Полный текст (31 949 стр.). Показаны 15471–15510 · переход к 15476.
стр. 15471
لِمَصْلَحَةٍ، وَهُوَ مَا يُجْعَل لِمَنْ عَمِل عَمَلاً زَائِدًا فِي الْحَرْبِ ذَا أَثَرٍ وَنَفْعٍ (١) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُمْ: الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا قَتَل أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْمَعْرَكَةِ مُقْبِلاً عَلَى الْقِتَال فَلَهُ سَلَبُهُ، قَال ذَلِكَ الإِْمَامُ أَوْ لَمْ يَقُل؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ قَتَل كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ (٢) . وَلِقَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: " اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي رَجُلاً شَدِيدًا، إِلَى أَنْ قَال: حَتَّى أَقْتُلَهُ وَآخُذَ سَلَبَهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاتِل لاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إِلاَّ إِذَا اشْتَرَطَ لَهُ الإِْمَامُ ذَلِكَ. كَأَنْ يَقُول قَبْل إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، وَقَبْل أَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا: مَنْ قَتَل قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ. وَإِلاَّ كَانَ السَّلَبُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
وَقَال الطَّحَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: أَمْرُ السَّلَبِ مَوْكُولٌ لِلإِْمَامِ فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ؛ لِمَا رَوَى عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ مَدَدِيًّا اتَّبَعَهُمْ فَقَتَل عِلْجًا، فَأَخَذَ خَالِدٌ بَعْضَ سَلَبِهِ، وَأَعْطَاهُ بَعْضَهُ стр. 15472
فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: لاَ تَرُدُّهُ عَلَيْهِ يَا خَالِدُ (١) وَلِمَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ قَتْل أَبِي جَهْلٍ، حَيْثُ أَعْطَى سَلَبُهُ لِمُعَاذِ ابْنِ عَفْرَاءَ مَعَ قَوْلِهِ: كِلاَكُمَا قَتَلَهُ (٢) . .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ الْقَاتِل لاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إِلاَّ أَنْ يَقُول لَهُ الإِْمَامُ ذَلِكَ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَقُول الإِْمَامُ ذَلِكَ إِلاَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، حَتَّى لاَ يُشَوِّشَ نِيَّتَهُ، وَلاَ يَصْرِفَهَا لِقِتَال الدُّنْيَا؛ لأَِنَّ السَّلَبَ عِنْدَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ النَّفْل فَيُعْطِيهِ الإِْمَامُ لِلْمَصْلَحَةِ حَسَبَ اجْتِهَادِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمِ.
كَمَا رُوِيَ عَنْ شُبَّرِ بْنِ عَلْقَمَةَ قَال: بَارَزْتُ رَجُلاً يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فَقَتَلْتُهُ، وَأَخَذْتُ سَلَبَهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ سَعْدًا، فَخَطَبَ سَعْدٌ أَصْحَابَهُ وَقَال: إِنَّ هَذَا سَلَبُ شُبَّرٍ خَيْرٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَإِنَّا قَدْ نَفَّلْنَاهُ إِيَّاهُ (٣) . стр. 15473
مَنْ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ: ؟
٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ مِنَ الْمُقَاتِلِينَ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَهُمْ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّ السَّلَبَ لِكُل قَاتِلٍ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ أَوِ الرَّضْخَ كَالْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالصَّبِيِّ، وَالتَّاجِرِ، وَالذِّمِّيِّ، لِعُمُومِ الْحَدِيثِ: مَنْ قَتَل قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ (١) وَلِمَا رَوَاهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِل (٢) . وَهُوَ حُكْمٌ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ مِنَ الأَْشْيَاءِ.
إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَسْتَثْنُونَ الذِّمِّيَّ فَيَرَوْنَ أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ وَإِنْ حَضَرَ الْقِتَال بِإِذْنِ الإِْمَامِ، أَمَّا إِذَا حَضَرَ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ فَلاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِاتِّفَاقٍ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمَرْأَةَ وَالذِّمِّيَّ وَالصَّبِيَّ وَكُل مَنْ لاَ يُسْهَمُ لَهُ لاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ. هَذَا الْقَوْل الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. стр. 15474
قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِلاَّ إِذَا أَجَازَ الإِْمَامُ لَهُمْ، أَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ بِدُخُول الْكُفَّارِ إِلَى بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَيَأْخُذُونَ السَّلَبَ عِنْدَ ذَلِكَ. أَمَّا الَّذِي لاَ يَسْتَحِقُّ سَهْمًا وَلاَ رَضْخًا كَالْمُرْجِفِ وَالْمُخَذِّل وَالْخَائِنِ وَالْمُعِينِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِهِ فَلاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١) .
٧ - وَمِنْ شُرُوطِ اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ أَنْ يُغَرِّرَ الْقَاتِل بِنَفْسِهِ فِي قَتْل الْكَافِرِ؛ أَيْ يُخَاطِرَ بِحَيَاتِهِ وَيُوَاجِهَ احْتِمَال الْمَوْتِ، فَإِنْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ حِصْنٍ يَتَحَصَّنُ فِيهِ فَلاَ سَلَبَ لَهُ.
وَإِنِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قَتْل الْكَافِرِ حَال الْحَرْبِ، فَالسَّلَبُ لَهُمْ جَمِيعًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبِي يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : مَنْ قَتَل قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ حَيْثُ يَتَنَاوَل الْوَاحِدَ وَالاِثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَةَ؛ وَلأَِنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي السَّبَبِ - وَهُوَ الْقَتْل - فَيَجِبُ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِي السَّلَبِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ بَيْنَ جَمَاعَةٍ لاَ стр. 15475
يُرْجَى نَجَاتُهُ مِنْهُمْ لَمْ يَخْتَصَّ قَاتِلُهُ بِسَلَبِهِ لأَِنَّهُ لَمْ يُغَرِّرْ بِنَفْسِهِ، وَلأَِنَّ شَرَّ الْكَافِرِ زَال بِالْوُقُوعِ بَيْنَهُمْ. وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لَوْ حَمَل جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَقَتَلُوهُ فَسَلَبُهُ لَيْسَ لَهُمْ. بَل يَكُونُ غَنِيمَةً؛ لأَِنَّهُمْ لَمْ يُغَرِّرُوا بِأَنْفُسِهِمْ فِي قَتْلِهِ، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَكَ فِي قَتْلِهِ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَبْلَغَ فِي قَتْلِهِ مِنَ الآْخَرِ؛ لأَِنَّ السَّلَبَ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالْمُخَاطَرَةِ فِي قَتْلِهِ، وَلاَ يَحْصُل ذَلِكَ بِقَتْل الاِثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فَلَمْ يُسْتَحَقَّ بِهِ السَّلَبُ. قَالُوا: وَلأَِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْرَكَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي سَلَبٍ، وَلأَِنَّ أَبَا جَهْلٍ ضَرَبَهُ مُعَاذُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ﵁ وَمُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ ﵁ وَأَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ فَقَال: كِلاَكُمَا قَتَلَهُ، وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ الْجَمُوحِ (١) .
٨ - وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَقْتُول الَّذِي يَأْخُذُ قَاتِلُهُ سَلَبَهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُقَاتِلِينَ الَّذِينَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ شَرْعًا، أَمَّا إِذَا قَتَل امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا أَوْ شَيْخًا فَانِيًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ رَاهِبًا مُنْعَزِلاً فِي صَوْمَعَتِهِ أَوْ نَحْوَهُمْ مِمَّنْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِهِمْ، فَلاَ يَسْتَحِقُّ قَاتِلُهُ السَّلَبَ مَا لَمْ يَشْتَرِكْ فِي الْقِتَال. فَإِنِ اشْتَرَكَ أَحَدٌ مِنْ стр. 15476
هَؤُلاَءِ فِي الْقِتَال اسْتَحَقَّ قَاتِلُهُ سَلَبَهُ، لِجَوَازِ قَتْلِهِ حِينَئِذٍ.
٩ - وَمِنْ شُرُوطِ اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يُثْخِنَهُ بِجِرَاحٍ تَجْعَلُهُ فِي حُكْمِ الْمَقْتُول، بِحَيْثُ يَكُونُ قَدْ كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ وَأَزَال امْتِنَاعَهُ كُلِّيًّا؛ كَأَنْ يَفْقَأَ عَيْنَيْهِ أَوْ يُعْمِيَ بَصَرَهُ أَوْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. قَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ: وَكَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ أَسَرَهُ أَوْ قَطَعَ يَدًا وَرِجْلاً لِضَعْفِ حَرَكَتِهِ فِي الْقَطْعِ؛ وَلأَِنَّ الأَْسْرَ أَبْلَغُ فِي الْقَهْرِ وَأَصْعَبُ مِنَ الْقَتْل؛ وَلأَِنَّ الإِْمَامَ يَتَخَيَّرُ فِي الأَْسِيرِ بَيْنَ الْقَتْل وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَنَحْوِهَا.
قَال مَكْحُولٌ: لاَ يَكُونُ السَّلَبُ إِلاَّ لِمَنْ أَسَرَ عِلْجًا (١) أَوْ قَتَلَهُ، وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا أَسَرَ رَجُلاً فَقَتَلَهُ الإِْمَامُ صَبْرًا فَسَلَبُهُ لِمَنْ أَسَرَهُ، وَإِنِ اسْتَبَقَاهُ الإِْمَامُ كَانَ لَهُ فِدَاؤُهُ أَوْ رَقَبَتُهُ وَسَلَبُهُ لأَِنَّهُ كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ بَيْنِهِمُ السُّبْكِيُّ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إِلاَّ الْقَاتِل لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ : مَنْ قَتَل قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ (٢) وَلأَِنَّ غَيْرَ الْقَتْل لاَ يُزِيل الاِمْتِنَاعَ، стр. 15477
فَرُبَّ أَعْمَى شَرٌّ مِنَ الْبَصِيرِ، وَمَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ يَحْتَال عَلَى الأَْخْذِ بِثَأْرِ نَفْسِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْقَاطِعَ لِلرِّجْلَيْنِ أَوِ الْيَدَيْنِ أَوِ الْيَدِ وَالرِّجْل لاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ لأَِنَّهُ لَمْ يَكُفَّ شَرَّهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَذَا إِنْ أَسَرَهُ؛ لأَِنَّ الَّذِي أَسَرَهُ لَمْ يَقْتُلْهُ سَوَاءٌ قَتَلَهُ الإِْمَامُ أَوِ اسْتَبَقَاهُ بِرِقٍّ أَوْ فِدَاءٍ أَوْ مَنٍّ، وَيَكُونُ سَلَبُهُ وَفِدَاؤُهُ إِنْ فُدِيَ، وَرِقُّهُ إِنْ رُقَّ، غَنِيمَةً بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَسَرُوا أَسْرَى بَدْرٍ، فَقَتَل النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمْ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَاسْتَبْقَى سَائِرَهُمْ (١) . فَلَمْ يُعْطِ مَنْ أَسَرَهُمْ أَسْلاَبَهُمْ وَلاَ فِدَاءَهُمْ، بَل كَانَ فِدَاؤُهُمْ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ.
وَإِنْ عَانَقَ رَجُلاً فَقَتَلَهُ آخَرُ فَسَلَبُهُ لِلْقَاتِل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ قَتَل قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ وَلأَِنَّهُ كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرًّا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُعَانِقْهُ الآْخَرُ.
وَذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّ سَلَبَهُ لِلْمُعَانِقِ. وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ الْكَافِرُ مُقْبِلاً عَلَى رَجُلٍ يُقَاتِلُهُ стр. 15478
فَجَاءَ آخَرُ مِنْ وَرَائِهِ، فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ فَسَلَبُهُ لِقَاتِلِهِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، فَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلاَ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرْتُ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْل عَاتِقِهِ ضَرْبَةً، وَأَقْبَل عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رَائِحَةَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ. . . ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا وَجَلَسَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: مَنْ قَتَل قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ، قَال: فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ . . . إِلَى أَنْ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ. فَقَال رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُول اللَّهِ، سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيل عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ، فَقَال أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لاَهَا اللَّهِ إِذًا لاَ يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ تَعَالَى يُقَاتِل عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : صَدَقَ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ، قَال: فَأَعْطَانِيهِ (١) .
قَال أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ أَمْسَكَهُ وَاحِدٌ وَقَتَلَهُ آخَرُ فَالسَّلَبُ بَيْنَهُمَا стр. 15479
لاِنْدِفَاعِ شَرِّهِ بِهِمَا. وَهَذَا فِيمَا إِذَا مَنَعَهُ الْهَرَبَ وَلَمْ يَضْبِطْهُ. فَأَمَّا الإِْمْسَاكُ الضَّابِطُ فَهُوَ أَسْرٌ. وَقَتْل الأَْسِيرِ لاَ يُسْتَحَقُّ بِهِ السَّلَبُ (١) .
١٠ - وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي اسْتِحْقَاقِ السَّلْبِ: أَنْ يَقْتُل الْكَافِرَ وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَى الْقِتَال وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ. فَإِذَا انْهَزَمَ جَيْشُ الْمُشْرِكِينَ وَاتَّبَعَهُمْ فَقَتَل كَافِرًا مِنْهُمْ فَلاَ يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ لأَِنَّ بِهَزِيمَتِهِمُ انْدَفَعَ شَرُّهُمْ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَل كَافِرًا وَهُوَ أَسِيرٌ فِي يَدِهِ، أَوْ وَهُوَ نَائِمٌ أَوْ مَشْغُولٌ بِأَكْلٍ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ مُثْخَنٌ زَائِل الاِمْتِنَاعِ؛ لأَِنَّ الْقَاتِل لَمْ يُغَرِّرُ بِنَفْسِهِ فِي قَتْلِهِ وَلَمْ يَكُفَّ الْمُسْلِمِينَ شَرَّ الْمَقْتُول.
وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُعْطِ ابْنَ مَسْعُودٍ سَلَبَ أَبِي جَهْلٍ لأَِنَّهُ ذَبَحَهُ بَعْدَ أَنْ أَثْخَنَهُ مُعَاذُ بْنُ الْجَمُوحِ، (٢) وَأَمَرَ بِقَتْل عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ صَبْرًا، وَلَمْ يُعْطِ سَلَبَهُمَا مَنْ قَتَلَهُمَا، (٣) وَقَتَل رِجَال بَنِي قُرَيْظَةَ صَبْرًا فَلَمْ يُعْطِ مَنْ قَتَلَهُمْ سِلاَبَهُمْ (٤) . стр. 15480
وَذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى أَنَّ السَّلَبَ يَسْتَحِقُّهُ كُل مَنْ قَتَل كَافِرًا لِعُمُومِ حَدِيثِ: مَنْ قَتَل قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ (١)
وَلأَِنَّ سَلَمَةَ بْنَ الأَْكْوَعِ ﵁ قَتَل طَلِيعَةً لِلْكُفَّارِ، وَهُوَ مُنْهَزِمٌ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ مَنْ قَتَلَهُ؟ قَالُوا: سَلَمَةُ بْنُ الأَْكْوَعِ، قَال: لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ (٢) .
أَمَّا إِذَا انْهَزَمَ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ، وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، فَسَلَبُهُ لِقَاتِلِهِ لأَِنَّ الْحَرْبَ فَرٌّ وَكَرٌّ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهُ مُقْبِلاً أَوْ مُدْبِرًا مَا دَامَتِ الْحَرْبُ قَائِمَةً، فَالشَّرُّ مُتَوَقَّعٌ وَالْمُوَلِّي لاَ تُؤْمَنُ كَرَّتُهُ.
وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ يَرَوْنَ أَنَّ الْقَاتِل فِي الصُّفُوفِ الْمُلْتَحِمَةِ يَسْتَحِقُّ سَلَبَ مَنْ قَتَلَهُ لِعُمُومِ خَبَرِ: مَنْ قَتَل قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقِ قَال فِيهِ: فَلَمَّا الْتَقَيْنَا رَأَيْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلاَ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْحَدِيثَ، وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ ﵁: قَتَل يَوْمَ هَوَازِنَ عِشْرِينَ رَجُلاً وَأَخَذَ أَسْلاَبَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْتِقَاءِ الزَّحْفَيْنِ (٣) وَلِحَدِيثِ عَوْفِ стр. 15481
بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ الْمَدَدِيِّ الَّذِي قَتَل رَجُلاً مِنْ الرُّومِ، حَيْثُ قَال فِيهِ: فَقَضَى لَنَا أَنَّا لَقِينَا عَدُوَّنَا فَقَاتَلُونَا قِتَالاً شَدِيدًا (١) . الْحَدِيثَ. وَمَعَ ذَلِكَ أَخَذَ الْمَدَدِيُّ سَلَبَ الرَّجُل الَّذِي قَتَلَهُ.
وَذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ وَمَسْرُوقٌ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ إِلَى أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِل مَا لَمْ يَلْتَقِ الزَّحْفَانِ، وَلَمْ تَمْتَدَّ الصُّفُوفُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلاَ سَلَبَ لأَِحَدٍ.
وَهَل يُشْتَرَطُ إِذْنُ الإِْمَامِ؟ قَال أَحْمَدُ وَالأَْوْزَاعِيُّ: لاَ يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ الْقَاتِل السَّلَبَ إِلاَّ بِإِذْنِ الإِْمَامِ؛ لأَِنَّهُ فِعْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَلَمْ يَنْفُذْ أَمْرُهُ فِيهِ إِلاَّ بِإِذْنِ الإِْمَامِ بِأَخْذِ سَهْمِهِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ أَحْمَدَ عَلَى سَبِيل الاِسْتِحْبَابِ لاَ عَلَى سَبِيل الإِْيجَابِ، لِيَخْرُجَ مِنَ الْخِلاَفِ. فَعَلَى هَذَا إِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ يَكُونُ قَدْ تَرَكَ الْفَضِيلَةَ وَلَهُ أَخْذُهُ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَهُ أَخْذُ السَّلَبِ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ؛ لأَِنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِجَعْل النَّبِيِّ ﷺ لَهُ ذَلِكَ، وَلاَ يُؤْمَنُ إِنْ أَظْهَرَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يُعْطِيَهُ (٣) . стр. 15482
هَل تَلْزَمُ الْبَيِّنَةُ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ ؟
١١ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل الدَّعْوَى فِي اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ إِلاَّ بِشَهَادَةٍ، لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ: مَنْ قَتَل قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ (١) . وَقَال مَالِكٌ وَالأَْوْزَاعِيُّ: يُعْطَى السَّلَبَ إِذَا قَال: أَنَا قَتَلْتُهُ، وَلاَ يُسْأَل عَنْ بَيِّنَةٍ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ قَبِل قَوْل أَبِي قَتَادَةَ وَمُعَاذِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْجُمُوحِ وَغَيْرِهِمَا وَأَعْطَاهُمُ السَّلَبَ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ شَهَادَةٍ وَلاَ حَلِفٍ. وَيَرَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ اشْتَرَطُوا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لاَ تُقْبَل إِلاَّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ؛ لأَِنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ الْبَيِّنَةَ، وَإِطْلاَقُهَا يَنْصَرِفُ إِلَى شَاهِدَيْنِ. وَلأَِنَّهَا كَشَهَادَةِ الْقَتْل الْعَمْدِ، وَمِنْ بَيْنِ هَؤُلاَءِ أَحْمَدُ. وَذَهَبَ الْبَعْضُ الآْخَرُ إِلَى قَبُول شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَيَمِينٍ؛ لأَِنَّهَا دَعْوَى فِي الْمَال فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ كَسَائِرِ الأَْمْوَال. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْل الْحَدِيثِ (٢) . وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى قَبُول شَهَادَةِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، لأَِنَّ النَّبِيَّ قَبِل قَوْل الَّذِي شَهِدَ لأَِبِي قَتَادَةَ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ (٣) . стр. 15483
هَل يُخَمَّسُ السَّلَبُ ؟
١٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَخْمِيسِ السَّلَبِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ جَرِيرٍ إِلَى أَنَّ السَّلَبَ لاَ يُخَمَّسُ، لَمَا رَوَاهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ : قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِل وَلَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ (١) . وَلِقَوْل عُمَرَ ﵁: (إِنَّا كُنَّا لاَ نُخَمِّسُ السَّلَبَ) .
وَذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ وَمَكْحُولٌ - وَهُوَ مُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّ السَّلَبَ يُخَمَّسُ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول﴾ (٢) . الآْيَةَ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَال إِسْحَاقُ: إِنِ اسْتَكْثَرَ الإِْمَامُ السَّلَبَ خَمَّسَهُ وَذَلِكَ إِلَيْهِ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ سِيرِينَ ﵀: أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ بَارَزَ مَرْزُبَانَ الزَّارَةِ بِالْبَحْرَيْنِ فَطَعَنَهُ فَدَقَّ صُلْبَهُ وَأَخَذَ سِوَارَيْهِ وَسَلَبَهُ، فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ أَتَى أَبَا طَلْحَةَ فِي دَارِهِ فَقَال: إِنَّا كُنَّا لاَ نُخَمِّسُ السَّلَبَ، وَإِنَّ سَلَبَ الْبَرَاءِ قَدْ بَلَغَ مَالاً، وَأَنَا خَامِسٌ، فَكَانَ أَوَّل سَلَبٍ خُمِّسَ فِي الإِْسْلاَمِ стр. 15484
سَلَبَ الْبَرَاءِ، وَقَدْ بَلَغَ سَلَبُهُ ثَلاَثِينَ أَلْفًا (١) .
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ سَلَبَ الْمَقْتُول كَسَائِرِ الْغَنِيمَةِ، لاَ يَخْتَصُّ بِهِ الْقَاتِل وَأَنَّ الْقَاتِل وَغَيْرَهُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَيُنَفِّلُهُ الإِْمَامُ. وَمَحَل التَّنْفِيل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الأَْرْبَعَةُ الأَْخْمَاسِ قَبْل الإِْحْرَازِ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ، وَمِنَ الْخُمُسِ بَعْدَ الأَْحْرَازِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَكُونُ مِنَ الْخُمُسِ يُنَفِّلُهُ الإِْمَامُ لِلْمُقَاتِل إِنْ رَأَى مَصْلَحَةً فِي ذَلِكَ (٢) .
السَّلَبُ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْقَاتِل:
١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السَّلَبَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِل هُوَ مَا عَلَى الْقَتِيل مِنْ ثِيَابٍ وَعِمَامَةٍ وَقَلَنْسُوَةٍ وَخُفٍّ وَرَانٍ (٣) وَطَيْلَسَانٍ، وَكَذَا مَا عَلَيْهِ مِنْ سِلاَحٍ وَآلاَتِ حَرْبٍ كَالدِّرْعِ وَالْمِغْفَرِ وَالرُّمْحِ وَالسِّكِّينِ، وَالسَّيْفِ واللَّسْتِ وَالْقَوْسِ وَالنُّشَّابِ وَنَحْوِهَا، وَمَا عَلَى دَابَّتِهِ مِنْ سَرْجٍ وَلِجَامٍ وَمِقْوَدٍ وَنَحْوِهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ стр. 15485
وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مِنَ السَّلَبِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِيَّةِ كَالتَّاجِ وَالسِّوَارِ وَالْخَاتَمِ وَالطَّوْقِ وَالْمِنْطَقَةِ وَلَوْ مُذَهَّبَةً، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَذَا الْهِمْيَانُ (١) الَّذِي لِلنَّفَقَةِ وَمَا فِيهِ مِنَ النَّفَقَةِ؛ لأَِنَّهُ يَدْخُل فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : مَنْ قَتَل قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ، وَلِحَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمُتَقَدِّمِ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي السَّلَبِ سِوَارُهُ وَمِنْطَقَتُهُ. وَمِنَ السَّلَبِ الدَّابَّةُ الَّتِي يَرْكَبُهَا، لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْمَدَدِيِّ أَنَّهُ قَتَل عِلْجًا فَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلاَحَهُ (٢) . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ وَمَكْحُولٌ.
قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: وَكَذَا الدَّابَّةُ الَّتِي يُمْسِكُهَا هُوَ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ غُلاَمِهِ لِلْقِتَال، وَخَالَفَهُمْ فِي هَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، إِذْ قَالُوا: إِنَّ الدَّابَّةَ الَّتِي يُمْسِكُهَا غُلاَمُهُ، أَوْ مَا تُسَمَّى بِالْجَنِيبَةِ، وَهِيَ الَّتِي تُقَادُ مَعَهُ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَمَامَهُ أَمْ خَلْفَهُ أَمْ بِجَنْبِهِ، لاَ تَدْخُل فِي السَّلَبِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الدَّابَّةَ الَّتِي يَرْكَبُهَا لَيْسَتْ مِنَ السَّلَبِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لأَِنَّ السَّلَبَ مَا كَانَ عَلَى بَدَنِهِ، وَالدَّابَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الدَّابَّةُ الَّتِي فِي مَنْزِلِهِ، أَوْ فِي خَيْمَتِهِ، أَوْ كَانَتْ مُنْفَلِتَةً فَلَيْسَتْ مِنَ السَّلَبِ بِاتِّفَاقٍ. стр. 15486
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ التَّاجَ وَالطَّوْقَ وَالسِّوَارَ وَالْقُرْطَ الَّذِي فِي الأُْذُنِ، وَالْخَاتَمَ وَالْعَيْنَ وَالصَّلِيبَ وَالْهِمْيَانَ وَمَا فِيهِ مِنَ النَّفَقَةِ، لَيْسَتْ مِنَ السَّلَبِ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ لَيْسَتْ مِمَّا يُسْتَعَانُ بِهَا فِي الْحَرْبِ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا يَحْمِل مَعَهُ مِنَ الْمَال الْمَوْجُودِ فِي حَقِيبَتِهِ وَخَرِيطَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ السَّلَبِ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ لِبَاسِهِ، وَلاَ مِنْ حُلِيِّهِ وَلاَ حِلْيَةِ فَرَسِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا مِنَ السَّلَبِ وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوءَةً مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، وَعَلَيْهِ ذَهَبَ السُّبْكِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهُ حَمَلَهَا لِتَوَقُّعِ الاِحْتِيَاجِ إِلَيْهَا (١) .
سُلْحَفَاة
انْظُرْ: أَطْعِمَة стр. 15487
سَلْخ
التَّعْرِيفُ:
١ - السَّلْخُ فِي اللُّغَةِ: نَزْعُ جِلْدِ الْحَيَوَانِ.
يُقَال: سَلَخَ الإِْهَابَ عَنِ الشَّاةِ يَسْلُخُهُ وَيَسْلَخُهُ: إِذَا كَشَطَهُ، وَنَقَل صَاحِبُ لِسَانِ الْعَرَبِ: كُل شَيْءٍ يُفْلَقُ عَنْ قِشْرٍ فَقَدِ انْسَلَخَ، وَيُقَال: سَلَخَ الْحَرُّ جِلْدَ الإِْنْسَانِ فَانْسَلَخَ، وَسَلَخَتِ الْمَرْأَةُ عَنْهَا دِرْعَهَا، وَيُقَال: انْسَلَخَ النَّهَارُ مِنَ اللَّيْل؛ أَيْ خَرَجَ مِنْهُ خُرُوجًا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ ضَوْئِهِ (١) .
وَفِي التَّنْزِيل: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْل نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ (٢) .
وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ خَاصٌّ بِنَزْعِ جِلْدِ الْحَيَوَانِ. стр. 15488
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - يَحْرُمُ سَلْخُ جِلْدِ الآْدَمِيِّ فِي حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ مَمَاتِهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ (١) .
وَهُوَ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ عُلَمَاءِ الإِْسْلاَمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٢) .
وَسَلْخُ جِلْدِهِ يَتَنَافَى مَعَ هَذَا التَّكْرِيمِ، وَيَحْرُمُ سَلْخُ الْحَيَوَانِ وَهُوَ حَيٌّ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّعْذِيبِ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْدَأَ الْجَزَّارُ بِسَلْخِ الْحَيَوَانِ قَبْل أَنْ تَزْهَقَ نَفْسُهُ، وَيَسْكُنَ اضْطِرَابُهُ (٣) .
لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: ﴿
بَعَثَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : بُدَيْل بْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى بِكَلِمَاتٍ، مِنْهَا: لاَ تَعْجَلُوا الأَْنْفُسَ حَتَّى تَزْهَقَ، وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ (٤) . стр. 15489
الاِسْتِئْجَارُ لِسَلْخِ الدَّابَّةِ بِجِلْدِهَا
٣ - لاَ يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ شَخْصٍ لِسَلْخِ دَابَّةٍ بِجِلْدِهَا (أُجْرَةً) لِمَا فِيهِ مِنْ غَرَرٍ، لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيَخْرُجُ سَلِيمًا أَمْ لاَ؟ وَهَل هُوَ ثَخِينٌ أَمْ رَقِيقٌ؟ وَلأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا عَنِ الْمَنْفَعَةِ، فَإِنْ سَلَخَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْجِلْدُ أُجْرَةً لِعَمَلِهِ، فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل؛ لِفَسَادِ عَقْدِ الإِْجَارَةِ (١) .
دِيَةُ جِلْدِ الآْدَمِيِّ:
٤ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجِبُ فِي جِلْدِ الْبَدَنِ حُكُومَةُ عَدْلٍ. جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ:
" أَمَّا جِلْدُ الْبَدَنِ، لَحْمُ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ، وَالْجِرَاحَاتُ الَّتِي فِي غَيْرِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ فَفِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ (٢) .
وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُرَاجَعِ الَّتِي تَيَسَّرَ لَنَا الاِطِّلاَعُ عَلَيْهَا، مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا سُلِخَ جِلْدُ مَعْصُومِ الدَّمِ وَجَبَ عَلَى السَّالِخِ كَمَال الدِّيَةِ؛ لأَِنَّ فِي стр. 15490
الْجِلْدِ جَمَالاً، وَمَنْفَعَةً ظَاهِرَةً، فَإِنْ سَلَخَ جِلْدَ مَنْ كَانَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ مَقْطُوعًا كَيَدِهِ، أَوْ قَطَعَ عُضْوًا مَسْلُوخًا جِلْدُهُ، سَقَطَ الْقِسْطُ مِنَ الدِّيَةِ، فَتَجِبُ فِي الأُْولَى دِيَةُ الْجِلْدِ إِلاَّ قِسْطَ الْعُضْوِ، وَتُوَزَّعُ فِي الثَّانِيَةِ سَاحَةُ الْجَلْدِ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ. فَمَا يَخُصُّ الْعُضْوَ الْمَقْطُوعَ يُحَطُّ مِنْ دِيَتِهِ، وَيَجِبُ الْبَاقِي (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي (دِيَات) .
سُلْطَان
انْظُرْ: إِمَامَة كُبْرَى стр. 15491
سَلَس
التَّعْرِيفُ:
١ - السَّلَسُ فِي اللُّغَةِ: السُّهُولَةُ وَاللُّيُونَةُ وَالاِنْقِيَادُ وَالاِسْتِرْسَال وَعَدَمُ الاِسْتِمْسَاكِ، قَال فِي الْمِصْبَاحِ: سَلِسَ سَلَسًا، مِنْ بَابِ تَعِبَ: سَهُل وَلاَنَ فَهُوَ سَلِسٌ، وَرَجُلٌ سَلِسٌ بِالْكَسْرِ: بَيِّنُ السَّلَسِ بِالْفَتْحِ، وَالسَّلاَسَةُ أَيْضًا: سُهُولَةُ الْخُلُقِ، وَسَلَسُ الْبَوْل: اسْتِرْسَالُهُ وَعَدَمُ اسْتِمْسَاكِهِ؛ لِحُدُوثِ مَرَضٍ بِصَاحِبِهِ، وَصَاحِبُهُ سَلِسٌ، بِالْكَسْرِ.
وَالسَّلَسُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: اسْتِرْسَال الْخَارِجِ بِدُونِ اخْتِيَارٍ مِنْ بَوْلٍ أَوْ مَذْيٍ أَوْ مَنِيٍّ أَوْ وَدْيٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ رِيحٍ (١) ، وَقَدْ يُطْلَقُ السَّلَسُ عَلَى الْخَارِجِ نَفْسِهِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: стр. 15492
أ - الاِسْتِحَاضَةُ:
٢ - الاِسْتِحَاضَةُ: هِيَ سَيَلاَنُ الدَّمِ مِنَ الْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ حَيْضِهَا وَهُوَ دَمُ فَسَادٍ (١) .
ب - الْمَرَضُ:
٣ - الْمَرَضُ فِي الاِصْطِلاَحِ: مَا يَعْرِضُ لِلْبَدَنِ فَيُخْرِجُهُ عَنِ الاِعْتِدَال الْخَاصِّ (٢) .
ج - النَّجَاسَةُ:
٤ - النَّجَاسَةُ: إِمَّا عَيْنِيَّةٌ، وَهِيَ: مُسْتَقْذَرٌ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلاَةِ حَيْثُ لاَ مُرَخِّصَ، أَوْ حُكْمِيَّةٌ، وَهِيَ وَصْفٌ يَقُومُ بِالْمَحَل يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلاَةِ حَيْثُ لاَ مُرَخِّصَ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
١ - الْوُضُوءُ وَالصَّلاَةُ مِمَّنْ بِهِ سَلَسٌ:
٥ - السَّلَسُ: حَدَثٌ دَائِمٌ، صَاحِبُهُ مَعْذُورٌ، فَيُعَامَل فِي وُضُوئِهِ وَعِبَادَتِهِ مُعَامَلَةً خَاصَّةً تَخْتَلِفُ عَنْ مُعَامَلَةِ غَيْرِهِ مِنَ стр. 15493
الأَْصِحَّاءِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْل، أَوِ اسْتِطْلاَقُ الْبَطْنِ، أَوِ انْفِلاَتُ الرِّيحِ، أَوْ رُعَافٌ دَائِمٌ، أَوْ جُرْحٌ لاَ يَرْقَأُ، يَتَوَضَّئُونَ لِوَقْتِ كُل صَلاَةٍ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُل صَلاَةٍ (١)
وَيُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا مِنْ أَصْحَابِ الأَْعْذَارِ، وَيُصَلُّونَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ فِي الْوَقْتِ مَا شَاءُوا مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِل، وَإِنْ تَوَضَّأَ عَلَى السَّيَلاَنِ وَصَلَّى عَلَى الاِنْقِطَاعِ، وَتَمَّ الاِنْقِطَاعُ بِاسْتِيعَابِ الْوَقْتِ الثَّانِي أَعَادَ، وَكَذَا إِذَا انْقَطَعَ فِي خِلاَل الصَّلاَةِ وَتَمَّ الاِنْقِطَاعُ.
وَيَبْطُل الْوُضُوءُ عِنْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْمَفْرُوضَةِ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَال زُفَرُ: يَبْطُل بِدُخُول الْوَقْتِ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَبْطُل بِهِمَا. стр. 15494
وَيَبْقَى الْوُضُوءُ مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا بِشَرْطَيْنِ: -
أَنْ يَتَوَضَّأَ لِعُذْرِهِ وَأَنْ لاَ يَطْرَأَ عَلَيْهِ حَدَثٌ آخَرُ كَخُرُوجِ رِيحٍ أَوْ سَيَلاَنِ دَمٍ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ السَّلَسَ إِنْ فَارَقَ أَكْثَرَ الزَّمَانِ وَلاَزَمَ أَقَلَّهُ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَإِنْ لاَزَمَ النِّصْفَ - وَأَوْلَى الْجُل - أَوِ الْكُل فَلاَ يَنْقُضُ، هَذَا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَفْعِهِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ مُطْلَقًا كَسَلَسِ مَذْيٍ لِطُول عُزُوبَةٍ أَوْ مَرَضٍ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ أَوْ تَفَكُّرٍ أَمْكَنَهُ رَفْعُهُ بِتَدَاوٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ تَزَوُّجٍ، وَيُغْتَفَرُ لَهُ زَمَنَ التَّدَاوِي وَالتَّزَوُّجِ، وَنُدِبَ الْوُضُوءُ عِنْدَهُمْ إِنْ لاَزَمَ السَّلَسُ أَكْثَرَ الزَّمَنِ وَأَوْلَى نِصْفَهُ، لاَ إِنْ عَمَّهُ فَلاَ يُنْدَبُ، وَمَحَل النَّدْبِ فِي مُلاَزَمَةِ الأَْكْثَرِ إِنْ لَمْ يَشُقَّ، لاَ إِنْ شَقَّ الْوُضُوءُ بِبَرْدٍ وَنَحْوِهِ فَلاَ يُنْدَبُ، وَقَدْ تَرَدَّدَ مُتَأَخِّرُو الْمَالِكِيَّةِ فِي اعْتِبَارِ الْمُلاَزَمَةِ مِنْ دَوَامٍ وَكَثْرَةٍ وَمُسَاوَاةٍ وَقِلَّةٍ فِي وَقْتِ الصَّلاَةِ خَاصَّةً وَهُوَ مِنَ الزَّوَال إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي، أَوِ اعْتِبَارُهَا مُطْلَقًا لاَ стр. 15495
بِقَيْدِ وَقْتِ الصَّلاَةِ فَيُعْتَبَرُ حَتَّى مِنَ الطُّلُوعِ إِلَى الزَّوَال، وَفِي قَوْل الْعِرَاقِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يَنْقُضُ السَّلَسُ مُطْلَقًا غَيْرَ أَنَّهُ يُنْدَبُ الْوُضُوءُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُلاَزِمْ كُل الزَّمَانِ فَلاَ يُنْدَبُ (١) .
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ سِتَّةَ شُرُوطٍ يَخْتَصُّ بِهَا مَنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ كَسَلَسٍ وَاسْتِحَاضَةٍ وَهِيَ: الشَّدُّ، وَالْعَصْبُ، وَالْوُضُوءُ لِكُل فَرِيضَةٍ بَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَتُجْزِئُ قَبْلَهُ عَلَى وَجْهٍ شَاذٍّ، وَتَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ لِكُل فَرِيضَةٍ، وَنِيَّةُ الاِسْتِبَاحَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى الصَّلاَةِ فِي الأَْصَحِّ.
فَلَوْ أَخَّرَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلاَةِ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ وَالاِجْتِهَادِ فِي قِبْلَتِهِ وَالذَّهَابِ إِلَى مَسْجِدٍ وَتَحْصِيل السُّتْرَةِ، لَمْ يَضُرَّ لأَِنَّهُ لاَ يُعَدُّ بِذَلِكَ مُقَصِّرًا، وَيَتَوَضَّأُ لِكُل فَرْضٍ وَلَوْ مَنْذُورًا كَالْمُتَيَمِّمِ؛ لِبَقَاءِ الْحَدَثِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: تَوَضَّئِي لِكُل صَلاَةٍ (٢) وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ مِنَ النَّوَافِل فَقَطْ، وَصَلاَةُ الْجِنَازَةِ لَهَا حُكْمُ стр. 15496
النَّافِلَةِ، وَلَوْ زَال الْعُذْرُ وَقْتًا يَسَعُ الْوُضُوءَ وَالصَّلاَةَ كَانْقِطَاعِ الدَّمِ مَثَلاً وَجَبَ الْوُضُوءُ وَإِزَالَةُ مَا عَلَى الْفَرْجِ مِنَ الدَّمِ وَنَحْوِهِ.
وَمَنْ أَصَابَهُ سَلَسُ مَنِيٍّ يَلْزَمُهُ الْغُسْل لِكُل فَرْضٍ، وَلَوِ اسْتَمْسَكَ الْحَدَثُ بِالْجُلُوسِ فِي الصَّلاَةِ وَجَبَ بِلاَ إِعَادَةٍ، وَيَنْوِي الْمَعْذُورُ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ لاَ رَفْعَ الْحَدَثِ لأَِنَّهُ دَائِمُ الْحَدَثِ لاَ يَرْفَعُهُ وُضُوءُهُ وَإِنَّمَا يُبِيحُ لَهُ الْعِبَادَةَ.
وَالْحَنَابِلَةُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَالشَّافِعِيَّةِ إِلاَّ فِي مَسْأَلَةِ الْوُضُوءِ لِكُل فَرْضٍ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَدَثِ الدَّائِمِ يَتَوَضَّأُ لِكُل وَقْتٍ، وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِل كَمَا ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْفُقَهَاءُ سِوَى الْمَالِكِيَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُجُوبِ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ لِلْمَعْذُورِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِاسْتِحْبَابِهِ كَمَا سَبَقَ، وَالْوُضُوءُ يَكُونُ بَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) . стр. 15497
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ.
إِمَامَةُ مَنْ بِهِ سَلَسٌ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الإِْمَامُ مَرِيضًا بِالسَّلَسِ وَالْمَأْمُومُ كَذَلِكَ فَالصَّلاَةُ جَائِزَةٌ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الإِْمَامُ مَرِيضًا بِالسَّلَسِ وَالْمَأْمُومُ سَلِيمًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ إِمَامَةِ الْمَرِيضِ لِصَلاَةِ غَيْرِهِ مِنَ الأَْصِحَّاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: عَدَمُ الْجَوَازِ لأَِنَّ أَصْحَابَ الأَْعْذَارِ يُصَلُّونَ مَعَ الْحَدَثِ حَقِيقَةً، لَكِنْ جُعِل الْحَدَثُ الْمَوْجُودُ فِي حَقِّهِمْ كَالْمَعْدُومِ، لِلْحَاجَةِ إِلَى الأَْدَاءِ، فَلاَ يَتَعَدَّاهُمْ؛ لأَِنَّ الضَّرُورَةَ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَلأَِنَّ الصَّحِيحَ أَقْوَى حَالاً مِنَ الْمَعْذُورِ وَلاَ يَجُوزُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ: الْجَوَازُ لِصِحَّةِ صَلاَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةٍ، وَلأَِنَّهُ إِذَا عُفِيَ عَنِ الأَْعْذَارِ فِي حَقِّ صَاحِبِهَا عُفِيَ عَنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلأَِنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ إِمَامًا وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَجِدُ ذَلِكَ (أَيْ سَلَسَ الْمَذْيِ) وَلاَ
стр. 15498
يَنْصَرِفُ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ صَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ إِمَامَةِ أَصْحَابِ الأَْعْذَارِ لِلأَْصِحَّاءِ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عُذْر) .
سَلَفٌ
انْظُرْ: سَلَم، قَرْض стр. 15499
سَلَم
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي السَّلَمِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: الإِْعْطَاءُ وَالتَّسْلِيفُ (١) يُقَال: أَسْلَمَ الثَّوْبَ لِلْخَيَّاطِ؛ أَيْ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ. قَال الْمُطَرِّزِيُّ: أَسْلَمَ فِي الْبُرِّ؛ أَيْ أَسْلَفَ، مِنَ السَّلَمِ، وَأَصْلُهُ: أَسْلَمَ الثَّمَنَ فِيهِ، فَحُذِفَ (٢) .
وَالسَّلَمُ فِي الاِصْطِلاَحِ عِبَارَةٌ عَنْ " بَيْعِ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ بِبَدَلٍ يُعْطَى عَاجِلاً " وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِهِ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ:
فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الَّذِينَ شَرَطُوا فِي صِحَّتِهِ قَبْضَ رَأْسِ الْمَال فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَتَأْجِيل стр. 15500
الْمُسْلَمِ فِيهِ - احْتِرَازًا مِنَ السَّلَمِ الْحَال - عَرَّفُوهُ بِمَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ، فَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: " هُوَ شِرَاءُ آجِلٍ بِعَاجِلٍ " (١) . وَنَصَّتِ الْمَادَّةُ (١٢٣) مِنْ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ " بَيْعُ مُؤَجَّلٍ بِمُعَجَّلٍ ". وَجَاءَ فِي الإِْقْنَاعِ بِأَنَّهُ " عَقْدٌ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلٍ بِثَمَنٍ مَقْبُوضٍ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ " (٢) .
وَالشَّافِعِيَّةُ الَّذِينَ شَرَطُوا لِصِحَّةِ السَّلَمِ قَبْضَ رَأْسِ الْمَال فِي الْمَجْلِسِ، وَأَجَازُوا كَوْنَ السَّلَمِ حَالًّا وَمُؤَجَّلاً عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ " عَقْدٌ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ بِبَدَلٍ يُعْطَى عَاجِلاً " (٣)
فَلَمْ يُقَيِّدُوا الْمُسْلَمَ فِيهِ الْمَوْصُوفَ فِي الذِّمَّةِ بِكَوْنِهِ مُؤَجَّلاً، لِجَوَازِ السَّلَمِ الْحَال عِنْدَهُمْ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ الَّذِينَ مَنَعُوا السَّلَمَ الْحَال، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا تَسْلِيمَ رَأْسِ الْمَال فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَأَجَازُوا تَأْجِيلَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ لِخِفَّةِ الأَْمْرِ، فَقَدْ عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ " بَيْعُ مَعْلُومٍ فِي الذِّمَّةِ مَحْصُورٍ بِالصِّفَةِ بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِهَا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ " (٤) . стр. 15501
فَتَعْبِيرُ (أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِهَا) يُشِيرُ إِلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ رَأْسِ مَال السَّلَمِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ، حَيْثُ إِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حُكْمِ التَّعْجِيل بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ (١) .
وَقَوْلُهُ " إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ " يُبَيِّنُ وُجُوبَ كَوْنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مُؤَجَّلاً، احْتِرَازًا مِنَ السَّلَمِ الْحَال، وَيُسَمِّي الْفُقَهَاءُ الْمُشْتَرِيَ فِي هَذَا الْعَقْدِ " رَبَّ السَّلَمِ " أَوِ " الْمُسْلَمَ " وَالْبَائِعَ " الْمُسْلَمَ إِلَيْهِ "، وَالْمَبِيعَ " الْمُسْلَمَ فِيهِ " وَالثَّمَنَ، " رَأْسَ مَال السَّلَمِ " (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الدَّيْنُ:
٢ - وَهُوَ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا مُشَخَّصًا، سَوَاءٌ كَانَ نَقْدًا أَوْ غَيْرَهُ (٣) .
(ر: دَيْن) وَالدَّيْنُ أَعَمُّ مِنَ السَّلَمِ.
ب - بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ الْمَوْصُوفَةِ فِي الذِّمَّةِ:
٣ - وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ مُعَيَّنَةً. وَالثَّانِي أَنْ لاَ تَكُونَ الْعَيْنُ مُعَيَّنَةً. стр. 15502
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا النَّوْعِ الثَّانِي وَبَيْنَ السَّلَمِ أَنَّ السَّلَمَ يُشْتَرَطُ فِيهِ تَأْجِيل تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، أَمَّا بَيْعُ الْمَوْصُوفِ فِي الذِّمَّةِ فَقَدْ يَكُونُ حَالًّا.
وَانْظُرْ (بَيْع) .
وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ الْمَوْصُوفَةِ فِي الذِّمَّةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّعَاقُدُ بِلَفْظِ السَّلَمِ، أَوْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ (السَّلَمِ) اشْتُرِطَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ قَبْل التَّفَرُّقِ.
أَمَّا إِنْ كَانَ بِلَفْظِ (الْبَيْعِ) فَلاَ يُشْتَرَطُ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ، وَعَلَى كَوْنِ ذَلِكَ بَيْعًا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَإِلاَّ يَصِيرُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَلاَ يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ لأَِنَّ التَّعْيِينَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ لِصَيْرُورَةِ الْمُعَيَّنِ حَالًّا لاَ يَدْخُلُهُ أَجَلٌ أَبَدًا (١) .
ج - عَقْدُ الإِْجَارَةِ:
٤ - وَهِيَ بَيْعُ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْلُومَةِ فِي مُقَابِل عِوَضٍ مَعْلُومٍ (٢) .
د - الاِسْتِصْنَاعُ:
٥ - عَقْدُ مُقَاوَلَةٍ مَعَ أَهْل الصَّنْعَةِ عَلَى أَنْ يَعْمَل شَيْئًا (٣) . стр. 15503
مَشْرُوعِيَّةُ السَّلَمِ:
٦ - ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ عَقْدِ السَّلَمِ بِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.
أ - أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) . قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: " أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَأَذِنَ فِيهِ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآْيَةَ (٢) .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهَا أَبَاحَتِ الدَّيْنَ، وَالسَّلَمُ نَوْعٌ مِنَ الدُّيُونِ، قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: " الدَّيْنُ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كُل مُعَامَلَةٍ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِيهَا نَقْدًا، وَالآْخَرُ فِي الذِّمَّةِ نَسِيئَةً، فَإِنَّ الْعَيْنَ عِنْدَ الْعَرَبِ مَا كَانَ حَاضِرًا، وَالدَّيْنَ مَا كَانَ غَائِبًا " (٣) .
فَدَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى حِل الْمُدَايَنَاتِ بِعُمُومِهَا، وَشَمَلَتِ السَّلَمَ بِاعْتِبَارِهِ مِنْ стр. 15504
أَفْرَادِهَا، إِذِ الْمُسْلَمُ فِيهِ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ إِلَى أَجَلِهِ.
ب - وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ فِي التَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاَثَ، فَقَال ﵊: مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (١) .
فَدَل الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ عَلَى إِبَاحَةِ السَّلَمِ وَعَلَى الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالاَ: كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَقُلْتُ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَرْعٌ؟ فَقَال: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ (٢) .
ج - وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ стр. 15505
كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السَّلَمَ جَائِزٌ (١) .
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ السَّلَمِ: ٧ - إِنَّ عَقْدَ السَّلَمِ مِمَّا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَمِنْ هُنَا كَانَ فِي إِبَاحَتِهِ رَفْعٌ لِلْحَرَجِ عَنِ النَّاسِ، فَالْمُزَارِعُ مَثَلاً قَدْ لاَ يَكُونُ عِنْدَهُ الْمَال الَّذِي يُنْفِقُهُ فِي إِصْلاَحِ أَرْضِهِ وَتَعَهُّدِ زَرْعِهِ إِلَى أَنْ يُدْرِكَ، وَلاَ يَجِدُ مَنْ يُقْرِضُهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَال، وَلِذَلِكَ فَهُوَ فِي حَاجَةٍ إِلَى نَوْعٍ مِنَ الْمُعَامَلَةِ يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنَ الْحُصُول عَلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَال، وَإِلاَّ فَاتَتْ عَلَيْهِ مَصْلَحَةُ اسْتِثْمَارِ أَرْضِهِ، وَكَانَ فِي حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ وَعَنَتٍ، فَمِنْ أَجَل ذَلِكَ أُبِيحَ السَّلَمُ. .
وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْحِكْمَةِ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي حَيْثُ قَال: " وَلأَِنَّ الْمُثَمَّنَ فِي الْبَيْعِ أَحَدُ عِوَضَيِ الْعَقْدِ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ كَالثَّمَنِ، وَلأَِنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ أَرْبَابَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالتِّجَارَاتِ يَحْتَاجُونَ إِلَى النَّفَقَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَيْهَا لِتَكْمُل، وَقَدْ تَعُوزُهُمُ النَّفَقَةُ، فَجُوِّزَ لَهُمُ السَّلَمُ لِيَرْتَفِقُوا وَيَرْتَفِقَ الْمُسْلِمُ (٢) بِالاِسْتِرْخَاصِ (٣) . стр. 15506
مَدَى مُوَافَقَةِ السَّلَمِ لِلْقِيَاسِ:
٨ - بَعْدَمَا ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ عَقْدِ السَّلَمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ هَذِهِ الْمَشْرُوعِيَّةِ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ وَمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ، أَمْ أَنَّهَا جَاءَتِ اسْتِثْنَاءً عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَى هَذَا الْعَقْدِ، وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) ، وَهُوَ أَنَّ السَّلَمَ عَقْدٌ جَائِزٌ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ (١) قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: " هُوَ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ " إِذْ هُوَ بَيْعُ الْمَعْدُومِ، وَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ بِالنَّصِّ وَالإِْجْمَاعِ لِلْحَاجَةِ (٢) ". وَقَال زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: " السَّلَمُ عَقْدُ غَرَرٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ (٣) . وَفِي " مِنَحِ الْجَلِيل ": " صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّ السَّلَمَ رُخْصَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ بَائِعِهِ (٤) ".
(وَالثَّانِي) لِتَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ стр. 15507
وَابْنِ الْقَيِّمِ، وَهُوَ أَنَّ السَّلَمَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ، وَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ.
قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: " السَّلَمُ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ " فَقَوْلُهُمْ هَذَا مِنْ جِنْسِ مَا رَوَوْا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ (١) وَأَرْخَصَ فِي السَّلَمِ.
وَهَذَا لَمْ يُرْوَ فِي الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلاَمِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: السَّلَمُ بَيْعُ الإِْنْسَانِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَيَكُونُ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ.
وَنَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ: إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ بَيْعُ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ، فَيَكُونُ قَدْ بَاعَ مَال الْغَيْرِ قَبْل أَنْ يَشْتَرِيَهُ. وَفِيهِ نَظَرٌ. وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ بَيْعُ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ.
وَهَذَا أَشْبَهُ. فَيَكُونُ قَدْ ضَمِنَ لَهُ شَيْئًا لاَ يَدْرِي هَل يَحْصُل أَوْ لاَ يَحْصُل. وَهَذَا فِي السَّلَمِ الْحَال إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُوَفِّيهِ.
وَالْمُنَاسَبَةُ فِيهِ ظَاهِرَةٌ.
فَأَمَّا السَّلَمُ الْمُؤَجَّل، فَإِنَّهُ دَيْنٌ مِنَ стр. 15508
الدُّيُونِ، وَهُوَ كَالاِبْتِيَاعِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ. فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ مُؤَجَّلاً فِي الذِّمَّةِ، وَكَوْنِ الْعِوَضِ الآْخَرِ مُؤَجَّلاً فِي الذِّمَّةِ، وَقَدْ قَال تَعَالَى ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ فِي الذِّمَّةِ حَلاَلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَقَرَأَ هَذِهِ الآْيَةَ.
فَإِبَاحَةُ هَذَا عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ لاَ عَلَى خِلاَفِهِ " (٢) .
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ فِي " إِعْلاَمِ الْمُوَقِّعِينَ ": " وَأَمَّا السَّلَمُ، فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ فَوَهَمَ دُخُولَهُ تَحْتَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ فَإِنَّهُ بَيْعُ مَعْدُومٍ، وَالْقِيَاسُ يَمْنَعُ مِنْهُ. .
وَالصَّوَابُ أَنَّهُ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ بَيْعُ مَضْمُونٍ فِي الذِّمَّةِ مَوْصُوفٍ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ غَالِبًا، وَهُوَ كَالْمُعَاوَضَةِ عَلَى الْمَنَافِعِ فِي الإِْجَارَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ.
وَقَدْ فَطَرَ اللَّهُ الْعُقَلاَءَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ بَيْعِ الإِْنْسَانِ مَا لاَ يَمْلِكُهُ وَلاَ هُوَ مَقْدُورٌ لَهُ وَبَيْنَ السَّلَمِ إِلَيْهِ فِي مُغَلٍّ مَضْمُونٍ فِي ذِمَّتِهِ стр. 15509
مَقْدُورٍ فِي الْعَادَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ. فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمَيْتَةِ وَالْمُذَكَّى وَالرِّبَا وَالْبَيْعِ " (١) .
أَرْكَانُ السَّلَمِ وَشُرُوطُ صِحَّتِهِ:
٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ أَرْكَانَ السَّلَمِ ثَلاَثَةٌ:
(١) الصِّيغَةُ (وَهِيَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول) .
(٢) وَالْعَاقِدَانِ (وَهُمَا الْمُسْلِمُ، وَالْمُسْلَمُ إِلَيْهِ) .
(٣) وَالْمَحَل (وَهُوَ شَيْئَانِ: رَأْسُ الْمَال، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ) .
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ حَيْثُ اعْتَبَرُوا رُكْنَ السَّلَمِ هُوَ الصِّيغَةَ الْمُؤَلَّفَةَ مِنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول الدَّالَّيْنِ عَلَى اتِّفَاقِ الإِْرَادَتَيْنِ وَتُوَافِقْهُمَا عَلَى إنْشَاءِ هَذَا الْعَقْدِ (٢) .
الرُّكْنُ الأَْوَّل: الصِّيغَةُ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ الإِْيجَابِ بِلَفْظِ السَّلَمِ أَوِ السَّلَفِ، وَكُل مَا اشْتُقَّ مِنْهُمَا، كَأَسْلَفْتُكَ وَأَسْلَمْتُكَ، وَأَعْطَيْتُكَ كَذَا سَلَمًا أَوْ سَلَفًا فِي كَذَا. .؛ لأَِنَّهُمَا لَفْظَانِ بِمَعْنًى стр. 15510
وَاحِدٍ، وَكِلاَهُمَا اسْمٌ لِهَذَا الْعَقْدِ. وَكَذَا عَلَى صِحَّةِ الْقَبُول بِكُل لَفْظٍ يَدُل عَلَى الرِّضَا بِمَا أَوْجَبَهُ الأَْوَّل، مِثْل: قَبِلْتُ وَرَضِيتُ وَنَحْوِ ذَلِكَ (١) .
١١ - غَيْرَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ انْعِقَادِ السَّلَمِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) لأَِبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُقَابِل لِلأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ السَّلَمُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ إِذَا بَيَّنَ فِيهِ إِرَادَةَ السَّلَمِ وَتَحَقَّقَتْ شُرُوطُهُ، كَأَنْ يَقُول رَبُّ السَّلَمِ: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ خَمْسِينَ رِطْلاً زَيْتًا صِفَتُهُ كَذَا إِلَى أَجَل كَذَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ حَالَّةٍ، وَقَبِل الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ. أَوْ يَقُول الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ: بِعْتُكَ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ صِفَتُهُ كَذَا إِلَى أَجَل كَذَا، بِخَمْسِينَ دِينَارًا مُعَجَّلَةٍ فِي الْمَجْلِسِ. وَقَبِل الطَّرَفُ الآْخَرُ (٢) .
وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: " التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إِنْ عَرَفَا الْمَقْصُودَ انْعَقَدَتْ، فَأَيُّ следующие страницы →