Полный текст (31 949 стр.). Показаны 17571–17610 · переход к 17576.
стр. 17571
مَذْبُوحٍ، بَل كَانَتْ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، وَإِلاَّ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي ذِكْرُهُ.
٢٢ - الشَّرْطُ الثَّالِثُ:
أَنْ لاَ يَكُونَ صَيْدَ الْحَرَمِ: فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ فِي الْحَرَمِ صَيْدُ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ - أَيْ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَتَنَاسُلُهُ فِي الْبَرِّ - سَوَاءٌ أَكَانَ مَأْكُول اللَّحْمِ أَمْ غَيْرَ مَأْكُول اللَّحْمِ.
أَمَّا حُرْمَةُ صَيْدِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ فَلِقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِل لأَِحَدٍ قَبْلِي وَلاَ تَحِل لأَِحَدٍ بَعْدِي، إِنَّمَا حُلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا (١) .
وَحُرْمَةُ صَيْدِ الْحَرَمِ تَشْمَل الْمُحْرِمَ وَالْحَلاَل، كَمَا تَشْمَل إِيذَاءَ الصَّيْدِ وَتَنْفِيرَهُ وَالْمُسَاعَدَةَ عَلَى الصَّيْدِ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، مِثْل الدَّلاَلَةِ عَلَيْهِ، أَوِ الإِْشَارَةِ إِلَيْهِ أَوِ الأَْمْرِ بِقَتْلِهِ (٢) .
أَمَّا صَيْدُ الْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (حَرَم ف ٣٠) .
٢٣ - الشَّرْطُ الرَّابِعُ:
أَنْ لاَ يُدْرَكَ الصَّيْدُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً بَعْدَ الإِْصَابَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَذْهَبَ стр. 17572
الصَّائِدُ، أَوْ تَأْتِيَ بِهِ الْجَارِحَةُ فَيَجِدَهُ مَيِّتًا، أَوْ فِي حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ، أَوْ يَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ ذَهَبَ إِلَيْهِ لَوَجَدَهُ كَذَلِكَ، فَفِي
الْحَالَةِ الأُْولَى: وَهِيَ وُجُودُهُ مَيِّتًا يَحِل بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَفِي
الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ - وَهِيَ وُجُودُهُ فِي حَيَاةٍ غَيْرِ مُسْتَقِرَّةٍ - إِذَا ذَبَحَهُ حَل، وَكَذَا إِذَا لَمْ يَذْبَحْهُ وَمَاتَ، لأَِنَّ الذَّكَاةَ فِي مِثْل هَذَا لاَ تُفِيدُ شَيْئًا، إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إِمْرَارُ السِّكِّينِ عَلَيْهِ.
أَمَّا إِذَا وَجَدَ الصَّائِدُ الصَّيْدَ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً بَعْدَ الإِْصَابَةِ، أَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ ذَهَبَ إِلَيْهِ لَوَجَدَهُ كَذَلِكَ وَلَمْ يَذْبَحْهُ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَمَاتَ لَمْ يَحِل أَكْلُهُ، لأَِنَّ ذَكَاتَهُ تَحَوَّلَتْ مِنَ الْجُرْحِ إِلَى الذَّبْحِ، فَإِذَا لَمْ يُذْبَحْ كَانَ مَيْتَةً، لِقَوْلِهِ ﷺ : مَا رَدَّ عَلَيْكَ كَلْبُكَ الْمُكَلَّبُ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَذَكِّهِ، وَإِنْ لَمْ تُدْرِكْ ذَكَاتَهُ فَلاَ تَأْكُل، وَمَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدُكَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ وَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَذَكِّهِ، وَإِنْ لَمْ تُدْرِكْ ذَكَاتَهُ فَكُلْهُ (١) .
وَكَذَا إِذَا جَاءَ الصَّائِدُ وَلَيْسَ مَعَهُ آلَةُ الذَّبْحِ، أَوْ تَرَاخَى فِي اتِّبَاعِ الصَّيْدِ، ثُمَّ وَجَدَهُ стр. 17573
مَيِّتًا، أَوْ جَعَل الآْلَةَ مَعَ غُلاَمِهِ، وَكَانَ شَأْنُهُ أَنْ يَسْبِقَ الْغُلاَمُ فَسَبَقَهُ، وَأَدْرَكَ الصَّيْدَ حَيًّا، وَلَمْ يَأْتِ الْغُلاَمُ إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الصَّيْدِ، أَوْ وَضْعِ الآْلَةِ فِي خُرْجِهِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يَسْتَدْعِي طُول زَمَنٍ فِي إِخْرَاجِهَا مِنْهُ، فَأَدْرَكَهُ حَيًّا فَلَمْ يَتِمَّ إِخْرَاجُ الآْلَةِ إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الصَّيْدِ أَوْ تَشَبَّثَتِ الآْلَةُ فِي الْغِمْدِ وَكَانَ ضَيِّقًا، أَوْ سَقَطَتْ مِنْهُ، أَوْ ضَاعَتْ فَمَاتَ الصَّيْدُ حَرُمَ أَكْلُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، وَكَذَا كُل صُورَةٍ لاَ يُتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ ذَبْحِ الصَّيْدِ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ.
أَمَّا إِذَا تَعَذَّرَ ذَبْحُهُ بِدُونِ تَقْصِيرٍ مِنْ صَائِدِهِ، كَأَنْ سَل السِّكِّينَ فَمَاتَ قَبْل إِمْكَانِ ذَبْحِهِ، أَوِ امْتَنَعَ بِقُوَّتِهِ، وَمَاتَ قَبْل الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَاشْتَغَل الصَّائِدُ بِطَلَبِ الْمَذْبَحِ، أَوْ وَقَعَ الصَّيْدُ مُنَكَّسًا فَاحْتَاجَ إِلَى قَلْبِهِ فَقَلَبَهُ، أَوِ اشْتَغَل بِتَوْجِيهِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، أَوْ تَشَبَّثَتِ السِّكِّينُ فِي الْغِمْدِ لِعَارِضٍ وَلَمْ يَكُنْ ضَيِّقًا، أَوْ حَال بَيْنَ الصَّيْدِ وَصَائِدِهِ سَبُعٌ فَمَاتَ الصَّيْدُ الْمُصَابُ حَل أَكْلُهُ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ مَشَى الصَّائِدُ عَلَى هَيْئَتِهِ وَلَمْ يَأْتِهِ عَدْوًا فَوَجَدَهُ مَيِّتًا بِسَبَبِ الإِْصَابَةِ حَل عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَفِي الْقَوْل الثَّانِي: يُشْتَرَطُ الْعَدْوُ إِلَى الصَّيْدِ عِنْدَ إِصَابَتِهِ، لأَِنَّهُ هُوَ الْمُعْتَادُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ - فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ - إِذَا أَدْرَكَ الصَّائِدُ الصَّيْدَ وَفِيهِ حَيَاةٌ
стр. 17574
مُسْتَقِرَّةٌ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يَذْبَحُ بِهِ، وَكَانَتْ مَعَهُ جَارِحَةٌ، وَجَبَ أَنْ يُرْسِلَهَا عَلَيْهِ حَتَّى تَقْتُلَهُ فَيَحِل أَكْلُهُ، وَفِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لاَ يَحِل مُطْلَقًا، وَقَال الْقَاضِي: يَحِل إِذَا مَاتَ مِنْ غَيْرِ ذَبْحٍ وَلاَ إِرْسَال جَارِحَةٍ عَلَيْهِ (١) .
٢٤ - الشَّرْطُ الْخَامِسُ:
أَنْ لاَ يَغِيبَ عَنِ الصَّائِدِ مُدَّةً طَوِيلَةً وَهُوَ قَاعِدٌ عَنْ طَلَبِهِ، فَإِنْ تَوَارَى الصَّيْدُ عَنْهُ، وَقَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ لَمْ يُؤْكَل، أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَوَارَ، أَوْ تَوَارَى وَلَمْ يَقْعُدْ عَنْ طَلَبِهِ أُكِل، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ وَآرَاؤُهُمْ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ.
وَالْغَرَضُ مِنِ اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ هُوَ حُصُول التَّيَقُّنِ أَوِ الظَّنِّ، أَيِ الاِعْتِقَادِ الرَّاجِحِ، بِأَنَّ مَا وَجَدَهُ قَبْل الْغِيَابِ، أَوْ بَعْدَهُ مَعَ اسْتِمْرَارِ الطَّلَبِ هُوَ صَيْدُهُ، وَمَا أَرْسَلَهُ مِنَ السَّهْمِ أَوِ الْكَلْبِ أَوْ نَحْوِهِمَا مِنَ الآْلَةِ هُوَ الَّذِي أَصَابَهُ وَأَمَاتَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
فَإِنْ شَكَّ فِي صَيْدِهِ، هَل هُوَ أَوْ غَيْرُهُ؟ أَوْ شَكَّ فِي الآْلَةِ الَّتِي أَرْسَلَهَا هَل هِيَ قَتَلَتْهُ؟ أَوْ غَيْرُهَا فَلاَ يُؤْكَل (٢) . стр. 17575
وَقَدْ فَرَّعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فُرُوعًا، مِنْهَا:
٢٥ - أ - إِذَا غَابَ الصَّيْدُ بَعْدَ إِرْسَال السَّهْمِ أَوِ الْكَلْبِ عَلَيْهِ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَفِيهِ جُرْحٌ آخَرُ غَيْرُ سَهْمِهِ، لَمْ يُؤْكَل بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ هَل قُتِل بِسَهْمِهِ أَوْ بِسَهْمٍ آخَرَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ أَفْتِنِي فِي قَوْسِي، قَال: مَا رَدَّ عَلَيْكَ سَهْمُكَ فَكُل. قَال: وَإِنْ تَغَيَّبَ عَلَيَّ؟ قَال: وَإِنْ تَغَيَّبَ عَلَيْكَ، مَا لَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ سَهْمٍ غَيْرَ سَهْمِكَ (١) .
٢٦ - ب - إِنْ أَرْسَل سَهْمًا أَوْ كَلْبًا إِلَى الصَّيْدِ وَغَابَ عَنْهُ، فَقَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ غَيْرَ مُتَحَامِلٍ عَلَى الْمَشْيِ (٢) ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا لاَ يَحِل مَا لَمْ يَعْلَمْ جُرْحَهُ بِسَهْمِهِ يَقِينًا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ (٣) .
وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ قَيْدَ الْقُعُودِ عَنِ الطَّلَبِ، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ: стр. 17576
لَوْ غَابَ عَنْهُ الْكَلْبُ وَالصَّيْدُ قَبْل أَنْ يَجْرَحَهُ الْكَلْبُ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا حُرِّمَ عَلَى الصَّحِيحِ، لاِحْتِمَال مَوْتِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ إِنْ جَرَحَهُ الْكَلْبُ، أَوْ أَصَابَهُ بِسَهْمٍ وَغَابَ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا حُرِّمَ فِي الأَْظْهَرِ، قَال الرَّمْلِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ (١) ، قَال ابْنُ جُزَيٍّ: لَوْ فَاتَ عَنْهُ الصَّيْدُ ثُمَّ وَجَدَهُ غَدًا مَنْفُوذَ الْمَقَاتِل لَمْ يُؤْكَل فِي الْمَشْهُورِ، وَقِيل: يُؤْكَل، وَقِيل: يُكْرَهُ (٢) .
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ: لَعَل هَوَامَّ الأَْرْضِ قَتَلَتْهُ (٣) .
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ مَنْ رَمَى صَيْدًا، وَلَوْ لَيْلاً، فَجَرَحَهُ وَلَوْ جُرْحًا غَيْرَ مُوحٍ (٤) ، فَغَابَ عَنْ عَيْنِهِ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا، بَعْدَ مَوْتِهِ الَّذِي رَمَاهُ فِيهِ وَسَهْمُهُ فَقَطْ فِيهِ، أَوْ أَثَرُ السَّهْمِ وَلاَ أَثَرَ بِهِ غَيْرُهُ حَل ذَلِكَ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ السَّابِقِ (٥) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَعَنْهُ: إِنْ غَابَ نَهَارًا فَلاَ بَأْسَ، وَإِنْ غَابَ لَيْلاً لَمْ يَأْكُلْهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ إِنْ стр. 17577
غَابَ مُدَّةً طَوِيلَةً لَمْ يُبَحْ، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً أُبِيحَ لَهُ، لأَِنَّهُ قِيل لَهُ: إِنْ غَابَ يَوْمًا؟ قَال: يَوْمٌ كَثِيرٌ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِذَا رَمَيْتَ فَأَقْعَصْتَ (١) فَكُل، وَإِنْ رَمَيْتَ فَوَجَدْتَ فِيهِ سَهْمَكَ مِنْ يَوْمِكَ أَوْ لَيْلَتِكَ فَكُل، وَإِنْ بَاتَ عَنْكَ لَيْلَةً فَلاَ تَأْكُل، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا حَدَثَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ (٢) .
تَحْدِيدُ مُدَّةِ الْغِيَابِ:
٢٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ - إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لِغِيَابِ الصَّيْدِ لِيَحْرُمَ بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ بِشَرْطِ الطَّلَبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَبْل أَنْ يُنْتِنَ حَل، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: وَإِنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلاَّ أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُل (٣) وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَأَدْرَكْتَهُ بَعْدَ ثَلاَثٍ وَسَهْمُكَ فِيهِ فَكُلْهُ، مَا لَمْ يُنْتِنْ (٤) . وَلأَِنَّ جُرْحَهُ بِسَهْمِهِ стр. 17578
سَبَبُ إِبَاحَتِهِ، وَقَدْ وُجِدَ يَقِينًا، وَالْمُعَارِضُ لَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلاَ نُزُول عَنِ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ (١) .
لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي أَكْلِهِ أَنْ لاَ يَكُونَ قَدْ قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَذَلِكَ تَوْفِيقًا بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ : لَعَل هَوَامَّ الأَْرْضِ قَتَلَتْهُ (٢) فَيُحْمَل هَذَا عَلَى مَا إِذَا قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ، وَالأَْوَّل عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَقْعُدْ (٣) ،.
وَلأَِنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ آخَرَ فَيُعْتَبَرَ فِيمَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، لأَِنَّ الْمَوْهُومَ فِي الْحُرُمَاتِ كَالْمُتَحَقَّقِ، وَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ فِيمَا لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ، لأَِنَّ اعْتِبَارَهُ فِيهِ يُؤَدِّي إِلَى سَدِّ بَابِ الاِصْطِيَادِ، وَهَذَا لأَِنَّ الاِصْطِيَادَ يَكُونُ فِي الصَّحْرَاءِ بَيْنَ الأَْشْجَارِ عَادَةً، وَلاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْتُلَهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ وَتَوَارٍ عَنْ عَيْنِهِ غَالِبًا، فَيُعْذَرُ - مَا لَمْ يَقْعُدْ عَنْ طَلَبِهِ - لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ، وَلاَ يُعْذَرُ فِيمَا إِذَا قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ، لأَِنَّ الاِحْتِرَازَ عَنْ مِثْلِهِ مُمْكِنٌ فَلاَ ضَرُورَةَ إِلَيْهِ فَيَحْرُمُ (٤) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمُ التَّحْدِيدُ بِأَقَل مِنْ يَوْمٍ حَيْثُ قَالُوا: (لَوْ مَاتَ مِنْهُ صَيْدٌ стр. 17579
ثُمَّ وَجَدَهُ غَدًا مَنْفُوذَ الْمَقَاتِل لَمْ يُؤْكَل فِي الْمَشْهُورِ) (١) .
وَالشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ بِالْحُرْمَةِ بِمُجَرَّدِ الْغِيَابِ، وَلَمْ يُحَدِّدُوا لَهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، فَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ لَوْ غَابَ عَنْهُ الْكَلْبُ وَالصَّيْدُ قَبْل أَنْ يَجْرَحَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا حَرُمَ، وَكَذَلِكَ إِنْ جَرَحَهُ الْكَلْبُ، أَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا يَحْرُمُ فِي الأَْظْهَرِ لاِحْتِمَال مَوْتِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَالتَّحْرِيمُ يُحْتَاطُ لَهُ (٢) .
٢٨ - ج لَوْ رَمَى صَيْدًا فَوَقَعَ فِي مَاءٍ، أَوْ عَلَى سَطْحٍ أَوْ جَبَلٍ ثُمَّ تَرَدَّى مِنْهُ إِلَى الأَْرْضِ حَرُمَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ (٣) وَلِقَوْلِهِ ﷺ لِعَدِيٍّ ﵁: إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قُتِل فَكُل، إِلاَّ أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي: الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ (٤) وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٥) .
وَلاَ فَرْقَ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الْجِرَاحَةُ مُوحِيَةً أَوْ غَيْرَ مُوحِيَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، стр. 17580
وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَعَطَاءٍ وَرَبِيعَةَ وَإِسْحَاقَ. وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُونَ: إِنْ كَانَتِ الْجِرَاحَةُ مُوحِيَةً كَأَنْ ذَبَحَهُ أَوْ أَبَانَ حَشْوَتَهُ لَمْ يَضُرَّ وُقُوعُهُ فِي الْمَاءِ، وَلاَ تَرَدِّيهِ، لأَِنَّ هَذَا صَارَ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ بِالذَّبْحِ، فَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ مَا أَصَابَهُ (١) .
وَلَوْ وَقَعَ الصَّيْدُ فِي الْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَقْتُلُهُ، مِثْل أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ خَارِجًا مِنَ الْمَاءِ، أَوْ يَكُونَ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي لاَ يَقْتُلُهُ الْمَاءُ، أَوْ كَانَ التَّرَدِّي لاَ يَقْتُل مِثْل ذَلِكَ الْحَيَوَانِ فَلاَ خِلاَفَ فِي إِبَاحَتِهِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلاَ تَأْكُل (٢) ، وَلأَِنَّ الْوُقُوعَ فِي الْمَاءِ وَالتَّرَدِّي إِنَّمَا حُرِّمَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَاتِلاً أَوْ مُعِينًا عَلَى الْقَتْل، وَهَذَا مُنْتَفٍ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ (٣) .
وَكَذَلِكَ إِذَا وَقَعَ عَلَى الأَْرْضِ ابْتِدَاءً، بَعْدَ أَنْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَمَاتَ حَل؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ كَيْ لاَ يَنْسَدَّ بَابُ الاِصْطِيَادِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، لأَِنَّ اعْتِبَارَهُ لاَ يُؤَدِّي إِلَى سَدِّ بَابِهِ، وَلاَ يُؤَدِّي إِلَى الْحَرَجِ، فَأَمْكَنَ تَرْجِيحُ الْمُحَرَّمِ عِنْدَ التَّعَارُضِ عَلَى مَا هُوَ الأَْصْل فِي الشَّرْعِ (٤) . стр. 17581
هَذَا، وَإِذَا أَدْرَكَ الصَّيْدَ حَيًّا غَيْرَ مَنْفُوذِ مَقْتَلٍ لَمْ يُؤْكَل إِلاَّ بِذَكَاةٍ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، كَمَا قَدَّمْنَا. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١) .
حُكْمُ جُزْءِ الْمَصِيدِ:
٢٩ - إِذَا رَمَى صَيْدًا فَأَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا، وَبَقِيَ الصَّيْدُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً يَحْرُمُ الْعُضْوُ الْمُبَانُ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِهِ ﷺ : مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَمَا قُطِعَ مِنْهَا فَهُوَ مَيْتَةٌ (٢) .
أَمَّا الْمَقْطُوعُ مِنْهُ، وَهُوَ الْحَيَوَانُ الْحَيُّ، فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ ذَكَاةٍ، وَإِلاَّ يَحْرُمُ - أَيْضًا - بِاتِّفَاقٍ.
وَإِذَا رَمَاهُ فَقَطَعَ رَأْسَهُ، أَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ أَوْ أَثْلاَثًا - وَالأَْكْثَرُ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ - حَل كُلُّهُ، لأَِنَّ الْمُبَانَ مِنْهُ حَيٌّ صُورَةً لاَ حُكْمًا، إِذْ لاَ يُتَوَهَّمُ سَلاَمَتُهُ وَبَقَاؤُهُ حَيًّا بَعْدَ هَذِهِ الْجِرَاحَةِ، فَوَقَعَ ذَكَاةً فِي الْحَال فَحَل كُلُّهُ (٣) .
أَمَّا إِذَا قَطَعَ مِنْهُ يَدًا أَوْ رِجْلاً أَوْ فَخِذًا، أَوْ نَحْوَهَا وَلَمْ تَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَفِيهِ التَّفْصِيل الآْتِي:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا قَطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلاً أَوْ стр. 17582
فَخِذًا أَوْ ثُلُثَهُ مِمَّا يَلِي الْقَوَائِمَ أَوْ أَقَل مِنْ نِصْفِ الرَّأْسِ يَحْرُمُ الْمُبَانُ مِنْهُ، لأَِنَّهُ يُتَوَهَّمُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ فِي الْبَاقِي (١) .
وَلَوْ ضَرَبَ صَيْدًا فَقَطَعَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ وَلَمْ يَنْفَصِل، ثُمَّ مَاتَ، إِنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ الْتِئَامُهُ وَانْدِمَالُهُ حَل أَكْلُهُ، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَجْزَائِهِ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُتَوَهَّمُ، بِأَنْ بَقِيَ مُتَعَلِّقًا بِجِلْدٍ حَل مَا سِوَاهُ دُونَهُ، لِوُجُودِ الإِْبَانَةِ مَعْنًى، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْمَقْطُوعُ النِّصْفَ فَأَكْثَرَ جَازَ أَكْل الْجَمِيعِ، وَلَوْ قَطَعَ الْجَارِحُ دُونَ النِّصْفِ كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَهُوَ مَيْتَةٌ، وَيُؤْكَل مَا سِوَاهُ، إِلاَّ أَنْ يَحْصُل بِالْقَطْعِ إِنْفَاذُ مَقْتَلٍ كَالرَّأْسِ فَلَيْسَ بِمَيْتَةٍ فَيُؤْكَل كَالْبَاقِي (٣) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهُ لَوْ أَبَانَ مِنَ الصَّيْدِ عُضْوًا كَيَدِهِ بِجُرْحٍ مُذَفِّفٍ (أَيْ مُسْرِعٍ لِلْقَتْل) فَمَاتَ حَل الْعُضْوُ وَالْبَدَنُ كُلُّهُ (٤) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ: أَشْهَرُهُمَا عَنْ أَحْمَدَ إِبَاحَتُهُمَا.
قَال أَحْمَدُ: إِنَّمَا حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ : مَا قَطَعْتَ مِنَ الْحَيِّ مَيْتَةٌ (٥) . إِذَا قَطَعْتَ стр. 17583
وَهِيَ حَيَّةٌ تَمْشِي وَتَذْهَبُ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْبَيْنُونَةُ وَالْمَوْتُ جَمِيعًا أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ إِذَا كَانَ فِي عِلاَجِ الْمَوْتِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، أَلاَ تَرَى الَّذِي يَذْبَحُ رُبَّمَا مَكَثَ سَاعَةً، وَرُبَّمَا مَشَى حَتَّى يَمُوتَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لاَ يُبَاحُ مَا بَانَ مِنْهُ، عَمَلاً بِقَوْلِهِ ﷺ : مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ (١) .
وَلأَِنَّ هَذِهِ الْبَيْنُونَةَ لاَ تَمْنَعُ بَقَاءَ الْحَيَوَانِ فِي الْعَادَةِ فَلَمْ يُبَحْ أَكْل الْبَائِنِ (٢) .
وَهَذِهِ الشُّرُوطُ كُلُّهَا إِنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي الْمَصِيدِ الْبَرِّيِّ، إِذَا عَقَرَتْهُ الْجَوَارِحُ أَوِ السِّلاَحُ أَوْ أَنْفَذَتْ مَقَاتِلَهُ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ حَيًّا غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِل ذُكِّيَ، وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ مَا يُشْتَرَطُ فِي الذَّبْحِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (ذَبَائِح ف ١٦ - ٣٩) .
٣٠ - أَمَّا الْمَصِيدُ الْبَحْرِيُّ فَلاَ تُشْتَرَطُ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ.
وَيَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) صَيْدُ وَأَكْل جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ سَمَكًا أَمْ غَيْرَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِل لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (٣) أَيْ مَصِيدُهُ стр. 17584
وَمَطْعُومُهُ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِل مِيتَتُهُ (١) .
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَحِل مَا لَيْسَ عَلَى صُورَةِ السَّمَكِ الْمَشْهُورَةِ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَهُمْ: إِنْ أُكِل مِثْلُهُ فِي الْبَرِّ كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَل، وَإِلاَّ فَلاَ (٢) .
لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ اسْتَثْنَوْا مِنَ الْحِل الضُّفْدَعَ، وَالتِّمْسَاحَ، وَالْحَيَّةَ؛ وَذَلِكَ لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ قَتْل الضُّفْدَعِ وَلاِسْتِخْبَاثِ النَّاسِ التِّمْسَاحَ، وَلأَِكْلِهِ النَّاسَ، وَلِلسُّمِّيَّةِ فِي الْحَيَّةِ (٣) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لاَ يُؤْكَل مَائِيٌّ إِلاَّ السَّمَكُ غَيْرَ طَافٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٤) وَمَا سِوَى السَّمَكِ خَبِيثٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ : أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، أَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالسَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَال (٥) . стр. 17585
وَأَمَّا الطَّافِي فَيُكْرَهُ أَكْلُهُ (١) لِقَوْل جَابِرٍ ﵁: أَنَّهُ ﵊ قَال: مَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ فَكُلُوا، وَمَا طَفَا فَلاَ تَأْكُلُوا (٢) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (أَطْعِمَة ف ٦ ج ٥) .
شُرُوطُ آلَةِ الصَّيْدِ:
آلَةُ الصَّيْدِ نَوْعَانِ: أَدَاةٌ جَامِدَةٌ، أَوْ حَيَوَانٌ .
أَوَّلاً - الأَْدَاةُ الْجَامِدَةُ:
٣١ - الأَْدَاةُ الْجَامِدَةُ: مِنْهَا مَا لَهُ حَدٌّ يَصْلُحُ لِلْقَطْعِ، كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ، وَمِنْهَا مَا يَنْطَلِقُ مِنْ آلَةٍ أُخْرَى وَلَهُ رَأْسٌ مُحَدَّدٌ يَصْلُحُ لِلْخَزْقِ (٣) كَالسَّهْمِ، وَمِنْهَا مَا لَهُ رَأْسٌ مُحَدَّدٌ لاَ يَنْطَلِقُ مِنْ آلَةٍ أُخْرَى كَالْحَدِيدَةِ الْمُثَبَّتَةِ فِي رَأْسِ الْعَصَا، أَوِ الْعَصَا الَّتِي بُرِيَ رَأْسُهَا حَتَّى صَارَ مُحَدَّدًا يُمْكِنُ الْقَتْل بِهِ طَعْنًا. стр. 17586
وَهَذِهِ الأَْدَوَاتُ وَنَحْوُهَا يَجُوزُ الاِصْطِيَادُ بِهَا إِذَا قَتَلَتِ الصَّيْدَ بِحَدِّهَا أَوْ رَأْسِهَا وَحَصَل الْجُرْحُ بِالْمَصِيدِ بِلاَ خِلاَفٍ.
أَمَّا الآْلاَتُ الَّتِي لاَ تَصْلُحُ لِلْقَتْل بِحَدِّهَا وَلاَ بِرَأْسِهَا الْمُحَدَّدِ، وَإِنَّمَا تَقْتُل بِالثِّقَل كَالْحَجَرِ الَّذِي لَمْ يُرَقَّقْ، أَوِ الْعَمُودِ وَالْعَصَا غَيْرِ مُحَدَّدَةِ الرَّأْسِ، أَوِ الْمِعْرَاضِ (١) بِعَرْضِهِ وَنَحْوِهَا، فَلاَ يَجُوزُ بِهَا الاِصْطِيَادُ، وَإِذَا اسْتُعْمِلَتْ فَلاَ بُدَّ فِي الْمَرْمِيِّ مِنَ التَّذْكِيَةِ، وَإِلاَّ لاَ يَحِل أَكْلُهُ.
وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الآْلاَتِ الْمُحَدَّدَةِ إِذَا اسْتُعْمِلَتْ وَأَصَابَتْ بِعَرْضِهَا غَيْرِ الْمُحَدَّدِ لاَ يَحِل الْمَرْمِيُّ بِهَا إِلاَّ بِالتَّذْكِيَةِ (٢) .
وَيُمْكِنُ أَنْ تُخْتَصَرَ شُرُوطُ الآْلَةِ فِيمَا يَلِي:
٣٢ - الشَّرْطُ الأَْوَّل:
أَنْ تَكُونَ الآْلَةُ مُحَدَّدَةً تَجْرَحُ وَتُؤَثِّرُ فِي اللَّحْمِ بِالْقَطْعِ أَوِ الْخَزْقِ، وَإِلاَّ لاَ يَحِل بِغَيْرِ الذَّبْحِ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْحَدِيدِ، فَيَصِحُّ الاِصْطِيَادُ بِكُل آلَةٍ حَادَّةٍ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ حَدِيدَةً، أَمْ خَشَبَةً حَادَّةً، أَمْ حِجَارَةً стр. 17587
مُرَقَّقَةَ الرَّأْسِ، أَمْ نَحْوَهَا تَنْفُذُ دَاخِل الْجِسْمِ (١) .
٣٣ - الشَّرْطُ الثَّانِي:
أَنْ تُصِيبَ الصَّيْدَ بِحَدِّهَا فَتَجْرَحَهُ، وَيُتَيَقَّنَ كَوْنُ الْمَوْتِ بِالْجُرْحِ، وَإِلاَّ لاَ يَحِل أَكْلُهُ؛ لأَِنَّ مَا يُقْتَل بِعَرْضِ الآْلَةِ أَوْ بِثِقَلِهِ يُعْتَبَرُ مَوْقُوذَةً (٢) . وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ (٣) وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ﵁ قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي أَرْمِي الصَّيْدَ بِالْمِعْرَاضِ فَأُصِيبُ، فَقَال: إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلاَ تَأْكُلْهُ (٤) . وَفِي لَفْظٍ لَهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذَا رَمَيْتَ فَسَمَّيْتَ فَخَزَقْتَ فَكُل، فَإِنْ لَمْ يَتَخَزَّقْ فَلاَ تَأْكُل، وَلاَ تَأْكُل مِنَ الْمِعْرَاضِ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتَ، وَلاَ تَأْكُل مِنَ الْبُنْدُقَةِ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتَ (٥) وَلِمَا وَرَدَ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَال: إِنَّهَا لاَ تَصِيدُ صَيْدًا وَلاَ تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ (٦) . стр. 17588
٣٤ - الشَّرْطُ الثَّالِثُ:
اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يُصِيبَ الرَّمْيُ الصَّيْدَ مُبَاشَرَةً، وَلاَ يَعْدِل عَنْ جِهَتِهِ، فَإِذَا رَدَّ السَّهْمَ رِيحٌ إِلَى وَرَائِهِ، أَوْ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً، فَأَصَابَ صَيْدًا لاَ يَحِل، وَكَذَا لَوْ رَدَّهُ حَائِطٌ أَوْ شَجَرَةٌ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِعَانَةِ الرِّيحِ لِلسَّهْمِ: لَوْ قَتَل الصَّيْدَ بِإِعَانَةِ الرِّيحِ لِلسَّهْمِ لَمْ يَحْرُمْ (٢) .
وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ لَوْ رَدَّ السَّهْمَ حَجَرٌ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى الصَّيْدِ فَقَتَلَهُ لَمْ يَحْرُمْ، لِعُسْرِ الاِحْتِرَازِ عَنْهُ (٣) .
مَسَائِل وَفُرُوعٌ فِي الآْلَةِ الْجَامِدَةِ:
تَعَرَّضَ الْفُقَهَاءُ فِي شُرُوطِ الآْلَةِ الْجَامِدَةِ لِمَسَائِل بَيَّنُوا أَحْكَامَهَا، وَمِنْ أَهَمِّ هَذِهِ الْمَسَائِل مَا يَلِي:
أ - الاِصْطِيَادُ بِالشَّبَكَةِ وَالأُْحْبُولَةِ:
٣٥ - لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً أَوْ أُحْبُولَةً، وَسَمَّى، فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ وَمَاتَ مَجْرُوحًا لَمْ يَحِل إِذَا لَمْ تَكُنْ بِهَا آلَةٌ جَارِحَةٌ، وَلَوْ كَانَ بِهَا آلَةٌ جَارِحَةٌ كَمِنْجَلٍ، أَوْ نَصَبَ سَكَاكِينَ وَسَمَّى حَل، стр. 17589
كَمَا لَوْ رَمَاهُ بِهَا، صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) .
وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ يَحِل، وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِ نَاصِبِهِ أَوْ رِدَّتِهِ، اعْتِبَارًا بِوَقْتِ النَّصْبِ، لأَِنَّهُ كَالرَّمْيِ (٢) .
قَال الْبُهُوتِيُّ: لأَِنَّ النَّصْبَ جَرَى مَجْرَى الْمُبَاشَرَةِ فِي الضَّمَانِ، فَكَذَا فِي الإِْبَاحَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : كُل مَا رَدَّتْ إِلَيْكَ يَدُكَ (٣) . وَلأَِنَّهُ قَتَل الصَّيْدَ بِمَا لَهُ حَدٌّ جَرَتِ الْعَادَةُ بِالصَّيْدِ بِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَاهُ (٤) .
أَمَّا إِذَا لَمْ يَجْرَحْهُ مَا نَصَبَهُ مِنْ مَنَاجِل أَوْ سَكَاكِينَ - كَالْمُنْخَنِقَةِ بِالأُْحْبُولَةِ - فَلاَ يُبَاحُ الصَّيْدُ لِعَدَمِ الْجُرْحِ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُحَرَّمَاتِ ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَل السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٥) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا قَتَلَتِ الْحِبَالاَتُ مِنَ الصَّيْدِ، أَيُؤْكَل أَمْ لاَ؟ قَال مَالِكٌ: لاَ يُؤْكَل إِلاَّ مَا أَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ، قَال: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ كَانَتْ فِي الْحِبَالاَتِ حَدِيدَةٌ فَأَنْفَذَتِ الْحَدِيدَةُ стр. 17590
مَقَاتِل الصَّيْدِ؟ قَال: قَال مَالِكٌ: لاَ يُؤْكَل إِلاَّ مَا أَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ (١) .
ب - الاِصْطِيَادُ بِالْبُنْدُقِ:
٣٦ - يُطْلَقُ الْبُنْدُقُ عَلَى مَعَانٍ، مِنْهَا: مَا يُؤْكَل، وَمِنْهَا: مَا يُصْنَعُ مِنْ طِينَةٍ مُدَوَّرَةٍ أَوْ رَصَاصَةٍ يُرْمَى بِهَا الصَّيْدُ. وَالْوَاحِدَةُ بُنْدُقَةٌ، وَالْجَمْعُ بَنَادِقُ (٢) .
وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: مَا يُرْمَى بِهِ الصَّيْدُ (٣) .
أَمَّا مَا يُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَا قُتِل بِبُنْدُقَةِ الطِّينِ الثَّقِيلَةِ لاَ يَحِل أَكْلُهُ، لأَِنَّهَا تَقْتُل بِالثِّقَل لاَ بِالْحَدِّ (٤) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنْ قَاضِي خَانْ: لاَ يَحِل صَيْدُ الْبُنْدُقَةِ وَالْحَجَرِ وَالْمِعْرَاضِ وَالْعَصَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَإِنْ جَرَحَ، لأَِنَّهُ لاَ يَخْزِقُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَدْ حَدَّدَهُ وَطَوَّلَهُ، كَالسَّهْمِ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَرْمِيَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَخَزَقَهُ بِحَدِّهِ حَل أَكْلُهُ، فَأَمَّا الْجُرْحُ الَّذِي يَدُقُّ فِي الْبَاطِنِ وَلاَ يَخْزِقُ فِي الظَّاهِرِ لاَ يَحِل، لأَِنَّهُ لاَ يَحْصُل بِهِ إِنْهَارُ الدَّمِ، وَمُثَقَّل الْحَدِيدِ وَغَيْرِ الْحَدِيدِ سَوَاءٌ، إِنْ خَزَقَ حَل وَإِلاَّ فَلاَ (٥) . стр. 17591
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يَحِل مَا صِيدَ بِبُنْدُقِ الطِّينِ لأَِنَّهُ لاَ يَجْرَحُ، وَإِنَّمَا يَرُضُّ وَيَكْسِرُ (١) .
وَقَال النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ: فَلَوْ قَتَلَهُ بِمُثَقَّلٍ، أَوْ ثِقَلٍ مُحَدَّدٍ، كَبُنْدُقَةٍ وَسَوْطٍ - حَرُمَ، (٢) أَيِ الأَْكْل مِنْهُ.
وَقَال الْبُجَيْرِمِيُّ: وَأَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ بِحُرْمَةِ الرَّمْيِ بِالْبُنْدُقِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الذَّخَائِرِ، وَلَكِنْ أَفْتَى النَّوَوِيُّ بِجَوَازِهِ، أَيِ الرَّمْيِ بِالْبُنْدُقِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إِذَا كَانَ الصَّيْدُ لاَ يَمُوتُ فِيهِ غَالِبًا، كَالإِْوَزِّ، فَإِنْ مَاتَ كَالْعَصَافِيرِ فَيَحْرُمُ، فَلَوْ أَصَابَتْهُ الْبُنْدُقَةُ فَذَبَحَتْهُ بِقُوَّتِهَا، أَوْ قَطَعَتْ رَقَبَتَهُ حَرُمَ، وَهَذَا التَّفْصِيل هُوَ الْمُعْتَمَدُ (٣) .
وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ، وَعِبَارَتُهُ: فَإِنْ كَانَ يَمُوتُ مِنْهُ غَالِبًا، كَالْعَصَافِيرِ وَصِغَارِ الْوَحْشِ حَرُمَ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، فَإِنِ احْتَمَل وَاحْتَمَل يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ (٤) .
وَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: وَلاَ بُدَّ مِنْ جُرْحِهِ، أَيِ الصَّيْدِ بِالْمُحَدَّدِ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ لَمْ يُبَحْ، كَشَبَكَةٍ، وَفَخٍّ، وَبُنْدُقَةٍ، وَعَصَا، وَحَجَرٍ لاَ حَدَّ لَهُ، قَال الْبُهُوتِيُّ: وَلَوْ شَدَخَهُ أَوْ حَرَّقَهُ стр. 17592
أَوْ قَطَعَ حُلْقُومَهُ وَمَرِيئَهُ (١) .
وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْبُنْدُقِ الْمَصْنُوعِ مِنَ الطِّينِ أَوِ الرَّصَاصِ مِنْ غَيْرِ نَارٍ، أَمَّا مَا صُنِعَ مِنَ الْحَدِيدِ وَيُرْمَى بِالنَّارِ، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ: فَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِالْحُرْمَةِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَلاَ يَخْفَى أَنَّ الْجُرْحَ بِالرَّصَاصِ إِنَّمَا هُوَ بِالإِْحْرَاقِ وَالثِّقَل بِوَاسِطَةِ انْدِفَاعِهِ الْعَنِيفِ، إِذْ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ، وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ نُجَيْمٍ (٢) ، وَيَقُول الزَّيْلَعِيُّ: الْجُرْحُ لاَ بُدَّ مِنْهُ، وَالْبُنْدُقَةُ لاَ تَجْرَحُ (٣) .
وَقَال الْبُجَيْرِمِيُّ: أَمَّا مَا يُصْنَعُ مِنَ الْحَدِيدِ وَيُرْمَى بِالنَّارِ فَحَرَامٌ مُطْلَقًا، مَا لَمْ يَكُنِ الرَّامِي حَاذِقًا، وَقَصَدَ جَنَاحَهُ لإِِزْمَانِهِ، وَأَصَابَهُ (٤) .
وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ بِحُرْمَةِ الاِصْطِيَادِ بِالْبُنْدُقَةِ فِيمَا يَمُوتُ بِهَا كَالْعَصَافِيرِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الاِصْطِيَادُ بِالْبُنْدُقَةِ بِوَاسِطَةِ نَارٍ أَمْ لاَ (٥) .
وَصَرَّحَ الدَّرْدِيرُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِالْجَوَازِ حَيْثُ قَال: وَأَمَّا الرَّصَاصُ فَيُؤْكَل بِهِ لأَِنَّهُ أَقْوَى مِنَ السِّلاَحِ، كَذَا اعْتَمَدَهُ بَعْضُهُمْ (٦) . стр. 17593
ثُمَّ فَصَّل الدُّسُوقِيُّ فَقَال: الْحَاصِل أَنَّ الصَّيْدَ بِبُنْدُقِ الرَّصَاصِ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ نَصٌّ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، لِحُدُوثِ الرَّمْيِ بِهِ بِحُدُوثِ الْبَارُودِ فِي وَسَطِ الْمِائَةِ الثَّامِنَةِ.
وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِالْمَنْعِ، قِيَاسًا عَلَى بُنْدُقِ الطِّينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِالْجَوَازِ. . . . لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْنْهَارِ وَالإِْجْهَازِ بِسُرْعَةٍ، الَّذِي شُرِعَتِ الذَّكَاةُ لأَِجْلِهِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى بُنْدُقِ الطِّينِ فَاسِدٌ لِوُجُودِ الْفَارِقِ، وَهُوَ وُجُودُ الْخَزْقِ وَالنُّفُوذِ فِي الرَّصَاصِ تَحْقِيقًا، وَعَدَمُ ذَلِكَ فِي بُنْدُقِ الطِّينِ، وَإِنَّمَا شَأْنُهُ الرَّضُّ وَالْكَسْرُ (١) .
ج - الاِصْطِيَادُ بِالسَّهْمِ الْمَسْمُومِ:
٣٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الاِصْطِيَادِ بِالسَّهْمِ الْمَسْمُومِ إِذَا تَيَقَّنَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْل الصَّيْدِ أَوِ احْتُمِل ذَلِكَ، لأَِنَّهُ اجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ مُبِيحٌ وَمُحَرَّمٌ، فَغَلَبَ الْمُحَرَّمُ، كَمَا لَوِ اجْتَمَعَ سَهْمُ مَجُوسِيٍّ وَمُسْلِمٍ فِي قَتْل الْحَيَوَانِ. فَإِنْ لَمْ يُحْتَمَل ذَلِكَ فَلاَ يَحْرُمُ (٢) .
وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَالُوا: مَا مَاتَ стр. 17594
بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ وَلَمْ يَنْفُذْ مَقْتَلَهُ وَلاَ أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ طُرِحَ، فَإِنْ أَنْفَذَ السَّهْمُ مَقَاتِلَهُ قَبْل أَنْ يَسْرِيَ السُّمُّ فِيهِ لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ، إِلاَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ، خَوْفًا مِنْ أَذَى السُّمِّ، قَال الْمَوَّاقُ نَقْلاً عَنِ الْبَاجِيِّ: فَإِنْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ فَقَدْ ذَهَبَتْ عِلَّةُ الْخَوْفِ مِنْ أَنْ يُعِينَ عَلَى قَتْلِهِ السُّمُّ، وَبَقِيَتْ عِلَّةُ الْخَوْفِ مِنْ أَكْلِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ السُّمُومِ الَّتِي يُؤْمَنُ عَلَى أَكْلِهَا كَالْبَقْلَةِ فَقَدِ ارْتَفَعَتِ الْعِلَّتَانِ، وَجَازَ أَكْلُهُ عَلَى قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَإِذَا رَمَى بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ وَلَمْ يَنْفُذْ مَقَاتِلَهُ، وَأُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ، قَال ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لاَ يُؤْكَل، وَنَحْوَهُ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ، وَقَال سَحْنُونٌ: إِنَّهُ يُؤْكَل، وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ، لأَِنَّهُ قَدْ ذُكِيَ وَحَيَاتُهُ فِيهِ مُجْتَمِعَةٌ قَبْل أَنْ يُنْفِذَ مَقَاتِلَهُ (١) .
ثَانِيًا - الْحَيَوَانُ:
٣٨ - يَجُوزُ الاِصْطِيَادُ بِالْحَيَوَانِ الْمُعَلَّمِ وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالْجَوَارِحِ، مِنَ الْكِلاَبِ وَالسِّبَاعِ وَالطُّيُورِ مِمَّا لَهُ نَابٌ أَوْ مِخْلَبٌ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ وَالْفَهْدُ وَالنَّمِرُ وَالأَْسَدُ وَالْبَازِي وَسَائِرُ الْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ، كَالشَّاهِينِ وَالْبَاشِقِ وَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ وَنَحْوِهَا.
فَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ كُل مَا يَقْبَل التَّعْلِيمَ وَعُلِّمَ стр. 17595
يَجُوزُ الاِصْطِيَادُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ (١) وَسَيَأْتِي مَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الْحَيَوَانِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُؤْكَل لَحْمُهُ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، كَمَا لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أُحِل لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢) .
وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنْ ذَلِكَ الْخِنْزِيرَ، فَلاَ يَحِل الاِصْطِيَادُ بِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ (٣) .
وَاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ كَذَلِكَ الْكَلْبَ الأَْسْوَدَ، وَالْبَهِيمَ الأَْسْوَدَ، وَهُوَ مَا لاَ بَيَاضَ فِيهِ، أَوْ كَانَ أَسْوَدَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ نُكْتَتَانِ، قَال الْبُهُوتِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ (٤) .
وَوَجْهُ الاِسْتِثْنَاءِ: مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا: عَلَيْكُمْ بِالأَْسْوَدِ стр. 17596
الْبَهِيمِ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ (١) فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ (٢) قَالُوا: فَيَحْرُمُ صَيْدُهُ، لأَِنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ.
وَاسْتَثْنَى أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْجَوَارِحِ الأَْسَدَ وَالدُّبَّ؛ لأَِنَّهُمَا لاَ يَعْمَلاَنِ لِغَيْرِهِمَا، أَمَّا الأَْسَدُ فَلِعُلُوِّ هِمَّتِهِ، وَأَمَّا الدُّبُّ فَلِخَسَاسَتِهِ، وَلأَِنَّهُمَا لاَ يَتَعَلَّمَانِ عَادَةً.
وَأَلْحَقَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ الْحِدَأَةَ بِهِمَا لِخَسَاسَتِهَا (٣) .
وَاسْتَثْنَى ابْنُ جُزَيٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ النِّمْسَ، فَلاَ يُؤْكَل مَا قَتَل، لأَِنَّهُ لاَ يَقْبَل التَّعْلِيمَ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى كَوْنِهِ عُلِّمَ بِالْفِعْل، وَلَوْ فِي نَوْعِ مَا لاَ يَقْبَل التَّعْلِيمَ، كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَنِمْسٍ، كَمَا قَال الْعَدَوِيُّ (٤) .
وَيُشْتَرَطُ فِي الْحَيَوَانِ الشُّرُوطُ التَّالِيَةُ:
٣٩ - الشَّرْطُ الأَْوَّل:
يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ (٥) وَلِقَوْلِهِ ﷺ لأَِبِي ثَعْلَبَةَ ﵁: مَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُل، وَمَا صِدْتَ стр. 17597
بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُل (١) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ أَنَّهُ إِذَا أُرْسِل أَطَاعَ وَإِذَا زُجِرَ انْزَجَرَ (٢) .
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ شَرْطًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُل، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ : إِلاَّ أَنْ يَأْكُل الْكَلْبُ فَلاَ تَأْكُل، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ (٣) .
وَيُشْتَرَطُ هَذَا فِي جَارِحَةِ الطَّيْرِ - أَيْضًا - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ، قِيَاسًا عَلَى جَارِحَةِ السِّبَاعِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ هَذَا الشَّرْطُ فِي جَارِحَةِ الطَّيْرِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لأَِنَّهَا لاَ تَحْتَمِل الضَّرْبَ لِتَتَعَلَّمَ تَرْكَ الأَْكْل، بِخِلاَفِ الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ، وَلِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إِذَا أَكَل الْكَلْبُ فَلاَ تَأْكُل، وَإِنْ أَكَل الصَّقْرُ فَكُل (٤) .
وَإِنْ شَرِبَ الْكَلْبُ وَنَحْوُهُ دَمَ الصَّيْدِ وَلَمْ стр. 17598
يَأْكُل مِنْهُ لَمْ يَحْرُمْ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) .
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَكَرُّرُ هَذِهِ الأُْمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّعْلِيمِ بِحَيْثُ يُظَنُّ تَأَدُّبُ الْجَارِحَةِ، وَلاَ يَنْضَبِطُ ذَلِكَ بِعَدَدٍ، بَل الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَهْل الْخِبْرَةِ بِالْجَوَارِحِ.
وَلَوْ ظَهَرَ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الشُّرُوطِ كَوْنُهُ مُعَلَّمًا، ثُمَّ أَكَل مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ لَمْ يَحِل ذَلِكَ الصَّيْدُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ، فَيُشْتَرَطُ تَعْلِيمٌ جَدِيدٌ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُعْتَبَرُ تَكْرَارُ تَرْكِ الأَْكْل، بَل يَحْصُل التَّعْلِيمُ بِتَرْكِ الأَْكْل مَرَّةً، لأَِنَّهُ تَعَلَّمَ صَنْعَةً أَشْبَهَ سَائِرَ الصَّنَائِعِ، فَإِنْ أَكَل بَعْدَ تَعْلِيمِهِ لَمْ يَحْرُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَيْدِهِ، لِعُمُومِ الآْيَةِ وَالأَْخْبَارِ، وَلَمْ يُبَحْ مَا أَكَل مِنْهُ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِالأَْكْل عَنْ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا، فَيُبَاحُ مَا صَادَهُ بَعْدَ الَّذِي أَكَل مِنْهُ (٣) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عِصْيَانُ الْمُعَلَّمِ مَرَّةً لاَ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا، كَمَا لاَ يَكُونُ مُعَلَّمًا بِطَاعَتِهِ مَرَّةً، بَل الْعُرْفُ فِي ذَلِكَ كَافٍ (٤) .
وَقَال الدُّسُوقِيُّ: إِنَّ شَرْطَ الاِنْزِجَارِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْبَازِي، لأَِنَّهُ لاَ يَنْزَجِرُ بِالزَّجْرِ بَل стр. 17599
رَجَّحَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ اعْتِبَارِ الاِنْزِجَارِ مُطْلَقًا، لأَِنَّ الْجَارِحَ لاَ يَرْجِعُ بَعْدَ اسْتِيلاَئِهِ (١) .
وَقَال الصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ التَّعْلِيمَ فِي الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ يَكُونُ بِتَرْكِ الأَْكْل ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَفِي الْبَازِي وَنَحْوِهِ مِنَ الطُّيُورِ بِالرُّجُوعِ إِذَا دُعِيَ، قَال الزَّيْلَعِيُّ: رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. . . وَإِنَّمَا شَرَطَ تَرْكَ الأَْكْل ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. . . لأَِنَّ تَعَلُّمَهُ يُعْرَفُ بِتَكْرَارِ التَّجَارِبِ وَالاِمْتِحَانِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ يَثْبُتُ التَّعَلُّمُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ أَنْ قَدْ تَعَلَّمَ، وَلاَ يُقَدَّرُ بِشَيْءٍ، لأَِنَّ الْمَقَادِيرَ تُعْرَفُ بِالنَّصِّ لاَ بِالاِجْتِهَادِ. وَلاَ نَصَّ هُنَا، فَيُفَوَّضُ إِلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ، كَمَا هُوَ دَأْبُهُ، وَلأَِنَّ مُدَّةَ التَّعَلُّمِ تَخْتَلِفُ بِالْحَذَاقَةِ وَالْبَلاَدَةِ، فَلاَ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا (٢) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: ظَاهِرُ الْمُلْتَقَى تَرْجِيحُ عَدَمِ التَّقْدِيرِ (٣) .
أَمَّا شُرْبُ الْجَارِحِ دَمَ الْمَصِيدِ فَلاَ يَضُرُّ عِنْدَ الْجَمِيعِ (٤) .
٤٠ - الشَّرْطُ الثَّانِي:
أَنْ يَجْرَحَ الْحَيَوَانُ الصَّيْدَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَالْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ стр. 17600
الْحَنَفِيَّةِ، وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
فَلَوْ قَتَلَهُ الْجَارِحُ بِصَدْمٍ، أَوْ عَضٍّ بِلاَ جُرْحٍ لَمْ يُبَحْ، كَالْمِعْرَاضِ إِذَا قَتَل بِعَرْضِهِ أَوْ ثِقَلِهِ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَل الْكَلْبَ فَأَصَابَ الصَّيْدَ وَكَسَرَ عُنُقَهُ وَلَمْ يَجْرَحْهُ، أَوْ جَثَمَ عَلَى صَدْرِهِ وَخَنَقَهُ (١) .
وَوَجْهُ اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ، أَيِ الْجُرْحِ، هُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٢) وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ إِخْرَاجُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ، وَهُوَ يَخْرُجُ بِالْجُرْحِ عَادَةً، وَلاَ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ إِلاَّ نَادِرًا، فَأُقِيمَ الْجُرْحُ مَقَامَهُ، كَمَا فِي الذَّكَاةِ الاِخْتِيَارِيَّةِ وَالرَّمْيِ بِالسَّهْمِ، وَلأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجْرَحْهُ صَارَ مَوْقُوذَةً، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ بِالنَّصِّ، كَمَا عَلَّلَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَابْنُ قُدَامَةَ (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْل أَشْهَبَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْحَيَوَانِ أَنْ يَجْرَحَ الصَّيْدَ، فَلَوْ تَحَامَلَتِ الْجَارِحَةُ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَتْهُ بِثِقَلِهَا، أَوْ مَاتَ بِصَدْمَتِهَا، أَوْ بِعَضِّهَا، أَوْ بِقُوَّةِ إِمْسَاكِهَا مِنْ غَيْرِ عَقْرٍ حَل؛ стр. 17601
وَذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) وَلأَِنَّهُ يَعْسُرُ تَعْلِيمُهُ أَنْ لاَ يَقْتُل إِلاَّ بِجُرْحٍ (٢) .
٤١ - الشَّرْطُ الثَّالِثُ:
أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ مُرْسَلاً مِنْ قِبَل مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ مَقْرُونًا بِالتَّسْمِيَةِ، فَلَوِ انْبَعَثَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، أَوِ انْفَلَتَ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ، أَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الإِْرْسَال فَأَخَذَ صَيْدًا وَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَل (٣) ، وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ.
وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيل هَذَا الشَّرْطِ فِي شُرُوطِ الصَّائِدِ.
٤٢ - الشَّرْطُ الرَّابِعُ:
أَنْ لاَ يَشْتَغِل الْحَيَوَانُ بِعَمَلٍ آخَرَ بَعْدَ الإِْرْسَال، وَذَلِكَ لِيَكُونَ الاِصْطِيَادُ مَنْسُوبًا لِلإِْرْسَال، وَهَذَا الشَّرْطُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَوْ أَكَل خُبْزًا بَعْدَ الإِْرْسَال أَوْ بَال لَمْ يُؤْكَل، وَلَوْ عَدَل عَنِ الصَّيْدِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً، أَوْ تَشَاغَل فِي غَيْرِ طَلَبِ الصَّيْدِ، وَفَتَرَ عَنْ سَنَنِهِ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ فَأَخَذَهُ، لَمْ يُؤْكَل إِلاَّ بِإِرْسَالٍ مُسْتَأْنَفٍ، أَوْ أَنْ يَزْجُرَهُ صَاحِبُهُ وَيُسَمِّيَ فِيمَا يَحْتَمِل الزَّجْرَ فَيَنْزَجِرُ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَمَنَ وَاسْتَخْفَى، كَمَا يَكْمُنُ الْفَهْدُ عَلَى стр. 17602
وَجْهِ الْحِيلَةِ، لاَ لِلاِسْتِرَاحَةِ، فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى إِرْسَالٍ مُسْتَأْنَفٍ (١) .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ حَيْثُ قَالُوا فِي شُرُوطِ الْجَارِحِ: أَنْ لاَ يَرْجِعَ عَنِ الصَّيْدِ، فَإِنْ رَجَعَ بِالْكُلِّيَّةِ لَمْ يُؤْكَل، وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَغَل بِصَيْدٍ آخَرَ، أَوْ بِأَكْلِهِ (٢) .
وَفَصَّل الْمَوَّاقُ فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَال: مَنْ أَرْسَل كَلْبَهُ أَوْ بَازَهُ عَلَى صَيْدٍ فَطَلَبَهُ سَاعَةً، ثُمَّ رَجَعَ عَنِ الطَّلَبِ، ثُمَّ عَادَ فَقَتَلَهُ، فَإِنْ كَانَ كَالطَّالِبِ لَهُ يَمِينًا وَشِمَالاً، وَهُوَ عَلَى طَلَبِهِ فَهُوَ عَلَى إِرْسَالِهِ الأَْوَّل، وَإِنْ وَقَفَ لأَِجْل الْجِيفَةِ أَوْ شَمَّ كَلْبًا أَوْ سَقَطَ الْبَازِي عَجْزًا عَنْهُ، ثُمَّ رَأَيَاهُ فَاصْطَادَهُ، فَلاَ يُؤْكَل إِلاَّ بِإِرْسَالٍ مُسْتَأْنَفٍ (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَرْسَل كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ فَعَدَل إِلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ إِلَى جِهَةِ غَيْرِ الإِْرْسَال فَأَصَابَهُ وَمَاتَ حَل، لأَِنَّهُ يَعْسُرُ تَكْلِيفُهُ تَرْكَ الْعُدُول (٤) .
اسْتِئْجَارُ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ:
٤٣ - لاَ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةِ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. стр. 17603
وَعَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَطْلُوبَةَ مِنْهُ غَيْرُ مَقْدُورَةِ الاِسْتِيفَاءِ، إِذْ لاَ يُمْكِنُ إِجْبَارُ الْكَلْبِ عَلَى الصَّيْدِ، فَلَمْ تَكُنِ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي هِيَ مَعْقُودٌ عَلَيْهَا مَقْدُورَةَ الاِسْتِيفَاءِ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَعَلَّلَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ قِيمَةَ لِعَيْنِ الْكَلْبِ، فَكَذَا لِمَنْفَعَتِهِ.
وَعَلَّلَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْكَلْبَ حَيَوَانٌ مُحَرَّمٌ بَيْعُهُ لِخُبْثِهِ، فَحُرِّمَتْ إِجَارَتُهُ، وَلأَِنَّ إِبَاحَةَ الاِنْتِفَاعِ بِهِ لَمْ تُبِحْ بَيْعَهُ، فَكَذَلِكَ إِجَارَتُهُ، وَلأَِنَّ مَنْفَعَتَهُ لاَ تُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا فِي الإِْجَارَةِ (١) .
حُكْمُ مَعَضِّ الْكَلْبِ وَأَثَرِ فَمِهِ فِي الصَّيْدِ:
٤٤ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - بِأَنَّ مَعَضَّ الْكَلْبِ نَجَسٌ (٢) .
وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُعْفَى عَنْهُ كَوُلُوغِهِ. وَالثَّانِي: يُعْفَى عَنْهُ لِلْحَاجَةِ.
قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَالأَْصَحُّ عَلَى الأَْوَّل أَنَّهُ يَكْفِي غَسْل الْمَعَضِّ سَبْعًا بِمَاءٍ وَتُرَابٍ فِي إِحْدَاهُنَّ، كَغَيْرِهِ، وَأَنَّهُ لاَ يَجِبُ أَنْ يُقَوَّرَ الْمَعَضُّ وَيُطْرَحَ، لأَِنَّهُ لَمْ يَرِدْ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ ذَلِكَ، وَلاَ يَكْفِي الْغُسْل؛ стр. 17604
لأَِنَّ الْمَوْضِعَ تَشَرَّبَ لُعَابَهُ، فَلاَ يَتَخَلَّلُهُ الْمَاءُ (١) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: يَجِبُ غَسْل أَثَرِ فَمِ الْكَلْبِ، لأَِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ نَجَاسَتُهُ، فَيَجِبُ غَسْل مَا أَصَابَهُ كَبَوْلِهِ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى طَهَارَةِ مَعَضِّ الْكَلْبِ، وَعَدَمِ وُجُوبِ غَسْلِهِ. قَال ابْنُ جُزَيٍّ: مَوْضِعُ نَابِ الْكَلْبِ يُؤْكَل، لأَِنَّهُ طَاهِرٌ فِي الْمَذْهَبِ (٣) .
وَعَلَّل ابْنُ قُدَامَةَ عَدَمَ وُجُوبِ غَسْل الْمَعَضِّ بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَمَرَا بِأَكْلِهِ، وَلَمْ يَأْمُرَا بِغَسْلِهِ (٤) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ نَصًّا فِي الْمَسْأَلَةِ.
لَكِنَّ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْكَلْبَ لَيْسَ نَجِسَ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا نَجَاسَتُهُ بِنَجَاسَةِ لَحْمِهِ وَدَمِهِ، وَلاَ يَظْهَرُ حُكْمُهَا وَهُوَ حَيٌّ، كَمَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ (٥) .
الاِشْتِرَاكُ فِي الصَّيْدِ:
٤٥ - الاِشْتِرَاكُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الصَّائِدِينَ: بِأَنْ يَجْتَمِعَ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِي الرَّمْيِ، أَوْ إِرْسَال الْجَارِحِ عَلَى الصَّيْدِ، أَوْ يَكُونَ فِي آلَةِ الصَّيْدِ: стр. 17605
بِأَنْ يُصْطَادَ الْمَصِيدُ بِسَهْمٍ وَبُنْدُقَةٍ مَثَلاً، أَوْ بِكَلْبَيْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَبَيَانُ كِلْتَا الصُّورَتَيْنِ فِيمَا يَلِي:
أَوَّلاً - اشْتِرَاكُ الصَّائِدِينَ:
أ - اشْتِرَاكُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلصَّيْدِ مَعَ مَنْ لَيْسَ أَهْلاً لَهُ:
٤٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَكَ فِي الصَّيْدِ مَنْ يَحِل صَيْدُهُ كَمُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ مَعَ مَنْ لاَ يَحِل صَيْدُهُ، كَمَجُوسِيٍّ أَوْ وَثَنِيٍّ فَإِنَّ الصَّيْدَ حَرَامٌ لاَ يُؤْكَل، وَذَلِكَ عَمَلاً بِقَاعِدَةِ تَغْلِيبِ جَانِبِ الْحُرْمَةِ عَلَى جَانِبِ الْحِل (١) .
وَعَلَى ذَلِكَ فَلَوْ شَارَكَ مَجُوسِيٌّ مُسْلِمًا، كَأَنْ رَمَيَا صَيْدًا أَوْ أَرْسَلاَ عَلَيْهِ جَارِحًا يَحْرُمُ الصَّيْدُ، لأَِنَّهُ اجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ مُبِيحٌ وَمُحَرِّمٌ، فَغَلَّبْنَا التَّحْرِيمَ، كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ مَا يُؤْكَل وَمَا لاَ يُؤْكَل، لِقَوْلِهِ ﷺ : مَا اجْتَمَعَ الْحَلاَل وَالْحَرَامُ إِلاَّ وَقَدْ غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلاَل (٢) . وَلأَِنَّ الْحَرَامَ وَاجِبُ التَّرْكِ، وَالْحَلاَل جَائِزُ التَّرْكِ؛ فَكَانَ الاِحْتِيَاطُ فِي التَّرْكِ (٣) . стр. 17606
وَهَذَا إِذَا مَاتَ الصَّيْدُ بِسَهْمَيْهِمَا أَوْ بِكَلْبَيْهِمَا، وَلاَ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِذَا وَقَعَ سَهْمَاهُمَا فِيهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَوْ وَقَعَ سَهْمُ أَحَدِهِمَا قَبْل الآْخَرِ.
أَمَّا إِذَا أَرْسَلاَ كَلْبَيْنِ أَوْ سَهْمَيْنِ عَلَى صَيْدٍ فَسَبَقَتْ آلَةُ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَتْهُ أَوْ أَنْهَتْهُ إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ (١) ، ثُمَّ أَصَابَ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ أَوْ سَهْمُهُ حَل، وَلاَ يَقْدَحُ مَا وُجِدَ مِنَ الْمَجُوسِيِّ (٢) .
قَال الْبُهُوتِيُّ: وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ الثَّانِي (أَيْ مِنَ الْمَجُوسِيِّ) مُوحِيًا أَيْضًا؛ لأَِنَّ الإِْبَاحَةَ حَصَلَتْ بِالأَْوَّل، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ الثَّانِي (٣) .
وَإِذَا رَدَّهُ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ عَلَى كَلْبِ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَهُ حَل كَذَلِكَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَإِذَا رَمَى الْمَجُوسِيُّ سَهْمَهُ فَرَدَّ السَّهْمُ الصَّيْدَ فَأَصَابَهُ سَهْمُ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ يَحِل، لأَِنَّ الْمُسْلِمَ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ، لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَصَفُوا الْحِل فِي صُورَةِ رَدِّ كَلْبِ الْمَجُوسِيِّ بِالْكَرَاهَةِ (٤) .
أَمَّا إِذَا سَبَقَتْ آلَةُ الْمَجُوسِيِّ فَقَتَلَتْهُ، أَوْ أَنْهَتْهُ إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ، أَوْ لَمْ يَسْبِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا стр. 17607
وَجَرَحَاهُ مَعًا، وَحَصَل الْهَلاَكُ بِهِمَا، أَوْ جُهِل ذَلِكَ، أَوْ جَرَحَاهُ مُرَتَّبًا وَلَكِنْ لَمْ يُذَفِّفْ (١) أَحَدُهُمَا فَهَلَكَ بِهِمَا - حَرُمَ الصَّيْدُ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ (٢) .
ب - اشْتِرَاكُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلصَّيْدِ مَعَ مِثْلِهِ:
٤٧ - إِنِ اشْتَرَكَ فِي الرَّمْيِ أَوِ الإِْصَابَةِ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلصَّيْدِ مَعَ مِثْلِهِ، كَمُسْلِمَيْنِ أَوْ نَصْرَانِيَّيْنِ أَوْ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ، فَلَهُ صُوَرٌ:
الأُْولَى: إِنْ رَمَيَا مَعًا وَأَصَابَاهُ وَقَتَلاَهُ كَانَ الصَّيْدُ حَلاَلاً، كَمَا لَوِ اشْتَرَكَا فِي ذَبْحِهِ، وَيَكُونُ الصَّيْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (٣) .
الثَّانِيَةُ: إِنْ جَرَحَاهُ مَعًا، وَأَزْمَنَاهُ، وَلَمْ يَكُنْ جُرْحُ أَحَدِهِمَا مُذَفِّفًا، ثُمَّ مَاتَ الصَّيْدُ بِسَبَبِ جُرْحِ الاِثْنَيْنِ، حَل وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا.
الثَّالِثَةُ: إِنْ كَانَ جُرْحُ أَحَدِهِمَا مُوحِيًا (مُذَفِّفًا) ، وَالآْخَرُ غَيْرَ مُوحٍ، وَلاَ يُثْبِتُهُ مِثْلُهُ، فَالصَّيْدُ لِصَاحِبِ الْجُرْحِ الْمُوحِي، لاِنْفِرَادِهِ بِذَلِكَ. стр. 17608
الرَّابِعَةُ: إِذَا رَمَيَا وَأَصَابَا مُتَعَاقِبَيْنِ، فَذَفَّفَ الثَّانِي، أَوْ أَزْمَنَ دُونَ الأَْوَّل مِنْهُمَا، بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَذْفِيفٌ وَلاَ إِزْمَانٌ حَل، وَالصَّيْدُ لِلثَّانِي، لأَِنَّ جُرْحَهُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي امْتِنَاعِهِ أَوْ قَتْلِهِ، وَلاَ شَيْءَ لَهُ عَلَى الأَْوَّل بِجُرْحِهِ، لأَِنَّهُ كَانَ مُبَاحًا حِينَئِذٍ، وَهَذِهِ الصُّوَرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فِي الْجُمْلَةِ (١) .
الْخَامِسَةُ: إِذَا رَمَيَا مُتَعَاقِبَيْنِ، فَأَثْخَنَهُ الأَْوَّل، ثُمَّ رَمَاهُ الثَّانِي وَقَتَلَهُ يَحْرُمُ، وَيَضْمَنُ الثَّانِي لِلأَْوَّل قِيمَتَهُ غَيْرَ مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَةُ الأَْوَّل، أَمَّا الْحُرْمَةُ فَلأَِنَّهُ لَمَّا أَثْخَنَهُ الأَْوَّل فَقَدْ خَرَجَ مِنْ حَيِّزِ الاِمْتِنَاعِ، وَصَارَ مَقْدُورًا عَلَى ذَكَاتِهِ الاِخْتِيَارِيَّةِ، وَلَمْ يُذَكَّ، وَصَارَ الثَّانِي قَاتِلاً لَهُ، فَيَحْرُمُ.
وَهَذَا إِذَا كَانَ بِحَالٍ يَسْلَمُ مِنَ الْجُرْحِ الأَْوَّل، لأَِنَّ مَوْتَهُ يُضَافُ إِلَى الثَّانِي.
أَمَّا إِذَا كَانَ حَيًّا حَيَاةَ مَذْبُوحٍ فَيَحِل وَالْمِلْكُ لِلأَْوَّل، لأَِنَّ مَوْتَهُ لاَ يُضَافُ إِلَى الرَّمْيِ الثَّانِي، فَلاَ اعْتِبَارَ بِوُجُودِهِ.
وَأَمَّا ضَمَانُ الثَّانِي لِلأَْوَّل فِي حَالَةِ الْحُرْمَةِ، فَلأَِنَّهُ أَتْلَفَ صَيْدًا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ، لأَِنَّهُ مَلَكَهُ بِالإِْثْخَانِ، فَيَلْزَمُهُ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَ (٢) . стр. 17609
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ إِنْ أَزْمَنَ الأَْوَّل، ثُمَّ ذَفَّفَ الثَّانِي بِقَطْعِ حُلْقُومٍ وَمَرِيءٍ فَهُوَ حَلاَلٌ، وَإِنْ ذَفَّفَ لاَ بِقَطْعِهِمَا، أَوْ لَمْ يُذَفِّفْ أَصْلاً، وَمَاتَ بِالْجُرْحَيْنِ فَحَرَامٌ، أَمَّا الأَْوَّل فَلأَِنَّ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ لاَ يَحِل إِلاَّ بِذَبْحِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلاِجْتِمَاعِ الْمُبِيحِ وَالْمُحَرِّمِ، كَمَا إِذَا اشْتَرَكَ فِيهِ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ، وَفِي كِلْتَا الصُّورَتَيْنِ يَضْمَنُهُ الثَّانِي لِلأَْوَّل، لأَِنَّهُ أَفْسَدَ مِلْكَهُ (١) .
وَالاِعْتِبَارُ فِي التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ بِالإِْصَابَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْل زُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - لاَ بِابْتِدَاءِ الرَّمْيِ، كَمَا أَنَّ الاِعْتِبَارَ فِي كَوْنِهِ مَقْدُورًا عَلَيْهِ أَوْ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ بِحَالَةِ الإِْصَابَةِ، فَلَوْ رَمَى غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، أَوْ أَرْسَل عَلَيْهِ الْكَلْبَ فَأَصَابَهُ وَهُوَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، لَمْ يَحِل إِلاَّ بِإِصَابَتِهِ فِي الْمَذْبَحِ، وَإِنْ رَمَاهُ وَهُوَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فَأَصَابَهُ وَهُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ حَل مُطْلَقًا عِنْدَهُمْ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ - عَدَا زُفَرَ - إِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حَقِّ الْحِل وَالضَّمَانِ وَقْتُ الرَّمْيِ، لأَِنَّ الرَّمْيَ إِلَى صَيْدٍ مُبَاحٍ، فَلاَ يَنْعَقِدُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، وَلاَ يَنْقَلِبُ بَعْدَ ذَلِكَ مُوجِبًا، وَالْحِل يَحْصُل بِفِعْلِهِ وَهُوَ الرَّمْيُ وَالإِْرْسَال، فَيُعْتَبَرُ وَقْتُهُ، أَمَّا فِي حَقِّ الْمِلْكِ فَيُعْتَبَرُ وَقْتُ الإِْثْخَانِ، لأَِنَّ بِهِ стр. 17610
يَثْبُتُ الْمِلْكُ (١) ، وَعَلَى ذَلِكَ يَحِل الصَّيْدُ وَيَكُونُ مِلْكًا لِلأَْوَّل عِنْدَ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ فِي الصُّوَرِ التَّالِيَةِ: - إِنْ رَمَيَاهُ مَعًا فَأَصَابَهُ أَحَدُهُمَا قَبْل الآْخَرِ فَأَثْخَنَهُ، ثُمَّ أَصَابَهُ الآْخَرُ وَمَاتَ.
رَمَاهُ أَحَدُهُمَا أَوَّلاً، ثُمَّ رَمَاهُ الثَّانِي قَبْل أَنْ يُصِيبَهُ الأَْوَّل، أَوْ بَعْدَمَا أَصَابَهُ قَبْل أَنْ يُثْخِنَهُ، فَأَصَابَهُ الأَْوَّل وَأَثْخَنَهُ.
رَمَيَا مَعًا فَأَثْخَنَهُ الأَْوَّل ثُمَّ أَصَابَهُ الثَّانِي فَقَتَلَهُ.
فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ يَحِل الصَّيْدُ وَيَكُونُ مِلْكًا لِلأَْوَّل، أَمَّا الْحِل فَلأَِنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ لَمْ يَكُنِ الصَّيْدُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمِلْكُ فَلأَِنَّ الإِْثْخَانَ بِفِعْل الأَْوَّل.
وَقَال زُفَرُ - وَهُوَ مُقْتَضَى كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ -: لاَ يَحِل أَكْلُهُ لأَِنَّ الصَّيْدَ حَالَةَ إِصَابَةِ الثَّانِي غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، فَلاَ يَحِل بِذَكَاةِ الاِضْطِرَارِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا رَمَاهُ الثَّانِي بَعْدَ مَا أَثْخَنَهُ الأَْوَّل (٢) .
٤٨ - وَهُنَاكَ صُوَرٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، مِنْهَا:
قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ جَهِل كَوْنَ التَّذْفِيفِ أَوِ الإِْزْمَانِ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا كَانَ لَهُمَا، لِعَدَمِ следующие страницы →