Полный текст (31 949 стр.). Показаны 17116–17155 · переход к 17121.
стр. 17116
٨ - وَتُشْرَعُ صَلاَةُ الْكُسُوفِ لِلْمُنْفَرِدِ، وَالْمُسَافِرِ وَالنِّسَاءِ؛ لأَِنَّ عَائِشَةَ، وَأَسْمَاءَ ﵄ صَلَّتَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ (١) . وَيُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ غَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ أَنْ يُصَلِّينَ مَعَ الإِْمَامِ، وَأَمَّا اللَّوَاتِي تُخْشَى الْفِتْنَةُ مِنْهُنَّ فَيُصَلِّينَ فِي الْبُيُوتِ مُنْفَرِدَاتٍ. فَإِنِ اجْتَمَعْنَ فَلاَ بَأْسَ، إِلاَّ أَنَّهُنَّ لاَ يَخْطُبْنَ (٢) .
إِذْنُ الإِْمَامِ بِصَلاَةِ الْكُسُوفِ:
٩ - لاَ يُشْتَرَطُ لإِِقَامَتِهَا إِذْنُ الإِْمَامِ؛ لأَِنَّهَا نَافِلَةٌ وَلَيْسَ إِذْنُهُ شَرْطًا فِي نَافِلَةٍ، فَإِذَا تَرَكَ الإِْمَامُ صَلاَةَ الْكُسُوفِ فَلِلنَّاسِ أَنْ يُصَلُّوهَا عَلاَنِيَةً إِنْ لَمْ يَخَافُوا فِتْنَةً، وَسِرًّا إِنْ خَافُوهَا، إِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ (٣) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: لاَ يُقِيمُهَا جَمَاعَةً إِلاَّ الإِْمَامُ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ، لأَِنَّ أَدَاءَ هَذِهِ الصَّلاَةِ جَمَاعَةً عُرِفَ بِإِقَامَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلاَ يُقِيمُهَا إِلاَّ مَنْ هُوَ قَائِمٌ مَقَامَهُ. فَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا الإِْمَامُ صَلَّى النَّاسُ стр. 17117
حِينَئِذٍ فُرَادَى. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَال: إِنَّ لِكُل إِمَامِ مَسْجِدٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَسْجِدِهِ بِجَمَاعَةٍ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْمِصْرِ، فَلاَ تَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِالسُّلْطَانِ كَغَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ (١) .
كَيْفِيَّةُ صَلاَةِ الْكُسُوفِ:
١٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ صَلاَةَ الْكُسُوفِ رَكْعَتَانِ (٢) . وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلاَةِ بِهَا.
وَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ: إِلَى أَنَّهَا رَكْعَتَانِ فِي كُل رَكْعَةٍ قِيَامَانِ، وَقِرَاءَتَانِ، وَرُكُوعَانِ، وَسَجْدَتَانِ (٣) .
وَاسْتَدَلُّوا: بِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى الرَّسُول ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَْوَّل، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَْوَّل (٤) . стр. 17118
وَقَالُوا: وَإِنْ كَانَتْ هُنَاكَ رِوَايَاتٌ أُخْرَى، إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ هِيَ أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ فِي الْبَابِ (١)
. وَالْخِلاَفُ بَيْنَ الأَْئِمَّةِ فِي الْكَمَال لاَ فِي الإِْجْزَاءِ وَالصِّحَّةِ فَيُجْزِئُ فِي أَصْل السُّنَّةِ رَكْعَتَانِ كَسَائِرِ النَّوَافِل عِنْدَ الْجَمِيعِ (٢) .
وَأَدْنَى الْكَمَال عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ: أَنْ يُحْرِمَ بِنِيَّةِ صَلاَةِ الْكُسُوفِ، وَيَقْرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، ثُمَّ يَرْكَعَ، ثُمَّ يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَيَطْمَئِنَّ، ثُمَّ يَرْكَعَ ثَانِيًا، ثُمَّ يَرْفَعَ وَيَطْمَئِنَّ، ثُمَّ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ فَهَذِهِ رَكْعَةٌ.
ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَةً أُخْرَى كَذَلِكَ. فَهِيَ رَكْعَتَانِ: فِي كُل رَكْعَةٍ قِيَامَانِ، وَرُكُوعَانِ، وَسَجْدَتَانِ. وَبَاقِي الصَّلاَةِ مِنْ قِرَاءَةٍ، وَتَشَهُّدٍ، وَطُمَأْنِينَةٍ كَغَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ.
وَأَعْلَى الْكَمَال: أَنْ يُحْرِمَ، وَيَسْتَفْتِحَ، وَيَسْتَعِيذَ، وَيَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ، سُورَةَ الْبَقَرَةِ، أَوْ قَدْرَهَا فِي الطُّول، ثُمَّ يَرْكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً فَيُسَبِّحَ قَدْرَ مِائَةِ آيَةٍ، ثُمَّ يَرْفَعَ مِنْ رُكُوعِهِ، فَيُسَبِّحَ، وَيَحْمَدَ فِي اعْتِدَالِهِ. ثُمَّ يَقْرَأَ стр. 17119
الْفَاتِحَةَ، وَسُورَةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الأُْولَى: آل عِمْرَانَ، أَوْ قَدْرَهَا، ثُمَّ يَرْكَعَ فَيُطِيل الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَْوَّل، ثُمَّ يَرْفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَيُسَبِّحَ، وَيَحْمَدَ، وَلاَ يُطِيل الاِعْتِدَال، ثُمَّ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، وَلاَ يُطِيل الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. ثُمَّ يَقُومَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَيَفْعَل مِثْل ذَلِكَ الْمَذْكُورِ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى مِنَ الرُّكُوعَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، لَكِنْ يَكُونُ دُونَ الأَْوَّل فِي الطُّول فِي كُل مَا يَفْعَل ثُمَّ يَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهَا رَكْعَتَانِ، فِي كُل رَكْعَةٍ قِيَامٌ وَاحِدٌ، وَرُكُوعٌ وَاحِدٌ وَسَجْدَتَانِ كَسَائِرِ النَّوَافِل (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، قَال: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ وَثَابَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ. إِلَخْ " وَمُطْلَقُ الصَّلاَةِ تَنْصَرِفُ إِلَى الصَّلاَةِ الْمَعْهُودَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلُّونَ (٣) . стр. 17120
الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ وَالإِْسْرَارُ بِهَا:
١١ - يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ؛ لأَِنَّهَا صَلاَةٌ لَيْلِيَّةٌ وَلِخَبَرِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ فِي صَلاَةِ الْخُسُوفِ (١)
وَلاَ يَجْهَرُ فِي صَلاَةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلاَةَ الْكُسُوفِ، فَلَمْ نَسْمَعْ لَهُ صَوْتًا (٢) .
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ. وَقَال أَحْمَدُ، وَأَبُو يُوسُفَ: يَجْهَرُ بِهَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالُوا: قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَفَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَبِحَضْرَتِهِ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَم. وَرَوَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : صَلَّى صَلاَةَ الْكُسُوفِ، وَجَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَلأَِنَّهَا نَافِلَةٌ стр. 17121
شُرِعَتْ لَهَا الْجَمَاعَةُ، فَكَانَ مِنْ سُنَنِهَا الْجَهْرُ كَصَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ، وَالْعِيدَيْنِ (١) .
اجْتِمَاعُ الْكُسُوفِ بِغَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ:
١٢ - إِذَا اجْتَمَعَ مَعَ الْكُسُوفِ أَوِ الْخُسُوفِ غَيْرُهُ مِنَ الصَّلاَةِ: كَالْجُمُعَةِ، أَوِ الْعِيدِ، أَوْ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ، أَوِ الْوِتْرِ، وَلَمْ يُؤْمَنْ مِنَ الْفَوَاتِ، قُدِّمَ الأَْخْوَفُ فَوْتًا ثُمَّ الآْكَدُ، فَتُقَدَّمُ الْفَرِيضَةُ، ثُمَّ الْجِنَازَةُ، ثُمَّ الْعِيدُ، ثُمَّ الْكُسُوفُ. وَلَوِ اجْتَمَعَ وِتْرٌ وَخُسُوفٌ قُدِّمَ الْخُسُوفُ؛ لأَِنَّ صَلاَتَهُ آكَدُ حِينَئِذٍ لِخَوْفِ فَوْتِهَا، وَإِنْ أُمِنَ مِنَ الْفَوَاتِ، تُقَدَّمُ الْجِنَازَةُ ثُمَّ الْكُسُوفُ أَوِ الْخُسُوفُ، ثُمَّ الْفَرِيضَةُ (٢) .
الصَّلاَةُ لِغَيْرِ الْكُسُوفِ مِنَ الآْيَاتِ:
١٣ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: تُسْتَحَبُّ الصَّلاَةُ فِي كُل فَزَعٍ: كَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ، وَالزَّلْزَلَةِ، وَالظُّلْمَةِ، وَالْمَطَرِ الدَّائِمِ لِكَوْنِهَا مِنَ الأَْفْزَاعِ، وَالأَْهْوَال. وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ صَلَّى لِزَلْزَلَةٍ بِالْبَصْرَةِ (٣) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يُصَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ الزَّلْزَلَةُ الدَّائِمَةُ، فَيُصَلَّى لَهَا كَصَلاَةِ الْكُسُوفِ؛ لِفِعْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ стр. 17122
- أَمَّا غَيْرُهَا فَلَمْ يُنْقَل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلاَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الصَّلاَةُ لَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُصَلَّى لِكُل آيَةٍ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُصَلَّى لِغَيْرِ الْكُسُوفَيْنِ صَلاَةُ جَمَاعَةٍ، بَل يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلَّى فِي بَيْتِهِ، وَأَنْ يَتَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ عِنْدَ رُؤْيَةِ هَذِهِ الآْيَاتِ، وَقَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀: لاَ آمُرُ بِصَلاَةِ جَمَاعَةٍ فِي زَلْزَلَةٍ، وَلاَ ظُلْمَةٍ، وَلاَ لِصَوَاعِقَ، وَلاَ رِيحٍ، وَلاَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ، وَآمُرُ بِالصَّلاَةِ مُنْفَرِدِينَ، كَمَا يُصَلُّونَ مُنْفَرِدِينَ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُصَلَّى لِهَذِهِ الآْيَاتِ مُطْلَقًا (٣) . стр. 17123
صَلاَةُ الْمَرِيضِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمَرِيضُ لُغَةً: مِنَ الْمَرَضِ، وَالْمَرْضِ - بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا - فَسَادُ الْمِزَاجِ (١) .
وَالْمَرَضُ اصْطِلاَحًا: مَا يَعْرِضُ لِلْبَدَنِ، فَيُخْرِجُهُ عَنْ الاِعْتِدَال الْخَاصِّ (٢) ، وَالْمَرِيضُ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
صَلاَةُ أَهْل الأَْعْذَارِ:
٢ - أَهْل الأَْعْذَارِ: هُمُ الْخَائِفُ، وَالْعُرْيَانُ، وَالْغَرِيقُ، وَالسَّجِينُ، وَالْمُسَافِرُ، وَالْمَرِيضُ وَغَيْرُهُمْ، وَبَعْضُ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ أُفْرِدَتْ لَهُ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ، وَبَعْضُهَا تَدْخُل أَحْكَامُهُ فِي صَلاَةِ الْمَرِيضِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ صَلاَةِ التَّطَوُّعِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ (٣) ؛ لأَِنَّ стр. 17124
النَّوَافِل تَكْثُرُ، فَلَوْ وَجَبَ فِيهَا الْقِيَامُ مَثَلاً شَقَّ ذَلِكَ؛ وَانْقَطَعَتِ النَّوَافِل، وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَل (١) .
أَمَّا صَلاَةُ الْفَرْضِ فَحُكْمُهَا التَّكْلِيفِيُّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ نَوْعِ الْمَرَضِ وَتَأْثِيرِهِ عَلَى الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال فِيهَا، وَهِيَ تَشْمَل الْفَرْضَ الْعَيْنِيَّ وَالْكِفَائِيَّ، كَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ، وَصَلاَةِ الْعِيدِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهَا، وَتَشْمَل الْوَاجِبَ بِالنَّذْرِ عَلَى مَنْ نَذَرَ الْقِيَامَ فِيهِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ لاَ يُطِيقُ الْقِيَامَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا (٢) .
ضَابِطُ الْمَرَضِ الَّذِي يُعْتَبَرُ عُذْرًا فِي الصَّلاَةِ:
٤ - إِذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْمَرِيضِ كُل الْقِيَامِ، أَوْ تَعَسَّرَ الْقِيَامُ كُلُّهُ، بِوُجُودِ أَلَمٍ شَدِيدٍ أَوْ خَوْفِ زِيَادَةِ الْمَرَضِ أَوْ بُطْئِهِ - يُصَلِّي قَاعِدًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ. وَالأَْلَمُ الشَّدِيدُ كَدَوَرَانِ رَأْسٍ، أَوْ وَجَعِ ضِرْسٍ، أَوْ شَقِيقَةٍ أَوْ رَمَدٍ. وَيَخْرُجُ بِهِ стр. 17125
مَا لَوْ لَحِقَ الْمُصَلِّيَ نَوْعٌ مِنَ الْمَشَقَّةِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ.
وَمِثْل الأَْلَمِ الشَّدِيدِ خَوْفُ لُحُوقِ الضَّرَرِ مِنْ عَدُوٍّ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ لَوْ صَلَّى قَائِمًا. وَكَذَلِكَ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِتَجْرِبَةٍ سَابِقَةٍ، أَوْ إِخْبَارِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَوْ قَامَ زَادَ سَلَسُ بَوْلِهِ، أَوْ سَال جُرْحُهُ، أَوْ أَبْطَأَ بُرْؤُهُ، فَإِنَّهُ يَتْرُكُ الْقِيَامَ وَيُصَلِّي قَاعِدًا.
وَإِذَا تَعَذَّرَ كُل الْقِيَامِ فَهَذَا الْقَدْرُ الْحَقِيقِيُّ، وَمَا سِوَاهُ فَهُوَ حُكْمِيٌّ (١) .
صُوَرُ الْعَجْزِ وَالْمَشَقَّةِ:
عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ:
٥ - الْقِيَامُ رُكْنٌ فِي الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ (٢) لِمَا وَرَدَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - أَنَّهُ قَال -: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِكَ (٣) . فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ صَلَّى قَاعِدًا؛ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ؛ وَلأَِنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ стр. 17126
الطَّاقَةِ. فَإِنْ صَلَّى مَعَ الإِْمَامِ قَائِمًا بَعْضَ الصَّلاَةِ، وَفَتَرَ فِي بَعْضِهَا فَصَلَّى جَالِسًا صَحَّتْ صَلاَتُهُ (١) .
وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ ثُمَّ بَرِئَ بَنَى عَلَى صَلاَتِهِ قَائِمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ (٢) ، وَجَازَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٣) أَنْ يَقُومَ بِبَعْضِ الصَّلاَةِ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ ثُمَّ يَرْجِعَ فَيَقُومَ بِبَعْضِهَا الآْخَرِ، وَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ إِنْ تَقَوَّسَ ظَهْرُهُ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ رَاكِعٌ، رَفَعَ رَأْسَهُ فِي مَوْضِعِ الْقِيَامِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ (٤) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (انْحِنَاءٌ) .
عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لِوُجُودِ عِلَّةٍ بِالْعَيْنِ:
٦ - إِنْ كَانَ بِعَيْنِ الْمَرِيضِ وَجَعٌ، بِحَيْثُ لَوْ قَعَدَ أَوْ سَجَدَ زَادَ أَلَمُ عَيْنِهِ فَأَمَرَهُ الطَّبِيبُ الْمُسْلِمُ الثِّقَةُ بِالاِسْتِلْقَاءِ أَيَّامًا، وَنَهَاهُ عَنِ الْقُعُودِ وَالسُّجُودِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ فَقِيل لَهُ: إِنْ صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُكَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى رَأْيَيْنِ:
الأَْوَّل: عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ؛ لأَِنَّهُ يَخَافُ الضَّرَرَ مِنَ الْقِيَامِ فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ فَيُجْزِئُهُ أَنْ يَسْتَلْقِيَ وَيُصَلِّيَ بِالإِْيمَاءِ стр. 17127
لأَِنَّ حُرْمَةَ الأَْعْضَاءِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ (١) .
الثَّانِي: لاَ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ لَمَّا وَقَعَ فِي عَيْنَيْهِ الْمَاءُ حَمَل إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ الأَْطِبَّاءَ فَقِيل لَهُ: إِنَّكَ تَمْكُثُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لاَ تُصَلِّي إِلاَّ مُسْتَلْقِيًا فَسَأَل عَائِشَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ﵄ فَنَهَتَاهُ (٢) .
عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرِ عِنْدَ الْقِيَامِ أَوْ غَيْرِهِ:
٧ - يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ؛ لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ (٣) فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَفْعُهُمَا، أَوْ أَمْكَنَهُ رَفْعُ إِحْدَاهُمَا، أَوْ رَفَعَهُمَا إِلَى مَا دُونَ الْمَنْكِبِ رَفَعَ مَا أَمْكَنَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٤) . стр. 17128
فَإِنْ كَانَ بِهِ عِلَّةٌ إِذَا رَفَعَ الْيَدَ جَاوَزَ الْمَنْكِبَ رَفَعَ؛ لأَِنَّهُ يَأْتِي بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَزِيَادَةٍ هُوَ مَغْلُوبٌ عَلَيْهَا (١) .
وَيَجُوزُ لِلْمَرِيضِ غَيْرِ الْقَادِرِ عَلَى أَدَاءِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ الاِتِّكَاءُ عَلَى شَيْءٍ، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى مُصْطَلَحِ: (اتِّكَاء، اسْتِنَاد) .
عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الرُّكُوعِ:
٨ - الرُّكُوعُ فِي الصَّلاَةِ رُكْنٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٢) وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّكُوعُ أَوْمَأَ إِلَيْهِ، وَقَرَّبَ وَجْهَهُ إِلَى الأَْرْضِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وَيَجْعَل الإِْيمَاءَ لِلسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنْ إِيمَاءِ الرُّكُوعِ، لَكِنَ الْخِلاَفُ فِي كَيْفِيَّةِ أَدَاءِ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الرُّكُوعِ دُونَ الْقِيَامِ (٣) .
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى رَأْيَيْنِ:
الأَْوَّل: وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ (٤) أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْقِيَامِ دُونَ الرُّكُوعِ يُومِئُ مِنَ الْقِيَامِ، لأَِنَّ الرَّاكِعَ كَالْقَائِمِ فِي نَصْبِ رِجْلَيْهِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ стр. 17129
لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَل قَائِمًا (١) وَلأَِنَّهُ رُكْنٌ قَدَرَ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ فَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَ الإِْيمَاءَيْنِ إِذَا عَجَزَ عَنِ السُّجُودِ أَيْضًا.
الثَّانِي: عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْقِيَامَ يَسْقُطُ عَنِ الْمَرِيضِ حَال الرُّكُوعِ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الرُّكُوعِ فَيُصَلِّي قَاعِدًا يُومِئُ إِيمَاءً؛ لأَِنَّ رُكْنِيَّةَ الْقِيَامِ لِلتَّوَصُّل بِهِ إِلَى السَّجْدَةِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ، فَإِذَا كَانَ لاَ يَتَعَقَّبُهُ السُّجُودُ لاَ يَكُونُ رُكْنًا فَيَتَخَيَّرُ، وَالأَْفْضَل عِنْدَهُمْ هُوَ الإِْيمَاءُ قَاعِدًا؛ لأَِنَّهُ أَشْبَهُ بِالسُّجُودِ (٢) .
عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى السُّجُودِ:
٩ - السُّجُودُ رُكْنٌ فِي الصَّلاَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ، وَاخْتَلَفُوا فِي عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ عَلَى اتِّجَاهَيْنِ:
الأَْوَّل: يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْقِيَامِ فَقَطْ دُونَ السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ يُومِئُ لَهُمَا مِنَ الْقِيَامِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَضْطَجِعَ وَيُومِئَ لَهُمَا مِنَ اضْطِجَاعِهِ، فَإِنِ اضْطَجَعَ تَبْطُل الصَّلاَةُ عِنْدَهُمْ (٣) .
الثَّانِي: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْقَادِرَ стр. 17130
عَلَى الْقِيَامِ فَقَطْ دُونَ السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ يُومِئُ لَهُمَا وَهُوَ قَائِمٌ؛ لأَِنَّ السَّاجِدَ عِنْدَهُمْ كَالْجَالِسِ فِي جَمْعِ رِجْلَيْهِ عَلَى أَنْ يَحْصُل فَرْقٌ بَيْنَ الإِْيمَاءَيْنِ (١) .
عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى وَضْعِ الْجَبْهَةِ وَالأَْنْفِ:
١٠ - السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَاجِبٌ (٢) ، حَيْثُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ أَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ مِنَ الأَْرْضِ (٣) وَإِنْ سَجَدَ عَلَى مِخَدَّةٍ أَجْزَأَهُ؛ لأَِنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ سَجَدَتْ عَلَى مِخَدَّةٍ لِرَمَدٍ بِهَا بِلاَ رَفْعٍ، وَاحْتُجَّ بِفِعْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرِهِمَا (٤) .
فَإِنْ رَفَعَ شَيْئًا كَالْوِسَادَةِ أَوِ الْخَشَبَةِ أَوِ الْحَجَرِ إِلَى جَبْهَتِهِ فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ؛ لاِنْعِدَامِ السُّجُودِ لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَسْجُدَ عَلَى الأَْرْضِ وَإِلاَّ فَأَوْمِئْ إِيمَاءً، وَاجْعَل سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ стр. 17131
بِرَأْسِكَ (١) فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ وَهُوَ يَخْفِضُ رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِوُجُودِ الإِْيمَاءِ، وَإِنْ وَضَعَ ذَلِكَ عَلَى جَبْهَتِهِ لاَ يُجْزِئُهُ (٢) .
وَيُكْرَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ وَيُجْزِئُهُ عِنْدَ آخَرِينَ نَصًّا؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْهُ أَشْبَهَ الإِْيمَاءَ (٣) .
وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْمُصَلِّي تَمْكِينَ جَبْهَتِهِ مِنَ الأَْرْضِ لِعِلَّةٍ بِهَا، اقْتَصَرَ عَلَى الأَْنْفِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ:
إِنْ كَانَ بِجَبْهَتِهِ جِرَاحَةٌ عَصَبَهَا بِعِصَابَةٍ وَسَجَدَ عَلَيْهَا، وَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ (٤) .
عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِقْبَال الْمَرِيضِ لِلْقِبْلَةِ:
١١ - الْمَرِيضُ الْعَاجِزُ عَنِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ وَلاَ يَجِدُ مَنْ يُحَوِّلُهُ إِلَيْهَا - لاَ مُتَبَرِّعًا وَلاَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ وَهُوَ وَاجِدُهَا - فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَى حَسْبِ حَالَتِهِ.
وَلِلتَّفْصِيل رَاجِعْ مُصْطَلَحَ: (اسْتِقْبَالٌ) . стр. 17132
صَلاَةُ الْمَرِيضِ جَمَاعَةً:
١٢ - الْمَرِيضُ إِنْ قَدَرَ عَلَى الصَّلاَةِ وَحْدَهُ قَائِمًا، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الإِْمَامِ لِتَطْوِيلِهِ صَلَّى مُنْفَرِدًا؛ لأَِنَّ الْقِيَامَ آكَدُ؛ لِكَوْنِهِ رُكْنًا فِي الصَّلاَةِ لاَ تَتِمُّ إِلاَّ بِهِ. وَالْجَمَاعَةُ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِدُونِهَا؛ وَلأَِنَّ الْعَجْزَ يَتَضَاعَفُ بِالْجَمَاعَةِ أَكْثَرَ مِنْ تَضَاعُفِهِ بِالْقِيَامِ، بِدَلِيل أَنَّ صَلاَةَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلاَةِ الْقَائِمِ، وَصَلاَةَ الْجَمَاعَةِ تَفْضُل صَلاَةَ الرَّجُل وَحْدَهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (١) .
الْعَجْزُ عَنِ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ:
١٣ - إِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الْمَرِيضِ الْقِيَامُ وَالْجُلُوسُ فِي آنٍ وَاحِدٍ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ دُونَ تَحْدِيدٍ لِلشِّقِّ الأَْيْمَنِ أَوِ الأَْيْسَرِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ مِنَ الأَْفْضَل أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنْبِهِ الأَْيْمَنِ ثُمَّ الأَْيْسَرِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ عَلَى جَنْبِهِ يُصَلِّي مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ وَرِجْلاَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ وَأَوْمَأَ بِطَرَفِهِ. وَالدَّلِيل عَلَى مَا سَبَقَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (٢) . стр. 17133
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى ظَهْرِهِ صَلَّى عَلَى بَطْنِهِ وَرَأْسِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَإِنْ قَدَّمَهَا عَلَى الظَّهْرِ بَطَلَتْ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ تَعَسَّرَ الْقُعُودُ أَوْمَأَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ، أَوْ عَلَى أَحَدِ جَنْبَيْهِ وَالأَْيْمَنُ أَفْضَل مِنَ الأَْيْسَرِ، وَالاِسْتِلْقَاءُ عَلَى قَفَاهُ أَوْلَى مِنَ الْجَنْبِ إِنْ تَيَسَّرَ، وَالْمُسْتَلْقِي يَجْعَل تَحْتَ رَأْسِهِ شَيْئًا كَالْوِسَادَةِ؛ لِيَصِيرَ وَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ لاَ إِلَى السَّمَاءِ، وَلِيَتَمَكَّنَ مِنَ الإِْيمَاءِ (١) .
وَصَلاَةُ الْمَرِيضِ بِالْهَيْئَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ فِيمَا سَبَقَ لاَ يُنْقِصُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا؛ لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁ مَرْفُوعًا: إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْل مَا كَانَ يَعْمَل مُقِيمًا صَحِيحًا (٢) .
كَيْفِيَّةُ الإِْيمَاءِ:
١٤ - إِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْمَرِيضُ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ أَوِ الرُّكُوعَ أَوِ الْجُلُوسَ أَوْ جَمِيعَهَا فَاحْتَاجَ إِلَى الإِْيمَاءِ فَهَل يُومِئُ بِرَأْسِهِ لَهَا أَمْ بِعَيْنِهِ أَمْ بِقَلْبِهِ؟
فَالْجُمْهُورُ أَنَّ الْمَرِيضَ يُومِئُ بِمَا стр. 17134
يَسْتَطِيعُهُ (١) وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٢) وَالأَْصْل أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ إِلاَّ الإِْيمَاءَ فَيُومِئُ بِرَأْسِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِْيمَاءِ بِرَأْسِهِ أَوْمَأَ بِطَرَفِهِ (عَيْنِهِ) نَاوِيًا مُسْتَحْضِرًا تَيْسِيرًا لَهُ لِلْفِعْل عِنْدَ إِيمَائِهِ، وَنَاوِيًا الْقَوْل إِذَا أَوْمَأَ لَهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقَوْل فَبِقَلْبِهِ مُسْتَحْضِرًا لَهُ، كَالأَْسِيرِ، وَالْخَائِفِ مِنْ آخَرِينَ إِنْ عَلِمُوا بِصَلاَتِهِ يُؤْذُونَهُ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا زُفَرَ - فَإِنَّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الإِْيمَاءَ بِرَأْسِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلاَةَ، وَلاَ يُومِئُ بِعَيْنِهِ وَلاَ بِقَلْبِهِ وَلاَ بِحَاجِبِهِ
وَعِنْدَهُمْ لاَ قِيَاسَ عَلَى الرَّأْسِ؛ لأَِنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ رُكْنُ الصَّلاَةِ دُونَ الْعَيْنِ وَغَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِذَا كَانَ مُفِيقًا؛ لأَِنَّهُ يَفْهَمُ مَضْمُونَ الْخِطَابِ بِخِلاَفِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ (٣) .
الْعَجْزُ الْمُؤَقَّتُ:
١٥ - قَدْ يَعْجِزُ الْمَرِيضُ بَعْضَ الْوَقْتِ عَنْ قِيَامٍ، أَوْ قُعُودٍ، أَوْ رُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، ثُمَّ يَسْتَطِيعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ صَلاَتَهُ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ، وَيَرْجِعَ إِلَى стр. 17135
مَا يَسْتَطِيعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَوِ افْتَتَحَ الصَّلاَةَ قَائِمًا ثُمَّ عَجَزَ فَقَعَدَ وَأَتَمَّ صَلاَتَهُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ. وَإِنِ افْتَتَحَهَا قَاعِدًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ قَامَ وَأَتَمَّ صَلاَتَهُ؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ جَمِيعَ صَلاَتِهِ قَاعِدًا عِنْدَ الْعَجْزِ، وَجَمِيعَهَا قَائِمًا عِنْدَ الْقُدْرَةِ، فَجَازَ أَنْ يُؤَدِّيَ بَعْضَهَا قَاعِدًا عِنْدَ الْعَجْزِ وَبَعْضَهَا قَائِمًا عِنْدَ الْقُدْرَةِ.
وَإِنِ افْتَتَحَ الصَّلاَةَ قَاعِدًا ثُمَّ عَجَزَ اضْطَجَعَ، وَإِنِ افْتَتَحَهَا مُضْطَجِعًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أَوِ الْقُعُودِ قَامَ أَوْ قَعَدَ (١)
الطُّمَأْنِينَةُ لِلْمَرِيضِ فِي صَلاَتِهِ:
١٦ - قَال النَّوَوِيُّ (٢) : لاَ يَلْزَمُ الْمَرِيضَ الطُّمَأْنِينَةُ عِنْدَ الْقِيَامِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ. وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ (٣) هَل هُوَ سُنَّةٌ أَمْ وَاجِبٌ؟ وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ: (صَلاَة) .
إِمَامَةُ الْمَرِيضِ:
١٧ - الْمَرِيضُ تَخْتَلِفُ حَالُهُ مِنْ وَاحِدٍ لآِخَرَ فَقَدْ يَكُونُ الْمَرَضُ سَلَسَ بَوْلٍ، أَوِ انْفِلاَتَ رِيحٍ، أَوْ جُرْحًا سَائِلاً أَوْ رُعَافًا، وَلِكُل حَالَةٍ مِنْ هَذِهِ الْحَالاَتِ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ بِالنِّسْبَةِ стр. 17136
لِلإِْمَامَةِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (اقْتِدَاء، إِمَامَة) .
الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ لِلْمَرِيضِ:
١٨ - لِلْفُقَهَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ لِلْمَرِيضِ رَأْيَانِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ لأَِجْل الْمَرَضِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ جَمَعَ لأَِجْل الْمَرَضِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ لِلْمَرِيضِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَرَضُ دَوْخَةً أَوْ حُمَّى أَوْ غَيْرَهُمَا (٢) . стр. 17137
صَلاَةُ الْمُسَافِرِ
التَّعْرِيفُ:
١ - السَّفَرُ لُغَةً: قَطْعُ الْمَسَافَةِ، وَخِلاَفُ الْحَضَرِ (أَيِ الإِْقَامَةِ) ، وَالْجَمْعُ: أَسْفَارٌ، وَرَجُلٌ سَفْرٌ، وَقَوْمٌ سَفْرٌ: ذَوُو سَفْرٍ (١) .
وَالْفُقَهَاءُ يَقْصِدُونَ بِالسَّفَرِ: السَّفَرَ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِهِ الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ وَهُوَ: أَنْ يَخْرُجَ الإِْنْسَانُ مِنْ وَطَنِهِ قَاصِدًا مَكَانًا يَسْتَغْرِقُ الْمَسِيرُ إِلَيْهِ مَسَافَةً مُقَدَّرَةً عِنْدَهُمْ، عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهَا.
وَالْمُرَادُ بِالْقَصْدِ: الإِْرَادَةُ الْمُقَارِنَةُ لِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ، فَلَوْ طَافَ الإِْنْسَانُ جَمِيعَ الْعَالَمِ بِلاَ قَصْدِ الْوُصُول إِلَى مَكَانٍ مُعَيَّنٍ فَلاَ يَصِيرُ مُسَافِرًا.
وَلَوْ أَنَّهُ قَصَدَ السَّفَرَ، وَلَمْ يَقْتَرِنْ قَصْدُهُ بِالْخُرُوجِ فِعْلاً فَلاَ يَصِيرُ مُسَافِرًا كَذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حَقِّ تَغْيِيرِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ السَّفَرُ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ الْقَصْدُ وَالْفِعْل (٢) . стр. 17138
خَصَائِصُ السَّفَرِ:
٢ - يَخْتَصُّ السَّفَرُ بِأَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَتَتَغَيَّرُ بِوُجُودِهِ، وَمِنْ أَهَمِّهَا: قَصْرُ الصَّلاَةِ الرُّبَاعِيَّةِ، وَإِبَاحَةُ الْفِطْرِ لِلصَّائِمِ، وَامْتِدَادُ مُدَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَحُرْمَةُ السَّفَرِ عَلَى الْحُرَّةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَوِلاَيَةُ الأَْبْعَدِ.
وَيَقْتَصِرُ هَذَا الْبَحْثُ عَلَى مَا يَتَّصِل بِالسَّفَرِ مِنْ حَيْثُ قَصْرُ الصَّلاَةِ. أَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِغَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (سَفَر، صَوْم، الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ، نِكَاح، وَوِلاَيَة) .
تَقْسِيمُ الْوَطَنِ:
يَنْقَسِمُ الْوَطَنُ إِلَى: وَطَنٍ أَصْلِيٍّ، وَوَطَنِ إِقَامَةٍ، وَوَطَنِ سُكْنَى .
الْوَطَنُ الأَْصْلِيُّ:
٣ - هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ الإِْنْسَانُ بِأَهْلِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَوْطِنَ وِلاَدَتِهِ أَمْ بَلْدَةً أُخْرَى، اتَّخَذَهَا دَارًا وَتَوَطَّنَ بِهَا مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَلاَ يَقْصِدُ الاِرْتِحَال عَنْهَا، بَل التَّعَيُّشُ بِهَا.
стр. 17139
وَيَأْخُذُ حُكْمَ الْوَطَنِ: الْمَكَانُ الَّذِي تَأَهَّل بِهِ، أَيْ تَزَوَّجَ بِهِ، وَلاَ يَحْتَاجُ الْوَطَنُ الأَْصْلِيُّ إِلَى نِيَّةِ الإِْقَامَةِ. لَكِنَ الْمَالِكِيَّةُ يَشْتَرِطُونَ: أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مَدْخُولاً بِهَا غَيْرَ نَاشِزٍ.
وَمِمَّا تَقَدَّمَ يَتَبَيَّنُ: أَنَّ الْوَطَنَ الأَْصْلِيَّ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ أَغْلَبِ الْفُقَهَاءِ بِالإِْقَامَةِ الدَّائِمَةِ عَلَى نِيَّةِ التَّأْبِيدِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي مَكَانِ وِلاَدَتِهِ أَمْ فِي مَكَانٍ آخَرَ، وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ مَكَانُ الزَّوْجَةِ (١) .
٤ - وَالْوَطَنُ الأَْصْلِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ، وَذَلِكَ مِثْل أَنْ يَكُونَ لَهُ أَهْلٌ وَدَارٌ فِي بَلْدَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ نِيَّةِ أَهْلِهِ الْخُرُوجُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ يَنْتَقِل مِنْ أَهْلٍ إِلَى أَهْلٍ فِي السَّنَةِ، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ خَرَجَ مُسَافِرًا مِنْ بَلْدَةٍ فِيهَا أَهْلُهُ، وَدَخَل بَلْدَةً أُخْرَى فِيهَا أَهْلُهُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الإِْقَامَةِ (٢) .
مَا يُنْتَقَضُ بِهِ الْوَطَنُ الأَْصْلِيُّ:
٥ - الْوَطَنُ الأَْصْلِيُّ يُنْتَقَضُ بِمِثْلِهِ لاَ غَيْرُ، وَهُوَ أَنْ يَتَوَطَّنَ الإِْنْسَانُ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى وَيَنْقُل الأَْهْل إِلَيْهَا مِنْ بَلْدَتِهِ مُضْرِبًا عَنِ الْوَطَنِ الأَْوَّل، وَرَافِضًا سُكْنَاهُ، فَإِنَّ الْوَطَنَ الأَْوَّل يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ وَطَنًا أَصْلِيًّا لَهُ، стр. 17140
حَتَّى لَوْ دَخَل فِيهِ مُسَافِرًا لاَ تَصِيرُ صَلاَتُهُ أَرْبَعًا.
وَالأَْصْل فِيهِ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ ﵃ كَانُوا مِنْ أَهْل مَكَّةَ، وَكَانَ لَهُمْ بِهَا أَوْطَانٌ أَصْلِيَّةٌ، ثُمَّ لَمَّا هَاجَرُوا وَتَوَطَّنُوا بِالْمَدِينَةِ، وَجَعَلُوهَا دَارًا لأَِنْفُسِهِمُ انْتَقَضَ وَطَنُهُمُ الأَْصْلِيُّ بِمَكَّةَ، حَتَّى كَانُوا إِذَا أَتَوْا مَكَّةَ يُصَلُّونَ صَلاَةَ الْمُسَافِرِينَ.
وَلِذَلِكَ قَال النَّبِيُّ ﷺ حِينَ صَلَّى بِهِمْ: أَتِمُّوا يَا أَهْل مَكَّةَ صَلاَتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ (١) .
وَلاَ يُنْتَقَضُ الْوَطَنُ الأَْصْلِيُّ بِ وَطَنِ الإِْقَامَةِ ، وَلاَ بِوَطَنِ السُّكْنَى؛ لأَِنَّهُمَا دُونَهُ، وَالشَّيْءُ لاَ يُنْسَخُ بِمَا هُوَ دُونَهُ، وَكَذَا لاَ يُنْتَقَضُ بِنِيَّةِ السَّفَرِ وَالْخُرُوجِ مِنْ وَطَنِهِ حَتَّى يَصِيرَ مُقِيمًا بِالْعَوْدَةِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الإِْقَامَةِ.
وَطَنُ الإِْقَامَةِ:
٦ - هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَقْصِدُ الإِْنْسَانُ أَنْ يُقِيمَ بِهِ مُدَّةً قَاطِعَةً لِحُكْمِ السَّفَرِ فَأَكْثَرَ عَلَى نِيَّةِ أَنْ يُسَافِرَ بَعْدَ ذَلِكَ،
مَعَ اخْتِلاَفٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ فِي مِقْدَارِ هَذِهِ الْمُدَّةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهَا. стр. 17141
أَمَّا شَرَائِطُهُ: فَقَدْ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَيْنِ:
الرِّوَايَةَ الأُْولَى: إِنَّمَا يَصِيرُ الْوَطَنُ وَطَنَ إِقَامَةٍ بِشَرِيطَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَتَقَدَّمَهُ سَفَرٌ.
وَالثَّانِيَةَ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ وَطَنِهِ الأَْصْلِيِّ وَبَيْنَ هَذَا الْمَوْضِعِ (الَّذِي تَوَطَّنَ فِيهِ بِنِيَّةِ إِقَامَةِ هَذِهِ الْمُدَّةِ) مَسَافَةُ الْقَصْرِ.
وَبِدُونِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ لاَ يَصِيرُ وَطَنَ إِقَامَةٍ، وَإِنْ نَوَى الإِْقَامَةَ مُدَّةً قَاطِعَةً لِلسَّفَرِ فِي مَكَان صَالِحٍ لِلإِْقَامَةِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُل الْمُقِيمَ لَوْ خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ إِلَى قَرْيَةٍ لاَ لِقَصْدِ السَّفَرِ، وَنَوَى أَنْ يَتَوَطَّنَ بِهَا الْمُدَّةَ الْقَاطِعَةَ لِلسَّفَرِ فَلاَ تَصِيرُ تِلْكَ الْقَرْيَةُ وَطَنَ إِقَامَةٍ لَهُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ؛ لاِنْعِدَامِ تَقَدُّمِ السَّفَرِ. وَكَذَا إِذَا قَصَدَ مَسِيرَةَ سَفَرٍ، وَخَرَجَ حَتَّى وَصَل إِلَى قَرْيَةٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَطَنِهِ الأَْصْلِيِّ أَقَل مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَنَوَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا الْمُدَّةَ الْقَاطِعَةَ لِلسَّفَرِ لاَ تَصِيرُ تِلْكَ الْقَرْيَةُ وَطَنَ إِقَامَةٍ لَهُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ - وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - أَنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا مِنْ غَيْرِ هَاتَيْنِ الشَّرِيطَتَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَالْمَالِكِيَّةُ يَشْتَرِطُونَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ إِنْ كَانَتْ
стр. 17142
نِيَّةُ الإِْقَامَةِ فِي ابْتِدَاءِ السَّيْرِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي أَثْنَائِهِ فَلاَ تُشْتَرَطُ الْمَسَافَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ (١) .
مَا يُنْتَقَضُ بِهِ وَطَنُ الإِْقَامَةِ:
٧ - وَطَنُ الإِْقَامَةِ يُنْتَقَضُ بِالْوَطَنِ الأَْصْلِيِّ؛ لأَِنَّهُ فَوْقَهُ، وَبِوَطَنِ الإِْقَامَةِ؛ لأَِنَّهُ مِثْلُهُ وَالشَّيْءُ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ بِمِثْلِهِ، وَيُنْتَقَضَ بِالسَّفَرِ - أَيْضًا - لأَِنَّ تَوَطُّنَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَيْسَ لِلْقَرَارِ، وَلَكِنْ لِحَاجَةٍ، فَإِذَا سَافَرَ مِنْهُ يُسْتَدَل بِهِ عَلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ، فَصَارَ مُعْرِضًا عَنِ التَّوَطُّنِ بِهِ، فَصَارَ نَاقِضًا لَهُ، وَلاَ يُنْتَقَضُ وَطَنُ الإِْقَامَةِ بِ وَطَنِ السُّكْنَى ؛ لأَِنَّهُ دُونَهُ فَلاَ يَنْسَخُهُ.
وَطَنُ السُّكْنَى:
٨ - هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَقْصِدُ الإِْنْسَانُ الْمَقَامَ بِهِ أَقَل مِنَ الْمُدَّةِ الْقَاطِعَةِ لِلسَّفَرِ.
وَشَرْطُهُ: نِيَّةُ عَدَمِ الإِْقَامَةِ الْمُدَّةِ الْقَاطِعَةِ لِلسَّفَرِ، وَلِذَلِكَ يُعْتَبَرُ مُسَافِرًا بِهَذِهِ النِّيَّةِ وَإِنْ طَال مَقَامُهُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصَّلاَةَ (٢) ، стр. 17143
وَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّهُ أَقَامَ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى نَيْسَابُورَ شَهْرَيْنِ وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلاَةَ (١) .
إِلاَّ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
مَا يُنْتَقَضُ بِهِ وَطَنُ السُّكْنَى:
٩ - وَطَنُ السُّكْنَى يُنْتَقَضُ بِالْوَطَنِ الأَْصْلِيِّ وَبِوَطَنِ الإِْقَامَةِ؛ لأَِنَّهُمَا فَوْقَهُ، وَيُنْتَقَضُ بِوَطَنِ السُّكْنَى؛ لأَِنَّهُ مِثْلُهُ، وَيُنْتَقَضُ بِالسَّفَرِ؛ لأَِنَّ تَوَطُّنَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَيْسَ لِلْقَرَارِ، وَلَكِنْ لِحَاجَةٍ، فَإِذَا سَافَرَ مِنْهُ يُسْتَدَل بِهِ عَلَى انْقِضَاءِ حَاجَتِهِ، فَصَارَ مُعْرِضًا عَنِ التَّوَطُّنِ بِهِ، فَصَارَ نَاقِضًا لَهُ.
هَذَا، وَالْفَقِيهُ الْجَلِيل أَبُو أَحْمَدَ الْعِيَاضِيُّ قَسَّمَ الْوَطَنَ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدِهِمَا: وَطَنِ قَرَارٍ وَالآْخَرِ: مُسْتَعَارٍ.
صَيْرُورَةُ الْمُقِيمِ مُسَافِرًا وَشَرَائِطُهَا:
١٠ - يَصِيرُ الْمُقِيمُ مُسَافِرًا إِذَا تَحَقَّقَتِ الشَّرَائِطُ الآْتِيَةُ:
الشَّرِيطَةُ الأُْولَى: الْخُرُوجُ مِنَ الْمَقَامِ، أَيْ مَوْطِنِ إِقَامَتِهِ، وَهُوَ أَنْ يُجَاوِزَ عُمْرَانَ بَلْدَتِهِ وَيُفَارِقَ بُيُوتَهَا، وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ مَا يُعَدُّ مِنْهُ عُرْفًا كَالأَْبْنِيَةِ الْمُتَّصِلَةِ، وَالْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ، стр. 17144
وَالْمَزَارِعِ، وَالأَْسْوَارِ، وَذَلِكَ عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
وَلاَ بُدَّ مِنَ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ بِالْفِعْل؛ لأَِنَّ السَّفَرَ الشَّرْعِيَّ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةِ السَّفَرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلاَ تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ مُقَارِنَةً لِلْفِعْل، وَهُوَ الْخُرُوجُ؛ لأَِنَّ مُجَرَّدَ قَصْدِ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَانٍ بِالْفِعْل يُسَمَّى عَزْمًا، وَلاَ يُسَمَّى نِيَّةً، وَفِعْل السَّفَرِ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمِصْرِ، فَمَا لَمْ يَخْرُجْ لاَ يَتَحَقَّقُ قِرَانُ النِّيَّةِ بِالْفِعْل، فَلاَ يَصِيرُ مُسَافِرًا.
الشَّرِيطَةُ الثَّانِيَةُ: نِيَّةُ مَسَافَةِ السَّفَرِ، فَلِكَيْ يَصِيرَ الْمُقِيمُ مُسَافِرًا لاَ بُدَّ أَنْ يَنْوِيَ سَيْرَ مَسَافَةِ السَّفَرِ الشَّرْعِيِّ؛ لأَِنَّ السَّيْرَ قَدْ يَكُونُ سَفَرًا وَقَدْ لاَ يَكُونُ، فَالإِْنْسَانُ قَدْ يَخْرُجُ مِنْ مَوْطِنِ إِقَامَتِهِ إِلَى مَوْضِعٍ لإِِصْلاَحِ ضَيْعَةٍ، ثُمَّ تَبْدُو لَهُ حَاجَةٌ أُخْرَى إِلَى الْمُجَاوَزَةِ عَنْهُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مُدَّةُ سَفَرٍ، ثُمَّ يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَقْطَعَ مَسَافَةً بَعِيدَةً أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ السَّفَرِ، وَلِذَلِكَ لاَ بُدَّ مِنْ نِيَّةِ مُدَّةِ السَّفَرِ لِلتَّمْيِيزِ.
وَعَلَى هَذَا قَالُوا: أَمِيرٌ خَرَجَ مَعَ جَيْشِهِ فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَيْنَ يُدْرِكُهُمْ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ صَلاَةَ الْمُقِيمِ فِي الذَّهَابِ، وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ طَافَ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ
стр. 17145
قَصْدٍ إِلَى قَطْعِ الْمَسَافَةِ فَلاَ يُعَدُّ مُسَافِرًا، وَلاَ يَتَرَخَّصُ (١) .
تَحْدِيدُ أَقَل مَسَافَةِ السَّفَرِ بِالأَْيَّامِ:
١١ - أَقَل هَذِهِ الْمَسَافَةِ مُقَدَّرٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي التَّقْدِيرِ (٢) .
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَاللَّيْثُ وَالأَْوْزَاعِيُّ: إِلَى أَنَّ أَقَل مُدَّةِ السَّفَرِ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ بِلاَ لَيْلَةٍ، أَوْ مَسِيرَةُ لَيْلَتَيْنِ مُعْتَدِلَتَيْنِ بِلاَ يَوْمٍ، أَوْ مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
وَذَلِكَ؛ لأَِنَّهُمْ قَدَّرُوا السَّفَرَ بِالأَْمْيَال، وَاعْتَبَرُوا ذَلِكَ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلاً، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، وَتُقَدَّرُ بِسَيْرِ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يَا أَهْل مَكَّةَ: لاَ تَقْصُرُوا الصَّلاَةَ فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ (٣) وَلأَِنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَهَا، وَلاَ يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ، وَأَسْنَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، مِثْل هَذَا لاَ يَكُونُ стр. 17146
إِلاَّ عَنْ تَوْقِيفٍ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، وَقَال الأَْثْرَمُ: قِيل لأَِبِي عَبْدِ اللَّهِ: فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلاَةُ؟ قَال: فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، قِيل لَهُ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ؟ قَال: لاَ، أَرْبَعَةُ بُرُدٍ: سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا: مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ. وَقَدْ قَدَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ عُسْفَانَ إِلَى مَكَّةَ مُسْتَدِلًّا بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَقَل مَسَافَةِ السَّفَرِ مَسِيرَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ سُئِل عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَال: جَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ (٢) ، فَقَدْ جَعَل النَّبِيُّ ﷺ لِكُل مُسَافِرٍ أَنْ يَمْسَحَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا، وَلَنْ يُتَصَوَّرَ أَنْ يَمْسَحَ الْمُسَافِرُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا، وَمُدَّةُ السَّفَرِ أَقَل مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ. وَكَذَلِكَ قَال النَّبِيُّ ﷺ : لاَ يَحِل لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ ثَلاَثِ لَيَالٍ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ (٣) ، فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْمُدَّةُ مُقَدَّرَةً بِالثَّلاَثِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الثَّلاَثِ مَعْنًى. стр. 17147
وَقَدِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ (١) .
وَالْعِبْرَةُ بِالسَّيْرِ هُوَ السَّيْرُ الْوَسَطُ، وَهُوَ سَيْرُ الإِْبِل الْمُثْقَلَةِ بِالأَْحْمَال، وَمَشْيُ الأَْقْدَامِ عَلَى مَا يُعْتَادُ مِنْ ذَلِكَ، مَعَ مَا يَتَخَلَّلُهُ مِنْ نُزُولٍ وَاسْتِرَاحَةٍ وَأَكْلٍ وَصَلاَةٍ.
وَيُحْتَرَزُ بِالسَّيْرِ الْوَسَطِ عَنِ السَّيْرِ الأَْسْرَعِ، كَسَيْرِ الْفَرَسِ وَالْبَرِيدِ، وَعَنِ السَّيْرِ الأَْبْطَأِ، كَسَيْرِ الْبَقَرِ يَجُرُّ الْعَجَلَةَ، فَاعْتُبِرَ الْوَسَطُ؛ لأَِنَّهُ الْغَالِبُ.
وَالسَّيْرُ فِي الْبَحْرِ يُرَاعَى فِيهِ اعْتِدَال الرِّيَاحِ؛ لأَِنَّهُ هُوَ الْوَسَطُ، وَهُوَ أَلاَّ تَكُونَ الرِّيَاحُ غَالِبَةً وَلاَ سَاكِنَةً، وَيُعْتَبَرُ فِي الْجَبَل مَا يَلِيقُ بِهِ، فَيُنْظَرُ كَمْ يَسِيرُ فِي مِثْل هَذَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ فَيُجْعَل أَصْلاً، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ النَّاسِ فَيُرْجَعُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ (٢) .
سُلُوكُ أَحَدِ طَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِغَايَةٍ وَاحِدَةٍ:
١٢ - إِذَا كَانَ لِمَكَانٍ وَاحِدٍ طَرِيقَانِ مُخْتَلِفَانِ، أَحَدُهُمَا يَقْطَعُهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَالآْخَرُ يُمْكِنُ أَنْ يَصِل إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ قَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَقْصُرُ لَوْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الأَْقْرَبَ؛ لأَِنَّهُ يُعْتَبَرُ مُسَافِرًا، هَكَذَا ذَكَرَ الْكَاسَانِيُّ فِي الْبَدَائِعِ، وَجَاءَ فِي الْعِنَايَةِ: إِذَا كَانَ لِمَوْضِعٍ стр. 17148
طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا فِي الْمَاءِ يُقْطَعُ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا إِذَا كَانَتِ الرِّيحُ مُتَوَسِّطَةً، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي فِي الْبَرِّ يُقْطَعُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، فَلاَ يُعْتَبَرُ أَحَدُهُمَا بِالآْخَرِ، فَإِنْ ذَهَبَ إِلَى طَرِيقِ الْمَاءِ قَصَرَ، وَإِنْ ذَهَبَ إِلَى طَرِيقِ الْبَرِّ أَتَمَّ، وَلَوِ انْعَكَسَ انْعَكَسَ الْحُكْمُ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَقْصُرُ عَادِلٌ عَنْ طَرِيقٍ قَصِيرٍ، وَهُوَ مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ إِلَى طَرِيقٍ طَوِيلٍ فِيهِ الْمَسَافَةُ بِدُونِ عُذْرٍ، بَل لِمُجَرَّدِ قَصْدِ الْقَصْرِ، أَوْ لاَ قَصْدَ لَهُ، فَإِنْ عَدَل لِعُذْرٍ أَوْ لأَِمْرٍ، وَلَوْ مُبَاحًا فِيمَا يَظْهَرُ قَصَرَ (٢) .
وَبِمِثْل ذَلِكَ يَقُول الشَّافِعِيَّةُ (٣) .
وَالْحَنَابِلَةُ يُجِيزُونَ الْقَصْرَ لِمَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الأَْبْعَدَ مَعَ وُجُودِ الأَْقْرَبِ، وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ (٤) .
الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لِوَسَائِل السَّفَرِ الْحَدِيثَةِ:
١٣ - مَعْلُومٌ مِمَّا سَبَقَ: أَنَّ الْفُقَهَاءَ حَدَّدُوا أَقَل الْمَسَافَةِ الَّتِي تُشْتَرَطُ لِقَصْرِ الصَّلاَةِ، وَأَنَّهُمُ اعْتَبَرُوا السَّيْرَ الْوَسَطَ (مَشْيَ الأَْقْدَامِ وَسَيْرَ الإِْبِل) هُوَ الأَْسَاسُ فِي التَّقْدِيرِ، وَالْمَقْصُودُ - هُنَا - هُوَ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ إِذَا اسْتُعْمِلَتْ وَسَائِل السَّفَرِ الْحَدِيثَةِ كَالْقِطَارِ وَالطَّائِرَةِ، стр. 17149
حَيْثُ الرَّاحَةُ وَقِصَرُ الْمُدَّةِ.
وَقَدْ تَحَدَّثَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ: فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ - أَنَّ الْمُسَافِرَ لَوْ قَطَعَ مَسَافَةَ السَّفَرِ الْمُحَدَّدَةَ فِي زَمَنٍ أَقَل؛ لاِسْتِعْمَالِهِ وَسَائِل أَسْرَعَ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ الصَّلاَةَ؛ لأَِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَافَرَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ.
فَقَدْ قَال الدُّسُوقِيُّ: مَنْ كَانَ يَقْطَعُ الْمَسَافَةَ بِسَفَرِهِ قَصَرَ، وَلَوْ كَانَ يَقْطَعُهَا فِي لَحْظَةٍ بِطَيَرَانٍ وَنَحْوِهِ.
وَقَال النَّوَوِيُّ: يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ، وَلَوْ قَطَعَ الْمَسَافَةَ فِي سَاعَةٍ. وَقَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ، لَوْ قَطَعَ الْمَسَافَةَ فِي بَعْضِ يَوْمٍ كَمَا لَوْ قَطَعَهَا عَلَى فَرَسٍ جَوَادٍ.
وَقَال الْبُهُوتِيُّ: يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ الرُّبَاعِيَّةَ إِلَى رَكْعَتَيْنِ إِجْمَاعًا، وَلَوْ قَطَعَ الْمَسَافَةَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لأَِنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسَافِرُ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ (مَسَافَةُ الْقَصْرِ) . (١)
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّقْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَنَقَل الْكَاسَانِيُّ فِي بَدَائِعِهِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: مِنْ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَوْ سَارَ إِلَى مَوْضِعٍ فِي يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَأَنَّهُ بِسَيْرِ الإِْبِل، وَالْمَشْيِ الْمُعْتَادِ стр. 17150
ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ، اعْتِبَارًا لِلسَّيْرِ الْمُعْتَادِ.
وَهَذَا الْقَوْل يُوَافِقُ الْمَذَاهِبَ السَّابِقَةَ؛ لأَِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اعْتَبَرَ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ قَطْعُ الْمَسَافَةِ.
لَكِنِ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: اعْتَبَرَ أَنَّ الْعِلَّةَ لِقَصْرِ الصَّلاَةِ فِي السَّفَرِ هِيَ الْمَشَقَّةُ الَّتِي تَلْحَقُ بِالْمُسَافِرِ، وَلِذَلِكَ يُذْكَرُ: أَنَّ الْمُسَافِرَ لَوْ قَطَعَ الْمَسَافَةَ فِي سَاعَةٍ فَإِنَّهُ لاَ يَقْصُرُ الصَّلاَةَ، وَإِنْ كَانَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَطَعَ مَسَافَةَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ بِسَيْرِ الإِْبِل؛ لاِنْتِفَاءِ مَظِنَّةِ الْمَشَقَّةِ، وَهِيَ الْعِلَّةُ (١) .
الْعِبْرَةُ بِنِيَّةِ الأَْصْل دُونَ التَّبَعِ:
١٤ - الْمُعْتَبَرُ فِي نِيَّةِ السَّفَرِ الشَّرْعِيِّ نِيَّةُ الأَْصْل دُونَ التَّابِعِ، فَمَنْ كَانَ سَفَرُهُ تَابِعًا لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسَافِرًا بِنِيَّةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَذَلِكَ كَالزَّوْجَةِ التَّابِعَةِ لِزَوْجِهَا؛ فَإِنَّهَا تَصِيرُ مُسَافِرَةً بِنِيَّةِ زَوْجِهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ لَزِمَهُ طَاعَةُ غَيْرِهِ كَالسُّلْطَانِ وَأَمِيرِ الْجَيْشِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسَافِرًا بِنِيَّةِ مَنْ لَزِمَتْهُ طَاعَتُهُ؛ لأَِنَّ حُكْمَ التَّبَعِ حُكْمُ الأَْصْل.
أَمَّا الْغَرِيمُ الَّذِي يُلاَزِمُهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَ مَلِيئًا، فَالنِّيَّةُ لَهُ؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُهُ قَضَاءُ الدَّيْنِ، وَالْخُرُوجُ مِنْ يَدِهِ، وَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ مُفْلِسًا، فَالنِّيَّةُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ؛ لأَِنَّهُ стр. 17151
لاَ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْ يَدِهِ، فَكَانَ تَابِعًا لَهُ. هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ تَبِعَتِ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا، أَوِ الْجُنْدِيُّ قَائِدَهُ فِي السَّفَرِ، وَلاَ يَعْرِفُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقْصِدَهُ فَلاَ قَصْرَ لَهُمْ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ - وَهُوَ قَصْدُ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ - لَمْ يَتَحَقَّقْ، وَهَذَا قَبْل بُلُوغِهِمْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، فَإِنْ قَطَعُوهَا قَصُرُوا.
فَلَوْ نَوَتِ الزَّوْجَةُ دُونَ زَوْجِهَا، أَوِ الْجُنْدِيُّ دُونَ قَائِدِهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، أَوْ جَهِلاَ الْحَال قَصَرَ الْجُنْدِيُّ غَيْرُ الْمُثْبَتِ فِي الدِّيوَانِ، دُونَ الزَّوْجَةِ؛ لأَِنَّ الْجُنْدِيَّ حِينَئِذٍ لَيْسَ تَحْتَ يَدِ الأَْمِيرِ وَقَهْرِهِ، بِخِلاَفِ الزَّوْجَةِ، فَنِيَّتُهَا كَالْعَدَمِ. أَمَّا الْجُنْدِيُّ الْمُثْبَتُ فِي الدِّيوَانِ فَلاَ يَقْصُرُ؛ لأَِنَّهُ تَحْتَ يَدِ الأَْمِيرِ، وَمِثْلُهُ الْجَيْشُ، إِذْ لَوْ قِيل: بِأَنَّهُ لَيْسَ تَحْتَ يَدِ الأَْمِيرِ وَقَهْرِهِ كَالآْحَادِ لَعَظُمَ الْفَسَادُ (٢) .
أَحْكَامُ الْقَصْرِ:
مَشْرُوعِيَّةُ الْقَصْرِ:
١٥ - الْقَصْرُ مَعْنَاهُ: أَنْ تَصِيرَ الصَّلاَةُ الرُّبَاعِيَّةُ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ، سَوَاءٌ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ، أَوْ فِي حَالَةِ الأَْمْنِ. стр. 17152
وَقَدْ شُرِعَ الْقَصْرُ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ.
وَمَشْرُوعِيَّةُ الْقَصْرِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) .
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا وَرَدَ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَال: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ. قَال: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ (٢) .
وَقَال ابْنُ عُمَرَ ﵄: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَكَانَ لاَ يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ (٣) . стр. 17153
وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَْحَادِيثِ وَالآْثَارِ. فَالآْيَةُ الْكَرِيمَةُ دَلَّتْ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقَصْرِ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ، وَدَلَّتِ الأَْحَادِيثُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ فِي حَالَتَيِ الْخَوْفِ وَالأَْمْنِ. وَقَدْ أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقَصْرِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْقَصْرِ:
١٦ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ الْقَصْرَ جَائِزٌ تَخْفِيفًا عَلَى الْمُسَافِرِ؛ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ مَشَقَّةِ السَّفَرِ غَالِبًا، وَاسْتَدَلُّوا بِالآْيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) فَقَدْ عَلَّقَ الْقَصْرَ عَلَى الْخَوْفِ؛ لأَِنَّ غَالِبَ أَسْفَارِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ تَخْل مِنْهُ. وَنَفْيُ الْجُنَاحِ فِي الآْيَةِ يَدُل عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ، لاَ عَلَى وُجُوبِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ السَّابِقِ: " صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ (٢) ".
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّ فَرْضَ الْمُسَافِرِ مِنْ ذَوَاتِ الأَْرْبَعِ رَكْعَتَانِ لاَ غَيْرُ، فَلَيْسَ لِلْمُسَافِرِ عِنْدَهُمْ أَنْ يُتِمَّ الصَّلاَةَ أَرْبَعًا؛ لِقَوْل عَائِشَةَ ﵂: " فُرِضَتِ الصَّلاَةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ стр. 17154
فِي صَلاَةِ الْحَضَرِ (١) . وَلاَ يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلاَّ تَوْقِيفًا (٢) ، وَقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّلاَةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ عَلَى الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ وَعَلَى الْمُقِيمِ أَرْبَعًا، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً (٣) .
وَالرَّاجِحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلاَةَ، بَل الْمَنْقُول عَنْهُ الْقَصْرُ فِي كُل أَسْفَارِهِ، وَمَا كَانَ هَذَا شَأْنُهُ فَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى فِي الْمَذْهَبِ فَقِيل: إِنَّهُ فَرْضٌ، وَقِيل: إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَقِيل: إِنَّهُ مُبَاحٌ (٤) .
هَل الأَْصْل الْقَصْرُ أَوِ الإِْتْمَامُ ؟
١٧ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الأَْصْل هُوَ الإِْتْمَامُ وَأَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ: " صَدَقَةٌ стр. 17155
تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ ".
إِلاَّ أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْقَصْرَ أَفْضَل مِنَ الإِْتْمَامِ، إِذَا بَلَغَ السَّفَرُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، اقْتِدَاءً بِرَسُول اللَّهِ ﷺ ؛ وَخُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ، كَأَبِي حَنِيفَةَ، إِلاَّ الْمَلاَّحَ الَّذِي يُسَافِرُ فِي الْبَحْرِ بِأَهْلِهِ، وَمَنْ لاَ يَزَال مُسَافِرًا بِلاَ وَطَنٍ، فَالإِْتْمَامُ لَهُمَا أَفْضَل خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمَا، كَالإِْمَامِ أَحْمَدَ. وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ: إِنَّ الإِْتْمَامَ أَفْضَل مُطْلَقًا، لأَِنَّهُ الأَْصْل، وَالأَْكْثَرُ عَمَلاً، أَمَّا إِذَا لَمْ يَبْلُغِ السَّفَرُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَالإِْتْمَامُ أَفْضَل لأَِنَّهُ الأَْصْل.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: الْقَصْرُ أَفْضَل مِنَ الإِْتْمَامِ نَصًّا، لِمُدَاوَمَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ عَلَيْهِ. لَكِنْ إِنْ أَتَمَّ مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ لَمْ يُكْرَهْ (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الْقَصْرُ هُوَ الأَْصْل فِي الصَّلاَةِ؛ إِذِ الصَّلاَةُ فِي الأَْصْل فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فِي حَقِّ الْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ جَمِيعًا، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، ثُمَّ زِيدَتْ رَكْعَتَانِ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ. وَأُقِرَّتِ الرَّكْعَتَانِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ كَمَا كَانَتَا فِي الأَْصْل، فَالرَّكْعَتَانِ مِنْ ذَوَاتِ الأَْرْبَعِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ لَيْسَتَا قَصْرًا следующие страницы →