Полный текст (31 949 стр.). Показаны 16591–16630 · переход к 16596.
стр. 16591
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِعَدَمِ جَوَازِ صَرْفِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مِنْ جَانِبٍ بِمِثْلِهِمَا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ. فَقَالُوا: لاَ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ دِينَارٌ وَدِرْهَمٌ بِدِينَارٍ وَدِرْهَمٍ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ بِاحْتِمَال رَغْبَةِ أَحَدِهِمَا فِي دِينَارِ الآْخَرِ، فَيُقَابِلُهُ بِدِينَارِهِ وَبَعْضِ دِرْهَمِهِ، وَيَصِيرُ بَاقِي دِرْهَمِهِ فِي مُقَابَلَةِ دِرْهَمِ الآْخَرِ. قَالُوا: إِنَّ قَاعِدَةَ الْمَذْهَبِ سَدُّ الذَّرَائِعِ فَالْفَضْل الْمُتَوَهَّمُ كَالْمُحَقَّقِ، وَتَوَهُّمُ الرِّبَا كَتَحَقُّقِهِ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ أَوْ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُ نَوْعِهِ (١) .
٣٤ - وَقَال الْحَنَفِيَّةُ عَدَا زُفَرَ، صَحَّ بَيْعُ دِرْهَمَيْنِ وَدِينَارٍ بِدِرْهَمٍ وَدِينَارَيْنِ، وَيُجْعَل كُل جِنْسٍ مُقَابَلاً بِخِلاَفِ جِنْسِهِ، فَيَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْعُ دِرْهَمَيْنِ بِدِينَارَيْنِ، وَبَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِينَارٍ، وَهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي فِيهِمَا، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ.
وَقَالُوا فِي تَوْجِيهِ صِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ إِنَّ فِي صَرْفِ الْجِنْسِ إِلَى خِلاَفِهِ تَصْحِيحَ الْعَقْدِ، وَإِلَى جِنْسِهِ فَسَادَهُ، وَلاَ مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالصَّحِيحِ، فَحَمْل الْعَقْدِ عَلَى الصِّحَّةِ أَوْلَى، وَلأَِنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي مُطْلَقَ الْمُقَابَلَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمُقَيَّدٍ، لاَ مُقَابَلَةُ الْكُل بِالْكُل بِطَرِيقِ الشُّيُوعِ، وَلاَ مُقَابَلَةُ الْفَرْدِ مِنْ стр. 16592
جِنْسِهِ وَلاَ مِنْ خِلاَفِ جِنْسِهِ فَيُحْمَل عَلَى الْمُقَيَّدِ الْمُصَحِّحِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَل بِالإِْطْلاَقِ (١) .
قَال فِي الْهِدَايَةِ: إِنَّ الْمُقَابَلَةَ الْمُطْلَقَةَ تَحْمِل الْفَرْدَ بِالْفَرْدِ، كَمَا فِي مُقَابَلَةِ الْجِنْسِ بِالْجِنْسِ وَإِنَّهُ طَرِيقٌ مُتَعَيَّنٌ لِتَصْحِيحِهِ، فَيُحْمَل عَلَيْهِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ (٢) .
وَقَال الْمَوْصِلِيُّ فِي تَوْجِيهِهِ: إِنَّهُمَا قَصَدَا الصِّلَةَ ظَاهِرًا، فَيُحْمَل عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِقَصْدِهِمَا وَدَفْعًا لِحَاجَتِهِمَا (٣) .
٣٥ - وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا إِذَا بَاعَ أَحَدَ عَشَرَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَدِينَارٍ فَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَتَكُونُ الْعَشَرَةُ بِمِثْلِهَا، وَالدِّينَارُ بِالدِّرْهَمِ؛ لأَِنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ فِي الدَّرَاهِمِ التَّمَاثُل وَهُوَ مَوْجُودٌ ظَاهِرًا، إِذِ الظَّاهِرُ مِنْ حَال الْبَائِعِ إِرَادَةُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُقَابَلَةِ حَمْلاً عَلَى الصَّلاَحِ، وَهُوَ الإِْقْدَامُ عَلَى الْعَقْدِ الْجَائِزِ دُونَ الْفَاسِدِ، فَبَقِيَ الدِّرْهَمُ بِالدِّينَارِ، وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا؛ لأَِنَّهُمَا جِنْسَانِ، وَلاَ يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا (٤) . стр. 16593
النَّوْعُ الْخَامِسُ - الصَّرْفُ عَلَى الذِّمَّةِ أَوْ فِي الذِّمَّةِ:
لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الصَّرْفِ عِدَّةُ صُوَرٍ:
٣٦ - الأُْولَى: أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ فِي مَجْلِسٍ، ثُمَّ اسْتَقْرَضْتَ أَنْتَ دِينَارًا مِنْ رَجُلٍ آخَرَ إِلَى جَانِبِكَ، وَاسْتَقْرَضَ هُوَ الدَّرَاهِمَ مِنْ رَجُلٍ إِلَى جَانِبِهِ، فَدَفَعْتَ إِلَيْهِ الدِّينَارَ وَقَبَضْتَ الدَّرَاهِمَ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّهُ: صَحَّ الصَّرْفُ إِذَا تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ لأَِنَّ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ يَجْرِي مَجْرَى الْقَبْضِ عِنْدَ الْعَقْدِ (١) .
وَكَذَلِكَ يَصِحُّ الصَّرْفُ عِنْدَهُمْ إِذَا كَانَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا حَاضِرًا وَاسْتَقْرَضَ الآْخَرُ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ تَسَلَّفَا فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّ تَسَلُّفَهُمَا مَظِنَّةُ الطُّول الْمُخِل بِالتَّقَابُضِ، وَإِنْ تَسَلَّفَ أَحَدُهُمَا وَطَال فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَطُل جَازَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَمْ يُجِزْهُ أَشْهَبُ. قَال الْحَطَّابُ: وَلُقِّبَتِ الْمَسْأَلَةُ بِالصَّرْفِ عَلَى الذِّمَّةِ (٣) . стр. 16594
٣٧ - الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ ذَهَبٌ وَلِلآْخَرِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ مَثَلاً، فَاصْطَرَفَا بِمَا فِي ذِمَّتَيْهِمَا. وَلُقِّبَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالصَّرْفِ فِي الذِّمَّةِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الصَّرْفِ، وَعَلَّلُوا عَدَمَ الْجَوَازِ بِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ بِالإِْجْمَاعِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ وَفُسِّرَ بِبَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ (١) .
٣٨ - وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: صَحَّ بَيْعُ مَنْ عَلَيْهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ دَيْنٌ بِدِينَارٍ مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهِ، أَيْ مِنْ دَائِنِهِ، فَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ دَيْنٌ، فَبَاعَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَشَرَةُ دِينَارًا بِالْعَشَرَةِ الَّتِي عَلَيْهِ، وَدَفَعَ الدِّينَارَ إِلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ. وَتَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بَيْنَ الْعَشْرَتَيْنِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَلاَ تَحْتَاجُ إِلَى مُوَافَقَةٍ أُخْرَى.
وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّهُ جَعَل ثَمَنَهُ دَرَاهِمَ لاَ يَجِبُ قَبْضُهَا، وَلاَ تَعَيُّنُهَا بِالْقَبْضِ؛ لأَِنَّ التَّعْيِينَ لِلاِحْتِرَازِ عَنِ الرِّبَا، أَيْ: رِبَا النَّسِيئَةِ، وَلاَ стр. 16595
رِبَا فِي دَيْنٍ سَقَطَ، وَإِنَّمَا الرِّبَا فِي دَيْنٍ يَقَعُ الْخَطَرُ فِي عَاقِبَتِهِ (١) .
أَمَّا إِذَا بَاعَ الْمَدِينُ الدِّينَارَ بِعَشَرَةٍ مُطْلَقَةٍ أَيْ: بِغَيْرِ ذِكْرِ: (دَيْنٍ عَلَيْهِ) وَدَفَعَ الْبَائِعُ الدِّينَارَ لِلْمُشْتَرِي فَيَصِحُّ ذَلِكَ إِذَا تَوَافَقَا عَلَى مُقَاصَّةِ الْعَشَرَةِ بِالْعَشَرَةِ اسْتِحْسَانًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْل زُفَرَ، لِكَوْنِهِ تَصَرُّفًا فِي بَدَل الصَّرْفِ قَبْل قَبْضِهِ، وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّهُ بِالتَّقَابُضِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ الأَْوَّل وَانْعَقَدَ صَرْفٌ آخَرُ مُضَافٌ إِلَى الدَّيْنِ (٢) .
هَذَا، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الدَّيْنَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ أَوْ مُتَفَاوِتَيْنِ فِي الْوَصْفِ أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا حَالًّا وَالآْخَرُ مُؤَجَّلاً أَوْ أَحَدُهُمَا غَلَّةً (٣) وَالآْخَرُ صَحِيحًا فَلاَ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ إِلاَّ إِذَا تَقَاصَّا أَيِ: اتَّفَقَا عَلَى الْمُقَاصَّةِ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الذَّخِيرَةِ. وَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ وَتَقَاصَّا، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمَ وَلِلْمَدْيُونِ مِائَةُ دِينَارٍ عَلَيْهِ تَصِيرُ الدَّرَاهِمُ قِصَاصًا بِمِائَةٍ مِنْ стр. 16596
قِيمَةِ الدَّنَانِيرِ، وَيَبْقَى لِصَاحِبِ الدَّنَانِيرِ عَلَى صَاحِبِ الدَّرَاهِمِ مَا بَقِيَ مِنْهَا (١) .
٣٩ - أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ فَصَّلُوا فِي الْمَوْضُوعِ وَقَالُوا: إِنْ وَقَعَ صَرْفُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ فَإِنْ تَأَجَّل الدَّيْنَانِ عَلَيْهِمَا، بِأَنْ كَانَ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ دَنَانِيرُ مُؤَجَّلَةٌ وَلِلآْخَرِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ كَذَلِكَ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ الأَْجَلاَنِ أَمِ اخْتَلَفَا، وَتَصَارَفَا قَبْل حُلُولِهِمَا بِأَنْ أَسْقَطَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَهُ عَلَى الآْخَرِ فِي نَظِيرِ إِسْقَاطِ الآْخَرِ مَا لَهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ كَمَا قَال ابْنُ رُشْدٍ (٢) . كَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ إِنْ تَأَجَّل مِنْ أَحَدِهِمَا وَحَل الآْخَرُ. قَال الأَْبِيُّ فِي وَجْهِ عَدَمِ الْجَوَازِ: إِنَّ الْحَقَّ فِي أَجَل دَيْنِ النَّقْدِ لِلْمَدِينِ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ لِلدَّائِنِ أَخْذُهُ قَبْل أَجَلِهِ بِغَيْرِ رِضَا الْمَدِينِ. فَإِنْ تَأَجَّلاَ فَقَدِ اشْتَرَى كُلٌّ مِنْهُمَا مَا عَلَيْهِ عَلَى أَنْ لاَ يَسْتَحِقَّهُ حَتَّى يَحِل أَجَلُهُ، فَيَقْضِيَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَقَدْ تَأَخَّرَ قَبْضُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا اشْتَرَاهُ بِالصَّرْفِ عَنْ عَقْدِهِ بِمُدَّةِ الأَْجَل، وَإِنْ تَأَجَّل مِنْ أَحَدِهِمَا فَقَدِ اشْتَرَى الْمَدِينُ الْمُؤَجِّل مَا هُوَ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ قَبْضَهُ إِلاَّ بَعْدَ مُضِيِّ أَجَلِهِ، فَيَقْضِيهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَقَدْ تَأَخَّرَ قَبْضُهُ عَنْ صَرْفِهِ بِمُدَّةِ الأَْجَل (٣) . стр. 16597
هَذَا فِي الصَّرْفِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُمْ بَيْنَ دَيْنَيْنِ مِنْ نَوْعَيْنِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ. وَنَظِيرُهُ مَا قَالُوهُ فِي الْمُقَاصَّةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ دَيْنَيْنِ مُتَّحِدَيِ النَّوْعِ وَالصِّنْفِ (١)
وَتَفْصِيل أَحْكَامِ الْمُقَاصَّةِ فِي مُصْطَلَحِهَا.
٤٠ - الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: اقْتِضَاءُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الآْخَرِ، بِأَنْ كَانَ لَكَ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمُ فَتَأْخُذَ مِنْهُ دَنَانِيرَ، أَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ فَتَأْخُذَ مِنْهُ دَرَاهِمَ بِسِعْرِ يَوْمِهَا.
وَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ، بِشَرْطِ قَبْضِ الْبَدَل فِي الْمَجْلِسِ. وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ رُوَيْدَكَ أَسْأَلُكَ، إِنِّي أَبِيعُ الإِْبِل بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، وَآخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لاَ بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ (٢) . стр. 16598
وَهَذَا يَدُل عَلَى جَوَازِ الاِسْتِبْدَال عَنِ الثَّمَنِ الثَّابِتِ فِي الذِّمَّةِ (١) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيمَا إِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلاً.
وَقَال الْقَاضِي وَهَذَا يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ وَمَشْهُورُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ لأَِنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لاَ يُسْتَحَقُّ قَبْضُهُ، فَكَانَ الْقَبْضُ نَاجِزًا فِي أَحَدِهِمَا، وَالنَّاجِزُ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ. وَالآْخَرُ الْجَوَازُ وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضِ، فَكَأَنَّهُ رَضِيَ بِتَعْجِيل الْمُؤَجَّل. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ إِذَا قَضَاهُ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَلَمْ يَجْعَل لِلْمَقْضِيِّ فَضْلاً لأَِجْل تَأْجِيل مَا فِي الذِّمَّةِ (٢) .
النَّوْعُ السَّادِسُ: صَرْفُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَغْشُوشَةِ:
٤١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى جَوَازِ الْمُعَامَلَةِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَغْشُوشَةِ إِنْ رَاجَتْ نَظَرًا لِلْعُرْفِ: أَمَّا إِذَا بِيعَتْ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ مُصَارَفَةً فَقَدْ فَصَّلُوا صُوَرَهَا وَأَحْكَامَهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: стр. 16599
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ مَا غَلَبَ ذَهَبُهُ أَوْ فِضَّتُهُ حُكْمُهُمَا حُكْمُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْخَالِصَيْنِ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ النُّقُودَ لاَ تَخْلُو عَنْ قَلِيل غِشٍّ لِلاِنْطِبَاعِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْخَالِصِ بِهِ، وَلاَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إِلاَّ مُتَسَاوِيًا وَزْنًا.
وَمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْغِشُّ مِنْهُمَا فَفِي حُكْمِ الْعُرُوضِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ؛ فَصَحَّ بَيْعُهُ بِالْخَالِصِ إِنْ كَانَ الْخَالِصُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي الْمَغْشُوشِ؛ لِيَكُونَ قَدْرُهُ بِمِثْلِهِ وَالزَّائِدِ بِالْغِشِّ. وَيَجُوزُ كَذَلِكَ صَرْفُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلاً وَزْنًا وَعَدَدًا بِصَرْفِ الْجِنْسِ لِخِلاَفِهِ، أَيْ: بِأَنْ يَصْرِفَ فِضَّةً كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى غِشِّ الآْخَرِ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ التَّقَابُضِ قَبْل الاِفْتِرَاقِ؛ لأَِنَّهُ صَرْفٌ فِي الْبَعْضِ لِوُجُودِ الْفِضَّةِ أَوِ الذَّهَبِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَيُشْتَرَطُ فِي - الْغِشِّ أَيْضًا -؛ لأَِنَّهُ لاَ تَمْيِيزَ إِلاَّ بِضَرَرٍ (١) .
وَإِنْ كَانَ الْخَالِصُ مِثْل الْمَغْشُوشِ، أَوْ أَقَل مِنْهُ، أَوْ لاَ يُدْرَى فَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ لِلرِّبَا فِي الأَْوَّلَيْنِ، وَلاِحْتِمَالِهِ فِي الثَّالِثِ، وَلِلشُّبْهَةِ فِي الرِّبَا حُكْمُ الْحَقِيقَةِ.
وَهَذَا النَّوْعُ، أَيِ: الْغَالِبُ الْغِشِّ لاَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ إِنْ رَاجَ، لِثَمَنِيَّتِهِ حِينَئِذٍ، لأَِنَّهُ بِالاِصْطِلاَحِ صَارَ أَثْمَانًا، فَمَا دَامَ ذَلِكَ стр. 16600
الاِصْطِلاَحُ مَوْجُودًا لاَ تَبْطُل الثَّمَنِيَّةُ. وَإِنْ لَمْ يَرُجْ تَعَيَّنَ بِالتَّعْيِينِ كَالسِّلْعَةِ، لأَِنَّهَا فِي الأَْصْل سِلْعَةٌ وَإِنَّمَا صَارَتْ أَثْمَانًا بِالاِصْطِلاَحِ، فَإِذَا تَرَكُوا الْمُعَامَلَةَ بِهَا رَجَعَتْ إِلَى أَصْلِهَا (١) .
قَالُوا: وَصَحَّ الْمُبَايَعَةُ وَالاِسْتِقْرَاضُ بِمَا يَرُوجُ مِنَ الْغَالِبِ الْغِشُّ وَزْنًا وَعَدَدًا، أَوْ بِهِمَا عَمَلاً بِالْعُرْفِ. أَمَّا الْمُتَسَاوِي غِشُّهُ وَفِضَّتُهُ، أَوْ ذَهَبُهُ فَكَغَالِبِ الْفِضَّةِ أَوِ الذَّهَبِ فِي التَّبَايُعِ وَالاِسْتِقْرَاضِ، فَلَمْ يَجُزْ إِلاَّ الْوَزْنُ بِمَنْزِلَةِ الدَّرَاهِمِ الرَّدِيئَةِ إِلاَّ إِذَا أَشَارَ إِلَيْهِمَا، فَيَكُونُ بَيَانًا لِقَدْرِهَا وَوَصْفِهَا.
أَمَّا فِي الصَّرْفِ فَحُكْمُ مُتَسَاوِي الْغِشِّ وَالْفِضَّةِ أَوِ الذَّهَبِ حُكْمُ مَا غَلَبَ غِشُّهُ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ بِصَرْفِ الْجِنْسِ إِلَى خِلاَفِ جِنْسِهِ، أَيْ: بِأَنْ يَصْرِفَ مَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الْغِشِّ إِلَى مَا فِي الآْخَرِ مِنَ الْفِضَّةِ (٢) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَظَاهِرُهُ جَوَازُ التَّفَاضُل - هُنَا أَيْضًا - لَكِنْ قَال الزَّيْلَعِيُّ نَقْلاً عَنِ الْخَانِيَّةِ: إِنْ كَانَ نِصْفُهَا صُفْرًا وَنِصْفُهَا فِضَّةً لاَ يَجُوزُ التَّفَاضُل، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ فِيمَا إِذَا بِيعَتْ بِجِنْسِهَا. وَوَجْهُهُ أَنَّ فِضَّتَهَا لَمَّا لَمْ تَصِرْ стр. 16601
مَغْلُوبَةً جُعِلَتْ كَأَنَّ كُلَّهَا فِضَّةٌ فِي حَقِّ الصَّرْفِ احْتِيَاطًا (١) .
٤٢ - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى جَوَازِ بَيْعِ نَقْدٍ مَغْشُوشٍ، كَدَنَانِيرَ فِيهَا فِضَّةٌ أَوْ نُحَاسٌ، أَوْ دَرَاهِمَ فِيهَا نُحَاسٌ بِمَغْشُوشٍ مِثْلِهِ مُرَاطَلَةً أَوْ مُبَادَلَةً. قَال الْحَطَّابُ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَتَسَاوَ غِشُّهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ ابْنِ رُشْدٍ. وَجَازَ بَيْعُ نَقْدٍ مَغْشُوشٍ بِخَالِصٍ مِنَ الْغِشِّ عَلَى الْقَوْل الرَّاجِحِ مِنْ كَلاَمِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا.
وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ خِلاَفُهُ، أَيْ: مَنْعُ بَيْعِ النَّقْدِ الْمَغْشُوشِ بِالنَّقْدِ الْخَالِصِ مِنَ الْغِشِّ، وَنَقَل الأَْبِيُّ عَنِ التَّوْضِيحِ بَعْدَ ذِكْرِ الْخِلاَفِ: أَنَّهُمْ إِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي الْمَغْشُوشِ الَّذِي لاَ يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِهِمْ جَوَازُ بَيْعِ الْمَغْشُوشِ بِصِنْفِهِ الْخَالِصِ إِذَا كَانَ يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ (٢) .
وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ بَيْعِ الْمَغْشُوشِ: أَنْ يُبَاعَ لِمَنْ يَكْسِرُهُ لِيُصَيِّغَهُ حُلِيًّا، أَوْ لاَ يَغُشَّ بِهِ بِأَنْ يَدَّخِرَهُ لِعَاقِبَةٍ مَثَلاً.
وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ لِمَنْ لاَ يُؤْمَنُ غِشُّهُ بِهِ: كَالصَّيَارِفَةِ، وَفَسْخُ بَيْعِهِ مِمَّنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَغُشُّ بِهِ إِنْ كَانَ قَائِمًا وَقُدِّرَ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يَفُوتَ стр. 16602
الْمَغْشُوشُ (١) .
٤٣ - أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: الْغِشُّ الْمُخَالِطُ فِي الْمَوْزُونِ مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا، قَلِيلاً كَانَ أَمْ كَثِيرًا؛ لأَِنَّهُ يَظْهَرُ فِي الْوَزْنِ وَيَمْنَعُ التَّمَاثُل (٢) . فَلاَ تُبَاعُ فِضَّةٌ خَالِصَةٌ بِمَغْشُوشَةٍ، وَلاَ فِضَّةٌ مَغْشُوشَةٌ بِفِضَّةٍ مَغْشُوشَةٍ (٣) قَال السُّبْكِيُّ: لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْخَالِصَةِ بِالْمَغْشُوشَةِ، وَإِنْ قَل الْغِشُّ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْغِشُّ مِمَّا قِيمَتُهُ بَاقِيَةٌ أَمْ لاَ، لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الأَْصْحَابِ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ الْغِشُّ مِمَّا قِيمَتُهُ بَاقِيَةٌ فَبَيْعُ الْخَالِصَةِ بِالْمَغْشُوشَةِ هُوَ بَيْعُ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ وَشَيْءٍ، فَصَارَ كَمَسْأَلَةِ (مُدِّ عَجْوَةٍ) .
وَلأَِنَّ الْفِضَّةَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَهِيَ مَجْهُولَةٌ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ؛ فَأَشْبَهَ بَيْعَ تُرَابِ الصَّاغَةِ وَاللَّبَنِ الْمَشُوبِ بِالْمَاءِ (٤) .
وَأَمَّا الْمَغْشُوشَةُ بِغِشٍّ لاَ قِيمَةَ لَهُ بَاقِيَةٌ فَلِلْجَهْل بِالْمُمَاثَلَةِ، أَوْ تَحَقُّقِ الْمُفَاضَلَةِ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِالْخَالِصَةِ، وَلاَ بِالْمَغْشُوشَةِ مِثْلِهَا (٥) .
وَنَقَل السُّبْكِيُّ عَنْ صَاحِبِ التُّحْفَةِ فِي стр. 16603
الْمَغْشُوشَةِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ أَخْذُهَا وَإِمْسَاكُهَا إِذَا كَانَ النَّقْدُ الَّذِي فِي أَيْدِي النَّاسِ خَالِصًا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَغْرِيرَ النَّاسِ فَلَوْ كَانَ جِنْسُ النَّقْدِ مَغْشُوشًا فَلاَ كَرَاهَةَ.
قَال السُّبْكِيُّ: وَأَفَادَ الرُّويَانِيُّ - أَيْضًا - أَنَّ الْغِشَّ لَوْ كَانَ قَلِيلاً مُسْتَهْلَكًا بِحَيْثُ لاَ يَأْخُذُ حَظًّا مِنَ الْوَرِقِ فَلاَ تَأْثِيرَ لَهُ فِي إِبْطَال الْبَيْعِ؛ لأَِنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ. وَقَدْ قِيل: يَتَعَذَّرُ طَبْعُ الْفِضَّةِ إِذَا لَمْ يُخَالِطْهَا خَلْطٌ مِنْ جَوْهَرٍ آخَرَ. . قُلْتُ: وَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الْبِلاَدِ فِي هَذَا الزَّمَانِ (زَمَانِ السُّبْكِيِّ) ضُرِبَتِ الْفِضَّةُ خَالِصَةً فَتَشَقَّقَتْ، فَجُعِل فِيهَا فِي كُل أَلْفِ دِرْهَمٍ مِثْقَالاً مِنْ ذَهَبٍ فَانْصَلَحَتْ، لَكِنَّ مِثْل هَذَا إِذَا بِيعَ لاَ يَظْهَرُ فِي الْمِيزَانِ مَا مَعَهُ مِنَ الْغِشِّ (١) .
وَكُل مَا ذُكِرَ فِي الْفِضَّةِ يَأْتِي فِي الذَّهَبِ حَرْفًا بِحَرْفٍ (٢) .
٤٤ - وَفَصَّل الْحَنَابِلَةُ فِي بَيْعِ الأَْثْمَانِ الْمَغْشُوشَةِ بِمِثْلِهَا بَيْنَ مَا يَكُونُ الْغِشُّ فِيهِ مُتَسَاوِيًا وَمَعْلُومَ الْمِقْدَارِ وَمَا يَكُونُ الْغِشُّ فِيهِ غَيْرَ مُتَسَاوٍ أَوْ غَيْرَ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ فَقَالُوا بِجَوَازِ بَيْعِ الْمَغْشُوشِ بِمِثْلِهِ فِي الأَْوَّل وَعَدَمِ جَوَازِهِ فِي الثَّانِي.
قَال الْبُهُوتِيُّ: الأَْثْمَانُ الْمَغْشُوشَةُ إِذَا بِيعَتْ стр. 16604
بِغَيْرِهَا، أَيْ: بِأَثْمَانٍ خَالِصَةٍ مِنْ جِنْسِهَا لَمْ يَجُزْ، لِلْعِلْمِ بِالتَّفَاضُل، وَإِنْ بَاعَ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا مَغْشُوشًا بِمِثْلِهِ، وَالْغِشُّ فِي الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ مُتَفَاوِتٌ، أَوْ غَيْرُ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ الْجَهْل بِالتَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُل.
وَإِنْ عُلِمَ التَّسَاوِي فِي الذَّهَبِ الَّذِي فِي الدِّينَارِ، وَعُلِمَ تَسَاوِي الْغِشِّ الَّذِي فِيهِمَا جَازَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالآْخَرِ، لِتَمَاثُلِهِمَا فِي الْمَقْصُودِ وَهُوَ الذَّهَبُ، وَفِي غَيْرِهِ، أَيِ: الْغِشِّ وَلَيْسَتْ مِنْ مَسْأَلَةِ (مُدِّ عَجْوَةٍ) ، لِكَوْنِ الْغِشِّ غَيْرَ مَقْصُودٍ، فَكَأَنَّهُ لاَ قِيمَةَ لَهُ كَالْمِلْحِ فِي الْخُبْزِ (١) .
وَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ النُّقُودَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعُقُودِ فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي أَعْيَانِهَا، فَعَلَى هَذَا إِذَا تَبَايَعَا ذَهَبًا بِفِضَّةٍ فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَهُ غِشًّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَبِيعِ مِثْل: أَنْ يَجِدَ الدَّرَاهِمَ رَصَاصًا، أَوْ نُحَاسًا، أَوْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَالصَّرْفُ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّهُ بَاعَهُ غَيْرَ مَا سَمَّى لَهُ.
وَإِذَا كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ مِثْل: كَوْنِ الْفِضَّةِ سَوْدَاءَ، أَوْ خَشِنَةً، أَوْ سِكَّتِهَا غَيْرَ سِكَّةِ السُّلْطَانِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ الإِْمْسَاكِ وَبَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ (٢) . стр. 16605
النَّوْعُ السَّابِعُ - الصَّرْفُ بِالْفُلُوسِ:
٤٥ - الْفُلُوسُ هِيَ النُّحَاسُ، أَوِ الْحَدِيدُ الْمَضْرُوبُ الَّذِي يُتَعَامَل بِهَا. فَهِيَ الْمَسْكُوكُ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (١) .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ بِالْفُلُوسِ، لأَِنَّهَا أَمْوَالٌ مُتَقَوَّمَةٌ مَعْلُومَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ كَاسِدَةً يَجِبُ تَعْيِينُهَا، لأَِنَّهَا عُرُوضٌ، وَإِنْ كَانَتْ نَافِقَةً لَمْ يَجِبْ لأَِنَّهَا مِنَ الأَْثْمَانِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (٢) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا صُرِفَتِ الْفُلُوسُ النَّافِقَةُ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ نَسَاءً، أَوْ صُرِفَتِ الْفُلُوسُ بِالْفُلُوسِ تَفَاضُلاً. وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ اتِّجَاهَانِ.
الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل:
٤٦ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ - عَدَا مُحَمَّدٍ - وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَشْهُورِ، وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَالشِّيرَازِيِّ وَصَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى: أَنَّهُ لاَ رِبَا فِي فُلُوسٍ يُتَعَامَل بِهَا عَدَدًا وَلَوْ كَانَتْ نَافِقَةً؛ لِخُرُوجِهَا عَنِ الْكَيْل وَالْوَزْنِ، وَعَدَمُ النَّصِّ وَالإِْجْمَاعِ فِي ذَلِكَ كَمَا قَال الْبُهُوتِيُّ (٣) ؛ وَلأَِنَّ عِلَّةَ حُرْمَةِ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الثَّمَنِيَّةُ الْغَالِبَةُ الَّتِي стр. 16606
يُعَبَّرُ عَنْهَا - أَيْضًا - بِجَوْهَرِيَّةِ الأَْثْمَانِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ الْفُلُوسِ وَإِنْ رَاجَتْ، كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ (١) .
وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ الْفُلُوسَ مِنَ الْعُرُوضِ وَإِنْ كَانَتْ نَافِقَةً (٢) . وَوَجَّهَهُ الْحَنَفِيَّةُ: بِأَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا هِيَ الْقَدْرُ مَعَ الْجِنْسِ، وَهُوَ الْكَيْل أَوِ الْوَزْنُ الْمُتَّفِقُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَالْمُجَانَسَةُ وَإِنْ وُجِدَتْ هَاهُنَا فَلَمْ يُوجَدِ الْقَدْرُ لأَِنَّ الْفُلُوسَ تُبَاعُ بِالْعَدَدِ (٣) ، وَهَذَا إِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ بِأَعْيَانِهَا.
وَعَلَى ذَلِكَ فَيَجُوزُ بَيْعُ الْفُلُوسِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلاً، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ بَيْضَةٍ بِبَيْضَتَيْنِ، وَجَوْزَةٍ بِجَوْزَتَيْنِ، وَسِكِّينٍ بِسِكِّينَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (٤) .
هَذَا، وَقَدْ فَصَّل الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَوْضُوعِ فَقَالُوا: يَجُوزُ بَيْعُ الْفَلْسِ بِالْفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ كِلاَهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا دَيْنًا؛ لأَِنَّ الثَّمَنِيَّةَ فِي حَقِّهِمَا تَثْبُتُ بِاصْطِلاَحِهِمَا، إِذْ لاَ وِلاَيَةَ لِلْغَيْرِ عَلَيْهَا، فَتَبْطُل بِاصْطِلاَحِهِمَا، وَإِذَا بَطَلَتِ الثَّمَنِيَّةُ стр. 16607
تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَلاَ يَعُودُ وَزْنِيًّا لِبَقَاءِ الاِصْطِلاَحِ عَلَى الْعَدِّ.
وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ يَجُوزُ لأَِنَّ الثَّمَنِيَّةَ تَثْبُتُ بِاصْطِلاَحِ الْكُل فَلاَ تَبْطُل بِاصْطِلاَحِهِمَا، وَإِذَا بَقِيَتْ أَثْمَانًا لاَ تَتَعَيَّنُ؛ فَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا كَبَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ (١) .
قَال ابْنُ الْهُمَامِ: صُوَرُ بَيْعِ الْفَلْسِ بِجِنْسِهِ أَرْبَعٌ:
الأُْولَى: أَنْ يَبِيعَ فَلْسًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا فَلاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الْفُلُوسَ الرَّائِجَةَ أَمْثَالٌ مُتَسَاوِيَةٌ - قَطْعًا - لاِصْطِلاَحِ النَّاسِ عَلَى سُقُوطِ قِيمَةِ الْجَوْدَةِ مِنْهَا، فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا فَضْلاً خَالِيًا مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ وَهُوَ الرِّبَا.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَبِيعَ فَلْسًا بِعَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِغَيْرِ عَيْنِهِمَا فَلاَ يَجُوزُ - أَيْضًا - وَإِلاَّ أَمْسَكَ الْبَائِعُ الْفَلْسَ الْمُعَيَّنَ وَقَبَضَهُ بِعَيْنِهِ مِنْهُ مَعَ فَلْسٍ آخَرَ، لاِسْتِحْقَاقِهِ فَلْسَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ عَيْنُ مَالِهِ، وَيَبْقَى الْفَلْسُ الآْخَرُ خَالِيًا عَنِ الْعِوَضِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبِيعَ فَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا بِفَلْسٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَلاَ يَجُوزُ كَذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لَوْ جَازَ لَقَبَضَ الْمُشْتَرِي الْفَلْسَيْنِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ أَحَدَهُمَا مَكَانَ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِ؛ فَيَبْقَى الآْخَرُ فَضْلاً بِلاَ عِوَضٍ اسْتُحِقَّ بِعَقْدِ الْبَيْعِ، وَهَذَا стр. 16608
إِذَا رَضِيَ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِ الثَّمَنِ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَبِيعَ فَلْسًا بِعَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِعَيْنِهِمَا، فَيَجُوزُ خِلاَفًا لِمُحَمَّدٍ (١) .
الاِتِّجَاهُ الثَّانِي:
٤٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، جَزَمَ بِهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلاَفِهِ، وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - إِلَى: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْفُلُوسِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلاً وَلاَ نَسَاءً، وَلاَ بَيْعُهَا بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ نَسَاءً (٢) .
فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: أَرَأَيْتَ إِنِ اشْتَرَيْتَ خَاتَمَ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ تِبْرِ ذَهَبٍ بِفُلُوسٍ فَافْتَرَقْنَا قَبْل أَنْ نَتَقَابَضَ؟ قَال: لاَ يَجُوزُ لأَِنَّ مَالِكًا قَال: لاَ يَجُوزُ فَلْسٌ بِفَلْسَيْنِ وَلاَ تَجُوزُ الْفُلُوسُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلاَ بِالدَّنَانِيرِ نَظِرَةً (٣) .
وَنَقَل ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ أَنَّهُمَا كَرِهَا الْفُلُوسَ بِالْفُلُوسِ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ أَوْ نَظِرَةٌ، وَقَالاَ: إِنَّهَا صَارَتْ سِكَّةً مِثْل سِكَّةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ (٤) وَحَمَل بَعْضُهُمُ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ (٥) . стр. 16609
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ لِقَوْل مُحَمَّدٍ بِعَدَمِ الْجَوَازِ - أَيْضًا - بِأَنَّ الْفُلُوسَ أَثْمَانٌ فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلاً، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَدَلاَلَةُ الْوَصْفِ عِبَارَةٌ عَمَّا تُقَدَّرُ بِهِ مَالِيَّةُ الأَْعْيَانِ، وَمَالِيَّةُ الأَْعْيَانِ كَمَا تُقَدَّرُ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ تُقَدَّرُ بِالْفُلُوسِ - أَيْضًا - فَكَانَتْ أَثْمَانًا، وَالثَّمَنُ لاَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ (عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) فَالْتُحِقَ التَّعْيِينُ فِيهِمَا بِالْعَدَمِ. فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ فَلْسٍ بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا، كَمَا لاَ يَجُوزُ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا. وَلأَِنَّهَا إِذَا كَانَتْ أَثْمَانًا فَالْوَاحِدُ يُقَابِل الْوَاحِدَ، فَبَقِيَ الآْخَرُ فَضْل مَالٍ لاَ يُقَابِلُهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ، وَهَذَا تَفْسِيرُ الرِّبَا، كَمَا حَرَّرَهُ الْكَاسَانِيُّ (١) .
وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الأَْظْهَرُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْفُلُوسَ النَّافِقَةَ يَغْلِبُ عَلَيْهَا حُكْمُ الأَْثْمَانِ، وَتُجْعَل مِعْيَارًا لأَِمْوَال النَّاسِ. وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَضْرِبَ لَهُمْ فُلُوسًا تَكُونُ بِقِيمَةِ الْعَدْل فِي مُعَامَلاَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ لَهُمْ (٢) .
هَذَا، وَتَفْصِيل التَّعَامُل بِالْفُلُوسِ وَأَحْكَامِهَا فِي مُصْطَلَحِ (فُلُوسٌ (٣)) . стр. 16610
ظُهُورُ عَيْبٍ أَوْ نَقْصٍ فِي بَدَل الصَّرْفِ:
٤٨ - لَقَدْ سَبَقَ الْقَوْل: بِأَنَّ الصَّرْفَ لاَ يَقْبَل خِيَارَ الشَّرْطِ لأَِنَّ الْخِيَارَ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ أَوْ تَمَامَهُ، وَذَلِكَ مُخِلٌّ بِالْقَبْضِ الْمَشْرُوطِ.
أَمَّا خِيَارُ الْعَيْبِ فَلاَ يَمْنَعُ تَمَامَ الْعَقْدِ فَيَثْبُتُ فِي الصَّرْفِ؛ لأَِنَّ السَّلاَمَةَ عَنِ الْعَيْبِ مَطْلُوبَةٌ عَادَةً فَفِقْدَانُهَا يُوجِبُ الْخِيَارَ كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ.
هَذَا، وَلِلْفُقَهَاءِ فِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ فِيمَا يَلِي:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ بَدَل الصَّرْفِ إِذَا كَانَ عَيْنًا فَرَدُّهُ بِالْعَيْبِ يَفْسَخُ الْعَقْدَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الرَّدُّ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا نَقَدَ، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا بِأَنْ وَجَدَ الدَّرَاهِمَ الْمَقْبُوضَةَ زُيُوفًا أَوْ كَاسِدَةً، أَوْ وَجَدَهَا رَائِجَةً فِي بَعْضِ التِّجَارَاتِ دُونَ الْبَعْضِ - وَذَلِكَ عَيْبٌ عِنْدَ التِّجَارَةِ - فَرَدَّهَا فِي الْمَجْلِسِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِالرَّدِّ، حَتَّى لَوِ اسْتَبْدَل مَكَانَهُ مُضِيَّ الصَّرْفِ.
وَإِنْ رَدَّهَا بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ بَطَل الصَّرْفُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ، لِحُصُول الاِفْتِرَاقِ لاَ عَنْ قَبْضٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ لاَ يَبْطُل إِذَا
стр. 16611
اسْتَبْدَل فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ (١) .
وَإِذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ فِي بَعْضِهِ فَرَدَّ الْمَعِيبَ فِي الْمَرْدُودِ انْتُقِضَ الصَّرْفُ فِي الْمَرْدُودِ، وَبَقِيَ فِي غَيْرِهِ؛ لاِرْتِفَاعِ الْقَبْضِ فِيهِ فَقَطْ (٢) .
وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِعِبَارَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَتَفْصِيلٍ حَيْثُ قَالُوا:
إِنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا عَيْبًا فِي دَرَاهِمِهِ، أَوْ دَنَانِيرِهِ مِنْ نَقْصٍ أَوْ غِشٍّ، أَوْ غَيْرِ فِضَّةٍ وَلاَ ذَهَبٍ كَرَصَاصٍ وَنُحَاسٍ، فَإِنْ كَانَ بِالْحَضْرَةِ مِنْ غَيْرِ مُفَارَقَةٍ وَلاَ طُولٍ جَازَ لَهُ الرِّضَا وَصَحَّ الصَّرْفُ وَطَلَبَ الإِْتْمَامَ فِي النَّاقِصِ أَوِ الْبَدَل فِي الْغِشِّ وَالرَّصَاصِ فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ مَنْ أَبَاهُ إِنْ لَمْ تُعَيَّنِ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُفَارَقَةٍ، أَوْ طُولٍ فِي الْمَجْلِسِ فَإِنْ رَضِيَ بِغَيْرِ النَّقْصِ صَحَّ الصَّرْفُ، وَإِلاَّ نُقِضَ، وَأَخَذَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ وَقَعَ الصَّرْفُ عَلَى الْعَيْنِ عَلَى أَنَّهَا فِضَّةٌ أَوْ ذَهَبٌ، وَخَرَجَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا نُحَاسًا بَطَل الْعَقْدُ؛ لأَِنَّهُ بَانَ أَنَّهُ غَيْرُ مَا عُقِدَ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ نُحَاسًا، أَوْ نَحْوَهُ صَحَّ الْعَقْدُ فِي الْبَاقِي دُونَهُ стр. 16612
بِالْقِسْطِ، وَلِصَاحِبِ الْبَاقِي الْخِيَارُ بَيْنَ الإِْجَازَةِ وَالْفَسْخِ. وَإِنْ خَرَجَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ مَعِيبًا تَخَيَّرَ وَلَمْ يَسْتَبْدِل؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى عَيْنِهِ فَلاَ يَتَجَاوَزُهُ الْحَقُّ إِلَى غَيْرِهِ (١) .
وَإِنْ وَقَعَ الصَّرْفُ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا نُحَاسًا قَبْل التَّفَرُّقِ اسْتَبْدَل بِهِ. وَإِنْ خَرَجَ نُحَاسًا بَعْدَ التَّفَرُّقِ بَطَل الْعَقْدُ لِعَدَمِ التَّقَابُضِ. وَإِنْ خَرَجَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ مَعِيبًا اسْتَبْدَل فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، وَإِنْ فَارَقَ مَجْلِسَ الْعَقْدِ. وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الأَْثْمَانَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ عِنْدَهُمْ (٢) وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْفِقْرَةِ التَّالِيَةِ.
وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ حَيْثُ قَالُوا: إِنْ ظَهَرَ عَيْبٌ فِي جَمِيعِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَلَوْ يَسِيرًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَنُحَاسٍ فِي الدَّرَاهِمِ وَالْمَسِّ فِي الذَّهَبِ بَطَل الْعَقْدُ؛ لأَِنَّهُ بَاعَهُ غَيْرَ مَا سَمَّى لَهُ. وَإِنْ ظَهَرَ فِي بَعْضِهِ بَطَل الْعَقْدُ فِيهِ فَقَطْ (٣) ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الصَّرْفُ عَيْنًا بِعَيْنٍ، بِأَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِمَا وَهُمَا حَاضِرَانِ. وَالْعَيْبُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَبِيعِ كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ (٤) .
أَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ مِثْل: كَوْنِ стр. 16613
الْفِضَّةِ سَوْدَاءَ، أَوْ خَشِنَةً، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ الإِْمْسَاكِ وَبَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَالرَّدِّ، وَلَيْسَ لَهُ الْبَدَل؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَاقِعٌ عَلَى عَيْنِهِ، فَإِذَا أَخَذَ غَيْرَهُ أَخَذَ مَا لَمْ يَشْتَرِ (١) .
وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ بِغَيْرِ عَيْنِهِ كَأَنْ يَقُول: بِعْتُكَ دِينَارًا مِصْرِيًّا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ يَصِحُّ، لَكِنْ لاَ بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِمَا بِالتَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِذَا تَقَابَضَا فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَهُ عَيْبًا قَبْل التَّفَرُّقِ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْبَدَل، سَوَاءٌ أَكَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ أَمْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى مُطْلَقٍ لاَ عَيْبَ فِيهِ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَإِنْ رَضِيَهُ بِعَيْبِهِ وَالْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ جَازَ، وَإِنْ أَخَذَ الأَْرْشَ فَإِنْ كَانَ الْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لَمْ يَجُزْ لإِِفْضَائِهِ إِلَى التَّفَاضُل فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّمَاثُل. وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ جَازَ (٢) .
تَعَيُّنُ النُّقُودِ بِالتَّعْيِينِ فِي الصَّرْفِ:
٤٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ) إِلَى: أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْعَقْدِ فِيمَا عَيَّنَاهُ، وَيَتَعَيَّنُ عِوَضًا فِيهِ، فَلاَ يَجُوزُ اسْتِبْدَالُهُ كَمَا فِي سَائِرِ стр. 16614
الأَْعْوَاضِ، وَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوبًا بَطَل الْعَقْدُ، وَهَذَا لأَِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ عِوَضٌ فِي عَقْدٍ فَيَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَسَائِرِ الأَْعْوَاضِ؛ وَلأَِنَّ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ غَرَضًا فِي التَّعْيِينِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَثَرٌ، وَلِهَذَا لَوِ اشْتَرَى ذَهَبًا بِوَرِقٍ بِعَيْنِهِمَا فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا فِيمَا اشْتَرَاهُ عَيْبًا مِنْ جِنْسِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَقْبَل، وَلَيْسَ لَهُ الْبَدَل كَمَا سَبَقَ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ: إِنَّ الأَْثْمَانَ النَّقْدِيَّةَ لاَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ أَيْ: إِنَّ الْبَدَلَيْنِ فِي الصَّرْفِ لاَ يَتَعَيَّنَانِ بِالتَّعْيِينِ، فَلَوْ تَبَايَعَا دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ جَازَ أَنْ يُمْسِكَا مَا أَشَارَا إِلَيْهِ فِي الْعَقْدِ وَيُؤَدِّيَا بَدَلَهُ قَبْل الاِفْتِرَاقِ.
وَذَلِكَ لأَِنَّ الثَّمَنَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا نُقِل عَنِ الْفَرَّاءِ، فَلَمْ يَكُنْ مُحْتَمِلاً لِلتَّعْيِينِ بِالإِْشَارَةِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ إِطْلاَقُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فِي الصَّرْفِ بِغَيْرِ الإِْشَارَةِ.
وَعَلَى ذَلِكَ يَجُوزُ إِبْدَالُهَا، وَلاَ يَبْطُل الْعَقْدُ بِخُرُوجِهَا مَغْصُوبَةً (٢) . стр. 16615
صَرُورَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الصَّرُورَةُ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَبِتَخْفِيفِ الرَّاءِ: مَنْ لَمْ يَحُجَّ (١) . وَالْمُرَادُ بِهِ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: الشَّخْصُ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ؛ لأَِنَّهُ يَشْمَل مَنْ لَمْ يَحُجَّ أَصْلاً، وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، أَوْ عَنْ نَفْسِهِ نَفْلاً أَوْ نَذْرًا (٢) .
وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: هُوَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ (٣) ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ.
قَال النَّوَوِيُّ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ صَرَّ بِنَفْسِهِ عَنْ إِخْرَاجِهَا فِي الْحَجِّ (٤) وَكَرِهَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ تَسْمِيَةَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ صَرُورَةً؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : ﴿ стр. 16616
لاَ صَرُورَةَ فِي الإِْسْلاَمِ (١) قَال النَّوَوِيُّ: أَيْ لاَ يَبْقَى أَحَدٌ فِي الإِْسْلاَمِ بِلاَ حَجٍّ، وَلاَ يَحِل لِمُسْتَطِيعٍ تَرْكُهُ (٢) ، فَكَرَاهَةُ تَسْمِيَةِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ صَرُورَةً، وَاسْتِدْلاَلُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي بَحْثِ الْحَجِّ: أَنَّ الْحَجَّ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ مَعًا؛ فَيَقْبَل النِّيَابَةَ فِي الْجُمْلَةِ. ثُمَّ فَصَّلُوا بَيْنَ حَجِّ الْفَرْضِ وَحَجِّ النَّفْل، وَبَيَّنُوا شُرُوطَ الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ، كَمَا بَيَّنُوا شُرُوطَ الآْمِرِ وَالْمَأْمُورِ أَيِ النَّائِبِ، وَهَل يَصِحُّ الْحَجُّ عَنَ الْغَيْرِ مِنْ قِبَل مَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِصَرُورَةٍ أَمْ لاَ؟ وَهَل يَصِحُّ أَخْذُ الأُْجْرَةِ فِي ذَلِكَ؟ وَبَيَانُهُ فِيمَا يَلِي:
أَوَّلاً: نِيَابَةُ الصَّرُورَةِ فِي حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ:
٣ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ النَّائِبِ فِي حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَجَّ стр. 16617
عَنْ نَفْسِهِ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ، فَلَيْسَ لِلصَّرُورَةِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ فَعَل وَقَعَ إحْرَامُهُ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ لِنَفْسِهِ (١) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلاً يَقُول: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَال: مَنْ شُبْرُمَةُ؟ قَال: أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي. قَال: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَال: لاَ: قَال: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ (٢) .
وَعَلَى ذَلِكَ: فَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ لاَ عَنِ الْغَيْرِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ عَلَيْهِ رَدَّ مَا أَخَذَ مِنَ النَّفَقَةِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقَعِ الْحَجُّ عَنْهُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَحُجَّ (٣) قَال النَّوَوِيُّ: وَبِهِ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ (٤) .
وَفِي الْمُغْنِي: قَال أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: يَقَعُ الْحَجُّ بَاطِلاً، وَلاَ يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْهُ وَلاَ عَنْ غَيْرِهِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (٥) -. стр. 16618
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يُشْتَرَطُ فِي النَّائِبِ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، فَيَصِحُّ حَجُّ الصَّرُورَةِ، لَكِنِ الأَْفْضَل أَنْ يَكُونَ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ خُرُوجًا عَنِ الْخِلاَفِ، فَيُكْرَهُ عِنْدَهُمْ حَجُّ الصَّرُورَةِ.
وَهَل الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةٌ أَمْ تَنْزِيهِيَّةٌ؟ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْفَتْحِ: وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ: أَنَّ حَجَّ الصَّرُورَةِ عَنْ غَيْرِهِ إِنْ كَانَ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ بِمِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَالصِّحَّةِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ؛ لأَِنَّهُ تَضْيِيقٌ عَلَيْهِ فِي أَوَّل سِنِي الإِْمْكَانِ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، وَكَذَا لَوْ تَنَفَّل لِنَفْسِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِعَيْنِ الْحَجِّ الْمَفْعُول، بَل لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْفَوَاتُ إِذِ الْمَوْتُ فِي سَنَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ. ثُمَّ نُقِل عَنِ الْبَحْرِ قَوْلُهُ: وَالْحَقُّ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ عَلَى الآْمِرِ لِقَوْلِهِمْ: وَالأَْفْضَل. . إِلَخْ، تَحْرِيمِيَّةٌ عَلَى الصَّرُورَةِ، أَيِ الْمَأْمُورِ الَّذِي اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْحَجِّ، وَلَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ؛ لأَِنَّهُ أَثِمَ بِالتَّأْخِيرِ. اهـ. ثُمَّ قَال: وَهَذَا لاَ يُنَافِي كَلاَمَ الْفَتْحِ؛ لأَِنَّهُ فِي الْمَأْمُورِ (١) .
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِصِحَّةِ حَجِّ الصَّرُورَةِ بِإِطْلاَقِ قَوْلِهِ ﷺ لِلْخَثْعَمِيَّةِ: حُجِّي عَنْ стр. 16619
أَبِيكِ (١) مِنْ غَيْرِ اسْتِخْبَارِهَا عَنْ حَجِّهَا لِنَفْسِهَا قَبْل ذَلِكَ. قَال فِي الْفَتْحِ: وَتَرْكُ الاِسْتِفْصَال فِي وَقَائِعِ الأَْحْوَال يَنْزِل مَنْزِلَةَ عُمُومِ الْخِطَابِ؛ فَيُفِيدُ جَوَازَهُ عَنِ الْغَيْرِ مُطْلَقًا. وَحَدِيثُ شُبْرُمَةَ يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ تَقْدِيمِ حَجَّةِ نَفْسِهِ؛ وَبِذَلِكَ يَحْصُل الْجَمْعُ (٢) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَقَدْ مَنَعُوا اسْتِنَابَةَ صَحِيحٍ مُسْتَطِيعٍ فِي فَرْضٍ لِحَجَّةِ الإِْسْلاَمِ أَوْ حَجَّةٍ مَنْذُورَةٍ. قَال الْحَطَّابُ: لاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لاَ تَصِحُّ، وَتُفْسَخُ إِذَا عُثِرَ عَلَيْهَا (٣) . أَمَّا الصَّرُورَةُ: فَيُكْرَهُ عِنْدَهُمْ حَجُّهُ عَنِ الْغَيْرِ.
ثَانِيًا - حُكْمُ الأُْجْرَةِ فِي حَجِّ الصَّرُورَةِ:
٤ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ: بِعَدَمِ جَوَازِ أَخْذِ الأُْجْرَةِ لِمَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، فَلَوِ اسْتَأْجَرَ رَجُلاً عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِكَذَا لَمْ يَجُزْ حَجُّهُ، وَإِنَّمَا يَقُول: أَمَرْتُكَ أَنْ تَحُجَّ عَنِّي بِلاَ ذِكْرِ إِجَارَةٍ، وَلَهُ نَفَقَةُ الْمِثْل.
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْكِفَايَةِ: أَنَّهُ стр. 16620
يَقَعُ الْحَجُّ مِنَ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ الأَْصْل عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (١) .
وَعَدَمُ جَوَازِ الأُْجْرَةِ فِي الْحَجِّ هُوَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَحْمَدَ - أَيْضًا (٢) - قَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي الصَّرُورَةِ الَّذِي يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ: عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنَ النَّفَقَةِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقَعَ الْحَجُّ عَنْهُ (٣) .
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: الْجَوَازُ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
قَال الدُّسُوقِيُّ: لأَِنَّهُ أَخَذَ الْعِوَضَ عَنِ الْعِبَادَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شِيَمِ أَهْل الْخَيْرِ (٤) وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (حَجٌّ ف ١٢٠) .
قَال الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: وَلاَ أُجْرَةَ لَهُ - يَعْنِي لِلصَّرُورَةِ - لأَِنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا فَعَلَهُ (٥) . стр. 16621
صَرِيحٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الصَّرِيحُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الَّذِي خَلَصَ مِنْ تَعَلُّقَاتِ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ صَرُحَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ صَرَاحَةً وَصُرُوحَةً، وَالْعَرَبِيُّ الصَّرِيحُ: هُوَ خَالِصُ النَّسَبِ، وَالْجَمْعُ صُرَحَاءُ.
وَيُطْلَقُ الصَّرِيحُ - أَيْضًا - عَلَى كُل خَالِصٍ، وَمِنْهُ: الْقَوْل الصَّرِيحُ: وَهُوَ الَّذِي لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى إِضْمَارٍ أَوْ تَأْوِيلٍ. وَصَرَّحَ بِمَا فِي نَفْسِهِ بِالتَّشْدِيدِ: أَخْلَصَهُ لِلْمَعْنَى الْمُرَادِ، أَوْ أَذْهَبَ عَنْهُ احْتِمَالاَتِ الْمَجَازِ وَالتَّأْوِيل (١) .
وَأَمَّا الصَّرِيحُ فِي الاِصْطِلاَحِ: فَهُوَ كَمَا فِي التَّعْرِيفَاتِ: اسْمٌ لِكَلاَمٍ مَكْشُوفٍ الْمُرَادُ بِهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الاِسْتِعْمَال حَقِيقَةً كَانَ أَوْ مَجَازًا (٢) .
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: أَنَّ الصَّرِيحَ مَا ظَهَرَ الْمُرَادُ بِهِ ظُهُورًا بَيِّنًا بِكَثْرَةِ الاِسْتِعْمَال. стр. 16622
وَذَكَرَ صَاحِبُ فَتْحِ الْقَدِيرِ: أَنَّ الصَّرِيحَ. مَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَعْنَى، بِحَيْثُ يَتَبَادَرُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا (١) .
وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الأَْشْبَاهِ: أَنَّ الصَّرِيحَ هُوَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى لاَ يُفْهَمُ مِنْهُ غَيْرُهُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، وَيُقَابِلُهُ: الْكِنَايَةُ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْكِنَايَةُ:
٢ - الْكِنَايَةُ فِي اللُّغَةِ: أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ يُسْتَدَل بِهِ عَلَى الْمُكَنَّى عَنْهُ كَالرَّفَثِ وَالْغَائِطِ، وَهِيَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنْ كَنَّيْتُ بِكَذَا عَنْ كَذَا مِنْ بَابِ رَمَى (٣) . وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: فَهِيَ كَمَا فِي التَّعْرِيفَاتِ لِلْجُرْجَانِيِّ: كَلاَمٌ اسْتَتَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِالاِسْتِعْمَال وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ ظَاهِرًا فِي اللُّغَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةَ أَمِ الْمَجَازَ. وَذَكَرَ صَاحِبُ فَتْحِ الْقَدِيرِ: أَنَّ الْكِنَايَةَ مَا خَفِيَ الْمُرَادُ بِهِ لِتَوَارُدِ الاِحْتِمَالاَتِ عَلَيْهِ بِخِلاَفِ الصَّرِيحِ (٤) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكِنَايَةِ وَبَيْنَ الصَّرِيحِ: أَنَّ стр. 16623
الصَّرِيحَ يُدْرَكُ الْمُرَادُ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهِ وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ، بِخِلاَفِ الْكِنَايَةِ؛ فَإِنَّ السَّامِعَ يَتَرَدَّدُ فِيهَا فَيَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ.
التَّعْرِيضُ:
٣ - وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: مَأْخُوذٌ مِنْ عَرَضْتُ لَهُ وَعَرَّضْتُ بِهِ تَعْرِيضًا: إِذَا قُلْتَ قَوْلاً وَأَنْتَ تَعْنِيهِ. فَالتَّعْرِيضُ خِلاَفُ التَّصْرِيحِ مِنَ الْقَوْل، كَمَا إِذَا سَأَلْتَ رَجُلاً: هَل رَأَيْتَ فُلاَنًا - وَقَدْ رَآهُ؛ وَيَكْرَهُ أَنْ يَكْذِبَ - فَيَقُول: إِنَّ فُلاَنًا لَيُرَى؛ فَيَجْعَل كَلاَمَهُ مِعْرَاضًا فِرَارًا مِنَ الْكَذِبِ (١) .
وَذَكَرَ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّعْرِيفَاتِ: أَنَّ التَّعْرِيضَ فِي الْكَلاَمِ مَا يَفْهَمُ بِهِ السَّامِعُ مُرَادَهُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ (٢) .
مَنْشَأُ الصَّرِيحِ:
٤ - مَأْخَذُ الصَّرِيحِ: هَل هُوَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ أَوْ شُهْرَةُ الاِسْتِعْمَال؟
قَال السُّيُوطِيُّ: فِيهِ خِلاَفٌ.
وَقَال السُّبْكِيُّ: الَّذِي أَقُولُهُ: إِنَّهَا مَرَاتِبُ. أَحَدُهَا: مَا تَكَرَّرَ قُرْآنًا وَسُنَّةً، مَعَ الشِّيَاعِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَالْعَامَّةِ؛ فَهُوَ صَرِيحٌ - قَطْعًا - كَلَفْظِ الطَّلاَقِ. стр. 16624
الثَّانِيَةُ: الْمُتَكَرِّرُ غَيْرُ الشَّائِعِ، كَلَفْظِ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ، فِيهِ خِلاَفٌ.
الثَّالِثَةُ: الْوَارِدُ غَيْرُ الشَّائِعِ، كَالاِفْتِدَاءِ، وَفِيهِ خِلاَفٌ أَيْضًا.
الرَّابِعَةُ: وُرُودُهُ دُونَ وُرُودِ الثَّالِثَةِ، وَلَكِنَّهُ شَائِعٌ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ كَالْخُلْعِ وَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُ صَرِيحٌ.
الْخَامِسَةُ: مَا لَمْ يَرِدْ، وَلَمْ يَشِعْ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَ الْعَامَّةِ، مِثْل: حَلاَل اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ (١) .
مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّرِيحِ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ:
٥ - الْقَاعِدَةُ الأُْولَى: الصَّرِيحُ فِيهِ مَعْنَى التَّعَبُّدِ.
وَذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ؛ وَلِكَوْنِ الصَّرِيحِ فِيهِ مَعْنَى التَّعَبُّدِ فَقَدْ حَصَرُوهُ فِي مَوَاضِعَ: كَالطَّلاَقِ وَنَحْوِهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ عَمَّ فِي نَاحِيَةٍ اسْتِعْمَال الطَّلاَقِ فِي إِرَادَةِ التَّخَلُّصِ عَنِ الْوَثَاقِ وَنَحْوِهِ، فَخَاطَبَهَا الزَّوْجُ بِالطَّلاَقِ، وَقَال: أَرَدْتُ بِهِ ذَلِكَ - أَيِ التَّخَلُّصَ عَنِ الْوَثَاقِ - لَمْ يُقْبَل؛ لأَِنَّ الاِصْطِلاَحَ الْخَاصَّ لاَ يَرْفَعُ الْعَامَّ (٢) .
٦ - الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: الصَّرِيحُ يَصِيرُ كِنَايَةً بِالْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ. стр. 16625
وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ - أَيْضًا - الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ؛ وَلِهَذَا لَوْ قَال لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ، أَوْ فَارَقْتُكِ بِالْجِسْمِ، أَوْ سَرَّحْتُكِ مِنَ الْيَدِ، أَوْ إِلَى السُّوقِ لَمْ تَطْلُقْ؛ فَإِنَّ أَوَّل اللَّفْظِ مُرْتَبِطٌ بِآخِرِهِ، وَهُوَ يُضَاهِي الاِسْتِثْنَاءَ كَمَا قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
وَمِمَّا يُعَارِضُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ - كَمَا ذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ - قَوْلُهُمْ: إِنَّ السُّؤَال لاَ يُلْحِقُ الْكِنَايَةَ بِالصَّرِيحِ، إِلاَّ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا لَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ - وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ: طَلِّقْنِي، فَقَال: طَلُقَتْ فَاطِمَةُ، ثُمَّ قَال: نَوَيْتُ فَاطِمَةَ أُخْرَى طَلُقَتْ، وَلاَ يُقْبَل لِدَلاَلَةِ الْحَال، بِخِلاَفِ مَا لَوْ قَال ابْتِدَاءً: طَلُقَتْ فَاطِمَةُ، ثُمَّ قَال: نَوَيْتُ أُخْرَى (١) .
٧ - الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: الصَّرِيحُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَالْكِنَايَةُ لاَ تَلْزَمُ إِلاَّ بِنِيَّةٍ: -
وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ، وَالسُّيُوطِيُّ فِي الأَْشْبَاهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: الصَّرِيحُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ: أَيْ نِيَّةِ الإِْيقَاعِ؛ لأَِنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لَهُ فَاسْتَغْنَى عَنِ النِّيَّةِ، وَأَمَّا قَصْدُ اللَّفْظِ فَيُشْتَرَطُ لِتَخْرُجَ مَسْأَلَةُ سَبْقِ اللِّسَانِ.
وَمِنْ هَاهُنَا: يَفْتَرِقُ الصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ، стр. 16626
فَالصَّرِيحُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَمْرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ قَصْدُ اللَّفْظِ، وَالْكِنَايَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَمْرَانِ: قَصْدُ اللَّفْظِ، وَنِيَّةُ الإِْيقَاعِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَال: أَنْ يَقْصِدَ حُرُوفَ الطَّلاَقِ لِلْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ، لِيُخْرِجَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِمُ الصَّرِيحُ: لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ كَمَا ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الأَْشْبَاهِ: قَصْدُ الْمُكْرَهِ إِيقَاعَ الطَّلاَقِ، فَإِنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لاَ يَقَعُ؛ لأَِنَّ اللَّفْظَ سَاقِطٌ بِالإِْكْرَاهِ، وَالنِّيَّةُ لاَ تَعْمَل وَحْدَهَا. وَالأَْصَحُّ: يَقَعُ لِقَصْدِهِ بِلَفْظِهِ.
وَعَلَى هَذَا فَصَرِيحُ لَفْظِ الطَّلاَقِ عِنْدَ الإِْكْرَاهِ كِنَايَةٌ إِنْ نَوَى وَقَعَ، وَإِلاَّ فَلاَ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِمْ: الْكِنَايَةُ تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ مَا إِذَا قِيل لَهُ: طَلَّقْتَ؟ فَقَال: نَعَمْ. فَقِيل: يَلْزَمُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلاَقًا. وَقِيل: يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ (١) .
٨ - الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: الصَّرَائِحُ تَعْمَل بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ بِلاَ خِلاَفٍ. وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ: مَا إِذَا قِيل لِلْكَافِرِ: قُل: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقَالَهَا حُكِمَ بِإِسْلاَمِهِ بِلاَ خِلاَفٍ، وَإِنْ قَالَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا يُحْكَمُ стр. 16627
بِإِسْلاَمِهِ. وَوَجْهُ الْمَنْعِ احْتِمَال قَصْدِ الْحِكَايَةِ (١) .
٩ - الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ: كُل تَرْجَمَةٍ (عِنْوَانٍ) نُصِبَتْ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الشَّرِيعَةِ فَالْمُشْتَقُّ مِنْهَا صَرِيحٌ بِلاَ خِلاَفٍ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ، وَالسُّيُوطِيُّ فِي الأَْشْبَاهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا الْوُضُوءُ عَلَى وَجْهٍ - وَالأَْصَحُّ فِيهِ الصِّحَّةُ - وَالتَّيَمُّمُ فَإِنَّهُ لاَ يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْفَرْضِ. وَالشَّرِكَةُ: فَإِنَّهُ لاَ يَكْفِي فِيهَا مُجَرَّدُ: اشْتَرَكْنَا.
وَالْخُلْعُ: فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ صَرِيحًا إِلاَّ بِذِكْرِ الْمَال (٢) .
١٠ - الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ: الصَّرِيحُ فِي بَابِهِ إِذَا وَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ لاَ يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ، وَمَعْنَى وَجَدَ نَفَاذًا: أَيْ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ صَرِيحًا.
وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ، وَذَكَرَهَا السُّيُوطِيُّ فِي الأَْشْبَاهِ.
وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: الطَّلاَقُ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ فَسْخًا أَوْ ظِهَارًا بِالنِّيَّةِ وَبِالْعَكْسِ. أَيْ: أَنَّ الظِّهَارَ لاَ يَكُونُ طَلاَقًا أَوْ فَسْخًا стр. 16628
بِالنِّيَّةِ - أَيْضًا -؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَرِيحٌ فِي بَابِهِ، وَوَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ؛ فَلاَ يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ. وَمِنْ فُرُوعِهَا - أَيْضًا - مَا لَوْ قَال فِي الإِْجَارَةِ: بِعْتُكَ مَنْفَعَتَهَا لَمْ تَصِحَّ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ مَوْضُوعٌ لِمِلْكِ الأَْعْيَانِ فَلاَ يُسْتَعْمَل فِي الْمَنَافِعِ، كَمَا لاَ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِلَفْظِ الإِْجَارَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ ذَكَرَهَا الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ، وَذَكَرَهَا السُّيُوطِيُّ - أَيْضًا - فِي الأَْشْبَاهِ نَقْلاً عَنِ الزَّرْكَشِيِّ وَاعْتَرَضَ عَلَى بَعْضِهَا وَقَال: إِنَّهَا لاَ تُسْتَثْنَى؛ لأَِنَّ الصَّرِيحَ فِيهَا لَمْ يَجِدْ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ.
وَمِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ مَا يَأْتِي: -
الأُْولَى: إِذَا جَعَلْنَا الْخُلْعَ صَرِيحًا فِي الْفَسْخِ، فَفِي كَوْنِهِ كِنَايَةً فِي الطَّلاَقِ يَنْقُصُ بِهِ الْعَدَدُ إِذَا نَوَيَاهُ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا مِنْ حَيْثُ النَّقْل يَكُونُ طَلاَقًا.
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَال لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَنَوَى الطَّلاَقَ وَقَعَ، مَعَ أَنَّ التَّحْرِيمَ صَرِيحٌ فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ قَال: بِعْتُكِ نَفْسَكِ بِكَذَا. وَقَالَتْ: اشْتَرَيْتُ فَكِنَايَةُ خُلْعٍ. وَقَال السُّيُوطِيُّ فِي الأَْشْبَاهِ: إِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لاَ تُسْتَثْنَى؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ فِيهَا لَمْ يَجِدْ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ.
стр. 16629
الرَّابِعَةُ: لَوْ قَال: مَالِي طَالِقٌ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الصَّدَقَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَإِنْ نَوَى صَدَقَةَ مَالِهِ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْصِدَ قُرْبَةً.
وَعَلَى هَذَا: فَهَل يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِهِ، أَوْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ؟ وَجْهَانِ. وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الأَْشْبَاهِ: أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لاَ تُسْتَثْنَى - أَيْضًا - لأَِنَّ الصَّرِيحَ فِيهَا لَمْ يَجِدْ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ.
الْخَامِسَةُ: أَتَى بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ وَقَال: أَرَدْتُ التَّوْكِيل: قُبِل عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ.
السَّادِسَةُ: لَوْ رَاجَعَ بِلَفْظِ النِّكَاحِ، أَوِ التَّزْوِيجِ فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ تَنْفُذُ بِالنِّيَّةِ لإِِشْعَارِهِ بِالْمَعْنَى.
السَّابِعَةُ: إِذَا قَال مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْفَسْخُ: فَسَخْتُ نِكَاحَكِ وَأَطْلَقَ، أَوْ نَوَاهُ حَصَل الْفَسْخُ. وَإِنْ نَوَى بِالْفَسْخِ الطَّلاَقَ طَلُقَتْ فِي الأَْصَحِّ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْفَسْخُ كِنَايَةً فِي الطَّلاَقِ.
الثَّامِنَةُ: قَال: أَعَرْتُكَ حِمَارِي لِتُعِيرَنِي فَرَسَكَ فَإِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الإِْعَارَةَ كِنَايَةٌ فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ، وَالْفَسَادُ إِنَّمَا جَاءَ مِنِ اشْتِرَاطِ الْعَارِيَّةِ فِي الْعَقْدِ (١) . стр. 16630
الصَّرِيحُ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ:
١١ - قَال السُّيُوطِيُّ فِي الأَْشْبَاهِ: اعْلَمْ أَنَّ الصَّرِيحَ وَقَعَ فِي الأَْبْوَابِ كُلِّهَا، وَكَذَا الْكِنَايَةُ، إِلاَّ فِي الْخِطْبَةِ. فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا كِنَايَةً بَل ذَكَرُوا التَّعْرِيضَ، وَلاَ فِي النِّكَاحِ، فَلَمْ يَذْكُرُوا الْكِنَايَةَ لِلاِتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِالْكِنَايَةِ، وَوَقَعَ الصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ وَالتَّعْرِيضُ جَمِيعًا فِي الْقَذْفِ (١) .
أ - الْبَيْعُ:
١٢ - صَرِيحُ الْبَيْعِ فِي الإِْيجَابِ: بِعْتُكَ. وَفِي الْقَبُول: اشْتَرَيْتُ وَقَبِلْتُ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ بِكُل مَا يَدُل عَلَى الرِّضَا مِنْ قَوْلٍ. كَمَا اتَّفَقُوا - أَيْضًا - عَلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَفِي انْعِقَادِهِ بِغَيْرِ لَفْظِ الْمَاضِي، وَبِالْفِعْل خِلاَفٌ (٢) يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (بَيْعٌ ف - ١٠ - ٢١ - ٢٢) .
ب - الْوَقْفُ:
١٣ - مِنْ صَرِيحِ لَفْظِ الْوَقْفِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ следующие страницы →