← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

بِالطَّاهِرِ بَعْدَ الاِسْتِجْمَارِ بِالنَّجِسِ، لأَِنَّ هَذِهِ النَّجَاسَةَ تَابِعَةٌ لِنَجَاسَةِ الْمَحَل فَزَالَتْ بِزَوَالِهَا. (١) كَيْفِيَّةُ الاِسْتِنْجَاءِ وَآدَابُهُ: أَوَّلاً: الاِسْتِنْجَاءُ بِالشِّمَال: ٣٠ - وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عِنْدَ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذَا بَال أَحَدُكُمْ فَلاَ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلاَءَ فَلاَ يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ. (٢) فَقَدْ نَهَى الرَّسُول ﷺ عَنْ الاِسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ، وَحَمَل الْفُقَهَاءُ هَذَا النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، كَمَا اسْتَظْهَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ. وَكُل هَذَا فِي غَيْرِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ أَوِ الْحَاجَةِ، لِلْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَةِ: الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ. (٣) فَلَوْ يُسْرَاهُ مَقْطُوعَةً أَوْ شَلاَّءَ، أَوْ بِهَا جِرَاحَةٌ جَازَ الاِسْتِنْجَاءُ بِالْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. هَذَا، وَيَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِالْيَمِينِ فِي صَبِّ الْمَاءِ، وَلَيْسَ هَذَا اسْتِنْجَاءً بِالْيَمِينِ، بَل الْمَقْصُودُ مِنْهُ مُجَرَّدُ إِعَانَةِ الْيَسَارِ، وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالاِسْتِعْمَال. (٤)

стр. 2242

ثَانِيًا: الاِسْتِتَارُ عِنْدَ الاِسْتِنْجَاءِ: ٣١ - الاِسْتِنْجَاءُ يَقْتَضِي كَشْفَ الْعَوْرَةِ، وَكَشْفُهَا أَمَامَ النَّاسِ مُحَرَّمٌ فِي الاِسْتِنْجَاءِ وَغَيْرِهِ، فَلاَ يَرْتَكِبُ لإِِقَامَةِ سُنَّةِ الاِسْتِنْجَاءِ، وَيَحْتَال لإِِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ لِلْعَوْرَةِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ. (١) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: مِنَ الآْدَابِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ الاِسْتِنْجَاءِ وَالتَّجْفِيفِ، لأَِنَّ الْكَشْفَ كَانَ لِضَرُورَةٍ وَقَدْ زَالَتْ. (٢) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي التَّكَشُّفِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ رِوَايَتَانِ: الْكَرَاهَةُ، وَالْحُرْمَةُ. (٣) وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الاِسْتِنْجَاءِ مُسْتَحَبًّا عَلَى الأَْقَل. ثَالِثًا: الاِنْتِقَال عَنْ مَوْضِعِ التَّخَلِّي: ٣٢ - إِذَا قَضَى حَاجَتَهُ فَلاَ يَسْتَنْجِي حَيْثُ قَضَى حَاجَتَهُ. كَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَ اسْتِنْجَاؤُهُ بِالْمَاءِ - بَل يَنْتَقِل عَنْهُ، لِئَلاَّ يَعُودَ الرَّشَاشُ إلَيْهِ فَيُنَجِّسَهُ. وَاسْتَثْنَوُا الأَْخْلِيَةَ الْمُعَدَّةَ لِذَلِكَ، فَلاَ يُنْتَقَل فِيهَا. وَإِذَا كَانَ اسْتِنْجَاؤُهُ بِالْحَجَرِ فَقَطْ فَلاَ يَنْتَقِل مِنْ مَكَانِهِ، لِئَلاَّ يَنْتَقِل الْغَائِطُ مِنْ مَكَانِهِ فَيَمْتَنِعَ عَلَيْهِ الاِسْتِجْمَارُ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَوَّل مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي قَضَى فِيهِ حَاجَتَهُ لِلاِسْتِجْمَارِ بِالْحِجَارَةِ أَيْضًا، كَمَا يَتَحَوَّل لِلاِسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ، وَهَذَا إِنْ خَشِيَ التَّلَوُّثَ. (٤)

стр. 2243

رَابِعًا: عَدَمُ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ حَال الاِسْتِنْجَاءِ: ٣٣ - مِنْ آدَابِ الاِسْتِنْجَاءِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنْ يَجْلِسَ لَهُ إلَى يَمِينِ الْقِبْلَةِ، أَوْ يَسَارِهَا كَيْ لاَ يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ أَوْ يَسْتَدْبِرَهَا حَال كَشْفِ الْعَوْرَةِ. فَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ أَوِ اسْتِدْبَارُهَا حَالَةَ الاِسْتِنْجَاءِ تَرْكُ أَدَبٍ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، كَمَا فِي مَدِّ الرِّجْل إِلَيْهَا. وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ، وَاخْتَارَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ، وَهَذَا بِخِلاَفِ التَّبَوُّل أَوِ التَّغَوُّطِ إِلَيْهَا فَهُوَ عِنْدَهُمْ مُحَرَّمٌ. (١) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ الاِسْتِنْجَاءُ مَعَ الاِتِّجَاهِ إِلَى الْقِبْلَةِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، لأَِنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِي اسْتِقْبَالِهَا وَاسْتِدْبَارِهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، وَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ. (٢) خَامِسًا: الاِسْتِبْرَاءُ: ٣٤ - وَهُوَ طَلَبُ الْبَرَاءَةِ مِنْ خَارِجٍ، وَيَخْتَلِفُ بِطِبَاعِ النَّاسِ، إلَى أَنْ يَسْتَيْقِنَ بِزَوَال الأَْثَرِ. (٣) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِبْرَاء) . سَادِسًا: الاِنْتِضَاحُ وَقَطْعُ الْوَسْوَسَةِ: ٣٥ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ الاِسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَنْضَحَ فَرْجَهُ أَوْ سَرَاوِيلَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَاءِ، قَطْعًا لِلْوَسْوَاسِ، حَتَّى إِذَا شَكَّ حَمَل الْبَلَل عَلَى ذَلِكَ النَّضْحِ، مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ خِلاَفَهُ.

стр. 2244

وَهَذَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يَفْعَل ذَلِكَ إِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يُرِيبُهُ كَثِيرًا. (١) وَمَنْ ظَنَّ خُرُوجَ شَيْءٍ بَعْدَ الاِسْتِنْجَاءِ فَقَدْ قَال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لاَ تَلْتَفِتْ حَتَّى تَتَيَقَّنَ، وَالْهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. (٢) اسْتِنْزَاه التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِنْزَاهُ: اسْتِفْعَالٌ مِنَ التَّنَزُّهِ وَأَصْلُهُ التَّبَاعُدُ. وَالاِسْمُ النُّزْهَةُ، فَفُلاَنٌ يَتَنَزَّهُ مِنَ الأَْقْذَارِ وَيُنَزِّهُ نَفْسَهُ عَنْهَا: أَيْ يُبَاعِدُ نَفْسَهُ عَنْهَا. وَفِي حَدِيثِ الْمُعَذَّبِ فِي قَبْرِهِ كَانَ لاَ يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْل أَيْ لاَ يَسْتَبْرِئُ وَلاَ يَتَطَهَّرُ، وَلاَ يَبْتَعِدُ مِنْهُ. (٣) وَالْفُقَهَاءُ يُعَبِّرُونَ بِالاِسْتِنْزَاهِ وَالتَّنَزُّهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ الاِحْتِرَازِ عَنِ الْبَوْل أَوِ الْغَائِطِ. (٤) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الاِسْتِبْرَاءُ: ٢ - الاِسْتِبْرَاءُ هُوَ طَلَبُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْخَارِجِ مِنَ

стр. 2245

السَّبِيلَيْنِ حَتَّى يُسْتَيْقَنَ زَوَال الأَْثَرِ، (١) فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الاِسْتِنْزَاهِ. ب - الاِسْتِنْجَاءُ: ٣ - الاِسْتِنْجَاءُ - وَمِثْلُهُ الاِسْتِطَابَةُ - هُوَ إزَالَةُ النَّجَسِ عَنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، (٢) وَهُوَ أَيْضًا أَخَصُّ مِنْ الاِسْتِنْزَاهِ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٤ - الاِسْتِنْزَاهُ مِنَ الْبَوْل أَوِ الْغَائِطِ وَاجِبٌ، فَمَنْ لَمْ يَتَحَرَّزْ مِنَ الْبَوْل فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ فَقَدِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً كَمَا يَرَاهُ ابْنُ حَجَرٍ. (٣) وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِبْرَاء) (وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ) (وَنَجَاسَة) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٥ - تُبْحَثُ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي الطَّهَارَةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ الاِسْتِنْجَاءِ، أَوْ الاِسْتِبْرَاءِ عَنِ الْبَوْل وَالْغَائِطِ.

стр. 2246

اسْتِنْشَاق التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِنْشَاقُ: اسْتِنْشَاقُ الْهَوَاءِ أَوْ غَيْرِهِ: إِدْخَالُهُ فِي الأَْنْفِ. (١) وَيَخُصُّهُ الْفُقَهَاءُ بِإِدْخَال الْمَاءِ فِي الأَْنْفِ (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - الاِسْتِنْشَاقُ سُنَّةٌ فِي الْوُضُوءِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَرْضٌ. وَأَمَّا فِي الْغُسْل لِلتَّطَهُّرِ مِنَ الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ فَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، فَرْضٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٣) وَإِنَّمَا فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الْوُضُوءِ، وَالْغُسْل مِنَ الْجَنَابَةِ، فَقَالُوا بِفَرْضِيَّةِ الاِسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْل وَسُنِّيَّتِهِ فِي الْوُضُوءِ، لأَِنَّ الْجَنَابَةَ تَعُمُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ، وَمِنَ الْبَدَنِ الْفَمُ وَالأَْنْفُ، بِخِلاَفِ الْوُضُوءِ فَالْفَرْضُ فِيهِ غَسْل الْوَجْهِ وَهُوَ مَا تَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ، وَلاَ تَقَعُ الْمُوَاجَهَةُ بِالأَْنْفِ وَالْفَمِ. وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي كَيْفِيَّتِهِ اُنْظُرْ (وُضُوء) (وَغُسْل) .

стр. 2247

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٣ - تُنْظَرُ أَحْكَامُ الاِسْتِنْشَاقِ فِي (الْوُضُوءِ) (وَالْغُسْل) (وَغُسْل الْمَيِّتِ) . اسْتِنْفَار التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِنْفَارُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ: اسْتَنْفَرَ، مِنْ نَفَرَ الْقَوْمُ " نَفِيرًا " أَيْ أَسْرَعُوا إِلَى الشَّيْءِ، وَأَصْل النَّفِيرِ مُفَارَقَةُ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ لأَِمْرٍ حَرَّكَ ذَلِكَ، وَيُقَال لِلْقَوْمِ النَّافِرِينَ لِحَرْبٍ أَوْ لِغَيْرِهَا: نَفِيرٌ، تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ. (١) ٢ - وَفِي الاِصْطِلاَحِيِّ الشَّرْعِيِّ: الْخُرُوجُ إلَى قِتَال الْعَدُوِّ وَنَحْوِهِ مِنَ الأَْعْمَال الصَّالِحَةِ بِدَعْوَةٍ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ لِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ. (٢) وَلَكِنْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي قِتَال الْعَدُوِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ بِهِ: الاِسْتِنْجَادُ: ٣ - الاِسْتِنْجَادُ: وَهُوَ طَلَبُ الْعَوْنِ مِنَ الْغَيْرِ. يُقَال: اسْتَنْجَدَهُ فَأَنْجَدَهُ، أَيِ اسْتَعَانَ بِهِ فَأَعَانَهُ. (٣)

стр. 2248

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الْجِهَادِ فَرْضٌ، مُنْذُ شُرِعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي نَوْعِ الْفَرْضِيَّةِ فِي عَهْدِهِ ﷺ فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ النَّفِيرَ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ فِي عَهْدِهِ ﷺ . أَمَّا كَوْنُهُ فَرْضًا فَبِالإِْجْمَاعِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ﴾ ، إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ . (١) وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل: أَنَّ الْحَقَّ ﵎ فَاضَل بَيْنَ الْقَاعِدِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيل اللَّهِ، ثُمَّ وَعَدَ كِلَيْهِمَا الْحُسْنَى. وَالْعَاصِي لاَ يُوعَدُ بِهَا، وَلاَ يُفَاضَل بَيْنَ مَأْجُورٍ وَمَأْزُورٍ، فَكَانُوا غَيْرَ عَاصِينَ بِقُعُودِهِمْ. وَقِيل: كَانَ النَّفِيرُ فِي عَهْدِهِ ﷺ فَرْضَ عَيْنٍ، فَلَمْ يَكُنْ لأَِحَدٍ مِنْ غَيْرِ الْمَعْذُورِينَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ . إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ . (٢) وَقَالُوا: إِنَّ الْقَاعِدِينَ الْمُشَارَ إلَيْهِمْ بِآيَةِ سُورَةِ النِّسَاءِ كَانُوا حُرَّاسًا عَلَى الْمَدِينَةِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْجِهَادِ. (٣) وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى: يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ: (جِهَادٌ) . أَمَّا بَعْدَ عَهْدِهِ ﷺ فَلِلْعَدُوِّ حَالَتَانِ: ٥ - أَنْ يَكُونَ فِي بِلاَدِهِ مُسْتَقِرًّا، وَلَمْ يَقْصِدْ إِلَى شَيْءٍ

стр. 2249

مِنْ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ: اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ النَّفِيرَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا قَامَ بِهِ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ مَرَّةً فِي السَّنَةِ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، أَمَّا الْفَرْضِيَّةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ . (١) وَلِقَوْلِهِ ﷺ الْجِهَادُ مَاضٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. (٢) وَأَمَّا كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلأَِنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا فُرِضَ لإِِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ وَإِعْلاَءِ كَلِمَةِ الْحَقِّ، وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنِ الْعِبَادِ، فَإِذَا حَصَل الْمَقْصُودُ بِالْبَعْضِ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، بَل إِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْصُل بِإِقَامَةِ الدَّلِيل وَالدَّعْوَةِ بِغَيْرِ جِهَادٍ كَانَ أَوْلَى مِنَ الْجِهَادِ، (٣) فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ أَثِمَ الْجَمِيعُ بِتَرْكِهِ. (٤) ٦ - أَمَّا إِذَا دَهَمَ الْعَدُوُّ بَلَدًا مِنْ بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ النَّفِيرُ عَلَى جَمِيعِ أَهْل هَذَا الْبَلَدِ، وَمَنْ بِقُرْبِهِمْ وُجُوبًا عَيْنِيًّا، فَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ، حَتَّى الْفَقِيرِ، وَالْوَلَدِ، وَالْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ بِلاَ إِذْنٍ مِنَ: الأَْبَوَيْنِ، وَالسَّيِّدِ، وَالدَّائِنِ، وَالزَّوْجِ. فَإِنْ عَجَزَ أَهْل الْبَلَدِ وَمَنْ بِقُرْبِهِمْ عَنِ الدِّفَاعِ فَعَلَى مَنْ يَلِيهِمْ، إِلَى أَنْ يُفْتَرَضَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَرْضَ

стр. 2250

عَيْنٍ كَالصَّلاَةِ تَمَامًا عَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ. (١) ٧ - وَكَذَلِكَ يَكُونُ النَّفِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى كُل مَنْ يُسْتَنْفَرُ مِمَّنْ لَهُ حَقُّ الاِسْتِنْفَارِ كَالإِْمَامِ أَوْ نُوَّابِهِ، وَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّفَ إِذَا دَعَاهُ دَاعِي النَّفِيرِ، إِلاَّ مَنْ مَنَعَهُ الإِْمَامُ مِنَ الْخُرُوجِ، أَوْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الأَْهْل أَوِ الْمَال، (٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيل لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيل اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ﴾ . (٣) النَّفِيرُ مِنْ مِنًى: ٨ - يَجُوزُ لِلْحَاجِّ أَنْ يَنْفِرَ قَبْل الْغُرُوبِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الرَّمْيِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، (٤) وَمِنَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى غَرَبَتْ شَمْسُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ حَتَّى يَرْمِيَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ نَفَرَ وَقَدْ أَسَاءَ، وَقِيل: إِنَّهُ عَلَيْهِ دَمٌ. وَأَمَّا لَوْ نَفَرَ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ الرَّابِعِ لَزِمَهُ دَمُ (٥) هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. أَمَّا عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ: فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ إِذَا نَفَرَ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (٦) . كَمَا صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ لَوْ نَفَرَ بَعْدَ الْمَبِيتِ، وَقَبْل الرَّمْيِ، وَلَوْ نَفَرَ قَبْل الْغُرُوبِ ثُمَّ عَادَ إِلَى مِنًى مَارًّا أَوْ زَائِرًا وَلَوْ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَلاَ رَمْيُ يَوْمِهَا. (٧) وَالتَّفْصِيل فِي (الْحَجِّ) .

стр. 2251

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ. الْجِهَادِ، وَفِي الْحَجِّ: الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ. اسْتِنْقَاء اُنْظُرْ: اسْتِنْجَاءٌ اسْتِنْكَاح التَّعْرِيفُ: ١ - فِي الْمِصْبَاحِ: اسْتَنْكَحَ بِمَعْنَى نَكَحَ، وَفِي تَاجِ الْعَرُوسِ وَأَسَاسِ الْبَلاَغَةِ: وَمِنَ الْمَجَازِ اسْتَنْكَحَ النَّوْمُ عَيْنَهُ غَلَبَهَا (١) . وَفُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ فَقَطْ هُمُ الَّذِينَ يُعَبِّرُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَى الْغَلَبَةِ مُسَايِرِينَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ فَيَقُولُونَ: اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ أَيِ اعْتَرَاهُ كَثِيرًا. وَبَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ يُعَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِغَلَبَةِ الشَّكِّ أَوْ كَثْرَتِهِ بِحَيْثُ يُصْبِحُ عَادَةً لَهُ. (٢)

стр. 2252

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - فَسَّرَ الْمَالِكِيَّةُ الشَّكَّ الْمُسْتَنْكِحَ بِأَنَّهُ الَّذِي يَعْتَرِي صَاحِبَهُ كَثِيرًا، بِأَنْ يَأْتِيَ كُل يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً، فَمَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ فِي الْحَدَثِ بِأَنْ شَكَّ هَل أَحْدَثَ أَمْ لاَ بَعْدَ وُضُوئِهِ؟ فَلاَ يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَرَجِ، وَأَمَّا لَوْ أُتِيَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ فَيُنْقَضُ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِغَالِبٍ، وَلاَ حَرَجَ فِي التَّوَضُّؤِ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمُذَهَّبِ. (١) وَانْظُرْ (شَكّ) . وَمَنْ اسْتَنْكَحَهُ خُرُوجُ الْمَذْيِ أَوِ الْوَدْيِ أَوْ غَيْرِهِمَا فَفِي الْحُكْمِ تَيْسِيرٌ يُنْظَرُ فِي (سَلَس) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٣ - الشَّكُّ الْغَالِبُ يَرِدُ ذِكْرُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِل الْفِقْهِ كَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْل، وَالتَّيَمُّمِ، وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَالصَّلاَةِ، وَالطَّلاَقِ، وَالْعَتَاقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَتُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهَا وَفِي مُصْطَلَحِ (شَكّ) . اسْتِهْزَاء اُنْظُرْ: اسْتِخْفَاف

стр. 2253

اسْتِهْلاَك التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِهْلاَكُ لُغَةً: هَلاَكُ الشَّيْءِ وَإِفْنَاؤُهُ، وَاسْتَهْلَكَ الْمَال: أَنْفَقَهُ وَأَنْفَدَهُ. (١) وَاصْطِلاَحًا، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ تَصْيِيرُ الشَّيْءِ هَالِكًا أَوْ كَالْهَالِكِ كَالثَّوْبِ الْبَالِي، أَوِ اخْتِلاَطِهِ بِغَيْرِهِ بِصُورَةٍ لاَ يُمْكِنُ إِفْرَادُهُ بِالتَّصَرُّفِ كَاسْتِهْلاَكِ السَّمْنِ فِي الْخُبْزِ. (٢) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الإِْتْلاَفُ: ٢ - الإِْتْلاَفُ هُوَ: إِفْنَاءُ عَيْنِ الشَّيْءِ وَإِذْهَابٌ لَهَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الاِسْتِهْلاَكِ، لأَِنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ قَدْ تَفْنَى وَقَدْ تَبْقَى مَعَ خُرُوجِهِ عَنْ الاِنْتِفَاعِ الْمَوْضُوعِ لَهُ عَادَةً (٣) . اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِتْلاَف) . مَا يَكُونُ بِهِ الاِسْتِهْلاَكُ: ٣ - مِمَّا يَكُونُ بِهِ الاِسْتِهْلاَكُ: أ - تَفْوِيتُ الْمَنَافِعِ الْمَوْضُوعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنَ الْعَيْنِ بِحَيْثُ يَصِيرُ كَالْهَالِكِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، كَتَخْرِيقِ

стр. 2254

الثَّوْبِ، (١) وَتَنْجِيسِ الزَّيْتِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَطْهِيرُهُ. (٢) ب - تَعَذُّرُ وُصُول الْمَالِكِ إِلَى حَقِّهِ فِي الْعَيْنِ لاِخْتِلاَطِهِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ تَمْيِيزُهُ عَنْ غَيْرِهِ، كَمَا إِذَا خُلِطَ اللَّبَنُ بِالْمَاءِ، أَوِ الزَّيْتُ بِالشَّيْرَجِ. (٣) أَثَرُ الاِسْتِهْلاَكِ: ٤ - يَتَرَتَّبُ عَلَى الاِسْتِهْلاَكِ الْوَاقِعِ مِنَ الْغَيْرِ زَوَال مِلْكِ الْمَالِكِ عَنِ الْعَيْنِ الْمُسْتَهْلَكَةِ، فَهُوَ يَمْنَعُ الاِسْتِرْدَادَ وَيُوجِبُ الضَّمَانَ بِالْمِثْل أَوِ الْقِيمَةِ لِلْمَالِكِ. وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْغَاصِبِ بِالضَّمَانِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٤) اسْتِهْلاَل التَّعْرِيفُ . ١ - الاِسْتِهْلاَل لُغَةً: مَصْدَرُ اسْتَهَل، وَاسْتَهَل الْهِلاَل ظَهَرَ، وَاسْتِهْلاَل الصَّبِيِّ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ عِنْدَ وِلاَدَتِهِ، وَالإِْهْلاَل رَفْعُ الصَّوْتِ بِقَوْل:

стр. 2255

لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَهَل الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ: رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ. (١) وَالْبَحْثُ هُنَا قَاصِرٌ عَلَى اسْتِهْلاَل الْمَوْلُودِ. وَيَخْتَلِفُ مُرَادُ الْفُقَهَاءِ بِالاِسْتِهْلاَل، فَمِنْهُمْ مَنْ قَصَرَهُ عَلَى الصِّيَاحِ ، وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٢) ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَوْسَعَ مِنْ ذَلِكَ وَأَرَادَ بِهِ كُل مَا يَدُل عَلَى حَيَاةِ الْمَوْلُودِ، مِنْ رَفْعِ صَوْتٍ، أَوْ حَرَكَةِ عُضْوٍ بَعْدَ الْوِلاَدَةِ، وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ. (٣) وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِأَنَّهُ كُل صَوْتٍ يَدُل عَلَى الْحَيَاةِ مِنْ صِيَاحٍ، أَوْ عُطَاسٍ، أَوْ بُكَاءٍ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ (٤) . وَاَلَّذِينَ قَصَرُوا الاِسْتِهْلاَل عَلَى الصِّيَاحِ لاَ يَمْنَعُونَ حُصُول حَيَاةِ الْمَوْلُودِ الَّذِي مَاتَ دُونَ صِيَاحٍ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُونَ عَلَى حَيَاتِهِ بِبَعْضِ الأَْمَارَاتِ الَّتِي تَدُل عَلَى الْحَيَاةِ بِمُفْرَدِهَا أَوْ مَعَ غَيْرِهَا. وَسَيَشْمَل هَذَا الْبَحْثُ أَحْكَامَ الاِسْتِهْلاَل بِمَعْنَاهُ الأَْعَمِّ، وَهُوَ اصْطِلاَحُ الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِتَعَدُّدِ أَمَارَاتِ الْحَيَاةِ . أَمَارَاتُ الْحَيَاةِ: أ - الصِّيَاحُ: ٢ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الصِّيَاحَ أَمَارَةٌ يَقِينِيَّةٌ عَلَى الْحَيَاةِ، لَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي الْحَال الَّتِي يُعْتَبَرُ الصِّيَاحُ

стр. 2256

فِيهَا مُؤَثِّرًا، وَقَدْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ مِنْ مَوْطِنٍ لآِخَرَ فِي الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ. ب - الْعُطَاسُ وَالاِرْتِضَاعُ: ٣ - الْعُطَاسُ وَالاِرْتِضَاعُ مِنْ أَمَارَاتِ الاِسْتِهْلاَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُمَا فِي مَعْنَاهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَازِرِيُّ وَابْنُ وَهْبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَحْمَدَ كَذَلِكَ، فَيَثْبُتُ بِهِمَا حُكْمُ الاِسْتِهْلاَل عِنْدَهُمْ. أَمَّا عِنْدَ مَالِكٍ فَلاَ عِبْرَةَ بِالْعُطَاسِ، لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنَ الرِّيحِ، وَكَذَلِكَ الرَّضَاعُ إِلاَّ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ الرَّضَاعِ مُعْتَبَرٌ، وَالْكَثِيرُ مَا تَقُول أَهْل الْمَعْرِفَةِ: إِنَّهُ لاَ يَقَعُ مِثْلُهُ إِلاَّ مِمَّنْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ. (١) ج - التَّنَفُّسُ: ٤ - يَأْخُذُ التَّنَفُّسُ حُكْمَ الْعُطَاسِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٢) د - الْحَرَكَةُ: ٥ - حَرَكَةُ الْمَوْلُودِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ طَوِيلَةً أَوْ يَسِيرَةً، وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الاِخْتِلاَجِ، إِذْ الاِخْتِلاَجُ تَحَرُّكُ عُضْوٍ، وَالْحَرَكَةُ أَعَمُّ مِنْ تَحَرُّكِ عُضْوٍ أَوْ تَحَرُّكِ الْجُمْلَةِ. وَلِلْعُلَمَاءِ ثَلاَثَةُ اتِّجَاهَاتٍ فِي الْحَرَكَةِ: الأَْوَّل: الأَْخْذُ بِهَا مُطْلَقًا. وَالثَّانِي: عَدَمُ الاِعْتِدَادِ بِهَا مُطْلَقًا.

стр. 2257

وَالثَّالِثُ: الأَْخْذُ بِ الْحَرَكَةِ الطَّوِيلَةِ دُونَ الْيَسِيرَةِ. هـ - الْحَرَكَةُ الطَّوِيلَةُ: ٦ - الْحَرَكَةُ الطَّوِيلَةُ مِنْ الاِسْتِهْلاَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، عَدَا ابْنِ عَابِدِينَ، وَفِي مَعْنَى الاِسْتِهْلاَل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَحَدُ رَأْيَيِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهَا فِي حُكْمِ الاِسْتِهْلاَل كَذَلِكَ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلِهِمُ الآْخَرِ، وَابْنُ عَابِدِينَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُعْطُونَهَا حُكْمَ الاِسْتِهْلاَل، سَوَاءٌ أَكَانَتْ طَوِيلَةً أَمْ يَسِيرَةً، لأَِنَّ حَرَكَتَهُ كَحَرَكَتِهِ فِي الْبَطْنِ، وَقَدْ يَتَحَرَّكُ الْمَقْتُول، وَقِيل بِهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (١) و الْحَرَكَةُ الْيَسِيرَةُ: ٧ - تَأْخُذُ الْحَرَكَةُ الْيَسِيرَةُ حُكْمَ الاِسْتِهْلاَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلاَ يُعْتَدُّ بِهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، (٢) أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَمِنْهُمْ مَنْ وَافَقَ الْحَنَفِيَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَافَقَ الْمَالِكِيَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَدَّدَ، إِذْ لَمْ يُفَرِّقْ كَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ الْحَرَكَةِ الطَّوِيلَةِ وَالْحَرَكَةِ الْيَسِيرَةِ، (٣) وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ قُوَّةَ الْحَرَكَةِ وَلَمْ يَعْتَدَّ بِحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، لأَِنَّهَا لاَ تَدُل عَلَى الْحَيَاةِ: (٤)

стр. 2258

ز - الاِخْتِلاَجُ: ٨ - يَأْخُذُ الاِخْتِلاَجُ حُكْمَ الْحَرَكَةِ الْيَسِيرَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ شَهَرُوا عَدَمَ إِعْطَائِهِ حُكْمَ الاِسْتِهْلاَل (١) . إِثْبَاتُ الاِسْتِهْلاَل: ٩ - مِمَّا يَثْبُتُ بِهِ الاِسْتِهْلاَل الشَّهَادَةُ، وَهِيَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِأَقْوَال رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَهُوَ مَحَل اتِّفَاقٍ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْعَدَدِ الْمُجْزِي وَالْمَوَاطِنِ الْمَقْبُولَةِ. ١٠ - وَالاِسْتِهْلاَل مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْهَا النِّسَاءُ غَالِبًا، لِذَلِكَ يَقْبَل الْفُقَهَاءُ - عَدَا الرَّبِيعِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - شَهَادَتَهُنَّ عَلَيْهِ مُنْفَرِدَاتٍ عَنِ الرِّجَال. إلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي نِصَابِهَا وَفِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تُقْبَل شَهَادَتُهُنَّ فِيهَا. وَتَفْصِيل اتِّجَاهَاتِهِمْ فِي نِصَابِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ كَمَا يَلِي: ١١ - يَرَى الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ لاَ يُقْبَل قَوْل النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ إِلاَّ فِي الصَّلاَةِ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، وَخَبَرُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ. أَمَّا غَيْرُ الصَّلاَةِ كَالْمِيرَاثِ فَلاَ يَثْبُتُ الاِسْتِهْلاَل بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ، وَلاَ بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ. (٢) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ يَكْفِي شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى الاِسْتِهْلاَل إِنْ كَانَتْ حُرَّةً

стр. 2259

مُسْلِمَةً عَدْلاً. (١) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ فِي الاِسْتِهْلاَل (٢) . وَالْعِلَّةُ فِيهِ - كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ - أَنَّ اسْتِهْلاَل الصَّبِيِّ يَكُونُ عِنْدَ الْوِلاَدَةِ، وَتِلْكَ حَالَةٌ لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَال، وَفِي صَوْتِهِ مِنَ الضَّعْفِ عِنْدَ ذَلِكَ مَا لاَ يَسْمَعُهُ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ تِلْكَ الْحَالَةَ، وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيمَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرَّجُل كَشَهَادَةِ الرِّجَال فِيمَا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، فَكَذَلِكَ يَرِثُ. كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوِلاَدَةِ (٣) وَقَال: شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِيمَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَال (٤) وَالنِّسَاءُ جِنْسٌ فَيَدْخُل فِيهِ أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الاِسْمُ.

стр. 2260

وَإِنَّمَا فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَبَيْنَ الْمِيرَاثِ، لأَِنَّ الْمِيرَاثَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَلاَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ. (١) ١٢ - وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ رَأَوْا أَنَّهُ لاَ يُقْبَل فِي الاِسْتِهْلاَل أَقَل مِنِ امْرَأَتَيْنِ، قَالُوا: لأَِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الشَّهَادَةِ شَيْئَانِ: الْعَدَدُ وَالذُّكُورَةُ، وَقَدْ تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الذُّكُورَةُ هُنَا، وَلَمْ يَتَعَذَّرِ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ فَبَقِيَ مُعْتَبَرًا كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ. (٢) شَهَادَةُ الثَّلاَثِ: ١٣ - يَرَى عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ أَنَّهُ لاَ يُقْبَل فِي الاِسْتِهْلاَل أَقَل مِنْ ثَلاَثِ نِسَاءٍ، وَالْوَجْهُ عِنْدَهُ أَنَّ كُل مَوْضِعٍ قُبِلَتْ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ كَانَ الْعَدَدُ ثَلاَثَةً، وَهُوَ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ. (٣) ١٤ - وَلاَ يَقْبَل الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الاِسْتِهْلاَل أَقَل مِنْ أَرْبَعٍ مِنَ النِّسْوَةِ، لأَِنَّ كُل امْرَأَتَيْنِ تَقُومَانِ مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، (٤) فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ. (٥) ١٥ - أَمَّا شَهَادَةُ الرِّجَال فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ عَلَى الاِسْتِهْلاَل وَنَحْوِهِ،

стр. 2261

وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ شَهَادَةِ الرَّجُل الْوَاحِدِ. فَأَجَازَهَا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الرَّجُل أَكْمَل مِنَ الْمَرْأَةِ، فَإِذَا اُكْتُفِيَ بِهَا وَحْدَهَا فَلأََنْ يُكْتَفَى بِهِ أَوْلَى، وَلأَِنَّ مَا قُبِل فِيهِ قَوْل الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ يُقْبَل فِيهِ قَوْل الرَّجُل الْوَاحِدِ كَالرِّوَايَةِ (١) . وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ فَيَمْنَعُونَهَا، لِمَا تَقَدَّمَ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ. تَسْمِيَةُ الْمُسْتَهِل: ١٦ - يُسَمَّى الْمَوْلُودُ إِنْ اسْتَهَل وَلَوْ مَاتَ عَقِبَ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ التَّسْمِيَةَ لاَزِمَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَنْدُوبَةٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " سَمُّوا أَسْقَاطَكُمْ فَإِنَّهُمْ أَسْلاَفُكُمْ (٢) رَوَاهُ ابْنُ السَّمَّاكِ بِإِسْنَادِهِ، قِيل: إِنَّهُمْ يُسَمَّوْنَ لِيُدْعَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ

стр. 2262

لِلسَّقْطِ ذُكُورَةٌ وَلاَ أُنُوثَةٌ سُمِّيَ بِاسْمٍ يَصْلُحُ لَهُمَا، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ فِي تَسْمِيَةِ الْمُسْتَهَل إِكْرَامًا لَهُ لأَِنَّهُ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ يَحْتَاجُ أَبُوهُ إلَى أَنْ يَذْكُرَ اسْمَهُ عِنْدَ الدَّعْوَى بِهِ. (١) أَمَّا الْقَوْل الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَنُسِبَ إِلَى مَالِكٍ فَهُوَ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَدُهُ قَبْل السَّابِعِ فَلاَ تَسْمِيَةَ عَلَيْهِ. (٢) غُسْل الْمُسْتَهِل إِذَا مَاتَ، وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ: ١٧ - مَوْتُ الْمُسْتَهِل إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْل الاِنْفِصَال أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ فِيهِ مَا يَلْزَمُ فِي الْكَبِيرِ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الطِّفْل إِذَا عُرِفَتْ حَيَاتُهُ وَاسْتَهَل يُصَلَّى عَلَيْهِ. أَمَّا بَعْدَ الاِنْفِصَال فَإِنْ كَانَ خَرَجَ مُعْظَمُهُ، فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَيَّدَهُ فِي شَرْحِ الدُّرِّ بِمَا إِذَا انْفَصَل تَامَّ الأَْعْضَاءِ. وَيُصَلَّى عَلَيْهِ أَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، إِنْ صَاحَ بَعْدَ الظُّهُورِ، وَكَذَلِكَ إِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْحَيَاةِ الأُْخْرَى غَيْرُ الصِّيَاحِ فِي الأَْظْهَرِ، وَلاَ أَثَرَ لِلاِسْتِهْلاَل وَعَدَمِهِ فِي غُسْل الْمَيِّتِ وَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِذْ يُوجِبُونَ غُسْل السَّقْطِ وَالصَّلاَةَ عَلَيْهِ إِذَا نَزَل لأَِرْبَعَةِ أَشْهُرٍ سَوَاءٌ اسْتَهَل أَمْ لاَ. وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ غُسْل الطِّفْل وَالصَّلاَةَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَسْتَهِل صَارِخًا بَعْدَ نُزُولِهِ. (٣)

стр. 2263

وَأَمَّا الدَّفْنُ فَإِنَّ الْجَنِينَ إِذَا بَلَغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَجِبُ دَفْنُهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْلُغْهَا يُسَنُّ سَتْرُهُ بِخِرْقَةٍ وَدَفْنُهُ. اسْتِهْلاَل الْمَوْلُودِ وَأَثَرُهُ فِي إِرْثِهِ: ١٨ - الْجَنِينُ إِذَا اسْتَهَل بَعْدَ تَمَّامِ انْفِصَالِهِ - عَلَى الاِخْتِلاَفِ السَّابِقِ فِي الْمُرَادِ بِالاِسْتِهْلاَل - فَإِنَّهُ يَرِثُ وَيُورَثُ بِالإِْجْمَاعِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا اسْتَهَل الْمَوْلُودُ وَرِثَ. (١) وَقَوْلِهِ: الطِّفْل لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلاَ يَرِثُ، وَلاَ يُورَثُ حَتَّى يَسْتَهِل (٢) وَكَذَا لَوْ خَرَجَ مَيِّتًا وَلَمْ يَسْتَهِل فَالاِتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُورَثُ وَلاَ يَرِثُ. وَأَمَّا لَوْ اسْتَهَل بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِهِ ثُمَّ مَاتَ قَبْل تَمَامِ انْفِصَالِهِ، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يَرِثُ وَلاَ يُورَثُ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَرِثُ وَيُورَثُ إِنْ اسْتَهَل بَعْدَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ، لأَِنَّ الأَْكْثَرَ لَهُ حُكْمُ الْكُل، فَكَأَنَّهُ خَرَجَ كُلُّهُ حَيًّا.

стр. 2264

وَقَال الْقَفَّال مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ حَيًّا وَرِثَ. (١) الْجِنَايَةُ عَلَى الْجَنِينِ إِذَا مَاتَ بَعْدَ اسْتِهْلاَلِهِ: ١٩ - الْجِنَايَةُ عَلَى الْمُسْتَهِل إِمَّا أَنْ تَكُونَ قَبْل الاِنْفِصَال أَوْ بَعْدَهُ، وَاَلَّتِي قَبْلَهُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ قَبْل ظُهُورِهِ أَوْ بَعْدَهُ. حُكْمُهَا قَبْل الظُّهُورِ: ٢٠ - إِنْ تَعَمَّدَ الْجَانِي ضَرْبَ الأُْمِّ فَخَرَجَ الْجَنِينُ مُسْتَهِلًّا، ثُمَّ مَاتَ بِسَبَبِ الاِعْتِدَاءِ عَلَى الأُْمِّ فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الأُْمُّ حَيَّةً أَمْ مَيِّتَةً. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ، غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا قَسَامَةَ أَوْلِيَائِهِ حَتَّى يَأْخُذُوا الدِّيَةَ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ أَنَّ فِي الْجَنِينِ يَسْقُطُ حَيًّا مِنَ الضَّرْبِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَكَذَلِكَ الْحَال إِنْ تَعَمَّدَ قَتْل الْجَنِينِ بِضَرْبِ أُمِّهِ عَلَى ظَهْرِهَا أَوْ بَطْنِهَا أَوْ رَأْسِهَا عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ، فَأَشْهَبُ قَال: لاَ قَوَدَ فِيهِ، بَل تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَال الْجَانِي بِقَسَامَةٍ، قَال ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَسَامَةٍ، قَال فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. (٢)

стр. 2265

حُكْمُهَا بَعْدَ الظُّهُورِ: ٢١ - إِنْ ظَهَرَ الْجَنِينُ ثُمَّ صَاحَ، ثُمَّ جَنَى جَانٍ عَلَيْهِ عَمْدًا فَالأَْصَحُّ أَنَّ فِيهِ الْقِصَاصَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (١) وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ ظَهَرَ أَغْلَبُهُ. وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: فَإِنْ كَانَ ذَبَحَهُ رَجُلٌ حَالِمًا يُخْرِجُ رَأْسَهُ فَعَلَيْهِ الْغُرَّةُ لأَِنَّهُ جَنِينٌ، وَإِنْ قَطَعَ أُذُنَهُ وَخَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ. (٢) وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الاِعْتِبَارُ بِالاِنْفِصَال التَّامِّ (٣) الْجِنَايَةُ بَعْدَ الاِنْفِصَال: ٢٢ - قَتْل الْمُسْتَهِل بَعْدَ الاِنْفِصَال كَقَتْل الْكَبِيرِ، فِيهِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ. وَكَذَلِكَ إِنْ انْفَصَل بِجِنَايَةٍ وَبِهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَقَتَلَهُ جَانٍ آخَرُ. أَمَّا إِنْ نَزَل فِي حَالَةٍ لاَ يُحْتَمَل أَنْ يَعِيشَ مَعَهَا، وَقَتَلَهُ شَخْصٌ آخَرُ فَإِنَّ الضَّامِنَ هُوَ الأَْوَّل، وَيُعَزَّرُ الثَّانِي. (٤) الاِخْتِلاَفُ فِي اسْتِهْلاَل الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ: ٢٣ - عِنْدَ التَّنَازُعِ فِي خُرُوجِهِ حَيًّا يُرَاعَى قَوْل الضَّارِبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَكِنْ مَعَ الْيَمِينِ، لأَِنَّ الأَْصْل نُزُول الْوَلَدِ غَيْرَ مُسْتَهِلٍّ، فَمُدَّعَى عَدَمَ الاِسْتِهْلاَل لاَ يَحْتَاجُ إِلَى

стр. 2266

إِثْبَاتِهِ، وَمُدَّعِيهِ يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِهِ. وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قَوْل الْوَلِيِّ. (١) اسْتِوَاء التَّعْرِيفُ: ١ - مِنْ مَعَانِي الاِسْتِوَاءِ فِي اللُّغَةِ: الْمُمَاثَلَةُ وَالاِعْتِدَال. (٢) وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ مُطْلَقًا بِمَعْنَى الْمُمَاثَلَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: إِذَا اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الدَّرَجَةِ وَالإِْدْلاَءِ اسْتَوَيَا فِي الْمِيرَاثِ. (٣) وَبِمَعْنَى الاِعْتِدَال كَقَوْلِهِمْ فِي الصَّلاَةِ: إِذَا رَفَعَ الْمُصَلِّي رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ اسْتَوَى قَائِمًا. (٤) وَاسْتَعْمَلُوهُ مُقَيَّدًا بِالْوَقْتِ فَقَالُوا: وَقْتُ الاِسْتِوَاءِ أَيِ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ قَاصِدِينَ وَقْتَ قِيَامِ الشَّمْسِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ، لأَِنَّهَا قَبْل ذَلِكَ مَائِلَةٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ (٥) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ، وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٢ - تُكْرَهُ صَلاَةُ النَّافِلَةِ وَقْتَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ

стр. 2267

قَال: ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيل الشَّمْسُ، وَحِينَ تُضِيفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ (١) وَلاَ يُكْرَهُ مَا لَهُ سَبَبٌ كَسُجُودِ التِّلاَوَةِ وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْحَنَابِلَةِ الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا. وَيَزِيدُ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ الْفَرْضِ، وَعَنْ سَجْدَةِ التِّلاَوَةِ، وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ يَرِدْ ذِكْرٌ لِمَنْعِ الصَّلاَةِ عِنْدَهُمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ (٢) فِي الْمَشْهُورِ كَمَا قَال ابْنُ جُزَيٍّ. وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ. اسْتِيَاك التَّعْرِيفُ: ١ - الاِسْتِيَاكُ لُغَةً: مَصْدَرُ اسْتَاكَ. وَاسْتَاكَ: نَظَّفَ فَمَه وَأَسْنَانَهُ بِالسِّوَاكِ، وَمِثْلُهُ تَسَوَّكَ. وَيُقَال: سَاكَ فَمَه بِالْعُودِ يَسُوكُهُ سَوْكًا إِذَا دَلَكَهُ بِهِ.

стр. 2268

وَلَفْظُ السِّوَاكِ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْفِعْل، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْعُودُ الَّذِي يُسْتَاكُ بِهِ، وَيُسَمَّى أَيْضًا الْمِسْوَاكُ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ. (٢) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: تَخْلِيل الأَْسْنَانِ: ٢ - هُوَ إِخْرَاجُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ فَضَلاَتٍ بِالْخِلاَل، وَهُوَ عُودٌ أَوْ نَحْوُهُ (٣) وَفِي الْحَدِيثِ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُتَخَلِّلِينَ مِنْ أُمَّتِي فِي الْوُضُوءِ وَالطَّعَامِ (٤) فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الاِسْتِيَاكِ: أَنَّ التَّخْلِيل خَاصٌّ بِإِخْرَاجِ مَا بَيْنَ الأَْسْنَانِ، أَمَّا السِّوَاكُ فَهُوَ لِتَنْظِيفِ الْفَمِ وَالأَْسْنَانِ بِنَوْعٍ مِنَ الدَّلْكِ. حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ السِّوَاكِ: ٣ - السِّوَاكُ سَبَبٌ لِتَطْهِيرِ الْفَمِ، مُوجِبٌ لِمَرْضَاةِ الرَّبِّ. لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. (٥)

стр. 2269

حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ: ٤ - يَعْتَرِي الاِسْتِيَاكَ أَحْكَامٌ ثَلاَثَةٌ: الأَْوَّل: النَّدْبُ، وَهُوَ الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، حَتَّى حَكَى النَّوَوِيُّ إِجْمَاعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِرَأْيِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَامَّةً عَلَى ذَلِكَ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأََمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُل صَلاَةٍ (١) قَال الشَّافِعِيُّ: لَوْ كَانَ وَاجِبًا لأََمَرَهُمْ بِهِ، شَقَّ أَوْ لَمْ يَشُقَّ، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ (٢) وَلِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِ حَتَّى فِي النَّزْعِ، (٣) وَتَسْمِيَتِهِ إيَّاهُ مِنْ خِصَال الْفِطْرَةِ. (٤) الثَّانِي: الْوُجُوبُ، وَبِهِ قَال إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، فَقَدْ رَأَى أَنَّ الأَْصْل فِي الاِسْتِيَاكِ الْوُجُوبُ لاَ النَّدْبُ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِظَاهِرِ الأَْمْرِ فِي الْحَدِيثِ أَمَرَ

стр. 2270

النَّبِيُّ ﷺ بِالْوُضُوءِ لِكُل صَلاَةٍ، طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَمَرَ بِالسِّوَاكِ لِكُل صَلاَةٍ. (١) الثَّالِثُ: الْكَرَاهَةُ، إِذَا اسْتَاكَ فِي الصِّيَامِ بَعْدَ الزَّوَال عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى لِلْحَنَابِلَةِ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَعَطَاءٍ، لِحَدِيثِ الْخُلُوفِ الآْتِي. (٢) وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى لِلْحَنَابِلَةِ أَنَّ حُكْمَهُ فِي حَال الصَّوْمِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ، أَخْذًا بِعُمُومِ أَدِلَّةِ السِّوَاكِ (٣) وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ بَعْضُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ - بَعْدَ نَظَرٍ فِي الأَْدِلَّةِ - أَنَّ السِّوَاكَ لاَ يُكْرَهُ بَعْدَ الزَّوَال، لأَِنَّ عُمْدَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالْكَرَاهَةِ حَدِيثُ الْخُلُوفِ وَلاَ حُجَّةَ فِيهِ، لأَِنَّ الْخُلُوفَ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ، وَالسِّوَاكُ لاَ يُزِيلُهُ، وَإِنَّمَا يُزِيل وَسَخَ الأَْسْنَانِ. قَالَهُ الأَْذْرُعِيُّ (٤) .

стр. 2271

الاِسْتِيَاكُ فِي الطَّهَارَةِ: الْوُضُوءُ: ٥ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْوُضُوءِ، وَاخْتَلَفُوا هَل هُوَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ أَمْ لاَ؟ عَلَى رَأْيَيْنِ: الأَْوَّل: قَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: (١) الاِسْتِيَاكُ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأََمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُل وُضُوءٍ وَفِي رِوَايَةٍ لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمُ السِّوَاكَ مَعَ كُل وُضُوءٍ (٢) . الثَّانِي: قَال الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الرَّأْيُ الأَْوْجَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: السِّوَاكُ سُنَّةٌ خَارِجَةٌ عَنِ الْوُضُوءِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ مِنْهُ. وَمَدَارُ الْحُكْمِ عِنْدَهُمْ عَلَى مَحَلِّهِ، فَمَنْ قَال إِنَّهُ قَبْل التَّسْمِيَةِ قَال، إِنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الْوُضُوءِ، وَمَنْ قَال بَعْدَ التَّسْمِيَةِ، قَال بِسُنِّيَّتِهِ لِلْوُضُوءِ. (٣) التَّيَمُّمُ وَالْغُسْل: ٦ - يُسْتَحَبُّ الاِسْتِيَاكُ عِنْدَ التَّيَمُّمِ وَالْغُسْل،

стр. 2272

وَيَكُونُ مَحَلُّهُ فِي التَّيَمُّمِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الضَّرْبِ، وَفِي الْغُسْل عِنْدَ الْبَدْءِ فِيهِ. (١) الاِسْتِيَاكُ لِلصَّلاَةِ: ٧ - فِي الاِسْتِيَاكِ لِلصَّلاَةِ ثَلاَثَةُ اتِّجَاهَاتٍ: الأَْوَّل، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: يَتَأَكَّدُ الاِسْتِيَاكُ عِنْدَ كُل صَلاَةٍ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا، وَإِنْ سَلَّمَ مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ وَقَرُبَ الْفَصْل، وَلَوْ نَسِيَهُ سُنَّ لَهُ قِيَاسًا تَدَارُكُهُ بِفِعْلٍ قَلِيلٍ، (٢) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأََمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُل صَلاَةٍ، أَوْ مَعَ كُل صَلاَةٍ. (٣) الثَّانِي: لاَ يُسَنُّ الاِسْتِيَاكُ لِلصَّلاَةِ، بَل لِلْوُضُوءِ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، فَلَوْ أَتَى بِهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ لاَ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ عِنْدَ الصَّلاَةِ، (٤) لِقَوْلِهِ ﷺ لأََمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُل وُضُوءٍ (٥) الثَّالِثُ: يُنْدَبُ الاِسْتِيَاكُ لِصَلاَةِ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ بَعُدَتْ مِنْ الاِسْتِيَاكِ لِلْعُرْفِ، فَلاَ يُنْدَبُ أَنْ يَسْتَاكَ لِكُل صَلاَةٍ مَا لَمْ يَبْعُدْ مَا بَيْنَهُمَا عَنْ الاِسْتِيَاكِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (٦)

стр. 2273

الاِسْتِيَاكُ لِلصَّائِمِ: ٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالاِسْتِيَاكِ لِلصَّائِمِ أَوَّل النَّهَارِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الاِسْتِيَاكِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَال عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (١) السِّوَاكُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ: ٩ - يَنْبَغِي لِقَارِئِ الْقُرْآنِ إِذَا أَرَادَ الْقِرَاءَةَ أَنْ يُنَظِّفَ فَمَهُ بِالسِّوَاكِ. (٢) وَيُسْتَحَبُّ كَذَلِكَ عِنْدَ قِرَاءَةِ حَدِيثٍ أَوْ عِلْمٍ. كَمَا يُسْتَحَبُّ الاِسْتِيَاكُ عِنْدَ سَجْدَةِ التِّلاَوَةِ، وَمَحَلُّهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْقِرَاءَةِ لآِيَةِ السَّجْدَةِ وَقَبْل الْهُوِيِّ لِلسُّجُودِ. (٣) وَهَذَا إِذَا كَانَ خَارِجَ الصَّلاَةِ، أَمَّا إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ فَلاَ، لاِنْسِحَابِ سِوَاكِ الصَّلاَةِ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ. وَيُسْتَحَبُّ إِزَالَةُ الأَْوْسَاخِ وَقَلَحِ الْفَمِ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَحْضُرُ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، وَتَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ، وَلِذَلِكَ اسْتَحَبَّ الْفُقَهَاءُ اسْتِيَاكَ الْمُحْتَضَرِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ يُسَهِّل خُرُوجَ الرُّوحِ، لِنَفْسِ الْعِلَّةِ. وَيُسْتَحَبُّ كَذَلِكَ الاِسْتِيَاكُ عِنْدَ قِيَامِ اللَّيْل، لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. (٤)

стр. 2274

وَلِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ مِنَ الأَْحَادِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ. (١) مَوَاضِعُ أُخْرَى لاِسْتِحْبَابِ الاِسْتِيَاكِ: ١٠ - يُسْتَحَبُّ الاِسْتِيَاكُ لإِِذْهَابِ رَائِحَةِ الْفَمِ وَتَرْطِيبِهِ، وَإِزَالَةِ صُفْرَةِ الأَْسْنَانِ قَبْل الاِجْتِمَاعِ بِالنَّاسِ لِمَنْعِ التَّأَذِّي، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ هَيْئَةِ الْمُسْلِمِ، وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ فِي مَوَاطِنَ أُخْرَى، مِثْل دُخُول الْمَسْجِدِ، لأَِنَّ هَذَا مِنْ تَمَامِ الزِّينَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا عِنْدَ كُل مَسْجِدٍ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ حُضُورِ الْمَلاَئِكَةِ وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ دُخُول الْمَنْزِل لِلاِلْتِقَاءِ بِالأَْهْل وَالاِجْتِمَاعِ بِهِمْ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ حِينَمَا سُئِلَتْ بِأَيِّ شَيْءٍ يَبْدَأُ الرَّسُول ﷺ : إِذَا دَخَل بَيْتَهُ قَالَتْ: كَانَ إِذَا دَخَل بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ. (٢) وَيُسْتَحَبُّ كَذَلِكَ عِنْدَ النَّوْمِ، وَالْجِمَاعِ، وَأَكْل مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، وَتَغَيُّرِ الْفَمِ بِعَطَشٍ أَوْ جُوعٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ قِيَامٍ مِنْ نَوْمٍ، أَوِ اصْفِرَارِ سِنٍّ، وَكَذَلِكَ لإِِرَادَةِ أَكْلٍ أَوْ فَرَاغٍ مِنْهُ. عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ مُسْتَحَبٌّ فِي جَمِيعِ الأَْوْقَاتِ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، لأَِنَّهُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ. (٣)

стр. 2275

مَا يُسْتَاكُ بِهِ: ١١ - يُسْتَاكُ بِكُل عُودٍ لاَ يَضُرُّ، وَقَدْ قَسَّمَهُ الْفُقَهَاءُ بِحَسَبِ أَفْضَلِيَّتِهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الأَْوَّل: اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَهُ جَمِيعًا: الأَْرَاكُ، لِمَا فِيهِ مِنْ طِيبٍ وَرِيحٍ وَتَشْعِيرٍ يُخْرِجُ وَيُنَقِّي مَا بَيْنَ الأَْسْنَانِ. وَلِحَدِيثِ أَبِي خَيْرَةَ الصَّبَاحِيِّ ﵁ قَال: كُنْتُ فِي الْوَفْدِ، يَعْنِي وَفْدَ عَبْدِ الْقِيسِ الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ لَنَا بِأَرَاكٍ فَقَال: اسْتَاكُوا بِهَذَا وَلأَِنَّهُ آخِرُ سِوَاكٍ اسْتَاكَ بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلِلاِتِّبَاعِ سَوَاءٌ كَانَ الْعُودُ طَيِّبًا أَمْ لاَ. كَمَا اقْتَضَاهُ كَلاَمُ الشَّيْخَيْنِ النَّوَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ (١) . الثَّانِي: قَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، يَأْتِي بَعْدَ الأَْرَاكِ فِي الأَْفْضَلِيَّةِ: جَرِيدُ النَّخْل، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ آخِرُ سِوَاكٍ اسْتَاكَ بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقِيل وَقَعَ الاِسْتِيَاكُ آخِرًا بِالنَّوْعَيْنِ، فَكُلٌّ مِنَ الصَّحَابِيَّيْنِ رَوَى مَا رَأَى. وَلَمْ يَتَكَلَّمِ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى النَّخْل. (٢) الثَّالِثُ: الزَّيْتُونُ. وَقَدِ اسْتَحَبَّهُ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، لِحَدِيثِ نِعْمَ السِّوَاكُ الزَّيْتُونُ مِنْ شَجَرَةٍ

стр. 2276

مُبَارَكَةٍ، تُطَيِّبُ الْفَمَ وَتُذْهِبُ الْحَفْرَ (١) وَهُوَ سِوَاكِي وَسِوَاكُ الأَْنْبِيَاءِ قَبْلِي. (٢) الرَّابِعُ: ثُمَّ بِمَا لَهُ رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ وَلاَ يَضُرُّ. (٣) قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: يُسْتَاكُ بِقُضْبَانِ الأَْشْجَارِ النَّاعِمَةِ الَّتِي لاَ تَضُرُّ، وَلَهَا رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ تُزِيل الْقَلَحَ كَالْقَتَادَةِ وَالسَّعْدِ. (٤) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ بِكُل ذِي رَائِحَةٍ ذَكِيَّةٍ، وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِالضَّرَرِ. وَمَثَّلُوا لَهُ بِالرَّيْحَانِ وَالرُّمَّانِ. (٥) مَا يُحْظَرُ الاِسْتِيَاكُ بِهِ أَوْ يُكْرَهُ: ١٢ - يُكْرَهُ الاِسْتِيَاكُ بِكُل عُودٍ يُدْمِي مِثْل الطَّرْفَاءِ وَالآْسِ، أَوْ يُحْدِثُ ضَرَرًا أَوْ مَرَضًا مِثْل الرَّيْحَانِ وَالرُّمَّانِ، لِمَا رَوَى الْحَارِثُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ضُمَيْرِ بْنِ حَبِيبٍ قَال نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ السِّوَاكِ بِعُودِ الرَّيْحَانِ وَقَال: إِنَّهُ يُحَرِّكُ عِرْقَ الْجُذَامِ (٦)

стр. 2277

وَيَعْرِفُ ذَلِكَ أَهْل الطِّبِّ، نَصُّوا عَلَى ذَلِكَ فَقَالُوا: يُكْرَهُ كُل مَا يَقُول الأَْطِبَّاءُ إِنَّ فِيهِ فَسَادًا. (١) وَيَحْرُمُ الاِسْتِيَاكُ بِالأَْعْوَادِ السَّامَّةِ لإِِهْلاَكِهَا أَوْ شِدَّةِ ضَرَرِهَا. وَهَذَا لاَ يُعْلَمُ فِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَفِي حُصُول السُّنَّةِ بِالاِسْتِيَاكِ بِالْمَحْظُورِ قَوْلاَنِ لِلشَّافِعِيَّةِ: الأَْوَّل: إِنَّهُ مُحَصِّلٌ لِلسُّنَّةِ، لأَِنَّ الْكَرَاهَةَ وَالْحُرْمَةَ لأَِمْرٍ خَارِجٍ، وَحَمَلُوا الطَّهَارَةَ عَلَى الطَّهَارَةِ اللُّغَوِيَّةِ (أَيِ النَّظَافَةِ) . الثَّانِي، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ: لاَ تَحْصُل بِهِ السُّنَّةُ، لِقَوْلِهِ ﷺ : السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ. وَهَذَا مُنَجِّسٌ بِجَرْحِهِ اللِّثَةَ وَخُرُوجِ الدَّمِ، لِخُشُونَتِهِ. (٢) صِفَاتُ السِّوَاكِ: ١٣ - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الاِسْتِيَاكُ بِعُودٍ مُتَوَسِّطٍ فِي غِلَظِ الْخِنْصَرِ، خَالٍ مِنَ الْعُقَدِ، لاَ رَطْبًا يَلْتَوِي، لأَِنَّهُ لاَ يُزِيل الْقَلَحَ (وَسَخَ الأَْسْنَانِ) وَلاَ يَابِسًا يَجْرَحُ اللِّثَةَ، وَلاَ يَتَفَتَّتُ فِي الْفَمِ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ لَيِّنًا، لاَ غَايَةَ فِي النُّعُومَةِ، وَلاَ فِي الْخُشُونَةِ. (٣) السِّوَاكُ بِغَيْرِ عُودٍ: ١٤ - أَجَازَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الاِسْتِيَاكَ بِغَيْرِ عُودٍ، مِثْل

стр. 2278

الْغَاسُول وَالأُْصْبُعِ، وَاعْتَبَرُوهُ مُحَصِّلاً لِلسُّنَّةِ، وَنَفَاهُ آخَرُونَ وَلَمْ يَعْتَبِرُوهُ. وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْغَاسُول (الأُْشْنَانِ) عَلَى رَأْيَيْنِ: فَالْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ: أَجَازُوا اسْتِعْمَال الْغَاسُول فِي الاِسْتِيَاكِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ مُحَصِّلٌ لِلْمَقْصُودِ وَمُزِيلٌ لِلْقَلَحِ، وَيَتَأَدَّى بِهِ أَصْل السُّنَّةِ، وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ الْعِلْكَ لِلْمَرْأَةِ بَدَل السِّوَاكِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: لَوِ اسْتَعْمَل الْغَاسُول عِوَضًا عَنِ الْعِيدَانِ لَمْ يَأْتِ بِالسُّنَّةِ. (١) أَمَّا الاِسْتِيَاكُ بِالأُْصْبُعِ فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: الأَْوَّل: تُجْزِئُ الأُْصْبُعُ فِي الاِسْتِيَاكِ مُطْلَقًا، فِي رَأْيٍ لِكُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَدْخَل بَعْضَ أَصَابِعِهِ فِي فِيهِ. . . وَقَال: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ (٢) . الثَّانِي: تُجْزِئُ الأُْصْبُعُ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رَأْيٌ آخَرُ لِكُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ

стр. 2279

وَالشَّافِعِيَّةِ، لِمَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّكَ رَغَّبْتَنَا فِي السِّوَاكِ، فَهَل دُونَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ قَال: أُصْبُعَيْكَ سِوَاكٌ عِنْدَ وُضُوئِكَ، أَمِرَّهُمَا عَلَى أَسْنَانِكَ. (١) الثَّالِثُ: لاَ تُجْزِئُ الأُْصْبُعُ فِي الاِسْتِيَاكِ. وَهُوَ رَأْيٌ ثَالِثٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالرَّأْيُ الآْخَرُ لِلْحَنَابِلَةِ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ وَلاَ يَحْصُل الإِْنْقَاءُ بِهِ حُصُولَهُ بِالْعُودِ. (٢) كَيْفِيَّةُ الاِسْتِيَاكِ: ١٥ - يُنْدَبُ إِمْسَاكُ السِّوَاكِ بِالْيُمْنَى، لأَِنَّهُ الْمَنْقُول عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا اتُّفِقَ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ وَفِي رِوَايَةٍ وَسِوَاكِهِ، ثُمَّ يُجْعَل الْخِنْصَرُ أَسْفَل السِّوَاكِ وَالأَْصَابِعُ فَوْقَهُ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ

стр. 2280

رَسُول اللَّهِ ﷺ . وَيُبْدَأُ مِنَ الْجَانِبِ الأَْيْمَنِ وَيَمُرُّ بِهِ عَرْضًا أَيْ عَرْضَ الأَْسْنَانِ، لأَِنَّ اسْتِعْمَالَهُ طُولاً قَدْ يَجْرَحُ اللِّثَةَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: اسْتَاكُوا عَرْضًا وَادَّهِنُوا غِبًّا أَيْ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ وَاكْتَحِلُوا وِتْرًا. (١) ثُمَّ يَمُرُّ بِهِ عَلَى أَطْرَافِ الأَْسْنَانِ الْعُلْيَا وَالسُّفْلَى ظَهْرًا وَبَطْنًا، ثُمَّ عَلَى كَرَاسِيِّ الأَْضْرَاسِ، ثُمَّ عَلَى اللِّثَةِ وَاللِّسَانِ وَسَقْفِ الْحَلْقِ بِلُطْفٍ. وَمَنْ لاَ أَسْنَانَ لَهُ يَسْتَاكُ عَلَى اللِّثَةِ وَاللِّسَانِ وَسَقْفِ الْحَلْقِ، لأَِنَّ السِّوَاكَ وَإِنْ كَانَ مَعْقُول الْمَعْنَى إِلاَّ أَنَّهُ مَا عَرَى عَنْ مَعْنَى التَّعَبُّدِ، وَلِيَحْصُل لَهُ ثَوَابُ السُّنَّةِ. وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ لاَ يُعْلَمُ فِيهَا خِلاَفٌ. (٢) آدَابُ السِّوَاكِ: ١٦ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ آدَابًا لِلْمُسْتَاكِ يُسْتَحَبُّ اتِّبَاعُهَا، مِنْهَا: أ - يُسْتَحَبُّ أَلاَّ يَسْتَاكَ بِحَضْرَةِ الْجَمَاعَةِ، لأَِنَّهُ يُنَافِي الْمُرُوءَةَ، وَيَتَجَنَّبُ الاِسْتِيَاكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَفِي الْمَجَالِسِ الْحَافِلَةِ خِلاَفًا لاِبْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ (٣) .
следующие страницы →