← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 13931–13970 · переход к 13936.

стр. 13931

ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَدْخُل عَلَيْهَا، وَجَاءَ عَلِيٌّ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَال: إِنِّي رَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مَوْشِيًّا، فَقَال: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، فَأَتَاهَا عَلِيٌّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَتْ: لِيَأْمُرْنِي فِيهِ بِمَا شَاءَ، قَال: تُرْسِلِي بِهِ إِلَى فُلاَنٍ، أَهْل بَيْتٍ فِيهِمْ حَاجَةٌ (١) . قَال ابْنُ حَجَرٍ: قَوْلُهُ ﷺ : مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ: مَا لِي وَلِلرَّقْمِ (٢) . وَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ صَاحِبِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُل بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ قَال بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ بَعْدُ فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ، قَال: فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلاَنِيِّ رَبِيبِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنِ الصُّوَرِ يَوْمَ الأَْوَّل؟ فَقَال عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَال: إِلاَّ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ (٣) .

стр. 13932

أَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّصْوِيرُ وَالاِسْتِعْمَال فَيُنْظَرُ فِي بَحْثِ تَصْوِير (١٢ / ٩٢) وَمُصْطَلَحِ (نَقْش) . رَقِيب انْظُرْ: حِرَاسَة، رَبِيئَة

стр. 13933

رُقْيَة التَّعْرِيفُ: ١ - الرُّقْيَةُ لُغَةً: اسْمٌ مِنَ الرَّقْيِ يُقَال رَقَى الرَّاقِي الْمَرِيضَ يَرْقِيهِ. قَال ابْنُ الأَْثِيرِ: الرُّقْيَةُ الْعَوْذَةُ الَّتِي يُرْقَى بِهَا صَاحِبُ الآْفَةِ كَالْحُمَّى وَالصَّرْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْفَاتِ لأَِنَّهُ يُعَاذُ بِهَا، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقِيل مَنْ رَاقٍ (١) ﴾ أَيْ مَنْ يَرْقِيهِ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لاَ رَاقِيَ يَرْقِيهِ فَيَحْمِيهِ، وَرَقَيْتُهُ رُقْيَةً أَيْ عَوَّذْتُهُ بِاَللَّهِ، وَالاِسْمُ الرُّقْيَا، وَالْمَرَّةُ رُقْيَةٌ، وَالْجَمْعُ: رُقًى (٢) . وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ لِلرُّقْيَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَالرُّقْيَةُ قَدْ تَكُونُ بِكِتَابَةِ شَيْءٍ وَتَعْلِيقِهِ، وَقَدْ تَكُونُ بِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُعَوِّذَاتِ وَالأَْدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ (٣) .

стр. 13934

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ ٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الرُّقَى. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ الرَّقْيِ مِنْ كُل دَاءٍ يُصِيبُ الإِْنْسَانَ بِشُرُوطٍ ثَلاَثَةٍ: أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ بِكَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَوْ بِمَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِهِ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الرُّقْيَةَ لاَ تُؤَثِّرُ بِذَاتِهَا بَل بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ لِمَا رَوَى عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَال: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا: يَا رَسُول اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَال ﷺ : اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لاَ بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ (١) . وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الرُّقَى فَجَاءَ آل عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، قَال: فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ. فَقَال: مَا أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ (٢) . وَقَال الرَّبِيعُ: سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ عَنِ الرُّقَى

стр. 13935

فَقَال: لاَ بَأْسَ إِنْ رُقِيَ بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ بِمَا يُعْرَفُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ. وَسُئِل مَالِكٌ عَنِ الرُّقَى بِالأَْسْمَاءِ الْعَجَمِيَّةِ فَقَال: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا كُفْرٌ؟ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَا جُهِل مَعْنَاهُ لاَ يَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كُفْرٌ أَوْ سِحْرٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقَال قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: لاَ تَجُوزُ الرُّقْيَةُ إِلاَّ مِنَ الْعَيْنِ وَاللَّدْغَةِ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄: لاَ رُقْيَةَ إِلاَّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ (١) . وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ الرُّقَى حَتَّى وَإِنْ كَانَتْ بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ لأَِنَّهَا قَادِحَةٌ فِي التَّوَكُّل عَلَى اللَّهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَمَا ذَكَرَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ: هُمُ الَّذِينَ لاَ يَتَطَيَّرُونَ وَلاَ يَكْتَوُونَ وَلاَ يَسْتَرْقُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) . وَمِنْ هَؤُلاَءِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى كَرَاهَةِ الرَّقْيِ إِلاَّ بِالْمُعَوِّذَاتِ. وَفَرَّقَ قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ الرَّقْيِ قَبْل وُقُوعِ الْبَلاَءِ وَبَعْدَ وُقُوعِهِ، فَقَالُوا: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مِنَ الرَّقْيِ

стр. 13936

هُوَ مَا يَكُونُ قَبْل وُقُوعِ الْبَلاَءِ، وَالْمَأْذُونُ فِيهِ مَا كَانَ بَعْدَ وُقُوعِهِ (١) . أَخْذُ الْجُعْل عَلَى الرَّقْيِ: ٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ الْجُعْل عَلَى الرَّقْيِ عَلَى تَفْصِيلٍ (سَبَقَ فِي بَحْثِ تَعْوِيذ مِنَ الْمَوْسُوعَةِ ١٣ / ٣٤) .

стр. 13937

رِكَاز التَّعْرِيفُ: ١ - الرِّكَازُ لُغَةً بِمَعْنَى الْمَرْكُوزِ وَهُوَ مِنَ الرَّكْزِ أَيِ: الإِْثْبَاتِ، وَهُوَ الْمَدْفُونُ فِي الأَْرْضِ إِذَا خَفِيَ. يُقَال: رَكَزَ الرُّمْحَ إِذَا غَرَزَ أَسْفَلَهُ فِي الأَْرْضِ، وَشَيْءٌ رَاكِزٌ أَيْ: ثَابِتٌ. وَالرِّكْزُ هُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ (١) . قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٢) ﴾ . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الرِّكَازَ هُوَ مَا دَفَنَهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ. وَيُطْلَقُ عَلَى كُل مَا كَانَ مَالاً عَلَى اخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهِ. إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ خَصُّوا إِطْلاَقَهُ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنَ الأَْمْوَال. وَأَمَّا الرِّكَازُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَيُطْلَقُ عَلَى أَعَمَّ مِنْ كَوْنِ رَاكِزِهِ الْخَالِقَ أَوِ الْمَخْلُوقَ فَيَشْمَل عَلَى هَذَا الْمَعَادِنَ وَالْكُنُوزَ (٣) . عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَأْتِي.

стр. 13938

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْمَعْدِنُ: ٢ - الْمَعْدِنُ لُغَةً: هُوَ بِفَتْحِ الدَّال وَكَسْرِهَا اسْمٌ لِلْمَحَل وَلِمَا يَخْرُجُ، مُشْتَقٌّ مِنْ عَدَنَ بِالْمَكَانِ يَعْدِنُ إِذَا أَقَامَ بِهِ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ جَنَّةُ عَدْنٍ لأَِنَّهَا دَارُ إِقَامَةٍ وَخُلُودٍ. وَمِنْهُ الْمَعْدِنُ لِمُسْتَقَرِّ الْجَوَاهِرِ (١) . وَأَصْل الْمَعْدِنِ الْمَكَانُ بِقَيْدِ الاِسْتِقْرَارِ فِيهِ، ثُمَّ اشْتُهِرَ فِي نَفْسِ الأَْجْزَاءِ الْمُسْتَقِرَّةِ الَّتِي رَكَّبَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الأَْرْضِ يَوْمَ خَلَقَ الأَْرْضَ، حَتَّى صَارَ الاِنْتِقَال مِنَ اللَّفْظِ إِلَيْهِ ابْتِدَاءً بِلاَ قَرِينَةٍ (٢) . وَاصْطِلاَحًا: هُوَ كُل مَا خَرَجَ مِنَ الأَْرْضِ مِمَّا يُخْلَقُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ وَيُحْتَاجُ فِي إِخْرَاجِهِ إِلَى اسْتِنْبَاطٍ. قَال أَحْمَدُ: الْمَعَادِنُ هِيَ الَّتِي تُسْتَنْبَطُ، لَيْسَ هُوَ شَيْءٌ دُفِنَ. وَالْمَعَادِنُ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: ١ - جَامِدٌ يَذُوبُ وَيَنْطَبِعُ بِالنَّارِ كَالنَّقْدَيْنِ (الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) ، وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالصُّفْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. ٢ - جَامِدٌ لاَ يَنْطَبِعُ بِالنَّارِ كَالْجِصِّ وَالنُّورَةِ وَالزِّرْنِيخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. ٣ - مَا لَيْسَ بِجَامِدٍ كَالْمَاءِ وَالْقِيرِ وَالنَّفْطِ وَالزِّئْبَقِ. وَقَدْ تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الرِّكَازَ مُبَايِنٌ لِلْمَعْدِنِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

стр. 13939

وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّ الرِّكَازَ أَعَمُّ مِنَ الْمَعْدِنِ، حَيْثُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْكَنْزِ . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (مَعْدِن) ب - الْكَنْزُ: ٣ - الْكَنْزُ لُغَةً: الْمَال الْمَجْمُوعُ الْمُدَّخَرُ، يُقَال: كَنَزْتُ الْمَال كَنْزًا إِذَا جَمَعْتَهُ وَادَّخَرْتَهُ، وَالْكَنْزُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ: الْمَال الْمَدْفُونُ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ، وَالْجَمْعُ كُنُوزٌ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْكَنْزُ فِي الأَْصْل اسْمٌ لِلْمُثْبَتِ فِي الأَْرْضِ بِفِعْل إِنْسَانٍ، وَالإِْنْسَانُ يَشْمَل الْمُؤْمِنَ أَيْضًا لَكِنْ خَصَّهُ الشَّارِعُ بِالْكَافِرِ لأَِنَّ كَنْزَهُ هُوَ الَّذِي يُخَمَّسُ، وَأَمَّا كَنْزُ الْمُسْلِمِ فَلُقَطَةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ (٢) ، وَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ (كَنْز) . وَالْكَنْزُ أَعَمُّ مِنَ الرِّكَازِ؛ لأَِنَّ الرِّكَازَ دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَطْ، وَالْكَنْزُ دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَهْل الإِْسْلاَمِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الأَْحْكَامِ. ج - الدَّفِينُ: ٤ - الدَّفِينُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ مَا أُخْفِيَ تَحْتَ أَطْبَاقِ

стр. 13940

التُّرَابِ، وَنَحْوِهِ مَدْفُونٌ (١) وَدَفِينٌ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَالدَّفِينُ أَعَمُّ مِنَ الرِّكَازِ. أَحْكَامُ الرِّكَازِ: ٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّكَازَ فِي قَوْلِهِ ﷺ : وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ (٢) يَتَنَاوَل دَفِينَ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ سَوَاءٌ كَانَ مَضْرُوبًا أَوْ غَيْرَهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ النَّقْدَيْنِ مِنْ دَفِينِ الْجَاهِلِيَّةِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ الرِّكَازَ يَتَنَاوَل كُل مَا كَانَ مَالاً مَدْفُونًا عَلَى اخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهِ، كَالْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ، وَالصُّفْرِ، وَالرُّخَامِ وَالأَْعْمِدَةِ، وَالآْنِيَةِ وَالْعُرُوضِ وَالْمِسْكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ حَدِيثِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ إِذِ الْحَدِيثُ لاَ يَخُصُّ مَدْفُونًا دُونَ غَيْرِهِ، بَل هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَا دَفَنَهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ. إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ خَالَفُوا جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ فَعَمَّمُوا إِطْلاَقَ الرِّكَازِ عَلَى الْمَعَادِنِ الْخِلْقِيَّةِ أَيْضًا لَكِنْ لَيْسَ جَمِيعَهَا، بَل قَصَرُوا ذَلِكَ عَلَى كُل مَعْدِنٍ جَامِدٍ يَنْطَبِعُ - أَيْ يَلِينُ - بِالنَّارِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

стр. 13941

وَأَلْحَقُوا بِمَا تَقَدَّمَ الْمَعَادِنَ السَّائِلَةَ الزِّئْبَقَ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لأَِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِالْعِلاَجِ مِنْ عَيْنِهِ وَطُبِعَ مَعَ غَيْرِهِ فَكَانَ كَالْفِضَّةِ، فَإِنَّ الْفِضَّةَ لاَ تَنْطَبِعُ مَا لَمْ يُخَالِطْهَا شَيْءٌ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ النَّهْرِ: وَالْخِلاَفُ - أَيْ: فِي الزِّئْبَقِ - فِي الْمُصَابِ فِي مَعْدِنِهِ، أَمَّا الْمَوْجُودُ فِي خَزَائِنِ الْكُفَّارِ فَفِيهِ الْخُمُسُ اتِّفَاقًا لأَِنَّهُ مَالٌ. وَبِنَاءً عَلَى هَذَا فَإِنَّ الرِّكَازَ أَعَمُّ مِنَ الْمَعْدِنِ وَمِنَ الْكَنْزِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْ: يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا. وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ حَدِيثِ: وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ لأَِنَّ كُلًّا مِنَ الْمَعْدِنِ وَالْكَنْزِ مَرْكُوزٌ فِي الأَْرْضِ إِنِ اخْتَلَفَ الرَّاكِزُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الرِّكَازَ حَقِيقَةً فِيهِمَا مُشْتَرَكٌ اشْتِرَاكًا مَعْنَوِيًّا وَلَيْسَ خَاصًّا بِالدَّفِينِ (١) . وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ قَصَرُوا إِطْلاَقَ الرِّكَازِ عَلَى مَا وُجِدَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنَ الأَْمْوَال وَالْمَعَادِنِ؛ لأَِنَّ الرِّكَازَ مَالٌ مُسْتَفَادٌ مِنَ الأَْرْضِ فَاخْتُصَّ بِمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ قَدْرًا وَنَوْعًا (٢) . دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ: ٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ دَفِينَ الْجَاهِلِيَّةِ

стр. 13942

رِكَازٌ، وَيُسْتَدَل عَلَى كَوْنِهِ مِنْ دَفِينِ الْجَاهِلِيَّةِ بِوُجُودِهِ فِي قُبُورِهِمْ أَوْ خَزَائِنِهِمْ أَوْ قِلاَعِهِمْ. فَإِنْ وُجِدَ فِي مَوَاتٍ فَيُعْرَفُ بِأَنْ تُرَى عَلَيْهِ عَلاَمَاتُهُمْ كَأَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ وَصُوَرِهِمْ وَصُلُبِهِمْ وَصُوَرِ أَصْنَامِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ عَلَى بَعْضِهِ عَلاَمَةُ كُفْرٍ وَبَعْضُهُ لاَ عَلاَمَةَ فِيهِ فَرِكَازٌ. أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ بِالْكَنْزِ عَلاَمَةٌ يُسْتَدَل بِهَا عَلَى كَوْنِهِ مِنْ دَفِينِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوِ الإِْسْلاَمِ أَوِ اشْتَبَهَ، فَالْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ) عَلَى أَنَّهُ رِكَازٌ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ فِي الدَّفْنِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْصَحِّ - إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِرِكَازٍ بَل هُوَ لُقَطَةٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مَمْلُوكٌ فَلاَ يُسْتَبَاحُ إِلاَّ بِيَقِينٍ. وَفِي الْمَجْمُوعِ: قَال الرَّافِعِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ مُدَارٌ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ لاَ أَنَّهُ مِنْ ضَرْبِهِمْ، فَقَدْ يَكُونُ مِنْ ضَرْبِهِمْ وَيَدْفِنُهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ أَنْ وَجَدَهُ وَأَخَذَهُ وَمَلَكَهُ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ تَفْرِيعٌ عَلَى الأَْصَحِّ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّ الْكَنْزَ الَّذِي لاَ عَلاَمَةَ فِيهِ يَكُونُ لُقَطَةً. فَأَمَّا إِذَا قُلْنَا بِالْقَوْل الآْخَرِ أَنَّهُ رِكَازٌ، فَالْحُكْمُ مُدَارٌ عَلَى ضَرْبِ الْجَاهِلِيَّةِ (١)

стр. 13943

الْمُرَادُ بِالْجَاهِلِيَّةِ: ٧ - الْمُرَادُ بِالْجَاهِلِيَّةِ: مَا قَبْل الإِْسْلاَمِ، أَيْ قَبْل مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ جَهَالاَتِهِمْ، أَوْ مَنْ كَانَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ وَلَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ. وَعَلَى هَذَا فَلَفْظُ الْجَاهِلِيَّةِ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ لاَ دِينَ لَهُ قَبْل الإِْسْلاَمِ أَوْ كَانَ لَهُ دِينٌ كَأَهْل الْكِتَابِ. قَال الشِّرْبِينِيُّ: وَيُعْتَبَرُ فِي كَوْنِ الدَّفِينِ الْجَاهِلِيِّ رِكَازًا كَمَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ أَنْ لاَ يُعْلَمَ أَنَّ مَالِكَهُ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ بَلَغَتْهُ وَعَانَدَ وَوُجِدَ فِي بِنَائِهِ أَوْ بَلَدِهِ الَّتِي أَنْشَأَهَا كَنْزٌ فَلَيْسَ بِرِكَازٍ بَل فَيْءٌ، حَكَاهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَمَاعَةٍ وَأَقَرَّهُ. وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَنْ كَانَ لَهُ كِتَابٌ هَل يُقَال: إِنَّهُ جَاهِلِيٌّ؟ قَال الدُّسُوقِيُّ: الْجَاهِلِيَّةُ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ مَا عَدَا الإِْسْلاَمَ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ أَمْ لاَ. وَقَال أَبُو الْحَسَنِ: اصْطِلاَحُهُمْ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ أَهْل الْفَتْرَةِ الَّذِينَ لاَ كِتَابَ لَهُمْ. وَأَمَّا أَهْل الْكِتَابِ قَبْل الإِْسْلاَمِ فَلاَ يُقَال لَهُمْ: جَاهِلِيَّةٌ. وَعَلَى كُل حَالٍ دَفْنُهُمْ جَمِيعِهِمْ رِكَازٌ (١) . هَذَا وَأَخْرَجَ الْفُقَهَاءُ مِنَ الرِّكَازِ دَفِينَ أَهْل الذِّمَّةِ.

стр. 13944

فَفِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي: إِنَّمَا كَانَ مَال الذِّمِّيِّ كَالْمُسْلِمِ لأَِنَّهُ مُحْتَرَمٌ بِحُرْمَةِ الإِْسْلاَمِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ (١) . اشْتِرَاطُ الدَّفْنِ فِي الرِّكَازِ: ٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ كُل مَا دَفَنَهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يُعْتَبَرُ رِكَازًا. وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الدَّفْنِ فِي الرِّكَازِ. فَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ مَا وُجِدَ عَلَى ظَهْرِ الأَْرْضِ مِنْ أَمْوَال الْجَاهِلِيَّةِ يُعْتَبَرُ رِكَازًا أَيْضًا، جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَا وُجِدَ عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ مِنْ مَالٍ جَاهِلِيٍّ، أَوْ بِسَاحِل الْبَحْرِ مِنْ تَصَاوِيرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلِوَاجِدِهِ مُخَمَّسًا. قَال الصَّاوِيُّ: وَاقْتَصَرَ عَلَى الدَّفْنِ لأَِنَّهُ الْغَالِبُ، هَذَا إِذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ مَالٌ جَاهِلِيٌّ. وَفِي مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: وَيَلْحَقُ بِالدَّفْنِ مَا وُجِدَ عَلَى وَجْهِ أَرْضٍ. وَقَدْ فَصَّل الشَّافِعِيَّةُ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ مَتَى يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ رِكَازًا؟ فَقِيل: بِدَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقِيل: بِضَرْبِهِمْ. قَال السُّبْكِيُّ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ مِنْ دَفْنِهِمْ فَإِنَّهُ لاَ سَبِيل إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى بِعَلاَمَةٍ تَدُل عَلَيْهِ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ. اهـ. وَهَذَا أَوْلَى، وَالتَّقْيِيدُ بِدَفْنِ الْجَاهِلِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ مَا وُجِدَ

стр. 13945

فِي الصَّحَارَى مِنْ دَفِينِ الْحَرْبِيِّينَ الَّذِينَ عَاصَرُوا الإِْسْلاَمَ لاَ يَكُونُ رِكَازًا بَل فَيْئًا، وَيُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهِ رِكَازًا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَدْفُونًا، فَإِنْ وَجَدَهُ ظَاهِرًا فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ السَّيْل أَظْهَرَهُ فَرِكَازٌ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ ظَاهِرًا فَلُقَطَةٌ، وَإِنْ شَكَّ فَكَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ ضَرْبُ الْجَاهِلِيَّةِ أَوِ الإِْسْلاَمِ. قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (١) . وَلَمْ نَرَ لِلْحَنَفِيَّةِ تَصْرِيحًا فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ. دَفِينُ أَهْل الإِْسْلاَمِ: ٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ دَفِينَ أَهْل الإِْسْلاَمِ لُقَطَةٌ. وَيُعْرَفُ بِأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ عَلاَمَةُ الإِْسْلاَمِ أَوِ اسْمُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ أَحَدُ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ وَالٍ لَهُمْ، أَوْ آيَةٌ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَتَفْصِيل حُكْمِ اللُّقَطَةِ فِي مُصْطَلَحِ (لُقَطَة) . قَال فِي الْمُغْنِي: وَإِنْ كَانَ عَلَى بَعْضِهِ عَلاَمَةُ الإِْسْلاَمِ، وَعَلَى بَعْضِهِ عَلاَمَةُ الْكُفْرِ فَكَذَلِكَ (أَيْ: لُقَطَةٌ) ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صَارَ إِلَى مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُعْلَمْ زَوَالُهُ عَنْ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَلَى جَمِيعِهِ عَلاَمَةُ الْمُسْلِمِينَ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ وَحْدَهُمْ بَل هُوَ قَوْل بَقِيَّةِ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ فِي مَعْرِفَةِ دَفِينِ الْجَاهِلِيَّةِ.

стр. 13946

قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنْ عَلِيٍّ الْقَارِيِّ: وَأَمَّا مَعَ اخْتِلاَطِ دَرَاهِمِ الْكُفَّارِ مَعَ دَرَاهِمِ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُشَخَّصِ الْمُسْتَعْمَل فِي زَمَانِنَا، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِلاَفٌ فِي كَوْنِهِ إِسْلاَمِيًّا (١) . الْوَاجِبُ فِي الرِّكَازِ: ١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ (٢) . قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لاَ نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلاَّ الْحَسَنَ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَأَرْضِ الْعَرَبِ، فَقَال: فِيمَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ الْخُمُسُ، وَفِيمَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ الزَّكَاةُ. قَال الْمَالِكِيَّةُ: مَحَل تَخْمِيسِهِ مَا لَمْ يَحْتَجْ لِنَفَقَةٍ كَبِيرَةٍ وَإِلاَّ فَيُزَكَّى. قَال مَالِكٌ: الأَْمْرُ الَّذِي لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ عِنْدَنَا، وَاَلَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّ الرِّكَازَ إِنَّمَا هُوَ دَفْنٌ يُوجَدُ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا لَمْ يُطْلَبْ بِمَالٍ. وَأَمَّا مَا طُلِبَ بِمَالٍ كَثِيرٍ فَلَيْسَ بِرِكَازٍ، إِنَّمَا فِيهِ الزَّكَاةُ بَعْدَ وُجُودِ شُرُوطِ الزَّكَاةِ حَيْثُ اسْتَأْجَرَ عَلَى الْعَمَل، لاَ إِنْ عَمِل بِنَفْسِهِ أَوْ عَبِيدِهِ فَلاَ يَخْرُجُ عَنِ الرِّكَازِ.

стр. 13947

وَأَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ فَلِوَاجِدِهِ (١) . وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَصْرِفِ الْخُمُسِ الْوَاجِبِ إِخْرَاجُهُ ف ٢٢ مَا يَلْحَقُ بِمَا يُخَمَّسُ: ١١ - أَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ بِالرِّكَازِ النَّدْرَةَ: وَهِيَ قِطْعَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ الَّتِي لاَ تَحْتَاجُ إِلَى تَصْفِيَةٍ، وَاَلَّتِي تُوجَدُ فِي الأَْرْضِ مِنْ أَصْل خِلْقَتِهَا لاَ بِوَضْعِ وَاضِعٍ لَهَا فِي الأَْرْضِ. وَفِيهَا الْخُمُسُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلاَّ الزَّكَاةُ وَإِنَّمَا الْخُمُسُ فِي الرِّكَازِ (٢) . نَبْشُ الْقَبْرِ لاِسْتِخْرَاجِ الْمَال: ١٢ - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ مَا يُوجَدُ فِي قَبْرِ الْجَاهِلِيِّ رِكَازٌ. وَأَمَّا مَا يُوجَدُ فِي قَبْرِ الْمُسْلِمِ فَفِي حُكْمِ اللُّقَطَةِ (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قَبْر، وَلُقَطَة) . النِّصَابُ فِي الرِّكَازِ: ١٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ النِّصَابُ فِي الرِّكَازِ، بَل يَجِبُ الْخُمُسُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ إِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَال: وَبِهِ قَال أَكْثَرُ أَهْل

стр. 13948

الْعِلْمِ، وَهُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الْمَذْهَبِ - إِلَى اشْتِرَاطِ النِّصَابِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُمُسَ الْمَأْخُوذَ مِنَ الرِّكَازِ زَكَاةٌ. قَال النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالأَْصْحَابِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ مِنَ الرِّكَازِ مِائَةَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ وَجَدَ مِائَةً أُخْرَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْخُمُسُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، بَل يَنْعَقِدُ الْحَوْل عَلَيْهِمَا مِنْ حِينِ كَمُل النِّصَابُ، فَإِذَا تَمَّ لَزِمَهُ رُبُعُ الْعُشْرِ كَسَائِرِ النُّقُودِ الَّتِي يَمْلِكُهَا، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ النِّصَابِ فِي الرِّكَازِ. ثُمَّ قَال: إِذَا وَجَدَ مِنَ الرِّكَازِ دُونَ النِّصَابِ، وَلَهُ دَيْنٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ يَبْلُغُ بِهِ نِصَابًا، وَجَبَ خُمُسُ الرِّكَازِ فِي الْحَال. فَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا أَوْ مَدْفُونًا أَوْ وَدِيعَةً أَوْ دَيْنًا - وَالرِّكَازُ نَاقِصٌ - لَمْ يُخَمِّسْ حَتَّى يَعْلَمَ سَلاَمَةَ مَالِهِ، وَحِينَئِذٍ يُخَمِّسُ الرِّكَازَ النَّاقِصَ عَنِ النِّصَابِ سَوَاءٌ أَبَقِيَ الْمَال أَمْ تَلِفَ إِذَا عَلِمَ وُجُودَهُ يَوْمَ حُصُول الرِّكَازِ (١) . الْحَوْل فِي الرِّكَازِ: ١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْحَوْل فِي الرِّكَازِ؛ لأَِنَّ الْحَوْل يُعْتَبَرُ لِتَكَامُل النَّمَاءِ وَهَذَا

стр. 13949

لاَ يَتَوَجَّهُ فِي الرِّكَازِ. قَال النَّوَوِيُّ: وَنَقَل الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ الإِْجْمَاعَ (١) مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُمُسُ: ١٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُمُسُ هُوَ كُل مَنْ وَجَدَ الرِّكَازَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، عَاقِلٍ أَوْ مَجْنُونٍ. فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَهُوَ لَهُمَا، وَيُخْرِجُ الْخُمُسَ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا. وَهَذَا قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي الرِّكَازِ يَجِدُهُ: الْخُمُسَ، قَالَهُ أَهْل الْمَدِينَةِ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَأَهْل الْعِرَاقِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَغَيْرُهُمْ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْخُمُسُ إِلاَّ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً، رَشِيدًا أَوْ سَفِيهًا، أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا. وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَخْذِ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ، كَمَا يُمْنَعُ مِنَ الإِْحْيَاءِ بِهَا؛ لأَِنَّ الدَّارَ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ دَخِيلٌ فِيهَا (٢) . وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ فَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الدُّرِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُسْتَرَدُّ مِنْهُ مَا أَخَذَ إِلاَّ إِذَا عَمِل بِإِذْنِ الإِْمَامِ عَلَى شَرْطٍ فَلَهُ الْمَشْرُوطُ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ عَمِل

стр. 13950

رَجُلاَنِ فِي طَلَبِ الرِّكَازِ فَهُوَ لِلْوَاجِدِ، وَإِنْ كَانَا مُسْتَأْجَرَيْنِ لِطَلَبِهِ فَهُوَ لِلْمُسْتَأْجِرِ؛ لأَِنَّ الْوَاجِدَ نَائِبُهُ فِيهِ (١) . وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (حَرْبِيّ، شَرِكَة، إِجَارَة، خُمُس) . مَوْضِعُ الرِّكَازِ: أَوَّلاً: فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ: ١٦ - أ - أَنْ يَجِدَهُ فِي مَوَاتٍ أَوْ مَا لاَ يُعْلَمُ لَهُ مَالِكٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِي عَهْدٍ، كَالأَْبْنِيَةِ الْقَدِيمَةِ، وَالتُّلُول، وَجُدْرَانِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقُبُورِهِمْ، فَهَذَا فِيهِ الْخُمُسُ بِلاَ خِلاَفٍ سِوَى مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ. وَعِبَارَةُ الْحَنَفِيَّةِ: فِي أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ أَوْ عُشْرِيَّةٍ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً لأَِحَدٍ أَوْ لاَ، صَالِحَةٍ لِلزِّرَاعَةِ أَوْ لاَ. فَيَدْخُل فِيهِ الْمَفَاوِزُ وَأَرْضُ الْمَوَاتِ، فَإِنَّهَا إِذَا جُعِلَتْ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ كَانَتْ عُشْرِيَّةً أَوْ خَرَاجِيَّةً (٢) . وَقَال فِي الْمُغْنِي: لَوْ وَجَدَهُ فِي هَذِهِ الأَْرْضِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، أَوْ قَرْيَةٍ خَرَابٍ فَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَال: سُئِل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَال: مَا كَانَ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ أَوْ قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَّ فَلَكَ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ وَلاَ فِي قَرْيَةٍ

стр. 13951

عَامِرَةٍ فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَخْرُجُ خُمُسُ الرِّكَازِ وَالْبَاقِي لِوَاجِدِهِ حَيْثُ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ لاَ مَالِكَ لَهَا، كَمَوَاتِ أَرْضِ الإِْسْلاَمِ، أَوْ فَيَافِي الْعَرَبِ الَّتِي لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً وَلاَ أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَأَمَّا لَوْ وُجِدَ الرِّكَازُ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَيَكُونُ مَا فِيهِ لِمَالِكِ الأَْرْضِ. وَشَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَجِدَهُ فِي أَرْضٍ لَمْ تَبْلُغْهَا الدَّعْوَةُ. قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا بَنَى كَافِرٌ بِنَاءً وَكَنَزَ فِيهِ كَنْزًا وَبَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَعَانَدَ فَلَمْ يُسْلِمْ ثُمَّ هَلَكَ وَبَادَ أَهْلُهُ فَوُجِدَ ذَلِكَ الْكَنْزُ كَانَ فَيْئًا لاَ رِكَازًا، لأَِنَّ الرِّكَازَ إِنَّمَا هُوَ أَمْوَال الْجَاهِلِيَّةِ الْعَادِيَّةُ الَّذِينَ لاَ يُعْرَفُ هَل بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةٌ أَمْ لاَ؟ فَأَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُمْ فَمَا لَهُمْ فَيْءٌ، فَخُمُسُهُ لأَِهْل الْخُمُسِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاجِدِ (٢) فَإِنْ وُجِدَ الرِّكَازُ فِي شَارِعٍ أَوْ طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ فَلُقَطَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رِكَازٌ (٣) .

стр. 13952

ب - أَنْ يَجِدَ الرِّكَازَ فِي مِلْكِهِ: ١٧ - الْمِلْكُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَحْيَاهُ أَوِ انْتَقَل إِلَيْهِ. ١ - أَنْ يَكُونَ مَالِكُهُ هُوَ الَّذِي أَحْيَاهُ، فَإِذَا وَجَدَ فِيهِ رِكَازًا فَهُوَ لَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُخَمِّسَهُ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الإِْحْيَاءِ الإِْرْثَ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ إِقْطَاعَ السُّلْطَانِ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَعْنُونَ بِمَالِك الأَْرْضِ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَلَكَهَا أَوَّل الْفَتْحِ، وَهُوَ مَنْ خَصَّهُ الإِْمَامُ بِتَمْلِيكِ الأَْرْضِ حِينَ فَتْحِ الْبَلَدِ. ٢ - أَنْ يَجِدَ الرِّكَازَ فِي مِلْكِهِ الْمُنْتَقِل إِلَيْهِ: ١٨ - إِذَا انْتَقَل الْمِلْكُ عَنْ طَرِيقِ الإِْرْثِ وَوَجَدَ فِيهِ رِكَازًا فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ. أَمَّا لَوِ انْتَقَل إِلَيْهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَوَجَدَ فِيهِ رِكَازًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَنْ يَكُونُ لَهُ الرِّكَازُ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ) إِلَى أَنَّهُ لِلْمَالِكِ الأَْوَّل أَوْ لِوَارِثِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا؛ لأَِنَّهُ كَانَتْ يَدُهُ عَلَى الدَّارِ فَكَانَتْ عَلَى مَا فِيهَا. قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْبَحْرِ: إِنَّ الْكَنْزَ مُودَعٌ فِي الأَْرْضِ فَلَمَّا مَلَكَهَا الأَْوَّل مَلَكَ مَا فِيهَا، وَلاَ يَخْرُجُ مَا فِيهَا عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعِهَا كَالسَّمَكَةِ فِي جَوْفِهَا دُرَّةٌ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْرَفِ الْمَالِكُ الأَْوَّل وَلاَ وَرَثَتُهُ فَيُوضَعُ الرِّكَازُ فِي بَيْتِ الْمَال عَلَى الأَْوْجَهِ. وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ.

стр. 13953

قَال فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: وَهُوَ الظَّاهِرُ بَل الْمُتَعَيِّنُ. وَالْقَوْل الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ لُقَطَةٌ. وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ - وَأَبُو يُوسُفَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الرِّكَازَ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْخُمُسِ لِلْمَالِكِ الأَْخِيرِ، لأَِنَّهُ مَال كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فِي الإِْسْلاَمِ، فَكَانَ لِمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ كَالْغَنَائِمِ؛ وَلأَِنَّ الرِّكَازَ لاَ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الأَْرْضِ لأَِنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا، وَإِنَّمَا يُمْلَكُ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَهُ. وَقَدْ صَحَّحَ فِي الْمُغْنِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ، ثُمَّ قَال: لأَِنَّ الرِّكَازَ لاَ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الدَّارِ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا، فَيُنَزَّل مَنْزِلَةَ الْمُبَاحَاتِ مِنَ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ وَالصَّيْدِ يَجِدُهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَيَأْخُذُهُ فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ. وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: قَال أَبُو يُوسُفَ: الْبَاقِي لِلْوَاجِدِ كَمَا فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٍ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ فَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ لِمُورِثِهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْهُ الْبَاقُونَ، فَحُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ فِي نَصِيبِهِ حُكْمُ الْمَالِكِ الَّذِي لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، وَحُكْمُ الْمُعْتَرِفِينَ حُكْمُ الْمَالِكِ الْمُعْتَرِفِ (١) .

стр. 13954

ج - أَنْ يَجِدَ الرِّكَازَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ: ١٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الرِّكَازَ الْمَوْجُودَ فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ يَكُونُ لِصَاحِبِ الدَّارِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لِوَاجِدِهِ. وَنُقِل عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُل أَنَّهُ لِوَاجِدِهِ. لأَِنَّهُ قَال فِي مَسْأَلَةِ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لَهُ فِي دَارِهِ فَأَصَابَ فِي الدَّارِ كَنْزًا: فَهُوَ لِلأَْجِيرِ. نَقَل ذَلِكَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّال، قَال الْقَاضِي: هُوَ الصَّحِيحُ، وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الرِّكَازَ لِوَاجِدِهِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْرٍ، وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْكَنْزَ لاَ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الدَّارِ، فَيَكُونُ لِمَنْ وَجَدَهُ، لَكِنْ إِنِ ادَّعَاهُ الْمَالِكُ فَالْقَوْل قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ (١) . ثَانِيًا: أَنْ يُوجَدُ الرِّكَازُ فِي دَارِ الصُّلْحِ: ٢٠ - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ دَفِينَ الْمُصَالَحِينَ لَهُمْ وَلَوْ كَانَ الدَّافِنُ غَيْرَهُمْ، فَمَا وُجِدَ مِنَ الرِّكَازِ مَدْفُونًا فِي أَرْضِ الصُّلْحِ، سَوَاءٌ كَانُوا هُمُ الَّذِينَ دَفَنُوهُ أَوْ دَفَنَهُ غَيْرُهُمْ فَهُوَ لِلَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى تِلْكَ الأَْرْضِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لاَ يُخَمَّسُ، فَإِنْ وَجَدَهُ أَحَدُ الْمُصَالَحِينَ فِي دَارِهِ فَهُوَ لَهُ بِمُفْرَدِهِ سَوَاءٌ وَجَدَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرِّكَازَ الْمَوْجُودَ فِي

стр. 13955

مَوَاتِ دَارِ أَهْل الْعَهْدِ يَمْلِكُهُ وَاجِدُهُ كَمَوَاتِ دَارِ الإِْسْلاَمِ (١) . ثَالِثًا: أَنْ يُوجَدَ الرِّكَازُ فِي دَارِ الْحَرْبِ: ٢١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الرِّكَازِ الْمَوْجُودِ فِي دَارِ الْحَرْبِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرِّكَازَ الْمَوْجُودَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِغَيْرِ مُسْتَأْمَنٍ فَالْكُل لِلْوَاجِدِ وَإِلاَّ وَجَبَ رَدُّهُ لِلْمَالِكِ، وَأَمَّا الْمَوْجُودُ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ أَصْلاً فَالْكُل لِلْوَاجِدِ بِلاَ فَرْقٍ بَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِ وَغَيْرِهِ؛ لأَِنَّ مَا فِي صَحْرَائِهِمْ لَيْسَ فِي يَدِ أَحَدٍ عَلَى الْخُصُوصِ فَلاَ يُعَدُّ غَدْرًا. وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْرْضِ الْمَمْلُوكَةِ بَيْنَ أَنْ يُؤْخَذَ الرِّكَازُ بِقَهْرٍ وَقِتَالٍ فَهُوَ غَنِيمَةٌ، كَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ وَنُقُودِهِمْ مِنْ بُيُوتِهِمْ فَيَكُونُ خُمُسُهُ لأَِهْل خُمُسِ الْغَنِيمَةِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِوَاجِدِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُؤْخَذَ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلاَ قَهْرٍ فَهُوَ فَيْءٌ وَمُسْتَحِقُّهُ أَهْل الْفَيْءِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَذُبُّوا عَنْهُ فَهُوَ كَمَوَاتِ دَارِ الإِْسْلاَمِ - بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَهُمْ - وَهُوَ رِكَازٌ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَا إِذَا دَخَل دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ. أَمَّا إِذَا دَخَل بِأَمَانٍ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْكَنْزِ لاَ بِقِتَالٍ وَلاَ بِغَيْرِهِ.

стр. 13956

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتِ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُفَرِّقِ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَوَاتِ بَيْنَ مَا يُذَبُّ عَنْهُ وَبَيْنَ مَا لاَ يُذَبُّ عَنْهُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لِمَوْضِعِهِ مَالِكٌ مُحْتَرَمٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُعْرَفْ مَالِكُهُ (١) . مَصْرِفُ خُمُسِ الرِّكَازِ: ٢٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَبِهِ قَال الْمُزَنِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ) إِلَى أَنَّ خُمُسَ الرِّكَازِ يُصْرَفُ مَصَارِفَ الْغَنِيمَةِ وَلَيْسَ زَكَاةً. وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّهُ حَلاَلٌ لِلأَْغْنِيَاءِ وَلاَ يَخْتَصُّ بِالْفُقَرَاءِ، وَهُوَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يَخْتَصُّ بِالأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الْفَيْءِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَصَحُّ مِمَّا سَيَأْتِي وَأَقْيَسُ عَلَى مَذْهَبِهِ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ أَلْفَ دِينَارٍ مَدْفُونَةً خَارِجًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَتَى بِهَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَخَذَ مِنْهَا الْخُمُسَ مِائَتَيْ دِينَارٍ، وَدَفَعَ إِلَى الرَّجُل بَقِيَّتَهَا، وَجَعَل عُمَرُ يَقْسِمُ الْمِائَتَيْنِ بَيْنَ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَى أَنْ أَفْضَل مِنْهَا فَضْلَةً، فَقَال: أَيْنَ صَاحِبُ الدَّنَانِيرِ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ، فَقَال عُمَرُ:

стр. 13957

خُذْ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ فَهِيَ لَكَ. وَلَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُ زَكَاةً لَخَصَّ بِهِ أَهْلَهَا وَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَى وَاجِدِهِ؛ وَلأَِنَّهُ مَالٌ مَخْمُوسٌ زَالَتْ عَنْهُ يَدُ الْكَافِرِ، أَشْبَهَ خُمُسَ الْغَنِيمَةِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُ خُمُسِ الرِّكَازِ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ. قَال النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ (١) . وَلِتَفْصِيل تَوْزِيعِ الْخُمُسِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (خَمَس، غَنِيمَة، فَيْء) .

стр. 13958

رُكْن التَّعْرِيفِ: ١ - الرُّكْنُ فِي اللُّغَةِ: الْجَانِبُ الأَْقْوَى وَالأَْمْرُ الْعَظِيمُ، وَمَا يُقْوَّى بِهِ مِنْ مَلِكٍ وَجُنْدٍ وَغَيْرِهِمَا، وَالْعِزُّ، وَالْمَنَعَةُ. وَالأَْرْكَانُ: الْجَوَارِحُ، وَفِي حَدِيثِ الْحِسَابِ: يُقَال لأَِرْكَانِهِ: انْطِقِي (١) أَيْ جَوَارِحِهِ، وَأَرْكَانُ كُل شَيْءٍ جَوَانِبُهُ الَّتِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهَا وَيَقُومُ بِهَا (٢) . وَرُكْنُ الشَّيْءِ فِي الاِصْطِلاَحِ: مَا لاَ وُجُودَ لِذَلِكَ الشَّيْءِ إِلاَّ بِهِ. وَهُوَ " الْجُزْءُ الذَّاتِيُّ الَّذِي تَتَرَكَّبُ الْمَاهِيَّةُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ بِحَيْثُ يَتَوَقَّفُ تَقَوُّمُهَا عَلَيْهِ (٣) ".

стр. 13959

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ أ - الشَّرْطُ: ٢ - الشَّرْطُ فِي اللُّغَةِ إِلْزَامُ الشَّيْءِ وَالْتِزَامُهُ، وَكَذَلِكَ الشَّرِيطَةُ، وَالْجَمْعُ شُرُوطٌ وَشَرَائِطُ وَبِالتَّحْرِيكِ الْعَلاَمَةُ، وَجَمْعُهُ أَشْرَاطٌ (١) . وَاصْطِلاَحًا عَرَّفَهُ ابْنُ السُّبْكِيِّ بِقَوْلِهِ: مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلاَ عَدَمٌ لِذَاتِهِ ". وَاخْتَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ الشَّرْطَ " مَا اسْتَلْزَمَ نَفْيُهُ نَفْيَ أَمْرٍ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ ". وَهُوَ اخْتِيَارُ شَارِحِ التَّحْرِيرِ الْعَلاَّمَةِ أَمِيرِ بَادْ شَاهْ (٢) . قَال الإِْمَامُ الْكَاسَانِيُّ مُفَرِّقًا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالشَّرْطِ: وَالأَْصْل أَنَّ كُل مُتَرَكِّبٍ مِنْ مَعَانٍ مُتَغَايِرَةٍ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْمُرَكَّبِ عَلَيْهَا عِنْدَ اجْتِمَاعِهَا، كَانَ كُل مَعْنًى مِنْهَا رُكْنًا لِلْمُرَكَّبِ،

стр. 13960

كَأَرْكَانِ الْبَيْتِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ، وَالإِْيجَابِ وَالْقَبُول فِي بَابِ الْبَيْعِ فِي الْمَشْرُوعَاتِ، وَكُل مَا يَتَغَيَّرُ الشَّيْءُ بِهِ وَلاَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ كَانَ شَرْطًا، كَالشُّهُودِ فِي بَابِ النِّكَاحِ (١) . وَعَلَى هَذَا فَكُلٌّ مِنَ الرُّكْنِ وَالشَّرْطِ لاَ بُدَّ مِنْهُ لِتَحَقُّقِ الْمُسَمَّى شَرْعًا، غَيْرَ أَنَّ الرُّكْنَ يَكُونُ دَاخِلاً فِي حَقِيقَةِ الْمُسَمَّى، فَهُوَ جُزْؤُهُ، بِخِلاَفِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ يَكُونُ خَارِجًا عَنِ الْمُسَمَّى. وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ مُحِبُّ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الشَّكُورِ بِأَنَّ الأَْرْكَانَ تَوْقِيفِيَّةٌ، قَال: وَإِنَّ جَعْل بَعْضِ الأُْمُورِ رُكْنًا وَبَعْضِهَا شَرْطًا تَوْقِيفِيٌّ لاَ يُدْرَكُ بِالْعَقْل (٢) . ب - الْفَرْضُ: ٣ - الْفَرْضُ فِي اللُّغَةِ: الْقَطْعُ وَالتَّوْقِيتُ، وَالْحَزُّ فِي الشَّيْءِ، وَمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَالسُّنَّةُ، يُقَال: فَرَضَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَيْ: سَنَّ (٣) . وَاصْطِلاَحًا: خِطَابُ اللَّهِ الْمُقْتَضِي لِلْفِعْل اقْتِضَاءً جَازِمًا. وَهُوَ تَعْرِيفُ الْوَاجِبِ أَيْضًا،

стр. 13961

حَيْثُ إِنَّ الْجُمْهُورَ لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، فَهُمَا مِنَ التَّرَادُفِ عِنْدَهُمْ. وَقَال الْعَضُدُ فِي تَعْرِيفِ الإِْيجَابِ: هُوَ خِطَابٌ بِطَلَبِ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ يَنْتَهِضُ تَرْكُهُ فِي جَمِيعِ وَقْتِهِ سَبَبًا لِلْعِقَابِ. وَالْوَاجِبُ هُوَ الْفِعْل الْمُتَعَلِّقُ بِالإِْيجَابِ، فَهُوَ فِعْلٌ غَيْرُ كَفٍّ تَعَلَّقَ بِهِ خِطَابٌ بِطَلَبٍ بِحَيْثُ يَنْتَهِضُ تَرْكُهُ فِي جَمِيعِ وَقْتِهِ سَبَبًا لِلْعِقَابِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَفْتَرِقُ الْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ بِالظَّنِّ وَالْقَطْعِ، فَإِنْ كَانَ مَا ذُكِرَ ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ فَفَرْضٌ، وَإِنْ ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ فَهُوَ الْوَاجِبُ (١) . ثُمَّ إِنَّ الْفُقَهَاءَ قَدْ يُطْلِقُونَ الْفَرْضَ عَلَى الرُّكْنِ، كَمَا صَنَعَ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ، فَقَال فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلاَةِ: مِنْ فَرَائِضِهَا التَّحْرِيمَةُ. وَقَال خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ: فَرَائِضُ الْوُضُوءِ. . وَقَال فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ: فَرَائِضُ الصَّلاَةِ. . قَال الدَّرْدِيرُ: أَيْ: أَرْكَانُهَا وَأَجْزَاؤُهَا الْمُتَرَكِّبَةُ هِيَ مِنْهَا. وَالنَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ. فَقَال فِي بَابِ الْوُضُوءِ: فَرْضُهُ سِتَّةٌ. قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: الْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ

стр. 13962

بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا الرُّكْنُ لاَ الْمَحْدُودُ فِي كُتُبِ أُصُول الْفِقْهِ. وَالشَّيْخُ أَبُو النَّجَا الْحَجَّاوِيُّ فِي الإِْقْنَاعِ، فَقَال فِي بَابِ الْوُضُوءِ: فَرْضُهُ سِتَّةٌ (١) . . لَكِنَّ الْفَرْضَ عِنْدَهُمْ أَعَمُّ مِنَ الرُّكْنِ. وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَصْكَفِيُّ فَقَال: ثُمَّ الرُّكْنُ مَا يَكُونُ فَرْضًا دَاخِل الْمَاهِيَّةِ، وَأَمَّا الشَّرْطُ فَمَا يَكُونُ خَارِجَهَا، فَالْفَرْضُ أَعَمُّ مِنْهَا وَهُوَ مَا قُطِعَ بِلُزُومِهِ حَتَّى يَكْفُرَ جَاحِدُهُ (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٤ - الرُّكْنُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ جُزْءَ مَاهِيَّةِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ، كَالْقِيَامِ فِي الصَّلاَةِ وَالإِْمْسَاكِ فِي الصَّوْمِ، وَفِي الْعُقُودِ كَالإِْيجَابِ وَالْقَبُول فِي عَقْدِ الْبَيْعِ. أَوْ جُزْءَ مَاهِيَّةِ الأَْشْيَاءِ الْمَحْسُوسَةِ كَأَرْكَانِ الْبَيْتِ. الرُّكْنُ وَالْوَاجِبُ: ٥ - يُفَرِّقُ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْوَاجِبِ فِي بَابَيِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَالصَّلاَةِ، أَمَّا بَابُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ

стр. 13963

فَبِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ فَيَنُصُّونَ أَنَّ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَرْكَانًا، وَوَاجِبَاتٍ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي التَّرْكِ، فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلاَّ بِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الإِْتْيَانُ أَتَى بِهِ، وَذَلِكَ كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الإِْتْيَانُ بِهِ كَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بِأَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ وَلَمْ يَقِفْ فَإِنَّهُ يَفُوتُهُ الْحَجُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَيَتَحَلَّل بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ. وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَاهِيَّةَ لاَ تَحْصُل إِلاَّ بِجَمِيعِ الأَْرْكَانِ. وَانْظُرْ (حَجّ: ف ١٢٣) وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَيَكُونُ حَجُّهُ تَامًّا صَحِيحًا، فَالْوَاجِبُ يُمْكِنُ جَبْرُهُ بِالدَّمِ بِخِلاَفِ الرُّكْنِ (١) . وَأَمَّا بَابُ الصَّلاَةِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَقَطْ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لِلصَّلاَةِ أَرْكَانًا وَوَاجِبَاتٍ. وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي التَّرْكِ أَيْضًا. فَتَرْكُ الرُّكْنِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بُطْلاَنُ الصَّلاَةِ إِنْ كَانَ تَرْكُهُ عَمْدًا. أَمَّا إِنْ تَرَكَهُ سَهْوًا أَوْ جَهْلاً فَلاَ تَصِحُّ صَلاَتُهُ إِلاَّ إِنْ أَمْكَنَ التَّدَارُكُ، وَفِي كَيْفِيَّتِهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (سُجُودِ السَّهْوِ) .

стр. 13964

وَأَمَّا تَرْكُ الْوَاجِبِ فَإِنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَبْطُل بِتَرْكِهِ سَهْوًا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ جَبْرًا لَهُ، وَتَرْكُهُ عَمْدًا يُبْطِل الصَّلاَةَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: عَلَيْهِ إِعَادَةُ الصَّلاَةِ وُجُوبًا إِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا جَبْرًا لِنُقْصَانِهِ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَهُ سَهْوًا وَلَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ (١) . الرُّكْنُ فِي الْعِبَادَاتِ: تَخْتَلِفُ أَرْكَانُ الْعِبَادَاتِ بِاخْتِلاَفِهَا: أ - أَرْكَانُ الْوُضُوءِ: ٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَرْكَانِ الْوُضُوءِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ، غَسْل الْوَجْهِ، وَغَسْل الْيَدَيْنِ، وَمَسْحُ رُبُعِ الرَّأْسِ وَغَسْل الرِّجْلَيْنِ. وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَيْهَا النِّيَّةَ وَالتَّرْتِيبَ، وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ الْمُوَالاَةَ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اعْتَبَرُوا النِّيَّةَ شَرْطًا لاَ رُكْنًا. وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ الدَّلْكَ (٢) . ب - أَرْكَانُ التَّيَمُّمِ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَرْكَانِ التَّيَمُّمِ. ٧ - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلتَّيَمُّمِ رُكْنَيْنِ،

стр. 13965

الضَّرْبَتَانِ، وَالْمَسْحُ، وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ عِنْدَهُمْ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: أَرْكَانُهُ خَمْسَةٌ: النِّيَّةُ، وَضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَتَعْمِيمُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْكُوعَيْنِ بِالْمَسْحِ، وَالصَّعِيدُ الطَّاهِرُ، وَالْمُوَالاَةُ. كَمَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَرْكَانَهُ خَمْسَةٌ وَهِيَ: نَقْل التُّرَابِ، وَنِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلاَةِ، وَمَسْحُ الْوَجْهِ، وَمَسْحُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: أَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ: مَسْحُ جَمِيعِ الْوَجْهِ، وَمَسْحُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْكُوعَيْنِ، وَالتَّرْتِيبُ، وَالْمُوَالاَةُ فِي غَيْرِ الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ، وَأَمَّا النِّيَّةُ فَهِيَ شَرْطٌ عِنْدَهُمْ (١) . ج - أَرْكَانُ الصَّلاَةِ: ٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَرْكَانِ الصَّلاَةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ أَرْكَانَ الصَّلاَةِ هِيَ: النِّيَّةُ، وَاعْتَبَرَهَا الْحَنَابِلَةُ شَرْطًا، وَتَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ، وَالْقِيَامُ، وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي كُل رَكْعَةٍ، وَالرُّكُوعُ، وَالاِعْتِدَال بَعْدَهُ، وَالسُّجُودُ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالْجُلُوسُ لِلتَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ، وَالتَّشَهُّدُ الأَْخِيرُ. (وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: التَّشَهُّدُ

стр. 13966

الأَْخِيرُ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَأَمَّا الْجُلُوسُ فَإِنَّهُ رُكْنٌ لَكِنَّهُ لِلسَّلاَمِ) وَالسَّلاَمُ، وَالتَّرْتِيبُ، وَالطُّمَأْنِينَةُ. وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ الرَّفْعَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَالرَّفْعَ مِنَ السُّجُودِ، قَال الدَّرْدِيرُ: الصَّلاَةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ فَجَمِيعُ أَقْوَالِهَا لَيْسَتْ بِفَرَائِضَ إِلاَّ ثَلاَثَةً: تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ، وَالْفَاتِحَةَ، وَالسَّلاَمَ، وَجَمِيعُ أَفْعَالِهَا فَرَائِضُ إِلاَّ ثَلاَثَةً رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، وَالْجُلُوسَ لِلتَّشَهُّدِ، وَالتَّيَامُنَ بِالسَّلاَمِ. وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ، كَمَا قَال الْحَنَابِلَةُ بِرُكْنِيَّةِ التَّسْلِيمَتَيْنِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَرْكَانَ الصَّلاَةِ هِيَ: الْقِيَامُ، وَالرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ، وَالْقِرَاءَةُ، وَالْقَعْدَةُ الأَْخِيرَةُ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ، وَتَرْتِيبُ الأَْرْكَانِ، وَإِتْمَامُ الصَّلاَةِ، وَالاِنْتِقَال مِنْ رُكْنٍ إِلَى رُكْنٍ. وَالنِّيَّةُ عِنْدَهُمْ شَرْطٌ وَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ وَكَذَا التَّحْرِيمَةُ (١) . د - أَرْكَانُ الصِّيَامِ: ٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلصَّوْمِ رُكْنًا وَاحِدًا وَهُوَ الإِْمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ، وَأَمَّا النِّيَّةُ فَهِيَ شَرْطٌ عِنْدَهُمْ.

стр. 13967

وَاعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ النِّيَّةَ رُكْنًا، فَلِلصَّوْمِ رُكْنَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ هُمَا النِّيَّةُ وَالإِْمْسَاكُ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ ثَالِثًا وَهُوَ الصَّائِمُ (١) . هـ - أَرْكَانُ الاِعْتِكَافِ: ١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلاِعْتِكَافِ رُكْنًا وَاحِدًا وَهُوَ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: أَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ: النِّيَّةُ، وَالْمُعْتَكِفُ، وَاللُّبْثُ، وَالْمَسْجِدُ (٢) . و أَرْكَانُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: ١١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْحَجِّ رُكْنَيْنِ، الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَمُعْظَمُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ (أَرْبَعَةُ أَشْوَاطٍ) . وَأَمَّا الإِْحْرَامُ فَهُوَ شَرْطٌ ابْتِدَاءً، رُكْنٌ انْتِهَاءً. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَرْكَانَ الْحَجِّ أَرْبَعَةٌ: الإِْحْرَامُ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَالطَّوَافُ اتِّفَاقًا وَالسَّعْيُ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلاَفًا لاِبْنِ الْقَصَّارِ. وَزَادَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الأَْرْكَانِ: الْوُقُوفَ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَرَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلاً بِرُكْنِيَّةِ طَوَافِ الْقُدُومِ.

стр. 13968

قَال الدُّسُوقِيُّ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْوُقُوفَ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَرَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ غَيْرُ رُكْنَيْنِ، بَل الأَْوَّل مُسْتَحَبٌّ، وَالثَّانِي وَاجِبٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ. وَأَمَّا الْقَوْل بِرُكْنِيَّةِ طَوَافِ الْقُدُومِ فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ بَل الْمَذْهَبُ أَنَّهُ وَاجِبٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: أَرْكَانُ الْحَجِّ سِتَّةٌ: الإِْحْرَامُ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ، وَالْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ، وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَ الأَْرْكَانِ. كَمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَرْكَانِ الْعُمْرَةِ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَهَا رُكْنٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الطَّوَافُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَرْكَانُهَا ثَلاَثَةٌ: الإِْحْرَامُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ. وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ: الْحَلْقَ أَوِ التَّقْصِيرَ، وَالتَّرْتِيبَ (١) . الرُّكْنُ فِي الْعُقُودِ: ١٢ - هُنَاكَ اتِّجَاهَانِ فِي تَحْدِيدِ الرُّكْنِ فِي الْعُقُودِ: الأَْوَّل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ لِكُل عَقْدٍ ثَلاَثَةَ أَرْكَانٍ هِيَ: الصِّيغَةُ، وَالْعَاقِدَانِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الثَّلاَثَةُ تَئُول فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى سِتَّةٍ، فَمَثَلاً فِي الْبَيْعِ: الصِّيغَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول.

стр. 13969

وَالْعَاقِدَانِ هُمَا الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي. وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُوَ الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ. الثَّانِي: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِكُل عَقْدٍ رُكْنًا وَاحِدًا فَقَطْ وَهُوَ الصِّيغَةُ (الإِْيجَابُ وَالْقَبُول (١)) . أَقْسَامُ الرُّكْنِ: ١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَقْسِيمِ الرُّكْنِ فِي الصَّلاَةِ إِلَى فِعْلِيٍّ وَقَوْلِيٍّ (٢) . وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ هَذَا التَّقْسِيمِ فِي التَّكْرَارِ. وَانْفَرَدَ الْحَنَفِيَّةُ بِتَقْسِيمِ الرُّكْنِ فِي الصَّلاَةِ إِلَى رُكْنٍ أَصْلِيٍّ وَرُكْنٍ زَائِدٍ، فَالْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ أَرْكَانٌ أَصْلِيَّةٌ، وَالْقِرَاءَةُ وَالْقُعُودُ الأَْخِيرُ رُكْنَانِ زَائِدَانِ. وَالرُّكْنُ الزَّائِدُ عِنْدَهُمْ هُوَ مَا يَسْقُطُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقِ ضَرُورَةٍ بِلاَ خَلَفٍ، كَسُقُوطِ الْقِرَاءَةِ بِالاِقْتِدَاءِ. وَالرُّكْنُ الأَْصْلِيُّ مَا لاَ يَسْقُطُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ. وَمَعْنَى كَوْنِ الرُّكْنِ زَائِدًا أَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ حَيْثُ

стр. 13970

قِيَامِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِهِ فِي حَالَةٍ، وَانْتِفَاؤُهُ بِانْتِفَائِهِ، وَزَائِدٌ مِنْ حَيْثُ قِيَامُهُ بِدُونِهِ فِي حَالَةٍ أُخْرَى، فَالصَّلاَةُ مَاهِيَّةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَبِرَهَا الشَّارِعُ تَارَةً بِأَرْكَانٍ وَأُخْرَى بِأَقَل مِنْهَا. ثُمَّ إِنَّ اعْتِبَارَ الْقِرَاءَةِ، وَالْقُعُودِ الأَْخِيرِ رُكْنَيْنِ زَائِدَيْنِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحَل خِلاَفٍ عِنْدَهُمْ. أَمَّا الْقِرَاءَةُ فَالأَْكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا رُكْنٌ زَائِدٌ. كَمَا انْفَرَدَ الشَّافِعِيَّةُ بِتَقْسِيمِ الرُّكْنِ فِي الصَّلاَةِ إِلَى رُكْنٍ طَوِيلٍ وَرُكْنٍ قَصِيرٍ، فَالْقَصِيرُ عِنْدَهُمْ رُكْنَانِ: الاِعْتِدَال بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَمَا عَدَاهُمَا طَوِيلٌ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ عِنْدَهُمْ أَنَّ تَطْوِيل الرُّكْنِ الْقَصِيرِ عَمْدًا بِسُكُوتٍ أَوْ ذِكْرٍ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ يُبْطِل الصَّلاَةَ؛ لأَِنَّ تَطْوِيلَهُ تَغْيِيرٌ لِوَضْعِهِ، وَيُخِل بِالْمُوَالاَةِ؛ وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ بَل لِلْفَصْل بَيْنَ الأَْرْكَانِ، وَأَمَّا تَطْوِيلُهُ سَهْوًا فَلاَ يُبْطِل الصَّلاَةَ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَمِقْدَارُ التَّطْوِيل عِنْدَهُمْ أَنْ يُلْحَقَ الاِعْتِدَال بَعْدَ الرُّكُوعِ بِالْقِيَامِ لِلْقِرَاءَةِ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِالْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ، وَالْمُرَادُ قِرَاءَةُ الْوَاجِبِ فَقَطْ لاَ قِرَاءَتُهُ مَعَ الْمَنْدُوبِ أَيِ الْفَاتِحَةِ وَأَقَل التَّشَهُّدِ (١) .
следующие страницы →