَانِي الإِْسْرَاعِ فِي الْحَرَكَةِ وَالاِضْطِرَابِ وَالاِرْتِفَاعِ وَالاِنْخِفَاضِ.
وَالزَّفْنُ: الرَّقْصُ، وَفِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَزْفِنُ لِلْحَسَنِ أَيْ: تُرَقِّصُهُ (٢) .
وَاصْطِلاَحًا: عَرَّفَ ابْنُ عَابِدِينَ الرَّقْصَ بِأَنَّهُ التَّمَايُل، وَالْخَفْضُ، وَالرَّفْعُ بِحَرَكَاتٍ مَوْزُونَةٍ (٣) . стр. 13759
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
(أ) اللَّعِبُ:
٢ - وَهُوَ طَلَبُ الْفَرَحِ بِمَا لاَ يَحْسُنُ أَنْ يُطْلَبَ بِهِ (١) .
(ب) اللَّهْوُ:
٣ - صَرْفُ الْهَمِّ بِمَا لاَ يَحْسُنُ أَنْ يُصْرَفَ بِهِ، وَقِيل: اللَّهْوُ الاِسْتِمْتَاعُ بِلَذَّاتِ الدُّنْيَا.
وَاللَّعِبُ: الْعَبَثُ، وَقِيل: اللَّهْوُ: الْمَيْل عَنِ الْجِدِّ إِلَى الْهَزْل، وَاللَّعِبُ: تَرْكُ مَا يَنْفَعُ بِمَا لاَ يَنْفَعُ (٢) .
حُكْمُ الرَّقْصِ:
٤ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: كَانَتِ الْحَبَشَةُ يَزْفِنُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَيَرْقُصُونَ، يَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ عَبْدٌ صَالِحٌ. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَا يَقُولُونَ؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ عَبْدٌ صَالِحٌ (٣) .
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فَسَمِعْنَا لَغَطًا وَصَوْتَ صِبْيَانٍ، فَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَإِذَا حَبَشِيَّةٌ تَزْفِنُ - أَيْ تَرْقُصُ - стр. 13760
وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهَا، فَقَال: يَا عَائِشَةُ تَعَالَيْ فَانْظُرِي (١) .
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْقَفَّال مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى كَرَاهَةِ الرَّقْصِ مُعَلِّلِينَ ذَلِكَ بِأَنَّ فِعْلَهُ دَنَاءَةٌ وَسَفَهٌ، وَأَنَّهُ مِنْ مُسْقِطَاتِ الْمُرُوءَةِ، وَأَنَّهُ مِنَ اللَّهْوِ. قَال الأَْبِيُّ: وَحَمَل الْعُلَمَاءُ حَدِيثَ رَقْصِ الْحَبَشَةِ عَلَى الْوَثْبِ بِسِلاَحِهِمْ، وَلَعِبِهِمْ بِحِرَابِهِمْ، لِيُوَافِقَ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: يَلْعَبُونَ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ بِحِرَابِهِمْ (٢) .
وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَصْحَبِ الرَّقْصَ أَمْرٌ مُحَرَّمٌ كَشُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَنَحْوِهِمَا، فَيَحْرُمُ اتِّفَاقًا.
وَذَهَبَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ إِلَى أَنَّ اتِّخَاذَ الرَّقْصِ ذِكْرًا أَوْ عِبَادَةً، بِدْعَةٌ وَمَعْصِيَةٌ، لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِهِ، وَلاَ رَسُولُهُ، وَلاَ أَحَدٌ مِنَ الأَْئِمَّةِ، أَوِ السَّلَفِ (٣) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرَّقْصَ لاَ يَحْرُمُ стр. 13761
وَلاَ يُكْرَهُ بَل يُبَاحُ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ حَبَشَةُ يَزْفِنُونَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى مَنْكِبِهِ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ (١) . وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى إِقْرَارِهِ ﷺ لِفِعْلِهِمْ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَتِهِ، وَدَلِيلُهُ مِنَ الْمَعْقُول أَنَّ الرَّقْصَ مُجَرَّدُ حَرَكَاتٍ عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَاعْوِجَاجٍ.
وَذَهَبَ الْبُلْقِينِيُّ إِلَى أَنَّ الرَّقْصَ إِذَا كَثُرَ بِحَيْثُ أَسْقَطَ الْمُرُوءَةَ حَرُمَ، وَالأَْوْجَهُ فِي الْمَذْهَبِ خِلاَفُهُ.
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ الإِْبَاحَةَ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَكَسُّرٌ كَفِعْل الْمُخَنَّثِينَ وَإِلاَّ حَرُمَ عَلَى الرِّجَال وَالنِّسَاءِ، أَمَّا مَنْ يَفْعَلُهُ خِلْقَةً مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَلاَ يَأْثَمُ بِهِ.
قَال فِي الرَّوْضِ: وَبِالتَّكَسُّرِ حَرَامٌ وَلَوْ مِنَ النِّسَاءِ (٢) .
شَهَادَةُ الرَّقَّاصِ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى رَدِّ شَهَادَةِ الرَّقَّاصِ لأَِنَّهُ سَاقِطُ الْمُرُوءَةِ، وَهِيَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ. وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي إِسْقَاطِ الْمُرُوءَةِ هُوَ الْمُدَاوَمَةُ وَالإِْكْثَارُ مِنَ стр. 13762
الرَّقْصِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِمَنْ يَلِيقُ بِهِ الرَّقْصُ، أَمَّا مَنْ لاَ يَلِيقُ بِهِ فَتَسْقُطُ مُرُوءَتُهُ وَلَوْ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَالْمَرْجِعُ فِي الْمُدَاوَمَةِ وَالإِْكْثَارِ إِلَى الْعَادَةِ، وَيَخْتَلِفُ الأَْمْرُ بِاخْتِلاَفِ عَادَاتِ النَّوَاحِي وَالْبِلاَدِ، وَقَدْ يُسْتَقْبَحُ مِنْ شَخْصٍ قَدْرٌ لاَ يُسْتَقْبَحُ مِنْ غَيْرِهِ. وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ يُفِيدُ اعْتِبَارَ الْمُدَاوَمَةِ وَالإِْكْثَارِ كَذَلِكَ، حَيْثُ عَبَّرُوا بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ. قَال فِي الْبِنَايَةِ: وَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الطُّفَيْلِيِّ وَالْمُشَعْوِذِ وَالرَّقَّاصِ وَالسُّخَرَةِ بِلاَ خِلاَفٍ (١) .
الاِسْتِئْجَارُ عَلَى الرَّقْصِ:
٦ - الاِسْتِئْجَارُ عَلَى الرَّقْصِ يَتْبَعُ حُكْمَ الرَّقْصِ نَفْسِهِ، فَحَيْثُ كَانَ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا أَوْ مُبَاحًا كَانَ حُكْمُ الاِسْتِئْجَارِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ.
وَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الرَّقْصَ حَيْثُ كَانَ حَرَامًا لاَ يَجُوزُ الاِسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ وَلاَ يَجُوزُ دَفْعُ الدَّرَاهِمِ لِلرَّقَّاصِ.
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ جَوَازِ الاِسْتِئْجَارِ عَلَى الْمَنَافِعِ الْمُحَرَّمَةِ وَغَيْرِ الْمُتَقَوِّمَةِ، فَحَيْثُ كَانَ الرَّقْصُ حَرَامًا لاَ يَجُوزُ الاِسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ (٢) . وَيُرَاجَعُ فِي هَذَا مُصْطَلَحُ: " إِجَارَة ". стр. 13763
رِقّ
(١)
التَّعْرِيفُ:
١ - الرِّقُّ لُغَةً: مَصْدَرُ رَقَّ الْعَبْدُ يَرِقُّ، ضِدُّ عَتَقَ، يُقَال: اسْتَرَقَّ فُلاَنٌ مَمْلُوكَهُ وَأَرَقَّهُ، نَقِيضُ أَعْتَقَهُ. وَالرَّقِيقُ: الْمَمْلُوكُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَيُقَال لِلأُْنْثَى أَيْضًا رَقِيقَةٌ، وَالْجَمْعُ رَقِيقٌ وَأَرِقَّاءُ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْعَبِيدُ رَقِيقًا؛ لأَِنَّهُمْ يَرِقُّونَ لِمَالِكِهِمْ، وَيَذِلُّونَ وَيَخْضَعُونَ. وَأَصْلُهُ مِنَ الرِّقَّةِ وَهِيَ ضِدُّ الْغِلَظِ وَالثَّخَانَةِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ، يُقَال: ثَوْبٌ رَقِيقٌ، وَثِيَابٌ رِقَاقٌ، ثُمَّ اسْتُعْمِل فِي стр. 13764
الْمَعْنَوِيَّاتِ فَقِيل: فُلاَنٌ رَقِيقُ الدِّينِ، أَوْ رَقِيقُ الْقَلْبِ (١) .
وَالرِّقُّ فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ مُوَافِقٌ لِمَعْنَاهُ لُغَةً، فَهُوَ كَوْنُ الإِْنْسَانِ مَمْلُوكًا لإِِنْسَانٍ آخَرَ.
وَعَرَّفَهُ بَعْضُ أَهْل الْفَرَائِضِ وَالْفِقْهِ بِأَنَّهُ " عَجْزٌ стр. 13765
حُكْمِيٌّ يَقُومُ بِالإِْنْسَانِ سَبَبُهُ الْكُفْرُ (١) " أَوْ أَنَّهُ " عَجْزٌ شَرْعِيٌّ مَانِعٌ لِلْوِلاَيَاتِ مِنَ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ وَغَيْرِهِمَا (٢) ".
وَلِلرَّقِيقِ أَسْمَاءٌ أُخْرَى بِحَسَبِ نَوْعِهِ وَحَالِهِ، كَالْقِنِّ: وَهُوَ مَنْ لاَ عِتْقَ فِيهِ أَصْلاً، وَيُقَابِلُهُ الْمُبَعَّضُ، وَهُوَ الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ وَسَائِرُهُ رَقِيقٌ، وَمَنْ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ، وَهُوَ مَنِ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الْعِتْقِ كَالْمُكَاتَبِ، وَالْمُدَبَّرِ، وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ، وَالْمُعْتَقُ عِنْدَ أَجَلٍ، وَأُمِّ الْوَلَدِ.
أَسْبَابُ تَمَلُّكِ الرَّقِيقِ:
٢ - يَدْخُل الرَّقِيقُ فِي مِلْكِ الإِْنْسَانِ بِوَاحِدٍ مِنَ الطُّرُقِ الآْتِيَةِ:
أَوَّلاً: اسْتِرْقَاقُ الأَْسْرَى وَالسَّبْيِ مِنَ الأَْعْدَاءِ الْكُفَّارِ، وَقَدْ اسْتَرَقَّ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَذَرَارِيَّهُمْ (٣) . وَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِرْقَاق) .
وَلاَ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ اسْتِرْقَاقِ الْمُسْلِمِ؛ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ يُنَافِي ابْتِدَاءَ الاِسْتِرْقَاقِ؛ لأَِنَّهُ يَقَعُ جَزَاءً لاِسْتِنْكَافِ الْكَافِرِ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، стр. 13766
فَجَازَاهُ بِأَنْ صَيَّرَهُ عَبْدَ عَبِيدِهِ (١) .
ثَانِيًا: وَلَدُ الأَْمَةِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الرِّقِّ، سَوَاءٌ، أَكَانَ أَبُوهُ حُرًّا أَمْ عَبْدًا، وَهُوَ رَقِيقٌ لِمَالِكِ أُمِّهِ، لأَِنَّ وَلَدَهَا مِنْ نَمَائِهَا، وَنَمَاؤُهَا لِمَالِكِهَا، وَلِلإِْجْمَاعِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَدُ الْمَغْرُورِ وَهُوَ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَإِذَا هِيَ أَمَةٌ. وَكَذَا لَوِ اشْتَرَطَ مُتَزَوِّجُ الأَْمَةِ أَنْ يَكُونَ أَوْلاَدُهُ مِنْهَا أَحْرَارًا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ (٢) .
ثَالِثًا: الشِّرَاءُ مِمَّنْ يَمْلِكُهُ مِلْكًا صَحِيحًا مُعْتَرَفًا بِهِ شَرْعًا، وَكَذَا الْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْمِيرَاثُ وَغَيْرُهَا مِنْ صُوَرِ انْتِقَال الأَْمْوَال مِنْ مَالِكٍ إِلَى آخَرَ.
وَلَوْ كَانَ مَنْ بَاعَ الرَّقِيقَ، أَوْ وَهَبَهُ كَافِرًا ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا فَيَصِحُّ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَدْ أَهْدَى الْمُقَوْقِسُ لِلنَّبِيِّ ﷺ جَارِيَتَيْنِ، فَتَسَرَّى بِإِحْدَاهُمَا، وَوَهَبَ الأُْخْرَى لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ (٣) .
الأَْصْل فِي الإِْنْسَانِ الْحُرِّيَّةُ لاَ الرِّقُّ:
٣ - الأَْصْل فِي الإِْنْسَانِ الْحُرِّيَّةُ لاَ الرِّقُّ، وَقَدْ стр. 13767
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ اللَّقِيطَ إِذَا وُجِدَ وَلَمْ يُعْرَفْ نَسَبُهُ يَكُونُ حُرًّا، وَإِنِ احْتُمِل أَنَّهُ رَقِيقٌ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأَِنَّ الأَْصْل فِي الآْدَمِيِّينَ الْحُرِّيَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ أَحْرَارًا، وَإِنَّمَا الرِّقُّ لِعَارِضٍ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ الْعَارِضُ فَلَهُ حُكْمُ الأَْصْل (١) .
وَالْحُرِّيَّةُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى إِبْطَالِهِ إِلاَّ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، فَلاَ يَجُوزُ إِبْطَال هَذَا الْحَقِّ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْحُرِّ وَلَوْ رَضِيَ بِذَلِكَ (٢) .
وَمَا كَانَ مِنْ خَوَاصِّ الآْدَمِيَّةِ فِي الرَّقِيقِ لاَ يَبْطُل بِرِقِّهِ، بَل يَبْقَى عَلَى أَصْل الْحُرِّيَّةِ، كَالطَّلاَقِ، فَإِنَّ حَقَّ تَطْلِيقِ زَوْجَةِ الْعَبْدِ هُوَ لَهُ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَيْهِ (٣) .
إِلْغَاءُ الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ لأَِنْوَاعٍ مِنْ الاِسْتِرْقَاقِ:
٤ - حَرَّمَتِ الشَّرِيعَةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ اسْتِرْقَاقَ الْحُرِّ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : قَال اللَّهُ تَعَالَى: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَل ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ стр. 13768
اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ (١) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: ثَلاَثَةٌ لاَ يَقْبَل اللَّهُ مِنْهُمْ صَلاَةً. . . وَذَكَرَ مِنْهُمْ وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرًا (٢) قَال الْخَطَّابِيُّ: اعْتِبَادُ الْحُرِّ يَقَعُ بِأَمْرَيْنِ: أَنْ يَعْتِقَهُ ثُمَّ يَكْتُمَ ذَلِكَ، أَوْ يَجْحَدَهُ، وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ كُرْهًا بَعْدَ الْعِتْقِ. ا. هـ (٣) وَكَذَلِكَ الاِسْتِرْقَاقُ بِخَطْفِ الْحُرِّ، أَوْ سَرِقَتِهِ، أَوْ إِكْرَاهِهِ، أَوِ التَّوَصُّل إِلَى جَعْلِهِ فِي حَبَائِل الرِّقِّ، بِأَيِّ وَسِيلَةٍ، كُل ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، وَلاَ يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ، بَل يَبْقَى الْمَخْطُوفُ أَوِ الْمَسْرُوقُ حُرًّا إِنْ كَانَ مَعْصُومًا بِإِسْلاَمٍ أَوْ عَهْدٍ، وَمَنِ اشْتَرَى مِنْ هَؤُلاَءِ وَاِتَّخَذَ مَا اشْتَرَاهُ رَقِيقًا أَوْ بَاعَهُ، حَرُمَ عَلَيْهِ مَا فَعَل، وَدَخَل فِي الَّذِينَ قَال رَسُول اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا، فَإِنْ وَطِئَ شَيْئًا مِنْ الْجَوَارِي الَّتِي (اسْتُمْلِكَتْ) بِهَذِهِ الطُّرُقِ الْمُحَرَّمَةِ فَهُوَ زِنًا، حُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنَا، مِنْ إِقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى الْوَاطِئِ، وَعَلَى الْمَوْطُوءَةِ إِنْ زَال стр. 13769
الإِْكْرَاهُ وَرَضِيَتْ بِالْبَقَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَالْوَلَدُ الَّذِي يُولَدُ لَهُمَا وَلَدُ زِنًا، لاَ يَلْتَحِقُ نَسَبُهُ بِالْوَاطِئِ (١) .
إِثْبَاتُ الرِّقِّ:
٥ - تَثْبُتُ دَعْوَى الرِّقِّ عَلَى مَجْهُول النَّسَبِ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَلاَ اسْتِحْلاَفَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيُسْتَحْلَفُ فِيهَا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ، وَلاَ يَكْفِي الشَّاهِدَ رُؤْيَتُهُ يَسْتَخْدِمُ الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةَ لِيَشْهَدَ بِرِقِّهِمَا، بَل لاَ بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ رِقَّهُمَا، وَلاَ تَكْفِي الْيَدُ، مَا لَمْ يَكُنِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ صَغِيرًا لاَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَقِيل عِنْدَهُمْ: لَهُ أَنْ يَشْهَدَ أَيْضًا عَلَى الْكَبِيرِ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ (٢) .
وَقَال النَّوَوِيُّ: إِذَا ادَّعَى رِقَّ بَالِغٍ فَقَال الْبَالِغُ: أَنَا حُرُّ الأَْصْل، فَالْقَوْل قَوْلُهُ، وَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمُدَّعِي اسْتَخْدَمَهُ قَبْل الإِْنْكَارِ وَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ جَرَى عَلَيْهِ الْبَيْعُ مِرَارًا وَتَدَاوَلَتْهُ الأَْيْدِي أَمْ لاَ، وَقَال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَإِذَا لَمْ يُقِرَّ اللَّقِيطُ بِرِقٍّ فَهُوَ حُرٌّ إِلاَّ أَنْ يُقِيمَ أَحَدٌ بَيِّنَةً بِرِقِّهِ. وَإِنْ أَقَرَّ وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ بِرِقِّهِ لِشَخْصٍ فَصَدَّقَهُ قُبِل إِنْ لَمْ يَسْبِقْ إِقْرَارَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَإِلاَّ لَمْ يُقْبَل.
وَقَال أَيْضًا: لَوِ ادَّعَى رِقَّ صَغِيرٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ стр. 13770
فِي يَدِهِ، لَمْ يُصَدَّقْ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ، فَإِنِ اسْتَنَدَتِ الْيَدُ إِلَى الْتِقَاطٍ فَكَذَلِكَ عَلَى الأَْظْهَرِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفِ اسْتِنَادُهُ إِلَى الْتِقَاطٍ صُدِّقَ وَحُكِمَ لَهُ، كَمَا لَوِ ادَّعَى ثَوْبًا فِي يَدِهِ، فَلَوْ كَانَ مُمَيِّزًا فَالأَْصَحُّ يُحْكَمُ لَهُ بِرِقِّهِ، وَلاَ أَثَرَ لإِِنْكَارِهِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ كَالْبَالِغِ، ثُمَّ إِذَا بَلَغَ الصَّغِيرُ الَّذِي حُكِمَ بِرِقِّهِ وَأَنْكَرَ الرِّقَّ فَالأَْصَحُّ اسْتِمْرَارُ الرِّقِّ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِخِلاَفِهِ، وَالثَّانِي: يُصَدَّقُ مُنْكِرُ الرِّقِّ إِلاَّ أَنْ تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ (١) .
وَيَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الرِّقِّ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ (٢) .
وَمَنِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَقَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: بَل أَنَا حُرٌّ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، تَعَارَضَتَا وَتَسَاقَطَتَا. قَال الْبُهُوتِيُّ: وَيُخَلَّى سَبِيلُهُ، لأَِنَّ الأَْصْل الْحُرِّيَّةُ، وَالرِّقُّ طَارِئٌ وَلَمْ يَثْبُتْ (٣) .
ثُبُوتُ الرِّقِّ بِالإِْقْرَارِ:
٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ صَبِيٌّ مَجْهُول النَّسَبِ فِي يَدِ رَجُلٍ وَهُوَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، أَيْ يَعْقِل فَحْوَى مَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ، وَادَّعَى الرَّجُل رِقَّهُ، فَقَال الصَّبِيُّ: أَنَا حُرٌّ، فَالْقَوْل قَوْلُهُ؛ لأَِنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَلَوْ قَال: أَنَا عَبْدٌ لِفُلاَنٍ - لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ - стр. 13771
فَهُوَ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ؛ لأَِنَّهُ أَقَرَّ بِالرِّقِّ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ إِذَا أَقَرَّ بِالرِّقِّ وَهُوَ مَجْهُول النَّسَبِ فَهُوَ رَقِيقٌ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى مَنْ كَانَ عِنْدَ إِقْرَارِهِ بَالِغًا (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَثْبُتُ الرِّقُّ بِإِقْرَارِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَيَثْبُتُ بِإِقْرَارِ الْبَالِغِ (٢) لَكِنْ إِنْ أَقَرَّ بِالرِّقِّ مَنْ هُوَ ثَابِتُ الْحُرِّيَّةِ لَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُهُ، فَلَوْ أَقَرَّتْ حُرَّةٌ لِزَوْجِهَا بِأَنَّهَا أَمَتُهُ، فَبَاعَهَا لِلْجُوعِ وَالْغَلاَءِ، فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي، قَال الْمَالِكِيَّةُ: فَلاَ حَدَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَعْزِيرَ؛ لِعُذْرِهَا بِالْجُوعِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى زَوْجِهَا بِالثَّمَنِ (٣) . أَيْ لأَِنَّهَا حُرَّةٌ فَلاَ تُرَقُّ بِذَلِكَ.
مَنْ يَمْلِكُ الرَّقِيقَ، وَمَنْ لاَ يَمْلِكُهُ:
أَوَّلاً: الْكَافِرُ:
٧ - لاَ يَجُوزُ لِلْكَافِرِ اسْتِدَامَةُ تَمَلُّكِ رَقِيقٍ مُسْلِمٍ اتِّفَاقًا. وَهَذَا الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِهَانَةِ الْمُسْلِمِ بِمِلْكِ الْكَافِرِ لَهُ. وَقِيَاسًا عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْكَافِرِ مُسْلِمَةً، بَل أَوْلَى.
وَقَدْ يَدْخُل الرَّقِيقُ الْمُسْلِمُ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ فِي стр. 13772
صُوَرٍ مُعَيَّنَةٍ، لَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ لِمُسْلِمٍ، أَوْ إِعْتَاقٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ تِلْكَ الصُّوَرِ:
١ - أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ كَافِرٍ عَبْدٌ كَافِرٌ فَيُسْلِمُ. فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُؤْمَرُ الْكَافِرُ بِبَيْعِهِ تَخْلِيصًا لِلْعَبْدِ الَّذِي أَسْلَمَ مِنْ بَقَائِهِ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ.
٢ - وَمِنْهَا أَنْ يَمْلِكَهُ بِالشِّرَاءِ، وَهَذَا فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ: فَيَصِحُّ وَيُجْبَرُ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ مَالِكٍ، وَالْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ: لاَ يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ مُسْلِمًا أَصْلاً.
وَيَحْرُمُ بَيْعُ الْمُسْلِمِ عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ لِكَافِرٍ عَلَى كِلاَ الْقَوْلَيْنِ، إِذِ الْخِلاَفُ فِي الصِّحَّةِ لاَ فِي التَّحْرِيمِ.
وَيُسْتَثْنَى مَا إِذَا اشْتَرَى الْكَافِرُ مُسْلِمًا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ، أَوِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ فِي الْحَال، فَذَلِكَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ، وَلِذَلِكَ أَجَازَهُ أَيْضًا الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ يَزُول فِي الْحَال عَقِبَ الشِّرَاءِ مُبَاشَرَةً، وَيَحْصُل ذَلِكَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، بِدُونِ تَوَقُّفٍ عَلَى تَصَرُّفٍ مِنَ الْمَالِكِ، وَيَحْصُل بِهِ مِنْ نَفْعِ الْحُرِّيَّةِ أَضْعَافُ مَا حَصَل مِنَ الإِْهَانَةِ بِالْمِلْكِ فِي لَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ. وَهَكَذَا كُل شِرَاءٍ يَسْتَتْبِعُ عِتْقًا.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُمْنَعُ بَيْعُ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ، فَإِنْ وَقَعَ مَضَى بَيْعُهُ فَلاَ يُفْسَخُ، وَيُجْبَرُ عَلَى إِزَالَةِ
стр. 13773
مِلْكِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ (١) .
وَلَوْ وَكَّل كَافِرٌ مُسْلِمًا فِي شِرَاءِ رَقِيقٍ لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ عِنْدَ مَنْ مَنَعَ شِرَاءَ الْكَافِرِ لِعَبْدٍ مُسْلِمٍ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِلْمُوَكِّل، وَالْمُوَكِّل لَيْسَ بِأَهْلٍ لِشِرَائِهِ كَمَا لَوْ وَكَّل مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ.
وَإِنْ وَكَّل الْمُسْلِمُ كَافِرًا يَشْتَرِي لَهُ رَقِيقًا كَافِرًا صَحَّ، أَمَّا إِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ رَقِيقٍ مُسْلِمٍ فَفِيهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ كَانَ لِمَا فِيهِ مِنْ ثُبُوتِ مِلْكِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَالْمِلْكُ هُنَا يَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقِ الْمَانِعُ.
وَالثَّانِي: لاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّ مَا مَنَعَ مِنْ شِرَائِهِ مَنَعَ مِنَ التَّوَكُّل فِيهِ، كَتَوَكُّل الْمُحْرِمِ فِي شِرَاءِ صَيْدٍ، وَتَوَكُّل الْكَافِرِ فِي عَقْدِ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ، وَتَوَكُّل الْمُسْلِمِ فِي شِرَاءِ خَمْرٍ لِذِمِّيٍّ (٢) .
وَإِنْ كَانَ عَبْدٌ كَافِرٌ فِي مِلْكِ شَخْصٍ كَافِرٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ، لَمْ يَزُل مِلْكُ صَاحِبِهِ بِإِسْلاَمِهِ، لَكِنْ لاَ يُقَرُّ فِي يَدِهِ، بَل يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ غَيْرِهَا، وَلاَ يَكْفِي الرَّهْنُ أَوِ التَّزْوِيجُ أَوِ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَهُمَا (٣) . стр. 13774
أَمَّا إِنْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ الْكَافِرُ الْمَمْلُوكُ لِكَافِرٍ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ حُرًّا، سَوَاءٌ هَاجَرَ إِلَيْنَا أَوِ الْتَحَقَ بِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ. فَلَوْ خَرَجَ إِلَيْنَا مُسْلِمًا، أَوْ سَبَاهُ الْمُسْلِمُونَ، لَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُ؛ لأَِنَّ مِلْكَ الْكَافِرِ ارْتَفَعَ عَنْهُ حُكْمًا بِمُجَرَّدِ إِسْلاَمِهِ، وَلَوْ بَقِيَ فِي يَدِ الْكَافِرِ؛ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ يُنَافِي ابْتِدَاءَ الاِسْتِرْقَاقِ (١) .
ثَانِيًا: الْقَرِيبُ:
٨ - إِذَا مَلَكَ الإِْنْسَانُ أَحَدًا مِنْ وَالِدَيْهِ وَإِنْ عَلَوَا أَوْ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَل وَلَوْ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ، عَتَقَ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الْمِلْكِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، وَلاَ عَلَى نُطْقٍ بِصِيغَةِ عِتْقٍ، وَذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ (٢) .
وَسَوَاءٌ كَانَ دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ بِاخْتِيَارِهِ كَشِرَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ كَمَا لَوْ وَرِثَهُ (٣) . стр. 13775
وَاخْتُلِفَ فِي بَقِيَّةِ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ سِوَى أَصْحَابِ قَرَابَةِ الْوِلاَدِ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ تَحْتَ عُنْوَانِ: (عِتْق) .
ثَالِثًا: الْمَمَالِيكُ:
٩ - يَدْخُل الْمَمْلُوكُ فِي مِلْكِ مَمْلُوكٍ آخَرَ إِذَا كَانَ الْمَمْلُوكُ مُكَاتَبًا، وَكَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ قَال بِأَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ، أَمَّا مَنْ قَال بِأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَمْلِكُ أَصْلاً فَلاَ يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ أَوِ الأَْمَةُ مِلْكًا لِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فُرُوعٌ فِي التَّسَرِّي وَغَيْرِهِ.
جَرَيَانُ الرِّقِّ عَلَى الْعَرَبِ:
١٠ - قَال ابْنُ حَجَرٍ: الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعَرَبِيَّ إِذَا سُبِيَ جَازَ أَنْ يُسْتَرَقَّ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَرَبِيُّ أَمَةً كَانَ وَلَدُهَا رَقِيقًا أَخْذًا بِإِطْلاَقِ الأَْحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الاِسْتِرْقَاقِ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَرَقَّ مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ عَرَبٌ (١) . وَأَمَرَ عَائِشَةَ بِشِرَاءِ رَقَبَةٍ مِنْ أَسْرَى بَنِي تَمِيمٍ وَإِعْتَاقِهَا عَنْ نَذْرِهَا (٢) . قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَالأَْفْضَل عِتْقُ مَنْ يُسْتَرَقُّ مِنْهُمْ، وَلِذَلِكَ قَال عُمَرُ стр. 13776
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مِنَ الْعَارِ أَنْ يَمْلِكَ الرَّجُل ابْنَ عَمِّهِ أَوْ بِنْتَ عَمِّهِ.
وَذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ عَلَى سَيِّدِ الأَْمَةِ تَقْوِيمَ الْوَلَدِ، وَيُلْزَمُ أَبُوهُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَلاَ يُسْتَرَقُّ الْوَلَدُ أَصْلاً (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَأَبُو عُبَيْدٍ إِلَى أَنَّ الْعَرَبَ لاَ يُسْتَرَقُّ رِجَالُهُمْ.
قَال أَبُو عُبَيْدٍ: بِذَلِكَ مَضَتْ سُنَّةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَرِقَّ أَحَدًا مِنْ ذُكُورِهِمْ.
قَال: وَكَذَلِكَ حَكَمَ عُمَرُ فِيهِمْ أَيْضًا حَتَّى رَدَّ سَبْيَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ وَأَوْلاَدَ الإِْمَاءِ مِنْهُمْ أَحْرَارًا إِلَى عَشَائِرِهِمْ عَلَى فِدْيَةٍ يُؤَدُّونَهَا إِلَى الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ. قَال: وَهَذَا مَشْهُورٌ مِنْ رَأْيِ عُمَرَ. وَرَوَى عَنْهُ الشَّعْبِيُّ أَنَّ عُمَرَ قَال: لَيْسَ عَلَى عَرَبِيٍّ مِلْكٌ. وَنُقِل عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى بِفِدَاءِ مَنْ كَانَ فِي الرِّقِّ مِنْهُمْ (٢) .
أَنْوَاعُ الرِّقِّ:
١١ - الرَّقِيقُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَالِصًا لاَ شَائِبَةَ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَائِبَةٌ. وَالرَّقِيقُ الْخَالِصُ، يُسَمَّى الْقِنَّ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ سَلَمًا لِمَالِكٍ وَاحِدٍ، وَإِمَّا стр. 13777
أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا وَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُهُ شَرِيكَانِ أَوْ أَكْثَرُ.
وَالرَّقِيقُ الَّذِي فِيهِ شَائِبَةٌ هُوَ الَّذِي أَعْتَقَ بَعْضُهُ فِعْلاً، كَنِصْفِهِ أَوْ رُبُعِهِ، وَبَقِيَ سَائِرُهُ رَقِيقًا، وَيُسَمَّى الْمُبَعَّضَ، أَوِ انْعَقَدَ فِيهِ سَبَبُ التَّحْرِيرِ، وَهُوَ ثَلاَثَةُ أَصْنَافٍ: الأَْوَّل: أُمُّ الْوَلَدِ، وَهِيَ الْجَارِيَةُ إِذَا وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا، فَإِنَّهَا تَكُونُ بِالْوِلاَدَةِ مُسْتَحِقَّةً لِلْحُرِّيَّةِ بِوَفَاةِ سَيِّدِهَا.
وَالثَّانِي: الْمُكَاتَبُ، وَهُوَ مَنِ اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِمَالٍ مُنَجَّمٍ، فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْحُرِّيَّةِ بِمُجَرَّدِ تَمَامِ الأَْدَاءِ.
وَالثَّالِثُ: الْمُدَبَّرُ، وَالتَّدْبِيرُ أَنْ يَجْعَل السَّيِّدُ عَبْدَهُ مُعْتَقًا عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ، أَيْ بِمُجَرَّدِ وَفَاةِ السَّيِّدِ، وَفِي مَعْنَاهُ: الْمُوصَى بِعِتْقِهِ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ أَوْ أَجَلٍ.
وَهَذِهِ الأَْنْوَاعُ الثَّلاَثَةُ الْمِلْكُ فِيهَا كَامِلٌ، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً جَازَ لِلسَّيِّدِ الْوَطْءُ.
وَلَكِنَّ الرِّقَّ فِيهَا نَاقِصٌ لاِنْعِقَادِ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ، وَلِذَا لاَ يُجْزِئُ عِتْقُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ (١) .
وَفِيمَا يَلِي أَحْكَامُ الرَّقِيقِ الْقِنِّ، ثُمَّ أَحْكَامُ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُبَعَّضِ.
أَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُكَاتَبُ، وَالْمُدَبَّرُ، فَتُنْظَرُ أَحْكَامُهُمْ فِي (اسْتِيلاَد) ، (تَدْبِير) ، (مُكَاتَبَة) . стр. 13778
النَّوْعُ الأَْوَّل
أَحْكَامُ الرَّقِيقِ الْقِنِّ الْمَمْلُوكِ لِمَالِكٍ وَاحِدٍ
حُقُوقُ السَّيِّدِ وَوَاجِبَاتُ رَقِيقِهِ تُجَاهَهُ:
لِلسَّيِّدِ رَجُلاً كَانَ أَوِ امْرَأَةً عَلَى مَمَالِيكِهِ الذُّكُورِ وَالإِْنَاثِ حُقُوقٌ يَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ مُرَاعَاتُهَا، مِنْهَا:
١٢ - أَوَّلاً: طَاعَتُهُ لِلسَّيِّدِ فِي كُل مَا يَأْمُرُهُ بِهِ أَوْ يَنْهَاهُ عَنْهُ، وَلاَ يَتَقَيَّدُ وُجُوبُ الطَّاعَةِ بِقَيْدٍ إِلاَّ مَا وَرَدَ التَّقْيِيدُ بِهِ شَرْعًا، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ:
أ - أَنْ يَأْمُرَهُ السَّيِّدُ بِأَمْرٍ فِيهِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى كَشُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ إِيذَاءٍ لأَِحَدٍ مِنَ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ طَاعَةَ لأَِحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ (١) وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) أَيْ غَفُورٌ لَهُنَّ رَحِيمٌ بِهِنَّ حَيْثُ أُكْرِهْنَ عَلَى مَا لاَ يَحِل.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا لَوْ أَجْبَرَ السَّيِّدُ رَقِيقَهُ الْمُسْلِمَ عَلَى تَرْكِ الْفَرَائِضِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ صَلاَةٍ أَوْ صَوْمٍ، هَذَا مَعَ مُرَاعَاةِ أَنَّ بَعْضَ الْفَرَائِضِ стр. 13779
اللاَّزِمَةِ لِلأَْحْرَارِ سَاقِطَةٌ شَرْعًا عَنِ الأَْرِقَّاءِ، كَالْحَجِّ، وَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ.
ب - أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فَيُجْبِرَهُ سَيِّدُهُ عَلَى الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ لأَِنَّهُ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ. وَاسْتَثْنَى الْحَلِيمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ تَكُونَ كَافِرَةً غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ وَيَرْغَبَ سَيِّدُهَا فِي الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَيُجْبِرَهَا عَلَى الإِْسْلاَمِ لِتَحِل لَهُ، فَرَأَى الْحَلِيمِيُّ جَوَازَ ذَلِكَ لإِِزَالَةِ الْمَانِعِ مِنَ الْوَطْءِ، قَاسَهُ عَلَى جَوَازِ إِجْبَارِهَا عَلَى إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَغُسْل الْحَيْضِ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خِلاَفُ ذَلِكَ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ السَّيِّدَ إِنْ حَمَل رَقِيقَهُ عَلَى الْفَسَادِ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ (١) .
لأَِنَّ الرِّقَّ أَفَادَهَا الأَْمَانُ مِنَ الْقَتْل فَلاَ تُجْبَرُ كَالْمُسْتَأْمَنَةِ، قَالُوا: وَلَيْسَ كَالْغُسْل فَإِنَّهُ لاَ يَعْظُمُ الأَْمْرُ فِيهِ (٢) .
ج - لَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدَهُ الذَّكَرَ الْبَالِغَ امْرَأَةً لاَ يَرْضَاهَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ صَغِيرًا جَازَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبِرَ عَبْدَهُ عَلَى النِّكَاحِ.
وَلاَ يَلْزَمُ الْعَبْدَ طَاعَةُ سَيِّدِهِ لَوْ كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنَ الرَّقِيقِ فَسْخُ زَوَاجِهِ الصَّحِيحِ، سَوَاءٌ تَمَّ بِإِذْنِهِ стр. 13780
أَوْ إِذْنِ مَالِكٍ سَابِقٍ، فَلَوْ كَانَتِ الأَْمَةُ مُزَوَّجَةً، فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى طَلَبِ الطَّلاَقِ، وَكَذَا لَيْسَ لَهُ الْحَقُّ فِي مَنْعِهَا مِنَ الْكَوْنِ مَعَ زَوْجِهَا لَيْلاً.
وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي مُرَاعَاةِ الْحَقَّيْنِ، حَقِّ الزَّوْجِ وَحَقِّ السَّيِّدِ، يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (١) .
د - إِنْ كَانَ الْعَبْدُ ذِمِّيًّا فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لاَ يُمْنَعُ مِنْ إِتْيَانِ الْكَنِيسَةِ، أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ أَكْل لَحْمِ الْخِنْزِيرِ لأَِنَّ ذَلِكَ دِينُهُ، نَقَلَهُ الْبُنَانِيِّ عَنْ قَوْل مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ (٢)
١٣ - ثَانِيًا: لِلسَّيِّدِ حَقُّ الاِسْتِخْدَامِ فِي الْمَنْزِل وَخَارِجَهُ فِيمَا شَاءَ مِنْ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ فِي زِرَاعَةٍ أَوْ خِدْمَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَيَتَقَيَّدُ هَذَا بِأَنْ يَكُونَ الْعَمَل مِمَّا يُطِيقُهُ الرَّقِيقُ، فَيَحْرُمُ تَكْلِيفُهُ بِمَا لاَ يُطِيقُهُ أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً كَبِيرَةً، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُل، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ (٣) أَيْ لِيُعِنْهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّ стр. 13781
ذَلِكَ يَضُرُّ بِهِ وَيُؤْذِيهِ، وَالسَّيِّدُ مَمْنُوعٌ مِنَ الإِْضْرَارِ بِرَقِيقِهِ (١) .
وَقَال مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى الْعَوَالِي كُل سَبْتٍ فَإِذَا وَجَدَ عَبْدًا فِي عَمَلٍ لاَ يُطِيقُهُ وَضَعَ عَنْهُ مِنْهُ.
قَال مَالِكٌ: وَكَانَ عُمَرُ يَزِيدُ فِي رِزْقِ مَنْ قَل رِزْقُهُ، قَال: وَأَكْرَهُ مَا أَحْدَثُوا مِنْ إِجْهَادِ الْعَبِيدِ (٢) .
وَإِذَا اسْتَعْمَل الْعَبْدَ نَهَارًا أَرَاحَهُ لَيْلاً، وَكَذَا بِالْعَكْسِ، وَيُرِيحُهُ بِالصَّيْفِ فِي وَقْتِ الْقَيْلُولَةِ، وَالنَّوْمِ، وَالصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَيَسْتَعْمِلُهُ فِي الشِّتَاءِ النَّهَارَ مَعَ طَرَفَيِ اللَّيْل، وَيَتَّبِعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْعَادَةَ الْغَالِبَةَ (٣) .
وَإِذَا سَافَرَ بِهِمْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُرْكِبَهُمْ وَلَوْ عُقْبَةً عِنْدَ الْحَاجَةِ (٤) .
١٤ - ثَالِثًا: لِلسَّيِّدِ حَقُّ انْتِزَاعِ الْمَال الْمُتَحَصِّل لِلرَّقِيقِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، كَمَا لَوْ كَانَ أَجْرَ عَمَلِهِ أَوْ مَهْرَ الأَْمَةِ، أَوْ أَرْشَ جِنَايَةٍ عَلَى الرَّقِيقِ، أَوْ بَدَل خُلْعِ الْعَبْدِ امْرَأَتَهُ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ وُهِبَ стр. 13782
لِلرَّقِيقِ مَالٌ، أَوِ اكْتَسَبَ مِنَ الْمُبَاحِ (١) .
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ أَوْ لاَ يَمْلِكُ كَمَا سَيَأْتِي، لَكِنْ عِنْدَ مَنْ قَال إِنَّهُ يَمْلِكُ فَلِسَيِّدِهِ انْتِزَاعُ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَال مَتَى شَاءَ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ (٢) .
١٥ - رَابِعًا: لِلسَّيِّدِ حَقُّ اسْتِغْلاَل مَمَالِيكِهِ، أَيْ أَنْ يَسْتَعْمِل السَّيِّدُ رَقِيقَهُ فِيمَا يُدِرُّ عَلَى السَّيِّدِ مَالاً، وَذَلِكَ بِأَنْ يُؤَجِّرَهُ فِيمَا شَاءَ مِنْ عَمَلٍ وَيَأْخُذَ السَّيِّدُ أَجْرَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ إِنْ كَانَ ذَا صَنْعَةٍ كَحِدَادَةٍ أَوْ خِيَاطَةٍ فِي أَنْ يَعْمَل بِأَجْرٍ، وَكَذَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي تِجَارَةٍ أَوْ زِرَاعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَمِنْ غَلَّةِ الأَْمَةِ وَلَدُهَا إِنْ زُوِّجَتْ، وَوُلِدَ عَلَى الرِّقِّ.
وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْمُرَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ بِالْكَسْبِ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يَتَكَسَّبَ بِمَا شَاءَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ بِالْكَسْبِ أَمَةً لاَ صَنْعَةَ لَهَا، قَال عُثْمَانُ ﵁ فِي بَعْضِ خُطَبِهِ: لاَ تُكَلِّفُوا الأَْمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الْكَسْبَ، فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا ذَلِكَ كَسَبْتِ بِفَرْجِهَا، وَلاَ تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ (٣) . قَال الْبَاجِيُّ: أَيْ إِنَّهَا إِذَا أُلْزِمَتْ خَرَاجًا وَهِيَ لَيْسَتْ ذَاتَ صَنْعَةٍ تَصْنَعُهَا بِخَرَاجٍ، اضْطَرَّهَا ذَلِكَ لِلْكَسْبِ مِنْ أَيِّ стр. 13783
وَجْهٍ أَمْكَنَهَا، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا إِلَى أَنْ تَكْسِبَ بِفَرْجِهَا، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ إِذَا كُلِّفَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْخَرَاجِ وَهُوَ لاَ يُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا اضْطَرَّهُ إِلَى أَنْ يَتَخَلَّصَ مِمَّا لَزِمَهُ مِنَ الْخَرَاجِ بِأَنْ يَسْرِقَ.
وَمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : نَهَى عَنْ كَسْبِ الأَْمَةِ (١) فَلَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مَرْفُوعًا: نَهَى عَنْ كَسْبِ الأَْمَةِ حَتَّى يُعْلَمَ مِنْ أَيْنَ هُوَ (٢) . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ نَهَى عَنْ كَسْبِ الأَْمَةِ إِلاَّ مَا عَمِلَتْ بِيَدِهَا (٣) . وَقَال هَكَذَا بِيَدِهِ، نَحْوُ الْغَزْل وَالنَّفْشِ (٤) .
الْمُخَارَجَةُ:
١٦ - الْمُخَارَجَةُ أَنْ يَضْرِبَ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ أَوْ стр. 13784
أَمَتِهِ خَرَاجًا مَعْلُومًا يُؤَدِّيهِ كَكُل يَوْمٍ أَوْ أُسْبُوعٍ مِمَّا يَكْتَسِبُهُ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَجْبُرَ الْعَبْدَ عَلَيْهَا وَلاَ لِلْعَبْدِ إِجْبَارُ السَّيِّدِ، بَل هُوَ عَقْدٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّرَاضِي مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَفِي قَوْلٍ: لِلسَّيِّدِ إِجْبَارُهُ. قَال النَّوَوِيُّ: وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْل بِشَيْءٍ.
وَإِذَا تَرَاضَيَا عَلَى خَرَاجٍ فَلْيَكُنْ لَهُ كَسْبٌ دَائِمٌ يَفِي بِذَلِكَ الْخَرَاجِ فَاضِلاً عَنْ نَفَقَتِهِ وَكُسْوَتِهِ إِنْ جَعَلَهَا فِي كَسْبِهِ. فَإِنْ وَضَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ كَسْبِهِ بَعْدَ نَفَقَتِهِ لَمْ يَجُزْ. وَكَذَا إِنْ كَلَّفَ مِنْ لاَ كَسْبَ لَهُ الْمُخَارَجَةَ، وَإِذَا وَفَّى مَا عَلَيْهِ وَزَادَ كَسْبُهُ عَلَى الْمَضْرُوبِ عَلَيْهِ فَالزِّيَادَةُ لَهُ. وَهِيَ بِرٌّ وَرِفْقٌ مِنَ السَّيِّدِ بِعَبْدِهِ، وَتَوْسِيعٌ لِلنَّفَقَةِ عَلَيْهِ.
وَيَجْبُرُ النَّقْصَ فِي بَعْضِ الأَْيَّامِ بِالزِّيَادَةِ فِي بَعْضِهَا، وَإِذَا أَدَّى مَا عَلَيْهِ فَلَهُ تَرْكُ الْعَمَل.
وَالْمُخَارَجَةُ جَائِزَةٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَيْ غَيْرُ لاَزِمَةٍ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهَا (١) .
١٧ - خَامِسًا: يَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ أَيْضًا الْحِفْظُ وَالصِّيَانَةُ لِمَا بِيَدِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ نَفْسِهِ. وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِْمَامُ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُل فِي أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ، وَهِيَ стр. 13785
مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَال سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ (١) .
قَال ابْنُ حَجَرٍ: رِعَايَتُهُ حِفْظُ مَا تَحْتَ يَدِهِ وَالْقِيَامُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ خِدْمَتِهِ (٢) .
وَعَلَى الرَّقِيقِ أَيْضًا النُّصْحُ لِسَيِّدِهِ، وَبَذْل جَهْدِهِ فِي خِدْمَتِهِ، وَتَنْفِيذُ أَوَامِرِهِ وَتَرْكُ الْكَسَل فِيهَا، لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا أَيُّمَا عَبْدٍ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ فَلَهُ أَجْرَانِ (٣) .
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْمَمْلُوكِ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَالنَّصِيحَةِ وَالطَّاعَةِ أَجْرَانِ (٤) .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: إِذَا نَصَحَ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ (٥) قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِي أَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ وَاجِبَانِ стр. 13786
طَاعَةُ رَبِّهِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَطَاعَةُ سَيِّدِهِ فِي الْمَعْرُوفِ، فَقَامَ بِهِمَا جَمِيعًا، كَانَ لَهُ ضِعْفُ أَجْرِ الْحُرِّ الْمُطِيعِ لِطَاعَتِهِ (١) .
١٨ - سَادِسًا: لِلسَّيِّدِ حَقُّ تَأْدِيبِ عَبْدِهِ وَمُعَاقَبَتِهِ عَلَى تَرْكِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، أَوْ فِعْل مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ مُخَالَفَةِ السَّيِّدِ، أَوْ إِسَاءَةِ الأَْدَبِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بِاللَّوْمِ أَوِ الضَّرْبِ، كَمَا يُؤَدِّبُ وَلَدَهُ وَزَوْجَتَهُ النَّاشِزَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِقَامَةِ السَّيِّدِ الْحَدَّ وَالْقِصَاصَ عَلَى عَبْدِهِ (٢) . وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَمِنْ جُمْلَةِ الْعُقُوبَةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا السَّيِّدُ أَنْ يَضْرِبَهُ عَلَى تَرْكِ الصَّلاَةِ إِذَا كَانَ مُمَيِّزًا وَبَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ، وَذَلِكَ لِتَمْرِينِهِ عَلَيْهَا حَتَّى يَأْلَفَهَا وَيَعْتَادَهَا (٣) لِحَدِيثِ: وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ (٤) . قَال الْحَجَّاوِيُّ وَالْبُهُوتِيُّ: وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَزِيدَ فِي ضَرْبِ الرَّقِيقِ، تَأْدِيبًا عَلَى ضَرْبِ الْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ стр. 13787
كَضَرْبِ أُمَيَّتِكَ (١) وَقَوْلِهِ: لاَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ (٢) . وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُقَيِّدَ عَبْدَهُ إِذَا خَافَ عَلَيْهِ الإِْبَاقَ (٣) .
١٩ - سَابِعًا: لِلسَّيِّدِ حَقُّ وَطْءِ مَمْلُوكَتِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ، كَأَنْ تَكُونَ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ مُزَوَّجَةً، أَوْ كَافِرَةً غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ، أَوْ تَكُونَ مُرْتَدَّةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، أَوْ فِيهَا شِرْكٌ لِغَيْرِهِ، فَإِذَا وُطِئَتْ تَكُونُ سَرِيَّةً، إِلاَّ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً ثُمَّ مُلِكَتْ بِالسَّبْيِ جَازَ لِمَالِكِهَا فَسْخُ نِكَاحِهَا ثُمَّ وَطْؤُهَا بَعْدَ الاِسْتِبْرَاءِ.
وَلِلاِسْتِمْتَاعِ بِالإِْمَاءِ أَحْكَامٌ وَضَوَابِطُ شَرْعِيَّةٌ تُنْظَرُ فِي مَوْضِعِهَا مِمَّا يَلِي. وَفِي مُصْطَلَحِ: (تَسَرِّي) .
وَيَجِبُ عَلَى الْمَمْلُوكَةِ أَنْ تُمَكِّنَ سَيِّدَهَا مِنْ نَفْسِهَا لِلاِسْتِمْتَاعِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الاِمْتِنَاعُ مِنْ ذَلِكَ لأَِنَّهُ مَنْعُ حَقٍّ، مَا لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، أَوْ стр. 13788
يَكُونَ لَهَا عُذْرٌ صَحِيحٌ (١) .
٢٠ - ثَامِنًا: لِلسَّيِّدِ التَّصَرُّفُ فِي رَقِيقِهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُقُودِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا.
٢١ - تَاسِعًا: لِلسَّيِّدِ أَنْ يَمْنَعَ عَبْدَهُ مِنَ التَّزَوُّجِ، أَوِ التَّعَاقُدِ، أَوِ التَّصَرُّفِ بِالْوَجْهِ الَّذِي يُرِيدُ.
فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ تَعَاقُدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ السَّيِّدِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي لِلسَّيِّدِ عَلَى رَقِيقِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ بَاقِي هَذَا الْبَحْثِ.
إِبَاقُ الرَّقِيقِ وَهَرَبُهُ:
٢٢ - الإِْبَاقُ: انْطِلاَقُ الْعَبْدِ تَمَرُّدًا عَلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ كَدِّ عَمَلٍ، فَإِنْ كَانَ تَمَرُّدُهُ لِذَلِكَ لاَ يُسَمَّى آبِقًا، بَل هُوَ هَارِبٌ أَوْ ضَالٌّ أَوْ فَارٌّ. وَالإِْبَاقُ مُحَرَّمٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَال حَقِّ السَّيِّدِ، وَهُوَ مِنْ عُيُوبِ الرَّقِيقِ (٢) . وَلِلإِْبَاقِ أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ تُنْظَرُ فِي (إِبَاق) .
مَا لاَ يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ مِنْ رَقِيقِهِ:
٢٣ - لَيْسَ لِلسَّيِّدِ قَتْل عَبْدِهِ، وَلاَ جَرْحُهُ، وَلاَ التَّمْثِيل بِهِ بِقَطْعِ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، كَجَدْعِ стр. 13789
أَنْفِهِ أَوْ قَطْعِ أُذُنِهِ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْمُثْلَةِ (١) .
وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ خِصَاءُ عَبْدِهِ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ ضَرْبًا شَدِيدًا إِلاَّ لِذَنْبٍ عَظِيمٍ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَلْطِمَهُ فِي وَجْهِهِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ (٢) . وَلِحَدِيثِ: مَنْ لَطَمَ غُلاَمَهُ فَكَفَّارَتُهُ عِتْقُهُ (٣) . وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ جَنَاهُ. وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَشْتُمَ أَبَوَيْ رَقِيقِهِ وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ (٤) .
وَإِنْ مَثَّل السَّيِّدُ بِرَقِيقِهِ، فَقَطَعَ أُذُنَهُ أَوْ أَنْفَهُ أَوْ عُضْوًا مِنْهُ، أَوْ جَبَّهُ أَوْ خَصَاهُ أَوْ خَرَقَ أَوْ حَرَقَ عُضْوًا مِنْهُ، عَتَقَ عَلَيْهِ بِلاَ حُكْمِ حَاكِمٍ بَل بِمُجَرَّدِ التَّمْثِيل بِهِ. عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَفِي قَوْلٍ: بَل بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ زِنْبَاعًا وَجَدَ غُلاَمًا لَهُ مَعَ جَارِيَةٍ فَجَدَعَ أَنْفَهُ وَجَبَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال مَنْ فَعَل هَذَا بِكَ؟ стр. 13790
فَقَال: زِنْبَاعٌ: فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَال: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقَال كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا وَكَذَا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ لِلْعَبْدِ: اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ (١) . وَلَوِ اسْتَكْرَهَ عَبْدَهُ عَلَى الْفَاحِشَةِ بِلِوَاطٍ عَتَقَ أَيْضًا، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَتَهُ الَّتِي لاَ تُطِيقُ الْوَطْءَ فَأَفْضَاهَا؛ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى التَّمْثِيل.
وَلاَ يَعْتِقُ بِخَدْشِهِ أَوْ ضَرْبِهِ أَوْ لَعْنِهِ (٢) ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ (عِتْق) ، وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ بِالتَّمْثِيل بِهِ تَعَمُّدَ الشَّيْنِ الْمَعْنَوِيِّ كَحَلْقِ لِحْيَةِ عَبْدٍ تَاجِرٍ، أَوْ حَلْقِ شَعْرِ أَمَةٍ رَفِيعَةٍ. وَأَلْحَقُوا بِهِ أَيْضًا تَمْثِيل الرَّجُل بِعَبْدِ غَيْرِهِ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِصَاحِبِهِ، لَكِنْ لاَ يَسْتَحِقُّ الْعِتْقَ بِذَلِكَ إِلاَّ إِنْ كَانَتْ مَفْسَدَةً لِمَنَافِعِ الرَّقِيقِ كُلِّهَا أَوْ جُلِّهَا (٣)
.
حُقُوقُ الرَّقِيقِ عَلَى سَيِّدِهِ:
٢٤ - أَوَّلاً: نَفَقَةُ الْمَمْلُوكِينَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَالِكِيهِمْ إِجْمَاعًا، لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الأَْحَادِيثِ مِنْهَا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ لاَ يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَل إِلاَّ مَا يُطِيقُ (٤) وَلِقَوْلِهِ ﷺ : كَفَى стр. 13791
بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ (١) . وَلأَِنَّهُ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ نَفَقَةٍ، وَمَنَافِعُهُ لِسَيِّدِهِ، وَهُوَ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ.
وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرُ كِفَايَتِهِ.
وَسَوَاءٌ أَكَانَ الرَّقِيقُ مُوَافِقًا فِي الدِّينِ لِمَالِكِهِ أَوْ مُخَالِفًا لَهُ.
وَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَجْعَل نَفَقَتَهُ مِنْ كَسْبِهِ إِنْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ كَسْبَهُ أَوْ يَجْعَلَهُ بِرَسْمِ خِدْمَتِهِ وَيُنْفِقَ السَّيِّدُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؛ لأَِنَّ الْكُل مَالُهُ.
وَإِنْ كَانَ لِلْمَمْلُوكِ كَسْبٌ أَكْثَرُ مِنْ نَفَقَتِهِ وَجَعَل السَّيِّدُ نَفَقَتَهُ فِي كَسْبِهِ، فَلِلسَّيِّدِ أَخْذُ الزَّائِدِ عَنْ نَفَقَتِهِ، وَإِنْ كَانَ كَسْبُهُ لاَ يَكْفِي لِنَفَقَتِهِ فَعَلَى سَيِّدِهِ إِتْمَامُهَا. وَتَسْقُطُ النَّفَقَةُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ.
وَالْوَاجِبُ مِنَ الإِْطْعَامِ كِفَايَتُهُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَأُدْمِ مِثْلِهِ بِالْمَعْرُوفِ.
وَالْوَاجِبُ مِنَ الْكِسْوَةِ الْمَعْرُوفُ مِنْ غَالِبِ الْكِسْوَةِ لأَِمْثَال الْمَمْلُوكِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ. وَيَجِبُ لَهُ الْغِطَاءُ وَالْوِطَاءُ وَالْمَسْكَنُ وَالْمَاعُونُ. وَلاَ يَجُوزُ الاِقْتِصَارُ فِي الْكِسْوَةِ عَلَى مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَإِنْ كَانَ لاَ يَتَأَذَّى بِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ.
فَإِنِ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنَ الإِْنْفَاقِ الْوَاجِبِ لِعُسْرِهِ стр. 13792
أَوْ إِبَائِهِ فَطَلَبَ الْمَمْلُوكُ بَيْعَهُ أُجْبِرَ السَّيِّدُ عَلَى ذَلِكَ، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْقَاضِيَ يَبِيعُ مَال السَّيِّدِ فِي نَفَقَةِ رَقِيقِهِ. وَلاَ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ عَبِيدِهِ فِي النَّفَقَةِ، وَلاَ بَيْنَ الْجَوَارِي، بَل يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُنَّ لِلاِسْتِمْتَاعِ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَزِيدَهَا فِي النَّفَقَةِ (١) . وَهَذَا كُلُّهُ تَفْصِيل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِذَا مَرِضَ الْمَمْلُوكُ أَوْ زَمِنَ أَوْ عَمِيَ، وَانْقَطَعَ كَسْبُهُ، فَعَلَى سَيِّدِهِ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَالْقِيَامُ بِهِ؛ لأَِنَّ نَفَقَتَهُ تَجِبُ بِالْمِلْكِ لاَ بِالْعَمَل، وَلِذَا تَجِبُ مَعَ الصِّغَرِ (٢) .
وَلاَ تَسْقُطُ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ بِإِبَاقِهِ أَوْ عِصْيَانِهِ أَوْ حَبْسِهِ أَوْ نُشُوزِ الأَْمَةِ (٣) .
وَلَوِ امْتَنَعَ السَّيِّدُ عَنِ الإِْنْفَاقِ فَقَدَرَ الْعَبْدُ عَلَى أَخْذِ قَدْرِ كِفَايَتِهِ مِنْ مَال سَيِّدِهِ فَلَهُ ذَلِكَ (٤) .
وَيَلْزَمُ السَّيِّدَ نَفَقَةُ تَجْهِيزِ رَقِيقِهِ إِذَا مَاتَ وَدَفْنُهُ (٥) .
وَتُسْتَحَبُّ مُدَاوَاهُ الرَّقِيقِ إِذَا مَرِضَ وَمَا لَزِمَ مِنْ أُجْرَةِ الطَّبِيبِ وَثَمَنِ الدَّوَاءِ فَهُوَ عَلَى السَّيِّدِ، وَيَجِبُ خِتَانُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا مِنْهُمْ، وَهَذَا عِنْدَ стр. 13793
مَنْ قَال بِوُجُوبِ الْخِتَانِ (١) . (ر: خِتَان)
٢٥ - ثَانِيًا: ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ إِعْفَافُ مَمَالِيكِهِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا إِذَا طَلَبُوا ذَلِكَ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَْيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٢) وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ. " مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَلَمْ يُزَوِّجْهَا وَلَمْ يُصِبْهَا، أَوْ عَبْدٌ فَلَمْ يُزَوِّجْهُ فَمَا صَنَعَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ فَلَوْلاَ وُجُوبُ إِعْفَافِهِمَا لَمَا لَحِقَ السَّيِّدَ إِثْمٌ بِفِعْلِهِمَا، وَلأَِنَّ النِّكَاحَ تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ غَالِبًا وَيَتَضَرَّرُ بِفَوَاتِهِ وَيَتَعَرَّضُ بِمَنْعِهِ مِنْهُ لِلْفِتْنَةِ، فَأُجْبِرَ السَّيِّدُ عَلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ، وَيَكُونُ الإِْعْفَافُ لِلذَّكَرِ بِتَزْوِيجِهِ أَوْ بِتَمْلِيكِهِ أَمَةً يَتَسَرَّاهَا عَلَى خِلاَفٍ فِي جَوَازِ تَسَرِّيهِ، يَأْتِي بَيَانُهُ، وَلِلأُْنْثَى بِتَزْوِيجِهَا أَوْ بِوَطْءِ سَيِّدِهَا لَهَا بِمَا يُغْنِيهَا عَنِ التَّزْوِيجِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ قَضَاءُ حَاجَتِهَا وَدَفْعُ شَهْوَتِهَا، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ تَزْوِيجُهَا.
وَإِذَا كَانَ لِلْعَبْدِ زَوْجَةٌ فَعَلَى سَيِّدِهِ تَمْكِينُهُ مِنْ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا لَيْلاً؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الإِْعْفَافِ يَقْتَضِي الإِْذْنَ فِي الاِسْتِمْتَاعِ الْمُعْتَادِ.
فَإِنِ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنَ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الإِْعْفَافِ الْوَاجِبِ بِمَا تَقَدَّمَ، سَوَاءٌ لِعَجْزِهِ أَوْ إِبَائِهِ فَطَلَبَ الْعَبْدُ أَوِ الْجَارِيَةُ أَنْ يُبَاعَ، وَجَبَ عَلَى السَّيِّدِ إِجَابَتُهُ إِلَى ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِحَدِيثِ: تَقُول الْمَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي أَوْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُول стр. 13794
الْعَبْدُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي، وَيَقُول الاِبْنُ: أَطْعِمْنِي إِلَى مَنْ تَدَعُنِي وَفِي رِوَايَةٍ: وَيَقُول خَادِمُكَ أَطْعِمْنِي وَإِلاَّ فَبِعْنِي (١) . فَإِنْ لَمْ يَفْعَل بَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ فِي نَفَقَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالاً أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ، أَوْ يُؤَجِّرُهُ أَوْ يَعْتِقُهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل بَاعَهُ الْحَاكِمُ.
وَإِذَا كَانَ السَّيِّدُ يَطَأُ جَارِيَتَهُ فَغَابَ غَيْبَةً لاَ تُقْطَعُ إِلاَّ بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ فَطَلَبَتِ التَّزْوِيجَ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ (٢) .
وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَقَارِبِ الرَّقِيقِ إِعْفَافُهُ، بَل الْحَقُّ عَلَى السَّيِّدِ، وَالأَْصَحُّ لِلشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ وُجُوبِ إِعْفَافِ السَّيِّدِ رَقِيقَهُ.
وَلَمْ نَجِدْ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ كَلاَمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَنَسَبَ صَاحِبُ الْمُغْنِي إِلَيْهِمَا عَدَمَ الْوُجُوبِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْضْرَارِ الْمَالِيِّ بِالسَّيِّدِ؛ وَلأَِنَّ التَّزْوِيجَ لَيْسَ مِمَّا تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ (٣) .
٢٦ - ثَالِثًا: إِذَا طَلَبَ الرَّقِيقُ الْعِتْقَ لَمْ يَلْزَمْ سَيِّدَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ، لَكِنْ إِنْ طَلَبَ الْكِتَابَةَ، وَهِيَ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ يُؤَدِّيهِ لِسَيِّدِهِ، وَجَبَ عَلَى سَيِّدِهِ أَنْ يُعَاقِدَهُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ стр. 13795
عِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ وَمَسْرُوقٌ وَعُمَرُ وَابْنُ دِينَارٍ وَالضَّحَّاكُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَال اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (١) وَرُوِيَ أَنَّ سِيرِينَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ سِيرِينَ سَأَل أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مَوْلاَهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ، فَأَبَى أَنَسٌ، فَرَفَعَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الدُّرَّةَ وَتَلاَ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فَكَاتَبَهُ أَنَسٌ.
وَذَهَبَ أَئِمَّةُ الأَْمْصَارِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ غَيْرُ وَاجِبٍ، قَالُوا: لأَِنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَلاَ تَصِحُّ إِلاَّ عَنْ تَرَاضٍ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ يَحِل لاِمْرِئٍ مِنْ مَال أَخِيهِ إِلاَّ مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ (٢) . وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرِ فِي الآْيَةِ الْقُوَّةُ عَلَى الْكَسْبِ وَالأَْدَاءِ، وَقِيل: الْمُرَادُ الصَّلاَحُ وَالأَْمَانَةُ وَالدِّينُ (٣) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي الْكِتَابَةِ وَأَحْكَامِ الْمُكَاتَبِ تَحْتَ عُنْوَانِ: (مُكَاتَبَة) следующие страницы →