← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 14001–14040 · переход к 14006.

стр. 14001

أَيْدِيَهُمْ - يَعْنِي عِنْدَ الرُّكُوعِ - (١) . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ وَعُلَمَاءُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ: إِنَّ الْمُصَلِّيَ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلاَّ لِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ (٢) . لأَِدِلَّةٍ مِنْهَا: قَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: لأَُصَلِّيَنَّ بِكُمْ صَلاَةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلاَّ فِي أَوَّل مَرَّةٍ (٣) . وَقَوْل الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ أُذُنَيْهِ ثُمَّ لاَ يَعُودُ (٤) .

стр. 14002

وَقَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فَلَمْ يَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ إِلاَّ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلاَةِ (١) . التَّكْبِيرُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرُّكُوعِ: ٨ - ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَبْتَدِئَ الرُّكُوعَ بِالتَّكْبِيرِ لِلأَْحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ مِنْهَا: (١) مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُول: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ (٢) . الْحَدِيثَ. (٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فَكَبَّرَ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَال: إِنِّي لأََشْبَهُكُمْ صَلاَةً بِرَسُول اللَّهِ ﷺ (٣) . (٣) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي كُل خَفْضٍ، وَرَفْعٍ،

стр. 14003

وَقِيَامٍ، وَقُعُودٍ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ (١) . (٤) وَلأَِنَّهُ شُرُوعٌ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ فَشُرِعَ فِيهِ التَّكْبِيرُ كَحَالَةِ ابْتِدَاءِ الصَّلاَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ كَغَيْرِهَا مِنْ تَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَال مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ الَّتِي تَبْطُل الصَّلاَةُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا، وَتَسْقُطُ إِذَا تُرِكَتْ سَهْوًا أَوْ جَهْلاً، وَلَكِنَّهَا تُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٢) وَثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ . كَانَ يَبْتَدِئُ الرُّكُوعَ بِالتَّكْبِيرِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ. وَيُسَنُّ لِلإِْمَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَالْحَنَابِلَةِ مَعًا أَنْ يَجْهَرَ بِهَذِهِ التَّكْبِيرَةِ، لِيَعْلَمَ الْمَأْمُومُ انْتِقَالَهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ بَلَّغَ عَنْهُ الْمُؤَذِّنُ أَوْ غَيْرُهُ (٣) .

стр. 14004

التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ: ٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَال: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (١) قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ (٢) . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ. وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ التَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ سُنَّةٌ، وَأَقَلُّهُ ثَلاَثٌ، فَإِنْ تُرِكَ التَّسْبِيحُ أَوْ نَقَصَ عَنِ الثَّلاَثِ كُرِهَ تَنْزِيهًا. وَالزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلاَثِ لِلْمُفْرَدِ أَفْضَل بَعْدَ أَنْ يَخْتِمَ عَلَى وِتْرٍ، وَلاَ يَزِيدُ الإِْمَامُ عَلَى وَجْهٍ يَمَل بِهِ الْقَوْمُ. وَقِيل: إِنَّ تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَاجِبَاتٌ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ مَنْدُوبٌ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ، وَالأَْوْلَى سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، وَقِيل: إِنَّهُ سُنَّةٌ، وَالتَّسْبِيحُ لاَ يَتَحَدَّدُ بِعَدَدٍ بِحَيْثُ إِذَا نَقَصَ عَنْهُ يَفُوتُهُ الثَّوَابُ، بَل إِذَا سَبَّحَ مَرَّةً يَحْصُل لَهُ الثَّوَابُ، وَإِنْ كَانَ يُزَادُ الثَّوَابُ بِزِيَادَتِهِ. وَيُنْهَى عَنِ الطُّول الْمُفْرِطِ فِي الْفَرِيضَةِ،

стр. 14005

بِخِلاَفِ النَّفْل؛ لأَِنَّ الْمَطْلُوبَ فِي حَقِّ الإِْمَامِ التَّخْفِيفُ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ، وَيَحْصُل أَصْل السُّنَّةِ بِتَسْبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَقَلُّهُ سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ سُبْحَانَ رَبِّي، وَأَدْنَى الْكَمَال سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ ثَلاَثًا، وَلِلْكَمَال دَرَجَاتٌ. فَبَعْدَ الثَّلاَثِ خَمْسٌ، ثُمَّ سَبْعٌ، ثُمَّ تِسْعٌ، ثُمَّ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَهُوَ الأَْكْمَل، وَلاَ يَزِيدُ الإِْمَامُ عَلَى الثَّلاَثِ، أَيْ يُكْرَه لَهُ ذَلِكَ؛ تَخْفِيفًا عَلَى الْمَأْمُومِينَ. وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ وَإِمَامُ قَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَاضِينَ بِالتَّطْوِيل: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي، وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقُول فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، وَهُوَ أَدْنَى الْكَمَال، وَالْوَاجِبُ مَرَّةٌ، وَالسُّنَّةُ ثَلاَثٌ، وَهُوَ أَدْنَى الْكَمَال، وَالأَْفْضَل الاِقْتِصَارُ عَلَى سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ (وَبِحَمْدِهِ) . وَلاَ يُسْتَحَبُّ لِلإِْمَامِ التَّطْوِيل، وَلاَ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلاَثٍ كَيْ لاَ يَشُقَّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ. وَهَذَا إِذَا لَمْ يَرْضَوْا بِالتَّطْوِيل (١) .

стр. 14006

قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ: ١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ (١) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ قَال: نَهَانِي رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَأَنَا رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ (٢) . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَلاَ وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ (٣) وَلأَِنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ حَال ذُلٍّ وَانْخِفَاضٍ، وَالْقُرْآنُ أَشْرَفُ الْكَلاَمِ. الدُّعَاءُ فِي الرُّكُوعِ: ١١ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْثُرُ أَنْ يَقُول فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي (٤) .

стр. 14007

وَلِمَا رَوَى عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَكَعَ قَال: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَلَكَ خَشَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي (١) . إِدْرَاكُ الرَّكْعَةِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ مَعَ الإِْمَامِ: ١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ (٢) وَلأَِنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ مِنَ الأَْرْكَانِ إِلاَّ الْقِيَامُ، وَهُوَ يَأْتِي بِهِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، ثُمَّ يُدْرِكُ مَعَ الإِْمَامِ بَقِيَّةَ الرَّكْعَةِ، وَهَذَا إِذَا أَدْرَكَ فِي طُمَأْنِينَةٍ الرُّكُوعَ أَوِ انْتَهَى إِلَى قَدْرِ الإِْجْزَاءِ مِنَ الرُّكُوعِ قَبْل أَنْ يَزُول الإِْمَامُ عَنْ قَدْرِ الإِْجْزَاءِ. وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرَةِ مُنْتَصِبًا، فَإِنْ أَتَى بِهَا بَعْدَ أَنِ انْتَهَى فِي الاِنْحِنَاءِ إِلَى قَدْرِ الرُّكُوعِ أَوْ بِبَعْضِهَا لاَ تَنْعَقِدُ؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا

стр. 14008

قَال بَعْضُهُمْ: إِلاَّ النَّافِلَةَ - ثُمَّ يَأْتِي بِتَكْبِيرَةٍ أُخْرَى لِلرُّكُوعِ فِي انْحِطَاطٍ إِلَيْهِ، فَالأُْولَى رُكْنٌ لاَ تَسْقُطُ بِحَالٍ، وَالثَّانِيَةُ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ، وَقَدْ تَسْقُطُ فِي مِثْل هَذِهِ الْحَالَةِ (١) . إِطَالَةُ الرُّكُوعِ لِيُدْرِكَ الدَّاخِل الرَّكْعَةَ: ١٣ - لَوْ أَحَسَّ الإِْمَامُ وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ بِدَاخِلٍ يُرِيدُ الصَّلاَةَ مَعَهُ هَل يَجُوزُ لَهُ الاِنْتِظَارُ بِتَطْوِيل الرُّكُوعِ لِيَلْحَقَهُ أَمْ لاَ؟ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْتَظِرُهُ؛ لأَِنَّ انْتِظَارَهُ فِيهِ تَشْرِيكٌ فِي الْعِبَادَةِ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢) . وَلأَِنَّ الإِْمَامَ مَأْمُورٌ بِالتَّخْفِيفِ رِفْقًا بِالْمُصَلِّينَ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّل مَا شَاءَ (٣) . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ

стр. 14009

الْمُنْذِرِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ يَعْرِفُ الدَّاخِل، أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ فَلاَ بَأْسَ بِالاِنْتِظَارِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَوْ أَرَادَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَالَجَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ سِوَى اللَّهِ لَمْ يُكْرَهِ اتِّفَاقًا لَكِنَّهُ نَادِرٌ، وَتُسَمَّى مَسْأَلَةَ الرِّيَاءِ، فَيَنْبَغِي التَّحَرُّزُ عَنْهَا. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ أَحَدُ الأَْقْوَال عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الاِنْتِظَارُ إِذَا كَانَ يَشُقُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، لأَِنَّ الَّذِينَ مَعَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الدَّاخِل، وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا يَنْتَظِرُهُ، لأَِنَّهُ يَنْفَعُ الدَّاخِل وَلاَ يَشُقُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو مِجْلَزٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى اسْتِحْبَابِ الاِنْتِظَارِ بِشُرُوطٍ هِيَ: أ - أَنْ يَكُونَ الْمَسْبُوقُ دَاخِل الْمَسْجِدِ حِينَ الاِنْتِظَارِ. ب - أَنْ لاَ يَفْحُشَ طُول الاِنْتِظَارِ. ج - أَنْ يَقْصِدَ بِهِ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ لاَ التَّوَدُّدَ إِلَى الدَّاخِل أَوِ اسْتِمَالَةَ قَلْبِهِ. د - أَنْ لاَ يُمَيِّزَ بَيْنَ دَاخِلٍ وَدَاخِلٍ، لِشَرَفِ الْمُنْتَظَرِ، أَوْ صَدَاقَتِهِ، أَوْ سِيَادَتِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، لأَِنَّ الاِنْتِظَارَ بِدُونِ تَمْيِيزٍ إِعَانَةٌ لِلدَّاخِل عَلَى إِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ. أَمَّا إِذَا أَحَسَّ بِقَادِمٍ لِلصَّلاَةِ خَارِجٍ عَنْ مَحَلِّهَا، أَوْ بَالَغَ فِي الاِنْتِظَارَ كَأَنْ يُطَوِّلَهُ تَطْوِيلاً لَوْ

стр. 14010

وُزِّعَ عَلَى جَمِيعِ الصَّلاَةِ لَظَهَرَ أَثَرُهُ، أَوْ لَمْ يَكُنِ انْتِظَارُهُ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ فَرَّقَ بَيْنَ الدَّاخِلِينَ لِلأَْسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ، فَلاَ يُسْتَحَبُّ الاِنْتِظَارُ قَطْعًا بَل يُكْرَهُ، فَإِنِ انْتَظَرَ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ بُطْلاَنُ الصَّلاَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ غَرِيبٌ (١) . ثَانِيًا - الرُّكُوعُ لِغَيْرِ اللَّهِ: ١٤ - قَال الْعُلَمَاءُ: مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ خَفْضِ الرَّأْسِ وَالاِنْحِنَاءِ إِلَى حَدٍّ لاَ يَصِل بِهِ إِلَى أَقَل الرُّكُوعِ - عِنْدَ اللِّقَاءِ - لاَ كُفْرَ بِهِ وَلاَ حُرْمَةَ كَذَلِكَ، لَكِنْ يَنْبَغِي كَرَاهَتُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : لِمَنْ قَال لَهُ: يَا رَسُول اللَّهِ، الرَّجُل مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَال: لاَ، قَال: أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَال: لاَ، قَال: أَفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَال: نَعَمْ (٢) . الْحَدِيثَ. أَمَّا إِذَا انْحَنَى وَوَصَل انْحِنَاؤُهُ إِلَى حَدِّ الرُّكُوعِ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَعْظِيمَ ذَلِكَ الْغَيْرِ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا وَلاَ حَرَامًا، وَلَكِنْ يُكْرَهُ أَشَدَّ الْكَرَاهَةِ لأَِنَّ

стр. 14011

صُورَتَهُ تَقَعُ فِي الْعَادَةِ لِلْمَخْلُوقِ كَثِيرًا. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى حُرْمَةِ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ، لأَِنَّ صُورَةَ هَيْئَةِ الرُّكُوعِ لَمْ تُعْهَدْ إِلاَّ لِعِبَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. قَال ابْنُ عَلاَّنَ الصِّدِّيقِيُّ: مِنَ الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ الاِنْحِنَاءُ عِنْدَ اللِّقَاءِ بِهَيْئَةِ الرُّكُوعِ، أَمَّا إِذَا وَصَل انْحِنَاؤُهُ لِلْمَخْلُوقِ إِلَى حَدِّ الرُّكُوعِ قَاصِدًا بِهِ تَعْظِيمَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ كَمَا يُعَظِّمُ اللَّهَ ، فَلاَ شَكَّ أَنَّ صَاحِبَهُ يَرْتَدُّ عَنِ الإِْسْلاَمِ وَيَكُونُ كَافِرًا بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ سَجَدَ لِذَلِكَ الْمَخْلُوقِ (١) .

стр. 14012

رُكُون التَّعْرِيفُ: ١ - الرُّكُونُ فِي اللُّغَةِ: مِنْ رَكَنَ إِلَى الشَّيْءِ يَرْكَنُ، وَيَرْكُنُ: مَال وَسَكَنَ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ: الْمَيْل إِلَى الْخَاطِبِ، وَظُهُورُ الرِّضَا بِهِ مِنَ الْمَرْأَةِ أَوْ مِنْ ذَوِيهَا (٢) . وَالرُّكُونُ يَشْمَل الْمُوَافَقَةَ الصَّرِيحَةَ وَظُهُورَ الرِّضَا بِوَجْهٍ يُفْهَمُ مِنْهُ إِذْعَانُ كُل وَاحِدٍ لِشَرْطِ صَاحِبِهِ وَإِرَادَةُ الْعَقْدِ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٢ - يُبَاحُ لِلْوَلِيِّ وَلِلْمَرْأَةِ الرُّجُوعُ عَنِ الرُّكُونِ فِي الْخِطْبَةِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ؛ لأَِنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لِلزَّوَاجِ الَّذِي هُوَ عَقْدٌ عُمْرِيٌّ يَدُومُ ضَرَرُهُ، فَكَانَ لَهَا الاِحْتِيَاطُ لِنَفْسِهَا، وَالنَّظَرُ فِي حَظِّهَا، وَالْوَلِيُّ قَائِمٌ مَقَامَهَا فِي ذَلِكَ. أَمَّا الرُّجُوعُ عَنِ الرُّكُونِ بِلاَ غَرَضٍ صَحِيحٍ

стр. 14013

فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إِخْلاَفِ الْوَعْدِ، وَالرُّجُوعِ عَنِ الْقَوْل، وَلَمْ يَحْرُمْ لأَِنَّ الْحَقَّ لَمْ يَلْزَمْ بَعْدُ، كَمَنْ سَاوَمَ لِسِلْعَةٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لاَ يَبِيعَهَا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (خِطْبَة ج ١٩ ص ١٩٥)

стр. 14014

رَمَاد التَّعْرِيفُ: ١ - الرَّمَادُ فِي اللُّغَةِ: دُقَاقُ الْفَحْمِ مِنْ حُرَاقَةِ النَّارِ، وَالْجَمْعُ: أَرْمِدَةٌ وَأَرْمِدَاءُ، وَأَصْل الْمَادَّةِ يُنْبِئُ عَنِ الْهَلاَكِ وَالْمَحْقِ، يُقَال: رَمِدَ رَمَدًا وَرَمَادَةً وَرُمُودَةً: هَلَكَ، وَلَمْ تَبْقَ فِيهِ بَقِيَّةٌ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَثَل الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ (١) . ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لأَِعْمَال الْكُفَّارِ فِي أَنَّهُ يَمْحَقُهَا كَمَا تَمْحَقُ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الرَّمَادَ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ (٢) . وَيُقَال: فُلاَنٌ " عَظِيمُ الرَّمَادِ "، كِنَايَةً عَنِ الْكَرَمِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ (٣) . وَالرَّمَادُ فِي الاِصْطِلاَحِ يُسْتَعْمَل فِي الْمَعْنَى

стр. 14015

اللُّغَوِيِّ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَا بَقِيَ بَعْدَ احْتِرَاقِ الشَّيْءِ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: التُّرَابُ وَالصَّعِيدُ: ٢ - التُّرَابُ مَا نَعُمَ مِنْ أَدِيمِ الأَْرْضِ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَالطَّائِفَةُ مِنْهُ تُرْبَةٌ، وَهِيَ ظَاهِرُ الأَْرْضِ، وَجَمْعُ التُّرَابِ أَتْرِبَةٌ وَتِرْبَانٌ (٢) . وَالصَّعِيدُ وَجْهُ الأَْرْضِ تُرَابًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، قَال الأَْزْهَرِيُّ: وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصَّعِيدَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٣) هُوَ التُّرَابُ الطَّاهِرُ الَّذِي عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ (٤) . الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرَّمَادِ: طَهَارَةُ الرَّمَادِ: ٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الرَّمَادَ الْحَاصِل مِنِ احْتِرَاقِ الشَّيْءِ الطَّاهِرِ طَاهِرٌ مَا لَمْ تَعْتَرِهِ النَّجَاسَةُ؛ لأَِنَّ حَرْقَ الشَّيْءِ لاَ يُنَجِّسُهُ، بَل هُوَ سَبَبُ التَّطْهِيرِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمَّا جُرِحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ،

стр. 14016

أَخَذَتْ فَاطِمَةُ ﵂ حَصِيرًا فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا، ثُمَّ أَلْزَقَتْهُ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ (١) . مَعَ مَنْعِهِ ﷺ عَنِ التَّدَاوِي بِالنَّجِسِ وَالْحَرَامِ. أَمَّا الرَّمَادُ الْحَاصِل مِنْ أَصْلٍ نَجِسٍ بَعْدَ احْتِرَاقِهِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ: فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُخْتَارُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَالتُّونُسِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَخِلاَفُ الظَّاهِرِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الرَّمَادَ الْحَاصِل مِنِ احْتِرَاقِ شَيْءٍ نَجِسٍ أَوْ مُتَنَجِّسٍ طَاهِرٌ، وَالْحَرْقُ كَالْغَسْل فِي التَّطْهِيرِ (٢) . قَال فِي الدُّرِّ: (وَإِلاَّ لَزِمَ نَجَاسَةُ الْخُبْزِ فِي سَائِرِ الأَْمْصَارِ) أَيْ لأَِنَّهُ كَانَ يُخْبَزُ بِالرَّوْثِ النَّجِسِ، وَيَعْلَقُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الرَّمَادِ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْحَطَّابُ (٣) . وَلأَِنَّ النَّارَ تَأْكُل مَا فِيهِ مِنَ النَّجَاسَةِ، أَوْ تُحِيلُهُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، فَيَطْهُرُ بِالاِسْتِحَالَةِ وَالاِنْقِلاَبِ، كَالْخَمْرِ إِذَا تَخَلَّلَتْ. وَعَلَى ذَلِكَ فَالْمَخْبُوزُ بِالرَّوْثِ النَّجِسِ طَاهِرٌ

стр. 14017

وَلَوْ تَعَلَّقَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ رَمَادِهِ، وَتَصِحُّ الصَّلاَةُ بِهِ قَبْل غَسْل الْفَمِ مِنْ أَكْلِهِ، وَيَجُوزُ حَمْلُهُ فِي الصَّلاَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ الدُّسُوقِيُّ (١) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْل أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِِلَى أَنَّ الرَّمَادَ الْحَاصِل مِنِ احْتِرَاقِ النَّجِسِ نَجِسٌ؛ لأَِنَّ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ قَائِمَةٌ، وَالإِْحْرَاقُ لاَ يَجْعَل مَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُ شَيْئًا آخَرَ، فَلاَ تَثْبُتُ الطَّهَارَةُ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ النَّجِسَةِ (٢) . قَال الْبُهُوتِيُّ: لاَ تَطْهُرُ نَجَاسَةٌ بِاسْتِحَالَةٍ، وَلاَ بِنَارٍ، فَالرَّمَادُ مِنَ الرَّوْثِ النَّجِسِ نَجِسٌ (٣) . التَّيَمُّمُ بِالرَّمَادِ: ٤ - الأَْصْل فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٤) قَال الْحَنَفِيَّةُ (عَدَا أَبِي يُوسُفَ) وَالْمَالِكِيَّةُ: الصَّعِيدُ مَا صَعِدَ أَيْ ظَهَرَ مِنْ أَجْزَاءِ الأَْرْضِ، فَهُوَ ظَاهِرُ الأَْرْضِ، فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِكُل مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ، كَمَا يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: جُعِلَتْ لِيَ الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا (٥) . وَكُل مَا يَحْتَرِقُ بِالنَّارِ فَيَصِيرُ رَمَادًا،

стр. 14018

كَالشَّجَرِ وَالْحَشِيشِ فَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الصَّعِيدُ هُوَ التُّرَابُ، كَمَا نُقِل عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: (الصَّعِيدُ: تُرَابُ الْحَرْثِ، وَالطَّيِّبُ: الطَّاهِرُ) وَالْمُرَادُ بِالْحَرْثِ أَرْضُ الزِّرَاعَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالرَّمَادِ وَلَوْ كَانَ طَاهِرًا عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِتُرَابٍ وَلاَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ (١) . وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ إِنْ دُقَّ الْخَزَفُ أَوِ الطِّينُ الْمُحْرَقُ لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ بِهِ كَذَلِكَ، كَمَا لاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِأَجْزَاءِ الأَْرْضِ الْمَحْرُوقَةِ لأَِنَّ الطَّبْخَ أَخْرَجَهَا عَنْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ التُّرَابِ (٢) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا أُحْرِقَ تُرَابُ الأَْرْضِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِطٍ حَتَّى صَارَ أَسْوَدَ جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ، لأَِنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَوْنُ التُّرَابِ لاَ ذَاتُهُ، كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّ الرَّمَادَ إِذَا كَانَ مِنَ الْحَطَبِ لاَ يَجُوزُ بِهِ التَّيَمُّمُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْحَجَرِ يَجُوزُ (٣) . مَالِيَّةُ الرَّمَادِ وَتَقَوُّمُهُ: ٥ - الْمَال مَا يَمِيل إِلَيْهِ الطَّبْعُ، وَيَجْرِي فِيهِ الْبَذْل

стр. 14019

وَالْمَنْعُ، وَالْمُتَقَوِّمُ مَا يُبَاحُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ شَرْعًا (١) . وَكُل طَاهِرٍ ذِي نَفْعٍ غَيْرُ مُحَرَّمٍ شَرْعًا مَالٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ مُتَقَوِّمٌ بِتَعْبِيرِ الْحَنَفِيَّةِ (٢) . وَعَلَى ذَلِكَ فَالرَّمَادُ الطَّاهِرُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُ مِمَّا يُبَاحُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ شَرْعًا، وَقَدْ ثَبَتَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي التَّدَاوِي فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ ﵂ الْمُتَقَدِّمِ ف / ٣. فَالْعُرْفُ جَارٍ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ خَالِصًا وَمَخْلُوطًا بِإِلْقَائِهِ فِي الأَْرْضِ لاِسْتِكْثَارِ الرِّيعِ فِي الزِّرَاعَةِ، وَنَحْوِهَا. وَلَمْ يَرِدِ النَّصُّ بِالنَّهْيِ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ، فَكَانَ مُتَمَوَّلاً مُنْتَفَعًا بِهِ عِنْدَ النَّاسِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ. كَذَلِكَ الرَّمَادُ الْحَاصِل مِنْ حَرْقِ النَّجِسِ أَوِ الْمُتَنَجِّسِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِطَهَارَتِهِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَإِنَّ الرَّمَادَ الْحَاصِل مِنِ احْتِرَاقِ النَّجِسِ طَاهِرٌ يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ عِنْدَهُمْ (٣) . أَمَّا مَنْ يَقُول بِبَقَائِهِ نَجِسًا، وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلاَفِ أَصْل الرَّمَادِ. فَإِنْ كَانَ أَصْل الرَّمَادِ قَبْل احْتِرَاقِهِ نَجِسًا بِحَيْثُ لاَ يُعْتَبَرُ مَالاً مُتَقَوِّمًا فِي الشَّرْعِ، كَالْخَمْرِ

стр. 14020

وَالْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ الْمَسْفُوحِ، وَرَجِيعِ الآْدَمِيِّ وَنَحْوِهَا، وَكَالْكَلْبِ وَالْحَشَرَاتِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لاَ نَفْعَ فِيهَا عِنْدَ الْبَعْضِ مَعَ تَفْصِيلٍ فِيهَا، فَمَا يَتَخَلَّفُ مِنْ حَرْقِ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ مِنَ الرَّمَادِ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ مِنَ النَّجَاسَةِ، فَلاَ يُعْتَبَرُ مَالاً مُتَقَوِّمًا عِنْدَهُمْ لأَِنَّ الْمُتَخَلِّفَ مِنَ النَّجَاسَةِ جُزْءٌ مِنْهَا، وَالْحَرْقُ لاَ يَجْعَلُهُ شَيْئًا آخَرَ (١) . قَال الدَّرْدِيرُ: النَّجَاسَةُ إِذَا تَغَيَّرَتْ أَعْرَاضُهَا لاَ تَتَغَيَّرُ عَنِ الْحُكْمِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ عَمَلاً بِالاِسْتِصْحَابِ (٢) . (ر: بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ف ٧ - ١٢) .

стр. 14021

رَمَضَان التَّعْرِيفُ: ١ - رَمَضَانُ اسْمٌ لِلشَّهْرِ الْمَعْرُوفِ، قِيل فِي تَسْمِيَتِهِ: إِنَّهُمْ لَمَّا نَقَلُوا أَسْمَاءَ الشُّهُورِ مِنَ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ سَمَّوْهَا بِالأَْزْمِنَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا، فَوَافَقَ هَذَا الشَّهْرُ أَيَّامَ رَمْضِ الْحَرِّ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ (١) . ثُبُوتُ شَهْرِ رَمَضَانَ: ٢ - يَثْبُتُ شَهْرُ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ هِلاَلِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ يَثْبُتُ بِإِكْمَال عِدَّةِ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ يَوْمًا. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَقَل مَنْ تَثْبُتُ الرُّؤْيَةُ بِشَهَادَتِهِمْ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى ثُبُوتِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ. وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ اعْتِبَارَ رُؤْيَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ بِكَوْنِ السَّمَاءِ غَيْرَ مُصْحِيَةٍ، بِأَنْ يَكُونَ فِيهَا عِلَّةٌ مِنْ غَيْمٍ أَوْ غُبَارٍ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ فَلاَ تَثْبُتُ الرُّؤْيَةُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ جَمْعٍ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ.

стр. 14022

وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِثُبُوتِ الشَّهْرِ بِرُؤْيَةِ الْعَدْل، بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلاَل، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ (١) . وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلاَل - يَعْنِي رَمَضَانَ - قَال: أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟ أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: يَا بِلاَل، أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًا (٢) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ شَهْرُ رَمَضَانَ إِلاَّ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ الْجَدَلِيِّ قَال: إِنَّ أَمِيرَ مَكَّةَ - الْحَارِثَ بْنَ حَاطِبٍ - قَال: عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ نَنْسُكَ لِلرُّؤْيَةِ، فَإِنْ لَمْ نَرَهُ وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا (٣) . وَالإِْخْبَارُ بِرُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ كَوْنِهِ

стр. 14023

رِوَايَةً أَوْ شَهَادَةً، فَمَنِ اعْتَبَرَهُ رِوَايَةً وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قُبِل فِيهِ قَوْل الْمَرْأَةِ. وَمَنِ اعْتَبَرَهُ شَهَادَةً وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَمْ يُقْبَل فِيهِ قَوْل الْمَرْأَةِ. فَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ رُؤْيَةُ الْهِلاَل وَجَبَ اسْتِكْمَال عِدَّةِ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ يَوْمًا، وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَرِوَايَةٌ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ - وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَال بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابَةٌ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلاَ تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالاً (١) . وَفِي رِوَايَةٍ: لاَ تَصُومُوا قَبْل رَمَضَانَ، صُومُوا لِلرُّؤْيَةِ وَأَفْطِرُوا لِلرُّؤْيَةِ، فَإِنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَايَةٌ فَأَكْمِلُوا ثَلاَثِينَ (٢) . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى هِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً وَلَمْ يُرَ الْهِلاَل لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ أُكْمِلَتْ عِدَّةُ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ يَوْمًا، فَإِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ قَتَرٌ أَوْ غَيْمٌ وَلَمْ يُرَ الْهِلاَل، قُدِّرَ شَعْبَانُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَصِيمَ يَوْمُ الثَّلاَثِينَ (يَوْمُ الشَّكِّ) احْتِيَاطًا بِنِيَّةِ رَمَضَانَ، وَاسْتَدَلُّوا

стр. 14024

بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ (١) وَفَسَّرُوا قَوْلَهُ: فَاقْدُرُوا لَهُ أَيْ ضَيِّقُوا لَهُ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَل شَعْبَانُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا. وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْحِسَابِ فِي إِثْبَاتِ شَهْرِ رَمَضَانَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّنَا لَمْ نُتَعَبَّدْ إِلاَّ بِالرُّؤْيَةِ. وَخَالَفَ فِي هَذَا بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ. وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (رُؤْيَةُ الْهِلاَل، وَتَنْجِيم) . اخْتِلاَفُ مَطَالِعِ هِلاَل رَمَضَانَ: ٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ اخْتِلاَفِ الْمَطَالِعِ فِي إِثْبَاتِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِذَا ثَبَتَ رُؤْيَةُ هِلاَل رَمَضَانَ فِي بَلَدٍ لَزِمَ الصَّوْمُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْبِلاَدِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ : صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ (٢) وَهُوَ خِطَابٌ لِلأُْمَّةِ كَافَّةً. وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اعْتِبَارُ اخْتِلاَفِ

стр. 14025

الْمَطَالِعِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (رُؤْيَةِ الْهِلاَل، وَمَطَالِعَ) . ٤ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اعْتِبَارِ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ فِي رُؤْيَةِ هِلاَل شَوَّالٍ، وَبِهِ يَنْتَهِي رَمَضَانُ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي هَذَا إِلاَّ أَبُو ثَوْرٍ، فَقَال: يُقْبَل قَوْل الْوَاحِدِ. وَدَلِيل اعْتِبَارِ شَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلاَل - هِلاَل رَمَضَانَ - وَكَانَ لاَ يُجِيزُ عَلَى شَهَادَةِ الإِْفْطَارِ إِلاَّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ (١) . وَقِيَاسًا عَلَى بَاقِي الشَّهَادَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مَالاً، وَلاَ يُقْصَدُ مِنْهَا الْمَال، كَالْقِصَاصِ وَاَلَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَال غَالِبًا، وَلأَِنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى هِلاَلٍ لاَ يَدْخُل بِهَا فِي الْعِبَادَةِ، فَلَمْ تُقْبَل فِيهَا إِلاَّ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ كَسَائِرِ الشُّهُودِ (٢) . خَصَائِصُ شَهْرِ رَمَضَانَ: يَخْتَصُّ شَهْرُ رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ بِجُمْلَةٍ مِنَ الأَْحْكَامِ وَالْفَضَائِل:

стр. 14026

الأُْولَى: نُزُول الْقُرْآنِ فِيهِ: ٥ - نَزَل الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَفِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْهُ عَلَى التَّعْيِينِ. ثُمَّ نَزَل مُفَصَّلاً بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ فِي ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِل فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (١) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٢) . وَقَدْ جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ مُجَاهِدٍ ﵁ قَوْلُهُ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ، لَيْسَ فِي تِلْكَ الشُّهُورِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ ". وَوَرَدَ مِثْلُهُ عَنْ قَتَادَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ وَابْنِ كَثِيرٍ (٣) . الثَّانِيَةُ: وُجُوبُ صَوْمِهِ: ٦ - صَوْمُ رَمَضَانَ أَحَدُ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ الْخَمْسَةِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: بُنِيَ الإِْسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ،

стр. 14027

وَصَوْمِ رَمَضَانَ (١) . وَدَل الْكِتَابُ الْكَرِيمُ عَلَى وُجُوبِ صَوْمِهِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِل فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣) . الآْيَةَ. وَفَرْضِيَّةُ صَوْمِهِ مِمَّا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُْمَّةُ. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (صَوْم) . الثَّالِثَةُ: فَضْل الصَّدَقَةِ فِيهِ: ٧ - دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي رَمَضَانَ أَفْضَل مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ، مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيل، وَكَانَ جِبْرِيل ﵇ يَلْقَاهُ كُل لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيل ﵇ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ (٤) . قَال ابْنُ حَجَرٍ

стр. 14028

وَالْجُودُ فِي الشَّرْعِ إِعْطَاءُ مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَأَيْضًا رَمَضَانُ مَوْسِمُ الْخَيْرَاتِ، لأَِنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِيهِ زَائِدَةٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤْثِرُ مُتَابَعَةَ سُنَّةِ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ (١) . الرَّابِعَةُ: أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ: ٨ - فَضَّل اللَّهُ تَعَالَى رَمَضَانَ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَفِي بَيَانِ مَنْزِلَةِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ نَزَلَتْ سُورَةُ الْقَدْرِ وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَل فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (٢) ". وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ) .

стр. 14029

الْخَامِسَةُ: صَلاَةُ التَّرَاوِيحِ: ٩ - أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى سُنِّيَّةِ قِيَامِ لَيَالِيِ رَمَضَانَ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقِيَامِ رَمَضَانَ صَلاَةُ التَّرَاوِيحِ يَعْنِي أَنَّهُ يَحْصُل الْمَقْصُودُ مِنَ الْقِيَامِ بِصَلاَةِ التَّرَاوِيحِ (١) . وَقَدْ جَاءَ فِي فَضْل قِيَامِ لَيَالِيِ رَمَضَانَ قَوْلُهُ ﷺ : مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (٢) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْيَاءِ اللَّيْل) وَمُصْطَلَحِ: (صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ) . السَّادِسَةُ: الاِعْتِكَافُ فِيهِ: ١٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الاِعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَْوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ (٣) . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَْوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا

стр. 14030

كَانَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ قَال: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَْوَاخِرَ. الْحَدِيثَ (١) . وَيُرَاجَعُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (اعْتِكَاف ٥ / ٢٠٧) . السَّابِعَةُ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي رَمَضَانَ وَالذِّكْرُ: ١١ - يُسْتَحَبُّ فِي رَمَضَانَ اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا مُدَارَسَةُ الْقُرْآنِ وَكَثْرَةُ تِلاَوَتِهِ، وَتَكُونُ مُدَارَسَةُ الْقُرْآنِ بِأَنْ يَقْرَأَ عَلَى غَيْرِهِ وَيَقْرَأَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ، وَدَلِيل الاِسْتِحْبَابِ أَنَّ جِبْرِيل كَانَ يَلْقَى النَّبِيَّ ﷺ فِي كُل لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ (٢) . وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مُسْتَحَبَّةٌ مُطْلَقًا، وَلَكِنَّهَا فِي رَمَضَانَ آكَدُ (٣) . الثَّامِنَةُ: مُضَاعَفَةُ ثَوَابِ الأَْعْمَال الصَّالِحَةِ فِي رَمَضَانَ: ١٢ - تَتَأَكَّدُ الصَّدَقَةُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، لِحَدِيثِ

стр. 14031

ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ؛ لأَِنَّهُ أَفْضَل الشُّهُورِ؛ وَلأَِنَّ النَّاسَ فِيهِ مَشْغُولُونَ بِالطَّاعَةِ فَلاَ يَتَفَرَّغُونَ لِمَكَاسِبِهِمْ، فَتَكُونُ الْحَاجَةُ فِيهِ أَشَدَّ، وَلِتَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ بِهِ. قَال إِبْرَاهِيمُ: تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ تَسْبِيحَةٍ فِيمَا سِوَاهُ (١) . التَّاسِعَةُ: تَفْطِيرُ الصَّائِمِ: ١٣ - لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْل أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا (٢) . الْعَاشِرَةُ: فَضْل الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ: ١٤ - الْعُمْرَةُ فِي رَمَضَانَ أَفْضَل مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ (٣) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِل حَجَّةً (٤) .

стр. 14032

تَرْكُ التَّكَسُّبِ فِي رَمَضَانَ لِلتَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ: ١٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الاِكْتِسَابَ فَرْضٌ لِلْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ بِقَدْرِ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيُّهُمَا أَفْضَل: الاِشْتِغَال بِالْكَسْبِ أَفْضَل، أَمِ التَّفَرُّغُ لِلْعِبَادَةِ؟ . فَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّ الاِشْتِغَال بِالْكَسْبِ أَفْضَل؛ لأَِنَّ مَنْفَعَةَ الاِكْتِسَابِ أَعَمُّ، فَمَنِ اشْتَغَل بِالزِّرَاعَةِ - مَثَلاً - عَمَّ نَفْعُ عَمَلِهِ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنِ اشْتَغَل بِالْعِبَادَةِ نَفَعَ نَفْسَهُ فَقَطْ. وَبِالْكَسْبِ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ كَالْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَالصَّدَقَةِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الأَْرْحَامِ وَالإِْحْسَانِ إِلَى الأَْقَارِبِ وَالأَْجَانِبِ، وَفِي التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ لاَ يَتَمَكَّنُ إِلاَّ مِنْ أَدَاءِ بَعْضِ الأَْنْوَاعِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ. وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الاِشْتِغَال بِالْعِبَادَةِ أَفْضَل احْتَجَّ بِأَنَّ الأَْنْبِيَاءَ وَالرُّسُل عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا اشْتَغَلُوا بِالْكَسْبِ فِي عَامَّةِ الأَْوْقَاتِ، وَكَانَ اشْتِغَالُهُمْ بِالْعِبَادَةِ أَكْثَرُ، فَيَدُل هَذَا عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الاِشْتِغَال بِالْعِبَادَةِ؛ لأَِنَّهُمْ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانُوا يَخْتَارُونَ لأَِنْفُسِهِمْ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ. وَعَلَيْهِ فَمَنْ مَلَكَ مَا يَكْفِي حَاجَتَهُ فِي رَمَضَانَ كَانَ الأَْفْضَل فِي حَقِّهِ التَّفَرُّغَ لِلْعِبَادَةِ طَلَبًا لِلْفَضْل فِي هَذَا الشَّهْرِ، وَإِلاَّ كَانَ الأَْفْضَل فِي حَقِّهِ التَّكَسُّبَ حَتَّى لاَ يَتْرُكَ مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْصِيل مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ.

стр. 14033

وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ جَابِرٍ الْخَيْوَانِيِّ قَال: شَهِدْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَتَاهُ مَوْلًى لَهُ فَقَال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُقِيمَ هَذَا الشَّهْرَ هَاهُنَا - يَعْنِي رَمَضَانَ - قَال لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: هَل تَرَكْتَ لأَِهْلِكَ مَا يَقُوتُهُمْ؟ قَال: لاَ، قَال: أَمَا لاَ، فَارْجِعْ فَدَعْ لَهُمْ مَا يَقُوتُهُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ (١) وَقَدْ تَرْجَمَ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ لأَِخْلاَقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: ذِكْرُ مَا يَجِبُ عَلَى طَالِبِ الْحَدِيثِ مِنْ الاِحْتِرَافِ لِلْعِيَال وَاكْتِسَابِ الْحَلاَل (٢) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (اكْتِسَاب) .

стр. 14034

رَمَق التَّعْرِيفُ: ١ - الرَّمَقُ: لُغَةً بَقِيَّةُ الرُّوحِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ الْقُوَّةُ، وَقِيل: هُوَ آخِرُ النَّفَسِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَتَيْتُ أَبَا جَهْلٍ وَبِهِ رَمَقٌ (١) . وَرَمَقَهُ يَرْمُقُهُ رَمَقًا: أَيْ أَطَال النَّظَرَ إِلَيْهِ، وَالرُّمْقَةُ الْقَلِيل مِنَ الْعَيْشِ الَّذِي يَمْسِكُ الرَّمَقَ، وَعَيْشٌ مُرْمَقٌ أَيْ قَلِيلٌ، وَأَرْمَقَ الْعَيْشُ أَيْ ضَعُفَ، وَمِنْ كَلاَمِهِمْ: مَوْتٌ لاَ يَجُرُّ إِلَى عَارٍ خَيْرٌ مِنْ عَيْشٍ فِي رَمَاقٍ، وَيُطْلَقُ الرَّمَقُ عَلَى الْقُوَّةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: يَأْكُل الْمُضْطَرُّ مِنْ لَحْمِ الْمَيْتَةِ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ أَيْ مَا يَمْسِكُ بِهِ قُوَّتَهُ وَيَحْفَظُهَا، وَالْمُرَامِقُ: الَّذِي لَمْ يَبْقَ فِيهِ إِلاَّ الرَّمَقُ (٢) . وَلاَ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.

стр. 14035

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرَّمَقِ: أ - التَّوْبَةُ فِي الرَّمَقِ الأَْخِيرِ: ٢ - بَحَثَ الْفُقَهَاءُ حُكْمَ تَوْبَةِ مَنْ كَانَ فِي الرَّمَقِ الأَْخِيرِ مِنْ حَيَاتِهِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل تَوْبَةُ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، وَشَاهَدَ الأَْحْوَال الَّتِي لاَ يُمْكِنُ مَعَهَا الرُّجُوعُ إِلَى الدُّنْيَا، وَعَايَنَ مَلَكَ الْمَوْتِ وَانْقَطَعَ حَبْل الرَّجَاءِ مِنْهُ؛ لأَِنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالآْخِرَةِ. وَلأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ عَزْمُهُ عَلَى أَلاَّ يَعُودَ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعَ تَمَكُّنِ التَّائِبِ مِنَ الذَّنْبِ وَبَقَاءِ أَوَانِ الاِخْتِيَارِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الآْنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (١) . وَقَال ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يَقْبَل تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ (٢) . وَقَال بَعْضُهُمْ: تَصْلُحُ تَوْبَتُهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لأَِنَّ الرَّجَاءَ بَاقٍ وَيَصِحُّ مِنْهُ النَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْفِعْل (٣) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ

стр. 14036

الَّذِي يَقْبَل التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (١) الآْيَةَ وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَوْبَة، إِيَاس) ب - الْقَوَدُ عَلَى مَنْ قَتَل شَخْصًا فِي الرَّمَقِ الأَْخِيرِ: ٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وُجِدَتْ جِنَايَةٌ مِنْ شَخْصٍ، فَأَوْصَل إِنْسَانًا إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ إِبْصَارٌ وَنُطْقٌ وَحَرَكَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ، ثُمَّ جَنَى عَلَيْهِ آخَرُ بِفِعْلٍ مُزْهِقٍ، فَالْقَاتِل هُوَ الأَْوَّل، وَيُعَزَّرُ الثَّانِي لأَِنَّهُ اعْتَدَى عَلَى حُرْمَةِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ جَنَى الثَّانِي قَبْل وُصُول الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ بِفِعْلٍ مُزْهِقٍ كَحَزِّ رَقَبَةٍ، فَالْقَاتِل هُوَ الثَّانِي، وَعَلَى الأَْوَّل قِصَاصُ الْعُضْوِ أَوْ دِيَتُهُ. وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَرْحُ الأَْوَّل يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ لاَ مَحَالَةَ إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَصِل إِلَى الرَّمَقِ الأَْخِيرِ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ، فَضَرَبَ الثَّانِي عُنُقَهُ، فَالْقَاتِل هُوَ الثَّانِي أَيْضًا لأَِنَّهُ فَوَّتَ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، بِدَلِيل: أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا جُرِحَ دَخَل عَلَيْهِ الطَّبِيبُ فَسَقَاهُ لَبَنًا فَخَرَجَ صَلْدًا أَبْيَضَ (أَيْ يَنْصَبُّ) فَعَلِمَ الطَّبِيبُ أَنَّهُ مَيِّتٌ فَقَال: اعْهَدْ إِلَى النَّاسِ، فَعَهِدَ إِلَيْهِمْ وَأَوْصَى وَجَعَل الْخِلاَفَةَ إِلَى أَهْل الشُّورَى، فَقَبِل الصَّحَابَةُ ﵃ عَهْدَهُ وَأَجْمَعُوا عَلَى قَبُول وَصَايَاهُ (٢) .

стр. 14037

أَمَّا لَوْ كَانَ وُصُول الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِلَى الرَّمَقِ الأَْخِيرِ بِسَبَبِ مَرَضٍ لاَ بِسَبَبِ جِنَايَةٍ، بِأَنْ كَانَ فِي حَالَةِ النَّزْعِ وَعَيْشُهُ عَيْشُ مَذْبُوحٍ، أَوْ بَدَتْ عَلَيْهِ مَخَايِل الْمَوْتِ، أَوْ قُتِل مَرِيضًا لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِل لأَِنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهَا، وَقَدْ يُظَنُّ ذَلِكَ ثُمَّ يُشْفَى. وَلأَِنَّ الْمَرِيضَ لَمْ يَسْبِقْ فِيهِ فِعْلٌ يُحَال الْقَتْل وَأَحْكَامُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يُهْدَرَ الْفِعْل الثَّانِي (١) . وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاص، دِيَة، وَقَتْل) ج - سَدُّ الرَّمَقِ بِأَكْل مَا هُوَ مُحَرَّمٌ: ٤ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُل مِنْ لَحْمِ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ، وَيَحْفَظُ بِهِ قُوَّتَهُ وَصِحَّتَهُ وَحَيَاتَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِل بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَل السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ - إِلَى أَنْ قَال - ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)

стр. 14038

وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ أَكْل هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مَوْتًا أَوْ ضَرَرًا كَبِيرًا مِنْ عَدَمِ الأَْكْل، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ هَل يَكْتَفِي بِسَدِّ الرَّمَقِ أَمْ يَشْبَعُ مِنْهُ، وَهَل هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ أَمْ لاَ؟ (١) وَتَفَاصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (ضَرُورَة) . د - ذَبْحُ الْحَيَوَانِ الَّذِي وَصَل إِلَى الرَّمَقِ الأَْخِيرِ: ٥ - الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ عِنْدَ الذَّبْحِ شَرْطٌ لِحِل أَكْل الْمَذْبُوحِ سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْحَيَاةُ حَقِيقِيَّةً أَوْ مَظْنُونَةً بِعَلاَمَاتٍ وَقَرَائِنَ. فَإِنْ مَرِضَ الْحَيَوَانُ أَوْ جَاعَ فَذُبِحَ وَقَدْ صَارَ فِي آخِرِ رَمَقٍ مِنَ الْحَيَاةِ حَل أَكْلُهُ لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يُحَال عَلَيْهِ الْهَلاَكُ، وَلَوْ مَرِضَ بِأَكْل نَبَاتٍ مُضِرٍّ حَتَّى صَارَ فِي آخِرِ رَمَقٍ فَذَبَحَهُ لَمْ يَحِل أَكْلُهُ لِكَوْنِ هَذَا سَبَبًا يُحَال عَلَيْهِ الْهَلاَكُ (٢) . وَتَفَاصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (ذَبَائِح) .

стр. 14039

رَمَل التَّعْرِيفُ: ١ - الرَّمَل - بِتَحْرِيكِ الْمِيمِ -: الْهَرْوَلَةُ. رَمَل يَرْمُل رَمَلاً وَرَمَلاَنًا. كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ. وَأَحْسَنُ بَيَانٍ لِمَعْنَى الرَّمَل قَوْل صَاحِبِ النِّهَايَةِ: رَمَل يَرْمُل رَمَلاً وَرَمَلاَنًا: إِذَا أَسْرَعَ فِي الْمَشْيِ وَهَزَّ كَتِفَيْهِ (١) ". الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٢ - الرَّمَل سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ، يُسَنُّ فِي الأَْشْوَاطِ الثَّلاَثَةِ الأُْولَى مِنْ كُل طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَسُنِّيَّةُ الرَّمَل هَذِهِ خَاصَّةٌ بِالرِّجَال فَقَطْ دُونَ النِّسَاءِ (٢) . انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (طَوَاف) . رَمْي

стр. 14040

رَمْي التَّعْرِيفُ: ١ - الرَّمْيُ لُغَةً: يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْقَذْفِ، وَبِمَعْنَى الإِْلْقَاءِ، يُقَال: رَمَيْتُ الشَّيْءَ وَبِالشَّيْءِ، إِذَا قَذَفْتَهُ، وَرَمَيْتُ الشَّيْءَ مِنْ يَدَيَّ أَيْ: أَلْقَيْتُهُ فَارْتَمَى، وَرَمَى بِالشَّيْءِ أَيْضًا أَلْقَاهُ، كَأَرْمَى، يُقَال: أَرْمَى الْفَرَسُ بِرَاكِبِهِ إِذَا أَلْقَاهُ. وَرَمَى السَّهْمَ عَنِ الْقَوْسِ وَعَلَيْهَا، لاَ بِهَا، رَمْيًا وَرِمَايَةً. وَلاَ يُقَال: رَمَيْتُ بِالْقَوْسِ إِلاَّ إِذَا أَلْقَيْتَهَا مِنْ يَدِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ بِمَعْنَى رَمَيْتُ عَنْهَا. وَرَمَى فُلاَنٌ فُلاَنًا، أَيْ قَذَفَهُ بِالْفَاحِشَةِ (١) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٢) . الرَّمْيُ اصْطِلاَحًا: ٢ - اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ الرَّمْيَ فِي الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ السَّابِقَةِ وَمِنْهَا رَمْيُ الْجِمَارِ الَّذِي هُوَ مَنْسَكٌ وَاجِبٌ
следующие страницы →