Полный текст (31 949 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
أَرْشٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الأَْرْشِ فِي اللُّغَةِ: الدِّيَةُ وَالْخَدْشُ، وَمَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنَ الثَّوْبِ، لأَِنَّهُ سَبَبٌ لِلأَْرْشِ. وَاصْطِلاَحًا: هُوَ الْمَال الْوَاجِبُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى بَدَل النَّفْسِ، وَهُوَ الدِّيَةُ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - حُكُومَةُ الْعَدْل:
٢ - حُكُومَةُ الْعَدْل: هِيَ مَا يَجِبُ فِي جِنَايَةٍ لَيْسَ فِيهَا مِقْدَارٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الْمَال. وَهِيَ نَوْعٌ مِنَ الأَْرْشِ، فَالأَْرْشُ أَعَمُّ مِنْهَا.
ب - الدِّيَةُ:
٣ - الدِّيَةُ: هِيَ بَدَل النَّفْسِ لِسُقُوطِ الْقِصَاصِ بِأَسْبَابِهِ، وَقَدْ يُسَمَّى أَرْشُ مَا دُونَ النَّفْسِ الدِّيَةَ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - جَعَل الشَّارِعُ لِكُل نَقْصٍ جَبْرًا، حَتَّى لاَ تَذْهَبَ الْجِنَايَةُ هَدْرًا، فَإِذَا لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ، وَذَلِكَ فِي حَالَتَيِ الْجِنَايَةِ بِالْخَطَأِ، أَوْ سُقُوطِ الْقِصَاصِ لِسَبَبٍ مَا، وَجَبَ الأَْرْشُ بِحَسَبِ نَوْعِ الْجِنَايَةِ، فَإِذَا جَاءَ فِيهِ نَصٌّ بِسَهْمٍ مُعَيَّنٍ الْتَزَمَ فِيهِ ذَلِكَ.
مِنْ هَذَا مَا جَاءَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي كِتَابِهِ إِلَى
стр. 1542
أَهْل الْيَمَنِ: فِي الرِّجْل الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الإِْبِل، وَفِي كُل أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ أَوِ الرِّجْل عَشَرَةٌ مِنَ الإِْبِل، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل الْحَدِيثَ (١) .
فَإِذَا كَانَ الْفَائِتُ بِالْجِنَايَةِ جِنْسَ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْكَمَال، أَوْ زَال بِهَا جَمَالٌ مَقْصُودٌ، كَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا دِيَةً كَامِلَةً. فَإِذَا تَعَدَّدَ الْعُضْوُ مَرَّتَيْنِ فِي جِسْمِ الإِْنْسَانِ كَانَ فِي فَوَاتِ مَنْفَعَتِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ بِحِسَابِهِ، كَالأَْصَابِعِ؛ لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ : فِي كُل أُصْبُعٍ عَشَرَةٌ مِنَ الإِْبِل، وَفِي كُل سِنٍّ خَمْسَةٌ مِنَ الإِْبِل، وَالأَْصَابِعُ سَوَاءٌ، وَالأَْسْنَانُ سَوَاءٌ. (٢)
وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ مُقَدَّرٌ مِنَ الشَّارِعِ، فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ.
أَنْوَاعُ الأُْرُوشِ:
أ - أَرْشُ جِرَاحِ الْحُرَّةِ:
٥ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ مَا يَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فِي الْحُرِّ يَجِبُ فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي الْحُرَّةِ. стр. 1543
وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كُلٌّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِذَا بَلَغَ الأَْرْشُ ثُلُثَ الدِّيَةِ أَوْ أَكْثَرَ، أَمَّا إِذَا كَانَ أَقَل مِنَ الثُّلُثِ فَإِنَّهَا تَتَسَاوَى مَعَهُ (١) .
ب - أَرْشُ جِرَاحِ الذِّمِّيِّ:
٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى تَسَاوِي الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي الأُْرُوشِ وَالدِّيَاتِ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: دِيَةُ الذِّمِّيِّ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ. أَمَّا الْمَجُوسِيُّ وَالْمُعَاهَدُ وَالْمُرْتَدُّ، فَفِيهِ ثُلُثُ خُمُسِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: كُل هَؤُلاَءِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: كُلُّهُمْ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ (٢)
تَعَدُّدُ الأُْرُوشِ:
٧ - الأَْصْل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الْقَوْل بِتَعَدُّدِ الأُْرُوشِ بِتَعَدُّدِ الْجِنَايَاتِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ، يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي الدِّيَاتِ وَالْمَعَاقِل (٣) . . стр. 1544
إِرْشَادٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْرْشَادُ لُغَةً: الْهِدَايَةُ وَالدَّلاَلَةُ، يُقَال: أَرْشَدَهُ إِلَى الشَّيْءِ وَعَلَيْهِ: دَلَّهُ (١) . وَالأُْصُولِيُّونَ يَذْكُرُونَ الإِْرْشَادَ بِاعْتِبَارِهِ أَحَدَ الْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةِ الَّتِي يَرِدُ لَهَا الأَْمْرُ، وَعَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ: تَعْلِيمُ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، وَمَثَّلُوا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ . (٢)
وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ النَّدْبِ؛ لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي طَلَبِ تَحْصِيل الْمَصْلَحَةِ، غَيْرَ أَنَّ النَّدْبَ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَوِيَّةٍ، وَالإِْرْشَادَ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ (٣) .
وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَى الدَّلاَلَةِ عَلَى الْخَيْرِ، وَالإِْرْشَادِ إِلَى الْمَصَالِحِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ دُنْيَوِيَّةً أَمْ أُخْرَوِيَّةً، وَيَسْتَعْمِلُونَهُ كَذَلِكَ بِالْمَعْنَى الأُْصُولِيِّ، وَهُوَ تَعْلِيمُ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
النُّصْحُ:
٢ - النُّصْحُ: الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ. стр. 1545
وَالإِْرْشَادُ يُرَادِفُ النُّصْحَ، وَيُرَادِفُ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ جَرَى عَلَى التَّعْبِيرِ بِالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فِيمَا كَانَ مُجْمَعًا عَلَى وُجُوبِهِ أَوْ تَحْرِيمِهِ. أَمَّا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَدْ جَرَى عَلَى التَّعْبِيرِ فِيهِ بِالإِْرْشَادِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - تَنَاوَل الأُْصُولِيُّونَ الأَْمْرَ الإِْرْشَادِيَّ مِنْ حَيْثُ الثَّوَابُ وَعَدَمُهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ فَعَل مَا أُرْشِدَ إِلَيْهِ، فَذَكَرُوا: أَنَّهُ مَا دَامَتِ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ دُنْيَوِيَّةً فَلاَ ثَوَابَ فِيهِ، مَا دَامَ الشَّخْصُ قَدْ فَعَلَهُ لِمُجَرَّدِ غَرَضِهِ. فَإِنْ فَعَلَهُ لِمُجَرَّدِ الاِمْتِثَال وَالاِنْقِيَادِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أُثِيبَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لأَِمْرٍ خَارِجٍ، وَإِنْ قَصَدَ الاِمْتِثَال وَتَحْصِيل الْمَصْلَحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَعًا اسْتَحَقَّ ثَوَابًا أَنْقَصَ مِنْ ثَوَابِ مَحْضِ قَصْدِ الاِمْتِثَال (٢) .
٤ - وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَحُكْمُ الإِْرْشَادِ عِنْدَهُمْ - أَيْ إِرْشَادِ النَّاسِ إِلَى الْخَيْرِ وَدَلاَلَتِهِمْ عَلَيْهِ وَنُصْحِهِمْ - هُوَ الْوُجُوبُ، وَذَلِكَ عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ الآْيَةَ (٣) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ (٤) عَلَى أَنْ يَكُونَ الإِْرْشَادُ بِالرِّفْقِ وَالْقَوْل اللَّيِّنِ؛ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْقَبُول، وَمَحَل الْوُجُوبِ إِذَا ظَنَّ الْفَائِدَةَ، وَلَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ стр. 1546
مَالِهِ أَوْ غَيْرِهِ (١) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٥ - أَحْكَامُ الأَْمْرِ الإِْرْشَادِيِّ تَأْتِي عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ فِي مَبْحَثِ الأَْمْرِ، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي مَبْحَثِ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.
إِرْصَادٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْرْصَادُ فِي اللُّغَةِ: الإِْعْدَادُ. يُقَال: أَرْصَدَ لَهُ الأَْمْرَ: أَعَدَّهُ (٢)
وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: تَخْصِيصُ الإِْمَامِ غَلَّةَ بَعْضِ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَال لِبَعْضِ مَصَارِفِهِ (٣) .
وَيُطْلِقُ الْحَنَفِيَّةُ الإِْرْصَادَ أَيْضًا عَلَى: تَخْصِيصِ رَيْعِ الْوَقْفِ لِسَدَادِ دُيُونِهِ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ لِضَرُورَةِ إِعْمَارِهِ (٤) . стр. 1547
أَوَّلاً:
الإِْرْصَادُ بِمَعْنَى (تَخْصِيصِ بَعْضِ أَرَاضِيِ
بَيْتِ الْمَال لِبَعْضِ مَصَارِفِهِ) :
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْوَقْفُ:
٢ - الْوَقْفُ لُغَةً: الْحَبْسُ، وَاصْطِلاَحًا: حَبْسُ الْعَيْنِ وَالتَّصَدُّقُ بِالْمَنْفَعَةِ. وَلِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالإِْرْصَادِ، يُشَارُ إِلَى أَنَّ فِي حَقِيقَةِ الإِْرْصَادِ اتِّجَاهَيْنِ.
الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: اعْتِبَارُ الإِْرْصَادِ غَيْرَ الْوَقْفِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا؛ لاِخْتِلاَل شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْوَقْفِ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ مَمْلُوكًا لِلْوَاقِفِ حِينَ الْوَقْفِ، وَالْمُرْصِدُ - بِكَسْرِ الصَّادِ - هُوَ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَهُوَ لاَ يَمْلِكُ مَا أَرْصَدَهُ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: " وَالإِْرْصَادُ مِنَ السُّلْطَانِ لَيْسَ بِإِيقَافٍ أَلْبَتَّةَ؛ لِعَدَمِ مِلْكِ السُّلْطَانِ، بَل هُوَ تَعْيِينُ شَيْءٍ مِنْ بَيْتِ الْمَال عَلَى بَعْضِ مُسْتَحِقِّيهِ (١) .
فَالْفَرْقُ بَيْنَ الإِْرْصَادِ وَالْوَقْفِ: أَنَّ الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ كَانَتْ قَبْل الْوَقْفِ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ، وَفِي الإِْرْصَادِ كَانَتْ لِبَيْتِ الْمَال.
الاِتِّجَاهُ الثَّانِيَ: اعْتِبَارُ الإِْرْصَادِ وَقْفًا فِي حَقِيقَتِهِ؛ لِعَدَمِ اخْتِلاَل شَيْءٍ مِنْ شُرُوطِ الْوَقْفِ فِيهِ، فَالسُّلْطَانُ الْوَاقِفُ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال هُوَ وَكِيلٌ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ كَوَكِيل الْوَاقِفِ (٢) ، وَعَلَى стр. 1548
هَذَا الاِتِّجَاهِ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالإِْرْصَادِ مِنْ حَيْثُ سَبْقُ الْمِلْكِ، وَيَفْتَرِقَانِ بِأَنَّ الإِْرْصَادَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنَ الإِْمَامِ.
ب - الإِْقْطَاعُ:
٣ - الإِْقْطَاعُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ الْقَطْعِ بِمَعْنَى الْفَصْل (١) . وَهُوَ فِي الشَّرْعِ: مَا يَقْطَعُهُ الإِْمَامُ أَيْ يُعْطِيهِ مِنْ أَرَاضِي الْمَوَاتِ - رَقَبَةً أَوْ مَنْفَعَةً - لِمَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَال، فَالإِْقْطَاعُ يَكُونُ تَمْلِيكًا وَغَيْرَ تَمْلِيكٍ (٢) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ إِقْطَاعِ التَّمْلِيكِ وَبَيْنَ الإِْرْصَادِ، أَنَّ الْمُقْطَعَ إِلَيْهِ يَمْلِكُ رَقَبَةَ الْقَطَائِعِ، وَلاَ يَتَرَتَّبُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمِلْكِ فِي الإِْرْصَادِ.
أَمَّا إِقْطَاعُ الْمَنْفَعَةِ أَوِ الْخَرَاجِ، فَيَفْتَرِقُ عَنِ الإِْرْصَادِ بِأَنَّ الإِْرْصَادَ لَهُ صِفَةُ التَّأْبِيدِ، وَلاَ يَكُونُ لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الإِْقْطَاعِ صِفَةُ التَّأْبِيدِ، إِذْ يَحِقُّ لِلإِْمَامِ سَلْخُ تِلْكَ الْقَطَائِعِ عَمَّنْ جَعَلَهَا لَهُ، وَإِعْطَاؤُهَا لِغَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الإِْقْطَاعَ يَحْمِل الصِّفَةَ الْفَرْدِيَّةَ الشَّخْصِيَّةَ، أَمَّا الإِْرْصَادُ فَيَحْمِل صِفَةَ الْعُمُومِ وَمَصْلَحَةَ الْجَمَاعَةِ.
ج - الْحِمَى:
٤ - الْحِمَى فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ وَالدَّفْعُ، وَفِي الشَّرْعِ: أَنْ يَحْمِيَ الإِْمَامُ مَكَانًا خَاصًّا مِنَ الْمَوَاتِ؛ لِحَاجَةِ غَيْرِهِ، كَرَعْيِ نَعَمِ جِزْيَةٍ وَصَدَقَةٍ، وَحَاجَةِ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ (٣) . стр. 1549
فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحِمَى وَالإِْرْصَادِ أَنَّ الإِْرْصَادَ تَخْصِيصُ الإِْمَامِ غَلَّةَ بَعْضِ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَال لِبَعْضِ مَصَارِفِهِ، وَالْحِمَى هُوَ تَخْصِيصُ الإِْمَامِ نَفْسَ أَرَاضِي الْمَوَاتِ لِحَاجَةِ غَيْرِهِ.
صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
٥ - الإِْرْصَادُ مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ (١) ، إِمَّا لاِعْتِبَارِهِ وَقْفًا (فَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ) ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ يُؤَمِّنُ مَصْلَحَةً عَامَّةً لِلْمُسْلِمِينَ بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ؛ لأَِنَّ الْمُرْصَدَ (بِفَتْحِ الصَّادِ) هُوَ مَال بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ، وَصَل إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَمَصْرِفُهُ كُل مَا تَقُومُ بِهِ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُرْصَدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْقُضَاةِ وَنَحْوِهِمْ هُمْ عَمَلَةُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَقُومُ بِهِمْ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، فَهُمْ مَصْرِفٌ مِنْ مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَال (٢) . وَتَأْمِينُ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَاجِبٌ عَلَى الإِْمَامِ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَصَالِحُ لاَ يُمْكِنُ تَأْمِينُهَا إِلاَّ بِالإِْرْصَادِ، كَانَ الإِْرْصَادُ وَاجِبًا؛ لأَِنَّ مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَقَدْ سُئِل الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْعَقَدِيُّ الْحَنَفِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَشْرُوعِيَّةِ الإِْرْصَادِ فَأَجَابَ:
" لاَ شَكَّ فِي جَوَازِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إِيصَال الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّيهِ فَيَكُونُ جَائِزًا، بَل وَاجِبًا لِمَا قُلْنَا، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ". (٣)
أَرْكَانُ الإِْرْصَادِ:
٦ - لاَ بُدَّ فِي الإِْرْصَادِ مِنْ وُجُودِ مُرْصِدٍ (بِكَسْرِ الصَّادِ) ، وَمُرْصَدٍ (بِفَتْحِ الصَّادِ) ، وَجِهَةٍ مُرْصَدٍ عَلَيْهَا، وَصِيغَةٍ. стр. 1550
وَلِكُل وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَْرْكَانِ شُرُوطٌ لاَ بُدَّ مِنْ تَوَفُّرِهَا فِيهِ؛ لِيَكُونَ الإِْرْصَادُ صَحِيحًا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
الأَْوَّل: الْمُرْصِدُ (بِكَسْرِ الصَّادِ)
٧ - وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُرْصِدِ (بِكَسْرِ الصَّادِ) أَنْ يَكُونَ جَائِزَ التَّصَرُّفِ فِيمَا أَرَصَدَهُ، مِنْ مَال بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ (١) .
وَجَائِزُ التَّصَرُّفِ هَذَا لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْتَجْمِعَ شُرُوطَ أَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ، وَأَنْ يَكُونَ إِمَامًا أَوْ أَمِيرًا (٢) ، أَوْ وَزِيرًا فُوِّضَ إِلَيْهِ تَدْبِيرُ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ (٣) ، أَوْ رَجُلاً لَهُ اسْتِحْقَاقٌ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ وَجُعِلَتْ لَهُ مَنْفَعَةُ عَقَارٍ مُعَيَّنٍ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ (٤) ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الْمُرْصَدَ عَلَيْهِ لَهُ أَنْ يَرْصُدَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ أَلاَّ يَنْسُبَ الْمُرْصِدَ (بِكَسْرِ الصَّادِ) الإِْرْصَادَ إِلَى نَفْسِهِ. لأَِنَّ الأَْعْيَانَ الْمُرْصَدَةَ لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُ، بَل هِيَ مِلْكُ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا النَّصُّ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ بَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّهُ لاَ يَتَنَافَى مَعَ شَيْءٍ مِمَّا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي الإِْرْصَادِ.
فَإِنْ نَسَبَ الْمُرْصِدُ الإِْرْصَادَ إِلَى نَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ إِرْصَادُهُ. стр. 1551
قَال عَلِيُّ كَنُونٍ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الزَّرْقَانِيِّ: إِنْ وَقَفَ الأَْئِمَّةُ وَقْفًا عَلَى جِهَةِ الْبِرِّ وَالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَنَسَبُوهُ لأَِنْفُسِهِمْ فَلاَ يَصِحُّ (١) .
الثَّانِي: الْمُرْصَدُ (بِفَتْحِ الصَّادِ) :
٨ - يُشْتَرَطُ فِي الْمَال الْمُرْصَدِ أَنْ يَكُونَ عَيْنًا قَدْ آلَتْ إِلَى بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ بِالاِتِّفَاقِ (٢) ، كَالأَْرَاضِيِ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً، وَآلَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَال، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَرْصُدَ شَيْئًا مِنْ أَرَاضِي الْحَوْزِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْرَاضِيَ مِلْكُ أَصْحَابِهَا، وَلَيْسَتْ مِلْكًا لِبَيْتِ الْمَال.
وَالْمُرَادُ بِأَرْضِ الْحَوْزِ هُنَا: الأَْرْضُ الَّتِي عَجَزَ صَاحِبُهَا عَنْ زِرَاعَتِهَا، وَأَدَاءِ خَرَاجِهَا، فَدَفَعَهَا إِلَى الإِْمَامِ لِتَكُونَ مَنَافِعُهَا جَبْرًا لِلْخَرَاجِ (٣) .
الثَّالِثُ: الْمُرْصَدُ عَلَيْهِ:
٩ - يُشْتَرَطُ فِي الْمُرْصَدِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَصَارِفِ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ الإِْجْمَال (٤) . فَإِنْ لَمْ стр. 1552
يَكُنْ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَال لَمْ يَحِل لَهُ الأَْكْل مِنْ هَذَا الإِْرْصَادِ، وَلَوْ أَقَرَّهُ النَّاظِرُ وَبَاشَرَ الْعَمَل فِيمَا أُرْصِدَ لَهُ الْمُرْصَدُ؛ لأَِنَّ هَذَا مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَهُوَ لاَ يَتَحَوَّل عَنْ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ بِجَعْل أَحَدٍ (١) .
فَإِذَا أُرْصِدَ عَلَى جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، تُؤَمِّنُ مَصْلَحَةً عَامَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، كَالْمَدَارِسِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْقُضَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِرْصَادُهُ صَحِيحٌ نَافِذٌ (٢) ، لأَِنَّ الْمَصْرِفَ الأَْوَّل لأَِمْوَال بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ تَأْمِينُ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ.
١٠ - وَاخْتَلَفُوا فِي الإِْرْصَادِ عَلَى أَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمِنْهُمْ عَبْدُ الْبَرُّ بْنُ الشِّحْنَةِ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَمِنْهُمُ السُّيُوطِيُّ وَالسُّبْكِيُّ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الإِْرْصَادُ عَلَى أَشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهِمْ (٣) وَإِنْ كَانُوا يَقُومُونَ بِمَصَالِحَ عَامَّةٍ، أَوْ لَهُمُ اسْتِحْقَاقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَال، كَوَقْفِ الإِْمَامِ عَلَى أَوْلاَدِهِ وَنَحْوِهِمْ (٤) .
وَلَعَلَّهُمْ مَنَعُوا ذَلِكَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَقَطْعًا لِدَابِرِ تَلاَعُبِ الْفَسَقَةِ مِنَ الْحُكَّامِ بِصَرْفِ أَمْوَال بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ لِلْمُقَرَّبِينَ إِلَيْهِمْ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى جَوَازِ الإِْرْصَادِ عَلَى أَشْخَاصٍ стр. 1553
بِأَعْيَانِهِمْ، بِشَرْطِ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ (١) .
وَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ نُجَيْمٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَل آخِرَ الإِْرْصَادِ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَنَحْوِهِمْ، نَظَرًا لِلْمَال (٢) .
١١ - وَيَنُصُّ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَمِنْهُمُ السُّيُوطِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُرْصَدَ عَلَيْهِ يَسْتَحِقُّ مَا رُصِدَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِعَمَلِهِ الْمَشْرُوطِ فِي الإِْرْصَادِ (٣) ، وَيَرَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَمِنْهُمُ الرَّمْلِيُّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُرْصَدِ عَلَيْهِ الْعَمَل بِشَرْطِ الإِْرْصَادِ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ الْمَعْلُومُ الْمُرْصَدَ عَلَيْهِ إِلاَّ إِذَا بَاشَرَ الْعَمَل بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ (٤) .
وَيَنُصُّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى، أَنَّهُ إِنْ قَصَّرَ الْمُرْصَدُ (بِفَتْحِ الصَّادِ) عَنْ كِفَايَةِ جَمِيعِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَكَانَ الإِْرْصَادُ عَلَى جِهَةٍ، رُوعِيَ فِي الاِسْتِحْقَاقِ صِفَةُ الأَْحَقِّيَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَال، فَيُقَدَّمُ الأَْحَقُّ فِي بَيْتِ الْمَال عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانُوا جَمِيعًا مِنْ أَصْحَابِ الأَْحَقِّيَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَال، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ حَاجَةً إِلَيْهِ، فَيُقَدَّمُ الْمُدَرِّسُ عَلَى الْمُؤَذِّنِ، وَالْمُؤَذِّنُ عَلَى الإِْمَامِ، وَالإِْمَامُ عَلَى الْمُقِيمِ. فَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْحَاجَةِ إِلَيْهِمْ قُدِّمَ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ أَكْبَرَ سِنًّا (٥) .
الرَّابِعُ: الصِّيغَةُ:
١٢ - يُشْتَرَطُ فِي صِيغَةِ الإِْرْصَادِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَقْفِ. وَيَصِحُّ بِلَفْظِ الإِْرْصَادِ كَمَا يَصِحُّ بِلَفْظِ стр. 1554
الْوَقْفِ، وَكَثِيرًا مَا يَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ إِحْدَى الصِّيغَتَيْنِ (الْوَقْفَ، الإِْرْصَادَ) لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الأُْخْرَى.
١٣ - لِلْمُرْصِدِ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي إِرْصَادِهِ مِنَ الشُّرُوطِ الْمَشْرُوعَةِ مَا يَشَاءُ كَالْوَاقِفِ. قَال فِي الْفَتَاوَى الْمَهْدِيَّةِ: الْوَاقِفُ يَتَصَرَّفُ فِي وَقْفِهِ كَيْفَ شَاءَ، وَمِثْلُهُ الْمُرْصِدُ بِإِجْمَاعِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ (١) .
آثَارُ الإِْرْصَادِ:
١٤ - إِذَا أَرْصَدَ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الآْثَارُ التَّالِيَةُ:
أ - تَأْبِيدُ هَذَا الإِْرْصَادِ وَاسْتِمْرَارُ صَرْفِهِ عَلَى الْمَصْرِفِ الَّذِي عَيَّنَهُ الْمُرْصِدُ. فَلاَ يَجُوزُ لإِِمَامٍ يَأْتِي بَعْدَهُ نَقْضُهُ وَلاَ إِبْطَالُهُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (٢) . وَلاَ أَدَل عَلَى ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْحَادِثَةِ الَّتِي حَدَثَتْ فِي عَهْدِ السُّلْطَانِ بُرْقُوقٍ، فَإِنَّهُ فِي عَامِ نَيِّفٍ وَثَمَانِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ أَرَادَ أَنْ يَنْقُضَ الأَْرْصَادَ لِكَوْنِهَا أُخِذَتْ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ، فَعَقَدَ لِذَلِكَ مَجْلِسًا حَافِلاً حَضَرَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ رَسْلاَنَ الْبُلْقِينِيُّ الشَّافِعِيُّ، وَالْبُرْهَانُ بْنُ جَمَاعَةَ، وَشِيحُ الْحَنَفِيَّةِ الشَّيْخُ أَكْمَل الدِّينِ شَارِحُ الْهِدَايَةِ، وَغَيْرُهُمْ، فَقَال لَهُ الشَّيْخُ الْبُلْقِينِيُّ: مَا وُقِفَ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَالطَّلَبَةِ لاَ سَبِيل إِلَى نَقْضِهِ؛ لأَِنَّ لَهُمْ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا رُصِدَ عَلَى فَاطِمَةَ وَخَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ يُنْقَضُ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَاضِرُونَ (٣) . قَال فِي стр. 1555
الْفَتَاوَى الْمَهْدِيَّةِ: قَال السُّيُوطِيُّ: وَهُوَ الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، قَالَهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ، سُلْطَانُ الْعُلَمَاءِ، فَكَلاَمُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُوَافِقُ بَعْضُهُ بَعْضًا (١) .
ب - مَدَى الاِلْتِزَامِ بِالشُّرُوطِ فِيهِ: يَرَى جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ مُخَالَفَةُ شُرُوطِ الإِْرْصَادِ (٢) بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا رَأَى وَلِيُّ الأَْمْرِ الْمَصْلَحَةَ فِي زِيَادَةٍ فِيهِ، أَوْ نَقْصٍ فِي مَصَارِفِ الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ، يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنِ الْجِهَةِ الَّتِي عُيِّنَتْ فِي الإِْرْصَادِ، كَأَنْ يَمْنَعَ مَنْ عُيِّنَ فِيهِ وَيَصْرِفَ اسْتِحْقَاقَهُ لِغَيْرِهِ، فَحِينَئِذٍ لاَ يَصِحُّ الْعُدُول (٣) .
وَعَلَّل الْعَلاَّمَةُ أَبُو السُّعُودِ جَوَازَ مُخَالَفَةِ الإِْمَامِ شُرُوطَ الإِْرْصَادِ، بِأَنَّ الْمُرْصَدَ مِنْ بَيْتِ الْمَال أَوْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ (٤) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ تَجِبُ مُرَاعَاةُ شُرُوطِ الْمُرْصَدِ، وَلاَ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا، إِذَا كَانَتْ عَلَى وَفْقِ الأَْوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ (٥) .
ثَانِيًا:
الإِْرْصَادُ بِمَعْنَى تَخْصِيصِ
رَيْعِ الْوَقْفِ لِسَدَادِ دُيُونِهِ
:
١٥ - يُطْلِقُ الْحَنَفِيَّةُ " الإِْرْصَادَ " عَلَى تَحْوِيل جُزْءٍ مِنْ رَيْعِ الْوَقْفِ أَوْ كُلِّهِ عَنِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِوَفَاءِ دَيْنٍ مَشْرُوعٍ стр. 1556
عَلَى الْوَقْفِ، كَمَا إِذَا بَنَى الْمُسْتَأْجِرُ لِلْعَقَارِ الْمَوْقُوفِ دُكَّانًا فِيهِ، أَوْ جَدَّدَ بِنَاءَهُ الْمُتَدَاعِيَ؛ لِيَكُونَ مَا أَنْفَقَهُ فِي ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى الْوَقْفِ إِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ فَاضِلٌ فِي رَيْعِ الْوَقْفِ يَقُومُ بِذَلِكَ. فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ الْبِنَاءُ لِلْوَقْفِ، وَيَأْخُذُ الْمُسْتَأْجِرُ مَا دَفَعَهُ عَلَى الْبِنَاءِ أَوْ عَلَى إِصْلاَحِهِ، وَيَكُونُ حَقُّهُ فِي اسْتِيفَاءِ مَا دَفَعَهُ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الأَْجْرِ بَعْدَ الْبِنَاءِ هُوَ أَجْرُ الْمِثْل لِلْمُسْتَأْجَرِ (بِفَتْحِ الْجِيمِ) بَعْدَ الْبِنَاءِ، وَأَجَازَ الْبَعْضُ تَأْجِيرَهُ إِيَّاهُ بِدُونِ أَجْرِ الْمِثْل؛ لأَِنَّهُ لَوْ أَرَادَ آخَرُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ وَيَدْفَعَ لِلأَْوَّل مَا صَرَفَهُ عَلَى الْعِمَارَةِ لاَ يَسْتَأْجِرُهُ إِلاَّ بِتِلْكَ الأُْجْرَةِ الْقَلِيلَةِ (١) . وَمَحَل تَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ بَحْثُ (الْوَقْف) .
١٦ الْفَرْقُ بَيْنَ الإِْرْصَادِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَبَيْنَ الْحَكْرِ (وَهُوَ فِي حَقِيقَتِهِ اسْتِئْجَارُ أَرْضِ الْوَقْفِ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ لإِِقَامَةِ بِنَاءٍ عَلَيْهَا) أَنَّ الْعِمَارَةَ فِي الإِْرْصَادِ تَكُونُ لِلْوَقْفِ، وَأَنَّ الْعِمَارَةَ فِي الْحَكْرِ تَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَمَا يَدْفَعُهُ الْوَقْفُ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي الإِْرْصَادِ هُوَ دَيْنٌ عَلَى الْوَقْفِ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَمَا يَدْفَعُهُ الْمُسْتَأْجِرُ لِلْوَقْفِ فِي الْحَكْرِ هُوَ أُجْرَةُ الأَْرْضِ الَّتِي أَقَامَ عَلَيْهَا بِنَاءَهُ.
أَرْضٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْرْضُ: هِيَ الَّتِي عَلَيْهَا النَّاسُ، وَلَفْظُهَا стр. 1557
مُؤَنَّثٌ. وَهِيَ اسْمُ جِنْسٍ، وَجَمْعُهَا: أَرَاضٍ وَأُرُوضٌ وَأَرْضُونَ (١) .
طَهَارَةُ الأَْرْضِ ، وَتَطْهِيرُهَا، وَالتَّطْهِيرُ بِهَا
طَهَارَةُ الأَْرْضِ:
٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا فِي أَنَّ الأَْصْل طَهَارَةُ الأَْرْضِ. فَتَصِحُّ الصَّلاَةُ عَلَى أَيِّ جُزْءٍ مِنْهَا، مَا لَمْ يَتَنَجَّسْ، وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي - إِلَى أَنْ قَال: - وَجُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَل. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا طَهُورًا وَهَذَا نَصٌّ فِي طَهَارَةِ الأَْرْضِ.
تَطْهِيرُ الأَْرْضِ مِنَ النَّجَاسَةِ (٢)
٣ - الأَْرْضُ إِذَا تَنَجَّسَتْ بِمَائِعٍ، كَالْبَوْل وَالْخَمْرِ وَغَيْرِهِمَا فَتَطْهِيرُهَا أَنْ يَغْمُرَهَا الْمَاءُ بِحَيْثُ يَذْهَبُ لَوْنُ النَّجَاسَةِ وَرِيحُهَا، وَمَا انْفَصَل عَنْهَا غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ بِهَا فَهُوَ طَاهِرٌ. بِهَذَا قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ أَنَسٌ قَال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَال فِي طَائِفَةٍ نَاحِيَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣) стр. 1558
وَمِثْل الْغَمْرِ بِالْمَاءِ مَا إِذَا أَصَابَهَا الْمَطَرُ أَوِ السَّيْل وَجَرَى عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا تَطْهُرُ؛ لأَِنَّ تَطْهِيرَ النَّجَاسَةِ لاَ يُعْتَبَرُ فِيهِ نِيَّةٌ وَلاَ فِعْلٌ، فَاسْتَوَى مَا صَبَّهُ الآْدَمِيُّ وَمَا جَرَى بِغَيْرِ صَبٍّ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ رَخْوَةً فَطَهُورُهَا بِغَمْرِهَا بِالْمَاءِ، كَمَا قَال الْجُمْهُورُ، وَإِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ صُلْبَةً فَإِنَّهَا لاَ تَطْهُرُ حَتَّى يَنْفَصِل الْمَاءُ، فَيَكُونُ الْمُنْفَصِل عَنْهَا نَجَسًا؛ لأَِنَّ النَّجَاسَةَ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ.
وَإِنَّمَا تَطْهُرُ بِحَفْرِهَا، حَتَّى يَصِل الْحَفْرُ إِلَى مَوْضِعٍ لَمْ تَصِلْهُ النَّجَاسَةُ، أَوْ بِكَبْسِهَا بِتُرَابٍ أَلْقَاهُ عَلَيْهَا، فَزَالَتْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ.
٤ - إِذَا جَفَّتِ النَّجَاسَةُ الْمَائِعَةُ، فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: لاَ تَطْهُرُ إِلاَّ بِالْمَاءِ، لِحَدِيثِ الأَْعْرَابِيِّ السَّابِقِ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ - فِي الأَْظْهَرِ - تَطْهُرُ لِلصَّلاَةِ عَلَيْهَا لاَ لِلتَّيَمُّمِ مِنْهَا، وَقِيل: تَطْهُرُ لَهُمَا، وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: إِنَّ الْكِلاَبَ كَانَتْ تَبُول، وَتُقْبِل وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَكُنْ يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إِذَا جَفَّتِ الأَْرْضُ فِي الظِّل فَقَدْ طَهُرَتْ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ أَنَّهُ قَال: إِذَا جَفَّتِ الأَْرْضُ فَقَدْ زَكَتْ (١)
٥ - أَمَّا إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ غَيْرَ مَائِعَةٍ، بِأَنْ كَانَتْ ذَاتَ أَجْزَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ كَالرِّمَّةِ، وَالرَّوْثِ، وَالدَّمِ إِذَا جَفَّ، وَاخْتَلَطَتْ بِأَجْزَاءِ الأَْرْضِ لَمْ تَطْهُرْ بِالْغَسْل، بَل تَطْهُرُ بِإِزَالَةِ أَجْزَاءِ الْمَكَانِ، حَتَّى يَتَيَقَّنَ زَوَال стр. 1559
أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ، وَهَذَا مَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ (١) .
التَّطْهِيرُ بِالأَْرْضِ
الاِسْتِجْمَارُ:
٦ - الاِسْتِجْمَارُ هُوَ قَلْعُ النَّجَاسَةِ بِالْجِمَارِ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ. وَكَمَا يَصِحُّ الاِسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ يَصِحُّ بِالأَْحْجَارِ، وَهَذَا مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (٢) .
تَطْهِيرُ النَّعْل بِالأَْرْضِ:
٧ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَنَجَّسَتِ النَّعْل وَمَا فِي مَعْنَاهَا بِمَائِعٍ، مِثْل الْبَوْل وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ أَنَّهَا لاَ تَطْهُرُ إِلاَّ بِالْغَسْل، وَعَلَى رِوَايَةِ الْمَالِكِيَّةِ الْقَائِلَةِ بِأَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ سُنَّةٌ، تَكُونُ مَعْفُوًّا عَنْهَا.
وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ ذَاتَ جِرْمٍ، فَإِنْ كَانَتْ يَابِسَةً فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهَا تَطْهُرُ بِالدَّلْكِ أَيْضًا، وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ ذَاتَ جِرْمٍ وَرَطْبَةً، فَالْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهَا تَطْهُرُ أَيْضًا بِالدَّلْكِ.
وَالأَْصْل فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الآْثَارُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي طَهَارَةِ النِّعَال بِالدَّلْكِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمُ الأَْذَى بِنَعْلِهِ فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ. وَالْمَنْقُول فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ النَّجَاسَةَ عِنْدَهُمْ стр. 1560
لاَ تَطْهُرُ إِلاَّ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَهَذِهِ أَيْضًا رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) .
التَّتْرِيبُ فِي تَطْهِيرِ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ:
٨ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ اسْتِعْمَال التُّرَابِ مَعَ الْمَاءِ فِي التَّطْهِيرِ مِنْ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ. وَقَدْ قَاسُوا الْخِنْزِيرَ عَلَى الْكَلْبِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ اسْتِعْمَال التُّرَابِ فِي ذَلِكَ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (كَلْب)
التَّطَهُّرُ بِالتُّرَابِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الأَْرْضِ:
٩ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِالتَّيَمُّمِ - عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ - مَا يُسْتَبَاحُ بِالْوُضُوءِ وَالْغُسْل، وَالتَّيَمُّمُ يَكُونُ بِالتُّرَابِ الطَّهُورِ إِجْمَاعًا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهُ مِنْ أَجْزَاءِ الأَْرْضِ، عَلَى تَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (تَيَمُّم (٢)) стр. 1561
الصَّلاَةُ عَلَى الأَْرْضِ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ الصَّلاَةِ عَلَى الأَْرْضِ الطَّاهِرَةِ فِي جَمِيعِ الْبِقَاعِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلاَةِ عَلَى الأَْرْضِ النَّجِسَةِ، فَمَنَعَهَا الْجُمْهُورُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَذَهَبَ إِلَى صِحَّةِ الصَّلاَةِ عَلَيْهَا الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ.
وَهُنَاكَ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ لِبَعْضِ الْمَوَاضِعِ كَجَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَالْحَمَّامِ، وَالْحُشِّ، وَمَعَاطِنِ الإِْبِل، وَالأَْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَ أَرْضِ الْعَذَابِ ، وَالْبِيَعِ، وَالْكَنَائِسِ، وَالطَّرِيقِ الْمَسْلُوكَةِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا (١) .
أَرْضُ الْعَذَابِ:
١١ - هِيَ الأَْرْضُ الَّتِي عُذِّبَ فِيهَا قَوْمٌ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، كَأَرْضِ بَابِل، وَدِيَارِ ثَمُودَ
، كَمَا جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ . . . ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ (٢) . وَمِنَ الأَْحْكَامِ الَّتِي تَتَّصِل بِهَذِهِ الأَْرْضِ مَا يَأْتِي:
حُكْمُ دُخُول تِلْكَ الْمَوَاضِعِ:
١٢ - يُكْرَهُ دُخُول تِلْكَ الْمَوَاضِعِ، وَإِذَا دَخَل الإِْنْسَانُ شَيْئًا مِنْهَا فَعَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَرْشَدَ إِلَيْهَا стр. 1562
النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الاِعْتِبَارِ وَالْخَوْفِ وَالإِْسْرَاعِ، لِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاَءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْل مَا أَصَابَهُمْ. (١)
حُكْمُ التَّطَهُّرِ وَالتَّطْهِيرِ بِمَائِهَا:
١٣ - يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ مُصْطَلَحُ: (آبَار) ف ٣٢
حُكْمُ الاِنْتِفَاعِ بِمَائِهَا فِي غَيْرِ الطَّهَارَةِ:
١٤ - يُمْنَعُ الاِنْتِفَاعُ بِمَاءِ آبَارِ هَذِهِ الأَْرْضِ بِالنِّسْبَةِ لِلإِْنْسَانِ مِنْ طَبْخٍ وَعَجْنٍ، وَيَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ لِغَيْرِ الإِْنْسَانِ؛ لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحِجْرِ أَرْضِ ثَمُودَ، فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا، وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِينَ، فَأَمَرَهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُهْرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا، وَيَعْلِفُوا الإِْبِل الْعَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ.
حُكْمُ التَّيَمُّمِ بِتُرَابِهَا:
١٥ - يُكْرَهُ التَّيَمُّمُ بِتُرَابِ هَذِهِ الأَْرْضِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَلِلْمَالِكِيَّةِ رَأْيَانِ، أَحَدُهُمَا يَحْرُمُ التَّيَمُّمُ، وَالثَّانِي يَجُوزُ صَحَّحَهُ التَّتَّائِيُّ (٢) . стр. 1563
حُكْمُ الصَّلاَةِ فِيهَا:
١٦ - الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ صِحَّةُ الصَّلاَةِ فِيهَا، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ بِهَا نَجَاسَةٌ؛ لأَِنَّ الصَّلاَةَ بِكُل مَوْضِعٍ طَاهِرٍ صَحِيحَةٌ. كَذَلِكَ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إِلَى صِحَّةِ الصَّلاَةِ فِيهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ؛ لأَِنَّهُ مَوْضِعٌ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ. وَذَهَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ الصَّلاَةِ فِيهَا، وَأَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : جُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ مَسْجِدًا. (١)
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَرِهَ الصَّلاَةَ بِخَسْفِ بَابِل (٢) .
زَكَاةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الأَْرْضِ
١٧ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَا أَنْبَتَتْهُ الأَْرْضُ مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ فِيهِ الزَّكَاةُ، بِشُرُوطٍ وَتَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ (زَكَاة) ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الأَْرْضِ مِنْ مَعْدِنٍ، أَوْ رِكَازٍ عَلَى تَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ (الزَّكَاة وَالْمَعْدِنُ وَالرِّكَازُ) . (٣)
التَّصَرُّفُ فِي أَرْضِ الْمَنَاسِكِ
مَكَانُ الإِْحْرَامِ:
١٨ - الْحَرَمُ يَجُوزُ إِحْيَاؤُهُ، وَيَجُوزُ لِلإِْمَامِ إِقْطَاعُهُ، فَمَنْ أَحْيَاهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ؛ لأَِنَّهُ стр. 1564
أَصْبَحَ مِلْكَهُ، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَى الْمُحْرِمِينَ لاِتِّسَاعِهِ، وَهَذَا مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ.
وَعَرَفَةُ وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنًى لاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ إِحْيَاؤُهَا، وَلاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ إِقْطَاعُهَا. وَذَلِكَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ النُّسُكِ بِهَا، حَتَّى وَإِنِ اتَّسَعَتْ وَلَمْ تَضِقْ بِالْحَجِيجِ، قَال الْجَمَل فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَلاَ تُمْلَكُ وَلاَ يُتَصَرَّفُ فِيهَا، وَقَال الْغَزَالِيُّ: الأَْظْهَرُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُضَيِّقْ لَمْ يَمْنَعْ، وَيَدُل لِذَلِكَ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ قِيل يَا رَسُول اللَّهِ: أَلاَ تَبْنِي لَكَ بَيْتًا بِمِنًى يُظِلُّكَ؟ فَقَال: لاَ، مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ (١)
وَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ نَمِرَةُ؛ لأَِنَّهُ يُسَنُّ لِلْحَاجِّ أَنْ يَسْتَقِرَّ بِهَا قَبْل الزَّوَال مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، كَمَا قِيسَ بِهَا الْمُحَصَّبُ؛ لأَِنَّهُ يُسَنُّ لِلْحُجَّاجِ إِذَا نَفَرُوا مِنْ مِنًى أَنْ يَبِيتُوا فِيهِ. وَعَلَى هَذَا فَالتَّصَرُّفُ فِي أَرْضِ الْمَنَاسِكِ لاَ يَتَأَتَّى؛ لأَِنَّهَا لاَ تُمْلَكُ بِالإِْحْيَاءِ (٢) .
مِلْكِيَّةُ الأَْرْضِ
١٩ - مِلْكِيَّةُ الأَْرْضِ لَهَا أَسْبَابٌ تَشْتَرِكُ مَعَ غَيْرِهَا فِيهَا، وَهِيَ الْعُقُودُ النَّاقِلَةُ لِلْمِلْكِيَّةِ، وَالإِْرْثِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُنَاكَ أَسْبَابٌ خَاصَّةٌ بِتَمَلُّكِ الأَْرْضِ، وَهِيَ إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ، وَالإِْقْطَاعُ، وَلِكُل سَبَبٍ مِنْ هَذِهِ стр. 1565
الأَْسْبَابِ مُصْطَلَحُهُ الْخَاصُّ، فَيُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ إِلَيْهِ.
وَمِمَّا تَجْدُرُ الإِْشَارَةُ إِلَيْهِ، أَنَّ مُجَرَّدَ وَضْعِ الْيَدِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ لَيْسَ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ مِلْكِهَا شَرْعًا، مَهْمَا طَالَتِ الْمُدَّةُ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل هَذَا فِي مُصْطَلَحِ (تَقَادُم) .
التَّصَرُّفُ فِي الأَْرْضِ الْمَوْقُوفَةِ:
٢٠ - أَرْضُ الْوَقْفِ لاَ يَجُوزُ فِيهَا التَّصَرُّفُ النَّاقِل لِلْمِلْكِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ، إِلاَّ فِي حَالاَتٍ خَاصَّةٍ لِمَصْلَحَةِ الْوَقْفِ، أَوِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَقْف) .
حُكْمُ إِجَارَةِ الأَْرْضِ:
٢١ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ إِجَارَةِ الأَْرْضِ، فَأَكْثَرُهُمْ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ. وَقَدْ قَال بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمَّا سُئِل رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَْرْضِ قَال: أَمَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ فَلاَ بَأْسَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَذَهَبَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَطَاوُسٌ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ إِلَى كَرَاهَةِ تَأْجِيرِ الأَْرْضِ، أَيْ عَدَمِ جَوَازِهَا، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ طَاوُسًا يَمْنَعُ الإِْيجَارَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَجَازَهَا بِالرُّبُعِ وَالثُّلُثِ.
стр. 1566
مَا يُكْرَى بِهِ (الْعِوَضُ)
٢٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ مَنْ قَال بِجَوَازِ الإِْجَارَةِ فِي أَنَّ الأَْرْضَ تُكْرَى بِالذَّهَبِ وَسَائِرِ الْعُرُوضِ، عَدَا مَا تُنْبِتُهُ الأَْرْضُ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى حَنْظَلَةُ بْنُ قَيْسٍ أَنَّهُ سَأَل رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَْرْضِ فَقَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الأَْرْضِ قَال: فَقُلْتُ: بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، قَال: إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلاَ بَأْسَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلأَِنَّهَا عَيْنٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهَا مَعَ بَقَائِهَا، فَجَازَتْ إِجَارَتُهَا بِالأَْثْمَانِ، وَالْحُكْمُ فِي الْعُرُوضِ كَالْحُكْمِ فِي الأَْثْمَانِ.
كِرَاؤُهَا بِالطَّعَامِ وَمَا تُنْبِتُهُ الأَْرْضُ:
٢٣ - إِنْ آجَرَهَا بِطَعَامٍ غَيْرِ خَارِجٍ مِنْهَا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَوْ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ، وَكَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا فَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ وَالنَّخَعِيُّ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، لَمَّا سُئِل عَنْ كِرَاءِ الأَْرْضِ قَال: أَمَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ فَلاَ بَأْسَ، وَلأَِنَّهُ عِوَضٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ فَجَازَتْ إِجَارَتُهُ بِهِ كَالأَْثْمَانِ.
وَقَال مَالِكٌ: لاَ تَجُوزُ الإِْجَارَةُ بِالطَّعَامِ وَلاَ بِمَا تُنْبِتُهُ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ طَعَامٍ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، أَوْ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلاَ يُكْرِيهَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى. وَقِيسَ عَلَى الطَّعَامِ غَيْرُهُ مِمَّا تُنْبِتُهُ الأَْرْضُ.
وَإِنْ آجَرَهَا بِطَعَامٍ مَعْلُومٍ مِنْ جِنْسِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا
стр. 1567
كَأَنْ آجَرَهَا بِقَمْحٍ، وَهِيَ مَزْرُوعَةٌ قَمْحًا، فَقَال مَالِكٌ: لاَ يَجُوزُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: يَجُوزُ ذَلِكَ، لأَِنَّ مَا جَازَتْ إِجَارَتُهُ بِغَيْرِ الْمَطْعُومِ جَازَتْ إِجَارَتُهُ بِهِ كَالدُّورِ، وَإِنْ آجَرَهَا بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا مُشَاعًا كَثُلُثٍ أَوْ نِصْفٍ أَوْ رُبُعٍ، فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: لاَ يَجُوزُ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ إِجَارَةٌ بِعِوَضٍ مَجْهُولٍ، فَلاَ يَجُوزُ، كَمَا لَوْ آجَرَهَا بِثُلُثِ مَا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِهَا.
وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالأَْوْزَاعِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ (١) .
الأَْرْضُ الْمَفْتُوحَةُ
الأَْرْضُ الَّتِي فُتِحَتْ صُلْحًا:
٢٤ - كُل أَرْضٍ صُولِحَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا فَهِيَ عَلَى مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ. فَإِنْ صُولِحُوا عَلَى أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ لَهُمْ، وَيُؤَدُّوا عَنْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا، أَوْ يُؤَدُّوا خَرَاجًا غَيْرَ مُوَظَّفٍ عَلَى الأَْرْضِ، فَهَذِهِ الأَْرْضُ مِلْكٌ لَهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَيْفَمَا شَاءُوا، وَلاَ تُقْسَمُ عَلَى الْمُقَاتِلِينَ، وَهَذَا مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ، وَحُكْمُ هَذَا الْخَرَاجِ حُكْمُ الْجِزْيَةِ يَسْقُطُ بِإِسْلاَمِهِمْ стр. 1568
وَإِنْ صُولِحُوا عَلَى أَنَّ الأَْرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ عَنْ رِقَابِهِمْ، فَإِنَّ الأَْرْضَ تَكُونُ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
الأَْرْضُ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً:
٢٥ - إِنْ فُتِحَتِ الأَْرْضُ عَنْوَةً: فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْسِيمِهَا عَلَى الْمُقَاتِلِينَ. فَقَال مَالِكٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: لاَ تُقْسَمُ الأَْرْضُ، وَتَكُونُ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، يُصْرَفُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِهِمْ، مِنْ أَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُبُل الْخَيْرِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَرَ الإِْمَامُ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَْوْقَاتِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَقْتَضِي الْقِسْمَةَ، فَلَهُ أَنْ يَقْسِمَهَا عَلَى الْمُقَاتِلِينَ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، حِينَمَا امْتَنَعَ عُمَرُ عَنْ تَقْسِيمِ أَرْضِ السَّوَادِ، عِنْدَمَا طَلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ بِلاَلٌ، وَسَلْمَانُ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: الإِْمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقْسِمَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْمُقَاتِلِينَ، أَوْ يَضْرِبَ عَلَى أَهْلِهَا الْخَرَاجَ وَيُقِرَّهَا بِأَيْدِيهِمْ. وَذَلِكَ لأَِنَّ كِلاَ الأَْمْرَيْنِ قَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ظَهَرَ عَلَى مَكَّةَ عَنْوَةً وَفِيهَا أَمْوَالٌ فَلَمْ يَقْسِمْهَا، وَظَهَرَ عَلَى قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَغَيْرِهِمَا فَلَمْ يَقْسِمْ شَيْئًا مِنْهَا، وَقَسَمَ نِصْفَ خَيْبَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَوَقَفَ النِّصْفَ لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَاتِهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَال: قَسَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ: نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَوَائِجِهِ، وَنِصْفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ، وَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ هُوَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ.
стр. 1569
وَقَال الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الأَْرْضَ تُقْسَمُ بَيْنَ الْمُقَاتِلِينَ، كَمَا يُقْسَمُ الْمَنْقُول إِلاَّ أَنْ يَتْرُكُوا حَقَّهُمْ مِنْهَا بِعِوَضٍ، كَمَا فَعَل عُمَرُ مَعَ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ، إِذْ أَنَّهُ عَوَّضَهُ سَهْمَهُ فِي أَرْضِ السَّوَادِ (١) . أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٢) فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِي الْمَنْقُول وَالأَْرْضِ. وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا لِلْمُقَاتِلِينَ، وَمَا قَال الشَّافِعِيُّ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا.
٢٦ - أَمَّا إِذَا لَمْ تُقْسَمِ الأَْرْضُ وَتُرِكَتْ بِأَيْدِي أَهْلِهَا، يَنْتَفِعُ الْمُسْلِمُونَ بِخَرَاجِهَا، فَقَدْ قَال جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ: إِنَّهَا أَرْضٌ مَوْقُوفَةٌ، لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَلاَ شِرَاؤُهَا، وَلاَ هِبَتُهَا، وَلاَ تُورَثُ عَمَّنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا مِنَ الْكُفَّارِ. وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الأَْوْزَاعِيُّ أَنَّ عُمَرَ وَالصَّحَابَةَ ﵃ لَمَّا ظَهَرُوا عَلَى الشَّامِ أَقَرُّوا أَهْل الْقُرَى فِي قُرَاهُمْ عَلَى مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَرْضِهِمْ، يَعْمُرُونَهَا وَيُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ لأَِحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ شِرَاءُ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الأَْرْضِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: إِنَّهَا مِلْكٌ لَهُمْ. لَهُمْ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ، وَيَتَوَارَثُهَا عَنْهُمْ أَقَارِبُهُمْ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى مِنْ دِهْقَانٍ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ خَرَاجَهَا، وَبِهَذَا قَال الثَّوْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ (٣) . стр. 1570
الأَْرْضُ الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا:
٢٧ - حُكْمُ هَذِهِ الأَْرْضِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ أَوْ أَرْضِ الْعَجَمِ، كَأَرْضِ الْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ وَالْيَمَنِ وَالْبَحْرَيْنِ، أَنَّهَا تَبْقَى مِلْكًا لأَِصْحَابِهَا، وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِحَدِيثِ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١) .
أَرْضُ الْعُشْرِ:
٢٨ - كُل أَرْضٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا، وَهِيَ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ أَوْ أَرْضِ الْعَجَمِ
، فَهِيَ لَهُمْ وَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ. وَكَذَلِكَ كُل أَرْضِ الْعَرَبِ، سَوَاءٌ فُتِحَتْ صُلْحًا أَوْ عَنْوَةً؛ لأَِنَّ أَهْلَهَا لاَ يُقَرُّونَ عَلَى الشِّرْكِ، حَتَّى لَوْ دَفَعُوا الْجِزْيَةَ؛ وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَتَحَ كَثِيرًا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ عَنْوَةً، وَأَبْقَاهَا عُشْرِيَّةً، وَكَذَلِكَ الأَْرْضُ الَّتِي فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ، عَنْوَةً وَقَسَمَهَا الإِْمَامُ بَيْنَ الْفَاتِحِينَ (٢) .
أَرْضُ الْخَرَاجِ:
٢٩ - هِيَ أَرْضُ الْعَجَمِ الَّتِي فَتَحَهَا الإِْمَامُ عَنْوَةً وَتَرَكَهَا فِي أَيْدِي أَهْلِهَا، أَوْ كَانَتْ عُشْرِيَّةً وَتَمَلَّكَهَا ذِمِّيٌّ،
كَمَا يَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يَلْتَزِمُ مَالِكُهَا بِعُشْرَيْنِ قِيَاسًا عَلَى أَرْضِ تَغْلِبَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَبْقَى عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهَا وَظِيفَةُ الأَْرْضِ.
وَالأَْرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ لاَ تَعُودُ عُشْرِيَّةً بِحَالٍ؛ لأَِنَّ стр. 1571
الْخَرَاجَ كَمَا يُوضَعُ عَلَى الذِّمِّيِّ يُوضَعُ عَلَى الْمُسْلِمِ (١) .
أَرْضُ الْحَرْبِ
اُنْظُرْ: أَرْضٌ
أَرْضُ الْحَوْزِ
التَّعْرِيفُ:
١ - أَرْضُ الْحَوْزِ هِيَ: الأَْرْضُ الَّتِي مَاتَ عَنْهَا أَرْبَابُهَا بِلاَ وَارِثٍ، وَآلَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَال، أَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً، أَوْ صُلْحًا، وَلَمْ تُمَلَّكْ لأَِهْلِهَا، بَل أُبْقِيَتْ رَقَبَتُهَا لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَلَعَلَّهَا إِنَّمَا سُمِّيَتْ أَرْضَ الْحَوْزِ، لأَِنَّ الإِْمَامَ حَازَهَا لِبَيْتِ الْمَال وَلَمْ يَقْسِمْهَا (٢) .
أَمَّا مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَكُونُ عُشْرِيًّا، وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً وَأَقَرَّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ عَلَى خَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ - كَسَوَادِ الْعِرَاقِ - فَإِنَّهُ يَكُونُ مِلْكًا لأَِهْلِهِ عِنْدَ стр. 1572
الْحَنَفِيَّةِ، وَتَصَرُّفَاتُهُمْ فِيهِ كُلُّهَا نَافِذَةٌ. وَتَفْصِيل هَذَا التَّقْسِيمِ فِي مُصْطَلَحِ: (أَرْض) .
٢ - وَالنَّوْعَانِ اللَّذَانِ سَمَّاهُمَا مُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ أَرْضَ الْحَوْزِ، يَرَى غَيْرُهُمْ فِيهِمَا مَا يَلِي (١) :
أ - مَا آل إِلَى بَيْتِ الْمَال مِمَّا مَاتَ عَنْهُ أَرْبَابُهُ بِلاَ وَارِثٍ، فَإِنَّهُ إِلَى الإِْمَامِ يَصْنَعُ فِيهِ مَا يَرَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّهُ آل إِلَى بَيْتِ الْمَال بِطَرِيقِ الْمِيرَاثِ، أَوْ بِأَنَّهُ كَسَائِرِ الأَْمْوَال الَّتِي لاَ مَالِكَ لَهَا.
ب - وَأَمَّا أَرْضُ الْعَنْوَةِ الَّتِي أُبْقِيَتْ رَقَبَتُهَا لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَذَلِكَ الَّتِي فُتِحَتْ صُلْحًا، وَلَمْ تُمَلَّكْ لأَِهْلِهَا، بَل أُبْقِيَتْ رَقَبَتُهَا لِلْمُسْلِمِينَ فَهَذِهِ - عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - تَكُونُ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمُجَرَّدِ الاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهَا، وَقِيل: لاَ تَكُونُ وَقْفًا إِلاَّ بِأَنْ يَقِفَهَا الإِْمَامُ لَفْظًا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْل الشَّافِعِيَّةِ، وَعَلَى كُل حَالٍ فَإِذَا صَارَتْ وَقْفًا فَيَمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ بَيْعُهَا وَنَحْوُهُ كَهِبَتِهَا.
ثُمَّ هَذَا الْوَقْفُ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْوَقْفِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ شَرْعًا، عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبِي يَعْلَى، وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: لَيْسَ هُوَ الْوَقْفُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ، بَل مَعْنَى وَقْفِهِ، عَدَمُ قِسْمَتِهِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ التَّصَرُّفِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الأَْرَاضِي - عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ - فِي أَوَائِل كِتَابِ الْبَيْعِ، وَفِي بَابِ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ
. стр. 1573
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - مِشَدُّ الْمَسْكَةِ:
٣ - " مِشَدُّ الْمَسْكَةِ " اصْطِلاَحٌ جَرَى اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعَهْدِ الْعُثْمَانِيِّ. وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِحْقَاقِ الْحِرَاثَةِ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَسْكَةِ لُغَةً وَهِيَ: مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ، فَكَأَنَّ الْمُتَسَلِّمَ لِلأَْرْضِ الْمَأْذُونَ لَهُ مِنْ صَاحِبِهَا فِي الْحَرْثِ صَارَ لَهُ مَسْكَةٌ يَتَمَسَّكُ بِهَا فِي الْحَرْثِ فِيهَا. وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا مَسْكَةً، أَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ لَهُ بِالْقِدَمِيَّةِ لاَ تُرْفَعُ يَدُهُ عَنْ أَرْضِهَا مَا دَامَ يَزْرَعُهَا، يَدْفَعُ إِلَى الْمُتَوَلِّي عَلَيْهَا مَا عَلَيْهَا مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل، أَوْ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ، فَلَهُ الاِسْتِمْسَاكُ بِهَا مَا دَامَ حَيًّا. وَهِيَ حَقٌّ مُجَرَّدٌ؛ لأَِنَّهَا وَصْفٌ قَائِمٌ بِالأَْرْضِ؛ لأَِنَّهَا مُجَرَّدُ الْكِرَابِ وَالْحَرْثِ. فَإِنْ كَانَ لِمَنْ بِيَدِهِ الأَْرْضُ أَعْيَانٌ، كَأَشْجَارٍ أَوْ كَبَسَ الأَْرْضَ بِتُرَابٍ سُمِّيَتْ (الْكِرْدَارَ) ، وَلَمْ تُسَمَّ مِشَدَّ الْمَسْكَةِ (١) ، وَإِنْ كَانَتِ الأَْعْيَانُ قَدْ وَضَعَهَا فِي حَانُوتٍ وَكَانَتْ ثَابِتَةً سُمِّيَتِ (الْكَدَكَ أَوِ: الْجَدَكَ) .
وَمِشَدُّ الْمَسْكَةِ يَكُونُ فِي أَرَاضِي الْوَقْفِ، أَوْ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَال. وَهِيَ الأَْرَاضِي الأَْمِيرِيَّةُ.
ب - أَرْضُ التَّيْمَارِ:
٤ - هَذَا اصْطِلاَحٌ آخَرُ جَرَى اسْتِعْمَالُهُ فِي الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ. وَذُكِرَ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ لِمُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ، يُرِيدُونَ بِهِ مَا يَقْطَعُهُ الإِْمَامُ مِنْ أَرْضِ الْحَوْزِ لِبَعْضِ الأَْشْخَاصِ؛ لِيَأْخُذَ هَذَا الْمُقْطَعُ حَقَّ الأَْرْضِ مِنَ الْغَلَّةِ، وَتَبْقَى بَقِيَّتُهَا لِلْعَامِلِينَ فِي стр. 1574
الأَْرْضِ، وَتَبْقَى رَقَبَتُهَا لِبَيْتِ الْمَال. وَيُسَمَّى الشَّخْصُ الَّذِي أُقْطِعَ الأَْرْضَ " التَّيْمَارِيُّ (١) "
ج - إِرْصَادٌ:
٥ - هُوَ مَا يَجْعَلُهُ السُّلْطَانُ كَبَعْضِ الْقُرَى وَالْمَزَارِعِ مِنْ بَيْتِ الْمَال، عَلَى الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ وَنَحْوِهَا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْ بَيْتِ الْمَال، كَالْقُرَّاءِ وَالأَْئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَنَحْوِهِمْ، وَلَيْسَ وَقْفًا حَقِيقَةً.
لِعَدَمِ مِلْكِ السُّلْطَانِ لَهُ، بَل هُوَ تَعْيِينُ شَيْءٍ مِنْ بَيْتِ الْمَال عَلَى بَعْضِ مُسْتَحِقِّيهِ، فَلاَ يَجُوزُ لِمَنْ بَعْدَهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ وَيُبَدِّلَهُ (٢) .
مَشْرُوعِيَّتُهَا:
٦ - النَّوْعُ الأَْوَّل مِنْ أَرْضِ الْحَوْزِ (وَهُوَ مَا مَاتَ عَنْهُ أَرْبَابُهُ بِلاَ وَارِثٍ وَآل إِلَى بَيْتِ الْمَال) مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي سَبَبِ أَيْلُولَتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَال، أَهُوَ بِاعْتِبَارِ بَيْتِ الْمَال وَارِثًا أَمْ بِاعْتِبَارِهِ مَحَلًّا لِلضَّوَائِعِ؟ .
أَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي (وَهُوَ مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَأُبْقِيَ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) فَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ بِجَوَازِهِ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ، بِأَنَّ الإِْمَامَ يُخَيَّرُ فِي الأَْرْضِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً: بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَبَيْنَ الإِْبْقَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، بِحَسَبِ مَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُنْتَقَى فَقَال: " فِيهِ كَلاَمٌ، لأَِنَّ تَخْيِيرَ الْخَلِيفَةِ - أَيْ إِذَا لَمْ يَقْسِمِ الأَْرْضَ عَلَى الْغَانِمِينَ - فِي الإِْبْقَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ، إِنَّمَا стр. 1575
هُوَ بِطَرِيقِ الْمَنِّ عَلَى الْكُفَّارِ بِرِقَابِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ، فَتَكُونُ مَمْلُوكَةً لأَِهْلِهَا. . فَتَدَبَّرْ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمُهِمَّاتِ (١) ".
مَا يُعْتَبَرُ مِنْ أَرْضِ الْحَوْزِ:
٧ - أَرْضُ مِصْرَ وَالشَّامِ هِيَ فِي الأَْصْل أَرَاضٍ خَرَاجِيَّةٌ، فَلاَ يُعْتَبَرُ مِنْهَا حَوْزٌ إِلاَّ مَا نَشَأَ بِسَبَبِ أَيْلُولَتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَال، كَمَا سَبَقَ.
إِلاَّ أَنَّ الْكَمَال بْنَ الْهُمَامِ، يَرَى أَنَّ أَرْضَ مِصْرَ قَدْ صَارَتْ أَرْضَ حَوْزٍ. وَنَازَعَهُ ابْنُ عَابِدِينَ فِي ذَلِكَ وَإِلَيْك كَلاَمُهُمَا:
٨ - قَال ابْنُ الْهُمَامِ: " أَرْضُ مِصْرَ فِي الأَْصْل خَرَاجِيَّةٌ، لَكِنِ الرَّسْمُ الآْنَ - أَيْ فِي أَيَّامِهِ، وَقَدْ تُوُفِّيَ سَنَةَ ٨٦١ هـ - أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهَا بَدَل إِجَارَةٍ لاَ خَرَاجٌ. قَال: لأَِنَّ الأَْرَاضِيَ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لِلزُّرَّاعِ، كَأَنَّهُ لِمَوْتِ الْمَالِكِينَ شَيْئًا فَشَيْئًا مِنْ غَيْرِ إِخْلاَفِ وَرَثَةٍ، فَصَارَتْ لِبَيْتِ الْمَال (٢) " وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَأَقَرَّهُ.
٩ - وَقَدْ أَبَى ابْنُ عَابِدِينَ ذَلِكَ، وَقَال: " إِذَا كَانَتْ أَرْضُ مِصْرَ عَنْوِيَّةً، وَالأَْرَاضِي الْعَنْوِيَّةُ مُمَلَّكَةٌ لأَِهْلِهَا، فَمِنْ أَيْنَ يُقَال إِنَّهَا صَارَتْ لِبَيْتِ الْمَال بِاحْتِمَال أَنَّ أَهْلَهَا كُلَّهُمْ مَاتُوا بِلاَ وَارِثٍ؟ فَإِنَّ هَذَا الاِحْتِمَال لاَ يَنْفِي الْمِلْكَ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ سَوَادَ الْعِرَاقِ مَمْلُوكَةٌ لأَِهْلِهَا، يَجُوزُ بَيْعُهُمْ لَهَا، وَتَصَرُّفُهُمْ فِيهَا، فَكَذَلِكَ أَرْضُ الشَّامِ وَمِصْرَ. قَال: وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِنَا ظَاهِرٌ. فَكَيْفَ يُقَال إِنَّهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لِلزُّرَّاعِ؟ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَال أَوْقَافِهَا، وَإِبْطَال الْمَوَارِيثِ فِيهَا، وَتَعَدِّي الظَّلَمَةِ стр. 1576
عَلَى أَرْبَابِ الأَْيْدِي الثَّابِتَةِ الْمُحَقَّقَةِ فِي الْمُدَدِ الْمُتَطَاوِلَةِ بِلاَ مُعَارِضٍ وَلاَ مُنَازِعٍ. وَوَضْعُ الْعُشْرِ أَوِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا لاَ يُنَافِي مِلْكِيَّتَهَا، وَاحْتِمَال مَوْتِ أَهْلِهَا بِلاَ وَارِثٍ لاَ يَصْلُحُ حُجَّةً فِي إِبْطَال الْيَدِ الْمُثْبِتَةِ لِلْمِلْكِ، فَإِنَّهُ مُجَرَّدُ احْتِمَالٍ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ دَلِيلٍ، وَالأَْصْل بَقَاءُ الْمِلْكِيَّةِ. وَالْيَدُ أَقْوَى دَلِيلٌ عَلَيْهَا، فَلاَ تَزُول إِلاَّ بِحُجَّةٍ ثَابِتَةٍ. وَيُحْتَمَل أَنَّهَا كَانَتْ مَوَاتًا فَأُحْيِيَتْ فَمُلِكَتْ بِذَلِكَ، أَوِ اشْتُرِيَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَال.
ثُمَّ قَال: وَالْحَاصِل فِي الدِّيَارِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ وَنَحْوِهَا، أَنَّ مَا عُلِمَ مِنْهَا كَوْنُهُ لِبَيْتِ الْمَال بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ - أَيْ كَوْنُهُ أَرْضًا أَمِيرِيَّةً - وَمَا لَمْ يُعْلَمْ فَهُوَ مِلْكٌ لأَِرْبَابِهِ. وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ خَرَاجٌ لاَ أُجْرَةٌ لأَِنَّهُ خَرَاجِيٌّ فِي أَصْل الْوَضْعِ. وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ (١) ".
وَأَمَّا أَرْضُ الْعِرَاقِ فَقَدْ مُلِكَتْ رِقَابُهَا لأَِهْلِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ، وَهِيَ وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، كَأَرْضِ الشَّامِ وَمِصْرَ (٢) ، عَلَى تَفْصِيلٍ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ. وَأَرْضُ стр. 1577
جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كُلُّهَا عِنْدَهُمْ عُشْرِيَّةٌ، فَلاَ يُعْتَبَرَانِ مِنْ أَرْضِ الْحَوْزِ إِلاَّ لِسَبَبٍ جَدِيدٍ مِمَّا سَبَقَ.
تَصَرُّفُ الإِْمَامِ فِي أَرْضِ الْحَوْزِ
دَفْعُهَا لِلزُّرَّاعِ، مَعَ بَقَاءِ رَقَبَتِهَا:
١٠ - يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَدْفَعَ الأَْرْضَ الأَْمِيرِيَّةَ لِلزُّرَّاعِ بِأَحَدِ طَرِيقَيْنِ:
الأَْوَّل: إِقَامَتُهُمْ مَقَامَ الْمُلاَّكِ فِي الزِّرَاعَةِ، وَإِعْطَاءِ الْخَرَاجِ.
وَالثَّانِي: إِجَارَتُهَا لِلزُّرَّاعِ بِقَدْرِ الْخَرَاجِ. فَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ فِي حَقِّ الإِْمَامِ خَرَاجًا. ثُمَّ إِنْ كَانَ دَرَاهِمَ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِْمَامِ خَرَاجٌ مُوَظَّفٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضَ الْخَارِجِ فَهُوَ خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ. وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الزُّرَّاعِ هُوَ أُجْرَةٌ لاَ غَيْرُ، لاَ عُشْرٌ وَلاَ خَرَاجٌ (١) ، لأَِنَّهُ لَمَّا دَل الدَّلِيل عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الْمُؤْنَتَيْنِ (الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ) فِي أَرَاضِي الْمَمْلَكَةِ وَالْحَوْزِ، كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهَا أُجْرَةً لاَ غَيْرُ. فَإِنْ قُلْتَ: اسْتِئْجَارُ الأَْرْضِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ لاَ يَجُوزُ؛ لِكَوْنِهِ إِجَارَةً فَاسِدَةً لِلْجَهَالَةِ، فَمَا وَجْهُ الْجَوَازِ هُنَا؟ فَالْجَوَابُ مَا قُلْنَا: إِنَّهُ جُعِل فِي حَقِّ الإِْمَامِ خَرَاجًا وَفِي حَقِّ الأُْكْرَةِ (أَيِ الزُّرَّاعِ) أُجْرَةً لِضَرُورَةِ عَدَمِ صِحَّةِ الْخَرَاجِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: " لِعَدَمِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ مَوْتِ أَهْلِهَا وَصَيْرُورَتِهَا لِبَيْتِ الْمَال ". وَقَال: " وَيُمْكِنُ جَعْلُهَا مُزَارَعَةً لاَ إِجَارَةً حَقِيقِيَّةَ ". ثُمَّ قَال: " وَعَلَى دَفْعِهَا بِأَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُمْ وَتَصَرُّفُهُمْ فِيهَا وَلاَ تُورَثُ. أَمَّا عَلَى الثَّانِي (أَيْ إِجَارَتِهَا لِلزُّرَّاعِ) فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الأَْوَّل فَلأَِنَّ إِقَامَتَهُمْ مَقَامَ الْمُلاَّكِ لِلضَّرُورَةِ فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، فَهَذِهِ стр. 1578
التَّصَرُّفَاتُ لاَ تُعْرَفُ إِلاَّ فِي الأَْرَاضِيِ الْمَمْلُوكَةِ الْعُشْرِيَّةِ أَوِ الْخَرَاجِيَّةِ، وَأَرَاضِيِ الْمَمْلَكَةِ وَالْحَوْزِ لَيْسَتْ بِمَمْلُوكَةٍ، لاَ عُشْرِيَّةً وَلاَ خَرَاجِيَّةً، وَلاَ يُتَمَلَّكُ مِنْهَا شَيْءٌ إِلاَّ بِتَمْلِيكِ السُّلْطَانِ ".
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: " وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ لاَ يَلْزَمُ بِالتَّعْطِيل، فَلاَ شَيْءَ عَلَى الْفَلاَّحِ لَوْ عَطَّلَهَا ".
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْخَانِيَّةِ: رَجُلٌ أَخَذَ أَرْضَ الْحَوْزِ مُزَارَعَةً، يَطِيبُ نَصِيبُ الأُْكْرَةِ (الْمُزَارِعِينَ) مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ أَرْضُ الْحَوْزِ كُرُومًا وَأَشْجَارًا يُعْرَفُ أَهْلُهَا، لاَ يَطِيبُ لِلأُْكْرَةِ - أَيْ لِثُبُوتِ حَقِّ صَاحِبِ الشَّجَرِ - وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ يَطِيبُ؛ لأَِنَّ تَدْبِيرَهَا حِينَئِذٍ لِلسُّلْطَانِ، كَأَرَاضِي الْمَوَاتِ (١) .
بَيْعُ الإِْمَامِ أَرْضَ الْحَوْزِ،
وَحَقُّ مُشْتَرِيهَا فِي التَّصَرُّفِ
:
١١ - يَجُوزُ لِلإِْمَامِ بَيْعُ أَرْضِ الْحَوْزِ. وَلِلْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ. الأَْوَّل: أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا. وَهُوَ قَوْلٌ لِمُتَقَدِّمِي الْحَنَفِيَّةِ. وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ عَابِدِينَ؛ لأَِنَّ لِلإِْمَامِ وِلاَيَةً عَامَّةً، وَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ لِحَاجَةٍ. وَهُوَ قَوْل الْمُتَأَخِّرِينَ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. قَال بَعْضُهُمْ: أَوْ لِمَصْلَحَةٍ، كَأَنْ رَغِبَ أَحَدٌ فِي الْعَقَارِ بِضِعْفِ قِيمَتِهِ.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ ابْنِ الْهُمَامِ أَنَّهُ مِمَّنْ لاَ يَرَى بَيْعَهَا إِلاَّ لِحَاجَةٍ بِالْمُسْلِمِينَ؛ لِشِبْهِ الإِْمَامِ بِوَلِيِّ الْيَتِيمِ، لاَ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ عَقَارِهِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ مَا يُنْفِقُهُ стр. 1579
سِوَاهُ (١) . وَإِذَا لَمْ يُعْرَفِ الْحَال فِي الشِّرَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَال هَل كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ، بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ أَحَدِهِمَا، فَالأَْصْل الصِّحَّةُ (٢) .
الْوَظِيفَةُ فِي الْمَبِيعِ مِنْ أَرْضِ الْحَوْزِ:
١٢ - إِذَا بَاعَ الإِْمَامُ شَيْئًا مِنْ أَرْضِ الْحَوْزِ فَلَيْسَ عَلَى مُشْتَرِيهَا أُجْرَةٌ (أَيْ خَرَاجٌ) ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ قَدْ أَخَذَ عِوَضَ الْعَيْنِ، وَهُوَ الثَّمَنُ؛ لِبَيْتِ الْمَال، فَلَمْ يَبْقَ الْخَرَاجُ وَظِيفَةَ الأَْرْضِ، فَلاَ يُمْكِنُ بَعْدَهُ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ لِلإِْمَامِ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا. وَلَوْ قَبِل بِعَوْدِ الْخَرَاجِ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ السَّاقِطَ لاَ يَعُودُ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُنَازِعُ فِي سُقُوطِ الْخَرَاجِ، حَيْثُ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ أَوْ سُقِيَتْ بِمَائِهِ، بِدَلِيل أَنَّ الْغَازِيَ الَّذِي اخْتَطَّ لَهُ الإِْمَامُ دَارًا لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا، فَإِذَا جَعَلَهَا بُسْتَانًا وَسَقَاهَا بِمَاءِ الْعُشْرِ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ، أَوْ بِمَاءِ الْخَرَاجِ فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ، كَمَا يَأْتِي، مَعَ أَنَّ الْوَاقِعَ الآْنَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْقُرَى أَوِ الْمَزَارِعِ الْمَوْقُوفَةِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهَا لِلْمِيرِيِّ النِّصْفُ أَوِ الرُّبُعُ أَوِ الْعُشْرُ.
أَمَّا الْعُشْرُ فَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ ابْنِ نُجَيْمٍ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ أَيْضًا، لأَِنَّهُ لَمْ يَرَ فِيهِ نَقْلاً. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَلاَ يَخْفَى مَا فِيهِ؛ لأَِنَّهُمْ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ فَرْضِيَّةَ الْعُشْرِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول، وَبِأَنَّهُ زَكَاةُ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ، وَبِأَنَّهُ يَجِبُ فِي الأَْرْضِ غَيْرِ الْخَرَاجِيَّةِ، وَبِأَنَّهُ يَجِبُ فِيمَا لَيْسَ بِعُشْرِيٍّ стр. 1580
وَلاَ خَرَاجِيٍّ، كَالْمَفَاوِزِ وَالْجِبَال، وَبِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِهِ الأَْرْضُ النَّامِيَةُ بِالْخَارِجِ حَقِيقَةً، وَبِأَنَّهُ يَجِبُ فِي أَرْضِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُكَاتَبِ؛ لأَِنَّهُ مُؤْنَةُ الأَْرْضِ، وَبِأَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ شَرْطٍ فِيهِ، بَل الشَّرْطُ مِلْكُ الْخَارِجِ، فَيَجِبُ فِي الأَْرَاضِي الْمَوْقُوفَةِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَْرْضِ﴾ . (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ . (٢) وَقَوْلِهِ ﷺ : مَا سَقَتِ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ. (٣) وَلأَِنَّ الْعُشْرَ يَجِبُ فِي الْخَارِجِ لاَ فِي الأَْرْضِ، فَكَانَ مِلْكُ الأَْرْضِ وَعَدَمُهُ سَوَاءً كَمَا فِي الْبَدَائِعِ. وَلاَ شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الأَْرْضَ الْمُشْتَرَاةَ وُجِدَ فِيهَا سَبَبُ الْوُجُوبِ، وَهُوَ الأَْرْضُ النَّامِيَةُ، وَشَرْطُهُ وَهُوَ مِلْكُ الْخَارِجِ، وَدَلِيلُهُ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا، فَالْقَوْل بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فِي خُصُوصِ هَذِهِ الأَْرْضِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ، وَنَقْلٍ صَرِيحٍ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الْخَرَاجِ الْمُتَعَلِّقِ بِالأَْرْضِ سُقُوطُ الْعُشْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْخَارِجِ (٤) .
وَلِمُشْتَرِي الأَْرْضَ الأَْمِيرِيَّةَ مِنَ الإِْمَامِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مِلْكُ رَقَبَةِ الأَْرْضِ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا كَسَائِرِ الأَْرْضِ الْمَمْلُوكَةِ مِلْكًا حَقِيقِيًّا بِالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالْوَقْفِ. следующие страницы →