← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 15611–15650 · переход к 15616.

стр. 15611

وَحَثَّ ﵊ عَلَى اعْتِمَادِ هَذَا الطَّرِيقِ أَخْذًا وَعَطَاءً فَقَال فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -: تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ (١) . وَلاَ يَخْفَى أَنَّ فِي الْحَدِيثَيْنِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ يُرَادُ لِلْعِلْمِ الاِسْتِمَاعُ وَالإِْنْصَاتُ وَالْحِفْظُ وَالْعَمَل وَالنَّشْرُ (٢) . وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى اعْتِبَارِ التَّمْيِيزِ فِي سَمَاعِ الْحَدِيثِ، فَإِنْ فَهِمَ الْخِطَابَ وَرَدَّ الْجَوَابَ كَانَ مُمَيِّزًا صَحِيحَ السَّمَاعِ وَإِلاَّ فَلاَ، وَهُوَ رَأْيُ أَغْلَبِ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مُوسَى بْنُ هَارُونَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَنَقَل الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ أَهْل الصَّنْعَةِ حَدَّدُوا أَوَّل زَمَنٍ يَصِحُّ فِيهِ السَّمَاعُ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ الْعَمَل (٣) . اعْتِمَادًا

стр. 15612

عَلَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَال: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي مِنْ دَلْوٍ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِنَا وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ. وَلَعَلَّهُمْ رَأَوْا هَذَا التَّحْدِيدَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَدْنَى مَا يَحْصُل فِيهِ ضَبْطُ مَا يَسْمَعُ وَإِلاَّ فَمَرَدُّ ذَلِكَ لِلْعَادَةِ وَحْدَهَا؛ إِذِ الأَْمْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ اسْتِعْدَادِ الأَْشْخَاصِ لِلأَْخْذِ وَالتَّلَقِّي كَمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ طُرُقِ التَّحَمُّل، وَهِيَ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ ضَبَطَهَا أَهْل الرِّوَايَةِ فِي ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ، أَوَّلُهَا: سَمَاعُ الْحَدِيثِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ وَهُوَ أَرْفَعُ الأَْقْسَامِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْل الْعِلْمِ، وَأَدْنَاهَا الْوِجَادَةُ. أَمَّا السِّنُّ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ أَنْ يَبْتَدِئَ الطَّالِبُ لِسَمَاعِ الْحَدِيثِ فَقِيل ثَلاَثُونَ سَنَةً وَقِيل عِشْرُونَ، وَعَلَيْهِ قَبْل الشُّرُوعِ فِي سَمَاعِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَخَلَّقَ بِأَخْلاَقِ أَهْلِهِ وَأَنْ يَلْتَزِمَ بِزِيِّهِمْ وَيَتَأَدَّبَ بِأَدَبِهِمْ وَأَنْ يَلْزَمَ الْوَقَارَ وَالسَّكِينَةَ وَالْمُوَاظَبَةَ فِي طَلَبِهِ وَإِخْلاَصَ النِّيَّةِ فِيهِ وَالتَّوَاضُعَ لِمَنْ يَأْخُذُ عَنْهُ وَالصَّبْرَ عَلَى مَا يَلْقَاهُ فِي سَبِيلِهِ وَنَحْوَ هَذَا مِمَّا يُسَاعِدُ عَلَى الاِسْتِفَادَةِ وَالإِْفَادَةِ وَيُيَسِّرُ التَّحَمُّل وَالتَّحْمِيل (١) .

стр. 15613

سَمَاعُ اللَّغْوِ: ١٨ - اللَّغْوُ مِنَ الْكَلاَمِ: - مَا لاَ يُعْتَدُّ بِهِ إِمَّا لأَِنَّهُ يُورَدُ ارْتِجَالاً عَنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَدُونَ تَثَبُّتٍ وَتَفْكِيرٍ فَيَجْرِي مَجْرَى اللَّغَا الَّذِي يُطْلَقُ عَلَى صَوْتِ الْعَصَافِيرِ وَنَحْوِهَا مِنَ الطُّيُورِ (١) . وَإِمَّا لأَِنَّهُ يُورَدُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَيُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنِ الصَّوَابِ كَمَنْ قَال لِصَاحِبِهِ: أَنْصِتْ، وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ (٢) . أَوْ كَمَنْ دَعَا لأَِهْل الدُّنْيَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ (٣) . وَقَدْ يُطْلَقُ اللَّغْوُ

стр. 15614

عَلَى كُل كَلاَمٍ قَبِيحٍ بَاطِلٍ، كَالْخَوْضِ فِي الْمَعَاصِي، وَالسَّبِّ، وَالشَّتْمِ، وَالرَّفَثِ، وَمَا إِلَيْهَا (١) . قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٢) . أَيْ: كَنُّوا عَنِ الْقَبِيحِ وَتَعَفَّفُوا عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، وَقِيل: مَعْنَاهُ: إِذَا صَادَفُوا أَهْل اللَّغْوِ لَمْ يَخُوضُوا مَعَهُمْ فِي بَاطِلِهِمْ أَوْ فِي سَقَطِ كَلاَمِهِمْ. وَمَا دَامَ اللَّغْوُ بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي لاَ يَجْلِبُ نَفْعًا وَلاَ يَدْفَعُ إِثْمًا، وَلاَ يَتَّصِل بِقَصْدٍ صَحِيحٍ، فَإِنَّ سَمَاعَهُ كَالْخَوْضِ فِيهِ لاَ يَخْرُجُ حُكْمُهُ عَنِ الْحَظْرِ وَالْكَرَاهَةِ، تَبَعًا لِشِدَّةِ اتِّصَالِهِ بِالْمَفَاسِدِ، وَانْفِكَاكِهِ عَنْهَا (٣) . وَالْمُؤْمِنُونَ مُطَالَبُونَ بِالإِْعْرَاضِ عَنْهُ، وَالإِْحْجَامِ عَنْ سَمَاعِهِ، وَالْخَوْضِ فِيهِ إِطْلاَقًا لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَخْلاَقِهِمْ وَلاَ يَتَنَاسَبُ - فِي أَقَل صُوَرِهِ - مَعَ جِدِّهِمْ وَكَمَال نُفُوسِهِمْ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ

стр. 15615

الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ وَاَلَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (١) . وَقَال جَل ذِكْرُهُ فِي صِفَتِهِمْ: ﴿وَاَلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٢) . وَقَال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٣) .

стр. 15616

سَمْت التَّعْرِيفُ ١ - مِنْ مَعَانِي السَّمْتِ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ. وَالْمُسَامَتَةُ: الْمُوَازَاةُ وَالْمُقَابَلَةُ، يُقَال: سَامَتَ الْقِبْلَةَ مُسَامَتَةً: إِذَا اسْتَقْبَلَهَا وَاتَّجَهَ نَحْوَهَا. وَسَمَتَ سَمْتَهُ: نَحَا نَحْوَهُ، وَيُطْلَقُ السَّمْتُ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالْهُدَى، فَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: " إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلًّا وَسَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُول اللَّهِ ﷺ لاَبْنُ أُمِّ عَبْدٍ (١) . وَالسَّمْتُ أَيْضًا " هَيْئَةُ أَهْل الْخَيْرِ " يُقَال: رَجُلٌ حَسَنُ السَّمْتِ، وَمَا أَحْسَنَ سَمْتَهُ؛ أَيْ: هَدْيَهُ. وَالتَّسْمِيتُ (بِالسِّينِ وَالشِّينِ) ، الدُّعَاءُ لِلْعَاطِسِ (٢) .

стр. 15617

وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: ٢ - الاِسْتِقْبَال ، وَ الْمُحَاذَاةُ: اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ وَمُحَاذَاتُهَا مُرَادِفَانِ لِمُسَامَتَتِهَا. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (اسْتِقْبَال) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مُسَامَتَةَ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ صَلاَةِ الْقَادِرِ عَلَى ذَلِكَ (١) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِقْبَال) .

стр. 15618

سِمْحَاق التَّعْرِيفُ: ١ - السِّمْحَاقُ بِكَسْرِ السِّينِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ فَوْقَ عَظْمِ الرَّأْسِ تَفْصِل اللَّحْمَ عَنِ الْعَظْمِ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تُطْلَقُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ عَلَى الشَّجَّةِ الَّتِي تَصِل إِلَى تِلْكَ الْقِشْرَةِ، تَقْطَعُ اللَّحْمَ وَلاَ تَصِل إِلَى الْعَظْمِ (١) . وَيُسَمِّيهَا الْمَالِكِيَّةُ الْمِلْطَاةَ، أَمَّا السِّمْحَاقُ عِنْدَهُمْ: فَهِيَ الَّتِي كَشَطَتِ الْجِلْدَ؛ أَيْ: أَزَالَتْهُ عَنِ اللَّحْمِ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: ٢ - الْجُرُوحُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْوَجْهِ أَوِ الرَّأْسِ - أَيِ الشِّجَاجُ - تَتَنَوَّعُ حَسَبَ شِدَّتِهَا وَخِفَّتِهَا إِلَى أَنْوَاعٍ: مِنْهَا مَا لَمْ تَصِل إِلَى الْعَظْمِ كَالْحَارِصَةِ، وَالدَّامِعَةِ، وَالدَّامِيَةِ،

стр. 15619

وَالْبَاضِعَةِ، وَالْمُتَلاَحِمَةِ، وَالسِّمْحَاقِ، وَمِنْهَا مَا تَصِل إِلَى الْعَظْمِ كَالْمُوضِحَةِ وَالْهَاشِمَةِ وَالآْمَّةِ وَالْمُنَقِّلَةِ (١) . وَقَدْ فُصِّلَتْ أَحْكَامُهَا فِي مُصْطَلَحَاتِهَا. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٣ - السِّمْحَاقُ: نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّجَاجِ الَّتِي لاَ تَجِبُ فِيهَا دِيَةٌ وَلاَ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ (٢) ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَمْدًا أَمْ خَطَأً؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ مِنَ الشَّرْعِ، وَيَصْعُبُ ضَبْطُهَا وَتَقْدِيرُهَا، وَلاَ يُمْكِنُ إِهْدَارُهَا، فَتَجِبُ فِيهَا الْحُكُومَةُ (٣) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ذَكَرَهَا الْمُوصِلِيُّ: يَجِبُ فِي عَمْدِهَا الْقِصَاصُ؛ لإِِمْكَانِ ضَبْطِهَا (٤) . (ر: دِيَات، وَقِصَاص) .

стр. 15620

سَمْع التَّعْرِيفُ: ١ - السَّمْعُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ حِسُّ الأُْذُنِ، قَال الرَّاغِبُ: السَّمْعُ قُوَّةٌ فِي الأُْذُنِ بِهَا تُدْرِكُ الأَْصْوَاتَ. وَفِي التَّنْزِيل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١) . وَيُطْلَقُ السَّمْعُ عَلَى الأُْذُنِ، وَقَدْ يَأْتِي بِمَعْنَى الإِْجَابَةِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (٢) أَيْ: أَجَابَ حَمْدَهُ وَتَقَبَّلَهُ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى: الدُّعَاءُ الْمَأْثُورُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ دُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ (٣) (٢ م) أَيْ: لاَ يُسْتَجَابُ وَلاَ يُعْتَدُّ

стр. 15621

بِهِ كَأَنَّهُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ (١) . وَمِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى " السَّمِيعُ ". وَالاِصْطِلاَحُ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الاِسْتِمَاعُ: ٢ - الاِسْتِمَاعُ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا: قَصْدُ السَّمَاعِ بُغْيَةَ فَهْمِ الْمَسْمُوعِ أَوِ الاِسْتِفَادَةِ مِنْهُ. أَمَّا السَّمْعُ فَقَدْ يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ الْقَصْدِ أَوْ بِدُونِهِ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الاِسْتِمَاعِ (٢) . ب - الإِْنْصَاتُ: ٣ - الإِْنْصَاتُ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا: السُّكُوتُ لِلاِسْتِمَاعِ (٣) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٤ - السَّمْعُ - كَسَائِرِ الْحَوَاسِّ وَالْجَوَارِحِ - مِنْ أَجَل النِّعَمِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِهَا وَأَمَرَ بِحِفْظِهَا عَمَّا حَرَّمَهُ تَعَالَى. قَال تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ

стр. 15622

وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُل أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ (١) . وَقَال: ﴿وَقَدْ نَزَّل عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (٢) . وَالسَّمْعُ مِنْ أَهَمِّ حَوَاسِّ الإِْنْسَانِ وَأَشْرَفِهَا حَتَّى مِنَ الْبَصَرِ كَمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِذْ هُوَ الْمُدْرِكُ لِخِطَابِ الشَّرْعِ الَّذِي بِهِ التَّكْلِيفُ؛ وَلأَِنَّهُ يُدْرَكُ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ، وَفِي كُل الأَْحْوَال، أَمَّا الْبَصَرُ فَيَتَوَقَّفُ الإِْدْرَاكُ بِهِ عَلَى الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ (٣) . لِهَذَا يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَتَصَدَّى لأَِمْرٍ مُهِمٍّ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ كَالإِْمَامَةِ وَالْقَضَاءِ أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا، فَلاَ يَجُوزُ تَنْصِيبُ إِمَامٍ أَصَمَّ، وَلاَ تَعْيِينُ قَاضٍ لاَ يَسْمَعُ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِمَامَة كُبْرَى وَبَابِ: الْقَضَاءِ) . وَيَحْرُمُ سَمَاعُ الْغِيبَةِ، وَفُحْشِ الْقَوْل، وَالْغِنَاءِ الْمُحَرَّمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ. مَا يَجِبُ بِإِذْهَابِ السَّمْعِ بِجِنَايَةٍ: ٥ - السَّمْعُ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي لاَ تَفُوتُ مَنْفَعَتُهَا

стр. 15623

بِالْمُبَاشَرَةِ لَهَا بِالْجِنَايَةِ، بَل تَفُوتُ تَبَعًا لِمَحَلِّهَا أَوْ لِمُجَاوِرِهَا. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا زَال السَّمْعُ بِسِرَايَةٍ مِنْ جِنَايَةٍ لاَ قِصَاصَ فِيهَا تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ (١) ، كَأَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ خَطَأً أَوْ مِمَّا يَتَعَذَّرُ مِنْهُ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الْجِنَايَةِ وَالْقِصَاصِ كَالْهَاشِمَةِ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ تَكَافُؤٌ بَيْنَ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ قَوْلَهُ: " إِنَّ عَوَامَّ أَهْل الْعِلْمِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ فِي السَّمْعِ دِيَةً ". وَقَال: وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَبِهِ قَال مُجَاهِدٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَأَهْل الشَّامِ، وَأَهْل الْعِرَاقِ وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: " لاَ أَعْلَمُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ خِلاَفًا لَهُمْ (٢) ". وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: وَفِي السَّمْعِ دِيَةٌ (٣) . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلاً رَمَى رَجُلاً بِحَجَرٍ فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ وَلِسَانُهُ وَنِكَاحُهُ، فَقَضَى عُمَرُ ﵁ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ، وَالرَّجُل

стр. 15624

حَيٌّ؛ لأَِنَّ السَّمْعَ حَاسَّةٌ تَخْتَصُّ بِنَفْعٍ فَكَانَ فِيهَا الدِّيَةُ. أَمَّا إِذَا ذَهَبَ بِجِنَايَةٍ فِيهَا الْقِصَاصُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجِبُ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيهِ، فَيُقْتَصُّ مِنْهُ بِمِثْل فِعْلِهِ. فَإِنْ ذَهَبَ بِهِ فَقَدْ حَصَل الْمَقْصُودُ، وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ أُذْهِبَ بِمُعَالَجَةٍ لأَِنَّ لِلسَّمْعِ مَحِلًّا مَضْبُوطًا، وَلأَِهْل الْخِبْرَةِ طُرُقٌ فِي إِبْطَالِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَلَكِنْ قَالُوا: إِذَا لَمْ يَبْطُل بِالْقِصَاصِ فَلاَ يَبْطُل بِالْمُعَالَجَةِ بَل يَجِبُ عَلَى الْجَانِي أَوْ عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ (١) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ قِصَاصَ فِي إِبْطَال السَّمْعِ لِتَعَذُّرِ الاِقْتِصَاصِ فِيهِ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي (الْقِصَاص) (وَالدِّيَة) (وَالْجِنَايَةُ فِي مَا دُونَ النَّفْسِ) . وَبَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَصْل مُصْطَلَحِ السَّمْعِ يُنْظَرُ فِي بَحْثِ (اسْتِمَاع) (وَأُذُن) .

стр. 15625

سَمْعِيَّات التَّعْرِيفُ: ١ - السَّمْعِيَّاتُ: هِيَ الأُْمُورُ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا السَّمْعُ، كَالنُّبُوَّةِ، أَوْ هِيَ تَتَوَقَّفُ عَلَى السَّمْعِ كَالْمَعَادِ وَأَسْبَابِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ مِنَ الإِْيمَانِ وَالطَّاعَةِ، وَالْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ (١) . وَيَدْخُل فِي السَّمْعِيَّاتِ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ وَعَذَابُ الْقَبْرِ وَالْبَعْثُ، وَالأُْمُورُ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَ الْبَعْثِ كَالْحِسَابِ وَالْكُتُبِ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ وَالشَّفَاعَةِ وَالْحَوْضِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ (٢) .

стр. 15626

الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ: ٢ - الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالسَّمْعِيَّاتِ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: الْقِسْمُ الأَْوَّل: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالإِْيمَانِ بِهَا، وَأَقْسَامِهَا، وَأَدِلَّتِهَا. وَتَفْصِيلُهُ فِي مَبْحَثِ (إِيمَان (١)) . الْقِسْمُ الثَّانِي: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ مُنْكِرِهَا أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا، وَجَزَاءِ ذَلِكَ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مَبْحَثِ: (رِدَّة) . سَمَك انْظُرْ: أَطْعِمَة

стр. 15627

سُمّ التَّعْرِيفُ: ١ - السُّمُّ بِتَثْلِيثِ السِّينِ فِي اللُّغَةِ: الْمَادَّةُ الْقَاتِلَةُ، وَجَمْعُهَا سُمُومٌ وَسِمَامٌ، وَيُقَال: هَذَا شَيْءٌ مَسْمُومٌ؛ أَيْ: فِيهِ سُمٌّ، وَسَمَّ الطَّعَامَ: جَعَل فِيهِ السُّمَّ (١) . وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التِّرْيَاقُ: ٢ - هُوَ بِكَسْرِ التَّاءِ وَيُقَال لَهُ أَيْضًا دِرْيَاقٌ: دَوَاءُ السُّمُومِ - فَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً، أَوْ إِنَّهَا تِرْيَاقٌ، أَوَّل الْبُكْرَةِ (٢) وَيُطْلَقُ عَلَى كُل مَا يُسْتَعْمَل

стр. 15628

لِدَفْعِ السُّمِّ فِي الأَْدْوِيَةِ وَالْمَعَاجِينِ (١) . ب - الدَّوَاءُ: ٣ - الدَّوَاءُ مِنْ دَاوَيْتُ الْعَلِيل دَوَاءً وَمُدَاوَاةً: إِذَا عَالَجْتَهُ بِالأَْشْفِيَةِ الَّتِي تُوَافِقُهُ (٢) . الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسُّمِّ: تَنَاوُل السُّمِّ: ٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي حُرْمَةِ تَنَاوُل مَا يَقْتُل مِنَ السُّمِّ بِلاَ حَاجَةٍ إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣) وَقَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤) . طَهَارَةُ السُّمِّ أَوْ نَجَاسَتُهُ: اخْتَلَفُوا فِي نَجَاسَةِ السُّمِّ، أَطْلَقَ الْحَنَابِلَةُ الْقَوْل بِأَنَّ السُّمَّ نَجَسٌ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْجَامِدِ وَغَيْرِهِ، وَلاَ بَيْنَ مَا كَانَ مِنَ النَّبَاتَاتِ الطَّاهِرَةِ الَّتِي لَمْ تَحْرُمْ إِلاَّ لأَِضْرَارِهَا، وَمَا كَانَ مِنَ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ، وَسَائِرِ الْهَوَامِّ ذَوَاتِ السُّمُومِ. وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ مَا كَانَ مِنَ الأَْشْجَارِ

стр. 15629

وَالنَّبَاتَاتِ مِمَّا لَمْ يَحْرُمْ إِلاَّ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُضِرًّا بِالصِّحَّةِ، وَبَيْنَ مَا خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ أَوْ كَانَ مِنْ نَجَسٍ، كَأَنْ يُخَالِطَهُ لُحُومُ الْحَيَّاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ لُحُومِ الْهَوَامِّ ذَوَاتِ السَّمُومِ أَوْ كَانَ لُعَابًا لِمَا ذُكِرَ، كَسُمِّ الْحَيَّةِ، وَالْعَقْرَبِ وَسَائِرِ الْهَوَامِّ، قَالُوا: تَبْطُل الصَّلاَةُ بِلَسْعَةِ الْحَيَّةِ؛ لأَِنَّ سُمَّهَا تَظْهَرُ عَلَى مَحَل اللَّسْعَةِ. أَمَّا لُعَابُ الْعَقْرَبِ فَلاَ تَبْطُل بِهِ الصَّلاَةُ عَلَى الأَْوْجَهِ عِنْدَهُمْ لأَِنَّ إِبْرَتَهَا تَغُوصُ فِي بَاطِنِ اللَّحْمِ وَيَمُجُّ السُّمَّ فِيهِ، وَهُوَ لاَ يَجِبُ غَسْلُهُ (١) . وَسَبَبُ نَجَاسَتِهِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ فِي السُّمَيَّةِ بَل لِكَوْنِهِ فَضْلَةَ غَيْرِ مَأْكُولٍ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ لُعَابَ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَغَيْرِهَا مِنْ ذَوَاتِ السُّمُومِ طَاهِرٌ كَلُعَابِ كُل حَيٍّ إِذَا لَمْ يَسْتَعْمِل النَّجَاسَةَ، جَاءَ فِي مَوَاهِبِ الْجَلِيل: " نَقَل صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنِ ابْنِ هَارُونَ: أَنَّهُ قَال فِي شَرْحِ قَوْل ابْنِ الْحَاجِبِ: اللُّعَابُ وَالْمُخَاطُ مِنَ الْحَيِّ طَاهِرٌ، ثُمَّ قَال: إِنَّ الْحَشَرَاتِ إِذَا أُمِنَ مِنْ سُمِّهَا: مُبَاحَةٌ "، وَقَال الزَّرْقَانِيُّ: وَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ مِنْ سُمِّهَا (٢) .

стр. 15630

وَيُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ لُعَابَ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ نَجَسٌ عِنْدَهُمْ؛ لِنَجَاسَةِ لَحْمِهَا، وَلُعَابُهَا مِنْ جِسْمِهَا كَكُل مَا لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي بَابِ النَّجَاسَاتِ. بَيْعُ السُّمِّ: ٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ السُّمَّ الْقَاتِل إِذَا خَلاَ مِنْ نَفْعٍ يُبَاحُ أَوْ خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ كَلُحُومِ الْحَيَّاتِ وَغَيْرِهَا مِنَ النَّجَاسَاتِ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لأَِنَّ جَوَازَ الاِنْتِفَاعِ فِي الْمَبِيعِ انْتِفَاعًا مَشْرُوعًا، وَطَهَارَتُهُ شَرْطَانِ فِي صِحَّةِ عَقْدِ الْبَيْعِ (٢) . وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ شَرْعًا وَلَمْ تُخَالِطْهُ نَجَاسَةٌ فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِ بَيْعِهِ سَوَاءٌ كَانَ السُّمُّ مِنَ الْحَشَائِشِ أَمْ مِنَ الْحَيَّاتِ. وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ مَا كَانَ مِنَ النَّبَاتَاتِ وَالْحَشَائِشِ مِنَ السُّمِّ وَبَيْنَ مَا كَانَ مِنَ الأَْفَاعِي، وَقَالُوا بِتَحْرِيمِ بَيْعِ سُمُومِ الأَْفَاعِي؛ لِخُلُوِّهَا مِنْ نَفْعٍ مُبَاحٍ، فَأَمَّا السُّمُّ مِنَ الْحَشَائِشِ وَالنَّبَاتَاتِ، فَإِنْ كَانَ لاَ

стр. 15631

يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ كَانَ يَقْتُل قَلِيلُهُ غَالِبًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ؛ لِعَدَمِ النَّفْعِ وَخَوْفِ الضَّرَرِ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ كَالتَّدَاوِي بِهِ جَازَ بَيْعُهُ (١) . التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بَيْع) . التَّدَاوِي بِالسُّمِّ: ٦ - يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالسُّمِّ حَتَّى عِنْدَ مَنْ يَقُول بِنَجَاسَتِهِ إِنْ غَلَبَتِ السَّلاَمَةُ مِنْ ضَرَرِهِ وَيُرْجَى نَفْعُهُ، لاِرْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، وَلِدَفْعِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُمَا، بِشَرْطِ إِخْبَارِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ عَدْلٍ بِذَلِكَ أَوْ مَعْرِفَةِ الْمُتَدَاوِي بِهِ، وَعَدَمِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّا يُحَصِّل التَّدَاوِيَ (٢) . الْقَتْل بِالسُّمِّ: ٧ - قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِذَا قُدِّمَ لِصَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ أَوْ مَجْنُونٍ طَعَامٌ مَسْمُومٌ فَمَاتَ مِنْهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى مُقَدِّمِ الطَّعَامِ، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ السُّمَّ يَقْتُل غَالِبًا، سَوَاءٌ أَخْبَرَهُ أَنَّ الطَّعَامَ مَسْمُومٌ أَمْ لاَ. وَإِنْ أَكْرَهَ بَالِغًا عَاقِلاً عَلَى أَكْل طَعَامٍ

стр. 15632

مَسْمُومٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُكْرِهُ أَنَّهُ مَسْمُومٌ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَمَّا إِنْ كَانَ الْمُكْرِهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَسْمُومٌ فَلاَ قِصَاصَ كَمَا إِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى قَتَل نَفْسِهِ. وَإِنْ أَوْجَرَهُ السُّمَّ فِي حَلْقِهِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَإِنْ كَانَ بَالِغًا؛ لأَِنَّهُ أَلْجَأَهُ إِلَيْهِ وَلاَ اخْتِيَارَ لَهُ حَتَّى يُقَال عَنْهُ: إِنَّهُ تَنَاوَل السُّمَّ بِاخْتِيَارِهِ، فَحَدُّ الْعَمْدِ صَادِقٌ عَلَيْهِ (١) . وَإِنْ قَدَّمَ طَعَامًا مَسْمُومًا لِبَالِغٍ عَاقِلٍ فَأَكَلَهُ فَمَاتَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ الْحَال فَلاَ قِصَاصَ وَلاَ دِيَةَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَل نَفْسَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْحَال فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهِ. فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ بَل تَجِبُ دِيَةٌ لِشِبْهِ الْعَمْدِ لِتَنَاوُلِهِ لَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ تَغْرِيرُهُ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ: يَجِبُ الْقِصَاصُ لِتَغْرِيرِهِ كَالإِْكْرَاهِ (٢) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ يَقْتُل غَالِبًا، وَيُتَّخَذُ طَرِيقًا إِلَى الْقَتْل كَثِيرًا فَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ (٣) .

стр. 15633

وَالتَّفْصِيل فِي بَابِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ. وَإِنْ دَسَّ فِي طَعَامِ شَخْصٍ مُمَيِّزٍ أَوْ بَالِغٍ الْغَالِبُ أَكْلُهُ مِنْهُ فَأَكَلَهُ جَاهِلاً، فَعَلَيْهِ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَإِنْ دَسَّ السُّمَّ فِي طَعَامِ نَفْسِهِ فَأَكَل مِنْهُ آخَرُ عَادَتُهُ الدُّخُول عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ هَدَرًا؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ فَإِنَّمَا الدَّاخِل هُوَ الَّذِي قَتَل نَفْسَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَفَرَ فِي دَارِهِ بِئْرًا فَدَخَل فِيهِ رَجُلٌ فَوَقَعَ فِيهِ (١) . وَإِنْ دَاوَى جُرْحًا فِي جِسْمِهِ مِنْ جِنَايَةٍ مَضْمُونَةٍ بِسُمٍّ قَاتِلٍ، فَمَاتَ فَلاَ قِصَاصَ عَلَى الْجَارِحِ فِي النَّفْسِ وَلاَ دِيَةِ النَّفْسِ؛ إِذْ هُوَ قَاتِل نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ السُّمَّ يَقْتُل غَالِبًا أَوْ أَنَّهُ سُمٌّ، بَل يَجِبُ عَلَى الْجَارِحِ ضَمَانُ الْجُرْحِ بِالْقِصَاصِ أَوْ بِالأَْرْشِ، حَسَبَ مُوجِبِ الْجِنَايَةِ. وَالتَّفْصِيل فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ وَالْقِصَاصِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ قِصَاصَ فِي الْقَتْل بِالسُّمِّ مُطْلَقًا، فَإِنْ قَدَّمَ إِلَى إِنْسَانٍ طَعَامًا مَسْمُومًا فَأَكَل مِنْهُ - وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَسْمُومٌ - فَمَاتَ مِنْهُ فَلاَ قِصَاصَ وَلاَ دِيَةَ، فَيُعَزَّرُ بِحَبْسٍ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ أَوْجَرَهُ إيجَارًا أَوْ أَكْرَهَهُ

стр. 15634

عَلَى تَنَاوُلِهِ وَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي لأَِنَّ الْقَتْل حَصَل بِمَا لاَ يَجْرَحُ فَكَانَ مِنْ شِبْهِ الْعَمْدِ (١) . سِمَنٌ انْظُرْ: نَمَاء

стр. 15635

سَنَة التَّعْرِيفُ: ١ - السَّنَةُ فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ: الْحَوْل، وَجَمْعُهَا سَنَوَاتٌ وَيَجُوزُ سَنَهَاتٌ، وَإِذَا أُطْلِقَتِ السَّنَةُ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ فَهِيَ السَّنَةُ الْقَمَرِيَّةُ، وَلَيْسَتِ الشَّمْسِيَّةَ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْعَامُ: ٢ - وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ الْحَوْل، وَفَرَّقَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ بَيْنَ الْعَامِ وَبَيْنَ السَّنَةِ، قَال ابْنُ الْجَوَالِيقِيِّ: وَلاَ تُفَرِّقُ عَوَامُّ النَّاسِ بَيْنَ الْعَامِ وَالسَّنَةِ وَيَجْعَلُونَهُمَا بِمَعْنًى، وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ مَا أُخْبِرْتُ بِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى أَنَّهُ قَال: السَّنَةُ: مِنْ أَيِّ يَوْمٍ عَدَدْتَهُ إِلَى مِثْلِهِ، وَالْعَامُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ شِتَاءً وَصَيْفًا، وَفِي التَّهْذِيبِ أَيْضًا: الْعَامُ: حَوْلٌ يَأْتِي عَلَى شَتْوَةٍ

стр. 15636

وَصَيْفَةٍ، وَعَلَى هَذَا فَالْعَامُ أَخَصُّ مِنَ السَّنَةِ، فَكُل عَامٍ سَنَةٌ وَلَيْسَ كُل سَنَةٍ عَامًا، وَإِذَا عَدَدْتَ مِنْ يَوْمٍ إِلَى مِثْلِهِ فَهُوَ سَنَةٌ وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ نِصْفُ الصَّيْفِ وَنِصْفُ الشِّتَاءِ، وَالْعَامُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ صَيْفًا وَشِتَاءً. مُتَوَالِيَيْنِ (١) . ب - الشَّهْرُ: ٣ - الشَّهْرُ. مَا بَيْنَ الْهِلاَلَيْنِ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنَ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ يُقَدَّرُ بِدَوْرَةِ الْقَمَرِ حَوْل الأَْرْضِ، وَيُسَمَّى الشَّهْرَ الْقَمَرِيَّ، أَوْ يُقَدَّرُ بِجُزْءٍ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا مِنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وَيُسَمَّى الشَّهْرَ الشَّمْسِيَّ، وَيُطْلَقُ الشَّهْرُ أَيْضًا عَلَى الْعَدَدِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الأَْيَّامِ (٢) . أَنْوَاعُ السَّنَةِ: ٤ - السَّنَةُ تَتَنَوَّعُ إِلَى سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ وَهِيَ الَّتِي تَعْتَمِدُ فِي بِدَايَتِهَا وَنِهَايَتِهَا عَلَى حَرَكَةِ الشَّمْسِ، قَال زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: وَعَدَدُ أَيَّامِهَا ثَلاَثُ مِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا، وَرُبُعُ يَوْمٍ إِلاَّ جُزْءًا مِنْ ثَلاَثِ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ يَوْمٍ، وَإِلَى سَنَةٍ قَمَرِيَّةٍ وَهِيَ الَّتِي تَعْتَمِدُ عَلَى ظُهُورِ

стр. 15637

الْهِلاَل وَاخْتِفَائِهِ فِي بِدَايَةِ الشَّهْرِ وَنِهَايَتِهِ، قَال زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: وَعَدَدُ أَيَّامِهَا كَمَا قَال صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرُهُ: ثَلاَثُ مِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَخُمُسُ يَوْمٍ وَسُدُسُهُ. فَالسَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ تَتَّفِقُ مَعَ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ فِي عَدَدِ الشُّهُورِ وَتَخْتَلِفُ مَعَهَا فِي عَدَدِ الأَْيَّامِ فَتَزِيدُ أَيَّامُهَا عَلَى أَيَّامِ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ بِأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا وَجُزْءٍ مِنْ وَاحِدٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ الْيَوْمِ. وَقَدِ اعْتَمَدَ عَلَى السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ الرُّومُ وَالسُّرْيَانُ وَالْفُرْسُ وَالْقِبْطُ فِي تَأْرِيخِهِمْ، فَهُنَاكَ السَّنَةُ الرُّومِيَّةُ، وَالسَّنَةُ السُّرْيَانِيَّةُ، وَالسَّنَةُ الْفَارِسِيَّةُ وَالسَّنَةُ الْقِبْطِيَّةُ، وَهَذِهِ السُّنُونَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَّفِقَةً فِي عَدَدِ شُهُورِ كُل سَنَةٍ مِنْهَا، إِلاَّ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ فِي أَسْمَاءِ تِلْكَ الشُّهُورِ وَفِي مَوْعِدِ بَدْءِ كُل سَنَةٍ مِنْهَا وَفِي عَدَدِ أَيَّامِهَا (١) . الأَْحْكَامُ الإِْجْمَالِيَّةُ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: أ - الزَّكَاةُ: ٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَوْل - أَيْ مُضِيَّ سَنَةٍ كَامِلَةٍ عَلَى مِلْكِهِ النِّصَابَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي نِصَابِ السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ،

стр. 15638

وَفِي الأَْثْمَانِ، وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَفِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ؛ لِحَدِيثِ: لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل (١) . أَمَّا الزَّرْعُ وَالثِّمَارُ فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا حَوْلٌ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢) وَلأَِنَّهَا نَمَاءٌ بِنَفْسِهَا مُتَكَامِلَةٌ عِنْدَ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْهَا فَتُؤْخَذُ زَكَاتُهَا حِينَئِذٍ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِي النَّقْصِ لاَ فِي النَّمَاءِ، فَلاَ تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ ثَانِيَةٌ؛ لِعَدَمِ إِرْصَادِهَا لِلنَّمَاءِ، وَالْمَعْدِنُ الْمُسْتَخْرَجُ مِنَ الأَْرْضِ كَالزَّرْعِ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ حَوْلٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ خُمُسٍ. فَيُؤْخَذُ زَكَاتُهُ عِنْدَ حُصُولِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الأَْثْمَانِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ كُل حَوْلٍ لأَِنَّهُ مَظِنَّةُ النَّمَاءِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الأَْثْمَانَ قِيَمُ الأَْمْوَال وَرَأْسُ مَال التِّجَارَةِ، وَبِهَا تَحْصُل الْمُضَارَبَةُ وَالشَّرِكَةُ. وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ إِنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنْ مَال الزَّكَاةِ مِمَّا يُعْتَبَرُ لَهُ الْحَوْل وَلاَ مَال لَهُ سِوَاهُ، انْعَقَدَ حَوْلُهُ مِنْ حِينِ حُصُول

стр. 15639

الْمِلْكِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١) . وَيُنْظَرُ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحُ (زَكَاة) مُدَّةُ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ: ٦ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مُدَّةَ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ سَنَةٌ كَامِلَةٌ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ (٢) . وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (لُقَطَة) . ج - مُدَّةُ إِمْهَال الْعِنِّينِ: ٧ - الْعِنِّينُ يَضْرِبُ لَهُ الْقَاضِي سَنَةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ (كَمَا فَعَل عُمَرُ ﵁ فَقَدْ يَكُونُ تَعَذُّرُ الْجِمَاعِ لِعَارِضِ حَرَارَةٍ فَيَزُول فِي الشِّتَاءِ، أَوْ بُرُودَةٍ فَيَزُول فِي الصَّيْفِ، أَوْ يُبُوسَةٍ فَتَزُول فِي الرَّبِيعِ، أَوْ رُطُوبَةٍ فَتَزُول فِي الْخَرِيفِ، فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ وَلَمْ يَطَأْ، عَلِمْنَا أَنَّهُ عَجْزٌ خِلْقِيٌّ. (وَانْظُرْ: إِمْهَال، عُنَّة) .

стр. 15640

د - مُدَّةُ التَّغْرِيبِ فِي عُقُوبَةِ الزِّنَى: ٨ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مِنْ حَدِّ الزَّانِي إِنْ كَانَ بِكْرًا التَّغْرِيبَ لِمُدَّةِ سَنَةٍ لِمَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّغْرِيبَ لَيْسَ مِنَ الْحَدِّ، وَلَكِنَّهُمْ يُجِيزُونَ لِلإِْمَامِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ إِنْ رَأَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (زِنًى وَتَغْرِيب) .

стр. 15641

سَنَد التَّعْرِيفُ: ١ - السَّنَدُ فِي اللُّغَةِ: مَا قَابَلَكَ مِنَ الْجَبَل وَعَلاَ عَنِ السَّفْحِ، وَالْجَمْعُ أَسْنَادٌ. وَكُل مَا يُسْتَنَدُ إِلَيْهِ وَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ حَائِطٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ سَنَدٌ. وَمِنْهُ قِيل لِصَكِّ الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ: سَنَدٌ. وَقَدْ سَنَدَ إِلَى الشَّيْءِ يَسْنُدُ سُنُودًا، وَاسْتَنَدَ وَتَسَانَدَ وَأَسْنَدَ غَيْرَهُ. وَمَا يُسْنَدُ إِلَيْهِ يُسَمَّى مَسْنَدًا وَمِسْنَدًا وَمُسْنَدًا وَجَمْعُهُ الْمَسَانِدُ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُسْتَعْمَل السَّنَدُ فِي اسْتِعْمَالَيْنِ: الأَْوَّل: الْحُجَّةُ الْمَكْتُوبَةُ الَّتِي تُوَثَّقُ بِهَا الْحُقُوقُ. وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي إِثْبَاتِ الْحُقُوقِ فِي الْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ. وَجَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِذَلِكَ شُرُوطٌ: (١) أَنْ يُبَيِّنَ فِي السَّنَدِ مَا يُثْبِتُ الْحَقَّ بِأَنْ يَكُونَ مُصَدَّرًا بِذِكْرِ مَبْلَغِ الدَّيْنِ مَثَلاً بِالرَّقْمِ

стр. 15642

وَالْحَرْفِ، وَمُعَنْوَنًا بِاسْمِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ. وَأَنْ يَكُونَ مَخْتُومًا بِخَاتَمِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ مَعَ إِمْضَائِهِ. (٢) أَنْ يَكُونَ سَالِمًا مِنَ التَّزْوِيرِ وَالْكَشْطِ وَالتَّغْيِيرِ وَأَنْ يَثْبُتَ أَنَّ الْخَطَّ هُوَ خَطُّ الْكَاتِبِ بِشَهَادَةِ أَهْل الْخِبْرَةِ فِي هَذَا الشَّأْنِ. وَجَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ (الْمَادَّةُ ١٧٣٦) : " لاَ يُعْمَل بِالْخَطِّ وَالْخَتْمِ فَقَطْ وَلَكِنْ إِذَا كَانَ سَالِمًا عَنْ شُبْهَةِ التَّزْوِيرِ وَالتَّصْنِيعِ يَكُونُ مَعْمُولاً بِهِ، يَعْنِي يَكُونُ مَدَارًا لِلْحُكْمِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الثُّبُوتِ بِوَجْهٍ آخَرَ (١) ". وَالسَّنَدُ إِذَا اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ الْمَرْعِيَّةَ لاِعْتِبَارِهِ كَانَ مِنْ قَبِيل الإِْقْرَارِ بِالْكِتَابَةِ. جَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ (الْمَادَّةِ ١٦٠٩) (إِذَا كَتَبَ أَحَدٌ سَنَدًا أَوِ اسْتَكْتَبَهُ وَأَعَادَهُ لأَِحَدٍ مَمْضِيًّا أَوْ مَخْتُومًا يَكُونُ مُعْتَبَرًا وَمَرْعِيًّا كَتَقْرِيرِهِ الشِّفَاهِيِّ لأَِنَّهُ إِقْرَارٌ بِالْكِتَابَةِ إِنْ كَانَ مَرْسُومًا، يَعْنِي إِنْ كَانَ ذَلِكَ السَّنَدُ كُتِبَ مُوَافِقًا لِلرَّسْمِ وَالْعَادَةِ وَالْوَثَائِقِ الَّتِي تُعْلَمُ بِالْقَبْضِ الْمُسَمَّاةِ بِالْوُصُول هِيَ مِنْ هَذَا الْقَبِيل أَيْضًا (٢)) .

стр. 15643

وَجَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١٦٠٧) : أَمْرُ أَحَدٍ بِأَنْ يَكْتُبَ إِقْرَارَهُ هُوَ إِقْرَارٌ حُكْمًا. بِنَاءً عَلَيْهِ لَوْ أَمَرَ أَحَدٌ كَاتِبًا بِقَوْلِهِ: اكْتُبْ لِي سَنَدًا يَحْتَوِي أَنِّي مَدْيُونٌ لِفُلاَنٍ بِكَذَا دَرَاهِمَ، وَوَضَعَ فِيهِ إِمْضَاءَهُ أَوْ خَتْمَهُ، يَكُونُ مِنْ قَبِيل الإِْقْرَارِ بِالْكِتَابَةِ كَالسَّنَدِ الَّذِي كَتَبَهُ بِخَطِّ يَدِهِ (١) . وَتُرَاجَعُ الْمَبَاحِثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسَّنَدِ فِي الْمُصْطَلَحَاتِ: إِقْرَار (ف ٤٠) وَإِثْبَات (ف ٣٤) وَتَوْثِيق (ف ١٢) وَتَزْوِير (ف ١٧) . الإِْطْلاَقُ الثَّانِي: يُطْلَقُ السَّنَدُ عَلَى سِلْسِلَةِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْمَتْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ شُرُوطُ السَّنَدِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي قَبُول الْحَدِيثِ فِي مُصْطَلَحِ (إِسْنَاد) .

стр. 15644

سُنَّة التَّعْرِيفُ: ١ - السُّنَّةُ فِي اللُّغَةِ: الطَّرِيقَةُ وَالْعَادَةُ وَالسِّيرَةُ، حَمِيدَةً كَانَتْ أَمْ ذَمِيمَةً. وَالْجَمْعُ سُنَنٌ (١) . وَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ سَنَّ فِي الإِْسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِل بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِْسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِل بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ (٢) . ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِي الطَّرِيقَةِ الْمَحْمُودَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ، فَسُنَّةُ اللَّهِ أَحْكَامُهُ وَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، وَسَنَّ اللَّهُ سُنَّةً؛ أَيْ بَيَّنَ طَرِيقًا قَوِيمًا. وَيُقَال: فُلاَنٌ مِنْ أَهْل السُّنَّةِ، مَعْنَاهُ: مِنْ

стр. 15645

أَهْل الطَّرِيقَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ الْمَحْمُودَةِ (١) . وَفِي الْحَدِيثِ: تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي (٢) . وَالسُّنَّةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لَهَا مَعَانٍ، مِنْهَا أَنَّهَا اسْمٌ لِلطَّرِيقَةِ الْمَسْلُوكَةِ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ افْتِرَاضٍ وَلاَ وُجُوبٍ (٣) . وَتُطْلَقُ أَيْضًا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: عَلَى الْفِعْل إِذَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَدُل دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ (٤) . وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ: بِأَنَّهَا مَا طُلِبَ فِعْلُهُ طَلَبًا مُؤَكَّدًا غَيْرَ جَازِمٍ (٥) . فَالسُّنَّةُ بِهَذَا الْمَعْنَى حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ، وَيُقَابِلُهَا الْوَاجِبُ، وَالْفَرْضُ، وَالْحَرَامُ، وَالْمَكْرُوهُ، وَالْمُبَاحُ، وَعَرَّفَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، بِأَنَّهَا مَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ بِفِعْلِهِ وَلاَ يُعَاقَبُ

стр. 15646

بِتَرْكِهِ (١) . وَتُطْلَقُ السُّنَّةُ أَيْضًا عَلَى دَلِيلٍ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَعَرَّفَهَا الأُْصُولِيُّونَ بِهَذَا الْمَعْنَى: بِأَنَّهَا مَا صَدَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، أَوْ تَقْرِيرٍ (٢) . الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسُّنَّةِ: أَوَّلاً: السُّنَّةُ بِالاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ: ٢ - تُطْلَقُ السُّنَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: عَلَى الْمَنْدُوبِ، وَالْمُسْتَحَبِّ، وَالتَّطَوُّعِ، فَهِيَ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ، فَكُلٌّ مِنْهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْفِعْل الْمَطْلُوبِ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ. قَال الْبُنَانِيُّ: وَمِثْلُهَا الْحَسَنُ أَوِ النَّفَل وَالْمُرَغَّبُ فِيهِ. وَنَفَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ تَرَادُفَهَا حَيْثُ قَالُوا: إِنْ وَاظَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْفِعْل فَهُوَ السُّنَّةُ، وَإِنْ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ كَأَنْ فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ، أَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ وَهُوَ مَا يُنْشِئُهُ الإِْنْسَانُ بِاخْتِيَارِهِ مِنَ الأَْوْرَادِ فَهُوَ التَّطَوُّعُ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَمَنْ مَعَهُ لِلْمَنْدُوبِ لِعُمُومِهِ لِلأَْقْسَامِ الثَّلاَثَةِ (٣) . وَيُقَسِّمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ السُّنَنَ إِلَى

стр. 15647

سُنَنٍ مُؤَكَّدَةٍ وَغَيْرِ مُؤَكَّدَةٍ. إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ يَقُولُونَ: إِنَّ تَرْكَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ مَكْرُوهٌ، أَمَّا تَرْكُ غَيْرِ الْمُؤَكَّدَةِ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ. وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الْمَشْرُوعَاتِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: فَرْضٌ، وَوَاجِبٌ، وَسُنَّةٌ، وَنَفْلٌ. فَمَا كَانَ فِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ مَعَ مَنْعِ التَّرْكِ إِنْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ فَفَرْضٌ، أَوْ بِظَنِّيٍّ فَوَاجِبٌ، وَبِلاَ مَنْعِ التَّرْكِ إِنْ كَانَ مِمَّا وَاظَبَ عَلَيْهِ الرَّسُول ﷺ أَوِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ فَسُنَّةٌ، وَإِلاَّ فَمَنْدُوبٌ وَنَفْلٌ (١) . وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ بِالتَّرَادُفِ بَيْنَهُمَا (٢) إِلاَّ فِي مَوَاضِعَ تُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهَا. فَالسُّنَّةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِالْمَعْنَى الْفِقْهِيِّ نَوْعَانِ: أ - سُنَّةُ الْهُدَى: وَهِيَ مَا تَكُونُ إقَامَتُهَا تَكْمِيلاً لِلدِّينِ، وَتَتَعَلَّقُ بِتَرْكِهَا كَرَاهَةٌ أَوْ إِسَاءَةٌ، كَصَلاَةِ الْجَمَاعَةِ، وَالأَْذَانِ، وَالإِْقَامَةِ، وَنَحْوِهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَيْهَا عَلَى سَبِيل الْعِبَادَةِ، وَتُسَمَّى أَيْضًا السُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ. ب - سُنَنُ الزَّوَائِدِ: وَهِيَ الَّتِي لاَ يَتَعَلَّقُ

стр. 15648

بِتَرْكِهَا كَرَاهَةٌ وَلاَ إِسَاءَةٌ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهَا عَلَى سَبِيل الْعَادَةِ، فَإِقَامَتُهَا حَسَنَةٌ، كَسَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لِبَاسِهِ وَقِيَامِهِ، وَقُعُودِهِ وَأَكْلِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ (١) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: السُّنَّةُ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَهُ فِي جَمَاعَةٍ، وَلَمْ يَدُل دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ. وَالرَّغِيبَةُ: مَا رَغَّبَ الشَّارِعُ فِيهِ وَحَدَّهُ وَلَمْ يُظْهِرْهُ فِي جَمَاعَةٍ. وَالنَّفَل مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ؛ أَيْ تَرَكَهُ فِي بَعْضِ الأَْوْقَاتِ (٢) . ثَانِيًا: السُّنَّةُ فِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ: ٣ - أَدِلَّةُ الشَّرْعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَاَلَّتِي تُسْتَنْبَطُ مِنْهَا الأَْحْكَامُ الْفِقْهِيَّةُ أَرْبَعَةٌ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالإِْجْمَاعُ، وَالْقِيَاسُ. وَالسُّنَّةُ: هِيَ مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، أَوْ تَقْرِيرٍ. فَالسَّنَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى تُرَادِفُ الْحَدِيثَ. وَقِيل: إِنَّ الْحَدِيثَ مَا صَدَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الأَْقْوَال، فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَخَصُّ مِنَ السُّنَّةِ. وَيُطْلَقُ عَلَى الْحَدِيثِ الْخَبَرُ أَيْضًا. وَقِيل: الْخَبَرُ أَعَمُّ لِيَشْمَل مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ

стр. 15649

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ غَيْرِهِ، فَكُل حَدِيثٍ خَبَرٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ (١) . وَالسُّنَّةُ بِهَذَا الْمَعْنَى ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: السُّنَّةُ الْقَوْلِيَّةُ، وَهِيَ أَقْوَال النَّبِيِّ ﷺ . وَالسُّنَّةُ الْفِعْلِيَّةُ، وَهِيَ أَفْعَالُهُ، وَالسُّنَّةُ التَّقْرِيرِيَّةُ، وَهِيَ كَفُّهُ وَسُكُوتُهُ عَنْ إِنْكَارِ مَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَمَامَهُ أَوْ مَا أُخْبِرَ بِهِ (٢) . وَتَنْقَسِمُ السُّنَّةُ بِاعْتِبَارِ السَّنَدِ: إِلَى الْمُتَوَاتِرِ، وَالْمَشْهُورِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ (٣) . وَالسُّنَّةُ بِالْمَعْنَى الأُْصُولِيِّ: هِيَ دَلِيلٌ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ تُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ إِذَا كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً. وَخَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعَمَل وَلاَ يُوجِبُ الْعِلْمَ يَقِينًا، وَهَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ وَجُمْلَةِ الْفُقَهَاءِ كَمَا حَرَّرَهُ الأُْصُولِيُّونَ (٤) . وَأَمَّا الْمَشْهُورُ: فَيُلْحِقُهُ بَعْضُهُمْ بِالْمُتَوَاتِرِ فِي إِيجَابِهِ عِلْمَ الْيَقِينِ، وَبَعْضُهُمْ بِالآْحَادِ فَيُوجِبُ الْعَمَل دُونَ الْعِلْمِ الْيَقِينِ (٥) . وَلِبَيَانِ مَعْنَى التَّوَاتُرِ وَالشُّهْرَةِ وَشُرُوطِهِمَا

стр. 15650

وَآرَاءِ الأُْصُولِيِّينَ وَأَدِلَّتِهِمْ، وَمَا يُوجِبُهُ خَبَرُ الآْحَادِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَسَائِل يُنْظَرُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
следующие страницы →