← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 14911–14950 · переход к 14916.

стр. 14911

وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الأَْوْلَى أَنْ لاَ يَعُودَ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَإِذَا اسْتَوَى فَلاَ يَجْلِسْ وَلاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ إِنْ عَادَ وَلَكِنَّهُ أَسَاءَ، وَكُرِهَ خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَ الْمُضِيَّ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ مَا لَوْ شَرَعَ الإِْمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ فَإِنَّ صَلاَتَهُ تَبْطُل إِنْ عَادَ؛ لأَِنَّهُ شَرَعَ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الرُّكُوعِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا عَادَ لِلتَّشَهُّدِ بَعْدَ أَنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلاً مِنْ غَيْرِ عَمْدٍ فَإِنَّ صَلاَتَهُ لاَ تَبْطُل. (١) لِلْحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. (٢)

стр. 14912

سُجُودُ الشُّكْرِ . التَّعْرِيفُ: ١ - السُّجُودُ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَالشُّكْرُ لُغَةً: هُوَ الاِعْتِرَافُ بِالْمَعْرُوفِ الْمُسْدَى إِلَيْكَ، وَنَشْرُهُ، وَالثَّنَاءُ عَلَى فَاعِلِهِ، وَضِدُّهُ الْكُفْرَانُ، قَال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (١) وَحَقِيقَةُ الشُّكْرِ: ظُهُورُ أَثَرِ النِّعْمَةِ عَلَى اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، بِأَنْ يَكُونَ اللِّسَانُ مُقِرًّا بِالْمَعْرُوفِ مُثْنِيًا بِهِ، وَيَكُونُ الْقَلْبُ مُعْتَرِفًا بِالنِّعْمَةِ، وَتَكُونُ الْجَوَارِحُ مُسْتَعْمَلَةً فِيمَا يَرْضَاهُ الْمَشْكُورُ. (٢) وَالشُّكْرُ لِلَّهِ فِي الاِصْطِلاَحِ: صَرْفُ الْعَبْدِ النِّعَمَ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ فِي طَاعَتِهِ. (٣)

стр. 14913

وَسُجُودُ الشُّكْرِ شَرْعًا: هُوَ سَجْدَةٌ يَفْعَلُهَا الإِْنْسَانُ عِنْدَ هُجُومِ نِعْمَةٍ، أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ (١) . مَشْرُوعِيَّةُ سُجُودِ الشُّكْرِ: ٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ لِلشُّكْرِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَهُوَ قَوْل ابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَعَزَاهُ ابْنُ الْقَصَّارِ إِلَى مَالِكٍ وَصَحَّحَهُ الْبُنَانِيُّ إِلَى أَنَّهُ مَشْرُوعٌ. لِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرُ سُرُورٍ - أَوْ: بُشِّرَ بِهِ - خَرَّ سَاجِدًا شَاكِرًا لِلَّهِ. (٢) وَسَجَدَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ حِينَ فَتَحَ الْيَمَامَةَ حِينَ جَاءَهُ خَبَرُ قَتْل مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ. وَسَجَدَ عَلِيٌّ ﵁ حِينَ وَجَدَ ذَا الثُّدَيَّةِ بَيْنَ قَتْلَى الْخَوَارِجِ، وَرُوِيَ السُّجُودُ لِلشُّكْرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَنَّ جِبْرِيل قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ صَلَّى

стр. 14914

عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَسَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ شُكْرًا لِلَّهِ. (١) وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ ﷺ سَجَدَ لِرُؤْيَةِ زَمِنٍ، وَأُخْرَى لِرُؤْيَةِ قَرَدٍ، وَأُخْرَى لِرُؤْيَةِ نُغَاشِيٍّ. (٢) قَال الْحَجَّاوِيُّ: النُّغَاشِيُّ قِيل: هُوَ نَاقِصُ الْخِلْقَةِ، وَقِيل: هُوَ الْمُبْتَلَى، وَقِيل: مُخْتَلِطُ الْعَقْل. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي سَجْدَةِ (ص) : سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَأَسْجُدُهَا شُكْرًا، (٣) وَبِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عِنْدَ

стр. 14915

الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ " لَمَّا بُشِّرَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ خَرَّ سَاجِدًا (١) . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ عَلَى الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَالنَّخَعِيُّ عَلَى مَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى أَنَّ السُّجُودَ لِلشُّكْرِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ. قَال الْبُنَانِيُّ: وَجْهُ الْمَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ عَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ، وَذَلِكَ لِمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ قِيل لِمَالِكٍ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ سَجَدَ فِي فَتْحِ الْيَمَامَةِ شُكْرًا، قَال: مَا سَمِعْتُ ذَلِكَ، وَأَرَى أَنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ فَمَا سَمِعْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ سَجَدَ. (٢) وَاحْتَجَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ لأَِصْحَابِ هَذَا الْقَوْل بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَكَا إِلَيْهِ رَجُلٌ الْقَحْطَ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا، فَسُقُوا فِي الْحَال وَدَامَ الْمَطَرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُْخْرَى، فَقَال رَجُلٌ: يَا رَسُول اللَّهِ، تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ وَتَقَطَّعَتِ السُّبُل فَادْعُ اللَّهَ يَرْفَعْهُ عَنَّا، فَدَعَا فَرَفَعَهُ فِي الْحَال (٣) قَال: فَلَمْ يَسْجُدِ

стр. 14916

النَّبِيُّ ﷺ لِتَجَدُّدِ نِعْمَةِ الْمَطَرِ أَوَّلاً، وَلاَ لِرَفْعِ نِقْمَتِهِ آخِرًا. وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يَخْلُو مِنْ نِعْمَةٍ، فَإِنْ كَلَّفَهُ لَزِمَ الْحَرَجُ. (١) الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٣ - مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي حُكْمِ سُجُودِ الشُّكْرِ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ أَنَّهُ سُنَّةٌ، لِمَا وَرَدَ مِنَ الأَْحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ. وَقَدْ أَفَادَ الزَّرْقَانِيُّ - عَلَى الْقَوْل بِمَشْرُوعِيَّتِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - أَنَّهُ عَلَى هَذَا الْقَوْل غَيْرُ مَطْلُوبٍ، أَيْ لَيْسَ مُسْتَحَبًّا، وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ فَقَطْ. وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ سُجُودَ الشُّكْرِ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ نَصُّ مَالِكٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عِنْدَهُ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ الْكَرَاهَةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِمَا يَدُل عَلَى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، فَعِبَارَةُ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: سَجْدَةُ الشُّكْرِ لاَ عِبْرَةَ بِهَا، وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ يُثَابُ عَلَيْهَا، وَتَرْكُهَا أَوْلَى. (٢) .

стр. 14917

أَسْبَابُ سُجُودِ الشُّكْرِ: ٤ - يُشْرَعُ سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ مَنْ قَال بِهِ لِطُرُوءِ نِعْمَةٍ ظَاهِرَةٍ، كَأَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ وَلَدًا بَعْدَ الْيَأْسِ، أَوْ لاِنْدِفَاعِ نِقْمَةٍ كَأَنْ شُفِيَ لَهُ مَرِيضٌ، أَوْ وَجَدَ ضَالَّةً، أَوْ نَجَا هُوَ أَوْ مَالُهُ مِنْ غَرَقٍ أَوْ حَرِيقٍ. أَوْ لِرُؤْيَةِ مُبْتَلًى أَوْ عَاصٍ أَيْ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى سَلاَمَتِهِ هُوَ مِنْ مِثْل ذَلِكَ الْبَلاَءِ وَتِلْكَ الْمَعْصِيَةِ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُسَنُّ السُّجُودُ سَوَاءٌ كَانَتِ النِّعْمَةُ الْحَاصِلَةُ أَوِ النِّقْمَةُ الْمُنْدَفِعَةُ خَاصَّةً بِهِ أَوْ بِنَحْوِ وَلَدِهِ، أَوْ عَامَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، كَالنَّصْرِ عَلَى الأَْعْدَاءِ، أَوْ زَوَال طَاعُونٍ وَنَحْوِهِ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَسْجُدُ لِنِعْمَةٍ عَامَّةٍ وَلاَ يَسْجُدُ لِنِعْمَةٍ خَاصَّةٍ، قَدَّمَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. (١) ثُمَّ إِنَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: لاَ يُشْرَعُ السُّجُودُ لاِسْتِمْرَارِ النِّعَمِ لأَِنَّهَا لاَ تَنْقَطِعُ. (٢) وَلأَِنَّ الْعُقَلاَءَ يُهَنِّئُونَ بِالسَّلاَمَةِ مِنَ الأَْمْرِ الْعَارِضِ وَلاَ يَفْعَلُونَهُ كُل سَاعَةٍ. (٣) قَال الرَّمْلِيُّ: وَتَفُوتُ سَجْدَةُ الشُّكْرِ بِطُول الْفَصْل بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَبَبِهَا (٤) .

стр. 14918

شُرُوطُ سُجُودِ الشُّكْرِ: ٥ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ سُجُودَ الشُّكْرِ يُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلاَةِ، أَيْ مِنَ الطَّهَارَةِ، وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ، وَسِتْرِ الْعَوْرَةِ، وَاجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ. وَعَلَى هَذَا فَمَنْ كَانَ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ لِلشُّكْرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّرْقَاوِيُّ. وَعَلَى الْقَوْل بِجَوَازِ سُجُودِ الشُّكْرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى طَهَارَةٍ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَدَمَ افْتِقَارِهِ إِلَى ذَلِكَ، قَال الْحَطَّابُ: لأَِنَّ سِرَّ الْمَعْنَى الَّذِي يُؤْتَى بِالسُّجُودِ لأَِجْلِهِ يَزُول لَوْ تَرَاخَى حَتَّى يَتَطَهَّرَ. وَاخْتَارَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ لِسُجُودِ الشُّكْرِ. (١) كَيْفِيَّةُ سُجُودِ الشُّكْرِ: ٦ - يُصَرِّحُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ سُجُودَ الشُّكْرِ تُعْتَبَرُ فِي صِفَاتِهِ صِفَاتُ سُجُودِ التِّلاَوَةِ خَارِجَ الصَّلاَةِ، (٢) وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ لِلشُّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ وَيُكَبِّرُ وَيَسْجُدُ سَجْدَةً يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا وَيُسَبِّحُهُ.

стр. 14919

ثُمَّ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً أُخْرَى وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ. قَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: كَمَا فِي سُجُودِ التِّلاَوَةِ، وَقَدْ قَال فِي سُجُودِ التِّلاَوَةِ: يُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ وَلاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ. وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ فَلاَ تَشَهُّدَ عَلَيْهِ وَلاَ سَلاَمَ. (١) غَيْرَ أَنَّ فِي التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ سُجُودِ الشُّكْرِ بَعْدَ الرَّفْعِ ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ أَصَحُّهَا: أَنَّهُ يُسَلِّمُ وَلاَ يَتَشَهَّدُ. (٢) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ اخْتِلاَفٌ فِي سُجُودِ التِّلاَوَةِ هَل يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ تَكْبِيرَتِهَا الأُْولَى أَمْ لاَ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ جَرَيَانُ الْخِلاَفِ فِي مِثْل ذَلِكَ فِي سَجْدَةِ الشُّكْرِ، وَيُسَلِّمُ، وَلاَ تَشَهُّدَ عَلَيْهِ. (٣) وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي سُجُودِ الشُّكْرِ السُّجُودُ عَلَى الأَْعْضَاءِ السَّبْعَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ رُكْنٌ فِيهِ، وَيَجِبُ فِيهِ التَّكْبِيرُ وَالتَّسْبِيحُ، إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَشَهُّدٌ وَلاَ جُلُوسَ لَهُ، وَأَنَّهُ تُجْزِئُ فِيهِ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ. (٤) سُجُودُ الشُّكْرِ فِي الصَّلاَةِ: ٧ - يُصَرِّحُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْجُدَ لِلشُّكْرِ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ، لأَِنَّ سَبَبَهَا خَارِجٌ

стр. 14920

عَنِ الصَّلاَةِ، فَإِنْ سَجَدَ فِي الصَّلاَةِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ. قَالُوا: إِلاَّ أَنْ يَكُونَ جَاهِلاً أَوْ نَاسِيًا فَلاَ تَبْطُل، كَمَا لَوْ زَادَ فِي الصَّلاَةِ سَجْدَةً نِسْيَانًا. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ بَأْسَ بِسُجُودِ الشُّكْرِ فِي الصَّلاَةِ. (١) وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَجْدَةِ سُورَةِ (ص) فَقِيل: هِيَ لِلشُّكْرِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَال: (ص) لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا (٢) . وَرَوَى النَّسَائِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا. (٣) وَقِيل: هِيَ لِلتِّلاَوَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ. مِنْ أَجْل ذَلِكَ فَلَوْ سَجَدَ عِنْدَ سَجْدَةِ سُورَةِ (ص) فِي الصَّلاَةِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلاً أَوْ نَاسِيًا. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَلاَ تَبْطُل، وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ لِلشُّكْرِ إِلاَّ أَنَّ لَهَا تَعَلُّقًا بِالصَّلاَةِ، فَهِيَ لَيْسَتْ

стр. 14921

لِمَحْضِ الشُّكْرِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَمَا فِي الْمُغْنِي. قَال الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلاً لاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَالْعَالِمُ بِحُكْمِهَا لَوْ سَجَدَ إِمَامُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَتُهُ بَل يَتَخَيَّرُ بَيْنَ انْتِظَارِهِ وَمُفَارَقَتِهِ، وَانْتِظَارُهُ أَفْضَل. (١) سُجُودُ الشُّكْرِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ: ٨ - يُكْرَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَسْجُدَ لِلشُّكْرِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُكْرَهُ فِيهِ النَّفْل. (٢) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَنْعَقِدُ فِي تِلْكَ الأَْوْقَاتِ تَطَوُّعٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ كَسُجُودِ شُكْرٍ. (٣) وَلاَ يَسْجُدُ لِلشُّكْرِ أَثْنَاءَ اسْتِمَاعِهِ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ (٤) . إِظْهَارُ سُجُودِ الشُّكْرِ وَإِخْفَاؤُهُ: ٩ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ مَنْ سَجَدَ لِنِعْمَةٍ أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ لاَ تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ السَّاجِدِ يُسْتَحَبُّ إِظْهَارُ السُّجُودِ، وَإِنْ سَجَدَ لِبَلِيَّةٍ فِي غَيْرِهِ وَصَاحِبُهَا غَيْرُ مَعْذُورٍ كَالْفَاسِقِ، يُظْهِرُ السُّجُودَ

стр. 14922

فَلَعَلَّهُ يَتُوبُ، وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا كَالزَّمِنِ وَنَحْوِهِ أَخْفَاهُ لِئَلاَّ يَتَأَذَّى بِهِ، وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ السُّجُودَ لِرُؤْيَةِ الْمُبْتَلَى إِنْ كَانَ مُبْتَلًى فِي دِينِهِ سَجَدَ بِحُضُورِهِ أَوْ بِغَيْرِ حُضُورِهِ، وَقَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلاَكَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ الْبَلاَءُ فِي بَدَنِهِ سَجَدَ وَقَال ذَلِكَ، وَكَتَمَهُ عَنْهُ، وَيَسْأَل اللَّهَ الْعَافِيَةَ، وَقَدْ قَال إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِحَضْرَةِ الْمُبْتَلَى (١) .

стр. 14923

سِحَاقٌ . التَّعْرِيفُ: ١ - السِّحَاقُ وَالْمُسَاحَقَةُ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا: أَنْ تَفْعَل الْمَرْأَةُ بِالْمَرْأَةِ مِثْل صُورَةِ مَا يَفْعَل بِهَا الرَّجُل (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الزِّنَى: ٢ - الزِّنَى فِي اللُّغَةِ: الْفُجُورُ. يُقَال: زَنَى يَزْنِي زِنًى وَزِنَاءً - بِكَسْرِهَا -: إِذَا فَجَرَ. وَاصْطِلاَحًا: إِيلاَجُ حَشَفَةٍ أَوْ قَدْرِهَا فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ مُشْتَهًى طَبْعًا بِلاَ شُبْهَةٍ (٢) .

стр. 14924

فَالزِّنَى وَالسِّحَاقُ يَتَّفِقَانِ مِنْ حَيْثُ الْحُرْمَةُ حَيْثُ إِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اسْتِمْتَاعٌ مُحَرَّمٌ، وَيَخْتَلِفَانِ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَحَل وَالأَْثَرُ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ السِّحَاقَ حَرَامٌ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : السِّحَاقُ زِنَى النِّسَاءِ بَيْنَهُنَّ. (١) وَقَدْ عَدَّهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنَ الْكَبَائِرِ. (٢) أَثَرُ السِّحَاقِ عَلَى الْوُضُوءِ: ٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَقْضِ السِّحَاقِ لِلْوُضُوءِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَمَاسَّ الْفَرْجَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْقُبُل أَوِ الدُّبُرِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَوْ بِلاَ بَلَلٍ - وَهُوَ عِنْدَهُمْ نَاقِضٌ حُكْمِيٌّ - وَاشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ تَمَاسُّ الْفَرْجَيْنِ مِنْ شَخْصَيْنِ مُشْتَهِيَيْنِ وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: لَمْسُ امْرَأَةٍ لأُِخْرَى بِشَهْوَةٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَلْتَذُّ بِالأُْخْرَى. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ نَقْضَ بِمَسِّ قُبُل امْرَأَةٍ لِقُبُل امْرَأَةٍ أُخْرَى أَوْ دُبُرِهَا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ. (٣)

стр. 14925

أَثَرُهُ عَلَى الْغُسْل: ٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْل إِذَا حَصَل إِنْزَالٌ بِالسِّحَاقِ، إِذْ أَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْل، أَمَّا إِذَا لَمْ يَحْصُل إِنْزَالٌ فَلاَ يَجِبُ الْغُسْل (١) . أَثَرُهُ عَلَى الصَّوْمِ: ٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا حَصَل إِنْزَالٌ بِالسِّحَاقِ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أَنْزَلَتْ. إِذْ أَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ عَنْ شَهْوَةٍ بِالْمُبَاشَرَةِ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ. قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: وَعَمَل الْمَرْأَتَيْنِ أَيْضًا كَعَمَل الرِّجَال جِمَاعٌ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لاَ قَضَاءَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِلاَّ إِذَا أَنْزَلَتْ وَلاَ كَفَّارَةَ مَعَ الإِْنْزَال. وَأَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَحْصُل إِنْزَالٌ فَإِنَّ الصَّوْمَ صَحِيحٌ. (٢)

стр. 14926

وَهَذَا فِي خُرُوجِ الْمَنِيِّ أَمَّا إِذَا حَصَل بِالسِّحَاقِ خُرُوجُ الْمَذْيِ فَقَطْ فَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ خُرُوجَ الْمَذْيِ بِلَمْسٍ أَوْ قُبْلَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ مُفْسِدٍ لِلصَّوْمِ كَذَلِكَ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. (١) وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (صَوْمٍ) . عُقُوبَةُ السِّحَاقِ: ٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ فِي السِّحَاقِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ زِنًى. وَإِنَّمَا يَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ؛ لأَِنَّهُ مَعْصِيَةٌ (٢) وَيُنْظَرُ (تَعْزِيرٌ، زِنًى) . نَظَرُ الْمُسَاحَقَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ: ٨ - اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ فِي جَوَازِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ الْمُسَاحَقَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ. فَذَهَبَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ وَابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ وَعَمِيرَةُ الْبُرُلُّسِيُّ إِلَى مَنْعِهِ وَحُرْمَةِ التَّكَشُّفِ لَهَا لأَِنَّهَا فَاسِقَةٌ، وَلاَ يُؤْمَنُ أَنْ تَحْكِيَ مَا تَرَاهُ. وَذَهَبَ الْبُلْقِينِيُّ وَالرَّمْلِيُّ وَالْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ

стр. 14927

إِلَى جَوَازِهِ؛ لأَِنَّهَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، وَالْفِسْقُ لاَ يُخْرِجُهَا عَنْ ذَلِكَ. (١) رَدُّ شَهَادَةِ الْمُسَاحَقَةِ: ٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي قَبُول شَهَادَةِ الشَّاهِدِ أَنْ يَكُونَ عَدْلاً، فَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْفَاسِقِ. وَلَمَّا كَانَ فِعْل السِّحَاقِ مُفَسِّقًا وَمُسْقِطًا لِلْعَدَالَةِ فَإِنَّهُ لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْمُسَاحَقَةِ. وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحِ الْفُقَهَاءُ بِرَدِّ الشَّهَادَةِ بِالسِّحَاقِ إِلاَّ أَنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْ كَلاَمِهِمْ وَقَوَاعِدِهِمُ الْعَامَّةِ فِي قَبُول الشَّهَادَةِ وَرَدِّهَا. (٢)

стр. 14928

سَحْبٌ . التَّعْرِيفُ: ١ - السَّحْبُ فِي اللُّغَةِ: جَرُّكَ الشَّيْءَ عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ كَالثَّوْبِ وَغَيْرِهِ. وَالسَّحْبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنْ يُعْطَى النَّقَاءُ الْمُتَخَلِّل بَيْنَ أَيَّامِ الْحَيْضِ حُكْمَ الْحَيْضِ، قَال الشِّرْوَانِيُّ: وَإِنَّمَا سَمَّوْهُ بِذَلِكَ لأَِنَّنَا سَحَبْنَا الْحُكْمَ بِالْحَيْضِ عَلَى النَّقَاءِ فَجَعَلْنَا الْكُل حَيْضًا (١) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - سَبَقَ أَنَّ السَّحْبَ يُرَادُ بِهِ الْحُكْمُ عَلَى النَّقَاءِ الْمُتَخَلِّل فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْقَوْل الرَّاجِحِ إِلَى أَنَّ أَيَّامَ الدَّمِ وَأَيَّامَ النَّقَاءِ كِلاَهُمَا حَيْضٌ بِشَرْطِ إِحَاطَةِ الدَّمِ لِطَرَفَيِ النَّقَاءِ الْمُتَخَلِّل.

стр. 14929

وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ وَهُمَا: أَنْ لاَ يُجَاوِزَ ذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَنْ لاَ تَنْقُصَ الدِّمَاءُ عَنْ أَقَل الْحَيْضِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلِهِمُ الثَّانِي وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ أَيَّامَ الدَّمِ حَيْضٌ، وَأَيَّامَ النَّقَاءِ طُهْرٌ، وَتُلَفَّقُ مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ حَيْضَهَا. وَيُطْلِقُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى هَذَا الْقَوْل (التَّلْفِيقَ) أَوِ (اللَّقْطَ) (١) . وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ تَلْفِيقٍ (١٣ / ٢٨٦) . ٣ - كَمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَقَطُّعِ دَمِ الْحَيْضِ وَمُجَاوَزَتِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى الْقَوْل بِالسَّحْبِ. فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُبْتَدَأَةَ حَيْضُهَا عَشْرَةُ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّل مَا تَرَى الدَّمَ، أَمَّا الْمُعْتَادَةُ فَإِنَّ عَادَتَهَا الْمَعْرُوفَةَ فِي الْحَيْضِ حَيْضٌ، وَعَادَتُهَا فِي الطُّهْرِ طُهْرٌ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ لِذَاتِ التَّقَطُّعِ أَرْبَعَةَ أَحْوَالٍ:

стр. 14930

أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونُ مُمَيَّزَةً بِأَنْ تَرَى يَوْمًا وَلَيْلَةً دَمًا أَسْوَدَ، ثُمَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً نَقَاءً، ثُمَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَسْوَدَ، ثُمَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً نَقَاءً، وَكَذَا مَرَّةٌ ثَالِثَةٌ وَرَابِعَةٌ وَخَامِسَةٌ ثُمَّ تَرَى بَعْدَ هَذِهِ الْعَشَرَةِ يَوْمًا وَلَيْلَةً دَمًا أَحْمَرَ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً نَقَاءً، ثُمَّ مَرَّةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً، وَتُجَاوِزُ خَمْسَةَ عَشَرَ مُتَقَطِّعًا كَذَلِكَ، أَوْ مُتَّصِلاً دَمًا أَحْمَرَ. فَهَذِهِ الْمُمَيَّزَةُ تُرَدُّ إِلَى التَّمْيِيزِ فَيَكُونُ الْعَاشِرُ فَمَا بَعْدَهُ طُهْرًا. وَالتِّسْعَةُ كُلُّهَا حَيْضٌ عَلَى قَوْل السَّحْبِ الرَّاجِحِ. وَإِنَّمَا لَمْ يَدْخُل مَعَهَا الْعَاشِرُ؛ لأَِنَّ النَّقَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ حَيْضًا عَلَى قَوْل السَّحْبِ إِذَا كَانَ بَيْنَ دَمَيِ الْحَيْضِ. وَهَذَا يَجْرِي فِي الْمُبْتَدَأَةِ وَالْمُعْتَادَةِ الْمُمَيَّزَةِ. الْحَال الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ ذَاتُ التَّقَطُّعِ مُعْتَادَةً غَيْرَ مُمَيَّزَةٍ وَهِيَ حَافِظَةٌ لِعَادَتِهَا، وَكَانَتْ عَادَتُهَا أَيَّامَهَا مُتَّصِلَةً لاَ تَقَطُّعَ فِيهَا فَتُرَدُّ إِلَى عَادَتِهَا. فَيَكُونُ كُل دَمٍ يَقَعُ فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ مَعَ النَّقَاءِ الْمُتَخَلِّل بَيْنَ الدَّمَيْنِ يَكُونُ جَمِيعُهُ حَيْضًا. فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا مِنْ أَوَّل كُل شَهْرٍ خَمْسَةَ أَيَّامٍ فَتَقَطَّعَ دَمُهَا يَوْمًا وَيَوْمًا وَجَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَحَيْضُهَا الْخَمْسَةُ الأُْولَى دَمًا وَنَقَاءً. الْحَال الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مُبْتَدَأَةً لاَ تَمْيِيزَ لَهَا. وَفِيهَا قَوْلاَنِ: أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهَا تُرَدُّ إِلَى أَقَل الْحَيْضِ وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. وَالثَّانِي أَنَّهَا تُرَدُّ إِلَى غَالِبِ الْحَيْضِ وَهُوَ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ. وَإِنْ رَدَدْنَاهَا إِلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَحَيْضُهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ سَوَاءٌ سَحَبْنَا أَوْ لَقَطْنَا.

стр. 14931

الْحَال الرَّابِعُ: النَّاسِيَةُ، وَهِيَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهَا: مَنْ نَسِيَتْ قَدْرَ عَادَتِهَا وَوَقْتِهَا وَهِيَ الْمُتَحَيِّرَةُ. وَالثَّانِي: مَنْ نَسِيَتْ قَدْرَ عَادَتِهَا وَذَكَرَتْ وَقْتَهَا، أَوْ نَسِيَتِ الْوَقْتَ وَذَكَرَتِ الْقَدْرَ. وَالصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِيهِمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهَا الاِحْتِيَاطُ، فَتَحْتَاطُ فِي أَزْمِنَةِ الدَّمِ، وَأَزْمِنَةِ النَّقَاءِ أَيْضًا. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (مُتَحَيِّرَةٍ) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى الْقَوْل بِالتَّلْفِيقِ. فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تُلَفِّقُ الْمُبْتَدَأَةُ نِصْفَ شَهْرٍ، وَتُلَفِّقُ الْمُعْتَادَةُ عَادَتَهَا وَاسْتِظْهَارَهَا. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تُلَفِّقُ الْمُبْتَدَأَةُ أَقَل الْحَيْضِ. وَالْمُعْتَادَةُ عَادَتَهَا ثُمَّ هِيَ بَعْدَ أَيَّامِ التَّلْفِيقِ مُسْتَحَاضَةٌ. (١) وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَلْفِيقٍ) (١٣ / ٢٨٨) .

стр. 14932

سُحْتٌ التَّعْرِيفُ: ١ - السُّحْتُ لُغَةً: مَا خَبُثَ وَقَبُحَ مِنَ الْمَكَاسِبِ فَلَزِمَ عَنْهُ الْعَارُ وَقَبِيحُ الذِّكْرِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِهَا. وَاصْطِلاَحًا: كُل مَالٍ حَرَامٍ لاَ يَحِل كَسْبُهُ وَلاَ أَكْلُهُ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ يُسْحِتُ الطَّاعَاتِ أَيْ يُذْهِبُهَا. وَقَدْ يَخُصُّ بِهِ الرِّشْوَةَ وَمَا يَأْخُذُهُ الشَّاهِدُ وَالْقَاضِي، وَالسَّحْتُ (بِفَتْحِ السِّينِ) وَالإِْسْحَاتُ: الاِسْتِئْصَال وَالإِْهْلاَكُ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ (١) أَيْ يَسْتَأْصِلَكُمْ. وَمِنَ السُّحْتِ: الرِّبَا وَالرِّشْوَةُ وَالْغَصْبُ وَالْقِمَارُ وَالسَّرِقَةُ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ وَالْمَال الْمَأْكُول بِالْبَاطِل (٢) .

стр. 14933

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْغَصْبُ: ٢ - الْغَصْبُ هُوَ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الاِسْتِيلاَءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ عُدْوَانًا. (١) فَالْغَصْبُ نَوْعٌ مِنَ السُّحْتِ، وَالسُّحْتُ أَشْمَل مِنْهُ لأَِنَّهُ كُل كَسْبٍ خَبِيثٍ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: يَنْقَسِمُ السُّحْتُ إِلَى أَنْوَاعٍ مِنْهَا: الرِّشْوَةُ: ٣ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّشْوَةَ - مَا يُعْطَى لإِِبْطَال حَقٍّ، أَوْ لإِِحْقَاقِ بَاطِلٍ - نَوْعٌ مِنَ السُّحْتِ لاَ خِلاَفَ فِي حُرْمَتِهِ وَأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ إِذَا اسْتَحَلَّهُ الآْخِذُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٢) أَيْ كَانُوا يَسْمَعُونَ الْكَذِبَ وَيَقْبَلُونَ الرِّشَا، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : كُل لَحْمٍ أَنْبَتَهُ

стр. 14934

السُّحْتُ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ قِيل: يَا رَسُول اللَّهِ وَمَا السُّحْتُ؟ قَال: الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ. (١) وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ الْهَدِيَّةُ لِلْحَاكِمِ أَوِ الْقَاضِي أَوْ صَاحِبِ الْجَاهِ، لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا أَخَذَ الْهَدِيَّةَ فَقَدْ أَكَل السُّحْتَ، وَإِذَا أَخَذَ الرِّشْوَةَ بَلَغَتْ بِهِ الْكُفْرَ. وَلِخَبَرِ: هَدَايَا الْعُمَّال سُحْتٌ (٢) لِقَوْلِهِ ﷺ : هَدَايَا الأُْمَرَاءِ سُحْتٌ. (٣) وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ (رِشْوَةٍ) . كَسْبُ الْحَجَّامِ: ٤ - مِنْ أَنْوَاعِ السُّحْتِ كَسْبُ الْحَجَّامِ: أَيْ

стр. 14935

أُجْرَتُهُ مِنَ الْحِجَامَةِ حَيْثُ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى حُرْمَةِ أُجْرَةِ الْحِجَامَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ (١) وَفِي رِوَايَةٍ: شَرُّ الْمَكْسَبِ مَهْرُ الْبَغِيِّ وَثَمَنُ الْكَلْبِ وَكَسْبُ الْحَجَّامِ. (٢) الْحَدِيثُ. وَقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّ مِنَ السُّحْتِ كَسْبَ الْحَجَّامِ. (٣) إِلاَّ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ يَرَى إِبَاحَةَ الاِسْتِئْجَارِ لِلْحِجَامَةِ، وَأَنَّ أَجْرَ الْحَجَّامِ مُبَاحٌ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ : احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ (٤) .، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَأْذَنُ أَنْ يُطْعَمَ بِهَا أَحَدٌ إِلاَّ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُجِيزِينَ يَرَى أَنَّ الْحِجَامَةَ مِنَ الْحِرَفِ الدَّنِيئَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ مُلاَبَسَةِ النَّجَاسَةِ كَالْكُنَاسَةِ فَيُكْرَهُ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَحْتَرِفَ بِهَا، قَال الْقُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ أَنَّهُ طَيِّبٌ وَمَنْ أَخَذَ طَيِّبًا لاَ تَسْقُطُ مُرُوءَتُهُ

стр. 14936

وَلاَ تَنْحَطُّ مَرْتَبَتُهُ، وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بَعْدَ مَا ذَكَرَ حَدِيثَ احْتِجَامِ النَّبِيِّ ﷺ : هَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ كَسْبَ الْحَجَّامِ طَيِّبٌ، لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ لاَ يَجْعَل ثَمَنًا وَلاَ جُعْلاً عِوَضًا لِشَيْءٍ مِنَ الْبَاطِل (١) . (ر: حِجَامَةٌ، أُجْرَةٌ، كَسْبٌ) . مَهْرُ الْبَغِيِّ: ٥ - مِنْ أَنْوَاعِ السُّحْتِ مَهْرُ الْبَغِيِّ، وَهُوَ مَا تَأْخُذُهُ الزَّانِيَةُ فِي مُقَابِل الزِّنَى، سُمِّيَ مَهْرًا مَجَازًا. وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : شَرُّ الْمَكَاسِبِ ثَمَنُ الْكَلْبِ وَكَسْبُ الْحَجَّامِ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ (٢) وَقَوْلِهِ ﷺ : مِنَ السُّحْتِ مَهْرُ الْبَغِيِّ (٣) الْحَدِيثُ. قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِمَهْرِ الزَّانِيَةِ لأَِنَّهُ كَسْبٌ خَبِيثٌ وَلاَ يُرَدُّ إِلَى الدَّافِعِ، لأَِنَّهُ دَفَعَهُ بِاخْتِيَارِهِ فِي مُقَابِل عِوَضٍ لاَ يُمْكِنُ لِصَاحِبِهِ اسْتِرْجَاعُهُ، وَلِكَيْ لاَ يُعَانَ صَاحِبُ الْمَعْصِيَةِ بِحُصُول غَرَضِهِ وَرُجُوعِ مَالِهِ (٤) . وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (زِنًى، مَهْرٍ، أُجْرَةٍ) .

стр. 14937

حُلْوَانُ الْكَاهِنِ: ٦ - مِنْ أَنْوَاعِ السُّحْتِ كَذَلِكَ حُلْوَانُ الْكَاهِنِ، وَهُوَ مَا يَأْخُذُهُ الْكَاهِنُ مُقَابِل إِخْبَارِهِ عَمَّا سَيَكُونُ، وَمُطَالَعَةِ الْغَيْبِ فِي زَعْمِهِ، وَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ. لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَثَمَنِ الْكَلْبِ وَالاِسْتِعْجَال فِي الْقَضِيَّةِ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَعَسْبِ الْفَحْل وَالرِّشْوَةِ فِي الْحُكْمِ وَثَمَنِ الْخَمْرِ وَثَمَنِ الْمَيْتَةِ: مِنَ السُّحْتِ (١) . وَلِمَا فِيهِ مِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ عَلَى أَمْرٍ بَاطِلٍ. وَفِي مَعْنَاهُ التَّنْجِيمُ وَالضَّرْبُ بِالْحَصَى وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَاطَاهُ الْعَرَّافُونَ مِنَ اسْتِطْلاَعِ الْغَيْبِ (٢) . وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (كِهَانَةٍ، عِرَافَةٍ) . ثَمَنُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ وَمَا شَابَهَهَا: ٧ - مِنْ أَنْوَاعِ السُّحْتِ ثَمَنُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ وَالأَْصْنَامِ.

стр. 14938

وَهَذِهِ الأَْنْوَاعُ مُتَّفَقٌ عَلَى حُرْمَتِهَا لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ (١) . وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال: مِنَ السُّحْتِ كَسْبُ الْحَجَّامِ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ وَثَمَنُ الْكَلْبِ وَثَمَنُ الْخَمْرِ وَثَمَنُ الْمَيْتَةِ. الْحَدِيثُ (٢) . وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٍ، أُجْرَةٍ، ثَمَنٍ) . مَا أُخِذَ بِالْحَيَاءِ: ٨ - مِنْ أَنْوَاعِ السُّحْتِ مَا أُخِذَ بِالْحَيَاءِ وَلَيْسَ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ كَمَنْ يَطْلُبُ مِنْ غَيْرِهِ مَالاً بِحَضْرَةِ النَّاسِ فَيَدْفَعُ إِلَيْهِ الشَّخْصُ بِبَاعِثِ الْحَيَاءِ وَالْقَهْرِ (٣) . رَاجِعْ مُصْطَلَحَ: حَيَاءٍ. سَحَرٌ انْظُرْ: تَهَجُّدٌ.

стр. 14939

سِحْرٌ التَّعْرِيفُ: ١ - السِّحْرُ لُغَةً: كُل مَا لَطُفَ مَأْخَذُهُ وَدَقَّ، وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا (١) وَسَحَرَهُ أَيْ خَدَعَهُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ (٢) أَيِ الْمَخْدُوعِينَ. وَيُطْلَقُ السِّحْرُ عَلَى أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ قَال الأَْزْهَرِيُّ: السِّحْرُ عَمَلٌ تُقُرِّبَ بِهِ إِلَى الشَّيْطَانِ وَبِمَعُونَةٍ مِنْهُ، كُل ذَلِكَ الأَْمْرِ كَيْنُونَةٌ لِلسِّحْرِ. قَال: وَأَصْل السِّحْرِ صَرْفُ الشَّيْءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَأَنَّ السَّاحِرَ لَمَّا أَرَى الْبَاطِل فِي صُورَةِ الْحَقِّ، وَخَيَّل الشَّيْءَ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ، قَدْ سَحَرَ الشَّيْءَ عَنْ وَجْهِهِ، أَيْ صَرَفَهُ. اهـ. وَرَوَى شِمْرٌ: أَنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا سَمَّتِ السِّحْرَ سِحْرًا

стр. 14940

لأَِنَّهُ يُزِيل الصِّحَّةَ إِلَى الْمَرَضِ، وَالْبُغْضَ إِلَى الْحُبِّ (١) . وَقَدْ يُسَمَّى السِّحْرُ طِبًّا، وَالْمَطْبُوبُ الْمَسْحُورُ، قَال أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ تَفَاؤُلاً بِالسَّلاَمَةِ، وَقِيل: إِنَّمَا سُمِّيَ السِّحْرُ طِبًّا؛ لأَِنَّ الطِّبَّ بِمَعْنَى الْحِذْقِ، فَلُوحِظَ حِذْقُ السَّاحِرِ فَسُمِّيَ عَمَلُهُ طِبًّا (٢) . وَوَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لَفْظُ الْجِبْتِ، فَسَّرَهُ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالشَّعْبِيُّ بِالسِّحْرِ، وَقِيل: الْجِبْتُ أَعَمُّ مِنَ السِّحْرِ، فَيَصْدُقُ أَيْضًا عَلَى الْكِهَانَةِ وَالْعِرَافَةِ. وَالتَّنْجِيمِ (٣) . أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَعْرِيفِهِ اخْتِلاَفًا وَاسِعًا، وَلَعَل مَرَدَّ الاِخْتِلاَفِ إِلَى خَفَاءِ طَبِيعَةِ السِّحْرِ وَآثَارِهِ. فَاخْتَلَفَتْ تَعْرِيفَاتُهُمْ لَهُ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِ تَصَوُّرِهِمْ لِحَقِيقَتِهِ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَال الْبَيْضَاوِيُّ: الْمُرَادُ بِالسِّحْرِ مَا يُسْتَعَانُ فِي تَحْصِيلِهِ بِالتَّقَرُّبِ إِلَى الشَّيْطَانِ مِمَّا لاَ يَسْتَقِل بِهِ الإِْنْسَانُ، وَذَلِكَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ لِمَنْ يُنَاسِبُهُ فِي الشَّرَارَةِ وَخُبْثِ النَّفْسِ.

стр. 14941

قَال: وَأَمَّا مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ كَمَا يَفْعَلُهُ أَصْحَابُ الْحِيَل وَالآْلاَتِ وَالأَْدْوِيَةِ، أَوْ يُرِيهِ صَاحِبُ خِفَّةِ الْيَدِ فَغَيْرُ مَذْمُومٍ، وَتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا هُوَ عَلَى سَبِيل التَّجَوُّزِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدِّقَّةِ؛ لأَِنَّ السِّحْرَ فِي الأَْصْل لِمَا خَفِيَ سَبَبُهُ (١) . اهـ. وَنَقَل التَّهَانُوِيُّ عَنِ الْفَتَاوَى الْحَامِدِيَّةِ: السِّحْرُ نَوْعٌ يُسْتَفَادُ مِنَ الْعِلْمِ بِخَوَاصِّ الْجَوَاهِرِ وَبِأُمُورٍ حِسَابِيَّةٍ فِي مَطَالِعِ النُّجُومِ، فَيُتَّخَذُ مِنْ ذَلِكَ هَيْكَلاً عَلَى صُورَةِ الشَّخْصِ الْمَسْحُورِ، وَيَتَرَصَّدُ لَهُ وَقْتٌ مَخْصُوصٌ فِي الْمَطَالِعِ، وَتُقْرَنُ بِهِ كَلِمَاتٌ يُتَلَفَّظُ بِهَا مِنَ الْكُفْرِ وَالْفُحْشِ الْمُخَالِفِ لِلشَّرْعِ، وَيُتَوَصَّل بِهَا إِلَى الاِسْتِعَانَةِ بِالشَّيَاطِينِ، وَيَحْصُل مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ أَحْوَالٌ غَرِيبَةٌ فِي الشَّخْصِ الْمَسْحُورِ (٢) . وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: السِّحْرُ شَرْعًا مُزَاوَلَةُ النُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ لأَِقْوَالٍ أَوْ أَفْعَالٍ يَنْشَأُ عَنْهَا أُمُورٌ خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ (٣) . وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ: عُقَدٌ وَرُقًى وَكَلاَمٌ يُتَكَلَّمُ بِهِ، أَوْ يَكْتُبُهُ، أَوْ يَعْمَل شَيْئًا يُؤَثِّرُ فِي بَدَنِ

стр. 14942

الْمَسْحُورِ أَوْ قَلْبِهِ أَوْ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لَهُ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الشَّعْوَذَةُ: ٢ - قَال فِي اللِّسَانِ: الشَّعْوَذَةُ خِفَّةٌ فِي الْيَدِ، وَأَخْذٌ كَالسِّحْرِ، يُرِي الشَّيْءَ عَلَى غَيْرِ مَا عَلَيْهِ أَصْلُهُ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ، وَقَالُوا: رَجُلٌ مُشَعْوِذٌ وَمُشَعْوِذَةٌ، وَقَدْ يُسَمَّى الشَّعْبَذَةَ (٢) . ب - النَّشْرَةُ: ٣ - النَّشْرَةُ ضَرْبٌ مِنَ الرُّقْيَةِ وَالْعِلاَجِ يُعَالَجُ بِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ بِهِ مَسًّا مِنَ الْجِنِّ. سُمِّيَتْ نَشْرَةً لأَِنَّهُ يَنْشُرُ بِهَا مَا خَامَرَهُ مِنَ الدَّاءِ، أَيْ يُكْشَفُ وَيُزَال، قَال الْحَسَنُ: النَّشْرَةُ مِنَ السِّحْرِ (٣) . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ سُئِل ﷺ عَنِ النَّشْرَةِ، فَقَال: هِيَ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ (٤) . ج - الْعَزِيمَةُ: ٤ - الْعَزِيمَةُ مِنَ الرُّقَى الَّتِي كَانُوا يَعْزِمُونَ بِهَا

стр. 14943

عَلَى الْجِنِّ، وَجَمْعُهَا الْعَزَائِمُ، يُقَال: عَزَمَ الرَّاقِي: كَأَنَّهُ أَقْسَمَ عَلَى الدَّاءِ، وَأَصْلُهَا فِيمَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ: الإِْقْسَامُ وَالتَّعْزِيمُ عَلَى أَسْمَاءٍ مُعَيَّنَةٍ زَعَمُوا أَنَّهَا أَسْمَاءُ مَلاَئِكَةٍ وَكَّلَهُمْ سُلَيْمَانُ بِقَبَائِل الْجَانِّ، فَإِذَا أَقْسَمَ عَلَى صَاحِبِ الاِسْمِ أَلْزَمَ الْجِنَّ بِمَا يُرِيدُ (١) . د - الرُّقْيَةُ: ٥ - الرُّقْيَةُ وَجَمْعُهَا الرُّقَى، وَهِيَ أَلْفَاظٌ خَاصَّةٌ يَحْدُثُ عِنْدَ قَوْلِهَا الشِّفَاءُ مِنَ الْمَرَضِ، إِذَا كَانَتْ مِنَ الأَْدْعِيَةِ الَّتِي يَتَعَوَّذُ بِهَا مِنَ الآْفَاتِ مِنَ الصَّرْعِ وَالْحُمَّى، وَفِي الْحَدِيثِ أَعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ (٢) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ لاَ رُقْيَةَ إِلاَّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ (٣) . وَمِنَ الرُّقَى مَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ كَرُقَى الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَهْل الْهِنْدِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَسْتَشْفُونَ بِهَا مِنَ الأَْسْقَامِ وَالأَْسْبَابِ الْمُهْلِكَةِ. قَال الْقَرَافِيُّ: الرُّقْيَةُ لِمَا يُطْلَبُ بِهِ النَّفْعُ، أَمَّا مَا يُطْلَبُ بِهِ الضَّرَرُ فَلاَ يُسَمَّى رُقْيَةً بَل هُوَ سِحْرٌ (٤) . وَانْظُرْ (تَعْوِيذَةٌ) .

стр. 14944

هـ - الطَّلْسَمُ: ٦ - الطَّلْسَمَاتُ أَسْمَاءٌ خَاصَّةٌ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ لَهَا تَعَلُّقًا بِالْكَوَاكِبِ، تُجْعَل فِي أَجْسَامٍ مِنَ الْمَعَادِنِ أَوْ غَيْرِهَا، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا تُحْدِثُ آثَارًا خَاصَّةً (١) . و الأَْوْفَاقُ: ٧ - الأَْوْفَاقُ هِيَ أَعْدَادٌ تُوضَعُ فِي أَشْكَالٍ هَنْدَسِيَّةٍ عَلَى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ، كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ عَمِلَهُ فِي وَرَقٍ وَحَمَلَهُ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى تَيْسِيرِ الْوِلاَدَةِ، أَوْ نَصْرِ جَيْشٍ عَلَى جَيْشٍ، أَوْ إِخْرَاجِ مَسْجُونٍ مِنْ سِجْنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (٢) . ز - التَّنْجِيمُ: ٨ - التَّنْجِيمُ لُغَةً: النَّظَرُ فِي النُّجُومِ، اصْطِلاَحًا: مَا يُسْتَدَل بِالتَّشَكُّلاَتِ الْفَلَكِيَّةِ عَلَى الْحَوَادِثِ الأَْرْضِيَّةِ كَمَا يَزْعُمُونَ. حَقِيقَةُ السِّحْرِ: ٩ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ السِّحْرَ هَل لَهُ حَقِيقَةٌ وَوُجُودٌ وَتَأْثِيرٌ حَقِيقِيٌّ فِي قَلْبِ الأَْعْيَانِ، أَمْ هُوَ مُجَرَّدُ تَخْيِيلٍ. فَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ الْحَنَفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْجَصَّاصِ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الإِْسْتِرَابَاذِيُّ

стр. 14945

وَالْبَغَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، إِلَى إِنْكَارِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ السِّحْرِ وَأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ تَخْيِيلٌ مِنَ السَّاحِرِ عَلَى مَنْ يَرَاهُ، وَإِيهَامٌ لَهُ بِمَا هُوَ خِلاَفُ الْوَاقِعِ، وَأَنَّ السِّحْرَ لاَ يَضُرُّ إِلاَّ أَنْ يَسْتَعْمِل السَّاحِرُ سُمًّا أَوْ دُخَانًا يَصِل إِلَى بَدَنِ الْمَسْحُورِ فَيُؤْذِيهِ، وَنُقِل مِثْل هَذَا عَنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَنَّ السَّاحِرَ لاَ يَسْتَطِيعُ بِسِحْرِهِ قَلْبَ حَقَائِقِ الأَْشْيَاءِ، فَلاَ يُمْكِنُهُ قَلْبُ الْعَصَا حَيَّةً، وَلاَ قَلْبُ الإِْنْسَانِ حِمَارًا. قَال الْجَصَّاصُ: السِّحْرُ مَتَى أُطْلِقَ فَهُوَ اسْمٌ لِكُل أَمْرٍ مُمَوَّهٍ بَاطِلٍ لاَ حَقِيقَةَ لَهُ وَلاَ ثَبَاتَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ (١) يَعْنِي مَوَّهُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ تَسْعَى، وَقَال تَعَالَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّل إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٢) فَأَخْبَرَ أَنَّ مَا ظَنُّوهُ سَعْيًا مِنْهَا لَمْ يَكُنْ سَعْيًا وَإِنَّمَا كَانَ تَخْيِيلاً، وَقَدْ قِيل: إِنَّهَا كَانَتْ عِصِيًّا مُجَوَّفَةً مَمْلُوءَةً زِئْبَقًا، وَكَذَلِكَ الْحِبَال كَانَتْ مَعْمُولَةً مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوَّةً زِئْبَقًا، فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُمَوَّهًا عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ (٣) .

стр. 14946

وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْل السُّنَّةِ إِلَى أَنَّ السِّحْرَ قِسْمَانِ: ١٠ - قِسْمٌ هُوَ حِيَلٌ وَمُخْرَقَةٌ وَتَهْوِيلٌ وَشَعْوَذَةٌ، وَإِيهَامٌ لَيْسَ لَهُ حَقَائِقُ، أَوْ لَهُ حَقَائِقُ لَكِنْ لَطُفَ مَأْخَذُهَا، وَلَوْ كُشِفَ أَمْرُهَا لَعُلِمَ أَنَّهَا أَفْعَالٌ مُعْتَادَةٌ يُمْكِنُ لِمَنْ عَرَفَ وَجْهَهَا أَنْ يَفْعَل مِثْلَهَا، وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَا يَنْبَنِي عَلَى مَعْرِفَةِ خَوَاصِّ الْمَوَادِّ وَالْحِيَل الْهَنْدَسِيَّةِ وَنَحْوِهَا، وَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ دَاخِلاً فِي مُسَمَّى السِّحْرِ، كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (١) وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ خَفَاءُ وَجْهِهِ ضَعِيفًا فَلاَ يُسَمَّى سِحْرًا اصْطِلاَحًا، وَقَدْ يُسَمَّى سِحْرًا لُغَةً، كَمَا قَالُوا: (سَحَرْتُ الصَّبِيَّ) بِمَعْنَى خَدَعْتُهُ. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَهُ حَقِيقَةٌ وَوُجُودٌ وَتَأْثِيرٌ فِي الأَْبْدَانِ. فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى إِثْبَاتِ هَذَا الْقِسْمِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) . وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِتَأْثِيرِ السِّحْرِ وَإِحْدَاثِهِ الْمَرَضَ وَالضَّرَرَ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ: مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ

стр. 14947

شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (١) وَالنَّفَّاثَاتُ فِي الْعُقَدِ: هُنَّ السَّوَاحِرُ مِنَ النِّسَاءِ، فَلَمَّا أُمِرَ بِالاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِنَّ عُلِمَ أَنَّ لَهُنَّ تَأْثِيرًا وَضَرَرًا. وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢) . وَمِنْهَا مَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُحِرَ حَتَّى أَنَّهُ لَيُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَل الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الصَّحِيحِ، وَفِيهَا أَنَّ الَّذِي سَحَرَهُ جَعَل سِحْرَهُ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ تَحْتَ رَاعُوفَةٍ (٣) فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ، وَأَنَّ اللَّهَ أَطْلَعَهُ عَلَى ذَلِكَ فَاسْتَخْرَجَهَا، وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الْمُعَوِّذَتَانِ فَمَا قَرَأَ عَلَى عُقْدَةٍ إِلاَّ انْحَلَّتْ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَفَاهُ. بِذَلِكَ (٤) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ١١ - عَمَل السِّحْرِ مُحَرَّمٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَقَدْ

стр. 14948

نَقَل النَّوَوِيُّ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَدِلَّةُ تَحْرِيمِهِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: أ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (١) . ب - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٢) فَجَعَلَهُ مِنْ تَعْلِيمِ الشَّيَاطِينِ وَقَال فِي آخِرِ الآْيَةِ: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ﴾ فَأَثْبَتَ فِيهِ ضَرَرًا بِلاَ نَفْعٍ. ج - قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٣) فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ رَغِبُوا إِلَى اللَّهِ فِي أَنْ يَغْفِرَ لَهُمُ السِّحْرَ، وَذَلِكَ يَدُل عَلَى أَنَّهُ ذَنْبٌ. د - قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ. . . الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ. . . (٤) . الْحَدِيثُ. وَفَرَّقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ مَا كَانَ مِنَ السِّحْرِ تَمْوِيهًا وَحِيلَةً، وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَقَالُوا: إِنَّ الأَْوَّل

стр. 14949

مُبَاحٌ؛ أَيْ لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ اللَّهْوِ فَيُبَاحُ مَا لَمْ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى مُحَرَّمٍ كَالإِْضْرَارِ بِالنَّاسِ وَإِرْهَابِهِمْ. قَال الْبَيْضَاوِيُّ: أَمَّا مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ كَمَا يَفْعَلُهُ أَصْحَابُ الْحِيَل بِمَعُونَةِ الآْلاَتِ وَالأَْدْوِيَةِ، أَوْ يُرِيهِ صَاحِبُ خِفَّةِ الْيَدِ فَغَيْرُ مَذْمُومٍ، وَتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا عَلَى التَّجَوُّزِ، أَوْ لِمَا فِيهِ مِنَ الدِّقَّةِ (١) . كُفْرُ السَّاحِرِ بِفِعْل السِّحْرِ: ١٢ - لِلْفُقَهَاءِ اتِّجَاهَاتٌ فِي تَكْفِيرِ السَّاحِرِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ السَّاحِرَ يَكْفُرُ بِفِعْلِهِ سَوَاءٌ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ أَمْ لاَ. ثُمَّ قَال الْحَنَابِلَةُ: أَمَّا الَّذِي يَسْحَرُ بِأَدْوِيَةٍ وَتَدْخِينٍ وَسَقْيِ شَيْءٍ فَلَيْسَ كَافِرًا، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَعْزِمُ عَلَى الْجِنِّ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُهَا فَتُطِيعُهُ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَكْفِيرِ السَّاحِرِ بِفِعْل السِّحْرِ إِنْ كَانَ سِحْرُهُ مُشْتَمِلاً عَلَى كُفْرٍ، أَوْ كَانَ سِحْرُهُ مِمَّا يُفَرِّقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ. وَأَضَافَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى حَالَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ حَالَةَ تَحْبِيبِ الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ الْمُسَمَّى (التُّوَلَةُ) .

стр. 14950

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْعَمَل بِالسِّحْرِ حَرَامٌ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ مِنْ حَيْثُ الأَْصْل، وَأَنَّ السَّاحِرَ لاَ يَكْفُرُ إِلاَّ فِي حَالَتَيْنِ هُمَا: أَنْ يَعْتَقِدَ مَا هُوَ كُفْرٌ، أَوْ أَنْ يَعْتَقِدَ إِبَاحَةَ السِّحْرِ. وَأَضَافَ ابْنُ الْهُمَامِ حَالَةً ثَالِثَةً هِيَ مَا إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَفْعَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ. حُكْمُ تَعَلُّمِ السِّحْرِ وَتَعْلِيمِهِ: ١٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَعَلُّمِ السِّحْرِ دُونَ الْعَمَل بِهِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ حَرَامٌ وَكُفْرٌ، وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَنِ اسْتَثْنَى أَحْوَالاً. فَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ ذَخِيرَةِ النَّاظِرِ أَنَّ تَعَلُّمَهُ لِرَدِّ فِعْل سَاحِرِ أَهْل الْحَرْبِ فَرْضٌ، وَأَنَّ تَعَلُّمَهُ لِيُوَفِّقَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ جَائِزٌ، وَرَدَّهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتُّوَلَةَ شِرْكٌ (١) وَالتُّوَلَةُ شَيْءٌ كَانُوا يَصْنَعُونَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ الْمَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا. وَاسْتَدَل الطُّرْطُوشِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ (٢) أَيْ بِتَعَلُّمِهِ،
следующие страницы →