← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 16416–16455 · переход к 16421.

стр. 16416

قَال الشَّافِعِيَّةُ (١) : يَحْرُمُ غُسْل الشَّهِيدِ وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ حَيٌّ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَلِمَا وَرَدَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ بِدَفْنِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَل عَلَيْهِمْ (٢) . وَجَاءَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَل عَلَيْهِمْ وَقَال فِي قَتْلَى أُحُدٍ: زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ (٣) . وَلَعَل تَرْكَ الْغُسْل وَالصَّلاَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ جَمَاعَةُ الْمُشْرِكِينَ إِرَادَةُ أَنْ يَلْقَوْا اللَّهَ جَل وَعَزَّ بِكُلُومِهِمْ لِمَا جَاءَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رِيحَ الْكَلِمِ رِيحُ الْمِسْكِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ (٤) وَاسْتَغْنَوْا بِكَرَامَةِ اللَّهِ جَل وَعَزَّ عَنِ الصَّلاَةِ لَهُمْ مَعَ التَّخْفِيفِ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يَكُونُ فِيمَنْ قَاتَل بِالزَّحْفِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْجِرَاحِ وَخَوْفِ عَوْدَةِ الْعَدُوِّ وَرَجَاءِ طَلَبِهِمْ وَهَمِّهِمْ بِأَهْلِيهِمْ وَهَمِّ أَهْلِيهِمْ بِهِمْ. وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ إِبْقَاءُ أَثَرِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ

стр. 16417

وَالتَّعْظِيمُ لَهُمْ بِاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْ دُعَاءِ الْقَوْمِ (١) . وَوَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ قَطْرَةٍ مِنْ دُمُوعٍ فِي خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَطْرَةِ دَمٍ تُهْرَاقُ فِي سَبِيل اللَّهِ، أَمَّا الأَْثَرَانِ فَأَثَرٌ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ (٢) . وَجُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ يَرَوْنَ حُرْمَةَ غُسْلِهِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، غَيْرَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى كَرَاهَتَهُ، أَمَّا الصَّلاَةُ فَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ لَدَيْهِمْ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَهُمْ تَجِبُ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ، وَمَال إِلَى هَذَا بَعْضُ عُلَمَائِهِمْ مِنْهُمُ الْخَلاَّل، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي التَّنْبِيهِ (٣) . ضَابِطُ الشَّهِيدِ الَّذِي لاَ يُغَسَّل وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ: ٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ: مَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي الْقِتَال، أَوْ وُجِدَ مَيِّتًا فِي مَكَانِ الْمَعْرَكَةِ وَبِهِ أَثَرُ جِرَاحَةٍ أَوْ دَمٍ، لاَ يُغَسَّل لِقَوْلِهِ ﷺ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ: زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ

стр. 16418

وَلاَ تُغَسِّلُوهُمْ (١) ، وَلَمْ يُنْقَل خِلاَفٌ فِي هَذَا إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ (٢) . وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ مَنْ ذُكِرَ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى: أَنَّ كُل مُسْلِمٍ مَاتَ بِسَبَبِ قِتَال الْكُفَّارِ حَال قِيَامِ الْقِتَال لاَ يُغَسَّل، سَوَاءٌ قَتَلَهُ كَافِرٌ، أَوْ أَصَابَهُ سِلاَحُ مُسْلِمٍ خَطَأً، أَوْ عَادَ إِلَيْهِ سِلاَحُهُ، أَوْ سَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، أَوْ رَمَحَتْهُ دَابَّةٌ فَمَاتَ، أَوْ وُجِدَ قَتِيلاً بَعْدَ الْمَعْرَكَةِ وَلَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ مَوْتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ أَثَرُ دَمٍ أَمْ لاَ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالْبَالِغِ وَالصَّبِيِّ (٣) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُغَسَّل كُل مُسْلِمٍ قُتِل بِالْحَدِيدِ ظُلْمًا وَهُوَ طَاهِرٌ بَالِغٌ، وَلَمْ يَجِبْ عِوَضٌ مَالِيٌّ فِي قَتْلِهِ، فَإِنْ كَانَ جُنُبًا أَوْ صَبِيًّا، أَوْ وَجَبَ فِي قَتْلِهِ قِصَاصٌ، فَإِنَّهُ يُغَسَّل، وَإِنْ وُجِدَ قَتِيلاً فِي مَكَانِ الْمَعْرَكَةِ، فَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ أَثَرٌ لِجِرَاحَةٍ، أَوْ دَمٍ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ كَالْعَيْنِ فَلاَ يُغَسَّل. وَلَوْ خَرَجَ الدَّمُ مِنْ مَوْضِعٍ يَخْرُجُ الدَّمُ عَادَةً

стр. 16419

مِنْهُ بِغَيْرِ آفَةٍ فِي الْغَالِبِ كَالأَْنْفِ، وَالدُّبُرِ وَالذَّكَرِ فَيُغَسَّل. وَالأَْصْل عِنْدَهُمْ فِي غُسْل الشَّهِيدِ: أَنَّ كُل مَنْ صَارَ مَقْتُولاً فِي قِتَال أَهْل الْحَرْبِ أَوِ الْبُغَاةِ، أَوْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، بِمَعْنًى مُضَافٍ إِلَى الْعَدُوِّ كَانَ شَهِيدًا، سَوَاءٌ بِالْمُبَاشَرَةِ أَوِ التَّسَبُّبِ، وَكُل مَنْ صَارَ مَقْتُولاً بِمَعْنًى غَيْرِ مُضَافٍ إِلَى الْعَدُوِّ لاَ يَكُونُ شَهِيدًا. فَإِنْ سَقَطَ مِنْ دَابَّتِهِ مِنْ غَيْرِ تَنْفِيرٍ مِنَ الْعَدُوِّ أَوِ انْفَلَتَتْ دَابَّةُ مُشْرِكٍ وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ فَوَطِئَتْ مُسْلِمًا، أَوْ رَمَى مُسْلِمٌ إِلَى الْعَدُوِّ فَأَصَابَ مُسْلِمًا، أَوْ هَرَبَ الْمُسْلِمُونَ فَأَلْجَأَهُمُ الْعَدُوُّ إِلَى خَنْدَقٍ، أَوْ نَارٍ، أَوْ جَعَل الْمُسْلِمُونَ الْحَسَكَ (١) حَوْلَهُمْ، فَمَشَوْا عَلَيْهَا، فِي فِرَارِهِمْ، أَوْ هُجُومِهِمْ عَلَى الْكُفَّارِ فَمَاتُوا يُغَسَّلُونَ، وَكَذَا إِنْ صَعِدَ مُسْلِمٌ حِصْنًا لِلْعَدُوِّ لِيَفْتَحَ الْبَابَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَزَلَّتْ رِجْلُهُ فَمَاتَ، يُغَسَّل (٢) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُغَسَّل الشَّهِيدُ سَوَاءٌ كَانَ مُكَلَّفًا أَوْ غَيْرَهُ إِلاَّ إِنْ كَانَ جُنُبًا أَوِ امْرَأَةً حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا، أَوْ نِفَاسِهَا، وَإِنْ سَقَطَ مِنْ دَابَّتِهِ أَوْ وُجِدَ مَيِّتًا وَلاَ أَثَرَ بِهِ، أَوْ سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ فِي الْقِتَال أَوْ رَفَسَتْهُ دَابَّةٌ فَمَاتَ مِنْهَا، أَوْ عَادَ إِلَيْهِ سَهْمُهُ

стр. 16420

فِيهَا، فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّهُ: يُغَسَّل، إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ فِعْل الْعَدُوِّ، وَمَنْ قُتِل مَظْلُومًا، بِأَيِّ سِلاَحٍ قُتِل، كَقَتِيل اللُّصُوصِ وَنَحْوِهِ يُلْحَقُ بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ، فَلاَ يُغَسَّل فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ: يُغَسَّل مَنْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ أَوِ الْبُغَاةُ. أَمَّا مَنْ مَاتَ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنَ الَّذِينَ وَرَدَ فِيهِمْ أَنَّهُمْ شُهَدَاءُ: كَالْغَرِيقِ، وَالْمَبْطُونِ، وَالْمَرْأَةِ الَّتِي مَاتَتْ فِي الْوِلاَدَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ شُهَدَاءُ فِي الآْخِرَةِ، وَلَكِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (٢) . إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَنِ الشَّهِيدِ: ٦ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّهُ إِذَا كَانَ عَلَى الشَّهِيدِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ دَمِ الشَّهَادَةِ تُغْسَل عَنْهُ، وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى إِزَالَةِ دَمِ الشَّهَادَةِ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَثَرِ الْعِبَادَةِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلاَ تُغْسَل النَّجَاسَةُ إِذَا كَانَتْ تُؤَدِّي إِلَى إِزَالَةِ دَمِ الشَّهَادَةِ (٣) . وَسَبَقَ أَنَّ النَّجَاسَةَ تُغْسَل عَنِ الشَّهِيدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

стр. 16421

مَوْتُ الشَّهِيدِ بِجِرَاحِهِ فِي الْمَعْرَكَةِ: ٧ - الْمُرْتَثُّ: وَهُوَ مَنْ جُرِحَ فِي الْقِتَال، وَقَدْ بَقِيَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ثُمَّ مَاتَ يُغَسَّل وَإِنْ قُطِعَ أَنَّ جِرَاحَتَهُ سَتُؤَدِّي إِلَى مَوْتِهِ (١) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (ارْتِثَاثٌ ٣ ٩) . تَكْفِينُ الشَّهِيدِ: ٨ - شَهِيدُ الْقِتَال مَعَ الْكُفَّارِ لاَ يُكَفَّنُ كَسَائِرِ الْمَوْتَى بَل يُدْفَنُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْمَعْرَكَةِ بَعْدَ نَزْعِ آلَةِ الْحَرْبِ عَنْهُ. لِحَدِيثِ: زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي ثِيَابِهِمْ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَكْفِينٌ ف ١٤) . دَفْنُ الشَّهِيدِ: ٩ - مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُدْفَنَ الشُّهَدَاءُ فِي مَصَارِعِهِمْ، وَلاَ يُنْقَلُونَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، فَإِنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحَابَةِ نَقَلُوا قَتْلاَهُمْ فِي وَاقِعَةِ أُحُدٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَادَى مُنَادِي رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالأَْمْرِ بِرَدِّ الْقَتْلَى إِلَى مَصَارِعِهِمْ (٢) . فَقَدْ قَال جَابِرٌ: فَبَيْنَمَا أَنَا فِي النَّظَّارِينَ إِذْ جَاءَتْ عَمَّتِي بِأَبِي وَخَالِي عَادَلَتْهُمَا عَلَى نَاضِحٍ، فَدَخَلَتْ بِهِمَا الْمَدِينَةَ لِتَدْفِنَهُمَا فِي مَقَابِرِنَا، إِذْ لَحِقَ رَجُلٌ يُنَادِي، أَلاَ

стр. 16422

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا بِالْقَتْلَى فَتَدْفِنُوهَا فِي مَصَارِعِهَا حَيْثُ قُتِلَتْ: فَرَجَعْنَا بِهِمَا فَدَفَنَّاهُمَا حَيْثُ قُتِلاَ. . (١) . دَفْنُ أَكْثَرَ مِنْ شَهِيدٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ: ١٠ - يَجُوزُ دَفْنُ الرَّجُلَيْنِ أَوِ الثَّلاَثَةِ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُول: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَال: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَل عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ (٢) . وَدَفَنَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَعَمْرَو بْنَ جَمُوحٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، لِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمَحَبَّةِ، إِذْ قَال ﵊: ادْفِنُوا هَذَيْنِ الْمُتَحَابَّيْنِ فِي الدُّنْيَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ (٣) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (دَفْنٌ ف ١٤) .

стр. 16423

شُورَى التَّعْرِيفُ: ١ - الشُّورَى لُغَةً: يُقَال: شَاوَرْتُهُ فِي الأَْمْرِ وَاسْتَشَرْتُهُ: رَاجَعْتُهُ لأََرَى رَأْيَهُ فِيهِ وَاسْتَشَارَهُ: طَلَبَ مِنْهُ الْمَشُورَةَ. وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِ الرَّأْيِ . وَأَشَارَ يُشِيرُ إِذَا وَجَّهَ الرَّأْيَ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِالْيَدِ: أَوْمَأَ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الرَّأْيُ: ٢ - الرَّأْيُ: الْعَقْل وَالتَّدْبِيرُ وَالاِعْتِقَادُ، وَرَجُلٌ ذُو رَأْيٍ أَيْ: بَصِيرَةٍ وَحِذْقٍ بِالأُْمُورِ (٢) ب - النَّصِيحَةُ: ٣ - النَّصِيحَةُ: الإِْخْلاَصُ وَالصِّدْقُ وَالْمَشُورَةُ وَالْعَمَل. نَصَحْتُ لِزَيْدٍ، أَنْصَحُ نُصْحًا وَنَصِيحَةً، هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ (٣) . وَفِي الْحَدِيثِ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا: لِمَنْ؟ قَال: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَِئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ (٤) .

стр. 16424

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٤ - لِلْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الشُّورَى - مِنْ حَيْثُ هِيَ - رَأْيَانِ: الأَْوَّل: الْوُجُوبُ: وَيُنْسَبُ هَذَا الْقَوْل لِلنَّوَوِيِّ، وَابْنِ عَطِيَّةَ، وَابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ، وَالرَّازِيِّ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١) وَظَاهِرُ الأَْمْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَالأَْمْرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالْمُشَاوَرَةِ، أَمْرٌ لأُِمَّتِهِ لِتَقْتَدِيَ بِهِ وَلاَ تَرَاهَا مَنْقَصَةً، كَمَا مَدَحَهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٢) . قَال ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ: وَاجِبٌ عَلَى الْوُلاَةِ مُشَاوَرَةُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا لاَ يَعْلَمُونَ، وَمَا أَشْكَل عَلَيْهِمْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَوُجُوهِ الْجَيْشِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَرْبِ، وَوُجُوهِ النَّاسِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَصَالِحِ، وَوُجُوهِ الْكُتَّابِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْعُمَّال، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الْبِلاَدِ وَعِمَارَتِهَا. قَال ابْنُ عَطِيَّةَ: " وَالشُّورَى مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَعَزَائِمِ الأَْحْكَامِ، وَمَنْ لاَ يَسْتَشِيرُ

стр. 16425

أَهْل الْعِلْمِ وَالدِّينِ فَعَزْلُهُ وَاجِبٌ وَهَذَا مِمَّا لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ (١) ". وَلاَ يَصِحُّ اعْتِبَارُ الأَْمْرِ بِالشُّورَى لِمُجَرَّدِ تَطْيِيبِ نُفُوسِ الصَّحَابَةِ، وَلِرَفْعِ أَقْدَارِهِمْ؛ لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ أَنَّ مَشُورَتَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَغَيْرُ مَعْمُولٍ عَلَيْهَا مَعَ اسْتِفْرَاغِهِمْ لِلْجَهْدِ فِي اسْتِنْبَاطِ مَا شُوِرُوا فِيهِ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَطْيِيبٌ لِنُفُوسِهِمْ وَلاَ رَفْعٌ لأَِقْدَارِهِمْ، بَل فِيهِ إِيحَاشُهُمْ وَإِعْلاَمُهُمْ بِعَدَمِ قَبُول مَشُورَتِهِمْ (٢) . الثَّانِي: النَّدْبُ. وَيُنْسَبُ هَذَا الْقَوْل لِقَتَادَةَ، وَابْنِ إِسْحَاقَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالرَّبِيعِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُشَاوِرَ أَصْحَابَهُ فِي مَكَائِدِ الْحُرُوبِ، وَعِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، هُوَ تَطْيِيبٌ لِنُفُوسِهِمْ، وَرَفْعٌ لأَِقْدَارِهِمْ، وَتَأَلُّفُهُمْ عَلَى دِينِهِمْ - وَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ أَغْنَاهُ عَنْ رَأْيِهِمْ بِوَحْيِهِ. وَلَقَدْ كَانَتْ سَادَاتُ الْعَرَبِ إِذَا لَمْ يُشَاوَرُوا فِي الأَْمْرِ شَقَّ عَلَيْهِمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يُشَاوِرَهُمْ لِيَعْرِفُوا إِكْرَامَهُ لَهُمْ فَتَذْهَبَ أَضْغَانُهُمْ. فَالأَْمْرُ فِي الآْيَةِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ

стр. 16426

كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : الْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ (١) وَلَوْ أَجْبَرَهَا الأَْبُ عَلَى النِّكَاحِ جَازَ. لَكِنَّ الأَْوْلَى أَنْ يَسْتَأْمِرَهَا، وَيَسْتَشِيرَهَا تَطْيِيبًا لِنَفْسِهَا؛ فَكَذَا هَاهُنَا (٢) . حُكْمُ الشُّورَى فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ : ٥ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي سِيَاقِ عَدِّهِمْ لِخَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مِنَ الْخَصَائِصِ الْوَاجِبَةِ فِي حَقِّهِ الْمُشَاوَرَةَ فِي الأَْمْرِ مَعَ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ﴾ (٣) وَوَجْهُ اخْتِصَاصِهِ ﷺ بِوُجُوبِ الْمُشَاوَرَةِ - مَعَ كَوْنِهَا وَاجِبَةً عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أُولِي الأَْمْرِ - أَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مَعَ كَمَال عِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ. وَالْحِكْمَةُ فِي مَشُورَتِهِ ﷺ لأَِصْحَابِهِ: أَنْ يَسْتَنَّ بِهَا الْحُكَّامُ بَعْدَهُ، لاَ لِيَسْتَفِيدَ مِنْهُمْ عِلْمًا أَوْ حُكْمًا. فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ غَنِيًّا عَنْ مَشُورَتِهِمْ بِالْوَحْيِ، كَمَا أَنَّ فِي اسْتِشَارَتِهِمْ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، وَرَفْعًا لأَِقْدَارِهِمْ، وَتَأَلُّفًا لَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ. قَال أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لأَِصْحَابِهِ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٤) .

стр. 16427

٦ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَل مُشَاوَرَتِهِ ﷺ لاَ تَكُونُ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ؛ إِذِ التَّشَاوُرُ نَوْعٌ مِنَ الاِجْتِهَادِ وَلاَ اجْتِهَادَ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ. أَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ: فَإِنَّ مَحَل مُشَاوَرَتِهِ ﷺ إِنَّمَا هُوَ فِي أَخْذِ الرَّأْيِ فِي الْحُرُوبِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُهِمَّاتِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَمَّا مَا فِيهِ حُكْمٌ بَيْنَ النَّاسِ فَلاَ يُشَاوِرُ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا يُلْتَمَسُ الْعِلْمُ مِنْهُ، وَلاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ مِنْهُ، بِمَا أُنْزِل عَلَيْهِ لأَِنَّ اللَّهَ يَقُول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّل إِلَيْهِمْ﴾ (١) . أَمَّا فِي غَيْرِ الأَْحْكَامِ فَرُبَّمَا بَلَغَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مِمَّا شَاهَدُوهُ أَوْ سَمِعُوهُ مَا لَمْ يَبْلُغِ النَّبِيَّ ﷺ . وَقَدْ صَحَّ فِي حَوَادِثَ كَثِيرَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي مُهِمَّاتِ الأُْمُورِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ. وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَاوَرَ أَصْحَابَهُ فِي أَمْرِ الأَْذَانِ وَهُوَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَال: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاَةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَال بَعْضُهُمُ اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْل نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَال بَعْضُهُمْ: بَل

стр. 16428

بُوقًا مِثْل قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَال عُمَرُ: أَوَلاَ تَبْعَثُونَ رَجُلاً يُنَادِي بِالصَّلاَةِ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : يَا بِلاَل قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاَةِ (١) وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ مُصَالَحَةَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الْفَزَارِيَّ وَالْحَارِثَ بْنَ عَوْفٍ الْمُرِّيَّ، حِينَ حَصَرَهُ الأَْحْزَابُ فِي الْخَنْدَقِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ، وَيَرْجِعَا بِمَنْ مَعَهُمَا مِنْ غَطَفَانَ عَنْهُ، فَاسْتَشَارَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَقَالاَ لَهُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَمْرًا تُحِبُّهُ فَنَصْنَعُهُ أَمْ شَيْئًا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ لاَ بُدَّ لَنَا مِنَ الْعَمَل بِهِ أَمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا؟ قَال: بَل شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ، فَأَشَارَا عَلَيْهِ أَلاَّ يُعْطِيَهُمَا فَلَمْ يُعْطِهِمَا شَيْئًا (٢) . كَمَا اسْتَشَارَ فِي أَسَارَى بَدْرٍ، فَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ: بِالْفِدَاءِ، وَأَشَارَ عُمَرُ بِالْقَتْل، فَعَمِل النَّبِيُّ ﷺ بِرَأْيِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ (٣) وَكَانَ هَذَا قَبْل نُزُول آيَةِ الأَْنْفَال: ﴿مَا كَانَ

стр. 16429

لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَْرْضِ﴾ . (١) وَلَمَّا نَزَل النَّبِيُّ ﷺ مَنْزِلَهُ بِبَدْرٍ قَال لَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا رَسُول اللَّهِ أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِل؟ أَمَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ وَلاَ نَتَأَخَّرَ عَنْهُ؟ أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ فَقَال: بَل هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ، قَال: إِنَّ هَذَا لَيْسَ لَنَا بِمَنْزِلٍ، فَانْهَضْ بِالنَّاسِ، حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَنْزِلٍ مِنَ الْقَوْمِ فَنَنْزِلَهُ ثُمَّ نَغُورَ مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْقُلُبِ، وَنَبْنِيَ لَكَ حَوْضًا فَنَمْلأََهُ مَاءً، ثُمَّ نُقَاتِل النَّاسَ، فَنَشْرَبَ وَلاَ يَشْرَبُونَ. فَقَال ﷺ : لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ (٢) . كَمَا شَاوَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ ﵄ فِي قِصَّةِ الإِْفْكِ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ - مَا تُشِيرُونَ عَلَيَّ فِي قَوْمٍ يَسُبُّونَ أَهْلِي؟ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ إِلاَّ خَيْرًا (٣) وَكَانَ هَذَا قَبْل نُزُول بَرَاءَةِ عَائِشَةَ ﵂ فِي سُورَةِ النُّورِ (٤) .

стр. 16430

الشُّورَى فِي الْقَضَاءِ: ٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَشِيرَ فِيمَا يَعْرِضُ عَلَيْهِ مِنَ الْوَقَائِعِ الَّتِي يُشْكِل عَلَيْهِ أَمْرُهَا إِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ فِيهَا الْحُكْمُ. وَمَحَل الشُّورَى فِي الْقَضَاءِ هُوَ فِيمَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ، وَتَعَارَضَتْ فِيهِ آرَاؤُهُمْ فِي الْمَسَائِل الدَّاخِلَةِ فِي الاِجْتِهَادِ. أَمَّا الْحُكْمُ الْمَعْلُومُ بِنَصٍّ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ، فَلاَ مَدْخَل لِلْمُشَاوَرَةِ فِيهِ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْقَاضِيَ يُؤْمَرُ بِأَلاَّ يَقْضِيَ فِيمَا سَبِيلُهُ الاِجْتِهَادُ إِلاَّ بَعْدَ مَشُورَةِ مَنْ يَسُوغُ لَهُ الاِجْتِهَادُ؛ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ. وَعَلَى الْقَوْل بِالنَّدْبِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لاَ يُلْزَمُ بِمَشُورَةِ مُسْتَشَارِيهِ فَإِذَا حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ وَإِنْ خَالَفَ اجْتِهَادَهُ، إِلاَّ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يُخَالِفُ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إِجْمَاعًا، وَذَلِكَ لِوُجُوبِ نَقْضِ حُكْمِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَيُشَاوِرُ الْقَاضِي الْمُوَافِقِينَ وَالْمُخَالِفِينَ مِنَ

стр. 16431

الْفُقَهَاءِ، وَيَسْأَلُهُمْ عَنْ حُجَجِهِمْ لِيَقِفَ عَلَى أَدِلَّةِ كُل فَرِيقٍ فَيَكُونَ اجْتِهَادُهُ أَقْرَبَ إِلَى الصَّوَابِ (١) . فَإِذَا لَمْ يَقَعِ اجْتِهَادُ الْقَاضِي عَلَى شَيْءٍ، وَبَقِيَتِ الْحَادِثَةُ مُخْتَلِفَةً وَمُشْكِلَةً: كَتَبَ إِلَى: فُقَهَاءِ غَيْرِ مِصْرِهِ، فَالْمُشَاوَرَةُ بِالْكِتَابِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ فِي الْحَوَادِثِ الشَّرْعِيَّةِ (٢) مَا يَلْزَمُ الْمُسْتَشَارَ فِي مَشُورَتِهِ: ٨ - عَلَى مَنِ اسْتُشِيرَ أَنْ يَصْدُقَ فِي مَشُورَتِهِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ (٣) وَلِقَوْلِهِ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ (٤) . وَسَوَاءٌ اسْتُشِيرَ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ أَمْ فِي أَمْرِ غَيْرِهِ، فَيَذْكُرُ الْمَحَاسِنَ وَالْمَسَاوِئَ كَمَا يَذْكُرُ الْعُيُوبَ الشَّرْعِيَّةَ وَالْعُيُوبَ الْعُرْفِيَّةَ. وَلاَ يَكُونُ ذِكْرُ الْمَسَاوِئِ مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ إِنْ قَصَدَ بِذِكْرِهَا النَّصِيحَةَ. وَهَذَا الْحُكْمُ شَامِلٌ فِي كُل مَا أُرِيدَ الاِجْتِمَاعُ عَلَيْهِ، كَالنِّكَاحِ، وَالسَّفَرِ،

стр. 16432

وَالشَّرِكَةِ، وَالْمُجَاوَرَةِ، وَإِيدَاعِ الأَْمَانَةِ، وَالرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ (١) . وَلِفُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ تَفْصِيلٌ فِي حُكْمِ ذِكْرِ الْمَسَاوِئِ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانُهُ: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنِ اسْتَشَارَهُ الزَّوْجُ فِي التَّزَوُّجِ بِفُلاَنَةَ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ مَا يَعْلَمُهُ فِيهَا مِنَ الْعُيُوبِ لِيُحَذِّرَهُ مِنْهَا، وَيَجُوزُ لِمَنِ اسْتَشَارَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي التَّزَوُّجِ بِفُلاَنٍ أَنْ يَذْكُرَ لَهَا مَا يَعْلَمُهُ فِيهِ مِنَ الْعُيُوبِ لِتَحْذَرَ مِنْهُ. وَمَحَل جَوَازِ ذِكْرِ الْمَسَاوِئِ لِلْمُسْتَشَارِ إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَعْرِفُ حَال الْمَسْئُول عَنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ الْمُسْتَشَارِ، وَإِلاَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ؛ لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ لأَِخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: يَجِبُ عَلَيْهِ ذِكْرُ الْمَسَاوِئِ مُطْلَقًا، كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَعْرِفُ تِلْكَ الْمَسَاوِئَ غَيْرَهُ، أَمْ لاَ (٢) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ ذِكْرِ الْمَسَاوِئِ سَوَاءٌ اسْتُشِيرَ أَوْ لَمْ يُسْتَشَرْ فِي النِّكَاحِ وَالْمَبِيعِ وَغَيْرِهِمَا لَكِنْ بِشَرْطِ سَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ، بِأَنْ يَأْمَنَ الذَّاكِرُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ. وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ مَنِ اسْتُشِيرَ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ وَجَبَ ذِكْرُ الْعَيْبِ إِنْ كَانَ مِمَّا يَثْبُتُ

стр. 16433

بِهِ الْخِيَارُ كَالْعُنَّةِ وَإِلاَّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً كَبُخْلٍ فَيُسَنُّ ذِكْرُهُ، وَإِلاَّ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِنْهُ، وَسَتْرُ نَفْسِهِ (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: عَلَى مَنِ اسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ أَوْ مَخْطُوبَةٍ أَنْ يَذْكُرَ مَا فِيهِ مِنْ مَسَاوِئَ أَيْ عُيُوبٍ وَغَيْرِهَا، وَلاَ يَكُونُ ذِكْرُ الْمَسَاوِئِ غِيبَةً مُحَرَّمَةً مَعَ قَصْدِهِ بِذِكْرِ ذَلِكَ النَّصِيحَةَ لِحَدِيثِ: الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ وَحَدِيثِ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ وَإِنِ اسْتُشِيرَ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ بَيَّنَهُ وُجُوبًا كَقَوْلِهِ: عِنْدِي شُحٌّ وَخُلُقِي شَدِيدٌ وَنَحْوِهِمَا (٢) . الشُّورَى فِي عَقْدِ الإِْمَامَةِ الْكُبْرَى: ٩ - يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَجْعَل الْخِلاَفَةَ مِنْ بَعْدِهِ شُورَى بَيْنَ عَدَدٍ مَحْصُورٍ يُعَيِّنُهُمْ فَيَرْتَضُونَ بَعْدَ مَوْتِهِ - أَوْ فِي حَيَاتِهِ بِإِذْنِهِ - أَحَدَهُمْ كَمَا جَعَل عُمَرُ ﵁ الأَْمْرَ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ: عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَعُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَطَلْحَةُ ﵃ وَارْتَضَوْا بِالتَّشَاوُرِ بَيْنَهُمْ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْخِلاَفَةُ لِعُثْمَانِ مِنْ بَيْنِهِمْ. وَعَقْدُ الإِْمَامَةِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ دَاخِلٌ فِي الاِسْتِخْلاَفِ إِلاَّ أَنَّهُ يَكُونُ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، وَهُنَا

стр. 16434

يَكُونُ فِي عَدَدٍ مَحْصُورٍ يُعَيَّنُ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَيْنِهِمْ بِالتَّشَاوُرِ. وَالشُّورَى لَيْسَتْ شَرْطًا فِي عَقْدِ الإِْمَامَةِ. وَيَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لِمَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى صَلاَحِيَّتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ وَالِدًا وَلاَ وَلَدًا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اشْتِرَاطِ رِضَا أَهْل الاِخْتِيَارِ بِهِ: فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ رِضَا أَهْل الاِخْتِيَارِ شَرْطٌ فِي لُزُومِ بَيْعَتِهِ لأَِنَّهَا حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالأُْمَّةِ فَلَمْ تَلْزَمْهُمْ بَيْعَتُهُ إِلاَّ بِرِضَا أَهْل الاِخْتِيَارِ مِنْهُمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ رِضَا أَهْل الاِخْتِيَارِ، لأَِنَّ بَيْعَةَ عُمَرَ ﵁ لَمْ تَتَوَقَّفْ عَلَى رِضَا الصَّحَابَةِ؛ وَلأَِنَّ الإِْمَامَ أَحَقُّ بِهَا؛ فَكَانَ اخْتِيَارُهُ فِيهَا أَمْضَى. أَمَّا إِذَا كَانَ وَلَدًا أَوْ وَالِدًا فَلِلْعُلَمَاءِ فِي انْفِرَادِ الإِْمَامِ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لَهُ دُونَ اسْتِشَارَةٍ ثَلاَثَةُ مَذَاهِبَ: الْمَذْهَبُ الأَْوَّل: لاَ يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لأَِحَدِهِمَا حَتَّى يُشَاوِرَ فِيهِ أَهْل الاِخْتِيَارِ، فَإِذَا رَأَوْهُ أَهْلاً صَحَّ مِنْهُ حِينَئِذٍ عَقْدُ الْبَيْعَةِ لَهُ؛ لأَِنَّ عَقْدَ الْبَيْعَةِ تَزْكِيَةٌ تَجْرِي مَجْرَى الشَّهَادَةِ، وَتَقْلِيدُهُ عَلَى الأُْمَّةِ يَجْرِي مَجْرَى الْحُكْمِ؛ وَهُوَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِوَالِدٍ وَلاَ لِوَلَدٍ، وَلاَ يَحْكُمَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا

стр. 16435

لِلتُّهْمَةِ الْعَائِدَةِ إِلَيْهِ بِمَا جُبِل مِنَ الْمَيْل إِلَيْهِ. الْمَذْهَبُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّ أَمْرَهُ نَافِذٌ لِلأُْمَّةِ فَيَغْلِبُ حُكْمُ الْمَنْصِبِ عَلَى حُكْمِ النَّسَبِ، وَلاَ تَجِدُ التُّهْمَةُ طَرِيقًا لِلطَّعْنِ فِي أَمَانَتِهِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ عَهِدَ بِالإِْمَامَةِ إِلَى غَيْرِ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ. الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لِوَالِدِهِ وَلاَ يَجُوزُ لِوَلَدِهِ لأَِنَّ الْمَيْل إِلَى الْوَلَدِ أَكْثَرُ وَأَقْوَى مِنَ الْمِيل إِلَى الْوَالِدِ (١) .

стр. 16436

شَوْرَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الشَّوْرَةُ فِي اللُّغَةِ: الْحُسْنُ وَالْجَمَال، وَالْهَيْئَةُ، وَاللِّبَاسُ. وَقِيل: الشُّورَةُ بِالضَّمِّ: الْهَيْئَةُ وَالْجَمَال، وَالشَّوْرَةُ بِالْفَتْحِ: اللِّبَاسُ، فَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُ أَقْبَل رَجُلٌ وَعَلَيْهِ شَوْرَةٌ حَسَنَةٌ (١) . قَال ابْنُ الأَْثِيرِ: الشُّورَةُ بِالضَّمِّ: الْجَمَال وَالْحُسْنُ، كَأَنَّهُ مِنَ الشَّوْرِ وَهُوَ عَرْضُ الشَّيْءِ وَإِظْهَارُهُ. وَيُقَال لَهَا أَيْضًا: الشَّارَةُ وَهِيَ الْهَيْئَةُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ أَنَّهُ جَاءَ بِشُوَارٍ كَثِيرٍ (٢) قَال ابْنُ الأَْثِيرِ: الشُّوَارُ مَتَاعُ الْبَيْتِ (٣) وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الشُّورَةُ مَتَاعُ

стр. 16437

الْبَيْتِ؛ مِنْ فِرَاشٍ وَغِطَاءٍ، وَلِبَاسٍ (١) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْجِهَازُ: ٢ - الْجِهَازُ هُوَ: مَا تُزَفُّ بِهِ الْمَرْأَةُ إِلَى بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ مِنْ مَتَاعٍ، أَوْ يُمَلِّكُهَا إِيَّاهُ زَوْجُهَا (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٣ - يَجِبُ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا كُل مَا تَقُومُ بِهِ حَيَاةُ الإِْنْسَانِ: مِنْ نَفَقَةٍ، وَكِسْوَةٍ، وَسَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الإِْنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ مِنَ الْمَتَاعِ: كَالْفِرَاشِ، وَالْغِطَاءِ، وَسَائِرِ الأَْدَوَاتِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَيْهَا: كَآلَةِ الطَّحْنِ، وَالطَّبْخِ كَالْقِدْرِ، وَآنِيَةِ الشُّرْبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يَسْتَغْنِي عَنْهُ الإِْنْسَانُ، وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ الْمَالِكِيَّةُ بِالشَّوْرَةِ. وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٣) . قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) .

стр. 16438

وَالآْيَةُ فِي الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِمَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَتَاعِ. وَالتَّفْصِيل فِي (نَفَقَةٌ) . انْتِفَاعُ الزَّوْجِ بِشَوْرَةِ زَوْجَتِهِ: ٤ - قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: لَيْسَ لِلزَّوْجِ الاِنْتِفَاعُ بِمَا تَمْلِكُهُ الزَّوْجَةُ مِنْ مَتَاعٍ كَالْفِرَاشِ، وَالأَْوَانِي، وَغَيْرِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا، سَوَاءٌ مَلَّكَهَا إِيَّاهُ هُوَ، أَمْ مَلَكَتْهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَسَوَاءٌ قَبَضَتِ الصَّدَاقَ، أَمْ لَمْ تَقْبِضْهُ (١) . وَلَهَا حَقُّ التَّصَرُّفِ فِيمَا تَمْلِكُهُ بِمَا أَحَبَّتْ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَالْهِبَةِ، وَالْمُعَاوَضَةِ، مَا لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِضَرَرٍ (٢) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ قَبَضَتِ الزَّوْجَةُ صَدَاقَهَا فَلِلزَّوْجِ التَّمَتُّعُ بِشَوْرَتِهَا فَيَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ، وَلَهُ النَّوْمُ عَلَى فِرَاشِهَا، وَالاِنْتِفَاعُ بِسَائِرِ الأَْدَوَاتِ الَّتِي تَمْلِكُهَا، وَلَوْ بِغَيْرِ رِضَاهَا. سَوَاءٌ تَمَتَّعَ بِالشَّوْرَةِ مَعَهَا أَوْ وَحْدَهُ وَتَمَتُّعُهُ بِشَوْرَتِهَا حَقٌّ لَهُ، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنَ التَّصَرُّفِ بِهَا بِمَا يُزِيل الْمِلْكَ، كَالْمُعَاوَضَةِ، وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُفَوِّتَ عَلَيْهِ حَقَّ التَّمَتُّعِ بِهَا.

стр. 16439

أَمَّا إِذَا لَمْ تَقْبِضْ صَدَاقَهَا وَإِنَّمَا تَجَهَّزَتْ مِنْ مَالِهَا فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا إِلاَّ الْحَجْرُ عَنِ التَّصَرُّفِ بِمَا يُزِيل الْمِلْكَ، فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ بَيْعِهَا، وَهِبَتِهَا، وَالتَّصَدُّقِ بِهَا، وَالتَّبَرُّعِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ (١) وَالتَّفْصِيل فِي: (نَفَقَةٌ) . شَوْطٌ انْظُرْ: طَوَافٌ، سَعْيٌ

стр. 16440

شَوَّالٌ التَّعْرِيفُ: ١ - شَوَّالٌ، وَيُقَال: الشَّوَّال: هُوَ أَحَدُ شُهُورِ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، الَّذِي يَلِي رَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرُ عِيدِ الْفِطْرِ (١) ، وَأَوَّل أَشْهُرِ الْحَجِّ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٢) . الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِشَوَّالٍ: صِيَامُ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ: ٢ - ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ صِيَامَ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ سُنَّةٌ (٣) لِحَدِيثِ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ (٤) . وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ لِئَلاَّ يُلْحِقَ الْعَامَّةُ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ (٥) .

стр. 16441

وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (صَوْمُ التَّطَوُّعِ) . مَا تَثْبُتُ بِهِ رُؤْيَةُ هِلاَل شَوَّالٍ: ٣ - يَثْبُتُ هِلاَل شَوَّالٍ بِإِكْمَال عِدَّةِ رَمَضَانَ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَا يَثْبُتُ بِهِ هِلاَل شَوَّالٍ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَذَهَبَ الأَْكْثَرُونَ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ بِأَقَل مِنْ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَقَال آخَرُونَ: يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَقَال الْبَعْضُ: يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ. وَإِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً فَقَدْ رَأَى الْبَعْضُ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الرُّؤْيَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (رَوِيَّةُ الْهِلاَل) (١) . الْمُنْفَرِدُ بِرُؤْيَةِ هِلاَل شَوَّالٍ: ٤ - إِذَا انْفَرَدَ وَاحِدٌ بِرُؤْيَةِ هِلاَل شَوَّالٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ إِلاَّ أَنْ يَحْصُل لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الإِْفْطَارَ كَالسَّفَرِ، أَوِ الْمَرَضِ، أَوِ الْحَيْضِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَْضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ (٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَال النَّبِيُّ ﷺ : الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ

стр. 16442

النَّاسُ، وَالأَْضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ (١) وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: فَإِنْ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْيَوْمِ بِلاَ كَفَّارَةٍ، وَإِنْ كَانَ الرَّائِي الإِْمَامَ أَوِ الْقَاضِيَ، لاَ يَخْرُجُ إِلَى الْمُصَلَّى، وَلاَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْخُرُوجِ، وَلاَ يُفْطِرُ الرَّائِي سِرًّا وَلاَ جَهْرًا. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ بِمَفَازَةٍ لَيْسَ بِقُرْبِهِ بَلَدٌ وَلَيْسَ فِي جَمَاعَةٍ: يَبْنِي عَلَى يَقِينِ رُؤْيَتِهِ فَيُفْطِرُ، لأَِنَّهُ لاَ يَتَيَقَّنُ مُخَالَفَةَ الْجَمَاعَةِ (٢) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا رَأَى شَخْصٌ هِلاَل شَوَّالٍ وَحْدَهُ لَزِمَهُ الْفِطْرُ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ سِرًّا (٣) لِقَوْلِهِ ﷺ : وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ (٤) . شَيْبٌ انْظُرْ: شَعْرٌ، اخْتِضَابٌ شَيْطَانٌ انْظُرْ: جِنٌّ

стр. 16443

شُيُوعٌ التَّعْرِيفُ ١ - الشُّيُوعُ مَصْدَرُ شَاعَ - يُقَال: شَاعَ يَشِيعُ شَيْعًا، وَشَيَعَانًا وَشُيُوعًا: إِذَا ظَهَرَ وَانْتَشَرَ. يُقَال: شَاعَ الْخَبَرُ شُيُوعًا فَهُوَ شَائِعٌ إِذَا: ذَاعَ، وَانْتَشَرَ، وَأَشَاعَهُ إِشَاعَةً أَطَارَهُ وَأَذَاعَهُ وَأَظْهَرَهُ. وَفِي هَذَا قَوْلُهُمْ: نَصِيبُ فُلاَنٍ شَائِعٌ فِي جَمِيعِ الدَّارِ، أَيْ: مُتَّصِلٌ بِكُل جُزْءٍ مِنْهَا وَمُشَاعٌ فِيهَا لَيْسَ بِمَقْسُومٍ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: (١) الْخَلْطُ: ٢ - الْخَلْطُ: تَدَاخُل الأَْشْيَاءِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ، وَقَدْ يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَعْدَ ذَلِكَ كَالْحَيَوَانِ، وَقَدْ لاَ يُمْكِنُ كَالْمَائِعَاتِ فَيَكُونُ مَزْجًا (٢) . (٢) الشَّرِكَةُ: ٣ - وَهِيَ لُغَةً: الاِخْتِلاَطُ عَلَى الشُّيُوعِ،

стр. 16444

وَشَرْعًا: ثُبُوتُ الْحَقِّ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ لِشَخْصَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى وَجْهِ الشُّيُوعِ. وَعَبَّرَ عَنْهَا صَاحِبُ الْمُغْنِي بِأَنَّهَا اجْتِمَاعٌ فِي اسْتِحْقَاقٍ أَوْ تَصَرُّفٍ (١) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٤ - أ - يَحْرُمُ إِشَاعَةُ أَسْرَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَأُمُورِهِمُ الدَّاخِلِيَّةِ مِمَّا يَمَسُّ أَمْنَهُمْ وَاسْتِقْرَارَهُمْ، حَتَّى لاَ يَعْلَمَ الأَْعْدَاءُ مَوَاضِعَ الضَّعْفِ فِيهِمْ، فَيَسْتَغِلُّوهَا أَوْ قُوَّتِهِمْ فَيَتَحَصَّنُوا مِنْهُمْ. ب - كَمَا يَحْرُمُ إِشَاعَةُ مَا يَمَسُّ أَعْرَاضَ النَّاسِ وَأَسْرَارَهُمْ الْخَاصَّةَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ﴾ (٢) . انْظُرْ: (إِشَاعَةٌ، وَإِفْشَاءُ السِّرِّ) . حُكْمُ ثُبُوتِ الْجَرِيمَةِ بِالشُّيُوعِ فِي النَّاسِ: ٥ - إِنْ شَاعَ فِي النَّاسِ: أَنَّ فُلاَنًا سَرَقَ مَتَاعَ فُلاَنٍ، أَوْ زَنَى بِفُلاَنَةٍ، لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الشُّيُوعِ، بَل لاَ بُدَّ مِنَ الإِْثْبَاتِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (حُدُودٌ، وَإِثْبَاتٌ) .

стр. 16445

الشُّيُوعُ فِي اللَّوْثِ: ٦ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الشُّيُوعَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، بِأَنَّ فُلاَنًا الَّذِي جُهِل قَاتِلُهُ، قَتَلَهُ فُلاَنٌ هُوَ لَوْثٌ، فَيَجُوزُ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَحْلِفُوا أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ عَلَى مَنْ قَتَل مُوَرِّثَهُمُ اسْتِنَادًا إِلَى شُيُوعِ ذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ (١) . بَيْعُ الْمُشَاعِ: ٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ بَيْعِ جُزْءٍ مُشَاعٍ فِي دَارٍ كَالثُّلُثِ وَنَحْوِهِ، وَبَيْعِ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ مُتَسَاوِيَةِ الأَْجْزَاءِ، وَبَيْعِ عَشَرَةِ أَسْهُمٍ مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ) (٢) . قِسْمَةُ الْمُشَاعِ: ٨ - يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ قِسْمَةُ الْمِلْكِ الْمُشَاعِ بِطَلَبِ الشُّرَكَاءِ، أَوْ بِطَلَبِ بَعْضِهِمْ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ مُنْتَفِعٌ قَبْل الْقِسْمَةِ بِنَصِيبِ غَيْرِهِ، فَإِذَا طَلَبَ مِنَ الْحَاكِمِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ، وَيَمْنَعَ الْغَيْرَ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهِ، يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ إِجَابَةُ طَلَبِهِ، إِلاَّ إِذَا بَطَلَتِ الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ فِي الْمَقْسُومِ بِالْقِسْمَةِ. فَإِنْ كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ تَفُوتُ

стр. 16446

بِالْقِسْمَةِ، فَلاَ يُجَابُ طَلَبُهُمُ الْقِسْمَةَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلاَ يُمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ تَبْطُل كُلِّيَّةً؛ لأَِنَّهُ سَفَهٌ، وَإِتْلاَفُ مَالٍ بِلاَ ضَرُورَةٍ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنِ اقْتَسَمُوا بِالتَّرَاضِي لاَ يَمْنَعُ الْقَاضِي مِنْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَمْنَعُ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى إِتْلاَفِ مَالِهِ بِالْحُكْمِ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (قِسْمَةٌ) . زَكَاةُ الْمُشَاعِ: ٩ - إِذَا مَلَكَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ نِصَابَ مَالٍ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِلْكًا مُشَاعًا كَأَنْ وَرِثَاهُ، أَوِ اشْتَرَيَاهُ، زَكَّيَاهُ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَالتَّفْصِيل فِي: (خُلْطَةٌ، زَكَاةٌ) . رَهْنُ الْمُشَاعِ: ١٠ - يَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ، مِنْ عَقَارٍ وَحَيَوَانٍ، كَمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَهِبَتُهُ، وَوَقْفُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَاقِي لِلرَّاهِنِ أَوْ لِغَيْرِهِ، إِذْ لاَ ضَرَرَ عَلَى الشَّرِيكِ؛ لأَِنَّهُ يَتَعَامَل مَعَ الْمُرْتَهِنِ كَمَا كَانَ يَتَعَامَل مَعَ الرَّاهِنِ، وَقَبْضُهُ بِقَبْضِ الْجَمِيعِ، فَيَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ فِي غَيْرِ الْمَنْقُول، وَبِالنَّقْل فِي الْمَنْقُول، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) .

стр. 16447

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ، لِعَدَمِ كَوْنِهِ مُمَيَّزًا، وَمُوجِبُ الرَّهْنِ: الْحَبْسُ الدَّائِمُ مَا بَقِيَ الدَّيْنُ، وَبِالْمُشَاعِ يَفُوتُ الدَّوَامُ؛ لأَِنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الْمُهَايَأَةِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَال: رَهَنْتُكَ يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ. وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الشُّيُوعُ مُقَارِنًا أَوْ طَارِئًا، رَهَنَ مِنْ شَرِيكِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ الشَّرِيكَ يُمْسِكُهُ يَوْمًا رَهْنًا، وَيَوْمًا يَسْتَخْدِمُهُ (١) . انْظُرْ: (رَهْنٌ) . هِبَةُ الْمُشَاعِ: ١١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِلَى جَوَازِ هِبَةِ الْمُشَاعِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا أَمْكَنَ قِسْمَتُهُ، وَمَا لَمْ يُمْكِنْ قِسْمَتُهُ، وَسَوَاءٌ وَهَبَهُ لِشَرِيكِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ (٢) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ هِبَةُ مُشَاعٍ شُيُوعًا مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ فِيمَا يَنْقَسِمُ وَلأَِنَّهُ مَا مِنْ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمُشَاعِ إِلاَّ وَلِلشَّرِيكِ فِيهِ مِلْكٌ، فَلاَ تَصِحُّ هِبَتُهُ؛ لأَِنَّ الْقَبْضَ الْكَامِل غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَقِيل يَجُوزُ هِبَتُهُ لِشَرِيكِهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُشَاعُ غَيْرَ قَابِلٍ لِلْقِسْمَةِ، بِحَيْثُ لاَ يَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهِ إِذَا قُسِمَ تَجُوزُ هِبَتُهُ (٣) . وَانْظُرْ: (هِبَةٌ) .

стр. 16448

إِجَارَةُ الْمُشَاعِ: ١٢ - يَجُوزُ إِجَارَةُ الْمُشَاعِ لِلشَّرِيكِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، أَمَّا إِجَارَتُهُ لِغَيْرِ الشَّرِيكِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّتِهِ. فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِلَى صِحَّةِ إِجَارَةِ الْمُشَاعِ، وَهُوَ قَوْل الصَّاحِبَيْنِ: (أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ) ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، لأَِنَّ الإِْجَارَةَ أَحَدُ نَوْعَيِ الْبَيْعِ، فَتَجُوزُ فِي الْمُشَاعِ، كَمَا تَجُوزُ فِي بَيْعِ الأَْعْيَانِ، وَالْمُشَاعُ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ بِالْمُهَايَأَةِ؛ وَلأَِنَّهُ عَقْدٌ فِي مِلْكِهِ، يَجُوزُ مَعَ شَرِيكِهِ فَجَازَ مَعَ غَيْرِهِ كَالْبَيْعِ؛ وَلأَِنَّهُ يَجُوزُ إِذَا فَعَلَهُ الشَّرِيكَانِ مَعًا فَجَازَ لأَِحَدِهِمَا فِعْلُهُ فِي نَصِيبِهِ مُنْفَرِدًا كَالْبَيْعِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ، وَهُوَ الْقَوْل الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ تَجُوزُ إِجَارَةُ الْمُشَاعِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلَمْ تَصِحَّ إِجَارَتُهُ كَالْمَغْصُوبِ. وَلأَِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إِلاَّ بِتَسْلِيمِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَلاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ (١) . وَانْظُرْ: (إِجَارَةٌ) . وَقْفُ الْمُشَاعِ: ١٣ - يَجُوزُ وَقْفُ الْمُشَاعِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ،

стр. 16449

وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُ بِهِ؟ قَال: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا. قَال: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ، وَلاَ يُوهَبُ، وَلاَ يُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيل اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيل، وَالضَّيْفِ (١) . وَلأَِنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ عَلَى بَعْضِ الْجُمْلَةِ مُفْرِزًا فَجَازَ عَلَيْهِ مُشَاعًا كَالْبَيْعِ، وَكَالْعَرْصَةِ يَجُوزُ بَيْعُهَا فَجَازَ وَقْفُهَا كَالْمُفْرَزَةِ؛ وَلأَِنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الأَْصْل، وَتَسْبِيل الْمَنْفَعَةِ، وَهَذَا يَحْصُل فِي الْمُشَاعِ كَحُصُولِهِ فِي الْمُفْرَزِ (٢) . وَقَال مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَصِحُّ وَقْفُ الْمُشَاعِ فِيمَا يَقْبَل الْقِسْمَةَ، أَمَّا مَا لاَ يَقْبَل الْقِسْمَةَ فَيَصِحُّ وَقْفُهُ اتِّفَاقًا (٣) . انْظُرْ: (وَقْفٌ) .

стр. 16450

الْمِلْكُ الْمُشَاعُ فِي عَقَارٍ: ١٤ - إِذَا مَلَكَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ عَقَارًا مِلْكًا مُشَاعًا، وَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لأَِجْنَبِيٍّ، ثَبَتَ لِلآْخَرِ حَقُّ الشُّفْعَةِ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. انْظُرْ: (شُفْعَةٌ) . صَائِلٌ انْظُرْ: (صِيَالٌ) .

стр. 16451

صَابِئَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الصَّابِئَةُ لُغَةً: جَمْعُ الصَّابِئِ. وَالصَّابِئُ: مَنْ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ. يُقَال: صَبَأَ فُلاَنٌ يَصْبَأُ: إِذَا خَرَجَ مِنْ دِينِهِ، وَتَقُول الْعَرَبُ: صَبَأَتِ النُّجُومُ إِذَا طَلَعَتْ (١) . وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الصَّابِئَةِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مَعَ أَهْل الْمِلَل فِي ثَلاَثَةِ مَوَاضِعَ، مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَعَمِل صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢) . ٢ - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْرِيفِ الصَّابِئَةِ عَلَى أَقْوَالٍ هِيَ: أ - أَنَّهُمْ قَوْمٌ كَانُوا عَلَى دِينِ نُوحٍ ﵇

стр. 16452

- نَقَلَهُ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِهِ (١) . وَنَقَل ابْنُ مَنْظُورٍ عَنِ اللَّيْثِ: هُمْ قَوْمٌ يُشْبِهُ دِينُهُمْ دِينَ النَّصَارَى، إِلاَّ أَنَّ قِبْلَتَهُمْ نَحْوَ مَهَبِّ الْجَنُوبِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى دِينِ نُوحٍ وَهُمْ كَاذِبُونَ. وَنَقَل قَرِيبًا مِنْهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْخَلِيل (٢) . ب - أَنَّهُمْ صِنْفٌ مِنَ النَّصَارَى أَلْيَنُ مِنْهُمْ قَوْلاً. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ (٣) . ج - وَقَال السُّدِّيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: هُمْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ لأَِنَّهُمْ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ. د - قَال مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ أَبِي نُجَيْحٍ: هُمْ قَوْمٌ تَرَكَّبَ دِينُهُمْ بَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ (٤) . هـ - وَقِيل: هُمْ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. و وَقَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمْ قَوْمٌ بَيْنَ النَّصَارَى وَالْمَجُوسِ (٥) . ز - وَقَال الْحَسَنُ أَيْضًا وَقَتَادَةَ: هُمْ قَوْمٌ

стр. 16453

يَعْبُدُونَ الْمَلاَئِكَةَ، وَيُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَيَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، وَيُصَلُّونَ الْخَمْسَ. رَآهُمْ زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فَأَرَادَ وَضْعَ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ حِينَ عَرَفَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلاَئِكَةَ، وَنَقَل الْقُرْطُبِيُّ: أَنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ يَعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ (١) . ح - وَقِيل: إِنَّهُمْ قَوْمٌ كَانُوا يَقُولُونَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَيْسَ لَهُمْ عَمَلٌ وَلاَ كِتَابٌ وَلاَ نَبِيٌّ (٢) . ط - وَقَال الصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ؛ لأَِنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ، وَعَابِدُ الْكَوْكَبِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ (٣) . ى - وَقَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ: إِنَّهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ؛ لأَِنَّهُمْ يَسْبِتُونَ (٤) . مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي حَقِيقَةِ الصَّابِئَةِ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِيقَةِ دِينِ الصَّابِئَةِ أَهُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ أَمْ لاَ، عَلَى أَقْوَالٍ: ٣ - الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ، وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَقَدْ جَعَلَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ، لأَِنَّهُمْ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، وَلاَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ، وَلَكِنْ

стр. 16454

يُعَظِّمُونَهَا كَتَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ لِلْكَعْبَةِ فِي الاِسْتِقْبَال إِلَيْهَا. وَأَمَّا أَحْمَدُ فَقَال فِي رِوَايَةٍ: هُمْ مِنَ النَّصَارَى؛ لأَِنَّهُمْ يَدِينُونَ بِالإِْنْجِيل وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِمَا نُقِل عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَقَال فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: هُمْ مِنَ الْيَهُودِ لأَِنَّهُمْ يَسْبِتُونَ، وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَال: إِنَّهُمْ يَسْبِتُونَ (١) . الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ. قَال الْقُرْطُبِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: الَّذِي تَحَصَّل مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: أَنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ، يَعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ، وَأَنَّهَا فَعَّالَةٌ، قَال: وَلِهَذَا أَفْتَى أَبُو سَعِيدٍ الإِْصْطَخْرِيُّ، الْقَاهِرَ بِاللَّهِ بِكُفْرِهِمْ، حِينَ سَأَلَهُ عَنْهُمْ (٢) ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِيهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ، وَعَابِدُ الْكَوَاكِبِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ (٣) . ٤ - الْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ لِلشَّافِعِيَّةِ، فَقَدْ تَرَدَّدُوا فِيهِمْ. قَال النَّوَوِيُّ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ إِنْ خَالَفُوا النَّصَارَى فِي أَصْل دِينِهِمْ فَلَيْسُوا

стр. 16455

مِنْهُمْ، وَإِلاَّ فَهُمْ مِنْهُمْ. قَال: وَهَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ (أَيْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ) ، وَقِيل: فِيهِمْ قَوْلاَنِ: قَال: وَهَذَا إِذَا لَمْ يُكَفِّرْهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَإِنْ كَفَّرُوهُمْ لَمْ يُقَرُّوا قَطْعًا. أَيْ: لأَِنَّهُمْ لاَ يَكُونُونَ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ. وَالْمُرَادُ بِأَصْل دِينِهِمْ عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلْمَحَلِّيِّ: عِيسَى وَالإِْنْجِيل، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فُرُوعٌ، أَيْ: إِنْ كَانُوا يَتَّبِعُونَ عِيسَى ﵇ وَيُؤْمِنُونَ بِالإِْنْجِيل فَهُمْ مِنَ النَّصَارَى وَلَوْ خَالَفُوا النَّصَارَى فِي الْفُرُوعِ، مَا لَمْ تُكَفِّرْهُمُ النَّصَارَى بِالْمُخَالَفَةِ فِي الْفُرُوعِ فَإِنْ كَفَّرُوهُمْ فَلَيْسُوا مِنْهُمْ. وَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: لَوْ خَالَفُوا النَّصَارَى فِي أَصْل دِينِهِمْ وَلَوِ احْتِمَالاً كَأَنْ نَفَوْا الصَّانِعَ أَوْ عَبَدُوا كَوْكَبًا حَرُمَ نِسَاؤُهُمْ عَلَيْنَا (١) . ٥ - الْقَوْل الرَّابِعُ: أَنَّ الصَّابِئَةَ فِرْقَتَانِ مُتَمَيِّزَتَانِ لاَ تَدْخُل إِحْدَاهُمَا فِي الأُْخْرَى وَإِنْ تَوَافَقَتَا فِي الاِسْمِ. أ - الْفِرْقَةُ الأُْولَى: هُمُ الصَّابِئَةُ الْحَرَّانِيُّونَ (وَسَمَّاهُمُ ابْنُ النَّدِيمِ وَالشَّهْرَسْتَانِيُّ: الْحَرْنَانِيِّينَ) وَهُمْ: قَوْمٌ أَقْدَمُ مِنَ النَّصَارَى كَانُوا فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ يَعْبُدُونَ
следующие страницы →