Полный текст (31 949 стр.). Показаны 17361–17400 · переход к 17366.
стр. 17361
الطَّاقَةُ، لأَِنَّهُ قَدْ يُطِيقُ الصَّلاَةَ مَنْ لاَ يُطِيقُ الصَّوْمَ (١) .
د - الْعِلْمُ بِالْوُجُوبِ، فَمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، يَحْصُل لَهُ الْعِلْمُ الْمُوجِبُ، بِإِخْبَارِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ مَسْتُورٍ وَامْرَأَتَيْنِ مَسْتُورَتَيْنِ، أَوْ وَاحِدٍ عَدْلٍ، وَمَنْ كَانَ مُقِيمًا فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، يَحْصُل لَهُ الْعِلْمُ بِنَشْأَتِهِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ عُذْرَ لَهُ بِالْجَهْل (٢) .
شُرُوطُ وُجُوبِ أَدَائِهِ:
٢٦ - شُرُوطُ وُجُوبِ الأَْدَاءِ الَّذِي هُوَ تَفْرِيغُ ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ عَنِ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ لَهُ (٣) هِيَ:
أ - الصِّحَّةُ وَالسَّلاَمَةُ مِنَ الْمَرَضِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤) .
ب - الإِْقَامَةُ، لِلآْيَةِ نَفْسِهَا. قَال ابْنُ جُزَيٍّ: وَأَمَّا الصِّحَّةُ وَالإِْقَامَةُ، فَشَرْطَانِ فِي وُجُوبِ الصِّيَامِ، لاَ فِي صِحَّتِهِ، وَلاَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّ وُجُوبَ الصَّوْمِ يَسْقُطُ стр. 17362
عَنِ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَيَجِب عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ، إِنْ أَفْطَرَا إِجْمَاعًا، وَيَصِحُّ صَوْمُهُمَا إِنْ صَامَا (١) .
ج - خُلُوُّ الْمَرْأَةِ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، لأَِنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَيْسَتَا أَهْلاً لِلصَّوْمِ، وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا لَمَّا سَأَلَتْهَا مُعَاذَةُ: مَا بَال الْحَائِضِ، تَقْضِي الصَّوْمَ وَلاَ تَقْضِي الصَّلاَةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَل، قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلاَ نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاَةِ (٢) .
فَالأَْمْرُ بِالْقَضَاءِ فَرْعُ وُجُوبِ الأَْدَاءِ.
وَالإِْجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى مَنْعِهِمَا مِنَ الصَّوْمِ، وَعَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمَا (٣) .
شُرُوطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ:
٢٧ - شَرْطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ هِيَ:
أ - الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ، وَقَدْ عَدَّهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ، كَالْكَمَال مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَابْنِ جُزَيٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (٤) . وَعَدَّهَا بَعْضُهُمْ مِنْ شُرُوطِ стр. 17363
وُجُوبِ الأَْدَاءِ، وَشُرُوطِ الصِّحَّةِ مَعًا (١) .
ب - خُلُوُّهُ عَمَّا يُفْسِدُ الصَّوْمَ بِطُرُوِّهِ عَلَيْهِ كَالْجِمَاعِ (٢) .
ج - النِّيَّةُ . وَذَلِكَ لأَِنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ عِبَادَةٌ، فَلاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ (٣) . وَلِحَدِيثِ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (٤) .
وَالإِْمْسَاكُ قَدْ يَكُونُ لِلْعَادَةِ، أَوْ لِعَدَمِ الاِشْتِهَاءِ، أَوْ لِلْمَرَضِ، أَوْ لِلرِّيَاضَةِ، فَلاَ يَتَعَيَّنُ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، كَالْقِيَامِ إِلَى الصَّلاَةِ وَالْحَجِّ.
قَال النَّوَوِيُّ: لاَ يَصِحُّ الصَّوْمُ إِلاَّ بِنِيَّةٍ، وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ النُّطْقُ بِهَا، بِلاَ خِلاَفٍ (٥) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: التَّلَفُّظُ بِهَا سُنَّةٌ (٦) .
صِفَةُ النِّيَّةِ:
صِفَةُ النِّيَّةِ أَنْ تَكُونَ جَازِمَةً، مُعَيَّنَةً، مُبَيَّتَةً، مُجَدَّدَةً، عَلَى مَا يَلِي:
٢٨ - أَوَّلاً: الْجَزْمُ ، فَقَدِ اشْتُرِطَ فِي نِيَّةِ стр. 17364
الصَّوْمِ؛ قَطْعًا لِلتَّرَدُّدِ، حَتَّى لَوْ نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ صِيَامَ غَدٍ إِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ - لَمْ يُجْزِهِ، وَلاَ يَصِيرُ صَائِمًا لِعَدَمِ الْجَزْمِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا نَوَى أَنَّهُ إِنْ وَجَدَ غَدَاءً غَدًا يُفْطِرُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ يَصُومُ (١) .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ قَال: إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِي، وَإِلاَّ فَهُوَ نَفْلٌ، أَوْ فَأَنَا مُفْطِرٌ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، إِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ.
وَإِنْ قَال ذَلِكَ لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ مِنْ رَمَضَانَ، صَحَّ صَوْمُهُ إِنْ بَانَ مِنْهُ، لأَِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ لَمْ يَثْبُتْ زَوَالُهُ، وَلاَ يَقْدَحُ تَرَدُّدُهُ، لأَِنَّهُ حُكْمُ صَوْمِهِ مَعَ الْجَزْمِ. بِخِلاَفِ مَا إِذَا قَالَهُ لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ مِنْ شَعْبَانَ، لأَِنَّهُ لاَ أَصْل مَعَهُ يَبْنِي عَلَيْهِ، بَل الأَْصْل بَقَاءُ شَعْبَانَ (٢) .
٢٩ - ثَانِيًا: التَّعْيِينُ ، وَالْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ النِّيَّةِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، وَصَوْمِ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، وَلاَ يَكْفِي تَعْيِينُ مُطْلَقِ الصَّوْمِ، وَلاَ تَعْيِينُ صَوْمٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ رَمَضَانَ.
وَكَمَال النِّيَّةِ - كَمَا قَال النَّوَوِيُّ -: أَنْ يَنْوِيَ стр. 17365
صَوْمَ غَدٍ، عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةَ لِلَّهِ تَعَالَى (١) .
وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ التَّعْيِينُ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مُضَافَةٌ إِلَى وَقْتٍ، فَيَجِبُ التَّعْيِينُ فِي نِيَّتِهَا، كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَلأَِنَّ التَّعْيِينَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، فَيُجْزِئُ التَّعْيِينُ عَنْ نِيَّةِ الْفَرِيضَةِ فِي الْفَرْضِ، وَالْوُجُوبِ فِي الْوَاجِبِ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي التَّعْيِينِ إِلَى تَقْسِيمِ الصِّيَامِ إِلَى قِسْمَيْنِ: الْقِسْمُ الأَْوَّل: لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ، وَهُوَ: أَدَاءُ رَمَضَانَ، وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ زَمَانُهُ، وَكَذَا النَّفَل، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِمُطْلَقِ نِيَّةِ الصَّوْمِ، مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ.
وَذَلِكَ لأَِنَّ رَمَضَانَ مِعْيَارٌ - كَمَا يَقُول الأُْصُولِيُّونَ - وَهُوَ مُضَيَّقٌ، لاَ يَسَعُ غَيْرَهُ مِنْ جِنْسِهِ وَهُوَ الصَّوْمُ، فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ صَوْمٌ آخَرُ، فَكَانَ مُتَعَيِّنًا لِلْفَرْضِ، وَالْمُتَعَيِّنُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينٍ، وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُصَابُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَبِأَصْلِهَا، وَبِنِيَّةِ نَفْلٍ، لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ كَمَا يَقُول الْحَصْكَفِيُّ (٣) . стр. 17366
وَكُل يَوْمٍ مُعَيَّنٍ لِلنَّفْل - كَمَا سَيَأْتِي - مَا عَدَا رَمَضَانَ، وَالأَْيَّامَ الْمُحَرَّمَ صَوْمُهَا، وَمَا يُعَيِّنُهُ الْمُكَلَّفُ بِنَفْسِهِ، فَكُل ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى التَّعْيِينِ (١) .
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ، وَهُوَ: قَضَاءُ رَمَضَانَ، وَقَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ مِنَ النَّفْل، وَصَوْمُ الْكَفَّارَاتِ بِأَنْوَاعِهَا، وَالنَّذْرُ الْمُطْلَقُ عَنِ التَّقْيِيدِ بِزَمَانٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ، أَمْ كَانَ مُطْلَقًا، لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، فَلَمْ يَتَأَدَّ إِلاَّ بِنِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، قَطْعًا لِلْمُزَاحَمَةِ (٢) .
٣٠ - ثَالِثًا - التَّبْيِيتُ: وَهُوَ شَرْطٌ فِي صَوْمِ الْفَرْضِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالتَّبْيِيتُ: إِيقَاعُ النِّيَّةِ فِي اللَّيْل، مَا بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَوْ قَارَنَ الْغُرُوبَ أَوِ الْفَجْرَ أَوْ شَكَّ، لَمْ يَصِحَّ، كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ التَّبْيِيتِ (٣) .
وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ، يَصِحُّ لَوْ قَارَنَتِ الْفَجْرَ، كَمَا فِي تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي النِّيَّةِ الْمُقَارَنَةُ لِلْمَنْوِيِّ (٤) .
وَيَجُوزُ أَنْ تُقَدَّمَ مِنْ أَوَّل اللَّيْل، وَلاَ تَجُوزُ стр. 17367
قَبْل اللَّيْل (١) .
وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْل الْفَجْرِ، فَلاَ صِيَامَ لَهُ (٢) .
وَلأَِنَّ صَوْمَ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَاتِ، لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ، فَكَذَا كُل صَوْمِ فَرْضٍ مُعَيَّنٍ.
وَلاَ تُجْزِئُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَيُجْزِئُ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِنِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، وَإِنْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهَا لاَ تُجْزِئُ مَعَ الْفَجْرِ، وَكَلاَمُ الْقَرَافِيِّ وَآخَرِينَ يُفِيدُ أَنَّ الأَْصْل كَوْنُهَا مُقَارِنَةً لِلْفَجْرِ، وَرُخِّصَ تَقَدُّمُهَا عَلَيْهِ لِلْمَشَقَّةِ فِي مُقَارَنَتِهَا لَهُ (٣) .
وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي التَّبْيِيتِ النِّصْفُ الآْخَرُ مِنَ اللَّيْل، لإِِطْلاَقِهِ فِي الْحَدِيثِ، وَلأَِنَّ تَخْصِيصَ النِّيَّةِ بِالنِّصْفِ الأَْخِيرِ يُفْضِي إِلَى تَفْوِيتِ الصَّوْمِ، لأَِنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لاَ يَنْتَبِهُ فِيهِ، وَلاَ يَذْكُرُ الصَّوْمَ، وَالشَّارِعُ إِنَّمَا رَخَّصَ فِي تَقْدِيمِ النِّيَّةِ عَلَى ابْتِدَائِهِ، لِحَرَجِ стр. 17368
اعْتِبَارِهَا عِنْدَهُ، فَلاَ يَخُصُّهَا بِمَحَلٍّ لاَ تَنْدَفِعُ الْمَشَقَّةُ بِتَخْصِيصِهَا بِهِ، وَلأَِنَّ تَخْصِيصَهَا بِالنِّصْفِ الأَْخِيرِ تَحَكُّمٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، بَل تُقَرَّبُ النِّيَّةُ مِنَ الْعِبَادَةِ، لَمَّا تَعَذَّرَ اقْتِرَانُهَا بِهَا.
وَالصَّحِيحُ أَيْضًا: أَنَّهُ لاَ يَضُرُّ الأَْكْل وَالْجِمَاعُ بَعْدَ النِّيَّةِ مَا دَامَ فِي اللَّيْل، لأَِنَّهُ لَمْ يَلْتَبِسْ بِالْعِبَادَةِ، وَقِيل: يَضُرُّ فَتَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِهَا، تَحَرُّزًا عَنْ تَخَلُّل الْمُنَاقِضِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِبَادَةِ، لَمَّا تَعَذَّرَ اقْتِرَانُهَا بِهَا.
وَالصَّحِيحُ أَيْضًا: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ التَّجْدِيدُ لَهَا إِذَا نَامَ بَعْدَهَا، ثُمَّ تَنَبَّهَ قَبْل الْفَجْرِ، وَقِيل: يَجِبُ، تَقْرِيبًا لِلنِّيَّةِ مِنَ الْعِبَادَةِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ (١) .
وَالْحَنَفِيَّةُ لَمْ يَشْتَرِطُوا التَّبْيِيتَ فِي رَمَضَانَ (٢) . وَلَمَّا لَمْ يَشْتَرِطُوا تَبْيِيتَ النِّيَّةِ فِي لَيْل رَمَضَانَ، أَجَازُوا النِّيَّةَ بَعْدَ الْفَجْرِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ أَيْضًا، حَتَّى الضَّحْوَةِ الْكُبْرَى، فَيَنْوِي قَبْلَهَا لِيَكُونَ الأَْكْثَرُ مَنْوِيًّا، فَيَكُونَ لَهُ حُكْمُ الْكُل، حَتَّى لَوْ نَوَى بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ، لِخُلُوِّ الأَْكْثَرِ عَنِ النِّيَّةِ، تَغْلِيبًا لِلأَْكْثَرِ.
وَالضَّحْوَةُ الْكُبْرَى: نِصْفُ النَّهَارِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ مِنْ وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى стр. 17369
غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، مِنْهُمْ الْمَوْصِلِيُّ: وَالأَْفْضَل الصَّوْمُ بِنِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مُبَيَّتَةٍ لِلْخُرُوجِ عَنِ الْخِلاَفِ (١) .
وَدَلِيل الْحَنَفِيَّةِ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، مِنْ صِحَّةِ النِّيَّةِ حَتَّى الضَّحْوَةِ الْكُبْرَى، وَعَدَمِ شَرْطِيَّةِ التَّبْيِيتِ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّاسَ أَصْبَحُوا يَوْمَ الشَّكِّ، فَقَدِمَ أَعْرَابِيٌّ، وَشَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلاَل، فَقَال ﷺ : أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُول اللَّهِ؟ فَقَال: نَعَمْ، فَقَال ﵊: اللَّهُ أَكْبَرُ، يَكْفِي الْمُسْلِمِينَ أَحَدُهُمْ، فَصَامَ وَأَمَرَ بِالصِّيَامِ، وَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: أَلاَ مَنْ أَكَل فَلاَ يَأْكُل بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُل فَلْيَصُمْ (٢) .
فَقَدْ أَمَرَ بِالصَّوْمِ، وَأَنَّهُ يَقْتَضِي الْقُدْرَةَ عَلَى الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ، وَلَوْ شُرِطَتِ النِّيَّةُ مِنَ اللَّيْل لَمَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، فَدَل عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا (٣) .
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا، بِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَل غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى стр. 17370
الأَْنْصَارِ: مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ (١) . وَكَانَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ وَاجِبًا، ثُمَّ نُسِخَ بِفَرْضِ رَمَضَانَ (٢) .
وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ تَبْيِيتَ النِّيَّةِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ الْمُطْلَقَةِ وَقَضَاءِ رَمَضَانَ.
٣١ - أَمَّا النَّفَل فَيَجُوزُ صَوْمُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ - خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ - بِنِيَّةٍ قَبْل الزَّوَال، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: دَخَل عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَال: هَل عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ ، فَقُلْنَا: لاَ، فَقَال: فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ (٣) .
وَلأَِنَّ النَّفَل أَخَفُّ مِنَ الْفَرْضِ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ: أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ الْقِيَامِ فِي النَّفْل مَعَ الْقُدْرَةِ، وَلاَ يَجُوزُ فِي الْفَرْضِ.
وَعِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ بَعْدَ الزَّوَال، وَالْمَذْهَبُ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ: لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَصْحَبَ مُعْظَمَ الْعِبَادَةِ (٤) . стр. 17371
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا، فَرْضًا أَوْ نَفْلاً - نِيَّةٌ مُبَيَّتَةٌ (١) ، وَذَلِكَ لإِِطْلاَقِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْل، فَلاَ صِيَامَ لَهُ (٢) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ جَوَازُ النِّيَّةِ فِي النَّفْل، قَبْل الزَّوَال وَبَعْدَهُ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَحَدِيثِ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَأَنَّهُ قَوْل مُعَاذٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ ﵃ وَأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا يُخَالِفُهُ صَرِيحًا، وَالنِّيَّةُ وُجِدَتْ فِي جُزْءٍ مِنَ النَّهَارِ، فَأَشْبَهَ وُجُودَهَا قَبْل الزَّوَال بِلَحْظِهِ (٣) .
وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ نِيَّةِ النَّفْل فِي النَّهَارِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنْ لاَ يَكُونَ فَعَل مَا يُفْطِرُهُ قَبْل النِّيَّةِ، فَإِنْ فَعَل فَلاَ يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، قَال الْبُهُوتِيُّ: بِغَيْرِ خِلاَفٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، لَكِنْ خَالَفَ فِيهِ أَبُو زَيْدٍ الشَّافِعِيُّ (٤) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ فِي اعْتِبَارِ الثَّوَابِ: مِنْ أَوَّل النَّهَارِ، أَمْ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ؟ أَصَحُّهُمَا стр. 17372
عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ: أَنَّهُ صَائِمٌ مِنْ أَوَّل النَّهَارِ، كَمَا إِذَا أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي الرُّكُوعِ، يَكُونُ مُدْرِكًا لِثَوَابِ جَمِيعِ الرَّكْعَةِ، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ جَمِيعُ شُرُوطِ الصَّوْمِ مِنْ أَوَّل النَّهَارِ.
٣٢ - رَابِعًا: تَجْدِيدُ النِّيَّةِ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ فِي كُل يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، مِنَ اللَّيْل أَوْ قَبْل الزَّوَال - عَلَى الْخِلاَفِ السَّابِقِ - وَذَلِكَ لِكَيْ يَتَمَيَّزَ الإِْمْسَاكُ عِبَادَةً عَنِ الإِْمْسَاكِ عَادَةً أَوْ حِمْيَةً (١) .
وَلأَِنَّ كُل يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لاَ يَرْتَبِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَلاَ يَفْسُدُ بِفَسَادِ بَعْضٍ، وَيَتَخَلَّلُهَا مَا يُنَافِيهَا، وَهُوَ اللَّيَالِي الَّتِي يَحِل فِيهَا مَا يُحَرَّمُ فِي النَّهَارِ، فَأَشْبَهَتِ الْقَضَاءَ، بِخِلاَفِ الْحَجِّ وَرَكَعَاتِ الصَّلاَةِ (٢) .
وَذَهَبَ زُفَرُ وَمَالِكٌ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - أَنَّهُ تَكْفِي نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ عَنِ الشَّهْرِ كُلِّهِ فِي أَوَّلِهِ، كَالصَّلاَةِ. وَكَذَلِكَ فِي كُل صَوْمٍ مُتَتَابِعٍ، كَكَفَّارَةِ الصَّوْمِ وَالظِّهَارِ، مَا لَمْ يَقْطَعْهُ أَوْ يَكُنْ عَلَى حَالِةِ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فِيهَا، فَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ، وَذَلِكَ لاِرْتِبَاطِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَعَدَمِ جَوَازِ التَّفْرِيقِ، فَكَفَتْ نِيَّةٌ стр. 17373
وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَبْطُل بِبُطْلاَنِ بَعْضِهَا، كَالصَّلاَةِ (١) .
فَعَلَى ذَلِكَ لَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ صِيَامُ الْبَاقِي بِتِلْكَ النِّيَّةِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَقِيل: يَصِحُّ، وَقَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ.
وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ (٢) . وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَال ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ -: لاَ بُدَّ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ الْمُتَتَابِعِ مِنَ النِّيَّةِ كُل يَوْمٍ، نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ كَالْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ، مِنْ حَيْثُ عَدَمُ فَسَادِ مَا مَضَى مِنْهُ بِفَسَادِ مَا بَعْدَهُ (٣) .
بَل رُوِيَ عَنْ زُفَرَ أَنَّ الْمُقِيمَ الصَّحِيحَ، لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، لأَِنَّ الإِْمْسَاكَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْعَادَةِ وَالْعِبَادَةِ، فَكَانَ مُتَرَدِّدًا بِأَصْلِهِ مُتَعَيِّنًا بِوَصْفِهِ، فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ أَتَى بِهِ وَقَعَ عَنْهُ (٤) .
اسْتِمْرَارُ النِّيَّةِ:
٣٣ - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ الدَّوَامَ عَلَى النِّيَّةِ، فَلَوْ نَوَى الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْل ثُمَّ رَجَعَ عَنْ نِيَّتِهِ قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ لاَ يَصِيرُ صَائِمًا.
قَال الطَّحْطَاوِيُّ: وَيُشْتَرَطُ الدَّوَامُ عَلَيْهَا. فَلَوْ نَوَى مِنَ اللَّيْل، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ نِيَّتِهِ قَبْل стр. 17374
طُلُوعِ الْفَجْرِ
- صَحَّ رُجُوعُهُ وَلاَ يَصِيرُ صَائِمًا، وَلَوْ أَفْطَرَ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِلاَّ الْقَضَاءُ، بِانْقِطَاعِ النِّيَّةِ بِالرُّجُوعِ، فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ، لِشُبْهَةِ خِلاَفِ مَنِ اشْتَرَطَ التَّبْيِيتَ، إِلاَّ إِذَا جَدَّدَ النِّيَّةَ، بِأَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ، تَحْصِيلاً لَهَا، لأَِنَّ الأُْولَى غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، بِسَبَبِ الرُّجُوعِ عَنْهَا (١) .
وَلاَ تَبْطُل النِّيَّةُ بِقَوْلِهِ: أَصُومُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لأَِنَّهُ بِمَعْنَى الاِسْتِعَانَةِ، وَطَلَبِ التَّوْفِيقِ وَالتَّيْسِيرِ. وَالْمَشِيئَةُ إِنَّمَا تُبْطِل اللَّفْظَ، وَالنِّيَّةُ فِعْل الْقَلْبِ.
قَال الْبُهُوتِيُّ: وَكَذَا سَائِرُ الْعِبَادَاتِ لاَ تَبْطُل بِذِكْرِ الْمَشِيئَةِ فِي نِيَّتِهَا (٢) .
وَلاَ تَبْطُل النِّيَّةُ بِأَكْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ أَوْ جِمَاعِهِ بَعْدَهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، حُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بُطْلاَنُهَا، وَلَوْ رَجَعَ عَنْ نِيَّتِهِ قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ صَحَّ رُجُوعُهُ (٣) .
وَلَوْ نَوَى الإِْفْطَارَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُفْطِرُ، كَمَا لَوْ نَوَى التَّكَلُّمَ فِي صَلاَتِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، قَال стр. 17375
الْبَيْجُورِيُّ: وَيَضُرُّ رَفْضُ النِّيَّةِ لَيْلاً، وَلاَ يَضُرُّ نَهَارًا (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُفْطِرُ، لأَِنَّهُ قَطَعَ نِيَّةَ الصَّوْمِ بِنِيَّةِ الإِْفْطَارِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا ابْتِدَاءً (٢) .
الإِْغْمَاءُ وَالْجُنُونُ وَالسُّكْرُ بَعْدَ النِّيَّةِ:
٣٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا نَوَى الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْل، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ إِغْمَاءٌ أَوْ جُنُونٌ أَوْ سُكْرٌ:
فَإِنْ لَمْ يُفِقْ إِلاَّ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِهِ، لأَِنَّ الصَّوْمَ هُوَ الإِْمْسَاكُ مَعَ النِّيَّةِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : قَال اللَّهُ: كُل عَمَل ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي (٣) فَأَضَافَ تَرْكَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَلاَ يُضَافُ الإِْمْسَاكُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى صِحَّةِ صَوْمِهِ، لأَِنَّ نِيَّتَهُ قَدْ صَحَّتْ، وَزَوَال الاِسْتِشْعَارِ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ، كَالنَّوْمِ. стр. 17376
أَمَّا إِذَا أَفَاقَ أَثْنَاءَ النَّهَارِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ إِذَا أَفَاقَ قَبْل الزَّوَال، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِهِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَفَاقَ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنَ النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي أَوَّلِهِ أَمْ فِي آخِرِهِ.
وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ الْجُنُونِ وَالإِْغْمَاءِ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَوْ جُنَّ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ بَطَل صَوْمُهُ، وَقِيل: هُوَ كَالإِْغْمَاءِ.
وَأَمَّا الرِّدَّةُ بَعْدَ نِيَّةِ الصَّوْمِ فَتُبْطِل الصَّوْمَ بِلاَ خِلاَفٍ (١) .
سُنَنُ الصَّوْمِ وَمُسْتَحَبَّاتُهُ:
٣٥ - سُنَنُ الصَّوْمِ وَمُسْتَحَبَّاتُهُ كَثِيرَةٌ، أَهَمُّهَا:
أ - السَّحُورُ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ . قَال: تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً (٢) .
ب - تَأْخِيرُ السَّحُورِ، وَتَعْجِيل الْفِطْرِ، وَمِمَّا وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ يَزَال النَّاسُ стр. 17377
بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ (١) . وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَْذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَال: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً (٢) .
ج - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الإِْفْطَارُ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، وَفِي هَذَا وَرَدَ حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ قَبْل أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ (٣) .
وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ ﵁ قَال: " قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ (٤) . стр. 17378
د - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ عِنْدَ الإِْفْطَارِ، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعًا: إِنَّ لِلصَّائِمِ دَعْوَةً لاَ تُرَدُّ (١) .
وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَال: ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الأَْجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (٢) .
وَهُنَاكَ فَضَائِل مِنْ خَصَائِصِ شَهْرِ رَمَضَانَ كَالتَّرَاوِيحِ، وَالإِْكْثَارِ مِنَ الصَّدَقَاتِ، وَالاِعْتِكَافِ، وَغَيْرِهَا تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.
٣٦ - وَمِنْ أَهَمِّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَرَفَّعَ عَنْهُ الصَّائِمُ وَيَحْذَرَهُ: مَا يُحْبِطُ صَوْمَهُ مِنَ الْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، فَيَصُونَ لِسَانَهُ عَنِ اللَّغْوِ وَالْهَذَيَانِ وَالْكَذِبِ، وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَالْفُحْشِ وَالْجَفَاءِ، وَالْخُصُومَةِ وَالْمِرَاءِ، وَيَكُفَّ جَوَارِحَهُ عَنْ جَمِيعِ الشَّهَوَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ، وَيَشْتَغِل بِالْعِبَادَةِ، وَذِكْرِ اللَّهِ، وَتِلاَوَةِ الْقُرْآنِ وَهَذَا - كَمَا يَقُول الْغَزَالِيُّ: هُوَ سِرُّ الصَّوْمِ (٣) وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ стр. 17379
قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : قَال اللَّهُ تَعَالَى: كُل عَمَل ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلاَ يَرْفُثُ وَلاَ يَصْخَبُ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُل: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ (١) ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الصِّيَامُ جُنَّةٌ، مَا لَمْ يَخْرِقْهَا بِكَذِبٍ أَوْ غِيبَةٍ (٢) . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْل الزُّورِ، وَالْعَمَل بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ (٣) .
مُفْسِدَاتُ الصَّوْمِ:
٣٧ - يَفْسُدُ الصَّوْمُ - بِوَجْهٍ عَامٍّ - كُلَّمَا انْتَفَى شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهِ، أَوِ اخْتَل أَحَدُ أَرْكَانِهِ، كَالرِّدَّةِ، وَكَطُرُوءِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَكُل مَا يُنَافِيهِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا، وَدُخُول شَيْءٍ مِنْ خَارِجِ الْبَدَنِ إِلَى جَوْفِ الصَّائِمِ.
٣٨ - وَيُشْتَرَطُ فِي فَسَادِ الصَّوْمِ بِمَا يَدْخُل إِلَى стр. 17380
الْجَوْفِ مَا يَلِي: -
أ - أَنْ يَكُونَ الدَّاخِل إِلَى الْجَوْفِ، مِنَ الْمَنَافِذِ الْوَاسِعَةِ - كَمَا قَيَّدَهُ بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ (١) - وَالْمَفْتُوحَةِ - كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ (٢) - أَيِ: الْمَخَارِقِ الطَّبِيعِيَّةِ الأَْصْلِيَّةِ فِي الْجِسْمِ، وَالَّتِي تُعْتَبَرُ مُوَصِّلَةً لِلْمَادَّةِ مِنَ الْخَارِجِ إِلَى الدَّاخِل، كَالْفَمِ وَالأَْنْفِ وَالأُْذُنِ.
وَقَدِ اسْتُدِل لِذَلِكَ، بِالاِتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنِ اغْتَسَل فِي مَاءٍ، فَوَجَدَ بَرْدَهُ فِي بَاطِنِهِ لاَ يُفْطِرُ، وَمَنْ طَلَى بَطْنَهُ بِدُهْنٍ لاَ يَضُرُّ، لأَِنَّ وُصُولَهُ إِلَى الْجَوْفِ بِتَشَرُّبٍ (٣) .
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ، بَل اكْتَفَوْا بِتَحَقُّقِ وُصُولِهِ إِلَى الْحَلْقِ وَالْجَوْفِ، وَالدِّمَاغُ جَوْفٌ (٤) .
ب - أَنْ يَكُونَ الدَّاخِل إِلَى الْجَوْفِ مِمَّا يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ، كَدُخُول الْمَطَرِ وَالثَّلْجِ بِنَفْسِهِ حَلْقَ الصَّائِمِ إِذَا لَمْ يَبْتَلِعْهُ بِصُنْعِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ - كَالذُّبَابِ يَطِيرُ إِلَى الْحَلْقِ، وَغُبَارِ الطَّرِيقِ - لَمْ يُفْطِرْ إِجْمَاعًا (٥) .
وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ الْفَسَادُ، стр. 17381
لِوُصُول الْمُفْطِرِ إِلَى جَوْفِهِ.
وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ، أَنَّهُ لاَ يُسْتَطَاعُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ، فَأَشْبَهَ الدُّخَانَ (١) .
وَالْجَوْفُ: هُوَ الْبَاطِنُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا يُحِيل الْغِذَاءَ وَالدَّوَاءَ، أَيْ يُغَيِّرُهُمَا كَالْبَطْنِ وَالأَْمْعَاءِ، أَمْ كَانَ مِمَّا يُحِيل الدَّوَاءَ فَقَطْ كَبَاطِنِ الرَّأْسِ أَوِ الأُْذُنِ، أَمْ كَانَ مِمَّا لاَ يُحِيل شَيْئًا كَبَاطِنِ الْحَلْقِ (٢) .
قَال النَّوَوِيُّ: جَعَلُوا الْحَلْقَ كَالْجَوْفِ، فِي بُطْلاَنِ الصَّوْمِ بِوُصُول الْوَاصِل إِلَيْهِ، وَقَال الإِْمَامُ: إِذَا جَاوَزَ الشَّيْءُ الْحُلْقُومَ أَفْطَرَ.
قَال: وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا - بَاطِنُ الدِّمَاغِ وَالأَْمْعَاءُ وَالْمَثَانَةُ مِمَّا يُفْطِرُ الْوُصُول إِلَيْهِ (٣) .
ج - وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّاخِل إِلَى الْجَوْفِ مُغَذِّيًا، فَيَفْسُدُ الصَّوْمُ بِالدَّاخِل إِلَى الْجَوْفِ، مِمَّا يُغَذِّي أَوْ لاَ يُغَذِّي، كَابْتِلاَعِ التُّرَابِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، قَال ابْنُ رُشْدٍ: وَتَحْصِيل مَذْهَبِ مَالِكٍ، أَنَّهُ يَجِبُ الإِْمْسَاكُ عَمَّا يَصِل إِلَى الْحَلْقِ، مِنْ أَيِّ الْمَنَافِذِ وَصَل، стр. 17382
مُغَذِّيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُغَذٍّ (١) .
د - وَشُرِطَ كَوْنُ الصَّائِمِ قَاصِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ نَاسِيًا أَنَّهُ صَائِمٌ، فَلاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَل أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ (٢) .
وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْفَرْضُ وَالنَّفَل لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ (٣) .
وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فَذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ فِي رَمَضَانَ، فَأَكَل أَوْ شَرِبَ، عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، أَمَّا لَوْ نَسِيَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فَأَكَل أَوْ شَرِبَ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَوْمَهُ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ (٤) .
هـ - وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ اسْتِقْرَارَ الْمَادَّةِ فِي الْجَوْفِ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ الْحَصَاةَ - مَثَلاً - تَشْغَل الْمَعِدَةَ شُغْلاً مَا وَتُنْقِصُ الْجُوعَ (٥) . стр. 17383
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ اسْتِقْرَارَ الْمَادَّةِ فِي الْجَوْفِ إِذَا كَانَ بِاخْتِيَارِهِ.
وَعَلَى قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: لَوْ لَمْ تَسْتَقِرَّ الْمَادَّةُ، بِأَنْ خَرَجَتْ مِنَ الْجَوْفِ لِسَاعَتِهَا لاَ يَفْسُدُ الصَّوْمُ، كَمَا لَوْ أَصَابَتْهُ سِهَامٌ فَاخْتَرَقَتْ بَطْنَهُ وَنَفَذَتْ مِنْ ظَهْرِهِ، وَلَوْ بَقِيَ النَّصْل فِي جَوْفِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ يَفْسُدُ صَوْمُهُ، قَال الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ كَانَ بَعْضُ السِّكِّينِ خَارِجًا (١) .
و وَشَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الصَّائِمُ مُخْتَارًا فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ، مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ دَوَاءٍ، فَلَوْ أُوجِرَ الْمَاءُ، أَوْ صُبَّ الدَّوَاءُ فِي حَلْقِهِ مُكْرَهًا، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ عِنْدَهُمْ، لأَِنَّهُ لَمْ يَفْعَل وَلَمْ يَقْصِدْ.
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الإِْفْطَارِ، فَأَكَل أَوْ شَرِبَ، فَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ مَشْهُورَانِ فِي الْفِطْرِ وَعَدَمِهِ.
أَصَحُّهُمَا: عَدَمُ الْفِطْرِ، وَعَلَّلُوا عَدَمَ الإِْفْطَارِ بِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَى اخْتِيَارِهِ سَاقِطٌ، لِعَدَمِ وُجُودِ الاِخْتِيَارِ (٢) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ قَوْلاً وَاحِدًا، وَهُوَ كَالإِْيجَارِ (٣) ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ إِنَّ стр. 17384
اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (١) . فَإِنَّهُ عَامٌّ (٢) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الإِْكْرَاهَ عَلَى الإِْفْطَارِ يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَيَسْتَوْجِبُ الْقَضَاءَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُرَادَ مِنْ حَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ رَفْعُ الْحُكْمِ، لِتَصْحِيحِ الْكَلاَمِ اقْتِضَاءً، وَالْمُقْتَضِي لاَ عُمُومَ لَهُ، وَالإِْثْمُ مُرَادٌ إِجْمَاعًا، فَلاَ تَصِحُّ إِرَادَةُ الْحُكْمِ الآْخَرِ - وَهُوَ الدُّنْيَوِيُّ - بِالْفَسَادِ (٣) .
مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَيُوجِبُ الْقَضَاءَ:
٣٩ - وَذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الإِْخْلاَل بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ، وَيُمْكِنُ حَصْرُهُ فِيمَا يَلِي: -
١ - تَنَاوُل مَا لاَ يُؤْكَل فِي الْعَادَةِ.
٢ - قَضَاءُ الْوَطَرِ قَاصِرًا.
٣ - شُئُونُ الْمُعَالَجَةِ وَالْمُدَاوَاةِ.
٤ - التَّقْصِيرُ فِي حِفْظِ الصَّوْمِ وَالْجَهْل بِأَحْكَامِهِ.
٥ - الإِْفْطَارُ بِسَبَبِ الْعَوَارِضِ. أَوَّلاً: تَنَاوُل مَا لاَ يُؤْكَل عَادَةً: стр. 17385
٤٠ - تَنَاوُل مَا لاَ يُؤْكَل عَادَةً كَالتُّرَابِ وَالْحَصَى، وَالدَّقِيقِ غَيْرِ الْمَخْلُوطِ - عَلَى الصَّحِيحِ - وَالْحُبُوبِ النِّيئَةِ، كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ، وَالثِّمَارِ الْفِجَّةِ الَّتِي لاَ تُؤْكَل قَبْل النُّضْجِ، كَالسَّفَرْجَل وَالْجَوْزِ، وَكَذَا تَنَاوُل مِلْحٍ كَثِيرٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً يُوجِبُ الْقَضَاءَ دُونَ الْكَفَّارَةِ، أَمَّا إِذَا أَكَلَهُ عَلَى دَفَعَاتٍ، بِتَنَاوُل دَفْعَةٍ قَلِيلَةٍ، فِي كُل مَرَّةٍ، فَيَجِبُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
أَمَّا فِي أَكْل نَوَاةٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ وَرَقٍ، أَوِ ابْتِلاَعِ حَصَاةٍ، أَوْ حَدِيدٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَكَذَا شُرْبُ مَا لاَ يُشْرَبُ مِنَ السَّوَائِل كَالْبِتْرُول فَالْقَضَاءُ دُونَ كَفَّارَةٍ لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ بِسَبَبِ الاِسْتِقْذَارِ وَالْعِيَافَةِ وَمُنَافَاةِ الطَّبْعِ، فَانْعَدَمَ مَعْنَى الْفِطْرِ، وَهُوَ بِإِيصَال مَا فِيهِ نَفْعُ الْبَدَنِ إِلَى الْجَوْفِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا يُتَغَذَّى بِهِ أَمْ يُتَدَاوَى بِهِ. وَلأَِنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لَيْسَتْ غِذَائِيَّةً، وَلاَ فِي مَعْنَى الْغِذَاءِ - كَمَا يَقُول الطَّحَاوِيُّ - وَلِتَحَقُّقِ الإِْفْطَارِ فِي الصُّورَةِ، وَهُوَ الاِبْتِلاَعُ (١) .
قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ الْفِطْرُ مِمَّا دَخَل. стр. 17386
وَقَال الزَّيْلَعِيُّ: كُل مَا لاَ يُتَغَذَّى بِهِ، وَلاَ يُتَدَاوَى بِهِ عَادَةً، لاَ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ (١) .
ثَانِيًا: قَضَاءُ الْوَطَرِ أَوِ الشَّهْوَةِ عَلَى وَجْهِ الْقُصُورِ: وَذَلِكَ فِي الصُّوَرِ الآْتِيَةِ:
٤١ - أ - تَعَمُّدُ إِنْزَال الْمَنِيِّ بِلاَ جِمَاعٍ، وَذَلِكَ كَالاِسْتِمْنَاءِ بِالْكَفِّ أَوْ بِالتَّبْطِينِ وَالتَّفْخِيذِ، أَوْ بِاللَّمْسِ وَالتَّقْبِيل وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ دُونَ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُوجِبُ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ مَعًا (٢) .
ب - الإِْنْزَال بِوَطْءِ مَيِّتَةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ، أَوْ صَغِيرَةٍ لاَ تُشْتَهَى:
٤٢ - وَهُوَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ، لأَِنَّ فِيهِ قَضَاءَ إِحْدَى الشَّهْوَتَيْنِ، وَأَنَّهُ يُنَافِي الصَّوْمَ، وَلاَ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، لِتَمَكُّنِ النُّقْصَانِ فِي قَضَاءِ الشَّهْوَةِ، فَلَيْسَ بِجِمَاعٍ (٣) خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ، فَإِنَّهُ لاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ كَوْنِ الْمَوْطُوءَةِ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً، وَلاَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ، وَلاَ بَيْنَ стр. 17387
الْجَهْل وَالْخَطَأِ، وَفِي كُل ذَلِكَ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، لإِِطْلاَقِ حَدِيثِ الأَْعْرَابِيِّ (١) ، وَالْمَالِكِيَّةُ يُوجِبُونَ فِي ذَلِكَ الْكَفَّارَةَ، لِتَعَمُّدِ إِخْرَاجِ الْمَنِيِّ (٢) .
ج - الْمُسَاحَقَةُ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ إِذَا أَنْزَلَتْ:
٤٣ - عَمَل الْمَرْأَتَيْنِ، كَعَمَل الرِّجَال، جِمَاعٌ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، إِلاَّ إِذَا أَنْزَلَتْ، وَلاَ كَفَّارَةَ مَعَ الإِْنْزَال، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَعَلَّلَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ نَصَّ فِي الْكَفَّارَةِ، وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْجِمَاعِ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُمَا لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا، لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلاَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَيَبْقَى عَلَى الأَْصْل (٣) .
د - الإِْنْزَال بِالْفِكْرِ وَالنَّظَرِ:
٤٤ - إِنْزَال الْمَنِيِّ بِالنَّظَرِ أَوِ الْفِكْرِ، فِيهِ التَّفْصِيل الآْتِي: - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ أَنَّ الإِْنْزَال بِالْفِكْرِ - وَإِنْ طَال - وَبِالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ، وَلَوْ إِلَى فَرْجِ الْمَرْأَةِ مِرَارًا، стр. 17388
لاَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُنْزِل بِهِ، لأَِنَّهُ إِنْزَالٌ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ، فَأَشْبَهَ الاِحْتِلاَمَ. قَال الْقَلْيُوبِيُّ: النَّظَرُ وَالْفِكْرُ الْمُحَرِّكُ لِلشَّهْوَةِ، كَالْقُبْلَةِ، فَيَحْرُمُ وَإِنْ لَمْ يُفْطِرْ بِهِ (١) .
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ أَمْنَى بِمُجَرَّدِ الْفِكْرِ أَوِ النَّظَرِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِدَامَةٍ لَهُمَا، يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ.
وَإِنِ اسْتَدَامَهُمَا حَتَّى أَنْزَل فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الإِْنْزَال بِهِمَا عِنْدَ الاِسْتِدَامَةِ، فَالْكَفَّارَةُ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ عَدَمَ الإِْنْزَال بِهِمَا عِنْدَ الاِسْتِدَامَةِ، فَخَالَفَ عَادَتَهُ وَأَمْنَى، فَقَوْلاَنِ فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ، وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ عَدَمَ اللُّزُومِ.
وَلَوْ أَمْنَى فِي أَدَاءِ رَمَضَانَ بِتَعَمُّدِ نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ، وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِهِ تَأْوِيلاَنِ، مَحَلُّهُمَا إِذَا كَانَتْ عَادَتُهُ الإِْنْزَال بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ، وَإِلاَّ فَلاَ كَفَّارَةَ اتِّفَاقًا (٢) .
وَقَال الأَْذْرَعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَتَبِعَهُ شَيْخُ الْقَلْيُوبِيِّ، وَالرَّمْلِيُّ: يُفْطِرُ إِذَا عَلِمَ الإِْنْزَال стр. 17389
بِالْفِكْرِ وَالنَّظَرِ، وَإِنْ لَمْ يُكَرِّرْهُ (١) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ النَّظَرِ وَبَيْنَ الْفِكْرِ، فَفِي النَّظَرِ إِذَا أَمْنَى يَفْسُدُ الصَّوْمُ، لأَِنَّهُ أَنْزَل بِفِعْلٍ يَتَلَذَّذُ بِهِ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ، كَالإِْنْزَال بِاللَّمْسِ، وَالْفِكْرُ لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، بِخِلاَفِ النَّظَرِ.
وَلَوْ أَمْذَى بِتَكْرَارِ النَّظَرِ، فَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ لاَ يُفْطِرُ بِهِ، لأَِنَّهُ لاَ نَصَّ فِي الْفِطْرِ بِهِ، وَلاَ يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى إِنْزَال الْمَنِيِّ، لِمُخَالَفَتِهِ إِيَّاهُ فِي الأَْحْكَامِ، فَيَبْقَى عَلَى الأَْصْل (٢) .
وَإِذَا لَمْ يُكَرِّرِ النَّظَرَ لاَ يُفْطِرُ، سَوَاءٌ أَمْنَى أَوْ أَمْذَى، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ: يُفْطِرُ بِالْمَنِيِّ لاَ بِالْمَذْيِ (٣) .
أَمَّا الْفِكْرُ، فَإِنَّ الإِْنْزَال بِهِ لاَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ. وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ: الإِْفْسَادَ بِهِ، لأَِنَّ الْفِكْرَ يَدْخُل تَحْتَ الاِخْتِيَارِ، لَكِنَّ جُمْهُورَهُمُ اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَل بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ (٤) وَلأَِنَّهُ لاَ نَصَّ فِي الْفِطْرِ بِهِ وَلاَ стр. 17390
إِجْمَاعَ، وَلاَ يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ وَلاَ تَكْرَارِ النَّظَرِ، لأَِنَّهُ دُونَهُمَا فِي اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ، وَإِفْضَائِهِ إِلَى الإِْنْزَال (١) .
ثَالِثًا: الْمُعَالَجَاتُ وَنَحْوُهَا، وَهِيَ أَنْوَاعٌ، أَهَمُّهَا:
أ - الاِسْتِعَاطُ:
٤٥ - الاِسْتِعَاطُ، افْتِعَالٌ مِنَ السَّعُوطِ، مِثَال رَسُولٍ: دَوَاءٌ يُصَبُّ فِي الأَْنْفِ (٢) ، وَالاِسْتِعَاطُ وَالإِْسْعَاطُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: إِيصَال الشَّيْءِ إِلَى الدِّمَاغِ مِنَ الأَْنْفِ (٣) .
وَإِنَّمَا يُفْسِدُ الاِسْتِعَاطُ الصَّوْمَ، بِشَرْطِ أَنْ يَصِل الدَّوَاءُ إِلَى الدِّمَاغِ، وَالأَْنْفُ مَنْفَذٌ إِلَى الْجَوْفِ، فَلَوْ لَمْ يَصِل إِلَى الدِّمَاغِ لَمْ يَضُرَّ، بِأَنْ لَمْ يُجَاوِزِ الْخَيْشُومَ، فَلَوْ وَضَعَ دَوَاءً فِي أَنْفِهِ لَيْلاً، وَهَبَطَ نَهَارًا، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ (٤) .
وَلَوْ وَضَعَهُ فِي النَّهَارِ، وَوَصَل إِلَى دِمَاغِهِ أَفْطَرَ؛ لأَِنَّهُ وَاصِلٌ إِلَى جَوْفِ الصَّائِمِ بِاخْتِيَارِهِ فَيُفَطِّرُهُ كَالْوَاصِل إِلَى الْحَلْقِ، وَالدِّمَاغُ جَوْفٌ - كَمَا قَرَّرُوا - وَالْوَاصِل إِلَيْهِ يُغَذِّيهِ، فَيُفَطِّرُهُ، стр. 17391
كَجَوْفِ الْبَدَنِ (١) .
وَالْوَاجِبُ فِيهِ الْقَضَاءُ لاَ الْكَفَّارَةُ، هَذَا هُوَ الأَْصَحُّ، لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ مُوجِبُ الإِْفْطَارِ صُورَةً وَمَعْنًى، وَالصُّورَةُ هِيَ الاِبْتِلاَعُ، وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ، وَالنَّفْعُ الْمُجَرَّدُ عَنْهَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ فَقَطْ (٢) .
وَهَذَا الْحُكْمُ لاَ يَخُصُّ صَبَّ الدَّوَاءِ، بَل لَوِ اسْتَنْشَقَ الْمَاءَ، فَوَصَل إِلَى دِمَاغِهِ أَفْطَرَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) .
ب - اسْتِعْمَال الْبَخُورِ:
٤٦ - وَيَكُونُ بِإِيصَال الدُّخَانِ إِلَى الْحَلْقِ، فَيُفْطِرُ، أَمَّا شَمُّ رَائِحَةِ الْبَخُورِ وَنَحْوِهِ بِلاَ وُصُول دُخَانِهِ إِلَى الْحَلْقِ فَلاَ يُفْطِرُ وَلَوْ جَاءَتْهُ الرَّائِحَةُ وَاسْتَنْشَقَهَا، لأَِنَّ الرَّائِحَةَ لاَ جِسْمَ لَهَا (٤) .
فَمَنْ أَدْخَل بِصُنْعِهِ دُخَانًا حَلْقَهُ، بِأَيَّةِ صُورَةٍ كَانَ الإِْدْخَال - فَسَدَ صَوْمُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ دُخَانَ عَنْبَرٍ أَمْ عُودٍ أَمْ غَيْرِهِمَا، حَتَّى مَنْ تَبَخَّرَ بِعُودٍ، فَآوَاهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَاشْتَمَّ دُخَانَهُ، ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، أَفْطَرَ، لإِِمْكَانِ стр. 17392
التَّحَرُّزِ مِنْ إِدْخَال الْمُفْطِرِ جَوْفَهُ وَدِمَاغَهُ.
قَال الشَّرَنْبَلاَلِيُّ: هَذَا مِمَّا يَغْفُل عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَلْيُنَبَّهْ لَهُ، وَلاَ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ كَشَمِّ الْوَرْدِ وَالْمِسْكِ، لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَوَاءٍ تَطَيَّبَ بِرِيحِ الْمِسْكِ وَشَبَهِهِ، وَبَيْنَ جَوْهَرِ دُخَانٍ وَصَل إِلَى جَوْفِهِ بِفِعْلِهِ (١)
ج - بُخَارُ الْقِدْرِ:
٤٧ - بُخَارُ الْقِدْرِ، مَتَى وَصَل لِلْحَلْقِ بِاسْتِنْشَاقٍ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ، لأَِنَّ دُخَانَ الْبَخُورِ وَبُخَارَ الْقِدْرِ كُلٌّ مِنْهُمَا جِسْمٌ يَتَكَيَّفُ بِهِ الدِّمَاغُ، وَيَتَقَوَّى بِهِ، أَيْ تَحْصُل لَهُ قُوَّةٌ كَالَّتِي تَحْصُل مِنَ الأَْكْل، أَمَّا لَوْ وَصَل وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِلْحَلْقِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ.
هَذَا بِخِلاَفِ دُخَانِ الْحَطَبِ، فَإِنَّهُ لاَ قَضَاءَ فِي وُصُولِهِ لِلْحَلْقِ، وَلَوْ تَعَمَّدَ اسْتِنْشَاقَهُ، لأَِنَّهُ لاَ يَحْصُل لِلدِّمَاغِ بِهِ قُوَّةٌ كَالَّتِي تَحْصُل لَهُ مِنَ الأَْكْل (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ فَتَحَ فَاهُ عَمْدًا حَتَّى دَخَل الْغُبَارُ فِي جَوْفِهِ، لَمْ يُفْطِرْ عَلَى الأَْصَحِّ (٣) . стр. 17393
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ الإِْفْطَارُ بِابْتِلاَعِ غَرْبَلَةِ الدَّقِيقِ وَغُبَارِ الطَّرِيقِ، إِنْ تَعَمَّدَهُ.
د - التَّدْخِينُ:
٤٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ شُرْبَ الدُّخَانِ الْمَعْرُوفِ أَثْنَاءَ الصَّوْمِ يُفْسِدُ الصِّيَامَ، لأَِنَّهُ مِنَ الْمُفْطِرَاتِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَبَغ) الْمَوْسُوعَة الْفِقْهِيَّة ١٠ فِقْرَة ٣٠.
هـ - التَّقْطِيرُ فِي الأُْذُنِ:
٤٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى فَسَادِ الصَّوْمِ بِتَقْطِيرِ الدَّوَاءِ أَوِ الدُّهْنِ أَوِ الْمَاءِ فِي الأُْذُنِ.
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ الإِْمْسَاكُ عَمَّا يَصِل إِلَى الْحَلْقِ، مِمَّا يَنْمَاعُ أَوْ لاَ يَنْمَاعُ.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْوَاصِل إِلَى الْحَلْقِ مُفَطِّرٌ وَلَوْ لَمْ يُجَاوِزْهُ، إِنْ وَصَل إِلَيْهِ، وَلَوْ مِنْ أَنْفٍ أَوْ أُذُنٍ أَوْ عَيْنٍ نَهَارًا (١) .
وَتَوْجِيهُهُ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ وَاصِلٌ مِنْ أَحَدِ الْمَنَافِذِ الْوَاسِعَةِ فِي الْبَدَنِ، وَهِيَ: الْفَمُ وَالأَْنْفُ وَالأُْذُنُ، وَأَنَّ كُل مَا وَصَل إِلَى الْمَعِدَةِ مِنْ مَنْفَذٍ عَالٍ - مُوجِبٌ لِلْقَضَاءِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الْمَنْفَذُ وَاسِعًا أَمْ ضَيِّقًا. وَأَنَّهُ لاَ تَفْرِقَةَ стр. 17394
عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْمَائِعِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي الْوَاصِل إِلَى الْمَعِدَةِ مِنَ الْحَلْقِ (١) .
وَقَال النَّوَوِيُّ: لَوْ صَبَّ الْمَاءَ أَوْ غَيْرَهُ فِي أُذُنَيْهِ، فَوَصَل دِمَاغَهُ أَفْطَرَ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَنَا، وَلَمْ يَرَ الْغَزَالِيُّ الإِْفْطَارَ بِالتَّقْطِيرِ فِي الأُْذُنَيْنِ (٢) .
وَقَال الْبُهُوتِيُّ: إِذَا قَطَّرَ فِي أُذُنِهِ فَوَصَل إِلَى دِمَاغِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ، لأَِنَّ الدِّمَاغَ أَحَدُ الْجَوْفَيْنِ، فَالْوَاصِل إِلَيْهِ يُغَذِّيهِ، فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ (٣) .
وَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا بِفَسَادِ الصَّوْمِ بِتَقْطِيرِ الدَّوَاءِ وَالدُّهْنِ فِي الأُْذُنِ، لأَِنَّ فِيهِ صَلاَحًا لِجُزْءٍ مِنَ الْبَدَنِ، فَوُجِدَ إِفْسَادُ الصَّوْمِ مَعْنًى.
وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي تَقْطِيرِ الْمَاءِ فِي الأُْذُنِ، فَاخْتَارَ الْمَرْغِينَانِيُّ فِي الْهِدَايَةِ - وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ غَيْرُهُ - عَدَمَ الإِْفْطَارِ بِهِ مُطْلَقًا، دَخَل بِنَفْسِهِ أَوْ أَدْخَلَهُ.
وَفَرَّقَ قَاضِي خَانْ، بَيْنَ الإِْدْخَال قَصْدًا فَأَفْسَدَ بِهِ الصَّوْمَ، وَبَيْنَ الدُّخُول فَلَمْ يُفْسِدْهُ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي صَحَّحُوهُ، لأَِنَّ الْمَاءَ يَضُرُّ الدِّمَاغَ، فَانْعَدَمَ الإِْفْسَادُ صُورَةً وَمَعْنًى (٤) . стр. 17395
فَالاِتِّفَاقُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الْفِطْرِ بِصَبِّ الدُّهْنِ، وَعَلَى عَدَمِهِ بِدُخُول الْمَاءِ، وَالاِخْتِلاَفُ فِي التَّصْحِيحِ فِي إِدْخَالِهِ (١) .
و مُدَاوَاةُ الآْمَّةِ وَالْجَائِفَةِ وَالْجِرَاحِ:
٥٠ - الآْمَّةُ: جِرَاحَةٌ فِي الرَّأْسِ، وَالْجَائِفَةُ: جِرَاحَةٌ فِي الْبَطْنِ.
وَالْمُرَادُ بِهَذَا - كَمَا يَقُول الْكَاسَانِيُّ - مَا يَصِل إِلَى الْجَوْفِ مِنْ غَيْرِ الْمَخَارِقِ الأَْصْلِيَّةِ (٢) .
فَإِذَا دَاوَى الصَّائِمُ الآْمَّةَ أَوَ الْجِرَاحَ، فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ - بِوَجْهِ عَامٍّ - فَسَادُ الصَّوْمِ، إِذَا وَصَل الدَّوَاءُ إِلَى الْجَوْفِ.
قَال النَّوَوِيُّ: لَوْ دَاوَى جُرْحَهُ فَوَصَل الدَّوَاءُ إِلَى جَوْفِهِ أَوْ دِمَاغِهِ أَفْطَرَ عِنْدَنَا سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّوَاءُ رَطْبًا أَمْ يَابِسًا (٣) وَعَلَّلَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ أَوْصَل إِلَى جَوْفِهِ شَيْئًا بِاخْتِيَارِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَل (٤) . قَال الْمِرْدَاوِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الأَْصْحَابُ (٥) .
وَعَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ - مَعَ نَصِّهِمْ عَلَى عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الدَّوَاءِ الرَّطْبِ وَبَيْنَ الدَّوَاءِ стр. 17396
الْيَابِسِ - بِأَنَّ بَيْنَ جَوْفِ الرَّأْسِ وَجَوْفِ الْمَعِدَةِ مَنْفَذًا أَصْلِيًّا، فَمَتَى وَصَل إِلَى جَوْفِ الرَّأْسِ، يَصِل إِلَى جَوْفِ الْبَطْنِ (١) .
أَمَّا إِذَا شَكَّ فِي وُصُول الدَّوَاءِ إِلَى الْجَوْفِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بَعْضُ التَّفْصِيل وَالْخِلاَفِ، فَإِنْ كَانَ الدَّوَاءُ رَطْبًا، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الظَّاهِرُ هُوَ الْوُصُول، لِوُجُودِ الْمَنْفَذِ إِلَى الْجَوْفِ، وَهُوَ السَّبَبُ، فَيُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَهُوَ الْوُصُول عَادَةً، وَقَال الصَّاحِبَانِ: لاَ يُفْطِرُ، لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، فَلاَ يُفْطِرُ بِالشَّكِّ، فَهُمَا يَعْتَبِرَانِ الْمَخَارِقَ الأَْصْلِيَّةَ؛ لأَِنَّ الْوُصُول إِلَى الْجَوْفِ مِنَ الْمَخَارِقِ الأَْصْلِيَّةِ مُتَيَقَّنٌ بِهِ، وَمِنْ غَيْرِهَا مَشْكُوكٌ بِهِ، فَلاَ نَحْكُمُ بِالْفَسَادِ مَعَ الشَّكِّ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الدَّوَاءُ يَابِسًا، فَلاَ فِطْرَ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَصِل إِلَى الْجَوْفِ وَلاَ إِلَى الدِّمَاغِ.
لَكِنْ قَال الْبَابَرْتِيُّ: وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْوُصُول، حَتَّى إِذَا عَلِمَ أَنَّ الدَّوَاءَ الْيَابِسَ وَصَل إِلَى جَوْفِهِ، فَسَدَ صَوْمُهُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الرَّطْبَ لَمْ يَصِل إِلَى جَوْفِهِ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ عِنْدَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ ذَكَرَ الرَّطْبَ وَالْيَابِسَ بِنَاءً عَلَى الْعَادَةِ. стр. 17397
وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ يَقِينًا فَسَدَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، نَظَرًا إِلَى الْعَادَةِ، لاَ عِنْدَهُمَا (١) .
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ عَدَمُ الإِْفْطَارِ بِمُدَاوَاةِ الْجِرَاحِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشِّيحِ تَقِيِّ الدِّينِ.
قَال الْمِرْدَاوِيُّ: وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَدَمَ الإِْفْطَارِ بِمُدَاوَاةِ جَائِفَةٍ وَمَأْمُومَةٍ (٢) .
قَال ابْنُ جُزَيٍّ: أَمَّا دَوَاءُ الْجُرْحِ بِمَا يَصِل إِلَى الْجَوْفِ، فَلاَ يُفْطِرُ (٣) .
وَقَال الدَّرْدِيرُ، مُعَلِّلاً عَدَمَ الإِْفْطَارِ بِوَضْعِ الدُّهْنِ عَلَى الْجَائِفَةِ، وَالْجُرْحِ الْكَائِنِ فِي الْبَطْنِ الْوَاصِل لِلْجَوْفِ: لأَِنَّهُ لاَ يَصِل لِمَحَل الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَإِلاَّ لَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ (٤) .
ز - الاِحْتِقَانُ:
٥١ - الاِحْتِقَانُ: صَبُّ الدَّوَاءِ أَوْ إِدْخَال نَحْوِهِ فِي الدُّبُرِ (٥) . وَقَدْ يَكُونُ بِمَائِعٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَالاِحْتِقَانُ بِالْمَائِعِ مِنَ الْمَاءِ، وَهُوَ الْغَالِبُ، أَوْ غَيْرِ الْمَاءِ - يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَيُوجِبُ الْقَضَاءَ، فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَمَنْصُوصُ خَلِيلٍ، وَهُوَ مُعَلَّلٌ بِأَنَّهُ يَصِل بِهِ الْمَاءُ إِلَى الْجَوْفِ مِنْ стр. 17398
مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ، وَبِأَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَادِ كَالْمُعْتَادِ فِي الْوَاصِل، وَبِأَنَّهُ أَبْلَغُ وَأَوْلَى بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ مِنَ الاِسْتِعَاطِ اسْتِدْرَاكًا لِلْفَرِيضَةِ الْفَاسِدَةِ (١) .
وَلاَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ، لِعَدَمِ اسْتِكْمَال الْجِنَايَةِ عَلَى الصَّوْمِ صُورَةً وَمَعْنًى، كَمَا هُوَ سَبَبُ الْكَفَّارَةِ، بَل هُوَ لِوُجُودِ مَعْنَى الْفِطْرِ، وَهُوَ وُصُول مَا فِيهِ صَلاَحُ الْبَدَنِ إِلَى الْجَوْفِ، دُونَ صُورَتِهِ، وَهُوَ الْوُصُول مِنَ الْفَمِ دُونَ مَا سِوَاهُ (٢) .
وَاسْتَدَل الْمَرْغِينَانِيُّ وَغَيْرُهُ لِلإِْفْطَارِ بِالاِحْتِقَانِ وَغَيْرِهِ، كَالاِسْتِعَاطِ وَالإِْفْطَارِ، بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: إِنَّمَا الإِْفْطَارُ مِمَّا دَخَل، وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ (٣) .
وَقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا الْفِطْرُ مِمَّا دَخَل، وَلَيْسَ مِمَّا يَخْرُجُ (٤) .
أَمَّا الاِحْتِقَانُ بِالْجَامِدِ، فَفِيهِ بَعْضُ الْخِلاَفِ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَا يَدْخُل стр. 17399
إِلَى الْجَوْفِ مِنَ الدُّبُرِ بِالْحُقْنَةِ يُفْطِرُ، لأَِنَّهُ وَاصِلٌ إِلَى الْجَوْفِ بِاخْتِيَارِهِ، فَأَشْبَهَ الأَْكْل (١) .
كَذَلِكَ دُخُول طَرَفِ أُصْبُعٍ فِي الْمَخْرَجِ حَال الاِسْتِنْجَاءِ يُفْطِرُ، قَال النَّوَوِيُّ: لَوْ أَدْخَل الرَّجُل أُصْبُعَهُ أَوْ غَيْرَهَا دُبُرَهُ، وَبَقِيَ الْبَعْضُ خَارِجًا، بَطَل الصَّوْمُ، بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَغْيِيبَ الْقُطْنِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْجَوَامِدِ الْجَافَّةِ يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَعَدَمَ التَّغْيِيبِ لاَ يُفْسِدُهُ، كَمَا لَوْ بَقِيَ طَرَفُهُ خَارِجًا، لأَِنَّ عَدَمَ تَمَامِ الدُّخُول كَعَدَمِ دُخُول شَيْءٍ بِالْمَرَّةِ، كَإِدْخَال الأُْصْبُعِ غَيْرِ الْمَبْلُولَةِ، أَمَّا الْمَبْلُولَةُ بِالْمَاءِ وَالدُّهْنِ فَيُفْسِدُهُ (٣) .
وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ الإِْفْطَارَ وَإِبْطَال الصَّوْمِ بِالْحُقْنَةِ الْمَائِعَةِ نَصًّا.
وَقَالُوا: احْتَرَزَ (خَلِيلٌ) بِالْمَائِعِ عَنِ الْحُقْنَةِ بِالْجَامِدِ، فَلاَ قَضَاءَ فِيهَا، وَلاَ فِي فَتَائِل عَلَيْهَا دُهْنٌ لِخِفَّتِهَا.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ، قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: سُئِل مَالِكٌ عَنِ الْفَتَائِل تُجْعَل لِلْحُقْنَةِ؟ قَال مَالِكٌ: أَرَى ذَلِكَ خَفِيفًا، وَلاَ أَرَى عَلَيْهِ فِيهِ стр. 17400
شَيْئًا، قَال مَالِكٌ: وَإِنِ احْتَقَنَ بِشَيْءٍ يَصِل إِلَى جَوْفِهِ، فَأَرَى عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ (١) .
وَيَبْدُو مَعَ ذَلِكَ تَلْخِيصًا أَنَّ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْحُقْنَةِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ: الإِْفْطَارُ بِالْحُقْنَةِ الْمَائِعَةِ.
الثَّانِيَ: أَنَّ الْحُقْنَةَ تُفْطِرُ مُطْلَقًا.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا لاَ تُفْطِرُ، وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ، لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يَصِل إِلَى الْمَعِدَةِ، وَلاَ مَوْضِعَ يَتَصَرَّفُ مِنْهُ مَا يُغَذِّي الْجِسْمَ بِحَالٍ.
الرَّابِعُ: أَنَّ اسْتِعْمَال الْحُقْنَةِ مَكْرُوهٌ. قَال ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَانَ مَنْ مَضَى مِنَ السَّلَفِ وَأَهْل الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ التَّعَالُجَ بِالْحَقْنِ إِلاَّ مِنْ ضَرُورَةٍ غَالِبَةٍ، لاَ تُوجَدُ عَنِ التَّعَالُجِ بِهَا مَنْدُوحَةٌ، فَلِهَذَا اسْتُحِبَّ قَضَاءُ الصَّوْمِ بِاسْتِعْمَالِهَا (٢) .
ح - الْحُقْنَةُ الْمُتَّخَذَةُ فِي مَسَالِكِ الْبَوْل:
وَيُعَبِّرُ عَنْ هَذَا الشَّافِعِيَّةُ بِالتَّقْطِيرِ، وَلاَ يُسَمُّونَهُ احْتِقَانًا (٣) وَفِيهِ هَذَا التَّفْصِيل: следующие страницы →