← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

الأَْوَّل: أَنَّهَا لَغْوٌ فِي الْجُمْلَةِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ فِي مَسَائِل مَعْدُودَةٍ نَصَّ عَلَيْهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَقَامُوا فِيهَا الإِْشَارَةَ مَقَامَ النُّطْقِ. وَإِنَّمَا قَالُوا بِإِلْغَائِهَا، لأَِنَّهَا مَهْمَا قَوِيَتْ دَلاَلَتُهَا فَإِنَّهَا لاَ تُفِيدُ الْيَقِينَ الَّذِي تُفِيدُهُ الْعِبَارَةُ، وَمِنَ الْمَسَائِل الَّتِي اسْتَثْنَوْهَا: أ - إِشَارَةُ الْمُفْتِي بِالْجَوَابِ. ب - أَمَانُ الْكُفَّارِ، يَنْعَقِدُ بِالإِْشَارَةِ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ، فَلَوْ أَشَارَ الْمُسْلِمُ إِلَى الْكَافِرِ بِالأَْمَانِ، فَانْحَازَ إِلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَحِل قَتْلُهُ. ج - إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ فِي الصَّلاَةِ فَرَدَّ بِالإِْشَارَةِ لَمْ تَفْسُدْ صَلاَتُهُ. د - الإِْشَارَةُ بِالْعَدَدِ فِي الطَّلاَقِ. هـ - لَوْ أَشَارَ الْمُحْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ فَصِيدَ، حَرُمَ عَلَيْهِ الأَْكْل مِنْهُ. وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ الإِْشَارَةُ بِالإِْقْرَارِ بِالنَّسَبِ لِتَشَوُّفِ الشَّرْعِ إِلَى إِثْبَاتِهِ، وَبِالإِْسْلاَمِ وَالْكُفْرِ. الثَّانِي: أَنَّ إِشَارَةَ النَّاطِقِ مُعْتَبَرَةٌ كَنُطْقِهِ، مَا دَامَتْ مَفْهُومَةً بَيْنَ النَّاسِ وَمُتَعَارَفًا بَيْنَهُمْ عَلَى مَدْلُولِهَا. وَقَالُوا: إِنَّ التَّعَاقُدَ بِالإِْشَارَةِ أَوْلَى مِنَ التَّعَاقُدِ بِالأَْفْعَال (التَّعَاطِي) ، لأَِنَّ الإِْشَارَةَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا كَلاَمٌ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَال آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا﴾ (١) وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ إِلاَّ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ خَاصَّةً، دُونَ تَعْيِينِ الْمَنْكُوحَةِ أَوِ النَّاكِحِ (٢) .

стр. 2557

تَعَارُضُ عِبَارَةِ النَّصِّ مَعَ إِشَارَتِهِ: ١٣ - سَبَقَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِعِبَارَةِ النَّصِّ وَبِإِشَارَتِهِ (ر: ف ١) ، فَإِذَا تَعَارَضَتْ عِبَارَةُ نَصٍّ وَإِشَارَةِ آخَرَ يُرَجَّحُ مَفْهُومُ الْعِبَارَةِ فِي الْجُمْلَةِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. رَدُّ السَّلاَمِ فِي الصَّلاَةِ: ١٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ رَدِّ السَّلاَمِ فِي الصَّلاَةِ، فَرَخَّصَتْ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي الرَّدِّ بِالْقَوْل كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ رَدَّهُ حَتَّى يَسْمَعَ (١) . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَرُدُّ بَعْدَ الاِنْصِرَافِ مِنَ الصَّلاَةِ (٢) . وَاتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ رَدَّ السَّلاَمِ بِالْقَوْل. فِي الصَّلاَةِ مُبْطِلٌ لَهَا (٣) . عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي بَعْضِ التَّفْصِيل. فَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الرَّدَّ بِالإِْشَارَةِ وَاجِبٌ (٤) . وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الرَّدُّ بِالإِْشَارَةِ (٥) . وَذَهَبَ الأَْحْنَافُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ رَدُّهُ بِالإِْشَارَةِ بِالْيَدِ، وَلاَ تَفْسُدُ بِهِ الصَّلاَةُ، جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: رَدُّ السَّلاَمِ بِيَدِهِ لاَ يُفْسِدُهَا، خِلاَفًا لِمَنْ

стр. 2558

عَزَا إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُفْسِدٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ نَقْلُهُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْل الْمَذْهَبِ (١) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُرَدُّ بِالإِْشَارَةِ (٢) . وَقَدِ اسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالرَّدِّ بَعْدَ الاِنْصِرَافِ مِنَ الصَّلاَةِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَال: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وَقَال: إِنَّ فِي الصَّلاَةِ شُغْلاً. (٣) وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالرَّدِّ بِالإِْشَارَةِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ قَال: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَسِيرُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي فَقَال: إِنَّكَ سَلَّمْتَ عَلَيَّ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. (٤) وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنْ صُهَيْبٍ أَنَّهُ قَال: مَرَرْتُ بِرَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ إِلَيَّ إِشَارَةً (٥) .

стр. 2559

الإِْشَارَةُ فِي التَّشَهُّدِ: ١٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي فِي التَّشَهُّدِ الإِْشَارَةُ بِسَبَّابَتِهِ، وَتُسَمَّى فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ " الْمُسَبِّحَةَ " وَهِيَ الَّتِي تَلِي الإِْبْهَامَ، وَيَرْفَعُهَا عِنْدَ التَّوْحِيدِ وَلاَ يُحَرِّكُهَا (١) ، لِحَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إِذَا دَعَا، وَلاَ يُحَرِّكُهَا (٢) وَقِيل يُحَرِّكُهَا، لِحَدِيثِ وَائِل بْنِ حُجْرٍ أَنَّهُ ﷺ : رَفَعَ أُصْبُعَهُ فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا (٣) وَتَفْصِيل كَيْفِيَّةِ الإِْشَارَةِ مِنْ حَيْثُ عَقْدُ الأَْصَابِعِ أَوْ بَسْطُهَا، وَالتَّحْرِيكُ وَعَدَمُهُ يَأْتِي فِي (الصَّلاَةِ) . إِشَارَةُ الْمُحْرِمِ إِلَى الصَّيْدِ: ١٦ - إِذَا أَشَارَ الْمُحْرِمُ إِلَى صَيْدٍ، أَوْ دَل حَلاَلاً عَلَيْهِ فَصَادَهُ حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ أَكْلُهُ (٤) . وَهَذَا الْقَدْرُ لاَ

стр. 2560

يُعْلَمُ فِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فِي قِصَّةِ اصْطِيَادِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، قَال: فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِل عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لاَ قَال: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا (١) . وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ إِعَانَةٌ عَلَى قَتْلِهِ بِشَيْءٍ حَل لَهُ الأَْكْل مِنْهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ (٢) . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُشِيرِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، لأَِنَّ الإِْشَارَةَ إِلَى الصَّيْدِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ بِدَلِيل تَحْرِيمِ الأَْكْل مِنْهُ، فَتَكُونُ جِنَايَةً عَلَى الصَّيْدِ بِتَفْوِيتِ الأَْمْنِ عَلَى وَجْهٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ، فَصَارَتْ كَالْقَتْل (٣) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لاَ جَزَاءَ عَلَى الْمُشِيرِ، لأَِنَّ النَّصَّ عَلَّقَ الْجَزَاءَ بِالْقَتْل. وَلَيْسَتِ الإِْشَارَةُ قَتْلاً (٤) . الإِْشَارَةُ إِلَى الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ: ١٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا عِنْدَ الطَّوَافِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: مَا تَرَكْتُ اسْتِلاَمَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ فِي شِدَّةٍ وَلاَ رَخَاءٍ مُنْذُ رَأَيْتُ

стр. 2561

النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا (١) . كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الإِْشَارَةِ إِلَى الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الاِسْتِلاَمِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ (٢) . وَاخْتَلَفُوا فِي الإِْشَارَةِ إِلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ عِنْدَ تَعَذُّرِ الاِسْتِلاَمِ. فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشِيرُ إِلَيْهِ إِنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِلاَمِهِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ قِيَاسًا عَلَى الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ (٣) . التَّسْلِيمُ بِالإِْشَارَةِ: ١٨ - لاَ تَحْصُل سُنَّةُ ابْتِدَاءِ السَّلاَمِ بِالإِْشَارَةِ بِالْيَدِ أَوِ الرَّأْسِ لِلنَّاطِقِ، وَلاَ يَسْقُطُ فَرْضُ الرَّدِّ عَنْهُ بِهَا. لأَِنَّ السَّلاَمَ مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي جَعَل لَهَا الشَّارِعُ صِيَغًا مَخْصُوصَةً، لاَ يَقُومُ مَقَامَهَا غَيْرُهَا، إِلاَّ عِنْدَ تَعَذُّرِ صِيغَتِهَا الشَّرْعِيَّةِ. وَتَكَادُ تَتَّفِقُ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْقَوْل: بِأَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الإِْسْمَاعِ، وَلاَ يَكُونُ الإِْسْمَاعُ إِلاَّ بِقَوْلٍ (٤) .

стр. 2562

وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: لاَ تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ، فَإِنَّ تَسْلِيمَهُمْ بِالأَْكُفِّ وَالرُّءُوسِ وَالإِْشَارَةِ (١) . وَرَوَى عَلْقَمَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَال: " كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّسْلِيمَ بِالْيَدِ (٢) ". يَعْنِي الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. أَمَّا الأَْصَمُّ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ، وَغَيْرُ الْمَقْدُورِ عَلَى إِسْمَاعِهِ كَالْبَعِيدِ، فَالإِْشَارَةُ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّهِ، وَقَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إِذَا سَلَّمَ عَلَى أَصَمَّ لاَ يَسْمَعُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَلَفَّظَ بِالسَّلاَمِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَيُشِيرُ بِالْيَدِ (٣) . وَيَسْقُطُ فَرْضُ الرَّدِّ مِنَ الأَْخْرَسِ بِالإِْشَارَةِ، لأَِنَّهُ مَقْدُورُهُ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ بِالإِْشَارَةِ وَالتَّلَفُّظِ مَعًا (٤) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (سَلاَم) . الإِْشَارَةُ فِي أَصْل الْيَمِينِ: ١٩ - لاَ تَنْعَقِدُ يَمِينُ النَّاطِقِ بِالإِْشَارَةِ، لأَِنَّهَا لاَ تَنْعَقِدُ إِلاَّ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ. أَمَّا الأَْخْرَسُ فَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ يَمِينَهُ لاَ تَنْعَقِدُ (٥) . وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ لَهُ إِشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ حَلَفَ، وَتَصِحُّ يَمِينُهُ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُفْهِمَةٍ، وَوَجَبَتْ

стр. 2563

عَلَيْهِ يَمِينُهُ، وَقَفَ حَتَّى تُفْهَمَ إِشَارَتُهُ (١) . وَنَسَبَ الزَّرْكَشِيُّ هَذَا لِلإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَيْمَانٌ) . إِشَارَةُ الْقَاضِي إِلَى أَحَدِ الْخُصُومِ: ٢٠ - لاَ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَعْمَل أَعْمَالاً تُسَبِّبُ التُّهْمَةَ وَسُوءَ الظَّنِّ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، مِمَّا يُوهِمُ أَنَّهُ يُفَضِّلُهُ عَلَى خَصْمِهِ، كَالإِْشَارَةِ لأَِحَدِ الْخَصْمَيْنِ بِالْيَدِ، أَوْ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالرَّأْسِ، لأَِنَّ ذَلِكَ يُسَبِّبُ انْكِسَارًا لِقَلْبِ الْخَصْمِ الآْخَرِ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ الدَّعْوَى وَالْيَأْسِ مِنَ الْعَدَالَةِ، مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَيَاعُ حَقِّهِ. وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٢) . وَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ قُضَاةِ الْبَصْرَةِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلْيَعْدِل بَيْنَهُمْ فِي لَحْظِهِ وَإِشَارَتِهِ وَمَقْعَدِهِ، وَلاَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ مَا لاَ يَرْفَعُ عَلَى الآْخَرِ وَفِي رِوَايَةٍ: فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ فِي النَّظَرِ وَالإِْشَارَةِ وَالْمَجْلِسِ (٣) .

стр. 2564

إِشَارَةُ الْمُحْتَضَرِ إِلَى الْجَانِي عَلَيْهِ: ٢١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ قَوْل الْمُحْتَضَرِ: قَتَلَنِي فُلاَنٌ، وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ لَوْثًا، لأَِنَّهُ لاَ يُقْبَل دَعْوَاهُ عَلَى الْغَيْرِ بِالْمَال، فَلاَ يُقْبَل ادِّعَاؤُهُ عَلَيْهِ بِالدَّمِ، وَلأَِنَّهُ مُدَّعٍ فَلاَ يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ (١) . لِحَدِيثِ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ (٢) فَإِذَا لَمْ تُعْتَبَرْ أَقْوَالُهُ فَلاَ تُقْبَل إِشَارَتُهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى. وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَال الْمُحْتَضَرُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ الْعَاقِل: قَتَلَنِي فُلاَنٌ عَمْدًا، ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَوْثًا، فَيَثْبُتُ الْقِصَاصُ بَعْدَ حَلِفِ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ يَمِينَ الْقَسَامَةِ. أَمَّا إِذَا قَال: قَتَلَنِي خَطَأً، فَفِي ذَلِكَ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ، لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ إِغْنَاءَ وَرَثَتِهِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ قَوْلَهُ يُقْبَل، وَتَكُونُ مَعَهُ الْقَسَامَةُ، وَلاَ يُتَّهَمُ، لأَِنَّهُ فِي حَالٍ يُصَدَّقُ فِيهِ الْكَاذِبُ، وَيَتُوبُ فِيهِ الْفَاجِرُ، فَمَنْ تَحَقَّقَ مَصِيرُهُ إِلَى الآْخِرَةِ وَأَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ فَلاَ يُتَّهَمُ فِي إِرَاقَةِ دَمِ مُسْلِمٍ ظُلْمًا، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ فِي هَذَا يَنْزِل مَنْزِلَةَ غَلَبَةِ الظَّنِّ فِي صِدْقِ الشَّاهِدِ، وَالْغَالِبُ مِنْ أَحْوَال النَّاسِ عِنْدَ الْمَوْتِ التَّوْبَةُ وَالاِسْتِغْفَارُ وَالنَّدَمُ عَلَى التَّفْرِيطِ. وَتَزَوُّدُهُ مِنْ

стр. 2565

دُنْيَاهُ قَتْل نَفْسٍ خِلاَفُ الظَّاهِرِ وَغَيْرُ الْمُعْتَادِ (١) . إِشَارَةُ الْمُحْتَضَرِ إِلَى تَصَرُّفَاتٍ مَالِيَّةٍ: ٢٢ - إِذَا كَانَ الْمُحْتَضَرُ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ فَلاَ تُقْبَل إِشَارَتُهُ، أَمَّا إِذَا كَانَ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى النُّطْقِ فَإِشَارَتُهُ تَقُومُ مَقَامَ عِبَارَتِهِ. وَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَقَل اللِّسَانِ لَمْ تُعْتَبَرُ إِشَارَتُهُ إِلاَّ فِي أَرْبَعٍ: الْكُفْرِ، وَالإِْسْلاَمِ، وَالنَّسَبِ، وَالإِْفْتَاءِ (٢) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الإِْشَارَةَ الْمُفْهِمَةَ كَالنُّطْقِ مُطْلَقًا (٣) . وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ إِشَارَةَ الْمُحْتَضَرِ إِلَى تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ كَعِبَارَتِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ أَمْ لاَ. إِشَاعَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْشَاعَةُ مَصْدَرُ أَشَاعَ، وَأَشَاعَ ذَكَرَ الشَّيْءَ: أَطَارَهُ وَأَظْهَرَهُ، وَشَاعَ الْخَبَرُ فِي النَّاسِ شُيُوعًا أَيِ انْتَشَرَ وَذَاعَ وَظَهَرَ (٤) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

стр. 2566

وَقَدْ تُطْلَقُ الإِْشَاعَةُ عَلَى الأَْخْبَارِ الَّتِي لاَ يُعْلَمُ مَنْ أَذَاعَهَا (١) . وَكَثِيرًا مَا يُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِأَلْفَاظٍ أُخْرَى غَيْرِ الإِْشَاعَةِ كَالاِشْتِهَارِ، وَالإِْفْشَاءِ، وَالاِسْتِفَاضَةِ (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - قَدْ تَكُونُ الإِْشَاعَةُ حَرَامًا، إِذَا كَانَتْ إِظْهَارًا لِمَا يَمَسُّ أَعْرَاضَ النَّاسِ كَإِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ﴾ (٣) . هَذَا هُوَ الْحُكْمُ الأُْخْرَوِيُّ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الإِْشَاعَةِ الْكَاذِبَةِ فَهُوَ حَدُّ الْقَذْفِ إِنْ تَوَفَّرَتْ شُرُوطُهُ، وَإِلاَّ فَالتَّعْزِيرُ. ر: (قَذْف، تَعْزِير) . أَمَّا الْمُشَاعُ عَنْهُ فَلاَ عُقُوبَةَ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الإِْشَاعَةِ، قَال الْقَلْيُوبِيُّ: لاَ يُكْتَفَى بِالإِْشَاعَةِ - أَيْ شُيُوعِ الزِّنَى - فِي جَوَازِ الْقَذْفِ، لأَِنَّ السَّتْرَ مَطْلُوبٌ (٤) . وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَجْلِسُ الشَّيْطَانُ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ، فَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ فَيَتَحَدَّثُونَ بِهَا، وَيَقُولُونَ: لاَ نَدْرِي مَنْ قَالَهَا (٥) .

стр. 2567

فَمِثْل هَذَا لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُسْمَعَ فَضْلاً عَنْ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ حُكْمٌ. عَلَى أَنَّ مِنْ وَاجِبِ أُولِي الأَْمْرِ قَطْعَ دَابِرِ الْفَسَادِ بِالطُّرُقِ الْمُنَاسِبَةِ. ٣ - وَقَدْ تَكُونُ الإِْشَاعَةُ طَرِيقًا لِثُبُوتِ بَعْضِ الأَْحْكَامِ، وَمِنْ ذَلِكَ: أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ، فَإِنَّهَا يُكْتَفَى لِطَلَبِهَا بِالإِْشَاعَةِ، فَالإِْشَاعَةُ هُنَا تُعْتَبَرُ لَوْثًا (١) . وَمِنْ ذَلِكَ: سُقُوطُ الْحَدِّ عَنِ الزَّوْجَيْنِ إِنْ دَخَلاَ بِلاَ شُهُودٍ وَثَبَتَ الْوَطْءُ. إِنْ فَشَا النِّكَاحُ، أَيْ شَاعَ وَاشْتُهِرَ (٢) . ٤ - وَإِذَا كَانَ إِظْهَارُ الشَّيْءِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنْعُ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ، فَإِنَّ إِشَاعَتَهُ تَكُونُ مَطْلُوبَةً، وَذَلِكَ كَإِشَاعَةِ الرَّضَاعَةِ مِمَّنْ تُرْضِعُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْوَاجِبُ عَلَى النِّسَاءِ أَلاَّ يَرْضِعْنَ كُل صَبِيٍّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَإِذَا أَرْضَعْنَ فَلِيَحْفَظْنَ ذَلِكَ، وَلْيَشْهَرْنَهُ وَيَكْتُبْنَهُ احْتِيَاطًا (٣) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٥ - تُنْظَرُ مَوَاطِنُ الإِْشَاعَةِ فِي أَبْوَابِ الرَّضَاعِ، وَالنِّكَاحِ، وَالشَّهَادَةِ وَالْقَسَامَةِ، وَالصِّيَامِ (فِي رُؤْيَةِ الْهِلاَل) وَالْقَذْفِ، وَأَصْل الْوَقْفِ، وَثُبُوتِ النَّسَبِ.

стр. 2568

أَشْبَاه التَّعْرِيفُ اللُّغَوِيُّ: ١ - الأَْشْبَاهُ جَمْعٌ مُفْرَدُهُ شَبَهٌ، وَالشَّبَهُ وَالشِّبْهُ: الْمِثْل، وَالْجَمْعُ أَشْبَاهٌ، وَأَشْبَهَ الشَّيْءَ مَاثَلَهُ، وَبَيْنَهُمْ أَشْبَاهٌ أَيْ أَشْيَاءُ يَتَشَابَهُونَ بِهَا (١) . التَّعْرِيفُ الاِصْطِلاَحِيُّ: أ - عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: ٢ - لاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلَفْظِ الأَْشْبَاهِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. ب - عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: ٣ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي تَعْرِيفِ الشَّبَهِ، حَتَّى قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ: لاَ يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ، وَقَال غَيْرُهُ: يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ. فَقِيل: هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ بِوَصْفٍ يُوهِمُ اشْتِمَالَهُ عَلَى الْحِكْمَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِحُكْمٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، كَقَوْل الشَّافِعِيِّ فِي النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ: طَهَارَتَانِ فَأَنَّى تَفْتَرِقَانِ. وَقَال الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ لاَ يُنَاسِبُ الْحُكْمَ بِذَاتِهِ، لَكِنَّهُ يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِمَا يُنَاسِبُهُ بِذَاتِهِ.

стр. 2569

وَحَكَى الأَْبْيَارِيُّ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ " عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ: مَا يُوهِمُ الاِشْتِمَال عَلَى وَصْفٍ مُخَيَّلٍ. وَقِيل: الشَّبَهُ هُوَ الَّذِي لاَ يَكُونُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ وَلَكِنْ عُرِفَ اعْتِبَارُ جِنْسِهِ الْقَرِيبِ فِي الْجِنْسِ الْقَرِيبِ (١) . وَأَوْضَحُ تَعْرِيفٍ لَهُ هُوَ مَا قَالَهُ شَارِحُ مُسْلِمٍ الثُّبُوتُ: الشَّبَهُ هُوَ مَا لَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لِتُرَاثِهِ، بَل يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ، وَذَلِكَ التَّوَهُّمُ إِنَّمَا هُوَ بِالْتِفَاتِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ، فَيُتَوَهَّمُ فِيهِ الْمُنَاسَبَةُ، كَقَوْلِكَ: إِزَالَةُ الْخَبَثِ طَهَارَةٌ تُرَادُ لِلصَّلاَةِ فَتَعَيَّنَ فِيهَا الْمَاءُ، وَلاَ يَجُوزُ مَائِعٌ آخَرُ، كَإِزَالَةِ الْحَدَثِ يَتَعَيَّنُ فِيهَا الْمَاءُ (٢) . وَفِي الْمُسْتَصْفَى: قِيَاسُ الشَّبَهِ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالأَْصْل بِوَصْفٍ، مَعَ الاِعْتِرَافِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ لَيْسَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، وَذَلِكَ كَقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ مَسْحُ الرَّأْسِ لاَ يَتَكَرَّرُ تَشْبِيهًا لَهُ بِمَسْحِ الْخُفِّ وَالتَّيَمُّمِ، وَالْجَامِعُ أَنَّهُ مَسْحٌ، فَلاَ يُسْتَحَبُّ فِيهِ التَّكْرَارُ قِيَاسًا عَلَى التَّيَمُّمِ وَمَسْحِ الْخُفِّ (&# x٦٦٣ ;) . وَفِي الرِّسَالَةِ يَقُول الشَّافِعِيُّ فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ: يَكُونُ الشَّيْءُ لَهُ فِي الأُْصُول أَشْبَاهٌ، فَذَلِكَ يَلْحَقُ بِأَوْلاَهَا بِهِ وَأَكْثَرِهَا شَبَهًا فِيهِ، فَقَدْ يَخْتَلِفُ الْقَايِسُونَ فِي هَذَا (٤) .

стр. 2570

صِفَتُهُ (الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ) : أَوَّلاً: عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: ٤ - إِذَا نِيطَ الْحُكْمُ بِأَصْلٍ فَتَعَذَّرَ انْتَقَل إِلَى أَقْرَبِ شَبَهٍ لَهُ (١) . وَلِذَلِكَ اعْتَبَرَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الشَّبَهَ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْحُكْمِ فِي أَبْوَابٍ مُعَيَّنَةٍ، مِنْ ذَلِكَ جَزَاءُ صَيْدِ الْمُحْرِمِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) أَيْ يَحْكُمَانِ فِيهِ بِأَشْبَهِ الأَْشْيَاءِ (٣) ، وَمِنْ ذَلِكَ فِي النَّسَبِ مَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: دَخَل عَلَيَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَسْرُورٌ تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَال: أَيْ عَائِشَةُ.، أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ دَخَل فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَال: إِنَّ هَذِهِ الأَْقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ (٤) . وَذَلِكَ يَدُل عَلَى أَنَّ إِلْحَاقَ الْقَافَةِ يُفِيدُ النَّسَبَ لِسُرُورِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ، وَهُوَ لاَ يُسَرُّ بِبَاطِلٍ. وَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ. ٥ - وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّبَهِ قَوْل أَهْل الْخِبْرَةِ وَالْمَعْرِفَةِ فِي الأَْمْرِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ التَّخَاصُمُ، كَاعْتِبَارِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ مِنْ أَهْل الْخِبْرَةِ فِي الْقِيَافَةِ (٥) .

стр. 2571

٦ - لَكِنَّ الاِعْتِمَادَ عَلَى الشَّبَهِ بِقَوْل أَهْل الْخِبْرَةِ يَكُونُ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ أَوْ حُكْمٌ، وَلِذَلِكَ يُعْتَبَرُ اللِّعَانُ مَانِعًا مِنْ إِعْمَال الشَّبَهِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ فِي قِصَّةِ الْمُتَلاَعِنَيْنِ: إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَل الْعَيْنَيْنِ، سَابِغَ الأَْلْيَتَيْنِ، مُدْلِجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : لَوْلاَ مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ (١) . وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلنَّصِّ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْحُكْمِ فَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَقَدْ قَضَى الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ، كَقَوْل عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ: " فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ (٢) . وَمَا لَمْ يَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى قَوْل عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْل الْخِبْرَةِ (٣) . ٧ - وَيُلاَحَظُ أَنَّ الإِْمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ يُخَالِفُونَ الْجُمْهُورَ فِي الاِعْتِمَادِ عَلَى الشَّبَهِ فِي النَّسَبِ. كَمَا أَنَّ الشَّبَهَ فِي حَزَّاءِ الصَّيْدِ هُوَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْمِثْل هُوَ الْقِيمَةُ (٤) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مَوَاضِعِهِ.

стр. 2572

٨ - كَذَلِكَ يُعْتَمَدُ عَلَى الشَّبَهِ فِي الاِخْتِلاَفِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. جَاءَ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: إِنْ اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ، فَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا ثَمَنًا يُشْبِهُ ثَمَنَ السِّلْعَةِ، وَادَّعَى الآْخَرُ مَالاً يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لَهَا، فَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ فَائِتَةً (أَيْ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَلاَكٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِمَا) فَالْقَوْل قَوْل مُدَّعِي الأَْشْبَهِ مِنْهُمَا اتِّفَاقًا (أَيْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ) ، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ التَّغَابُنِ، وَالشِّرَاءُ بِالْقِيمَةِ وَمَا يُقَارِبُهَا. وَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لاَ يُرَاعَى الأَْشْبَهُ، لأَِنَّهُمَا قَادِرَانِ عَلَى رَدِّ السِّلْعَةِ (١) . وَفِي الْمَنْثُورِ فِي الْقَوَاعِدِ لِلزَّرْكَشِيِّ فِي بَابِ الرِّبَا: إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ لاَ يُكَال وَلاَ يُوزَنُ فَيُعْتَبَرُ بِأَقْرَبِ الأَْشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ عَلَى أَحَدِ الأَْوْجُهِ (٢) . وَالصُّلْحُ مَعَ الإِْقْرَارِ يُحْمَل عَلَى الْبَيْعِ أَوِ الإِْجَارَةِ أَوِ الْهِبَةِ. وَالأَْصْل فِيهِ أَنَّ الصُّلْحَ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَقْرَبِ الْعُقُودِ إِلَيْهِ وَأَشْبَهِهَا بِهِ، لِتَصْحِيحِ تَصَرُّفِ الْعَاقِدِ مَا أَمْكَنَ (٣) . ر: (صُلْحٌ) . ثَانِيًا: عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ ٩ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ هَل الشَّبَهُ حُجَّةٌ أَمْ لاَ؟ فَقِيل: إِنَّهُ حُجَّةٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الأَْكْثَرُونَ، وَقِيل: إِنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَبِهِ قَال أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ. وَقِيل غَيْرُ ذَلِكَ (٤) .

стр. 2573

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ (الْقِيَاسُ) . الْمُرَادُ بِفَنِّ الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ: ١٠ - الْمُرَادُ بِفَنِّ الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ - كَمَا ذَكَرَ الْحَمَوِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى أَشْبَاهِ ابْنِ نُجَيْمٍ -: الْمَسَائِل الَّتِي يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا مَعَ اخْتِلاَفِهَا فِي الْحُكْمِ لأُِمُورٍ خَفِيَّةٍ أَدْرَكَهَا الْفُقَهَاءُ بِدِقَّةِ أَنْظَارِهِمْ (١) . وَفَائِدَتُهُ كَمَا ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ (٢) أَنَّهُ فَنٌّ بِهِ يُطَّلَعُ عَلَى حَقَائِقِ الْفِقْهِ وَمَدَارِكِهِ وَمَأْخَذِهِ وَأَسْرَارِهِ، وَيُتَمَهَّرُ فِي فَهْمِهِ وَاسْتِحْضَارِهِ، وَيُقْتَدَرُ عَلَى الإِْلْحَاقِ وَالتَّخْرِيجِ، وَمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْمَسَائِل الَّتِي لَيْسَتْ بِمَسْطُورَةٍ، وَالْحَوَادِثِ وَالْوَقَائِعِ الَّتِي لاَ تَنْقَضِي عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ. وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ: اعْرِفِ الأَْمْثَال وَالأَْشْبَاهَ، ثُمَّ قِسِ الأُْمُورَ عِنْدَكَ، فَاعْمَدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ فِيمَا تَرَى (٣) .

стр. 2574

اشْتِبَاه التَّعْرِيفُ: ١ - الاِشْتِبَاهُ مَصْدَرُ: اشْتَبَهَ، يُقَال اشْتَبَهَ الشَّيْئَانِ وَتَشَابَهَا: أَشْبَهَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الآْخَرَ. وَالْمُشْتَبِهَاتُ مِنَ الأُْمُورِ: الْمُشْكِلاَتُ. وَالشُّبْهَةُ اسْمٌ مِنْ الاِشْتِبَاهِ وَهُوَ الاِلْتِبَاسُ (١) . وَالاِشْتِبَاهُ فِي الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيِّ أَخَصُّ مِنْهُ فِي اللُّغَةِ، فَقَدْ عَرَّفَ الْجُرْجَانِيُّ الشُّبْهَةَ بِأَنَّهَا: مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ كَوْنُهُ حَرَامًا أَوْ حَلاَلاً (٢) . وَقَال السُّيُوطِيُّ: الشُّبْهَةُ مَا جُهِل تَحْلِيلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتَحْرِيمُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ (٣) . وَيَقُول الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: الشُّبْهَةُ مَا يُشْبِهُ الثَّابِتَ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الظَّنِّ لِتَحَقُّقِ الاِشْتِبَاهِ (٤) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الاِلْتِبَاسُ: ٢ - الاِلْتِبَاسُ هُوَ: الإِْشْكَال، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الاِشْتِبَاهِ عَلَى مَا قَال الدُّسُوقِيُّ: أَنَّ الاِشْتِبَاهَ مَعَهُ دَلِيلٌ (يُرَجِّحُ أَحَدَ الاِحْتِمَالَيْنِ) وَالاِلْتِبَاسُ لاَ دَلِيل مَعَهُ (٥)

стр. 2575

ب - الشُّبْهَةُ: ٣ - يُقَال: اشْتَبَهَتِ الأُْمُورُ وَتَشَابَهَتِ: الْتَبَسَتْ فَلَمْ تَتَمَيَّزْ وَلَمْ تَظْهَرْ، وَمِنْهُ اشْتَبَهَتِ الْقِبْلَةُ وَنَحْوُهَا، وَالْجَمْعُ فِيهَا شُبَهٌ وَشُبُهَاتٌ (١) . وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهَا مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُهُ حَرَامًا أَوْ حَلاَلاً نَتِيجَةَ الاِشْتِبَاهِ. وَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَقْسِيمِهَا وَتَسْمِيَتِهَا اصْطِلاَحَاتٌ، فَجَعَلَهَا الْحَنَفِيَّةُ نَوْعَيْنِ: الأَْوَّل: شُبْهَةٌ فِي الْفِعْل، وَتُسَمَّى شُبْهَةُ اشْتِبَاهٍ أَوْ شُبْهَةُ مُشَابَهَةٍ، أَيْ شُبْهَةٌ فِي حَقِّ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ فَقَطْ، بِأَنْ يَظُنَّ غَيْرَ الدَّلِيل دَلِيلاً، كَمَا إِذَا ظَنَّ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ تَحِل لَهُ، فَمَعَ الظَّنِّ لاَ يُحَدُّ، حَتَّى لَوْ قَال: عَلِمْتُ أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيَّ حُدَّ. النَّوْعُ الثَّانِي: شُبْهَةٌ فِي الْمَحَل، وَتُسَمَّى شُبْهَةٌ حُكْمِيَّةٌ أَوْ شُبْهَةُ مِلْكٍ، أَيْ شُبْهَةٌ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ بِحِل الْمَحَل. وَهِيَ تَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ، وَلَوْ قَال عَلِمْتُ أَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيَّ. وَتَتَحَقَّقُ بِقِيَامِ الدَّلِيل النَّافِي لِلْحُرْمَةِ فِي ذَاتِهِ، لَكِنْ لاَ يَكُونُ الدَّلِيل عَامِلاً لِقِيَامِ الْمَانِعِ كَوَطْءِ أَمَةِ الاِبْنِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : أَنْتَ وَمَالُكَ لأَِبِيكَ (٢) ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ هَذَا النَّوْعُ عَلَى ظَنِّ الْجَانِي وَاعْتِقَادِهِ، إِذِ الشُّبْهَةُ بِثُبُوتِ الدَّلِيل قَائِمَةٌ (٣) . وَجَعَلَهَا الشَّافِعِيَّةُ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ: (١) شُبْهَةٌ فِي الْمَحَل، كَوَطْءِ الزَّوْجَةِ الْحَائِضِ أَوِ الصَّائِمَةِ، لأَِنَّ التَّحْرِيمَ لَيْسَ لِعَيْنِهِ بَل لأَِمْرٍ عَارِضٍ كَالإِْيذَاءِ وَإِفْسَادِ الْعِبَادَةِ.

стр. 2576

(٢) وَشُبْهَةٌ فِي الْفَاعِل، كَمَنْ يَجِدُ امْرَأَةً عَلَى فِرَاشِهِ فَيَطَؤُهَا، ظَانًّا أَنَّهَا زَوْجَتُهُ. (٣) وَشُبْهَةٌ فِي الْجِهَةِ، كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ أَوْ بِلاَ شُهُودٍ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ شُبْهَة. وَالْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ أَنَّ الشُّبْهَةَ أَعَمُّ مِنْ الاِشْتِبَاهِ، لأَِنَّهَا قَدْ تُنْتَجُ نَتِيجَةَ الاِشْتِبَاهِ، وَقَدْ تُنْتَجُ دُونَ اشْتِبَاهٍ. ج - التَّعَارُضُ: ٤ - التَّعَارُضُ لُغَةً: الْمَنْعُ بِالاِعْتِرَاضِ عَنْ بُلُوغِ الْمُرَادِ (٢) . وَاصْطِلاَحًا: تَقَابُل الْحُجَّتَيْنِ الْمُتَسَاوِيَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ تُوجِبُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ضِدَّ مَا تُوجِبُهُ الأُْخْرَى. وَسَيَأْتِي أَنَّ التَّعَارُضَ أَحَدُ أَسْبَابِ الاِشْتِبَاهِ. د - الشَّكُّ: ٥ - الشَّكُّ لُغَةً: خِلاَفُ الْيَقِينِ، وَهُوَ التَّرَدُّدُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، سَوَاءٌ اسْتَوَى طَرَفَاهُ، أَوْ رُجِّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآْخَرِ (٣) ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ كَذَلِكَ. وَهُوَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: التَّرَدُّدُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ بِلاَ تَرْجِيحٍ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ عِنْدَ الشَّاكِّ (٤) ، فَالشَّكُّ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الاِشْتِبَاهِ.

стр. 2577

هـ - الظَّنُّ: ٦ - الظَّنُّ خِلاَفُ الْيَقِينِ. وَقَدْ يُسْتَعْمَل بِمَعْنَى الْيَقِينِ (١) ، كَمَا فِي، قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ (٢) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الاِعْتِقَادُ الرَّاجِحُ مَعَ احْتِمَال النَّقِيضِ (٣) ، وَهُوَ طَرِيقٌ لِحُدُوثِ الاِشْتِبَاهِ (٤) . - و الْوَهْمُ: ٧ - الْوَهْمُ: مَا سَبَقَ الْقَلْبُ إِلَيْهِ مَعَ إِرَادَةِ غَيْرِهِ (٥) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ إِدْرَاكُ الطَّرَفِ الْمَرْجُوحِ، أَوْ كَمَا قَال عَنْهُ ابْنُ نُجَيْمٍ: رُجْحَانُ جِهَةِ الْخَطَأِ (٦) ، فَهُوَ دُونَ كُلٍّ مِنَ الظَّنِّ وَالشَّكِّ، وَهُوَ لاَ يَرْتَقِي إِلَى تَكْوِينِ اشْتِبَاهٍ (٧) . أَسْبَابُ الاِشْتِبَاهِ: ٨ - قَدْ يَنْشَأُ الاِشْتِبَاهُ نَتِيجَةَ خَفَاءِ الدَّلِيل بِسَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ، كَالإِْجْمَال فِي الأَْلْفَاظِ وَاحْتِمَالِهَا التَّأْوِيل، وَدَوَرَانِ الدَّلِيل بَيْنَ الاِسْتِقْلاَل بِالْحُكْمِ وَعَدَمِهِ، وَدَوَرَانِهِ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، وَاخْتِلاَفِ الرِّوَايَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَدِيثِ، وَكَالاِشْتِرَاكِ فِي اللَّفْظِ، أَوِ التَّخْصِيصِ فِي عَامِّهِ، أَوِ التَّقْيِيدِ فِي مُطْلَقِهِ، كَمَا يَنْشَأُ

стр. 2578

الاِشْتِبَاهُ عِنْدَ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ دُونَ مُرَجِّحٍ. كَمَا أَنَّ النُّصُوصَ فِي دَلاَلَتِهَا لَيْسَتْ عَلَى وَضْعٍ وَاحِدٍ، فَمِنْهَا مَا دَلاَلَتُهُ عَلَى الأَْحْكَامِ ظَنِّيَّةٌ، فَيَجْتَهِدُ الْفُقَهَاءُ لِلتَّعَرُّفِ عَلَى مَا يَدُل عَلَيْهِ النَّصُّ، وَقَدْ يَتَشَابَهُ الأَْمْرُ عَلَيْهِمْ نَتِيجَةَ ذَلِكَ، إِذْ مِنَ الْحَقَائِقِ الثَّابِتَةِ اخْتِلاَفُ النَّاسِ فِي تَفْكِيرِهِمْ، وَتَبَايُنُ وُجُهَاتِ نَظَرِهِمْ (١) . وَالاِشْتِبَاهُ النَّاشِئُ عَنْ خَفَاءٍ فِي الدَّلِيل يُعْذَرُ الْمُجْتَهِدُ فِيهِ، بَعْدَ بَذْلِهِ الْجَهْدَ وَاسْتِفْرَاغِهِ الْوُسْعَ، وَيَكُونُ فِيمَا انْتَهَى إِلَيْهِ مِنْ رَأْيٍ قَدِ اتَّبَعَ الدَّلِيل الْمُرْشِدَ إِلَى تَعَرُّفِ قَصْدِ الشَّارِعِ (٢) . وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: أ - اخْتِلاَفُ الْمُخْبِرِينَ: ٩ - وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ، وَأَخْبَرَهُ آخَرُ بِطَهَارَتِهِ. فَإِنَّ الأَْصْل عِنْدَ تَعَارُضِ الْخَبَرَيْنِ وَتَسَاوِيهِمَا تَسَاقُطُهُمَا، وَحِينَئِذٍ يُعْمَل بِالأَْصْل وَهُوَ الطَّهَارَةُ، إِذْ الشَّيْءُ مَتَى شُكَّ فِي حُكْمِهِ رُدَّ إِلَى أَصْلِهِ، لأَِنَّ الْيَقِينَ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ، وَالأَْصْل فِي الْمَاءِ الطَّهَارَةُ (٣) . وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل مَا لَوْ أَخْبَرَ عَدْلٌ بِأَنَّ هَذَا اللَّحْمَ ذَبَحَهُ مَجُوسِيٌّ، وَأَخْبَرَ عَدْلٌ آخَرُ أَنَّهُ ذَكَّاهُ مُسْلِمٌ، فَإِنَّهُ لاَ يَحِل لِبَقَاءِ اللَّحْمِ عَلَى الْحُرْمَةِ الَّتِي هِيَ

стр. 2579

الأَْصْل. إِذْ حِل الأَْكْل مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَحَقُّقِ الذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَبِتَعَارُضِ الْخَبَرَيْنِ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْحِل، فَبَقِيَتِ الذَّبِيحَةُ عَلَى الْحُرْمَةِ. ب - الإِْخْبَارُ الْمُقْتَضِي لِلاِشْتِبَاهِ: ١٠ - وَهُوَ الإِْخْبَارُ الَّذِي اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرَائِنُ تُوقِعُ فِي الاِشْتِبَاهِ. مِثَال ذَلِكَ: أَنْ يَعْقِدَ عَلَى امْرَأَةٍ، ثُمَّ تُزَفُّ إِلَيْهِ أُخْرَى بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَيَدْخُل بِهَا عَلَى هَذَا الاِعْتِقَادِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّهَا لَيْسَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا. فَإِنْ وَطِئَهَا فَإِنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، لأَِنَّهُ اعْتَمَدَ دَلِيلاً شَرْعِيًّا فِي مَوْضِعِ الاِشْتِبَاهِ، وَهُوَ الإِْخْبَارُ. وَقَدْ أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ فُرُوعًا كَثِيرَةً مِثْل هَذَا الْفَرْعِ، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا الأَْسَاسِ (١) . ج - تَعَارُضُ الأَْدِلَّةِ ظَاهِرًا: ١١ - لاَ يُوجَدُ بَيْنَ أَدِلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِي وَاقِعِ الأَْمْرِ تَعَارُضٌ، لأَِنَّهَا جَمِيعَهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى. أَمَّا مَا يَظْهَرُ مِنَ التَّعَارُضِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ فَلِعَدَمِ الْعِلْمِ بِظُرُوفِهِمَا وَشُرُوطِ تَطْبِيقِهِمَا، أَوْ بِمَا يُرَادُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى سَبِيل الْقَطْعِ، أَوْ لِجَهْلِنَا بِزَمَنِ وُرُودِهِمَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَرْتَفِعُ بِهِ التَّعَارُضُ. فَمِنْ الاِشْتِبَاهِ بِسَبَبِ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ فِي الظَّاهِرِ مَا إِذَا سَرَقَ الْوَالِدُ مِنْ مَال وَلَدِهِ، إِذْ أَنَّ نُصُوصَ الْعِقَابِ عَلَى السَّرِقَةِ تَشْمَل فِي عُمُومِهَا هَذِهِ الْوَاقِعَةَ. فَاَللَّهُ يَقُول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا. . .﴾ (٢) . غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ

стр. 2580

فِي السُّنَّةِ مَا يُفِيدُ حِل مَال الاِبْنِ لأَِبِيهِ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الرَّسُول ﷺ قَال: أَنْتَ وَمَالُكَ لأَِبِيكَ (١) وَقَوْلُهُ: إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَل الرَّجُل مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ (٢) وَوُجُودُ مِثْل هَذَا يُنْتِجُ اشْتِبَاهًا فِي الْحُكْمِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِسْقَاطُ الْحَدِّ، لأَِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الشُّبُهَاتِ أَخْذُ الرَّجُل مِنْ مَالٍ جَعَلَهُ الشَّرْعُ لَهُ، وَأَمَرَهُ بِأَخْذِهِ وَأَكْلِهِ. وَقَال أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (سَرِقَة) . وَمِنْ الاِشْتِبَاهِ النَّاشِئِ عَنْ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ فِي الظَّاهِرِ مَا وَرَدَ بِالنِّسْبَةِ لِطَهَارَةِ سُؤْرِ الْحِمَارِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: الْحِمَارُ يُعْتَلَفُ الْقَتَّ وَالتِّبْنَ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ (٤) وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِل: أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟ قَال: نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا (٥) ، وَرُوِيَ عَنْ

стр. 2581

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: " إِنَّهُ رِجْسٌ (١) وَالتَّوَقُّفُ فِي الْحُكْمِ عِنْدَ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ وَاجِبٌ. فَلِذَلِكَ كَانَ مَشْكُوكًا فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ التَّوَقُّفُ عَنْ إِعْطَاءِ حُكْمٍ قَاطِعٍ، لِتَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ (٢) . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الأَْصَحُّ أَنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ مَشْكُوكٌ فِي طَهُورِيَّتِهِ (أَيْ كَوْنُهُ مُطَهِّرًا، لاَ فِي طَهَارَتِهِ فِي ذَاتِهِ) وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ. وَسَبَبُهُ تَعَارُضُ الأَْخْبَارِ فِي لَحْمِهِ، وَقِيل: اخْتِلاَفُ الصَّحَابَةِ فِي سُؤْرِهِ، وَقَدِ اسْتَوَى مَا يُوجِبُ الطَّهَارَةَ وَالنَّجَاسَةَ فَتَسَاقَطَا لِلتَّعَارُضِ، فَيُصَارُ إِلَى الأَْصْل، وَهُوَ هُنَا شَيْئَانِ: الطَّهَارَةُ فِي الْمَاءِ، وَالنَّجَاسَةُ فِي اللُّعَابِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الآْخَرِ، فَبَقِيَ الأَْمْرُ مُشْكِلاً، نَجِسًا مِنْ وَجْهٍ، طَاهِرًا مِنْ وَجْهٍ (٣) . د - اخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ: ١٢ - مِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، كَالنِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ، فَالْحَنَفِيَّةُ يُجِيزُونَهُ. وَسُقُوطُ الْحَدِّ بِسَبَبِ ذَلِكَ قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، لأَِنَّ الاِخْتِلاَفَ فِي إِبَاحَةِ الْوَطْءِ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ (٤) وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى بَابِ (حَدِّ الزِّنَى) .

стр. 2582

وَمِنْ ذَلِكَ الْمُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ إِذَا رَأَى سَرَابًا، وَكَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ مَاءٌ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ، وَإِنِ اسْتَوَى الأَْمْرَانِ لاَ يَحِل لَهُ قَطْعُ الصَّلاَةِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ، إِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مَاءً يَلْزَمُهُ الإِْعَادَةُ، وَإِلاَّ فَلاَ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (١) . وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ الْمَاءِ فَوَجَدَهُ أَوْ تَوَهَّمَهُ بَطَل تَيَمُّمُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلاَةٍ. وَيَحْصُل هَذَا التَّوَهُّمُ بِرُؤْيَةِ سَرَابٍ. وَمَحَل بُطْلاَنِهِ بِالتَّوَهُّمِ إِنْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ زَمَنٌ لَوْ سَعَى فِيهِ إِلَى ذَلِكَ لأََمْكَنَهُ التَّطَهُّرُ بِهِ وَالصَّلاَةُ فِيهِ. وَإِذَا بَطَل التَّيَمُّمُ بِتَوَهُّمِ وُجُودِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ بُطْلاَنُهُ بِالظَّنِّ أَوِ الشَّكِّ أَوْلَى، سَوَاءٌ أَتَبَيَّنَ لَهُ خِلاَفُ ظَنِّهِ أَمْ لَمْ يَتَبَيَّنْ، لأَِنَّ ظَنَّ وُجُودِ الْمَاءِ مُبْطِلٌ لِلتَّيَمُّمِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَ الدُّخُول فِي الصَّلاَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِتْمَامُهَا (٢) . وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ إِذَا مَا طَلَبَ الْمَاءَ سَاغَ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَلَوْ كَانَ خَوْفُهُ بِسَبَبِ ظَنِّهِ فَتَبَيَّنَ عَدَمُ السَّبَبِ. مِثْل مَنْ رَأَى سَوَادًا بِاللَّيْل ظَنَّهُ عَدُوًّا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ بَعْدَ أَنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى لَمْ يُعِدْ لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى. وَقِيل: يَلْزَمُهُ الإِْعَادَةُ، لأَِنَّهُ تَيَمَّمَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مُبِيحٍ لِلتَّيَمُّمِ (٣) . هـ - الاِخْتِلاَطُ: ١٣ - يُقْصَدُ بِهِ اخْتِلاَطُ الْحَلاَل بِالْحَرَامِ وَعُسْرُ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا. كَمَا لَوِ اخْتَلَطَتِ الأَْوَانِي الَّتِي فِيهَا مَاءٌ طَاهِرٌ بِالأَْوَانِي الَّتِي فِيهَا مَاءٌ نَجِسٌ، وَاشْتَبَهَ الأَْمْرُ، بِأَنْ لَمْ

стр. 2583

يُمْكِنِ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ اسْتِعْمَال الْمَاءِ، وَيَجِبُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل سَحْنُونٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، لأَِنَّ أَحَدَهُمَا نَجِسٌ يَقِينًا، وَالآْخَرُ طَاهِرٌ يَقِينًا، لَكِنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ فَيُصَارُ إِلَى الْبَدَل. وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ (مَاءٌ) (١) . وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل مَا إِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةٍ، وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهَا، وَلَمْ يَجِدْ ثَوْبًا طَاهِرًا بِيَقِينٍ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُطَهِّرُهُمَا بِهِ، وَاحْتَاجَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَالْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ خِلاَفًا لِلْمُزَنِيِّ، أَنَّهُ يَتَحَرَّى بَيْنَهَا، وَيُصَلِّي بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَتُهُ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ التَّحَرِّي وَيُصَلِّي فِي ثِيَابِ مِنْهَا بِعَدَدِ النَّجِسِ مِنْهَا، وَيَزِيدُ صَلاَةً فِي ثَوْبٍ آخَرَ. وَقَال أَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ: لاَ يُصَلِّي فِي شَيْءٍ مِنْهَا كَالأَْوَانِي (٢) . وَإِنَّمَا يَتَحَرَّى - عِنْدَ مَنْ قَال بِذَلِكَ - إِذَا لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا طَاهِرًا، أَوْ مَا يُطَهِّرُ بِهِ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ. وَإِذَا تَحَرَّى فَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الآْخَرِ صَلَّى فِي أَحَدِهِمَا. وَالْقَائِلُونَ بِالتَّحَرِّي هُنَا قَالُوا: لأَِنَّهُ لاَ خُلْفَ لِلثَّوْبِ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ، بِخِلاَفِ الاِشْتِبَاهِ فِي الأَْوَانِي، لأَِنَّ التَّطَهُّرَ بِالْمَاءِ لَهُ خُلْفٌ وَهُوَ التَّيَمُّمُ (٣) .

стр. 2584

و - الشَّكُّ (بِالْمَعْنَى الأَْعَمِّ يَشْمَل أَيْضًا الظَّنَّ وَالْوَهْمَ) : ١٤ - وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالُوهُ فِيمَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ مِنْ أَنَّهُ لاَ وُضُوءَ عَلَيْهِ، إِذِ الْيَقِينُ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ (١) ، غَيْرَ أَنَّهُ نُقِل عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَال: مَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَال: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ اسْتِحْبَابٌ وَاحْتِيَاطٌ (٢) ، كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أَيْقَنَ بِالْحَدَثِ وَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ أَنَّ شَكَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ وَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ (٣) ، لأَِنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ. وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ هُنَا مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَى السَّوَاءِ أَمْ كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ أَرْجَحَ (٤) . وَعَلَى هَذَا فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَحَدُهُمَا أَوْ يَتَسَاوَى الأَْمْرَانِ عِنْدَهُمَا، لأَِنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَضْبُوطَةً بِضَابِطٍ شَرْعِيٍّ لاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا، وَلأَِنَّهُ إِذَا شَكَّ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الأَْمْرَانِ، فَيَجِبُ سُقُوطُهُمَا كَالْبَيِّنَتَيْنِ إِذَا تَعَارَضَتَا، وَيَرْجِعُ إِلَى الْيَقِينِ (٥) وَقَالُوا: مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ مَعًا وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ الأَْمْرُ فَلَمْ يَعْلَمْ الأَْخِيرُ مِنْهُمَا وَالأَْسْبَقُ فَيُعْمَل بِضِدِّ مَا قَبْلَهُمَا، فَإِنْ كَانَ قَبْل ذَلِكَ مُحْدِثًا فَهُوَ الآْنَ مُتَطَهِّرٌ، لأَِنَّهُ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الْحَدَثِ وَشَكَّ

стр. 2585

فِي انْتِقَاضِهَا، لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي هَل الْحَدَثُ الثَّانِي قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا. وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا وَكَانَ يَعْتَادُ التَّجْدِيدَ فَهُوَ الآْنَ مُحْدِثٌ، لأَِنَّهُ مُتَيَقِّنٌ حَدَثًا بَعْدَ تِلْكَ الطَّهَارَةِ وَشَكَّ فِي زَوَالِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي هَل الطَّهَارَةُ الثَّانِيَةُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ أَمْ لاَ (١) . وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل مَا قَالُوهُ فِي الصَّائِمِ لَوْ شَكَّ فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ مَعَ الشَّكِّ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ النَّهَارِ. وَلَوْ أَفْطَرَ وَهُوَ شَاكٌّ وَلَمْ يَتَبَيَّنِ الْحَال بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ اتِّفَاقًا (٢) . أَمَّا إِذَا شَكَّ الصَّائِمُ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَلاَّ يَأْكُل لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ الْفَجْرُ قَدْ طَلَعَ، فَيَكُونُ الأَْكْل إِفْسَادًا لِلصَّوْمِ فَيُتَحَرَّزُ عَنْهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الْحَلاَل بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ (٣) . وَقَوْلُهُ ﷺ : دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ (٤) . وَلَوْ أَكَل وَهُوَ شَاكٌّ فَإِنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ فَسَادَ

стр. 2586

الصَّوْمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، إِذِ الأَْصْل بَقَاءُ اللَّيْل فَلاَ يَثْبُتُ النَّهَارُ بِالشَّكِّ، وَإِلَى هَذَا اتَّجَهَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ أَكَل شَاكًّا فِي الْفَجْرِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ مَعَ الْحُرْمَةِ، وَإِنْ كَانَ الأَْصْل بَقَاءَ اللَّيْل، هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِصَوْمِ الْفَرْضِ. وَقِيل: وَفِي النَّفْل أَيْضًا. كَمَا قِيل مَعَ الْكَرَاهَةِ لاَ الْحُرْمَةِ. وَمَنْ أَكَل مُعْتَقِدًا بَقَاءَ اللَّيْل أَوْ حُصُول الْغُرُوبِ ثُمَّ طَرَأَ الشَّكُّ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِلاَ حُرْمَةٍ (٢) . ز - الْجَهْل: ١٥ - وَمِنْ ذَلِكَ الأَْسِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، إِذَا لَمْ يَعْرِفْ دُخُول رَمَضَانَ، وَأَرَادَ صَوْمَهُ، فَتَحَرَّى وَصَامَ شَهْرًا عَنْ رَمَضَانَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ. فَإِذَا كَانَ صَامَ قَبْل حُلُول شَهْرِ رَمَضَانَ فِعْلاً لَمْ يُجْزِئْهُ، لأَِنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ قَبْل وُجُوبِهِ وَوُجُودِ سَبَبِهِ، وَهُوَ مُشَاهَدَةُ الشَّهْرِ (٣) ، وَنَقَل الشِّيرَازِيُّ عَنِ الأَْصْحَابِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلاً آخَرَ بِالإِْجْزَاءِ، لأَِنَّهُ عِبَادَةٌ تُفْعَل فِي السَّنَةِ مَرَّةً، فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ فَرْضُهَا بِالْفِعْل قَبْل الْوَقْتِ عِنْدَ الْخَطَأِ، كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إِذَا أَخْطَأَ النَّاسُ وَوَقَفُوا قَبْل يَوْمِ عَرَفَةَ، ثُمَّ قَال: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ، لأَِنَّهُ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِيمَا يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ، فَلَمْ يُعْتَدَّ بِمَا

стр. 2587

فَعَلَهُ، كَمَا لَوْ تَحَرَّى فِي وَقْتِ الصَّلاَةِ فَصَلَّى قَبْل الْوَقْتِ (١) . وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّهْرَ الَّذِي صَامَهُ كَانَ بَعْدَ رَمَضَانَ صَحَّ. وَإِذَا كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي صَامَهُ نَاقِصًا، وَرَمَضَانَ الَّذِي صَامَهُ النَّاسُ تَامًّا صَامَ يَوْمًا، إِذْ لاَ بُدَّ مِنْ مُوَافَقَةِ الْعَدَدِ، لأَِنَّ صَوْمَ شَهْرٍ آخَرَ بَعْدَهُ يَكُونُ قَضَاءً، وَالْقَضَاءُ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ الْفَائِتِ (٢) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ آخَرُ اخْتَارَهُ أَبُو حَامِدٍ الإِْسْفَرايِينِيُّ بِالإِْجْزَاءِ، لأَِنَّ الشَّهْرَ يَقَعُ عَلَى مَا بَيْنَ الْهِلاَلَيْنِ، وَلِهَذَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ، فَصَامَ شَهْرًا نِقَاصًا بِالأَْهِلَّةِ أَجْزَأَهُ. ثُمَّ قَال الشِّيرَازِيُّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمٍ (٣) . وَمِنْ ذَلِكَ الاِشْتِبَاهُ فِي الْقِبْلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَجْهَلُهَا. فَقَدْ نَصَّ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ مَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ جِهَةُ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهَا، سَأَل مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِمَّنْ يَعْلَمُهَا مِنْ أَهْل الْمَكَانِ. وَحَدُّ الْحَضْرَةِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ صَاحَ بِهِ سَمِعَهُ (٤) . فَإِذَا تَحَرَّى بِنَفْسِهِ وَصَلَّى دُونَ سُؤَالٍ، وَتَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبِ الْقِبْلَةَ، أَعَادَ الصَّلاَةَ، لِعَدَمِ إِجْزَاءِ التَّحَرِّي مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الاِسْتِخْبَارِ، لأَِنَّ التَّحَرِّي دُونَ الاِسْتِخْبَارِ، إِذِ الْخَبَرُ مُلْزِمٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، بَيْنَمَا التَّحَرِّي مُلْزِمٌ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَلاَ يُصَارُ إِلَى الأَْدْنَى مَعَ إِمْكَانِ الأَْعْلَى، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي

стр. 2588

ذَلِكَ، أَوْ كَانَ وَسَأَلَهُ وَلَمْ يُجِبْهُ، أَوْ لَمْ يَدُلَّهُ ثُمَّ تَحَرَّى، فَإِنَّ صَلاَتَهُ تَصِحُّ، حَتَّى لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَخْطَأَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَال (١) : كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُل رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِيَالِهِ - أَيْ قُبَالَتَهُ - فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَنَزَل قَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢) . وَلأَِنَّ الْعَمَل بِالدَّلِيل الظَّاهِرِ وَاجِبٌ إِقَامَةً لِلْوَاجِبِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ، وَإِقَامَةً لِلظَّنِّ مَقَامَ الْيَقِينِ لِتَعَذُّرِهِ (٣) . وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ " قِبْلَةَ الْمُتَحَرِّي جِهَةُ قَصْدِهِ (٤) إِنْ تَحَرَّى ثُمَّ قَبْل الصَّلاَةِ أَخْبَرَهُ عَدْلاَنِ مِنْ أَهْل الْجِهَةِ أَنَّ الْقِبْلَةَ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى، أَخَذَ بِقَوْلِهِمَا وَلاَ عِبْرَةَ بِالتَّحَرِّي (٥) . ح - النِّسْيَانُ: ١٦ - وَمِنْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ إِذَا نَسِيَتْ عَادَةَ حَيْضِهَا، وَاشْتَبَهَ عَلَيْهَا الأَْمْرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، بِأَنْ لَمْ تَعْلَمْ عَدَدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا الْمُعْتَادَةِ، وَلاَ مَكَانَ هَذِهِ الأَْيَّامِ مِنَ الشَّهْرِ فَإِنَّهَا تَتَحَرَّى، فَإِنْ وَقَعَ تَحَرِّيهَا عَلَى

стр. 2589

طُهْرٍ تُعْطَى حُكْمَ الطَّاهِرَاتِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى حَيْضٍ أُعْطِيَتْ حُكْمَهُ، لأَِنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مِنَ الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَإِنْ تَرَدَّدَتْ وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهَا شَيْءٌ فَهِيَ الْمُحَيَّرَةُ، وَتُسَمَّى الْمُضَلَّلَةُ، لاَ يُحْكَمُ لَهَا بِشَيْءٍ مِنَ الطُّهْرِ أَوِ الْحَيْضِ عَلَى التَّعْيِينِ، بَل تَأْخُذُ بِالأَْحْوَطِ فِي حَقِّ الأَْحْكَامِ، لاِحْتِمَال كُل زَمَانٍ يَمُرُّ عَلَيْهَا مِنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَالاِنْقِطَاعِ، وَلاَ يُمْكِنُ جَعْلُهَا حَائِضًا دَائِمًا لِقِيَامِ الإِْجْمَاعِ عَلَى بُطْلاَنِهِ، وَلاَ طَاهِرًا دَائِمًا لِقِيَامِ الدَّمِ، وَلاَ التَّبْعِيضِ لأَِنَّهُ تَحَكُّمٌ، فَوَجَبَ الأَْخْذُ بِالأَْحْوَطِ فِي حَقِّ الأَْحْكَامِ لِلضَّرُورَةِ. (١) وَتَفْصِيل أَحْكَامِهَا فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِحَاضَة) . ط - وُجُودُ دَلِيلٍ غَيْرِ قَوِيٍّ عَلَى خِلاَفِ الأَْصْل: ١٧ - وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى (٢) فِي إِثْبَاتِ الشُّفْعَةِ بِسَبَبِ الْجَوَازِ، أَوْ بِسَبَبِ الشَّرِكَةِ فِي مَرَافِقِ الْعَقَارِ، وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّرِيكِ فِي مَمَرِّ الدَّارِ، بِأَنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي طَرِيقٌ آخَرُ إِلَى الدَّارِ، أَوْ أَمْكَنَ فَتْحُ بَابٍ لَهَا إِلَى شَارِعٍ. وَأَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فَيَقْصُرُونَهَا عَلَى الشَّرِكَةِ فِي نَفْسِ الْعَقَارِ الْمَبِيعِ فَقَطْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلاَ شُفْعَةَ، لأَِنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ عَلَى خِلاَفِ الأَْصْل، إِذْ هِيَ انْتِزَاعُ مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ رِضَاءٍ مِنْهُ، وَإِجْبَارٌ

стр. 2590

لَهُ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ، (١) وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ مِنْ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلاَ شُفْعَةَ (٢) وَبِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا قُسِمَتِ الأَْرْضُ وَحُدَّتْ فَلاَ شُفْعَةَ فِيهَا. (٣) وَمُقْتَضَى الأَْصْل أَنْ لاَ يَثْبُتَ حَقُّ الأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ أَصْلاً، لَكِنَّهَا ثَبَتَتْ فِيمَا لاَ يُقْسَمُ بِالنَّصِّ الصَّرِيحِ غَيْرِ مَعْقُول الْمَعْنَى، فَبَقِيَ الأَْمْرُ فِي الْمَقْسُومِ عَلَى الأَْصْل، أَوْ ثَبَتَ مَعْلُولاً بِدَفْعِ ضَرَرٍ خَاصٍّ وَهُوَ ضَرَرُ الْقِسْمَةِ. (٤) وَمَا اسْتَدَل بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَحَادِيثَ، فَإِنَّ فِي أَسَانِيدِهَا مَقَالاً. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: الثَّابِتُ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَدِيثُ جَابِرٍ - السَّابِقُ ذِكْرُهُ - وَمَا عَدَاهُ مِنَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي اسْتَدَل بِهَا الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ، كَالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو رَافِعٍ الْجَارُ أَحَقُّ

стр. 2591

بِسَقَبِهِ، (١) وَالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ سَمُرَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ. (٢) فَإِنَّ فِيهَا مَقَالاً. عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ بِالْجَارِ الشَّرِيكَ، فَإِنَّهُ جَارٌ أَيْضًا. فَكُل هَذَا أَوْرَثَ شُبْهَةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لأَِنَّ مَا اسْتَدَل بِهِ الْحَنَفِيَّةُ غَيْرُ قَوِيٍّ، وَجَاءَ عَلَى خِلاَفِ الأَْصْل، وَلِذَا لَمْ يُثْبِتُوا الشُّفْعَةَ بِسَبَبِ الْجِوَارِ وَالشَّرِكَةِ فِي مَرَافِقِ الْعَقَارِ، وَقَصَرُوهَا عَلَى الشَّرِكَةِ فِي الْعَقَارِ نَفْسِهِ. وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الاِشْتِبَاهِ: لَوْ قَضَى قَاضٍ بِهَا لاَ يُفْسَخُ قَضَاؤُهُ. (٣) وَمِنْ الاِشْتِبَاهِ النَّاجِمِ عَنْ وُجُودِ دَلِيلٍ غَيْرِ قَوِيٍّ عَلَى خِلاَفِ الأَْصْل: مَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ أَنَّ دَلاَلَةَ الْعَامِّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّصْ قَطْعِيُّهُ، فَيَدُل عَلَى جَمِيعِ الأَْفْرَادِ الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْهَا مَعْنَاهُ. فَإِذَا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ كَانَتِ دَلاَلَتُهُ ظَنِّيَّةً. بَيْنَمَا يَرَى جُمْهُورُ الأُْصُولِيِّينَ (٤) أَنَّ دَلاَلَةَ الْعَامِّ فِي

стр. 2592

جَمِيعِ أَحْوَالِهِ ظَنِّيَّةٌ، إِذِ الأَْصْل أَنَّهُ مَا مِنْ عَامٍّ إِلاَّ وَخُصِّصَ. وَمَا دَامَ الْعَامُّ لاَ يَكَادُ يَخْلُو مِنْ مُخَصِّصٍ، فَإِنَّ هَذَا يُورِثُ شُبْهَةً قَوِيَّةً تَمْنَعُ الْقَوْل بِقَطْعِيَّتِهِ فِي إِفَادَةِ الشُّمُول وَالاِسْتِغْرَاقِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَمْنَعُونَ تَخْصِيصَ عَامِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ ابْتِدَاءً بِالدَّلِيل الظَّنِّيِّ، خِلاَفًا لِلْجُمْهُورِ. وَعَلَى هَذَا فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى تَحْرِيمِ أَكْل ذَبِيحَةِ الْمُسْلِمِ، إِذَا تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهَا، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١) وَلَمْ يُخَصِّصُوا هَذَا الْعُمُومَ بِحَدِيثِ: ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلاَلٌ، ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ، (٢) لأَِنَّهُ خَبَرُ آحَادٍ، وَقَدْ وَافَقَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي تَحْرِيمِ ذَبِيحَةِ الْمُسْلِمِ إِذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، بَيْنَمَا الشَّافِعِيَّةُ يُجِيزُونَ أَكْلَهَا، لأَِنَّ دَلاَلَةَ الْعَامِّ عِنْدَهُمْ ظَنِّيَّةٌ، فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِمَا هُوَ ظَنِّيٌّ، وَإِنْ كَرِهُوا تَعَمُّدَ التَّرْكِ. (٣) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (تَذْكِيَة، وَتَسْمِيَة) . وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل أَيْضًا: اخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ فِي سَرِقَةِ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ مِنَ الْمَاءِ الْمُحَرَّزِ، فَالأَْصْل فِي الْمَاءِ الْمُحَرَّزِ أَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، وَأَنَّهُ مِلْكٌ لِمَنْ أَحْرَزَهُ، وَلاَ شَرِكَةَ فِيهِ وَلاَ شُبْهَةَ الشَّرِكَةِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ إِلاَّ مَا حُمِل. (٤) وَلِهَذَا قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ

стр. 2593

بِوُجُوبِ الْقَطْعِ، يَقُول ابْنُ رُشْدٍ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْشْيَاءِ الَّتِي أَصْلُهَا مُبَاحٌ، هَل يَجِبُ فِي سَرِقَتِهَا الْقَطْعُ؟ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْقَطْعَ فِي كُل مُتَمَوَّلٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَأَخْذُ الْعِوَضِ فِيهِ، وَعُمْدَتُهُمْ عُمُومُ الآْيَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ، يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) وَعُمُومُ الآْثَارِ الْوَارِدَةِ فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ، وَمِنْهَا مَا ثَبَتَ عَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ الرَّسُول ﷺ قَال: لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلاَّ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا. (٢) وَيَقُول الدُّسُوقِيُّ: وَيَجِبُ الْقَطْعُ وَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مُحَقَّرًا كَمَاءٍ وَحَطَبٍ، لأَِنَّهُ مُتَمَوَّلٌ مَا دَامَ مُحَرَّزًا، وَلَوْ كَانَ مُبَاحَ الأَْصْل. (٣) وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، (٤) وَالْقَوْل الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. (٥) لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، وَالْحَنَابِلَةَ يَرَوْنَ عَدَمَ الْقَطْعِ، لأَِنَّهُ لاَ يُتَمَوَّل عَادَةً، وَلأَِنَّ الإِْبَاحَةَ الأَْصْلِيَّةَ تُورِثُ شُبْهَةً بَعْدَ الإِْحْرَازِ، وَلأَِنَّ التَّافِهَ لاَ يُحَرَّزُ عَادَةً، أَوْ لاَ يُحَرَّزُ إِحْرَازَ الْخَطِيرِ، وَيَنْتَهُونَ إِلَى أَنَّ الاِعْتِمَادَ عَلَى مَعْنَى التَّفَاهَةِ دُونَ إِبَاحَةِ الأَْصْل،

стр. 2594

وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ السَّبَبَ شُبْهَةُ الشَّرِكَةِ. (١) ى - الإِْبْهَامُ مَعَ عَدَمِ إِمْكَانِ الْبَيَانِ: ١٨ - وَمِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا طَلَّقَ الرَّجُل إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ، دُونَ تَعْيِينِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ مَاتَ قَبْل الْبَيَانِ، فَيَحْدُثُ الاِشْتِبَاهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِيمَنْ وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلاَقُ. فَالْحَنَفِيَّةُ يُفَصِّلُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحْكَامَ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى، وَحُكْمَ الْمِيرَاثِ، وَحُكْمَ الْعِدَّةِ. فَأَمَّا حُكْمُ الْمَهْرِ فَإِنْ كَانَتَا مَدْخُولاً بِهِمَا فَلِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَمِيعُ الْمَهْرِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْمَهْرِ، مَنْكُوحَةً كَانَتْ أَوْ مُطَلَّقَةً. وَإِنْ كَانَتَا غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهِمَا فَلَهُمَا مَهْرٌ وَنِصْفُ مَهْرٍ بَيْنَهُمَا، لِكُل وَاحِدَةٍ. مِنْهُمَا ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِ الْمَهْرِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُحْتَمَل أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً مُتَوَفَّى عَنْهَا، وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُونَ مُطَلَّقَةً. فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً مُتَوَفَّى عَنْهَا تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْمَهْرِ، لأَِنَّ الْمَوْتَ بِمَنْزِلَةِ الدُّخُول، وَإِنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً تَسْتَحِقُّ النِّصْفَ فَقَطْ، لأَِنَّ النِّصْفَ سَقَطَ بِالطَّلاَقِ قَبْل الدُّخُول، فَلِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كُل الْمَهْرِ فِي حَالٍ، وَالنِّصْفُ فِي حَالٍ، وَلَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنَ الأُْخْرَى، فَيَتَنَصَّفُ، فَيَكُونُ لِكُل وَاحِدَةٍ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِ مَهْرٍ. وَأَمَّا حُكْمُ الْمِيرَاثِ، فَهُوَ أَنَّهُمَا يَرِثَانِ مِنْهُ مِيرَاثَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فِي الأَْحْوَال كُلِّهَا، لأَِنَّ إِحْدَاهُمَا مَنْكُوحَةٌ بِيَقِينٍ، وَلَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنَ الأُْخْرَى، فَيَكُونُ قَدْرُ مِيرَاثِ

стр. 2595

امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ. وَأَمَّا حُكْمُ الْعِدَّةِ، فَعَلَى كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَعِدَّةُ الطَّلاَقِ، أَيُّهُمَا أَطْوَل، لأَِنَّ إِحْدَاهُمَا مَنْكُوحَةٌ وَالأُْخْرَى مُطَلَّقَةٌ، وَعَلَى الْمَنْكُوحَةِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَعَلَى الْمُطَلَّقَةِ عِدَّةُ الطَّلاَقِ، فَدَارَتْ كُل وَاحِدَةٍ مِنَ الْعِدَّتَيْنِ فِي حَقِّ كُل وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَرْأَتَيْنِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَعَدَمِ الْوُجُوبِ، وَالْعِدَّةُ يُحْتَاطُ فِي إِيجَابِهَا، وَمِنْ الاِحْتِيَاطِ الْقَوْل بِوُجُوبِهَا عَلَى كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. (١) وَالْمَالِكِيَّةُ يُوَافِقُونَ الْحَنَفِيَّةَ (٢) فِي حُكْمِ الْمِيرَاثِ وَالصَّدَاقِ. وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ لَهُمْ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِدَّةِ. وَلَهُمْ فِي الصَّدَاقِ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (صَدَاق) . أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُمْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمِيرَاثِ يَرَوْنَ أَنَّهُ يُوقَفُ لِلزَّوْجَتَيْنِ مِنْ مَالِهِ نَصِيبُ زَوْجَةٍ إِلَى أَنْ يَصْطَلِحَا، لأَِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ إِرْثُ إِحْدَاهُمَا بِيَقِينٍ، وَلَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنَ الأُْخْرَى، فَإِنْ قَال وَارِثُ الزَّوْجِ: أَنَا أَعْرِفُ الزَّوْجَةَ مِنْهُمَا فَفِيهِ قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: يُرْجَعُ إِلَيْهِ، لأَِنَّهُ لَمَّا قَامَ مَقَامَهُ فِي اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ قَامَ مَقَامَهُ فِي تَعْيِينِ الزَّوْجَةِ. وَالثَّانِي: لاَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا زَوْجَةٌ فِي الظَّاهِرِ، وَفِي الرُّجُوعِ إِلَى بَيَانِهِ إِسْقَاطُ وَارِثٍ مُشَارِكٍ، وَالْوَارِثُ لاَ يَمْلِكُ إِسْقَاطَ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ. وَقِيل: إِنَّهُ فِي صُورَةِ مَا إِذَا طَلَّقَ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ دُونَ تَعْيِينٍ لاَ يُرْجَعُ إِلَى الْوَارِثِ قَوْلاً وَاحِدًا، لأَِنَّهُ اخْتِيَارُ شَهْوَةٍ. (٣)
следующие страницы →