Полный текст (31 949 стр.). Показаны 14981–15020 · переход к 14986.
стр. 14981
آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ لِئَلاَّ يَسُبُّوا اللَّهَ تَعَالَى، وَكَالنَّهْيِ عَنِ الصَّلاَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا. وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِي جَوَازِ حُكْمِ الْمُجْتَهِدِ بِتَحْرِيمِ الْوَسِيلَةِ الْمُبَاحَةِ إِنْ كَانَتْ تُفْضِي إِلَى الْمَفْسَدَةِ لاَ عَلَى سَبِيل الْقَطْعِ أَوِ الْغَلَبَةِ.
وَفِيمَا يَلِي فُرُوعٌ تَنْبَنِي عَلَى هَذَا الأَْصْل.
٨ - أ - بُيُوعُ الآْجَال: وَهِيَ بُيُوعٌ ظَاهِرُهَا الْجَوَازُ، لَكِنْ مَنَعَ مِنْهَا مَالِكٌ مَا كَثُرَ قَصْدُ النَّاسِ لَهُ تَوَصُّلاً لِلرِّبَا الْمَمْنُوعِ فَيُمْنَعُ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ الْعَاقِدُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، فَإِنْ قَل قَصْدُ النَّاسِ لَهُ لَمْ يُمْنَعْ. فَمِمَّا يُمْنَعُ مِنْهَا الْبَيْعُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى سَلَفٍ بِمَنْفَعَةٍ، كَمَا لَوْ بَاعَ سِلْعَةً بِعَشْرَةٍ إِلَى سَنَةٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِخَمْسَةٍ نَقْدًا، فَآل أَمْرُهُ لِدَفْعِ خَمْسَةٍ نَقْدًا يَأْخُذُ عَنْهَا بَعْدَ الأَْجَل عَشْرَةً (١) .
٩ - ب - وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ تَأْجِيل الصَّدَاقِ: فَيُكْرَهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَأْجِيل الصَّدَاقِ وَلَوْ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ كَسَنَةٍ مَثَلاً إِنْ كَانَ الْمُؤَجَّل الصَّدَاقَ كُلَّهُ، لِئَلاَّ يَتَذَرَّعَ النَّاسُ إِلَى النِّكَاحِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ وَيُظْهِرُوا أَنَّ هُنَاكَ صَدَاقًا مُؤَجَّلاً (٢) .
١٠ - ج - إِذَا اشْتَرَى ثَمَرًا عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ جَازَ إِنْ شَرَطَا الْقَطْعَ فِي الْحَال، فَإِنْ شَرَطَا ذَلِكَ ثُمَّ تُرِكَ عَلَى الشَّجَرِ حَتَّى بَدَا صَلاَحُهُ، فَإِنْ كَانَ قَاصِدًا لِتَرْكِهِ حَال الْعَقْدِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ عِنْدَ أَحْمَدَ، أَمَّا إِنْ تَرَكَهُ وَلَمْ يَكُنْ قَاصِدًا لِذَلِكَ حِينَ الْعَقْدِ فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: أَصَحُّهُمَا: يَبْطُل أَيْضًا؛ لأَِنَّ تَصْحِيحَ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى شِرَاءِ الثَّمَرَةِ стр. 14982
قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا ثُمَّ تُتْرَكُ إِلَى أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، فَيَكُونَ ذَرِيعَةً إِلَى الْحَرَامِ، فَيَكُونَ حَرَامًا.
وَلاَ يَبْطُل الْبَيْعُ بِذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ (١) .
١١ - د - صِيَامُ يَوْمِ الشَّكِّ وَالسِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ:
جَاءَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ نَقْلاً عَنْ تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ:
يُكْرَهُ الصَّوْمُ قَبْل رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلاَ يَوْمَيْنِ، إِلاَّ أَنْ يُوَافِقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ (٢) قَال: وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِئَلاَّ يُظَنُّ أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ إِذَا اعْتَادُوا ذَلِكَ، وَعَنْ هَذَا قَال أَبُو يُوسُفَ: يُكْرَهُ وَصْل رَمَضَانَ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ. قَال: وَلاَ يُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ стр. 14983
تَطَوُّعًا إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَعْلَمُ بِهِ الْعَوَامُّ لِئَلاَّ يَعْتَادُوا صَوْمَهُ فَيَظُنُّهُ الْجُهَّال زِيَادَةً فِي رَمَضَانَ (١) . وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ فِي صِيَامِ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ. قَال ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُلْحَقَ بِرَمَضَانَ صِيَامُ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْل الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ، وَأَمَّا الرَّجُل فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلاَ يُكْرَهُ لَهُ صِيَامُهَا. وَقَال فِي الذَّخِيرَةِ: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ (٢) الْحَدِيثُ. قَال: وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ صِيَامَهَا فِي غَيْرِهِ خَوْفًا مِنْ إِلْحَاقِهَا بِرَمَضَانَ عِنْدَ الْجُهَّال. وَإِنَّمَا عَيَّنَهُ الشَّرْعُ مِنْ شَوَّالٍ لِلْخِفَّةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِقُرْبِهِ مِنَ الصَّوْمِ، وَإِلاَّ فَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِهِ فَيَشْرَعُ التَّأْخِيرُ جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ (٣) . اهـ. وَإِتْبَاعُ صَوْمِ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٤) .
١٢ - هـ - قَضَاءُ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى مَنْعِ ذَلِكَ فِي الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ عَلِمَهُ قَبْل وِلاَيَتِهِ أَوْ بَعْدَهَا، وَهُوَ стр. 14984
أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ لِهَذَا الْقَوْل أَنَّ تَجْوِيزَ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى تُهْمَةِ الْقَاضِي، وَالْحُكْمُ بِمَا اشْتَهَى وَيُحِيلُهُ عَلَى عِلْمِهِ.
وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْحُدُودِ الَّتِي لِلَّهِ تَعَالَى لأَِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى السِّتْرِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ الَّتِي عَلِمَهَا قَبْل وِلاَيَتِهِ، لاَ فِيمَا عَلِمَهُ مِنْهَا بَعْدَ وِلاَيَتِهِ.
وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ (١) .
فَتْحُ الذَّرَائِعِ:
١٣ - الْمُرَادُ بِفَتْحِ الذَّرَائِعِ تَيْسِيرُ السُّبُل إِلَى مَصَالِحِ الْبَشَرِ قَال الْقَرَافِيُّ الْمَالِكِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الذَّرِيعَةَ كَمَا يَجِبُ سَدُّهَا يَجِبُ فَتْحُهَا، وَتُكْرَهُ وَتُنْدَبُ وَتُبَاحُ، فَإِنَّ الذَّرِيعَةَ هِيَ الْوَسِيلَةُ، فَكَمَا أَنَّ وَسِيلَةَ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمَةٌ فَوَسِيلَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبَةٌ كَالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ. وَالْوَسِيلَةُ إِلَى أَفْضَل الْمَقَاصِدِ أَفْضَل الْوَسَائِل، وَإِلَى أَقْبَحِ الْمَقَاصِدِ أَقْبَحُ الْوَسَائِل، وَإِلَى مَا يُتَوَسَّطُ مُتَوَسِّطَةٌ. وَمِمَّا يَدُل عَلَى حُسْنِ الْوَسَائِل الْحَسَنَةِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ стр. 14985
وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيل اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (١) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ وَالنَّصَبِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ فِعْلِهِمْ لأَِنَّهُمَا حَصَلاَ لَهُمْ بِسَبَبِ التَّوَسُّل إِلَى الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةٌ لإِِعْزَازِ الدِّينِ وَصَوْنِ الْمُسْلِمِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَمْثِلَةً مِنْ ذَلِكَ، مِنْهَا التَّوَسُّل إِلَى فِدَاءِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، بِدَفْعِ الْمَال لِلْكُفَّارِ الَّذِي هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَمِنْهَا دَفْعُ مَالٍ لِرَجُلٍ يَأْكُلُهُ حَرَامًا حَتَّى لاَ يَزْنِيَ بِامْرَأَةٍ إِذَا عَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ عَنْهَا إِلاَّ بِذَلِكَ، وَكَدَفْعِ الْمَال لِلْمُحَارِبِ حَتَّى لاَ يَقَعَ الْقَتْل بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْمَال عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ اشْتَرَطَ فِي الْمَال أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا. قَال: فَهَذِهِ الصُّوَرُ كُلُّهَا الدَّفْعُ فِيهَا وَسِيلَةٌ إِلَى الْمَعْصِيَةِ بِأَكْل الْمَال وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ، لِرُجْحَانِ مَا يَحْصُل مِنَ الْمَصْلَحَةِ مَعَ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ (٢) . стр. 14986
سَدُّ الرَّمَقِ
.
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُصْطَلَحُ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ:
الأُْولَى: سَدٌّ، وَهُوَ إِغْلاَقُ الْخَلَل وَرَدْمُ الثَّلْمِ، وَمَعْنَى سَدَّدَهُ أَصْلَحَهُ. يُقَال: سَدَادٌ مِنْ عَوَزٍ وَسَدَادٌ مِنْ عَيْشٍ لِمَا تُسَدُّ بِهِ الْحَاجَةُ وَيُرْمَقُ بِهِ الْعَيْشُ.
وَالثَّانِيَةُ: الرَّمَقُ، وَهِيَ تُطْلَقُ عَلَى بَقِيَّةِ الرُّوحِ وَعَلَى الْقُوَّةِ.
وَسَدُّ الرَّمَقِ مَعْنَاهُ: الْحِفَاظُ عَلَى الْقُوَّةِ وَالإِْبْقَاءُ عَلَى الرُّوحِ (١) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ - وَهُوَ مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ عَدَمِ الأَْكْل مَوْتًا، أَوْ стр. 14987
مَرَضًا مَخُوفًا، أَوْ زِيَادَتُهُ، أَوْ طُول مُدَّتِهِ، أَوْ خَافَ الاِنْقِطَاعَ عَنْ رُفْقَتِهِ، أَوْ ضَعُفَ عَنْ مَشْيٍ، أَوْ رُكُوبٍ، وَلَمْ يَجِدْ حَلاَلاً يَأْكُلُهُ - أَنْ يَأْكُل مِنْ لَحْمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُل طَعَامَ الْغَيْرِ دُونَ إِذْنِهِ.
وَالأَْصْل فِي هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِل بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) .
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُل مِنَ الْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الأُْخْرَى الَّتِي ذَكَرَتْهَا الآْيَاتُ الْمَذْكُورَةُ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ وَيَأْمَنُ مَعَهُ الْمَوْتَ بِجُوعٍ أَوْ عَطَشٍ، كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَكْل مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ لأَِنَّهُ تَوَسُّعٌ فِيمَا لَمْ يُبَحْ إِلاَّ لِلضَّرُورَةِ (٣) . стр. 14988
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الشِّبَعِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ. عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ، وَالْحَسَنُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ الشِّبَعُ، بَل يَكْتَفِي بِمَا يَسُدُّ الرَّمَقَ بِحَيْثُ يَصِيرُ إِلَى حَالَةٍ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا فِي الاِبْتِدَاءِ لَمَا جَازَ لَهُ أَكْل الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا، لأَِنَّ الضَّرُورَةَ تَزُول بِهَذَا الْقَدْرِ، وَالتَّمَادِي فِي أَكْل الْحَرَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مُمْتَنَعٌ.
قَال الْحَسَنُ: يَأْكُل قَدْرَ مَا يُقِيمُهُ؛ لأَِنَّ الآْيَةَ دَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا وَاسْتُثْنِيَ مَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ، فَإِذَا انْدَفَعَتِ الضَّرُورَةُ لَمْ يَحِل لَهُ الأَْكْل؛ لأَِنَّهُ بَعْدَ سَدِّ الرَّمَقِ أَصْبَحَ كَمَا كَانَ قَبْل أَنْ يَضْطَرَّ فَلَمْ يُبَحْ لَهُ الأَْكْل؛ وَلأَِنَّ الضَّرُورَةَ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي رِوَايَةٍ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: إِلَى جَوَازِ الشِّبَعِ لَهُ مِنْ لَحْمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا؛ لأَِنَّ الآْيَاتِ الَّتِي أَبَاحَتْ ذَلِكَ أَطْلَقَتْ وَلَمْ تُقَيِّدْهُ بِسَدِّ الرَّمَقِ، وَلأَِنَّ لَهُ تَنَاوُل قَلِيلِهِ فَجَازَ لَهُ الشِّبَعُ مِنْهُ.
وَفَرَّقَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الضَّرُورَةُ مُسْتَمِرَّةً كَأَنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنِ الْعُمْرَانِ وَخَافَ إِنْ تَرَكَ الشِّبَعَ أَنْ يَهْلَكَ فَيَجُوزُ لِهَذَا وَأَمْثَالِهِ الشِّبَعُ، لأَِنَّهُ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ عَادَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ عَنْ قُرْبٍ.
وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الضَّرُورَةُ مَرْجُوَّةَ الزَّوَال، كَأَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ وَيَتَوَقَّعَ الْحُصُول عَلَى طَعَامٍ
стр. 14989
حَلاَلٍ قَبْل عَوْدِ الضَّرُورَةِ، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ هَذَا حَالُهُ الاِقْتِصَارُ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ الشِّبَعُ (١) .
وَهُنَاكَ مَسَائِل مِنْهَا: هَل يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّدُ مِنْ لَحْمِ الْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَأَمْثَالِهِمَا؟ وَهَل يَجُوزُ لَهُ أَكْل أَوْ شُرْبُ الْمُسْكِرَاتِ؟ وَهَل يَجُوزُ لَهُ أَكْل لَحْمِ آدَمِيٍّ؟
وَإِذَا وَجَدَ طَائِفَةً مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ كَلَحْمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَمَال الْغَيْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَل يَتَخَيَّرُ بَيْنَهَا أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّرْتِيبُ؟ وَإِذَا وَجَبَ التَّرْتِيبُ فَمَاذَا يُقَدِّمُ؟ وَهَل هَذِهِ الرُّخْصَةُ خَاصَّةٌ بِالْمُسَافِرِ أَوِ الْمُقِيمِ الْمُضْطَرِّ أَيْضًا؟ وَهَل يَجُوزُ لِلْعَاصِي الْمُضْطَرِّ أَكْل مَا ذُكِرَ؟ وَمَا حُكْمُ أَكْل الْمُضْطَرِّ هَل يَجِبُ عَلَيْهِ أَمْ يُبَاحُ لَهُ؟ تَفَاصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (ضَرُورَةٍ) .
سِرَارٌ
انْظُرْ: إِسْرَارٌ. стр. 14990
سِرَايَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - السِّرَايَةُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لِلسَّيْرِ فِي اللَّيْل، يُقَال: سَرَيْتُ بِاللَّيْل، وَسَرَيْتُ اللَّيْل سَرِيًّا إِذَا قَطَعْتُهُ بِالسَّيْرِ، وَالاِسْمُ سِرَايَةٌ. وَقَدْ تُسْتَعْمَل فِي الْمَعَانِي تَشْبِيهًا لَهَا بِالأَْجْسَامِ، فَيُقَال: سَرَى فِيهِ السُّمُّ وَالْخَمْرُ، وَيُقَال فِي الإِْنْسَانِ: سَرَى فِيهِ عِرْقُ السُّوءِ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل قَوْل الْفُقَهَاءِ: سَرَى الْجُرْحُ مِنَ الْعُضْوِ إِلَى النَّفْسِ، أَيْ دَامَ أَلَمُهُ حَتَّى حَدَثَ مِنْهُ الْمَوْتُ، وَقَوْلُهُمْ: قَطَعَ كَفَّهُ فَسَرَى إِلَى سَاعِدِهِ، أَيْ تَعَدَّى أَثَرُ الْجُرْحِ إِلَيْهِ، كَمَا يُقَال: سَرَى التَّحْرِيمُ مِنَ الأَْصْل إِلَى فُرُوعِهِ. وَسَرَى الْعِتْقُ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ السِّرَايَةُ هِيَ: النُّفُوذُ فِي الْمُضَافِ إِلَيْهِ ثُمَّ التَّعَدِّي إِلَى بَاقِيهِ (٢) . стр. 14991
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - يَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ " سِرَايَةٍ " فِي الْمَوْضُوعَاتِ الآْتِيَةِ:
١ - الْعِتْقُ.
٢ - الْجِرَاحَاتُ.
٣ - الطَّلاَقُ.
السِّرَايَةُ فِي الْعِتْقِ:
٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُعْتِقُ نَصِيبَهُ مِنَ الْعَبْدِ وَيَسْرِي الْعِتْقُ إِلَى الْبَاقِي إِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (رِقٍّ) ف ١٣٩
سِرَايَةُ الْجِنَايَةِ:
٤ - سِرَايَةُ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ لأَِنَّهَا أَثَرُ الْجِنَايَةِ، وَالْجِنَايَةُ مَضْمُونَةٌ، وَكَذَلِكَ أَثَرُهَا، ثُمَّ إِنْ سَرَتْ إِلَى النَّفْسِ كَأَنْ يَجْرَحَ شَخْصًا عَمْدًا فَصَارَ ذَا فِرَاشٍ (أَيْ مُلاَزِمًا لِفِرَاشِ الْمَرَضِ) حَتَّى يَحْدُثَ الْمَوْتُ، أَوْ سَرَتْ إِلَى مَا لاَ يُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهُ بِالإِْتْلاَفِ، كَأَنْ يَجْنِيَ عَلَى عُضْوٍ عَمْدًا فَيَذْهَبَ أَحَدُ الْمَعَانِي: كَالْبَصَرِ، وَالسَّمْعِ وَنَحْوِهِمَا، وَجَبَ الْقِصَاصُ بِلاَ خِلاَفٍ (١) . стр. 14992
وَإِنْ سَرَتْ إِلَى مَا يُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهُ بِالإِْتْلاَفِ بِأَنْ يَقْطَعَ أُصْبُعًا فَسَرَتْ إِلَى الْكَفِّ حَتَّى يَسْقُطَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهِ.
فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالصَّاحِبَانِ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الأُْصْبُعِ، وَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ فِي الْكَفِّ، وَقَالُوا: إِنَّ مَا يُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهُ بِالْجِنَايَةِ لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَوَدُ بِالسِّرَايَةِ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ، وَقَالُوا: إِنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْقَوَدُ بِالْجِنَايَةِ وَجَبَ فِيهِ أَيْضًا بِالسِّرَايَةِ كَالنَّفْسِ وَضَوْءِ الْعَيْنِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ قَطَعَ أُصْبُعًا فَشُلَّتْ إِلَى جَنْبِهَا أُخْرَى: لاَ قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ دِيَتُهُمَا (٢) . وَإِنْ كَانَتِ الْجِرَاحَةُ خَطَأً فَسَرَتْ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ فَلاَ يَجِبُ غَيْرُ الدِّيَةِ، وَالتَّفْصِيل فِي (قِصَاصٍ)
سِرَايَةُ الْقَوَدِ:
٥ - سِرَايَةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، فَإِذَا قَطَعَ طَرَفًا يَجِبُ الْقَوَدُ فِيهِ فَاسْتَوْفَى مِنْهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ثُمَّ مَاتَ الْجَانِي بِسِرَايَةِ الاِسْتِيفَاءِ لَمْ يَلْزَمِ الْمُسْتَوْفِي شَيْءٌ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ стр. 14993
الشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵃، وَقَالُوا: لأَِنَّهُ قَطْعٌ مُسْتَحَقٌّ مُقَدَّرٌ فَلاَ تُضْمَنُ سِرَايَتُهُ كَقَطْعِ السَّارِقِ، وَلاَ يُمْكِنُ التَّقْيِيدُ بِسَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ لِمَا فِيهِ سَدُّ بَابِ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ بِالْقِصَاصِ، وَالاِحْتِرَازُ عَنِ السِّرَايَةِ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَضْمَنُ دِيَةَ النَّفْسِ؛ لأَِنَّهُ قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ لأَِنَّ حَقَّهُ فِي الْقَطْعِ وَهُوَ وَقَعَ قَتْلاً، وَلَوْ وَقَعَ هَذَا الْقَطْعُ ظُلْمًا فِي غَيْرِ قِصَاصٍ وَسَرَى إِلَى النَّفْسِ، كَانَ قَتْلاً مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ؛ وَلأَِنَّهُ جُرْحٌ أَفْضَى إِلَى فَوَاتِ الْحَيَاةِ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ، وَهُوَ مُسَمَّى الْقَتْل إِلاَّ أَنَّ الْقِصَاصَ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ فَوَجَبَ الْمَال (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي " قِصَاصٍ ".
وَالْعِبْرَةُ فِي الضَّمَانِ وَنَوْعِهِ وَقَدْرِهِ بِوَقْتِ الْجِنَايَةِ لاَ بِوَقْتِ السِّرَايَةِ، فَإِنْ جَرَحَ مُسْلِمٌ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَا ثُمَّ مَاتَا بِالسِّرَايَةِ فَلاَ ضَمَانَ، كَعَكْسِهِ، بِأَنْ جَرَحَ حَرْبِيٌّ مُسْلِمًا فَأَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ ثُمَّ مَاتَ الْمُسْلِمُ؛ لأَِنَّهُ جُرْحٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَسِرَايَتُهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ.
وَإِنْ جَرَحَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ فَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ فَلِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ بِالْجُرْحِ، стр. 14994
لاَ بِالنَّفْسِ. وَإِنْ تَخَلَّل الْمُهْدَرُ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالْمَوْتِ بِالسِّرَايَةِ كَأَنْ يَجْرَحَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا، ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ فَلاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِتَخَلُّل حَالَةِ الإِْهْدَارِ بَيْنَ الْجِنَايَةِ وَالْمَوْتِ بِالسِّرَايَةِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ لِوُقُوعِ الْجِنَايَةِ وَالْمَوْتِ بِالسِّرَايَةِ فِي حَالَةِ الْعِصْمَةِ.
وَإِنْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ فَلاَ قِصَاصَ عِنْدَ مَنْ يَرَى عَدَمَ قَتْل الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِجِنَايَتِهِ مَنْ يُكَافِئُهُ، وَتَجِبُ دِيَةُ مُسْلِمٍ؛ لأَِنَّهُ فِي الاِبْتِدَاءِ مَضْمُونٌ وَفِي الاِنْتِهَاءِ حُرٌّ مُسْلِمٌ.
وَالْقَاعِدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ هِيَ:
١ - أَنَّ كُل جُرْحٍ غَيْرُ مَضْمُونٍ لاَ يَنْقَلِبُ مَضْمُونًا بِتَغَيُّرِ الْحَال فِي الاِنْتِهَاءِ.
٢ - وَكُل جُرْحٍ مَضْمُونٌ فِي الْحَالَيْنِ، فَالْعِبْرَةُ فِي قَدْرِ الضَّمَانِ بِالاِنْتِهَاءِ.
٣ - وَكُل جُرْحٍ مَضْمُونٍ لاَ يَنْقَلِبُ غَيْرَ مَضْمُونٍ بِتَغَيُّرِ الْحَال (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي (قِصَاصٍ) .
سِرَايَةُ الطَّلاَقِ:
٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَضَافَ стр. 14995
الطَّلاَقَ إِلَى جُزْءٍ شَائِعٍ مِنَ الْمَرْأَةِ، كَأَنْ يَقُول: نِصْفُكِ، أَوْ رُبُعُكِ، أَوْ جُزْؤُكِ طَالِقٌ، أَوْ أَضَافَهُ إِلَى مُعَيَّنٍ مِنْهَا كَأَنْ يَقُول: يَدُكِ أَوْ رِجْلُكِ طَالِقٌ، وَقَعَ الطَّلاَقُ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ إِلَى الْبَاقِي كَمَا يَسْرِي فِي الْعِتْقِ؛ لأَِنَّهُ أَضَافَ الطَّلاَقَ إِلَى جُزْءٍ ثَابِتٍ اسْتَبَاحَهُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَأَشْبَهَ الْجُزْءَ الشَّائِعَ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ أَضَافَ الطَّلاَقَ إِلَى مَا لاَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْجُمْلَةِ كَالْيَدِ، وَالرِّجْل وَنَحْوِهِ لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ، وَبِالتَّالِي لاَ سِرَايَةَ لأَِنَّهُ أَضَافَ الطَّلاَقَ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ فَيَلْغُو (٢) . стр. 14996
سِرٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي السِّرِّ لُغَةً: مَا يُكْتَمُ فِي النَّفْسِ، وَالْجَمْعُ أَسْرَارٌ وَسَرَائِرُ. وَأَسَرَّ الشَّيْءَ: كَتَمَهُ وَأَظْهَرَهُ فَهُوَ مِنَ الأَْضْدَادِ (١) . قَال الرَّاغِبُ: الإِْسْرَارُ خِلاَفُ الإِْعْلاَنِ، وَيُسْتَعْمَل فِي الأَْعْيَانِ وَالْمَعَانِي (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
النَّجْوَى:
٢ - النَّجْوَى اسْمٌ لِلْكَلاَمِ الْخَفِيِّ الَّذِي تُنَاجِي بِهِ стр. 14997
صَاحِبَكَ كَأَنَّك تَرْفَعُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَصْل الْكَلِمَةِ: الرِّفْعَةُ، وَمِنْهُ: النَّجْوَةُ مِنَ الأَْرْضِ، وَالسِّرُّ أَعَمُّ مِنَ النَّجْوَى، لأَِنَّ السِّرَّ قَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِ الْمَعَانِي مَجَازًا. يُقَال: فَعَل هَذَا سِرًّا، وَقَدْ أَسَرَّ الأَْمْرَ، وَالنَّجْوَى لاَ تَكُونُ إِلاَّ كَلاَمًا (١) .
أَنْوَاعُ السِّرِّ:
٣ - يَتَنَوَّعُ السِّرُّ إِلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ:
١ - مَا أَمَرَ الشَّرْعُ بِكِتْمَانِهِ.
٢ - مَا طَلَبَ صَاحِبُهُ كِتْمَانَهُ.
٣ - مَا مِنْ شَأْنِهِ الْكِتْمَانُ، وَاطُّلِعَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْخُلْطَةِ أَوِ الْمِهْنَةِ.
وَلِلتَّفْصِيل فِي أَنْوَاعِ السِّرِّ وَحُكْمِ كُل نَوْعٍ (ر: إِفْشَاءُ السِّرِّ) (٢) .
الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ إِظْهَارِ الأَْعْمَال وَالإِْسْرَارِ بِهَا:
٤ - إِنَّ فِي إِسْرَارِ الأَْعْمَال فَائِدَةَ الإِْخْلاَصِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الرِّيَاءِ، وَفِي إِظْهَارِهَا فَائِدَةُ الاِقْتِدَاءِ وَتَرْغِيبُ النَّاسِ فِي الْخَيْرِ، وَلَكِنْ فِيهِ آفَةُ الرِّيَاءِ. قَال الْحَسَنُ: قَدْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ السِّرَّ أَحْرَزُ الْعَمَلَيْنِ، وَلَكِنْ فِي الإِْظْهَارِ أَيْضًا فَائِدَةٌ، وَلِذَلِكَ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى السِّرِّ وَالْعَلاَنِيَةِ فَقَال: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا стр. 14998
الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١) .
وَضَابِطُ أَفْضَلِيَّةِ إِظْهَارِ الأَْعْمَال أَوْ إِسْرَارِهَا: هُوَ أَنَّ كُل عَمَلٍ لاَ يُمْكِنُ إِسْرَارُهُ كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالْجُمُعَةِ فَالأَْفْضَل الْمُبَادَرَةُ إِلَيْهِ وَإِظْهَارُ الرَّغْبَةِ فِيهِ لِلتَّحْرِيضِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ شَوَائِبُ الرِّيَاءِ، وَأَمَّا مَا يُمْكِنُ إِسْرَارُهُ كَالصَّدَقَةِ وَالصَّلاَةِ فَإِنْ كَانَ إِظْهَارُ الصَّدَقَةِ يُؤْذِي الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ يُرَغِّبُ النَّاسَ فِي الصَّدَقَةِ فَالسِّرُّ أَفْضَل؛ لأَِنَّ الإِْيذَاءَ حَرَامٌ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِيذَاءٌ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الأَْفْضَل. فَقَال قَوْمٌ: السِّرُّ أَفْضَل مِنَ الْعَلاَنِيَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الْعَلاَنِيَةِ قُدْوَةٌ. وَقَال قَوْمٌ:
السِّرُّ أَفْضَل مِنْ عَلاَنِيَةٍ لاَ قُدْوَةَ فِيهَا، أَمَّا الْعَلاَنِيَةُ لِلْقُدْوَةِ فَأَفْضَل مِنَ السِّرِّ، وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الأَْنْبِيَاءَ بِإِظْهَارِ الْعَمَل لِلاِقْتِدَاءِ بِهِمْ وَخَصَّهُمْ بِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ أَنَّهُمْ حُرِمُوا أَفْضَل الْعَمَلَيْنِ (٢) .
هَذَا فِي عَامَّةِ الأَْعْمَال، أَمَّا فِي التَّطَوُّعِ فَالإِْخْفَاءُ فِيهِ أَفْضَل مِنَ الإِْظْهَارِ لاِنْتِفَاءِ الرِّيَاءِ عَنْهُ (٣) .
وَفِيمَا يَلِي نَذْكُرُ بَعْضَ النَّوَافِل الَّتِي يَكُونُ الإِْسْرَارُ بِهَا أَفْضَل مِنْ إِظْهَارِهَا. стр. 14999
أ - التَّطَوُّعُ فِي الْبَيْتِ:
٥ - التَّطَوُّعُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَل، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَل صَلاَةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ (١) .
وَلأَِنَّ الصَّلاَةَ فِي الْبَيْتِ أَقْرَبُ إِلَى الإِْخْلاَصِ وَأَبْعَدُ مِنَ الرِّيَاءِ، وَهُوَ مِنْ عَمَل السِّرِّ وَفِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ عَلاَنِيَةً وَالسِّرُّ أَفْضَل (٢) .
ب - دَفْعُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ سِرًّا:
٦ - صَدَقَةُ السِّرِّ أَفْضَل مِنْ صَدَقَةِ الْعَلاَنِيَةِ (٣) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٤) .
رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِل إِلاَّ ظِلُّهُ. . . وَذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلاً تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ (٥) . وَرُوِيَ عَنِ стр. 15000
النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ (١) .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جَعَل اللَّهُ صَدَقَةَ السِّرِّ فِي التَّطَوُّعِ تَفْضُل عَلاَنِيَتَهَا يُقَال بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وَجَعَل صَدَقَةَ الْفَرِيضَةِ عَلاَنِيَتَهَا تَفْضُل إِسْرَارَهَا يُقَال بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا. وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِل فِي الأَْشْيَاءِ كُلِّهَا. وَقَال سُفْيَانُ: هُوَ سِوَى الزَّكَاةِ (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: صَدَقَةٌ) .
نِكَاحُ السِّرِّ:
٧ - أَجْمَعَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ إِعْلاَنَ النِّكَاحِ مُسْتَحَبٌّ، (ر: مُصْطَلَحُ إِعْلاَنٍ، وَنِكَاحٍ) (٣)
تَزْكِيَةُ الشُّهُودِ سِرًّا:
٨ - إِذَا طَعَنَ فِي الشُّهُودِ مِنْ طَرَفِ الْخَصْمِ فَتَجِبُ تَزْكِيَتُهُمْ بِلاَ خِلاَفٍ وَيَكُونُ الْحُكْمُ بِدُونِ التَّزْكِيَةِ غَيْرَ صَحِيحٍ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَطْعَنِ الْخَصْمُ فِي الشُّهُودِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي لُزُومِ التَّزْكِيَةِ. стр. 15001
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى وُجُوبِ التَّزْكِيَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلاَ يَصِحُّ الْحُكْمُ - عِنْدَهُمْ - بِدُونِهَا؛ لأَِنَّ الْقَضَاءَ يَنْبَنِي عَلَى الْحُجَّةِ، وَلاَ تَقَعُ الْحُجَّةُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ الْعُدُول.
وَالتَّزْكِيَةُ نَوْعَانِ: تَزْكِيَةُ السِّرِّ، وَتَزْكِيَةُ الْعَلاَنِيَةِ.
وَسَبَبُ التَّزْكِيَةِ سِرًّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ الشُّهُودُ غَيْرَ عُدُولٍ فَيُمْكِنُ أَنْ لاَ يَقْدِرَ الْمُزَكِّي عَلَى الْجُرْحِ عَلَنًا لِبَعْضِ أَسْبَابٍ، كَخَوْفِ الْمُزَكِّي عَلَى نَفْسِهِ فَلِذَلِكَ كَانَتِ التَّزْكِيَةُ السِّرِّيَّةُ حَتَّى يَكُونَ الْمُزَكِّي قَادِرًا عَلَى الْجُرْحِ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي حُكْمِ التَّزْكِيَةِ، وَأَقْسَامِهَا، وَوَقْتِ سُقُوطِهَا، وَشُرُوطِ مَنْ تُقْبَل تَزْكِيَتُهُ، وَعَدَدُ مَنْ يُقْبَل فِيهَا (ر: تَزْكِيَةٌ، شَهَادَةٌ) . стр. 15002
سُرَرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - السُّرَرُ لُغَةً: اللَّيْلَةُ الَّتِي يُسْتَسَرُّ فِيهَا الْقَمَرُ، وَيُقَال فِيهَا أَيْضًا السُّرَرُ، وَالسِّرَارُ، وَالسَّرَارُ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ: اسْتَسَرَّ الْقَمَرُ، أَيْ خَفِيَ لَيْلَةَ السِّرَارِ، فَرُبَّمَا كَانَ لَيْلَتَيْنِ.
وَأَصْل السُّرَرِ الْخَفَاءُ فَنَقُول: أُسِرُّ الْحَدِيثَ إِسْرَارًا إِذَا أَخْفَيْتُهُ أَوْ نَسَبْتُهُ إِلَى السِّرِّ، وَأَسْرَرْتُهُ أَيْضًا أَظْهَرْتُهُ فَهُوَ مِنَ الأَْضْدَادِ (١) .
أَمَّا مَعْنَاهُ اصْطِلاَحًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُرَادُ مِنَ السُّرَرِ، هَل هُوَ آخِرُ الشَّهْرِ، أَمْ أَوَّلُهُ، أَمْ أَوْسَطُهُ، فَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْل اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ وَالْغَرِيبِ: إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ السُّرَرِ هُوَ آخِرُ الشَّهْرِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لاِسْتِسْرَارِ الْقَمَرِ. وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ السُّرَرَ الْوَسَطُ، فَسَرَارَةُ الْوَادِي وَسَطُهُ وَخِيَارُهُ، وَسِرَارُ الأَْرْضِ стр. 15003
أَكْرَمُهَا وَأَوْسَطُهَا، وَيُؤَيِّدُهُ النَّدْبُ إِلَى صِيَامِ الْبِيضِ، وَهِيَ وَسَطُ الشَّهْرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي صِيَامِ آخِرِ الشَّهْرِ نَدْبٌ، وَرَجَّحَ هَذَا الْقَوْل النَّوَوِيُّ (١) .
وَذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَنَّ السُّرَرَ أَوَّل الشَّهْرِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أَيَّامُ الْبِيضِ:
٢ - أَيَّامُ الْبِيضِ: هِيَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ كُل شَهْرٍ، وَأَصْلُهَا أَيَّامُ اللَّيَالِيَ الْبِيضِ. وَهِيَ لَيْلَةُ ثَلاَثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَلَيْلَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ اللَّيَالِي بِالْبِيضِ لاِسْتِنَارَةِ جَمِيعِهَا بِالْقَمَرِ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
اخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ فِي مَعْنَى السُّرَرِ اصْطِلاَحًا يَقْتَضِي بَيَانَ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لِلسُّرَرِ بِشَتَّى الْمَعَانِي:
٣ - صِيَامُ أَوَّل الشَّهْرِ: ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَوَّل مَطْلَعِ كُل شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَقَدْ رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ стр. 15004
كَانَ ﷺ يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُل شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ (١) . (ر: مُصْطَلَحُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ) .
٤ - صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ: وَهُوَ يَوْمُ الثَّلاَثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا تَرَدَّدَ النَّاسُ فِي كَوْنِهِ مِنْ رَمَضَانَ، لِلْفُقَهَاءِ عِبَارَاتٌ مُتَقَارِبَةٌ فِي تَحْدِيدِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ وَإِبَاحَةِ صَوْمِهِ إِنْ صَادَفَ عَادَةً لِلْمُسْلِمِ بِصَوْمِ تَطَوُّعٍ كَيَوْمِ الاِثْنَيْنِ أَوِ الْخَمِيسِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لاَ تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلاَ يَوْمَيْنِ إِلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ (٢) . وَلِقَوْل عَمَّارٍ ﵁: (مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ) (ر: التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ.
صِيَامُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى جَوَازِ صِيَامِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَمَا بَعْدَهُ، لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: يَا فُلاَنُ أَمَا صُمْتَ سُرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟ قَال الرَّجُل: لاَ يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ (٣) ، стр. 15005
وَهَذَا عَلَى قَوْل مَنْ فَسَّرَ السُّرَرَ بِالْوَسَطِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهِيَةِ صِيَامِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ، فَلاَ تَصُومُوا (١) وَحَرَّمَهُ الشَّافِعِيَّةُ لِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ صِيَامِ النِّصْفِ؛ وَلأَِنَّهُ رُبَّمَا أَضْعَفَ الصَّائِمَ عَنْ صِيَامِ رَمَضَانَ، وَجَمَعَ الطَّحَاوِيُّ بَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَهُوَ النَّهْيُ، وَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِالصِّيَامِ إِلاَّ إِذَا كَانَ صَوْمًا يَصُومُهُ، بِأَنَّ الْحَدِيثَ الأَْوَّل مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ، وَالثَّانِي مَخْصُوصٌ بِمَنْ يَحْتَاطُ بِزَعْمِهِ لِرَمَضَانَ، وَحَسَّنَ الْجَمْعَ ابْنُ حَجَرٍ (٢) .
ر: التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَيْ: (صَوْمٍ) ، (وَصَوْمِ التَّطَوُّعِ) .
سَرَفٌ
انْظُرْ: إِسْرَافٌ. стр. 15006
سَرِقَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - فِي اللُّغَةِ: السَّرِقَةُ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنَ الْغَيْرِ خُفْيَةً. يُقَال: سَرَقَ مِنْهُ مَالاً، وَسَرَقَهُ مَالاً يَسْرِقُهُ سَرَقًا وَسَرِقَةً: أَخَذَ مَالَهُ خُفْيَةً، فَهُوَ سَارِقٌ. وَيُقَال: سَرَقَ أَوِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ وَالنَّظَرَ: سَمِعَ أَوْ نَظَرَ مُسْتَخْفِيًا (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ أَخْذُ الْعَاقِل الْبَالِغِ نِصَابًا مُحْرَزًا، أَوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ، مِلْكًا لِلْغَيْرِ، لاَ شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، عَلَى وَجْهِ الْخُفْيَةِ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ: أَخْذُ مُكَلَّفٍ طِفْلاً حُرًّا لاَ يَعْقِل لِصِغَرِهِ (٢) . стр. 15007
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِخْتِلاَسُ:
٢ - يُقَال خَلَسَ الشَّيْءَ أَوِ اخْتَلَسَهُ، أَيْ: اسْتَلَبَهُ فِي نُهْزَةٍ وَمُخَاتَلَةٍ (١) .
وَالْمُخْتَلِسُ: هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الْمَال جَهْرَةً مُعْتَمِدًا عَلَى السُّرْعَةِ فِي الْهَرَبِ (٢) .
فَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّرِقَةِ وَالاِخْتِلاَسِ: أَنَّ الأُْولَى عِمَادُهَا الْخُفْيَةُ، وَالاِخْتِلاَسُ يَعْتَمِدُ الْمُجَاهَرَةَ.
وَلِذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ (٣) .
انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (اخْتِلاَسٍ) .
ب - جَحْدُ الأَْمَانَةِ، أَوْ خِيَانَتُهَا:
٣ - الْجَحْدُ أَوِ الْجُحُودُ: الإِْنْكَارُ، وَلاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى عِلْمٍ مِنَ الْجَاحِدِ بِهِ (٤) . وَالْجَاحِدُ أَوِ الْخَائِنُ: هُوَ الَّذِي يُؤْتَمَنُ عَلَى شَيْءٍ بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ أَوِ الْوَدِيعَةِ فَيَأْخُذُهُ وَيَدَّعِي ضَيَاعَهُ، أَوْ يُنْكِرُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ.
فَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ يَرْجِعُ إِلَى قُصُورٍ стр. 15008
فِي الْحِرْزِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِنْكَارٍ) .
ج - الْحِرَابَةُ:
٤ - الْحِرَابَةُ: الْبُرُوزُ لأَِخْذِ مَالٍ أَوْ لِقَتْلٍ أَوْ لإِِرْعَابٍ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ مُكَابَرَةً اعْتِمَادًا عَلَى الْقُوَّةِ مَعَ الْبُعْدِ عَنِ الْغَوْثِ، وَتُسَمَّى قَطْعَ الطَّرِيقِ، وَالسَّرِقَةَ الْكُبْرَى (٢) .
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّرِقَةِ بِأَنَّ الْحِرَابَةَ هِيَ الْبُرُوزُ لأَِخْذِ مَالٍ أَوْ لِقَتْلٍ أَوْ إِرْعَابٍ مُكَابَرَةً اعْتِمَادًا عَلَى الشَّوْكَةِ مَعَ الْبُعْدِ عَنِ الْغَوْثِ، أَمَّا السَّرِقَةُ فَهِيَ أَخْذُ الْمَال خُفْيَةً. فَالْحِرَابَةُ تَكْتَمِل بِالْخُرُوجِ عَلَى سَبِيل الْمُغَالَبَةِ وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ مَالٌ، أَمَّا السَّرِقَةُ فَلاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ أَخْذِ الْمَال عَلَى وَجْهِ الْخُفْيَةِ (٣) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (حِرَابَةٍ) .
د - الْغَصْبُ:
٥ - الْغَصْبُ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا مُجَاهَرَةً. стр. 15009
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الاِسْتِيلاَءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ عُدْوَانًا. فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ: أَنَّ الأَْوَّل يَتَحَقَّقُ بِالْمُجَاهَرَةِ، فِي حِينِ يُشْتَرَطُ فِي السَّرِقَةِ أَنْ يَكُونَ الأَْخْذُ سِرًّا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ (١) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (غَصْبٍ) .
هـ - النَّبْشُ:
٦ - يُقَال: نَبَشْتُهُ نَبْشًا، أَيِ اسْتَخْرَجْتُهُ مِنَ الأَْرْضِ، وَنَبَشْتُ الأَْرْضَ: كَشَفْتُهَا. وَمِنْهُ: نَبَشَ الرَّجُل الْقَبْرَ (٢) .
وَالنَّبَّاشُ: هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ أَكْفَانَ الْمَوْتَى بَعْدَ دَفْنِهِمْ فِي قُبُورِهِمْ (٣) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ وَفِي اعْتِبَارِهِ سَارِقًا، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ) مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى اعْتِبَارِ النَّبَّاشِ سَارِقًا؛ لاِنْطِبَاقِ حَدِّ السَّرِقَةِ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ نَبَشَ قَطَّعْنَاهُ (٤) . стр. 15010
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ النَّبَّاشِ سَارِقًا لأَِنَّهُ يَأْخُذُ مَا لاَ مَالِكَ لَهُ وَلَيْسَ مَرْغُوبًا فِيهِ، وَاشْتِرَاطُ الْخُفْيَةِ وَالْحِرْزِ لاَ يَجْعَل هَذَا النَّوْعَ مِنَ الأَْخْذِ سَرِقَةً (١) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (نَبْشٍ) .
- وَالنَّشْل:
٧ - نَشَل الشَّيْءَ نَشْلاً: أَسْرَعَ نَزْعَهُ. يُقَال: نَشَل اللَّحْمَ مِنَ الْقِدْرِ، وَنَشَل الْخَاتَمَ مِنَ الْيَدِ. وَالنَّشَّال: الْمُخْتَلِسُ الْخَفِيفُ الْيَدِ مِنَ اللُّصُوصِ، يَشُقُّ ثَوْبَ الرَّجُل وَيَسُل مَا فِيهِ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْ صَاحِبِهِ. وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالطَّرَّارِ، مِنْ طَرَرْتُهُ طَرًّا: إِذَا شَقَقْتُهُ (٢) .
وَلاَ يَخْتَلِفُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَالطَّرَّارُ أَوِ النَّشَّال هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ النَّاسَ فِي يَقَظَتِهِمْ بِنَوْعٍ مِنَ الْمَهَارَةِ وَخِفَّةِ الْيَدِ (٣) .
فَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّشْل أَوِ الطَّرِّ بَيْنَ السَّرِقَةِ يَتَمَثَّل فِي تَمَامِ الْحِرْزِ. وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَطْبِيقِ حَدِّ السَّرِقَةِ عَلَى النَّشَّال فَجُمْهُورُهُمْ يُسَوِّي بَيْنَ السَّارِقِ وَالطَّرَّارِ سَوَاءٌ شَقَّ الْكُمَّ أَوِ الْقَمِيصَ стр. 15011
وَأَخَذَ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ النِّصَابَ، أَوْ أَدْخَل يَدَهُ فَأَخَذَ دُونَ شَقٍّ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ يُعْتَبَرُ حِرْزًا لِكُل مَا يَلْبَسُهُ أَوْ يَحْمِلُهُ مِنْ نُقُودٍ وَغَيْرِهَا. وَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّهُ إِذَا أَدْخَل يَدَهُ فِي الْكُمِّ أَوْ فِي الْجَيْبِ فَأَخَذَ مِنْ غَيْرِ شَقٍّ، أَوْ شَقَّ غَيْرَهُمَا مِثْل الصُّرَّةِ، فَلاَ يُطَبَّقُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ؛ لِعَدَمِ اكْتِمَال الأَْخْذِ مِنَ الْحِرْزِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (نَشْلٍ) .
ز - النَّهْبُ:
٨ - نَهَبَ الشَّيْءَ نَهْبًا: أَخَذَهُ قَهْرًا. وَالنَّهْبُ: الْغَارَةُ وَالْغَنِيمَةُ وَالشَّيْءُ الْمَنْهُوبُ وَهُوَ الْغَلَبَةُ عَلَى الْمَال وَالْقَهْرُ. قَال الأَْزْهَرِيُّ: وَالنَّهْبُ مَا انْتُهِبَ مِنَ الْمَال بِلاَ عِوَضٍ، يُقَال: أَنْهَبَ فُلاَنٌ مَالَهُ: إِذَا أَبَاحَهُ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَلاَ يَكُونُ نَهْبًا حَتَّى تَنْتَهِبَهُ الْجَمَاعَةُ، فَيَأْخُذُ كُل وَاحِدٍ شَيْئًا، وَهِيَ النُّهْبَةُ (٢) .
وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّهْبِ وَالسَّرِقَةِ يَعُودُ إِلَى شِبْهِ الْخُفْيَةِ، وَهُوَ لاَ يَتَوَافَرُ فِي النَّهْبِ وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ (٣) . стр. 15012
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (نَهْبٍ) .
أَرْكَانُ السَّرِقَةِ:
٩ - لِلسَّرِقَةِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: السَّارِقُ، وَالْمَسْرُوقُ مِنْهُ، وَالْمَال الْمَسْرُوقُ، وَالأَْخْذُ خُفْيَةً.
الرُّكْنُ الأَْوَّل: السَّارِقُ:
١٠ - يَجِبُ - لإِِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ - أَنْ تَتَوَافَرَ فِي السَّارِقِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ: أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا، وَأَنْ يَقْصِدَ فِعْل السَّرِقَةِ، وَأَلاَّ يَكُونَ مُضْطَرًّا إِلَى الأَْخْذِ، وَأَنْ تَنْتَفِيَ الْجُزْئِيَّةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَأَلاَّ تَكُونَ عِنْدَهُ شُبْهَةٌ فِي اسْتِحْقَاقِهِ مَا أَخَذَ.
الشَّرْطُ الأَْوَّل: التَّكْلِيفُ:
١١ - لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى إِلاَّ إِذَا كَانَ مُكَلَّفًا، أَوْ بَالِغًا عَاقِلاً (١) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (تَكْلِيفٍ) .
أ - وَيُعْتَبَرُ الشَّخْصُ بَالِغًا إِذَا تَوَافَرَتْ فِيهِ إِحْدَى عَلاَمَاتِ الْبُلُوغِ.
يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (بُلُوغٍ) .
أَمَّا مَنْ كَانَ دُونَ الْبُلُوغِ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ لِقَوْل стр. 15013
النَّبِيِّ ﷺ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ (١) . وَلِذَا قَال ابْنُ حَجَرٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الاِحْتِلاَمَ فِي الرِّجَال وَالنِّسَاءِ يَلْزَمُ بِهِ الْعِبَادَاتُ وَالْحُدُودُ وَسَائِرُ الأَْحْكَامِ (٢) .
ب - وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَقْل لإِِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى السَّارِقِ، إِذْ أَنَّهُ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ (٣) ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل. هَذَا إِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ مُطْبَقًا، فَأَمَّا إِنْ كَانَ غَيْرَ مُطْبَقٍ وَجَبَ الْحَدُّ إِنْ سَرَقَ فِي حَال الإِْفَاقَةِ، وَلاَ يَجِبُ إِنْ سَرَقَ فِي حَال الْجُنُونِ. انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (جُنُونٍ) .
ج - وَقَدْ أَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ الْمَعْتُوهَ بِالْمَجْنُونِ؛ لأَِنَّ الْعَتَهَ نَوْعُ جُنُونٍ فَيَمْنَعُ أَدَاءَ الْحُقُوقِ (٤) . انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (عَتَهٍ) . стр. 15014
د - وَلاَ يَجِبُ إِقَامَةُ الْحَدِّ إِذَا صَدَرَتِ السَّرِقَةُ مِنَ النَّائِمِ (١) ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ. انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (نَوْمٍ) .
هـ - كَذَلِكَ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا سَرَقَ حَال إِغْمَائِهِ (٢) . انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِغْمَاءٍ) .
و أَمَّا مَنْ يَسْرِقُ وَهُوَ سَكْرَانُ (٣) ، فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِي حُكْمِهِ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ:
فَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّ عَقْلَهُ غَيْرُ حَاضِرٍ، فَلاَ يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ مُطْلَقًا إِلاَّ حَدَّ السُّكْرِ. سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَعَدِّيًا بِسُكْرِهِ أَمْ كَانَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِهِ (٤) . غَيْرَ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ يُفَرِّقُ بَيْنَ حَالَتَيْنِ: إِذَا كَانَ السَّكْرَانُ قَدْ تَعَدَّى بِسُكْرِهِ، فَإِنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ يُقَامُ عَلَيْهِ، سَدًّا لِلذَّرَائِعِ، حَتَّى لاَ يَقْصِدَ مَنْ يُرِيدُ ارْتِكَابَ جَرِيمَةٍ إِلَى الشُّرْبِ دَرْءًا لإِِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِالسُّكْرِ فَيَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ؛ لِقِيَامِ عُذْرِهِ وَانْتِفَاءِ قَصْدِهِ (٥) .
انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (سُكْرٍ) . стр. 15015
ز - وَمِمَّا يَلْتَحِقُ بِمَسْأَلَةِ التَّكْلِيفِ: اشْتِرَاطُ كَوْنِ السَّارِقِ مُلْتَزِمًا أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ حَتَّى تَثْبُتَ وِلاَيَةُ الإِْمَامِ عَلَيْهِ. وَلِذَا لاَ يُقَامُ حَدُّ السَّرِقَةِ عَلَى الْحَرْبِيِّ غَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ، وَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الذِّمِّيِّ لأَِنَّهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ يَلْتَزِمُ بِأَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ وَتَثْبُتُ وِلاَيَةُ الإِْمَامِ عَلَيْهِ (١) . انْظُرْ مُصْطَلَحَيْ: (أَهْل الْحَرْبِ، وَأَهْل الذِّمَّةِ) .
١٢ - أَمَّا الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ: فَإِنْ سَرَقَ مِنْ مُسْتَأْمَنٍ آخَرَ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِعَدَمِ الْتِزَامِ أَيٍّ مِنْهُمَا أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ. وَإِنْ سَرَقَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَفِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ) إِلَى وُجُوبِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ لأَِنَّ دُخُولَهُ فِي الأَْمَانِ يَجْعَلُهُ مُلْتَزِمًا الأَْحْكَامَ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى عَدَمِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ بِأَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) . стр. 15016
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: أَظْهَرُهَا: أَنَّهُ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَالْحَرْبِيِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ كَالذِّمِّيِّ. وَالثَّالِثُ: يُفَصَّل بِالنَّظَرِ إِلَى عَقْدِ الأَْمَانِ: فَإِنْ شَرَطَ فِيهِ إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِ وَجَبَ الْقَطْعُ، وَإِلاَّ فَلاَ حَدَّ وَلاَ قَطْعَ (١) .
الشَّرْطُ الثَّانِي: الْقَصْدُ:
١٣ - لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ إِلاَّ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ بِتَحْرِيمِ السَّرِقَةِ، وَأَنَّهُ يَأْخُذُ مَالاً مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ دُونَ عِلْمِ مَالِكِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَأَنْ تَنْصَرِفَ نِيَّتُهُ إِلَى تَمَلُّكِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا فِيمَا فَعَل، وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل ذَلِكَ.
أ - أَنْ يَعْلَمَ السَّارِقُ بِتَحْرِيمِ الْفِعْل الَّذِي اقْتَرَفَهُ، فَالْجَهَالَةُ بِالتَّحْرِيمِ مِمَّنْ يُعْذَرُ بِالْجَهْل شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄: لاَ حَدَّ إِلاَّ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ. أَمَّا عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْعُقُوبَةِ فَلاَ يُعَدُّ مِنَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تَدْرَأُ الْحَدَّ (٢) .
ب - أَنْ يَعْلَمَ السَّارِقُ أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ مَمْلُوكٌ стр. 15017
لِغَيْرِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ أَخَذَهُ دُونَ عِلْمِ مَالِكِهِ وَدُونَ رِضَاهُ. وَعَلَى ذَلِكَ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ أَخَذَ مَالاً وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَالٌ مُبَاحٌ أَوْ مَتْرُوكٌ. وَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمُؤَجِّرِ الَّذِي يَأْخُذُ الْعَيْنَ الَّتِي آجَرَهَا، وَلاَ عَلَى الْمُودِعِ الَّذِي يَأْخُذُ الْوَدِيعَةَ دُونَ رِضَا الْوَدِيعِ (١) .
ج - أَنْ تَنْصَرِفَ نِيَّةُ الآْخِذِ إِلَى تَمَلُّكِ مَا أَخَذَهُ، وَلِهَذَا لاَ يُقَامُ حَدُّ السَّرِقَةِ عَلَى مَنْ أَخَذَ مَالاً مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ دُونَ أَنْ يَقْصِدَ تَمَلُّكَهُ، كَأَنْ أَخَذَهُ لِيَسْتَعْمِلَهُ ثُمَّ يَرُدَّهُ، أَوْ أَخَذَهُ عَلَى سَبِيل الدُّعَابَةِ، أَوْ أَخَذَهُ لِمُجَرَّدِ الاِطِّلاَعِ عَلَيْهِ، أَوْ أَخَذَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّ مَالِكَهُ يَرْضَى بِأَخْذِهِ، مَا دَامَتِ الْقَرَائِنُ تَدُل عَلَى ذَلِكَ، وَمِنَ الْقَرَائِنِ الَّتِي تَدُل عَلَى نِيَّةِ التَّمَلُّكِ، إِخْرَاجُ الْمَال مِنَ الْحِرْزِ لِغَيْرِ مَا سَبَقَ، بِحَيْثُ يُعْتَبَرُ سَارِقًا لِتَوَافُرِ قَصْدِ التَّمَلُّكِ حِينَئِذٍ وَلَوْ أَتْلَفَهُ بِمُجَرَّدِ إِخْرَاجِهِ - أَمَّا لَوْ أُتْلِفَ دَاخِل الْحِرْزِ فَلاَ تَظْهَرُ نِيَّةُ التَّمَلُّكِ، وَلِهَذَا لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ (٢) .
د - لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ إِلاَّ إِذَا كَانَ مُخْتَارًا فِيمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا انْعَدَمَ الْقَصْدُ وَسَقَطَ الْحَدُّ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ السَّرِقَةَ تُبَاحُ بِالإِْكْرَاهِ؛ لأَِنَّ الإِْكْرَاهَ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ стр. 15018
بِالشُّبُهَاتِ لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (١) . وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الإِْكْرَاهَ الَّذِي يَرْفَعُ الإِْثْمَ وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرٌ هُوَ مَا يَكُونُ فِي جَانِبِ الأَْقْوَال (٢) ، وَأَمَّا الإِْكْرَاهُ عَلَى الأَْفْعَال فَفِي حُكْمِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِكْرَاهٍ) مِنَ الْمَوْسُوعَةِ ٦ ٩٨ - ١١٢
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: عَدَمُ الاِضْطِرَارِ أَوِ الْحَاجَةِ:
١٤ - أ - الاِضْطِرَارُ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ، وَالضَّرُورَةُ تُبِيحُ لِلآْدَمِيِّ أَنْ يَتَنَاوَل مِنْ مَال الْغَيْرِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ لِيَدْفَعَ الْهَلاَكَ عَنْ نَفْسِهِ (٣) ، فَمَنْ سَرَقَ لِيَرُدَّ جُوعًا أَوْ عَطَشًا مُهْلِكًا فَلاَ عِقَابَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٤) ، وَقَوْلِهِ ﷺ : لاَ قَطْعَ فِي زَمَنِ الْمَجَاعِ (٥) . стр. 15019
ب - وَالْحَاجَةُ أَقَل مِنَ الضَّرُورَةِ، فَهِيَ كُل حَالَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حَرَجٌ شَدِيدٌ وَضِيقٌ بَيِّنٌ، وَلِذَا فَإِنَّهَا تَصْلُحُ شُبْهَةً لِدَرْءِ الْحَدِّ، وَلَكِنَّهَا لاَ تَمْنَعُ الضَّمَانَ وَالتَّعْزِيرَ.
مِنْ أَجْل ذَلِكَ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ قَطْعَ بِالسَّرِقَةِ عَامَ الْمَجَاعَةِ (١) ، وَفِي ذَلِكَ يَقُول ابْنُ الْقَيِّمِ: " وَهَذِهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ عَنِ الْمُحْتَاجِ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الشُّبَهِ الَّتِي يَذْكُرُهَا كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، لاَ سِيَّمَا وَهُوَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي مُغَالَبَةِ صَاحِبِ الْمَال عَلَى أَخْذِ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ. وَعَامُ الْمَجَاعَةِ يَكْثُرُ فِيهِ الْمَحَاوِيجُ وَالْمُضْطَرُّونَ، وَلاَ يَتَمَيَّزُ الْمُسْتَغْنِي مِنْهُمْ وَالسَّارِقُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مِنْ غَيْرِهِ، فَاشْتَبَهَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِمَنْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ فَدُرِئَ " (٢) .
وَقَدْ حَدَّدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِقْدَارَ الَّذِي يَكْفِي حَاجَةَ الْمُضْطَرِّ بِقَوْلِهِ: كُل وَلاَ تَحْمِل، وَاشْرَبْ وَلاَ تَحْمِل (٣) ، وَذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ стр. 15020
سَأَل أَرَأَيْتَ إِنِ احْتَجَّنَا إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؟
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: انْتِفَاءُ الْقَرَابَةِ بَيْنَ السَّارِقِ وَالْمَسْرُوقِ مِنْهُ:
١٥ - قَدْ يَكُونُ السَّارِقُ أَصْلاً لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ، كَمَا قَدْ يَكُونُ فَرْعًا لَهُ، وَقَدْ تَقُومُ بَيْنَهُمَا صِلَةُ قَرَابَةٍ أُخْرَى، وَقَدْ تَرْبِطُ بَيْنَهُمَا رَابِطَةُ الزَّوْجِيَّةِ، وَحُكْمُ إِقَامَةِ الْحَدِّ يَخْتَلِفُ فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْحَالاَتِ:
أ - سَرِقَةُ الأَْصْل مِنَ الْفَرْعِ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ قَطْعَ فِي سَرِقَةِ الْوَالِدِ مِنْ مَال وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَل؛ لأَِنَّ لِلسَّارِقِ شُبْهَةَ حَقٍّ فِي مَال الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَدُرِئَ الْحَدُّ. وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ لِمَنْ جَاءَ يَشْتَكِي أَبَاهُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالَهُ: أَنْتَ وَمَالُكَ لأَِبِيكَ (١) ، وَاللاَّمُ هُنَا لِلإِْبَاحَةِ لاَ لِلتَّمْلِيكِ. فَإِنَّ مَال الْوَلَدِ لَهُ، وَزَكَاتَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَوْرُوثٌ عَنْهُ (٢) .
ب - سَرِقَةُ الْفَرْعِ مِنَ الأَْصْل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ قَطْعَ فِي سَرِقَةِ الْوَلَدِ مِنْ مَال أَبِيهِ وَإِنْ عَلاَ، следующие страницы →