Полный текст (31 949 стр.). Показаны 17431–17470 · переход к 17436.
стр. 17431
لِغَرَضِ نَفْسِهِ، وَغَرَضِ غَيْرِهِ، بِأُجْرَةٍ وَغَيْرِهَا (١) .
رَابِعًا: الشَّيْخُوخَةُ وَالْهَرَمُ:
٦٣ - وَتَشْمَل الشَّيْخُوخَةُ وَالْهَرَمُ مَا يَلِي: -
الشَّيْخَ الْفَانِيَ، وَهُوَ الَّذِي فَنِيَتْ قُوَّتُهُ، أَوْ أَشْرَفَ عَلَى الْفَنَاءِ، وَأَصْبَحَ كُل يَوْمٍ فِي نَقْصٍ إِلَى أَنْ يَمُوتَ.
الْمَرِيضَ الَّذِي لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَتَحَقَّقَ الْيَأْسُ مِنْ صِحَّتِهِ.
الْعَجُوزَ، وَهِيَ الْمَرْأَةُ الْمُسِنَّةُ.
قَال الْبُهُوتِيُّ: الْمَرِيضُ الَّذِي لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ فِي حُكْمِ الْكَبِيرِ (٢) .
وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ عَجْزَ الشَّيْخُوخَةِ وَالْهَرَمِ، بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَمِرًّا، فَلَوْ لَمْ يَقْدِرَا عَلَى الصَّوْمِ لِشِدَّةِ الْحَرِّ مَثَلاً، كَانَ لَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا، وَيَقْضِيَاهُ فِي الشِّتَاءِ (٣) .
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُمَا الصَّوْمُ، وَنَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ الإِْجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ لَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا، إِذَا كَانَ الصَّوْمُ يُجْهِدُهُمَا وَيَشُقُّ عَلَيْهِمَا مَشَقَّةً شَدِيدَةً.
قَال ابْنُ جُزَيٍّ: إِنَّ الشَّيْخَ وَالْعَجُوزَ الْعَاجِزَيْنِ عَنِ الصَّوْمِ، يَجُوزُ لَهُمَا الْفِطْرُ стр. 17432
إِجْمَاعًا، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِمَا (١) .
وَالأَْصْل فِي شَرْعِيَّةِ إِفْطَارِ مَنْ ذُكِرَ:
أ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ (٢) ﴾ فَقَدْ قِيل فِي بَعْضِ وُجُوهِ التَّأْوِيل: إِنَّ (لاَ) مُضْمَرَةٌ فِي الآْيَةِ، وَالْمَعْنَى: وَعَلَى الَّذِينَ لاَ يُطِيقُونَهُ.
وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: الآْيَةُ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، وَهِيَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ، لاَ يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُل يَوْمٍ مِسْكِينًا (٣) .
وَالآْيَةُ فِي مَحَل الاِسْتِدْلاَل، حَتَّى عَلَى الْقَوْل بِنَسْخِهَا، لأَِنَّهَا إِنْ وَرَدَتْ فِي الشَّيْخِ الْفَانِي - كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ - فَظَاهِرٌ، وَإِنْ وَرَدَتْ لِلتَّخْيِيرِ فَكَذَلِكَ؛ لأَِنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْقَادِرِ عَلَى الصَّوْمِ، فَبَقِيَ الشَّيْخُ الْفَانِي عَلَى حَالِهِ كَمَا كَانَ (٤) .
ب - وَالْعُمُومَاتُ الْقَاضِيَةُ بِرَفْعِ الْحَرَجِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (٥) ﴾ . стр. 17433
وَمُوجِبُ الإِْفْطَارِ بِسَبَبِ الشَّيْخُوخَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ، وَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
خَامِسًا: إِرْهَاقُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ:
٦٤ - مَنْ أَرْهَقَهُ جُوعٌ مُفْرِطٌ، أَوْ عَطَشٌ شَدِيدٌ، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَيَقْضِي (١) . وَقَيَّدَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَمْرَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلاَكَ، بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، لاَ بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ، أَوْ يَخَافَ نُقْصَانَ الْعَقْل، أَوْ ذَهَابَ بَعْضِ الْحَوَاسِّ، كَالْحَامِل وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا الْهَلاَكَ أَوْ عَلَى أَوْلاَدِهِمَا.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ حُرِّمَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ حِفْظَ النَّفْسِ وَالْمَنَافِعِ وَاجِبٌ (٢) .
الثَّانِي: أَنْ لاَ يَكُونَ ذَلِكَ بِإِتْعَابِ نَفْسِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ بِهِ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَقِيل: لاَ (٣) .
وَأَلْحَقَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالْمَرِيضِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْخَوْفَ عَلَى النَّفْسِ فِي مَعْنَى الْمَرَضِ (٤) . وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: وَمِثْل الْمَرَضِ غَلَبَةُ جُوعٍ стр. 17434
وَعَطَشٍ، لاَ نَحْوُ صُدَاعٍ، وَوَجَعِ أُذُنٍ وَسِنٍّ خَفِيفَةٍ.
وَمَثَّلُوا لَهُ بِأَرْبَابِ الْمِهَنِ الشَّاقَّةِ، لَكِنْ قَالُوا: عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ لَيْلاً، ثُمَّ إِنِ احْتَاجَ إِلَى الإِْفْطَارِ، وَلَحِقَتْهُ مَشَقَّةٌ، أَفْطَرَ (١) .
قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْمُحْتَرِفُ الْمُحْتَاجُ إِلَى نَفَقَتِهِ كَالْخَبَّازِ وَالْحَصَّادِ، إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَوِ اشْتَغَل بِحِرْفَتِهِ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْفِطْرُ قَبْل أَنْ تَلْحَقَهُ مَشَقَّةٌ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ الآْجُرِّيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: مَنْ صَنْعَتُهُ شَاقَّةٌ، فَإِنْ خَافَ بِالصَّوْمِ تَلَفًا، أَفْطَرَ وَقَضَى، إِنْ ضَرَّهُ تَرْكُ الصَّنْعَةِ، فَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ تَرْكُهَا أَثِمَ بِالْفِطْرِ وَبِتَرْكِهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْتِفِ الضَّرَرُ بِتَرْكِهَا، فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ بِالْفِطْرِ لِلْعُذْرِ (٢) .
٦٥ - وَأَلْحَقُوا بِإِرْهَاقِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ خَوْفَ الضَّعْفِ عَنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ الْمُتَوَقَّعِ أَوِ الْمُتَيَقَّنِ كَأَنْ كَانَ مُحِيطًا: فَالْغَازِي إِذَا كَانَ يَعْلَمُ يَقِينًا أَوْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ الْقِتَال بِسَبَبِ وُجُودِهِ بِمُقَابَلَةِ الْعَدُوِّ، وَيَخَافُ الضَّعْفَ عَنِ الْقِتَال بِالصَّوْمِ، وَلَيْسَ مُسَافِرًا، لَهُ الْفِطْرُ قَبْل الْحَرْبِ.
قَال فِي الْهِنْدِيَّةِ: فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقِ الْقِتَال فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ فِي الْقِتَال يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيمِ стр. 17435
الإِْفْطَارِ، لِيَتَقَوَّى وَلاَ كَذَلِكَ الْمَرَضُ.
وَقَال الْبُهُوتِيُّ: وَمَنْ قَاتَل عَدُوًّا، أَوْ أَحَاطَ الْعَدُوُّ بِبَلَدِهِ، وَالصَّوْمُ يُضْعِفُهُ عَنِ الْقِتَال، سَاغَ لَهُ الْفِطْرُ بِدُونِ سَفَرٍ نَصًّا، لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ (١) .
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، فِي أَنَّ الْمُرْهَقَ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ، يُفْطِرُ، وَيَقْضِي - كَمَا ذَكَرْنَا - وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِيمَا إِذَا أَفْطَرَ الْمُرْهَقُ، فَهَل يُمْسِكُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، أَمْ يَجُوزُ لَهُ الأَْكْل (٢) ؟
سَادِسًا: الإِْكْرَاهُ:
٦٦ - الإِْكْرَاهُ: حَمْل الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ، عَلَى فِعْل أَوْ تَرْكِ مَا لاَ يَرْضَاهُ بِالْوَعِيدِ (٣) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْفِطْرِ فَأَفْطَرَ قَضَى.
قَالُوا: إِذَا أُكْرِهَ الصَّائِمُ بِالْقَتْل عَلَى الْفِطْرِ، بِتَنَاوُل الطَّعَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ، فَمُرَخَّصٌ لَهُ بِهِ، وَالصَّوْمُ أَفْضَل، حَتَّى لَوِ امْتَنَعَ مِنَ الإِْفْطَارِ حَتَّى قُتِل، يُثَابُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْوُجُوبَ ثَابِتٌ حَالَةَ الإِْكْرَاهِ، وَأَثَرُ الرُّخْصَةِ فِي الإِْكْرَاهِ هُوَ سُقُوطُ الْمَأْثَمِ بِالتَّرْكِ، لاَ فِي سُقُوطِ الْوُجُوبِ، بَل بَقِيَ الْوُجُوبُ ثَابِتًا، وَالتَّرْكُ حَرَامًا، وَإِذَا كَانَ الْوُجُوبُ ثَابِتًا، стр. 17436
وَالتَّرْكُ حَرَامًا، كَانَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى قَائِمًا، فَهُوَ بِالاِمْتِنَاعِ بَذَل نَفْسَهُ لإِِقَامَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، طَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ، فَكَانَ مُجَاهِدًا فِي دِينِهِ، فَيُثَابُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمُكْرَهُ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا، فَالإِْكْرَاهُ - كَمَا يَقُول الْكَاسَانِيُّ - حِينَئِذٍ مُبِيحٌ مُطْلَقٌ، فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا، بَل مُوجِبٌ، وَالأَْفْضَل هُوَ الإِْفْطَارُ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلاَ يَسَعُهُ أَنْ لاَ يُفْطِرَ، حَتَّى لَوِ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَقُتِل، يَأْثَمُ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ: أَنَّ فِي الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ كَانَ الْوُجُوبُ ثَابِتًا قَبْل الإِْكْرَاهِ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةِ التَّرْكِ أَصْلاً، فَإِذَا جَاءَ الإِْكْرَاهُ - وَهُوَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الرُّخْصَةِ - كَانَ أَثَرُهُ فِي إِثْبَاتِ رُخْصَةِ التَّرْكِ، لاَ فِي إِسْقَاطِ الْوُجُوبِ.
وَأَمَّا فِي الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، فَالْوُجُوبُ مَعَ رُخْصَةِ التَّرْكِ، كَانَ ثَابِتًا قَبْل الإِْكْرَاهِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلإِْكْرَاهِ أَثَرٌ آخَرُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَبْلَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ إِسْقَاطَ الْوُجُوبِ رَأْسًا، وَإِثْبَاتَ الإِْبَاحَةِ الْمُطْلَقَةِ، فَنَزَل مَنْزِلَةَ الإِْكْرَاهِ عَلَى أَكْل الْمَيْتَةِ، وَهُنَاكَ يُبَاحُ لَهُ الأَْكْل، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ، فَكَذَا هُنَا (١) .
وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ الإِْكْرَاهِ عَلَى الأَْكْل أَوِ الشُّرْبِ، وَبَيْنَ الإِْكْرَاهِ عَلَى الْوَطْءِ: стр. 17437
فَقَالُوا فِي الإِْكْرَاهِ عَلَى الأَْكْل: لَوْ أُكْرِهَ حَتَّى أَكَل أَوْ شَرِبَ لَمْ يُفْطِرْ، كَمَا لَوْ أُوجِرَ فِي حَلْقِهِ مُكْرَهًا، لأَِنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَى اخْتِيَارِهِ سَاقِطٌ لِعَدَمِ وُجُودِ الاِخْتِيَارِ.
أَمَّا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْوَطْءِ زِنًا، فَإِنَّهُ لاَ يُبَاحُ بِالإِْكْرَاهِ، فَيُفْطِرُ بِهِ، بِخِلاَفِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ.
وَاعْتَمَدَ الْعَزِيزِيُّ الإِْطْلاَقَ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ عَدَمَ الإِْفْطَارِ، لِشُبْهَةِ الإِْكْرَاهِ عَلَى الْوَطْءِ، وَالْحُرْمَةِ مِنْ جِهَةِ الْوَطْءِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الإِْكْرَاهُ عَلَى الإِْفْطَارِ مُطْلَقًا بِالْوَطْءِ وَالأَْكْل وَالشُّرْبِ، إِذَا فَعَلَهُ الْمُكْرَهُ لاَ يُفْطِرُ بِهِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِلاَّ فِي الإِْكْرَاهِ عَلَى الإِْفْطَارِ بِالزِّنَا، فَإِنَّ فِيهِ وَجْهًا بِالإِْفْطَارِ وَالْقَضَاءِ عِنْدَهُمْ.
وَهَذَا الإِْطْلاَقُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا، فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْفِعْل، أَوْ فُعِل بِهِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، بِأَنْ صُبَّ فِي حَلْقِهِ، مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا، كَمَا لَوْ أُوجِرَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مُعَالَجَةً، لاَ يُفْطِرُ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، لِحَدِيثِ: وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (١) .
مُلْحَقَاتٌ بِالْعَوَارِضِ
٦٧ - يُمْكِنُ إِلْحَاقُ مَا يَلِي مِنَ الأَْعْذَارِ بِالْعَوَارِضِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ، وَأَقَرُّوهَا стр. 17438
وَأَفْرَدُوا لَهَا أَحْكَامًا كُلَّمَا عَرَضَتْ فِي الصَّوْمِ، كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالإِْغْمَاءِ وَالْجُنُونِ وَالسُّكْرِ وَالنَّوْمِ وَالرِّدَّةِ وَالْغَفْلَةِ.
وَأَحْكَامُهُمَا تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.
مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَيُوجِبُ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ:
أَوَّلاً: الْجِمَاعُ عَمْدًا:
٦٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ جِمَاعَ الصَّائِمِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا مُخْتَارًا بِأَنْ يَلْتَقِيَ الْخِتَانَانِ وَتَغِيبَ الْحَشَفَةُ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ - مُفْطِرٌ يُوجِبُ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ، أَنْزَل أَوْ لَمْ يُنْزِل.
وَفِي قَوْلٍ ثَانٍ لِلشَّافِعِيَّةِ لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ، لأَِنَّ الْخَلَل انْجَبَرَ بِالْكَفَّارَةِ. وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ لَهُمْ: إِنْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ دَخَل فِيهِ الْقَضَاءُ، وَإِلاَّ فَلاَ يَدْخُل فَيَجِبُ الْقَضَاءُ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - بِلاَ عُذْرٍ - آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا أَنْزَل أَمْ لاَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا، أَوْ جَاهِلاً أَوْ مُخْطِئًا، مُخْتَارًا أَوْ مُكْرَهًا (١) ، وَهَذَا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، هَلَكْتُ، قَال: مَا لَكَ؟ قَال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ هَل стр. 17439
تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَال: لاَ. قَال: فَهَل تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَال: لاَ. قَال: فَهَل تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَال: لاَ. قَال: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ (١) ، قَال: أَيْنَ السَّائِل؟ فَقَال: أَنَا، قَال: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ، فَقَال الرَّجُل: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُول اللَّهِ، فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْل بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْل بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَال: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ (٢) .
وَلاَ خِلاَفَ فِي فَسَادِ صَوْمِ الْمَرْأَةِ بِالْجِمَاعِ لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْمُفْطِرَاتِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُل وَالْمَرْأَةُ. وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا:
فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَهِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا أَيْضًا، لأَِنَّهَا هَتَكَتْ صَوْمَ رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهَا كَالرَّجُل.
وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ وُجُوبَهَا عَلَيْهَا، بِأَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ هُوَ جِنَايَةُ الإِْفْسَادِ، لاَ نَفْسُ الْوِقَاعِ، стр. 17440
وَقَدْ شَارَكَتْهُ فِيهَا، وَقَدِ اسْتَوَيَا فِي الْجِنَايَةِ، وَالْبَيَانُ فِي حَقِّ الرَّجُل بَيَانٌ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، فَقَدْ وُجِدَ فَسَادُ صَوْمِ رَمَضَانَ بِإِفْطَارٍ كَامِلٍ حَرَامٍ مَحْضٍ مُتَعَمَّدٍ، فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهَا بِدَلاَلَةِ النَّصِّ، وَلاَ يَتَحَمَّل الرَّجُل عَنْهَا؛ لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ عِبَادَةٌ أَوْ عُقُوبَةٌ، وَلاَ يَجْرِي فِيهَا التَّحَمُّل (١) .
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ الأَْصَحُّ، وَرِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْوَاطِئَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، وَلَمْ يَأْمُرِ الْمَرْأَةَ بِشَيْءٍ، مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُودِ ذَلِكَ مِنْهَا. وَلأَِنَّ الْجِمَاعَ فِعْلُهُ، وَإِنَّمَا هِيَ مَحَل الْفِعْل (٢) . وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: تَجِبُ، وَيَتَحَمَّلُهَا الرَّجُل.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الزَّوْجَ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْهُمَا، وَضَعَّفَهَا بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّ الأَْصْل عَدَمُ التَّدَاخُل (٣) . وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ أُكْرِهَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ حَتَّى مَكَّنَتِ الرَّجُل مِنْهَا لَزِمَتْهَا الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ غُصِبَتْ أَوْ أُتِيَتْ نَائِمَةً فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهَا (٤) . стр. 17441
ثَانِيًا: الأَْكْل وَالشُّرْبُ عَمْدًا:
٦٩ - مِمَّا يُوجِبُ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: الأَْكْل وَالشُّرْبُ.
فَإِذَا أَكَل الصَّائِمُ، فِي أَدَاءِ رَمَضَانَ أَوْ شَرِبَ غِذَاءً أَوْ دَوَاءً، طَائِعًا عَامِدًا، بِغَيْرِ خَطَأٍ وَلاَ إِكْرَاهٍ وَلاَ نِسْيَانٍ، أَفْطَرَ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَضَابِطُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: وُصُول مَا فِيهِ صَلاَحُ بَدَنِهِ لِجَوْفِهِ، بِأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُؤْكَل عَادَةً عَلَى قَصْدِ التَّغَذِّي أَوِ التَّدَاوِي أَوِ التَّلَذُّذِ، أَوْ مِمَّا يَمِيل إِلَيْهِ الطَّبْعُ، وَتَنْقَضِي بِهِ شَهْوَةُ الْبَطْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ صَلاَحُ الْبَدَنِ، بَل ضَرَرُهُ.
وَشَرَطُوا أَيْضًا لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ: أَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ لَيْلاً، وَأَنْ لاَ يَكُونَ مُكْرَهًا، وَأَنْ لاَ يَطْرَأَ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ لاَ صُنْعَ لَهُ فِيهِ، كَمَرَضٍ وَحَيْضٍ.
وَشَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ: أَنْ يَكُونَ إِفْسَادُ صَوْمِ رَمَضَانَ خَاصَّةً، عَمْدًا قَصْدًا لاِنْتِهَاكِ حُرْمَةِ الصَّوْمِ، مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مُبِيحٍ لِلْفِطْرِ (١) .
وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي شُرْبِ الدُّخَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَضَرَّ الْبَدَنَ، لَكِنْ تَمِيل إِلَيْهِ بَعْضُ الطِّبَاعِ، وَتَنْقَضِي بِهِ стр. 17442
شَهْوَةُ الْبَطْنِ، يُضَافُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ مُفْتِرٌ وَحَرَامٌ، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ كُل مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ (١) .
وَدَلِيل وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ عَمْدًا، مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَرَ رَجُلاً أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا (٢) فَإِنَّهُ عَلَّقَ الْكَفَّارَةَ بِالإِْفْطَارِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ وَاقِعَةَ حَالٍ لاَ عُمُومَ لَهَا، لَكِنَّهَا عُلِّقَتْ بِالإِْفْطَارِ، لاَ بِاعْتِبَارِ خُصُوصِ الإِْفْطَارِ وَلَفْظُ الرَّاوِي عَامٌّ، فَاعْتُبِرَ، كَقَوْلِهِ: قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ (٣) .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ عَمْدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَدَاءً، وَذَلِكَ لأَِنَّ النَّصَّ - وَهُوَ حَدِيثُ الأَْعْرَابِيِّ الَّذِي وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ - وَرَدَ فِي الْجِمَاعِ، وَمَا عَدَاهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ. وَلأَِنَّهُ стр. 17443
لاَ نَصَّ فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِهَذَا، وَلاَ إِجْمَاعَ.
وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْجِمَاعِ؛ لأَِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الزَّجْرِ عَنْهُ أَمَسُّ، وَالْحِكْمَةُ فِي التَّعَدِّي بِهِ آكَدُ، وَلِهَذَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إِذَا كَانَ مُحَرَّمًا (١) .
ثَالِثًا: رَفْعُ النِّيَّةِ:
٧٠ - وَمِمَّا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، مَا لَوْ تَعَمَّدَ رَفْعَ النِّيَّةِ نَهَارًا، كَأَنْ يَقُول - وَهُوَ صَائِمٌ: رَفَعْتُ نِيَّةَ صَوْمِي، أَوْ يَقُول رَفَعْتُ نِيَّتِي.
وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ، رَفْعُ النِّيَّةِ فِي اللَّيْل، كَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ، لأَِنَّهُ رَفَعَهَا فِي مَحِلِّهَا فَلَمْ تَقَعِ النِّيَّةُ فِي مَحِلِّهَا.
وَكَذَلِكَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِالإِْصْبَاحِ بِنِيَّةِ الْفِطْرِ، وَلَوْ نَوَى الصِّيَامَ بَعْدَهُ، عَلَى الأَْصَحِّ كَمَا يَقُول ابْنُ جُزَيٍّ.
أَمَّا إِنْ عَلَّقَ الْفِطْرَ عَلَى شَيْءٍ، كَأَنْ يَقُول: إِنْ وَجَدْتُ طَعَامًا أَكَلْتُ فَلَمْ يَجِدْهُ، أَوْ وَجَدَهُ وَلَمْ يُفْطِرْ فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِتَرْكِ النِّيَّةِ دُونَ الْكَفَّارَةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي الْوَجْهِ الآْخَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ (٢) . стр. 17444
مَا لاَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ:
أَوَّلاً: الأَْكْل وَالشُّرْبُ فِي حَال النِّسْيَانِ:
٧١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الأَْكْل وَالشُّرْبَ فِي حَال النِّسْيَانِ لاَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ فَرْضًا أَوْ نَفْلاً، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي ف / ٣٨.
ثَانِيًا: الْجِمَاعُ فِي حَال النِّسْيَانِ:
٧٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى أَنَّ الْجِمَاعَ فِي حَال النِّسْيَانِ لاَ يُفَطِّرُ قِيَاسًا عَلَى الأَْكْل وَالشُّرْبِ نَاسِيًا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ - وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّ مَنْ جَامَعَ نَاسِيًا فَسَدَ صَوْمُهُ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) .
ثَالِثًا: دُخُول الْغُبَارِ وَنَحْوِهِ حَلْقَ الصَّائِمِ:
٧٣ - إِذَا دَخَل حَلْقَ الصَّائِمِ غُبَارٌ أَوْ ذُبَابٌ أَوْ دُخَانٌ بِنَفْسِهِ، بِلاَ صُنْعِهِ، وَلَوْ كَانَ الصَّائِمُ стр. 17445
ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، لَمْ يُفْطِرْ إِجْمَاعًا - كَمَا قَال ابْنُ جُزَيٍّ - لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الاِمْتِنَاعِ عَنْهُ، وَلاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ إِذَا دَخَل الدَّمْعُ حَلْقَهُ وَكَانَ قَلِيلاً نَحْوَ الْقَطْرَةِ أَوِ الْقَطْرَتَيْنِ فَإِنَّهُ لاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ؛ لأَِنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ. وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا حَتَّى وَجَدَ مُلُوحَتَهُ فِي جَمِيعِ فَمِهِ وَابْتَلَعَهُ فَسَدَ صَوْمُهُ (١) .
رَابِعًا: الاِدِّهَانُ:
٧٤ - لَوْ دَهَنَ الصَّائِمُ رَأْسَهُ، أَوْ شَارِبَهُ لاَ يَضُرُّهُ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ اخْتَضَبَ بِحِنَّاءٍ، فَوَجَدَ الطَّعْمَ فِي حَلْقِهِ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، إِذْ لاَ عِبْرَةَ بِمَا يَكُونُ مِنَ الْمَسَامِّ، وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُورِ. لَكِنْ صَرَّحَ الدَّرْدِيرُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنَ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ (٢) .
خَامِسًا: الاِحْتِلاَمُ:
٧٥ - إِذَا نَامَ الصَّائِمُ فَاحْتَلَمَ لاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ، بَل يُتِمُّهُ إِجْمَاعًا، إِذَا لَمْ يَفْعَل شَيْئًا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الاِغْتِسَال (٣) . стр. 17446
وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : ثَلاَثٌ لاَ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالاِحْتِلاَمُ (١) .
وَمَنْ أَجْنَبَ لَيْلاً، ثُمَّ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَصَوْمُهُ صَحِيحٌ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَإِنْ بَقِيَ جُنُبًا كُل الْيَوْمِ، وَذَلِكَ: لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَتَا: نَشْهَدُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنْ كَانَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا، مِنْ غَيْرِ احْتِلاَمٍ ثُمَّ يَغْتَسِل، ثُمَّ يَصُومُ (٢) .
قَال الشَّوْكَانِيُّ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ الإِْجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَال ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إِنَّهُ صَارَ إِجْمَاعًا أَوْ كَالإِْجْمَاعِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ ﷺ قَال: مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلاَ صَوْمَ لَهُ وَحُمِل عَلَى النَّسْخِ أَوِ الإِْرْشَادِ إِلَى الأَْفْضَل، وَهُوَ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِل стр. 17447
قَبْل الْفَجْرِ، لِيَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ مِنْ أَوَّل الصَّوْمِ (١) .
سَادِسًا: الْبَلَل فِي الْفَمِ:
٧٦ - مِمَّا لاَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ الْبَلَل الَّذِي يَبْقَى فِي الْفَمِ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ، إِذَا ابْتَلَعَهُ الصَّائِمُ مَعَ الرِّيقِ، بِشَرْطِ أَنْ يَبْصُقَ بَعْدَ مَجِّ الْمَاءِ، لاِخْتِلاَطِ الْمَاءِ بِالْبُصَاقِ، فَلاَ يَخْرُجُ بِمُجَرَّدِ الْمَجِّ، وَلاَ تُشْتَرَطُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْبَصْقِ؛ لأَِنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَهُ مُجَرَّدُ بَلَلٍ وَرُطُوبَةٍ، لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ (٢) .
سَابِعًا: ابْتِلاَعُ مَا بَيْنَ الأَْسْنَانِ:
٧٧ - ابْتِلاَعُ مَا بَيْنَ الأَْسْنَانِ، إِذَا كَانَ قَلِيلاً، لاَ يُفْسِدُ وَلاَ يُفْطِرُ؛ لأَِنَّهُ تَبَعٌ لِرِيقِهِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ، بِخِلاَفِ الْكَثِيرِ فَإِنَّهُ لاَ يَبْقَى بَيْنَ الأَْسْنَانِ، وَالاِحْتِرَازُ عَنْهُ مُمْكِنٌ.
وَالْقَلِيل: هُوَ مَا دُونَ الْحِمَّصَةِ، وَلَوْ كَانَ قَدْرَهَا أَفْطَرَ.
وَمَذْهَبُ زُفَرَ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: فَسَادُ стр. 17448
الصَّوْمِ مُطْلَقًا، بِابْتِلاَعِ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ؛ لأَِنَّ الْفَمَ لَهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ، وَلِهَذَا لاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِالْمَضْمَضَةِ - كَمَا قَال الْمَرْغِينَانِيُّ - وَلَوْ أَكَل الْقَلِيل مِنْ خَارِجِ فَمِهِ أَفْطَرَ، فَكَذَا إِذَا أَكَل مِنْ فَمِهِ.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ آخَرُ بِعَدَمِ الإِْفْطَارِ بِهِ مُطْلَقًا.
وَشَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، لِعَدَمِ الإِْفْطَارِ بِابْتِلاَعِ مَا بَيْنَ الأَْسْنَانِ شَرْطَيْنِ:
أَوَّلَهُمَا: أَنْ لاَ يَقْصِدَ ابْتِلاَعَهُ.
وَالآْخَرَ: أَنْ يَعْجَزَ عَنْ تَمْيِيزِهِ وَمَجِّهِ؛ لأَِنَّهُ مَعْذُورٌ فِيهِ غَيْرُ مُفَرِّطٍ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِمَا أَفْطَرَ، وَلَوْ كَانَ دُونَ الْحِمَّصَةِ، لأَِنَّهُ لاَ مَشَقَّةَ فِي لَفْظِهِ، وَالتَّحَرُّزُ عَنْهُ مُمْكِنٌ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: عَدَمُ الإِْفْطَارِ بِمَا سَبَقَ إِلَى جَوْفِهِ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ، وَلَوْ عَمْدًا؛ لأَِنَّهُ أَخَذَهُ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ فِيهِ - كَمَا يَقُول الدُّسُوقِيُّ - وَقِيل: لاَ يُفْطِرُ، إِلاَّ إِنْ تَعَمَّدَ بَلْعَهُ فَيُفْطِرُ، أَمَّا لَوْ سَبَقَ إِلَى جَوْفِهِ فَلاَ يُفْطِرُ (١) . стр. 17449
ثَامِنًا: دَمُ اللِّثَةِ وَالْبُصَاقِ:
٧٨ - لَوْ دَمِيَتْ لِثَتُهُ، فَدَخَل رِيقُهُ حَلْقَهُ مَخْلُوطًا بِالدَّمِ، وَلَمْ يَصِل إِلَى جَوْفِهِ، لاَ يُفْطِرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الدَّمُ غَالِبًا عَلَى الرِّيقِ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ أَوْ مَا يَبْقَى مِنْ أَثَرِ الْمَضْمَضَةِ، أَمَّا لَوْ وَصَل إِلَى جَوْفِهِ، فَإِنْ غَلَبَ الدَّمُ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلاَ كَفَّارَةَ، وَإِنْ غَلَبَ الْبُصَاقُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَسَاوَيَا، فَالْقِيَاسُ أَنْ لاَ يَفْسُدَ وَفِي الاِسْتِحْسَانِ يَفْسُدُ احْتِيَاطًا (١) .
وَلَوْ خَرَجَ الْبُصَاقُ عَلَى شَفَتَيْهِ ثُمَّ ابْتَلَعَهُ، فَسَدَ صَوْمُهُ، وَفِي الْخَانِيَّةِ: تَرَطَّبَتْ شَفَتَاهُ بِبُزَاقِهِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ وَنَحْوِهِ، فَابْتَلَعَهُ، لاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ (٢) .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الإِْفْطَارُ بِابْتِلاَعِ الرِّيقِ الْمُخْتَلِطِ بِالدَّمِ، لِتَغَيُّرِ الرِّيقِ، وَالدَّمُ نَجِسٌ لاَ يَجُوزُ ابْتِلاَعُهُ وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ بَلَعَ شَيْئًا نَجِسًا لاَ يُفْطِرُ، إِذْ لاَ فِطْرَ بِبَلْعِ رِيقِهِ الَّذِي لَمْ تُخَالِطْهُ النَّجَاسَةُ (٣) . стр. 17450
تَاسِعًا: ابْتِلاَعُ النُّخَامَةِ:
٧٩ - النُّخَامَةُ هِيَ: النُّخَاعَةُ، وَهِيَ مَا يُخْرِجُهُ الإِْنْسَانُ مِنْ حَلْقِهِ، مِنْ مَخْرَجِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ.
قَال الْفَيُّومِيُّ: هَكَذَا قَيَّدَهُ ابْنُ الأَْثِيرِ، وَهَكَذَا قَال الْمُطَرِّزِيُّ، وَزَادَ: مَا يَخْرُجُ مِنَ الْخَيْشُومِ عِنْدَ التَّنَحْنُحِ (١) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ النُّخَامَةَ سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُخَاطًا نَازِلاً مِنَ الرَّأْسِ، أَمْ بَلْغَمًا صَاعِدًا مِنَ الْبَاطِنِ، بِالسُّعَال أَوِ التَّنَحْنُحِ - مَا لَمْ يَفْحُشِ الْبَلْغَمُ - لاَ يُفْطِرُ مُطْلَقًا.
وَفِي نُصُوصِ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الْبَلْغَمَ لاَ يُفْطِرُ مُطْلَقًا، وَلَوْ وَصَل إِلَى طَرَفِ اللِّسَانِ، لِمَشَقَّتِهِ، خِلاَفًا لِخَلِيلٍ، الَّذِي رَأَى الْفَسَادَ، فِيمَا إِذَا أَمْكَنَ طَرْحُهُ، بِأَنْ جَاوَزَ الْحَلْقَ، ثُمَّ أَرْجَعَهُ وَابْتَلَعَهُ، وَأَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ ابْتِلاَعَ النُّخَامَةِ لاَ يُفْطِرُ، لأَِنَّهُ مُعْتَادٌ فِي الْفَمِ غَيْرُ وَاصِلٍ مِنْ خَارِجٍ، فَأَشْبَهَ الرِّيقَ (٢) . стр. 17451
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هَذَا التَّفْصِيل:
- إِنِ اقْتَلَعَ النُّخَامَةَ مِنَ الْبَاطِنِ، وَلَفَظَهَا فَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ الْحَاجَةَ إِلَيْهِ مِمَّا يَتَكَرَّرُ، وَفِي قَوْلٍ: يُفْطِرُ بِهَا كَالاِسْتِقَاءَةِ
- وَلَوْ صَعِدَتْ بِنَفْسِهَا، أَوْ بِسُعَالِهِ، وَلَفَظَهَا لَمْ يُفْطِرْ جَزْمًا.
وَلَوِ ابْتَلَعَهَا بَعْدَ وُصُولِهَا إِلَى ظَاهِرِ الْفَمِ، أَفْطَرَ جَزْمًا.
وَإِذَا حَصَلَتْ فِي ظَاهِرِ الْفَمِ، يَجِبُ قَطْعُ مَجْرَاهَا إِلَى الْحَلْقِ، وَمَجُّهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَوَصَلَتْ إِلَى الْجَوْفِ، أَفْطَرَ فِي الأَْصَحِّ، لِتَقْصِيرِهِ، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يُفْطِرُ، لأَِنَّهُ لَمْ يَفْعَل شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَنِ الْفِعْل.
وَلَوِ ابْتَلَعَهَا بَعْدَ وُصُولِهَا إِلَى ظَاهِرِ الْفَمِ، أَفْطَرَ جَزْمًا (١) .
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ بَلْعُ نُخَامَةٍ، إِذَا حَصَلَتْ فِي فَمِهِ، وَيُفْطِرُ بِهَا إِذَا بَلَعَهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ فِي جَوْفِهِ أَمْ صَدْرِهِ، بَعْدَ أَنْ تَصِل إِلَى فَمِهِ؛ لأَِنَّهَا مِنْ غَيْرِ الْفَمِ، فَأَشْبَهَ الْقَيْءَ، وَلأَِنَّهُ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهَا فَأَشْبَهَ الدَّمَ (٢) . стр. 17452
مِنْ أَجْل هَذَا الْخِلاَفِ، نَبَّهَ ابْنُ الشِّحْنَةِ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي إِلْقَاءُ النُّخَامَةِ، حَتَّى لاَ يَفْسُدَ صَوْمُهُ عَلَى قَوْل الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَلِيَكُونَ صَوْمُهُ صَحِيحًا بِالاِتِّفَاقِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى مَجِّهَا (١) .
عَاشِرًا: الْقَيْءُ:
٨٠ - يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إِذَا خَرَجَ الْقَيْءُ بِنَفْسِهِ، وَبَيْنَ الاِسْتِقَاءَةِ.
وَعَبَّرَ الْفُقَهَاءُ عَنِ الأَْوَّل، بِمَا: إِذَا ذَرَعَهُ الْقَيْءُ، أَيْ غَلَبَ الْقَيْءُ الصَّائِمَ.
فَإِذَا غَلَبَ الْقَيْءُ، فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ الإِْفْطَارِ بِهِ، قَل الْقَيْءُ أَمْ كَثُرَ، بِأَنْ مَلأََ الْفَمَ، وَهَذَا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ (٢) .
أَمَّا لَوْ عَادَ الْقَيْءُ بِنَفْسِهِ، فِي هَذِهِ الْحَال، بِغَيْرِ صُنْعِ الصَّائِمِ، وَلَوْ كَانَ مِلْءَ الْفَمِ، مَعَ تَذَكُّرِ الصَّائِمِ لِلصَّوْمِ، فَلاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ، عِنْدَ مُحَمَّدٍ - مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ، لِعَدَمِ وُجُودِ الصُّنْعِ مِنْهُ، وَلأَِنَّهُ لَمْ تُوجَدْ صُورَةُ الْفِطْرِ، وَهِيَ الاِبْتِلاَعُ، وَكَذَا مَعْنَاهُ، لأَِنَّهُ стр. 17453
لاَ يُتَغَذَّى بِهِ عَادَةً، بَل النَّفْسُ تَعَافُهُ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يَفْسُدُ صَوْمُهُ؛ لأَِنَّهُ خَارِجٌ، حَتَّى انْتَقَضَتْ بِهِ الطَّهَارَةُ، وَقَدْ دَخَل.
وَإِنْ أَعَادَهُ، أَوْ عَادَ قَدْرُ حِمَّصَةٍ مِنْهُ فَأَكْثَرُ، فَسَدَ صَوْمُهُ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ، لِوُجُودِ الإِْدْخَال بَعْدَ الْخُرُوجِ، فَتَتَحَقَّقُ صُورَةُ الْفِطْرِ وَلاَ كَفَّارَةَ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ أَقَل مِنْ مِلْءِ الْفَمِ، فَعَادَ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ خَارِجٍ، وَلاَ صُنْعَ لَهُ فِي الإِْدْخَال.
وَإِنْ أَعَادَهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَفْسُدُ صَوْمُهُ، لِوُجُودِ الصُّنْعِ مِنْهُ فِي الإِْدْخَال (١) .
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْمُفْطِرَ فِي الْقَيْءِ هُوَ رُجُوعُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْقَيْءُ لِعِلَّةٍ أَوِ امْتِلاَءِ مَعِدَةٍ، قَل أَوْ كَثُرَ، تَغَيَّرَ أَوْ لاَ، رَجَعَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، فَإِنَّهُ مُفْطِرٌ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ (٢) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لَوْ عَادَ الْقَيْءُ بِنَفْسِهِ، لاَ يُفْطِرُ لأَِنَّهُ كَالْمُكْرَهِ، وَلَوْ أَعَادَهُ أَفْطَرَ، كَمَا لَوْ أَعَادَ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنِ الْفَمِ (٣) . стр. 17454
٨١ - أَمَّا الاِسْتِقَاءَةُ، وَهِيَ: اسْتِخْرَاجُ مَا فِي الْجَوْفِ عَمْدًا، أَوْ هِيَ: تَكَلُّفُ الْقَيْءِ (١) فَإِنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِلصَّوْمِ مُوجِبَةٌ لِلْقَضَاءِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي الْكَفَّارَةِ (٢) .
وَرُوِيَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ لاَ يُفْطِرُ بِالاِسْتِقَاءَةِ إِلاَّ بِمِلْءِ الْفَمِ، قَال ابْنُ عَقِيلٍ: وَلاَ وَجْهَ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عِنْدِي (٣) .
وَلِلْحَنَفِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِي الاِسْتِقَاءَةِ:
أ - فَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا، وَالصَّائِمُ مُتَذَكِّرٌ لِصَوْمِهِ، غَيْرُ نَاسٍ، وَالْقَيْءُ مِلْءُ فَمِهِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَالْقِيَاسُ مَتْرُوكٌ بِهِ، وَلاَ كَفَّارَةَ فِيهِ لِعَدَمِ صُورَةِ الْفِطْرِ.
ب - وَإِنْ كَانَ أَقَل مِنْ مِلْءِ الْفَمِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، يَفْسُدُ صَوْمُهُ، لإِِطْلاَقِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لاَ يَفْسُدُ؛ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ حُكْمًا، قَالُوا: وَهُوَ الصَّحِيحُ، ثُمَّ إِنْ عَادَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَفْسُدْ عِنْدَهُ، لِعَدَمِ سَبْقِ الْخُرُوجِ، وَإِنْ أَعَادَهُ فَعَنْهُ: أَنَّهُ لاَ يَفْسُدُ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ، وَهِيَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ стр. 17455
هَذَا كُلَّهُ إِذَا كَانَ الْقَيْءُ طَعَامًا، أَوْ مُرَّةً فَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ بَلْغَمًا، فَغَيْرُ مُفْسِدٍ لِلصَّوْمِ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ (١) .
حَادِيَ عَشَرَ: طُلُوعُ الْفَجْرِ فِي حَالَةِ الأَْكْل أَوِ الْجِمَاعِ:
٨٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَفِي فِيهِ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَلْيَلْفِظُهُ، وَيَصِحُّ صَوْمُهُ. فَإِنِ ابْتَلَعَهُ أَفْطَرَ، وَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِيمَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ الصَّوْمَ، صَحَّ صَوْمُهُ إِنْ بَادَرَ إِلَى لَفْظِهِ. وَإِنْ سَبَقَ شَيْءٌ إِلَى جَوْفِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَلاَ يُفْطِرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: إِذَا وَصَل شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلَى جَوْفِهِ - وَلَوْ غَلَبَهُ - أَفْطَرَ (٢) .
وَإِذَا نَزَعَ، وَقَطَعَ الْجِمَاعَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي الْحَال فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - وَأَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلْمَالِكِيَّةِ - لاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ، وَقَيَّدَهُ الْقَلْيُوبِيُّ بِأَنْ لاَ يَقْصِدَ اللَّذَّةَ بِالنَّزْعِ، وَإِلاَّ بَطَل صَوْمُهُ، حَتَّى لَوْ أَمْنَى بَعْدَ النَّزْعِ، لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَصَوْمُهُ صَحِيحٌ، لأَِنَّهُ كَالاِحْتِلاَمِ - كَمَا стр. 17456
يَقُول الْحَنَفِيَّةُ - وَلِتَوَلُّدِهِ مِنْ مُبَاشَرَةٍ مُبَاحَةٍ - كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ (١) .
وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ لَوْ نَزَعَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَمْنَى حَال الطُّلُوعِ - لاَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ - فَلاَ قَضَاءَ؛ لأَِنَّ الَّذِي بَعْدَهُ مِنَ النَّهَارِ وَالَّذِي قَبْلَهُ مِنَ اللَّيْل، وَالنَّزْعُ لَيْسَ وَطْئًا (٢) .
وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ هُوَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ.
وَسَبَبُ هَذَا الاِخْتِلاَفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ أَنَّهُ: هَل يُعَدُّ النَّزْعُ جِمَاعًا، أَوْ لاَ يُعَدُّ جِمَاعًا؟ وَلِهَذَا قَالُوا: مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ - وَهُوَ يُجَامِعُ - فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَقِيل: وَالْكَفَّارَةُ (٣) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ، فَمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَنَزَعَ فِي الْحَال، مَعَ أَوَّل طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، لأَِنَّهُ يَلْتَذُّ بِالنَّزْعِ، كَمَا يَلْتَذُّ بِالإِْيلاَجِ، كَمَا لَوِ اسْتَدَامَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ (٤) .
وَلَوْ مَكَثَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مُجَامِعًا، بَطَل صَوْمُهُ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِطُلُوعِهِ.
وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْمُكْثِ وَالْبَقَاءِ، فِي стр. 17457
هَذِهِ الْحَال، خِلاَفٌ:
فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ؛ لأَِنَّهَا تَجِبُ بِإِفْسَادِ الصَّوْمِ، وَالصَّوْمُ مُنْتَفٍ حَال الْجِمَاعِ فَاسْتَحَال إِفْسَادُهُ، فَلَمْ تَجِبِ الْكَفَّارَةُ. أَوْ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ: لأَِنَّ مُكْثَهُ مَسْبُوقٌ بِبُطْلاَنِ الصَّوْمِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ (١) .
مَكْرُوهَاتُ الصَّوْمِ:
٨٣ - يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ بِوَجْهِ عَامٍّ - مَعَ الْخِلاَفِ - مَا يَلِي:
أ - ذَوْقُ شَيْءٍ بِلاَ عُذْرٍ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الصَّوْمِ لِلْفَسَادِ، وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ نَفْلاً، عَلَى الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ يَحْرُمُ إِبْطَال النَّفْل بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ، وَظَاهِرُ إِطْلاَقِ الْكَرَاهَةِ يُفِيدُ أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ.
وَمِنَ الْعُذْرِ مَضْغُ الطَّعَامِ لِلْوَلَدِ، إِذَا لَمْ تَجِدِ الأُْمُّ مِنْهُ بُدًّا، فَلاَ بَأْسَ بِهِ، وَيُكْرَهُ إِذَا كَانَ لَهَا مِنْهُ بُدٌّ.
وَلَيْسَ مِنَ الْعُذْرِ، ذَوْقُ اللَّبَنِ وَالْعَسَل لِمَعْرِفَةِ الْجَيِّدِ مِنْهُ وَالرَّدِيءِ عِنْدَ الشِّرَاءِ، فَيُكْرَهُ ذَلِكَ. وَكَذَا ذَوْقُ الطَّعَامِ، لِيُنْظَرَ اعْتِدَالُهُ، стр. 17458
وَلَوْ كَانَ لِصَانِعِ الطَّعَامِ.
لَكِنْ نُقِل عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ قَوْلُهُ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَجْتَنِبَ ذَوْقَ الطَّعَامِ، فَإِنْ فَعَل فَلاَ بَأْسَ بِهِ، بَل قَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْهُ: أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ لِحَاجَةٍ وَمَصْلَحَةٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَإِلاَّ كُرِهَ.
وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَ الْمَذُوقِ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ (١) .
ب - وَيُكْرَهُ مَضْغُ الْعِلْكِ، الَّذِي لاَ يَتَحَلَّل مِنْهُ أَجْزَاءٌ، فَلاَ يَصِل مِنْهُ شَيْءٌ إِلَى الْجَوْفِ.
وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ: اتِّهَامُهُ بِالْفِطْرِ، سَوَاءٌ أَكَانَ رَجُلاً أَمِ امْرَأَةً، قَال عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِيَّاكَ وَمَا يَسْبِقُ إِلَى الْعُقُول إِنْكَارُهُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ اعْتِذَارُهُ.
أَمَّا مَا يَتَحَلَّل مِنْهُ أَجْزَاءٌ، فَيَحْرُمُ مَضْغُهُ، وَلَوْ لَمْ يَبْتَلِعْ رِيقُهُ، إقَامَةً لِلْمَظِنَّةِ مَقَامَ الْمَئِنَّةِ، فَإِنْ تَفَتَّتَ فَوَصَل شَيْءٌ مِنْهُ إِلَى جَوْفِهِ عَمْدًا أَفْطَرَ، وَإِنْ شَكَّ فِي الْوُصُول لَمْ يُفْطِرْ (٢) .
ج - تُكْرَهُ الْقُبْلَةُ إِنْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ وُقُوعَ مُفْسِدٍ مِنَ الإِْنْزَال أَوِ الْجِمَاعِ
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (تَقْبِيل) ف ١٧ стр. 17459
د - وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ وَالْمُعَانَقَةَ وَدَوَاعِيَ الْوَطْءِ - كَاللَّمْسِ وَتَكْرَارِ النَّظَرِ - حُكْمَهَا حُكْمُ الْقُبْلَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَخَصَّ الْحَنَفِيَّةُ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةَ، بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ، وَهِيَ - عِنْدَهُمْ - أَنْ يَتَعَانَقَا، وَهُمَا مُتَجَرِّدَانِ، وَيَمَسَّ فَرْجُهُ فَرْجَهَا. وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا تُكْرَهُ، وَإِنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الإِْنْزَال وَالْجِمَاعَ. وَنَقَل الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ عَابِدِينَ عَدَمَ الْخِلاَفِ فِي كَرَاهَتِهَا، وَكَذَلِكَ الْقُبْلَةُ الْفَاحِشَةُ، وَهِيَ أَنْ يَمُصَّ شَفَتَهَا، فَيُكْرَهُ عَلَى الإِْطْلاَقِ (١) .
هـ - الْحِجَامَةُ، وَهِيَ أَيْضًا مِمَّا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ - فِي الْجُمْلَةِ - وَهِيَ اسْتِخْرَاجُ الدَّمِ الْمُحْقَنِ مِنَ الْجِسْمِ، مَصًّا أَوْ شَرْطًا.
وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا لاَ تُفْطِرُ الْحَاجِمَ وَلاَ الْمَحْجُومَ، وَلَكِنَّهُمْ كَرِهُوهَا بِوَجْهٍ عَامٍّ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ بَأْسَ بِهَا، إِنْ أَمِنَ الصَّائِمُ عَلَى نَفْسِهِ الضَّعْفَ، أَمَّا إِذَا خَافَ الضَّعْفَ، فَإِنَّهَا تُكْرَهُ، وَشَرَطَ شَيْخُ الإِْسْلاَمِ الْكَرَاهَةَ، إِذَا كَانَتْ تُورِثُ ضَعْفًا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى الْفِطْرِ (٢) . стр. 17460
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْمَرِيضَ وَالصَّحِيحَ، إِذَا عُلِمَتْ سَلاَمَتُهُمَا بِالْحِجَامَةِ أَوْ ظُنَّتْ، جَازَتِ الْحِجَامَةُ لَهُمَا، وَإِنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ عَدَمَ السَّلاَمَةِ لَهُمَا حُرِّمَتْ لَهُمَا، وَفِي حَالَةِ الشَّكِّ تُكْرَهُ لِلْمَرِيضِ، وَتَجُوزُ لِلصَّحِيحِ.
قَالُوا: إِنَّ مَحَل الْمَنْعِ إِذَا لَمْ يَخْشَ بِتَأْخِيرِهَا عَلِيلٌ هَلاَكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى، وَإِلاَّ وَجَبَ فِعْلُهَا وَإِنْ أَدَّتْ لِلْفِطْرِ، وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ الاِحْتِرَازُ مِنَ الْحِجَامَةِ، مِنَ الْحَاجِمِ وَالْمَحْجُومِ؛ لأَِنَّهَا تُضْعِفُهُ.
قَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ: لَوْ تَرَكَ رَجُلٌ الْحِجَامَةَ صَائِمًا لِلتَّوَقِّي، كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ، وَلَوِ احْتَجَمَ لَمْ أَرَهُ يُفْطِرُهُ.
وَنَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الْخَطَّابِيِّ، أَنَّ الْمَحْجُومَ قَدْ يَضْعُفُ فَتَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ، فَيَعْجَزُ عَنِ الصَّوْمِ فَيُفْطِرُ بِسَبَبِهَا، وَالْحَاجِمُ قَدْ يَصِل إِلَى جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّمِ (٢) .
وَدَلِيل عَدَمِ الإِْفْطَارِ بِالْحِجَامَةِ، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ стр. 17461
احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ (١) .
وَدَلِيل كَرَاهَةِ الْحِجَامَةِ حَدِيثُ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّهُ قَال لأَِنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَال: لاَ، إِلاَّ مِنْ أَجْل الضَّعْفِ (٢) .
وَقَالُوا أَيْضًا: إِنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ مِنَ الْبَدَنِ، فَأَشْبَهَ الْفَصْدَ (٣) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْحِجَامَةَ يُفْطِرُ بِهَا الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ، لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ (٤) .
قَال الْمِرْدَاوِيُّ: وَلاَ نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الأَْصْحَابِ، فَرَّقَ - فِي الْفِطْرِ وَعَدَمِهِ - بَيْنَ الْحَاجِمِ وَالْمَحْجُومِ.
قَال الشَّوْكَانِيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَ الأَْحَادِيثِ، بِأَنَّ الْحِجَامَةَ مَكْرُوهَةٌ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ يَضْعُفُ بِهَا، وَتَزْدَادُ الْكَرَاهَةُ إِذَا كَانَ الضَّعْفُ يَبْلُغُ إِلَى حَدٍّ يَكُونُ سَبَبًا لِلإِْفْطَارِ، وَلاَ تُكْرَهُ فِي حَقِّ مَنْ стр. 17462
كَانَ لاَ يَضْعُفُ بِهَا، وَعَلَى كُل حَالٍ تَجَنُّبُ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ أَوْلَى (١) .
أَمَّا الْفَصْدُ، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى كَرَاهَتِهِ، كَالْحِجَامَةِ، وَكَرَاهَةِ كُل عَمَلٍ شَاقٍّ، وَكُل مَا يُظَنُّ أَنَّهُ يُضْعِفُ عَنِ الصَّوْمِ، وَكَذَلِكَ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْفَصَادَةَ كَالْحِجَامَةِ.
غَيْرَ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ الَّذِينَ قَالُوا بِالْفِطْرِ فِي الْحِجَامَةِ، قَالُوا: لاَ فِطْرَ بِفَصْدٍ وَشَرْطٍ، وَلاَ بِإِخْرَاجِ دَمِهِ بِرُعَافٍ، لأَِنَّهُ لاَ نَصَّ فِيهِ، وَالْقِيَاسُ لاَ يَقْتَضِيهِ.
وَفِي قَوْلٍ لَهُمْ - اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - إِفْطَارُ الْمَفْصُودِ دُونَ الْفَاصِدِ، كَمَا اخْتَارَ إِفْطَارَ الصَّائِمِ، بِإِخْرَاجِ دَمِهِ، بِرُعَافٍ وَغَيْرِهِ (٢) .
و وَتُكْرَهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ فِي الصَّوْمِ.
فَفِي الْمَضْمَضَةِ: بِإِيصَال الْمَاءِ إِلَى رَأْسِ الْحَلْقِ، وَفِي الاِسْتِنْشَاقِ: بِإِيصَالِهِ إِلَى فَوْقِ الْمَارِنِ.
وَذَلِكَ لِحَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهُ: بَالِغْ فِي стр. 17463
الاِسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا (١) ، وَذَلِكَ خَشْيَةَ فَسَادِ صَوْمِهِ.
وَمِنَ الْمَكْرُوهَاتِ الَّتِي عَدَّدَهَا الْمَالِكِيَّةُ: فُضُول الْقَوْل وَالْعَمَل، وَإِدْخَال كُل رَطْبٍ لَهُ طَعْمٌ (فِي فَمِهِ) وَإِنْ مَجَّهُ، وَالإِْكْثَارُ مِنَ النَّوْمِ فِي النَّهَارِ (٢) .
مَا لاَ يُكْرَهُ فِي الصَّوْمِ:
٨٤ - لاَ يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ - فِي الْجُمْلَةِ - مَا يَلِي، مَعَ الْخِلاَفِ فِي بَعْضِهَا:
أ - الاِكْتِحَال غَيْرُ مَكْرُوهٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، بَل أَجَازُوهُ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يُفْطِرُ بِهِ الصَّائِمُ وَلَوْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، قَال النَّوَوِيُّ: لأَِنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ بِجَوْفٍ، وَلاَ مَنْفَذَ مِنْهَا إِلَى الْحَلْقِ (٣) .
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: اكْتَحَل رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ (٤) ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ стр. 17464
قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: اشْتَكَتْ عَيْنِي، أَفَأَكْتَحِل وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَال: نَعَمْ (١) .
وَتَرَدَّدَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الاِكْتِحَال، فَقَالُوا: إِنْ كَانَ لاَ يَتَحَلَّل مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يُفْطِرْ، وَإِنْ تَحَلَّل مِنْهُ شَيْءٌ أَفْطَرَ. وَقَال أَبُو مُصْعَبٍ: لاَ يُفْطِرُ. وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مُطْلَقًا.
وَقَال أَبُو الْحَسَنِ: إِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَصِل إِلَى حَلْقِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَإِنْ شَكَّ كُرِهَ، وَلْيَتَمَادَ (أَيْ يَسْتَمِرُّ فِي صَوْمِهِ) وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لاَ يَصِل، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَال مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إِذَا دَخَل حَلْقَهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ قَدْ وَصَل الْكُحْل إِلَى حَلْقِهِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمَ وُصُولِهِ لِلْحَلْقِ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، كَاكْتِحَالِهِ لَيْلاً وَهُبُوطِهِ نَهَارًا لِلْحَلْقِ، لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (٢) .
وَهَذَا أَيْضًا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، فَقَدْ قَالُوا: إِذَا اكْتَحَل بِمَا يَصِل إِلَى حَلْقِهِ وَيَتَحَقَّقُ الْوُصُول إِلَيْهِ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنَ стр. 17465
الْمَذْهَبِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالإِْثْمِدِ الْمُرَوِّحِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَقَال: لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ (١) وَلأَِنَّ الْعَيْنَ مَنْفَذٌ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَكَالْوَاصِل مِنَ الأَْنْفِ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ لاَ يُفْطِرُ بِذَلِكَ (٢) .
ب - التَّقْطِيرُ فِي الْعَيْنِ، وَدَهْنُ الأَْجْفَانِ، أَوْ وَضْعُ دَوَاءٍ مَعَ الدُّهْنِ فِي الْعَيْنِ لاَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ، لأَِنَّهُ لاَ يُنَافِيهِ وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ الْحَنَفِيَّةَ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّقْطِيرَ فِي الْعَيْنِ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ إِذَا وَصَل إِلَى الْحَلْقِ، لأَِنَّ الْعَيْنَ مَنْفَذٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا (٣) .
ج - دَهْنُ الشَّارِبِ وَنَحْوِهِ، كَالرَّأْسِ وَالْبَطْنِ، لاَ يُفْطِرُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَلَوْ وَصَل إِلَى جَوْفِهِ بِشُرْبِ الْمَسَامِّ، لأَِنَّهُ لَمْ يَصِل مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يُنَافِي الصَّوْمَ، وَلأَِنَّهُ - كَمَا يَقُول стр. 17466
الْمَرْغِينَانِيُّ -: نَوْعُ ارْتِفَاقٍ، وَلَيْسَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الصَّوْمِ (١) .
لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: مَنْ دَهَنَ رَأْسَهُ نَهَارًا، وَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، أَوْ وَضَعَ حِنَّاءَ فِي رَأْسِهِ نَهَارًا، فَاسْتَطْعَمَهَا فِي حَلْقِهِ، فَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ وَإِنْ قَال الدَّرْدِيرُ: لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَهُمْ: وُصُول مَائِعٍ لِلْحَلْقِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْفَمِ، مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ قَضَاءَ فِي دَهْنِ جَائِفَةٍ، وَهِيَ: الْجُرْحُ النَّافِذُ لِلْجَوْفِ، لأَِنَّهُ لاَ يَدْخُل مَدْخَل الطَّعَامِ (٢) .
د - الاِسْتِيَاكُ، لاَ يَرَى الْفُقَهَاءُ بِالاِسْتِيَاكِ بِالْعُودِ الْيَابِسِ أَوَّل النَّهَارِ بَأْسًا، وَلاَ يُكْرَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ بَعْدَ الزَّوَال، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي النَّفْل، لِيَكُونَ أَبْعَدَ مِنَ الرِّيَاءِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ آخِرَ النَّهَارِ. بَل صَرَّحَ الأَْوَّلُونَ بِسُنِّيَّتِهِ آخِرَ النَّهَارِ وَأَوَّلَهُ (٣) ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مِنْ خَيْرِ خِصَال الصَّائِمِ السِّوَاكُ (٤) . стр. 17467
وَلِقَوْل عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَا لاَ أُحْصِي، يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ (١) .
وَقَدْ أَطْلَقَتْ هَذِهِ الأَْحَادِيثُ السِّوَاكَ، فَيُسَنُّ وَلَوْ كَانَ رَطْبًا، أَوْ مَبْلُولاً بِالْمَاءِ، خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ كَرَاهَةُ الرَّطْبِ، وَلأَِحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ كَرَاهَةُ الْمَبْلُول بِالْمَاءِ، لاِحْتِمَال أَنْ يَتَحَلَّل مِنْهُ أَجْزَاءٌ إِلَى حَلْقِهِ، فَيُفْطِرُهُ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ.
وَشَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِجَوَازِهِ أَنْ لاَ يَتَحَلَّل مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِنْ تَحَلَّل مِنْهُ شَيْءٌ كُرِهَ، وَإِنْ وَصَل إِلَى الْحَلْقِ أَفْطَرَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى سُنِّيَّةِ تَرْكِ السِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَال، وَإِذَا اسْتَاكَ فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ، بِشَرْطِ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ ابْتِلاَعِ شَيْءٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ رُطُوبَتِهِ (٢) .
وَاسْتَحَبَّ أَحْمَدُ تَرْكَ السِّوَاكِ بِالْعَشِيِّ، وَقَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : خُلُوفُ فَمِ стр. 17468
الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ الأَْذْفَرِ (١) لِتِلْكَ الرَّائِحَةِ لاَ يُعْجِبُنِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَسْتَاكَ بِالْعَشِيِّ (٢) .
وَعَنْهُ رِوَايَتَانِ فِي الاِسْتِيَاكِ بِالْعُودِ الرَّطْبِ:
إِحْدَاهُمَا: الْكَرَاهَةُ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَالأُْخْرَى: أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَمْ يَرَ أَهْل الْعِلْمِ بِالسِّوَاكِ أَوَّل النَّهَارِ بَأْسًا، إِذَا كَانَ الْعُودُ يَابِسًا (٣) .
هـ - الْمَضْمَضَةُ وَالاِسْتِنْشَاقُ فِي غَيْرِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل لاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ وَلاَ يُفْطِرُ.
وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا إِذَا كَانَ لِعَطَشٍ وَنَحْوِهِ، وَكَرِهُوهُ لِغَيْرِ مُوجِبٍ، لأَِنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا وَمُخَاطَرَةً، وَذَلِكَ لاِحْتِمَال سَبْقِ شَيْءٍ مِنَ الْمَاءِ إِلَى الْحَلْقِ، فَيَفْسُدُ الصَّوْمُ حِينَئِذٍ (٤) .
وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ سَأَل النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ؟ فَقَال: أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنَ الْمَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قُلْتُ: لاَ بَأْسَ، قَال: فَمَهْ (٥) . стр. 17469
وَلأَِنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، لاَ يُبْطِل الصَّوْمَ بِالْوَاصِل إِلَيْهِ كَالأَْنْفِ وَالْعَيْنِ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنَّ الْمَضْمَضَةَ، إِنْ كَانَتْ لِحَاجَةٍ كَغَسْل فَمِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَنَحْوِهِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَضْمَضَةِ لِلطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ عَابِثًا، أَوْ مَضْمَضَ مِنْ أَجْل الْعَطَشِ كُرِهَ (١) .
وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الْحَرِّ وَالْعَطَشِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالْعَرْجِ، يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ صَائِمٌ، مِنَ الْعَطَشِ، أَوْ مِنَ الْحَرِّ (٢) .
وَكَذَا التَّلَفُّفُ بِثَوْبٍ مُبْتَلٍّ لِلتَّبَرُّدِ وَدَفْعِ الْحَرِّ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلأَِنَّ بِهَذِهِ عَوْنًا لَهُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَدَفْعًا لِلضَّجَرِ وَالضِّيقِ.
وَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ، لِمَا فِيهَا مِنْ إِظْهَارِ الضَّجَرِ فِي إقَامَةِ الْعِبَادَةِ (٣) .
و اغْتِسَال الصَّائِمِ، فَلاَ يُكْرَهُ، وَلاَ بَأْسَ بِهِ حَتَّى لِلتَّبَرُّدِ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ стр. 17470
عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَتَا: نَشْهَدُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنْ كَانَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا، مِنْ غَيْرِ احْتِلاَمٍ، ثُمَّ يَغْتَسِل ثُمَّ يَصُومُ (١) .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ دَخَل الْحَمَّامَ وَهُوَ صَائِمٌ هُوَ وَأَصْحَابٌ لَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَأَمَّا الْغَوْصُ فِي الْمَاءِ، إِذَا لَمْ يَخَفْ أَنْ يَدْخُل فِي مَسَامِعِهِ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ، وَكَرِهَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ حَال الإِْسْرَافِ وَالتَّجَاوُزِ أَوِ الْعَبَثِ، خَوْفَ فَسَادِ الصَّوْمِ (٢) .
الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الإِْفْطَارِ:
٨٥ - حَصَرَ الْفُقَهَاءُ الآْثَارَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى الإِْفْطَارِ فِي أُمُورٍ، مِنْهَا: الْقَضَاءُ، وَالْكَفَّارَةُ الْكُبْرَى، وَالْكَفَّارَةُ الصُّغْرَى (وَهَذِهِ هِيَ الْفِدْيَةُ) وَالإِْمْسَاكُ بَقِيَّةَ النَّهَارِ، وَقَطْعُ التَّتَابُعِ، وَالْعُقُوبَةُ (٣) .
أَوَّلاً: الْقَضَاءُ:
٨٦ - مَنْ أَفْطَرَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ - كَالْمَرِيضِ следующие страницы →