Полный текст (31 949 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
قَوْلٌ، فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ بِالإِْقْرَارِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. (١)
وَقَالُوا: إِنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ لِمَنْ أَقَرَّ بِبُنُوَّةِ مَجْهُول النَّسَبِ مُسْتَوْفِيًا شُرُوطَهُ - ثَبَتَ نَسَبُهُ مُسْتَنِدًا لِوَقْتِ الْعُلُوقِ. (٢)
كَمَا نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ بِالْجَدِّ وَابْنِ الاِبْنِ لاَ يَصِحُّ، لأَِنَّ فِيهِ تَحْمِيل النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: إِنْ قَال الْمُقِرُّ: أَبُو هَذَا ابْنِي صُدِّقَ، لأَِنَّ الرَّجُل إِنَّمَا يُصَدَّقُ فِي إِلْحَاقِ وَلَدِهِ بِفِرَاشِهِ، لاَ بِإِلْحَاقِهِ بِفِرَاشِ غَيْرِهِ. (٣)
وَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ الْمُقِرِّ وَالْمُقَرِّ بِهِ وَاحِدٌ، وَهُوَ حَيٌّ - لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ إِلاَّ بِتَصْدِيقِهِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ إِلاَّ بِتَصْدِيقِ مَنْ بَيْنَهُمَا، لأَِنَّ النَّسَبَ يَتَّصِل بِالْمُقِرِّ مِنْ جِهَتِهِمْ فَلاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِتَصْدِيقِهِمْ. (٤)
إِقْرَاضٌ
انْظُرْ: قَرْض.
إِقْرَاعٌ
انْظُرْ: قُرْعَة. стр. 3432
أَقِطٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْقِطُ، وَالإِْقْطُ، وَالأَْقْطُ، وَالأُْقْطُ: شَيْءٌ يُتَّخَذُ مِنَ اللَّبَنِ الْمَخِيضِ، يُطْبَخُ ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يَمْصُل (أَيْ يَنْفَصِل عَنْهُ الْمَاءُ) ، وَالْقِطْعَةُ مِنْهُ أَقِطَةٌ (١) .
وَيُعَرِّفُهُ الْفُقَهَاءُ بِذَلِكَ أَيْضًا (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
تَتَعَلَّقُ بِالأَْقِطِ أَحْكَامٌ مِنْهَا مَا يَلِي:
أ - زَكَاةُ الْفِطْرِ:
٢ - يَجُوزُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ مِنَ الأَْقِطِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بِاعْتِبَارِهِ مِنَ الأَْقْوَاتِ، وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ - إِذْ كَانَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ. (٣) стр. 3433
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَتُعْتَبَرُ فِيهِ الْقِيمَةُ، وَلاَ يُجْزِئُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ مِنْهُ إِلاَّ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ يُوثَقُ بِهِ، وَجَوَازُ مَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، كَسَائِرِ الأَْعْيَانِ الَّتِي لَمْ يَقَعِ التَّنْصِيصُ عَلَيْهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ (١)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (زَكَاةُ الْفِطْرِ) .
ب - الْبَيْعُ:
٣ - يُعْتَبَرُ الأَْقِطُ مِنَ الرِّبَوِيَّاتِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّمَاثُل وَالتَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ إِنْ بِيعَتْ بِمِثْلِهَا.
وَالْفُقَهَاءُ يَخْتَلِفُونَ فِي جَوَازِ بَيْعِ الأَْقِطِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ. فَأَجَازَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لإِِمْكَانِ التَّمَاثُل وَالتَّسَاوِي، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيَّةُ لأَِنَّ أَجْزَاءَهُ مُنْعَقِدَةٌ، وَلأَِنَّهُ يُخَالِطُهُ الْمِلْحُ فَلاَ تَتَحَقَّقُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ. (٢)
وَفِيهِ تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ يُنْظَرُ فِي (بَيْع، وَرِبًا) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - تَتَعَدَّدُ مَوَاطِنُ أَحْكَامِ الأَْقِطِ، فَتَأْتِي فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَالرِّبَا، وَالسَّلَمِ، وَتُنْظَرُ فِي مَوَاطِنِهَا.
إِقْطَاعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الإِْقْطَاعِ فِي اللُّغَةِ: التَّمْلِيكُ стр. 3434
وَالإِْرْفَاقُ، يُقَال اسْتَقْطَعَ الإِْمَامُ قَطِيعَةً فَأَقْطَعَهُ إِيَّاهَا: أَيْ سَأَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ إِقْطَاعًا يَتَمَلَّكُهُ وَيَسْتَبِدُّ بِهِ وَيَنْفَرِدُ، وَيُقَال: أَقْطَعَ الإِْمَامُ الْجُنْدَ الْبَلَدَ: إِذَا جَعَل لَهُمْ غَلَّتَهَا رِزْقًا. (١)
وَهُوَ كَذَلِكَ شَرْعًا يُطْلَقُ عَلَى مَا يُقْطِعُهُ الإِْمَامُ، أَيْ يُعْطِيهِ مِنَ الأَْرَاضِي رَقَبَةً أَوْ مَنْفَعَةً لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:
٢ - هُوَ كَمَا عَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ: عِمَارَةُ الأَْرْضِ الْخَرِبَةِ الَّتِي لاَ مَالِكَ لَهَا وَلاَ يَنْتَفِعُ بِهَا أَحَدٌ (٣) .
ب - أَعْطِيَاتُ السُّلْطَانِ:
٣ - الْعَطَاءُ وَالْعَطِيَّةُ: اسْمٌ لِمَا يُعْطَى، وَالْجَمْعُ عَطَايَا وَأَعْطِيَةٌ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَعْطِيَاتٌ. وَأَعْطِيَاتُ السُّلْطَانِ: مَا يُعْطِيهِ لأَِحَدٍ مِنَ الرَّعِيَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَال مَعَ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ.
وَعَلَى هَذَا قَدْ يَكُونُ الإِْقْطَاعُ عَطَاءً، وَقَدْ يَنْفَصِل الْعَطَاءُ، فَيَكُونُ فِي الأَْمْوَال الْمَنْقُولَةِ غَالِبًا (٤) .
ج - الْحِمَى:
٤ - الْمَشْرُوعُ مِنْهُ: أَنْ يَحْمِيَ الإِْمَامُ أَرْضًا مِنَ стр. 3435
الْمَوَاتِ، يَمْنَعُ النَّاسَ رَعْيَ مَا فِيهَا مِنَ الْكَلأَِ لِتَكُونَ خَاصَّةً لِبَعْضِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَمَوَاشِي الصَّدَقَةِ.
د - الإِْرْصَادُ:
٥ - الإِْرْصَادُ لُغَةً: الإِْعْدَادُ، وَاصْطِلاَحًا: تَخْصِيصُ الإِْمَامِ غَلَّةَ بَعْضِ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَال لِبَعْضِ مَصَارِفِهِ. وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِرْصَاد) . فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِْقْطَاعِ أَنَّ الإِْرْصَادَ لاَ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُرْصَدِ لَهُ، بِحَيْثُ يَتَوَارَثُهُ أَوْلاَدُهُ أَوْ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ كَمَا شَاءُوا. (١)
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٦ - الإِْقْطَاعُ جَائِزٌ بِشُرُوطِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ إِقْطَاعَ تَمْلِيكٍ أَمْ إِقْطَاعَ إِرْفَاقٍ، وَدَلِيل ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ رَكْضَ فَرَسِهِ مِنْ مَوَاتِ النَّقِيعِ، وَكَذَلِكَ فَعَل الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ. (٢)
أَنْوَاعُ الإِْقْطَاعِ:
الإِْقْطَاعُ نَوْعَانِ:
٧ - النَّوْعُ الأَْوَّل: إِقْطَاعُ الإِْرْفَاقِ (أَوِ الإِْمْتَاعِ أَوِ الاِنْتِفَاعِ) . стр. 3436
وَهُوَ: إِرْفَاقُ النَّاسِ بِمَقَاعِدِ الأَْسْوَاقِ، وَأَفْنِيَةِ الشَّوَارِعِ، وَحَرِيمِ الأَْمْصَارِ، وَمَنَازِل الْمُسَافِرِينَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ (١) . وَهُوَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الأَْوَّل:
٨ - مَا يَخْتَصُّ الإِْرْفَاقُ فِيهِ بِالصَّحَارَى وَالْفَلَوَاتِ. حَيْثُ مَنَازِل الْمُسَافِرِينَ وَحُلُول الْمِيَاهِ، وَذَلِكَ ضَرْبَانِ:
(أَحَدُهُمَا) : أَنْ يَكُونَ لاِجْتِيَازِ السَّابِلَةِ وَاسْتِرَاحَةِ الْمُسَافِرِينَ فِيهِ. وَهَذَا لاَ نَظَرَ لِلسُّلْطَانِ فِيهِ لِبُعْدِهِ عَنْهُ، وَاَلَّذِي يَخُصُّ السُّلْطَانَ مِنْ ذَلِكَ إِصْلاَحُ عَوْرَتِهِ وَحِفْظُ مِيَاهِهِ، وَالتَّخْلِيَةُ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ نُزُولِهِ، وَيَكُونُ السَّابِقُ إِلَى الْمَنْزِل أَحَقَّ بِحُلُولِهِ فِيهِ مِنَ الْمَسْبُوقِ حَتَّى يَرْتَحِل عَنْهُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ مِنَى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ. (٢) فَإِنْ نَزَلُوهُ سَوَاءً، عُدِل بَيْنَهُمْ نَفْيًا لِلتَّنَازُعِ.
(وَالثَّانِي) أَنْ يَكُونَ نُزُولُهُمْ لِلاِسْتِيطَانِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلِلإِْمَامِ مَنْعُهُمْ أَوْ تَرْكُهُمْ حَسَبَ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. (٣)
الْقِسْمُ الثَّانِي:
٩ - وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ وَالأَْمْلاَكِ. يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الاِرْتِفَاقُ مُضِرًّا بِهِمْ مُنِعَ اتِّفَاقًا، إِلاَّ أَنْ يَأْذَنُوا بِدُخُول الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ. стр. 3437
فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُضِرٍّ بِهِمْ فَفِي إِبَاحَةِ ارْتِفَاقِهِمْ بِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ أَرْبَابِهَا اتِّجَاهَانِ:
الأَْوَّل: أَنَّ لَهُمْ الاِرْتِفَاقَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ أَرْبَابُهَا، لأَِنَّ الْحَرِيمَ (وَهُوَ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَهْل الدُّورِ مِنْ أَمَاكِنَ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ لأَِحَدٍ) يُعْتَبَرُ مِرْفَقًا إِذَا وَصَل أَهْلُهُ إِلَى حَقِّهِمْ مِنْهُ سَاوَاهُمُ النَّاسُ فِيمَا عَدَاهُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ.
الثَّانِي: لاَ يَجُوزُ الاِرْتِفَاقُ بِحَرِيمِهِمْ إِلاَّ عَنْ إِذْنِهِمْ، لأَِنَّهُ تَبَعٌ لأَِمْلاَكِهِمْ فَكَانُوا بِهِ أَحَقَّ، وَبِالتَّصَرُّفِ فِيهِ أَخَصَّ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ:
١٠ - هُوَ مَا اخْتَصَّ بِأَفْنِيَةِ الشَّوَارِعِ وَالطُّرُقَاتِ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى نَظَرِ السُّلْطَانِ، وَفِي حُكْمِ نَظَرِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ نَظَرَهُ فِيهِ مَقْصُورٌ عَلَى كَفِّهِمْ عَنِ التَّعَدِّي، وَمَنْعِهِمْ مِنَ الإِْضْرَارِ، وَالإِْصْلاَحِ بَيْنِهِمْ عِنْدَ التَّشَاجُرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ نَظَرَهُ فِيهِ نَظَرُ مُجْتَهِدٍ فِيمَا يَرَاهُ صَالِحًا، فِي إِجْلاَسِ مَنْ يَجْلِسُ، وَمَنْعِ مَنْ يَمْنَعُهُ، وَتَقْدِيمِ مَنْ يُقَدِّمُهُ. (١) стр. 3438
النَّوْعُ الثَّانِي: إِقْطَاعُ التَّمْلِيكِ:
١١ - هُوَ تَمْلِيكٌ مِنَ الإِْمَامِ مُجَرَّدٌ عَنْ شَائِبَةِ الْعِوَضِيَّةِ بِإِحْيَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ. (١)
أَقْسَامُهُ وَحُكْمُ تِلْكَ الأَْقْسَامِ:
١٢ - يَنْقَسِمُ إِقْطَاعُ التَّمْلِيكِ فِي الأَْرْضِ الْمُقْطَعَةِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
مَوَاتٍ، وَعَامِرٍ، وَمَعَادِنَ.
إِقْطَاعُ الْمَوَاتِ:
إِقْطَاعُ الْمَوَاتِ ضَرْبَانِ:
١٣ - الضَّرْبُ الأَْوَّل: مَا لَمْ يَزَل مَوَاتًا مِنْ قَدِيمِ الدَّهْرِ، فَلَمْ تَجْرِ فِيهِ عِمَارَةٌ وَلاَ يَثْبُتُ عَلَيْهِ مِلْكٌ، فَهَذَا يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يُقْطِعَهُ مَنْ يُحْيِيهِ وَمَنْ يُعَمِّرُهُ، وَقَدْ أَقْطَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَكْضَ فَرَسِهِ مِنْ مَوَاتِ النَّقِيعِ، فَأَجْرَاهُ، ثُمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ رَغْبَةً فِي الزِّيَادَةِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَعْطُوهُ مُنْتَهَى سَوْطِهِ. (٢)
وَيَمْتَنِعُ بِهِ إِقْدَامُ غَيْرِ الْمُقْطَعِ عَلَى إِحْيَائِهِ، لأَِنَّهُ مَلَكَ رَقَبَتَهُ بِالإِْقْطَاعِ نَفْسِهِ، خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ إِقْطَاعَ الْمَوَاتِ مُطْلَقًا لاَ يُفِيدُ تَمْلِيكًا، لَكِنَّهُ يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَحْيَاهُ مَلَكَهُ بِالإِْحْيَاءِ لاَ بِالإِْقْطَاعِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الإِْقْطَاعُ مُطْلَقًا، أَوْ مَشْكُوكًا فِيهِ، فَإِنَّهُ يُحْمَل عَلَى إِقْطَاعِ الإِْرْفَاقِ، لأَِنَّهُ الْمُحَقَّقُ. (٣) стр. 3439
١٤ - الضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ الْمَوَاتِ: مَا كَانَ عَامِرًا فَخَرِبَ، فَصَارَ مَوَاتًا عَاطِلاً، وَذَلِكَ نَوْعَانِ:
(أَحَدُهُمَا) مَا كَانَ عَادِيًّا (أَيْ قَدِيمًا، جَاهِلِيًّا) فَهُوَ كَالْمَوَاتِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عِمَارَةٌ وَيَجُوزُ إِقْطَاعُهُ. قَال ﷺ عَادِيُّ الأَْرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي (١)
(ثَانِيهِمَا) مَا كَانَ إِسْلاَمِيًّا جَرَى عَلَيْهِ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ خَرِبَ حَتَّى صَارَ مَوَاتًا عَاطِلاً، وَلاَ يُعْرَفُ لَهُ مَالِكٌ وَلاَ وَرَثَةُ مَالِكٍ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ مَالٌ ضَائِعٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى رَأْيِ الإِْمَامِ مُطْلَقًا.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُمْلَكُ بِالإِْحْيَاءِ مُطْلَقًا، إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ غَيْرَ مُقْطَعَةٍ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ مُقْطَعَةً فَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا لاَ تُمْلَكُ بِالإِْحْيَاءِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَرْبَابُهُ مُلِكَ بِالإِْحْيَاءِ، بِشَرْطِ إِقْطَاعِ الإِْمَامِ لَهُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ. (٢)
إِقْطَاعُ الْعَامِرِ
إِقْطَاعُ الْعَامِرِ ضَرْبَانِ:
١٥ - الضَّرْبُ الأَْوَّل: مَا تَعَيَّنَ مَالِكُهُ فَلاَ نَظَرَ стр. 3440
لِلسُّلْطَانِ فِي إِقْطَاعِهِ اتِّفَاقًا، إِلاَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الأَْرْضِ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَال أَوِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ. وَهَذَا إِذَا كَانَتْ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ لِمُسْلِمٍ أَمْ لِذِمِّيٍّ. فَإِنْ كَانَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ الَّتِي لاَ يَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا يَدٌ، فَأَرَادَ الإِْمَامُ إِقْطَاعَهَا عِنْدَ الظَّفَرِ جَازَ. وَقَدْ: سَأَل تَمِيمٌ الدَّارِيُّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْطِعَهُ عُيُونَ الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ بِالشَّامِ قَبْل فَتْحِهِ فَفَعَل. (١)
١٦ - الضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ الْعَامِرِ: مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مَالِكُوهُ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ مُسْتَحِقُّوهُ: فَمَا اصْطَفَاهُ الإِْمَامُ لِبَيْتِ الْمَال، وَكَذَلِكَ كُل مَا دَخَل بَيْتَ الْمَال مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ، أَوْ مَا مَاتَ عَنْهُ أَرْبَابُهُ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ وَارِثٌ بِفَرْضٍ وَلاَ تَعْصِيبٍ فَفِي إِقْطَاعِهِ رَأْيَانِ:
الأَْوَّل: عَدَمُ الْجَوَازِ. وَهُوَ رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِقْطَاعُ رَقَبَتِهِ لاِصْطِفَائِهِ لِبَيْتِ الْمَال، فَكَانَ بِذَلِكَ مِلْكًا لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ. فَجَرَى عَلَى رَقَبَتِهِ حُكْمُ الْوَقْفِ الْمُؤَبَّدِ.
الثَّانِي: الْجَوَازُ. وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يُجِيزَ مِنْ بَيْتِ الْمَال مَنْ لَهُ غَنَاءٌ فِي الإِْسْلاَمِ، وَمَنْ يَقْوَى بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ، وَيَعْمَل فِي ذَلِكَ بِاَلَّذِي يَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَصْلَحُ لأَِمْرِهِمْ، وَالأَْرْضُ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَال يَصِحُّ تَمْلِيكُ رَقَبَتِهَا، كَمَا يُعْطَى الْمَال حَيْثُ ظَهَرَتِ الْمَصْلَحَةُ (٢) . стр. 3441
إِقْطَاعُ الْمَعَادِنِ
الْمَعَادِنُ هِيَ الْبِقَاعُ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ جَوَاهِرَ الأَْرْضِ. وَهِيَ ضَرْبَانِ: ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ.
١٧ - أَمَّا الظَّاهِرَةُ: فَمَا كَانَ جَوْهَرُهَا الْمُسْتَوْدَعُ فِيهَا بَارِزًا. كَمَعَادِنِ الْكُحْل، وَالْمِلْحِ، وَالنَّفْطِ، فَهُوَ كَالْمَاءِ الَّذِي لاَ يَجُوزُ إِقْطَاعُهُ، وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ، يَأْخُذُهُ مَنْ وَرَدَ إِلَيْهِ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ أَبْيَضَ بْنَ حَمَّالٍ اسْتَقْطَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِلْحَ مَأْرَبٍ فَأَقْطَعَهُ، فَقَال الأَْقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي وَرَدْتُ هَذَا الْمِلْحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا غَيْرُهُ، مَنْ وَرَدَهُ أَخَذَهُ وَهُوَ مِثْل الْمَاءِ الْعِدِّ بِالأَْرْضِ، فَاسْتَقَال أَبْيَضَ قَطِيعَةَ الْمِلْحِ. فَقَال: قَدْ أَقَلْتُكَ عَلَى أَنْ تَجْعَلَهُ مِنِّي صَدَقَةً. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : هُوَ مِنْكَ صَدَقَةٌ، وَهُوَ مِثْل الْمَاءِ الْعِدِّ، مَنْ وَرَدَهُ أَخَذَهُ (١)
وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ أَجَازُوا إِقْطَاعَ الإِْمَامِ لِلْمَعَادِنِ بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ.
١٨ - وَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ: فَهِيَ مَا كَانَ جَوْهَرُهُ مُسْتَكِنًّا فِيهَا، لاَ يُوصَل إِلَيْهِ إِلاَّ بِالْعَمَل، كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالصُّفْرِ وَالْحَدِيدِ. فَهَذِهِ وَمَا أَشْبَهَهَا مَعَادِنُ بَاطِنَةٌ، سَوَاءٌ احْتَاجَ الْمَأْخُوذُ مِنْهَا إِلَى سَبْكٍ وَتَصْفِيَةٍ وَتَخْلِيصٍ أَوْ لَمْ يَحْتَجْ. وَقَدْ أَجَازَ إِقْطَاعَهَا الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَمَنَعَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الرَّأْيُ الرَّاجِحُ لِلشَّافِعِيَّةِ. (٢) стр. 3442
التَّصَرُّفُ فِي الأَْرَاضِيِ الأَْمِيرِيَّةِ:
١٩ - يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَدْفَعَ الأَْرْضَ الأَْمِيرِيَّةَ لِلزِّرَاعَةِ، إِمَّا بِإِقَامَتِهِمْ مَقَامَ الْمُلاَّكِ فِي الزِّرَاعَةِ وَإِعْطَاءِ الْخَرَاجِ، أَوَإِجَارَتِهَا لِلزُّرَّاعِ بِقَدْرِ الْخَرَاجِ، وَعَلَى هَذَا اتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ.
وَأَمَّا إِقْطَاعُهَا أَوْ تَمْلِيكُهَا: فَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، لأَِنَّهُ صَارَ مِلْكًا عَامًّا لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يُجِيزَ مِنْ بَيْتِ الْمَال مَنْ لَهُ غَنَاءٌ فِي الإِْسْلاَمِ، كَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْمَل مَا يَرَاهُ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ وَأَصْلَحَ، وَالأَْرْضُ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَال. (١)
وَعَلَى هَذَا فَمَنْ يُلْغِي إِقْطَاعَهَا لاَ يُجِيزُ تَمْلِيكَهَا، أَوْ إِرْثَهَا أَوْ إِرْثَ اخْتِصَاصِهَا، وَإِنَّمَا مَنَافِعُهَا هِيَ الَّتِي تُمْلَكُ فَقَطْ. فَلَهُ إِيجَارُهَا، وَلِلإِْمَامِ إِخْرَاجُهَا عَنْهُ مَتَى شَاءَ، غَيْرَ أَنَّهُ جَرَى الرَّسْمُ فِي الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنِ ابْنٍ انْتَقَل الاِخْتِصَاصُ لِلاِبْنِ مَجَّانًا، وَإِلاَّ فَلِبَيْتِ الْمَال، وَلَوْ لَهُ بِنْتٌ أَوْ أَخٌ لأَِبٍ لَهُ أَخْذُهَا بِالإِْجَارَةِ الْفَاسِدَةِ. وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الأَْرَاضِي الأَْمِيرِيَّةُ عَامِرَةً، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مَوَاتًا فَإِنَّهَا تُمْلَكُ بِالإِْحْيَاءِ، وَتُؤْخَذُ بِالإِْقْطَاعِ كَمَا سَبَقَ، وَتُورَثُ عَنْهُ إِذَا مَاتَ، وَيَصِحُّ بَيْعُهَا، وَعَلَيْهِ وَظِيفَتُهَا مِنْ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ (٢) وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ - (أَرْضُ الْحَوْزِ) . стр. 3443
إِقْطَاعُ الْمَرَافِقِ:
٢٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ إِقْطَاعُ الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ وَمَا لاَ غِنَى عَنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ أَرْضُ الْمِلْحِ وَالْقَارِ وَنَحْوِهَا. وَكَذَلِكَ مَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ، وَتَعَلَّقَتْ بِهِ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ طُرُقٍ وَسَيْل مَاءٍ وَمَطْرَحِ قُمَامَةٍ وَمَلْقَى تُرَابٍ وَآلاَتٍ، فَلاَ يَجُوزُ إِقْطَاعُهُ، بِغَيْرِ خِلاَفٍ، وَكَذَلِكَ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ مَصَالِحُ الْقَرْيَةِ، كَفِنَائِهَا وَمَرْعَى مَاشِيَتِهَا وَمُحْتَطَبِهَا وَطُرُقِهَا وَمَسِيل مَائِهَا، لاَ يَجُوزُ إِقْطَاعُهُ (١) .
إِجَارَةُ الإِْقْطَاعَاتِ وَإِعَارَتُهَا:
٢١ - مَا أَقْطَعَهُ الإِْمَامُ لِلنَّاسِ مِلْكًا، أَوِ اشْتُرِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَال شِرَاءً مُسَوِّغًا، فَلاَ خَفَاءَ فِي جَوَازِ إِجَارَتِهِ وَإِعَارَتِهِ، حَيْثُ صَارَ مِلْكًا لِلأَْشْخَاصِ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلاَّكِ، وَمَنْ أَقْطَعَهُ الإِْمَامُ أَرْضًا إِقْطَاعَ انْتِفَاعٍ فِي مُقَابَلَةِ خِدْمَةٍ عَامَّةٍ يُؤَدِّيهَا، وَبِعِبَارَةِ الْفُقَهَاءِ: فِي مُقَابَلَةِ اسْتِعْدَادِهِ لِمَا أُعِدَّ لَهُ، فَإِنَّ لِلْمُقْطَعِ إِجَارَتَهَا وَإِعَارَتَهَا، لأَِنَّهُ مَلَكَهَا مِلْكَ مَنْفَعَةٍ.
وَإِذَا مَاتَ الْمُؤَجِّرُ، أَوْ أَخْرَجَ الإِْمَامُ الأَْرْضَ الْمُقْطَعَةَ مِنْهُ انْفَسَخَتِ الإِْجَارَةُ، لاِنْتِقَال الْمِلْكِ إِلَى غَيْرِ الْمُؤَجِّرِ. (٢)
اسْتِرْجَاعُ الإِْقْطَاعَاتِ:
٢٢ - إِذَا أَقْطَعَ الإِْمَامُ أَرْضًا مَوَاتًا، وَتَمَّ إِحْيَاؤُهَا، أَوْ لَمْ تَمْضِ الْمُدَّةُ الْمُقَرَّرَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِلإِْحْيَاءِ، فَلَيْسَ لَهُ стр. 3444
اسْتِرْجَاعُ الإِْقْطَاعِ مِنْ مُقْطَعِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الإِْقْطَاعُ مِنْ بَيْتِ الْمَال بِشِرَاءٍ مَسُوغٍ أَوْ بِمُقَابِلٍ، لأَِنَّهُ فِي الأَْوَّل يَكُونُ تَمْلِيكًا بِالإِْحْيَاءِ، وَفِي الثَّانِي يَكُونُ تَمْلِيكًا بِالشِّرَاءِ فَلاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُهُ مِنْهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ. (١)
تَرْكُ عِمَارَةِ الأَْرْضِ الْمُقْطَعَةِ:
٢٣ - لاَ يُعَارِضُ الْمُقْطَعُ إِذَا أَهْمَل أَرْضَهُ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ قَبْل طُول انْدِرَاسِهَا. وَقَدَّرَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ بِثَلاَثِ سِنِينَ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ أَحْيَاهَا غَيْرُهُ قَبْل ذَلِكَ كَانَتْ مِلْكًا لِلْمُقْطَعِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ:
إِنْ أَحْيَاهَا عَالِمًا بِالإِْقْطَاعِ كَانَتْ مِلْكًا لِلْمُقْطَعِ، وَإِنْ أَحْيَاهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِالإِْقْطَاعِ، خُيِّرَ الْمُقْطَعُ بَيْنَ أَخْذِهَا وَإِعْطَاءِ الْمُحْيِي نَفَقَةَ عِمَارَتِهِ، وَبَيْنَ تَرْكِهَا لِلْمُحْيِي وَالرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الأَْرْضِ الْمُحْيَاةِ. وَقَال سَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ مُحْيِيهَا وَلَوْ طَال انْدِرَاسُهَا، وَإِنْ أَعْمَرَهَا غَيْرُهُ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ الأَْوَّل.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، وَاعْتَبَرُوا الْقُدْرَةَ عَلَى الإِْحْيَاءِ بَدَلاً مِنْهَا. فَإِنْ مَضَى زَمَانٌ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا فِيهِ قِيل لَهُ: إِمَّا أَنْ تُحْيِيَهَا فَتَقِرَّ فِي يَدِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ يَدَكَ عَنْهَا لِتَعُودَ إِلَى حَالِهَا قَبْل الإِْقْطَاعِ. وَقَدِ اعْتَبَرَ الْحَنَابِلَةُ الأَْعْذَارَ الْمَقْبُولَةَ مُسَوِّغًا لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ بِدُونِ إِحْيَاءٍ، إِلَى أَنْ يَزُول الْعُذْرُ. وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ عُمَرَ ﵁ جَعَل أَجَل الإِْقْطَاعِ إِلَى ثَلاَثِ سِنِينَ. стр. 3445
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ التَّأْجِيل لاَ يَلْزَمُ، وَتَأْجِيل عُمَرَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِسَبَبٍ اقْتَضَاهُ. (١)
وَقْفُ الإِْقْطَاعَاتِ:
٢٤ - إِنَّ وَقْفَ الإِْقْطَاعِ يَدُورُ صِحَّةً وَعَدَمًا عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِيَّةِ وَعَدَمِهِ لِلْوَاقِفِ، فَمَنْ أَثْبَتَهَا لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ حَكَمَ بِصِحَّةِ وَقْفِ الإِْقْطَاعِ، وَمَنْ لَمْ يُثْبِتْهَا لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّتِهِ. عَلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَقِفَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَال عَلَى جِهَةٍ أَوْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، مَعَ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ مَا يَقِفُهُ، إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ. (٢)
الإِْقْطَاعُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ:
٢٥ - الأَْصْل فِي إِقْطَاعِ التَّمْلِيكِ: أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا عَنِ الْعِوَضِ، فَإِنْ أَقْطَعَهُ الإِْمَامُ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا أَوْ كُل عَامٍ كَذَا - جَازَ وَعُمِل بِهِ، وَمَحَل الْعِوَضِ الْمَأْخُوذِ بَيْتُ مَال الْمُسْلِمِينَ، لاَ يَخْتَصُّ الإِْمَامُ بِهِ، لِعَدَمِ مِلْكِهِ لِمَا أَقْطَعَهُ، وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَرَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، حَيْثُ إِنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَفْعَل مَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ. وَهُنَاكَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ بِخِلاَفِهِ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ الإِْقْطَاعَ عَطِيَّةٌ وَهِبَةٌ وَصِلَةٌ وَلَيْسَ بَيْعًا، وَالأَْثْمَانُ مِنْ صِفَةِ الْبَيْعِ. (٣) стр. 3446
أَقْطَعُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْقْطَعُ لُغَةً: مَقْطُوعُ الْيَدِ (١) .
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ: يُسْتَعْمَل فِي مَقْطُوعِ الْيَدِ أَوِ الرِّجْل. (٢) وَفِي الْعَمَل النَّاقِصِ أَوْ قَلِيل الْبَرَكَةِ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - كُل أَمْرٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ (٤) كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ.
٣ - وَالْمُكَلَّفُ إِنْ كَانَ مَقْطُوعَ الْيَدِ أَوِ الرِّجْل يَسْقُطُ عَنْهُ الْجِهَادُ إِنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ، لأَِنَّهُ إِذَا سَقَطَ عَنِ الأَْعْرَجِ فَالأَْقْطَعُ أَوْلَى، وَلأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الْمَشْيِ، وَالْيَدَيْنِ لِيَتَّقِيَ بِأَحَدِهِمَا وَيَضْرِبَ بِالأُْخْرَى. (٥) стр. 3447
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَجْعَل بَعْضَ الأَْمْرَاضِ الَّتِي تُصِيبُ الْيَدَ أَوِ الرِّجْل عُذْرًا يَمْنَعُ الْخُرُوجَ لِلْقِتَال كَذَلِكَ.
٤ - وَمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ غَسْل الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل (ر: وُضُوء، غُسْل) .
٥ - وَقَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْل صِفَةُ نَقْصٍ فِي إِمَامِ الصَّلاَةِ، وَلِذَلِكَ كَرِهَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِمَامَتَهُ لِغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهَا، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي شُرُوطِ الإِْمَامَةِ. (١)
٦ - وَإِنْ قَطَعَ الأَْقْطَعَ مِنْ غَيْرِهِ عُضْوًا مُمَاثِلاً لِلْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ أَوْ غَيْرَ مُمَاثِلٍ فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (قِصَاص) . وَكَذَلِكَ إِذَا سَرَقَ فَفِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ تَفْصِيلٌ: (ر: سَرِقَة) .
إِقْعَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْقْعَاءُ عِنْدَ الْعَرَبِ: إِلْصَاقُ الأَْلْيَتَيْنِ بِالأَْرْضِ، وَنَصْبُ السَّاقَيْنِ وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الأَْرْضِ، وَقَال ابْنُ الْقَطَّاعِ: أَقْعَى الْكَلْبُ: جَلَسَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَنَصَبَ فَخِذَيْهِ، وَأَقْعَى الرَّجُل: جَلَسَ تِلْكَ الْجِلْسَةَ. (٢)
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي الإِْقْعَاءِ تَفْسِيرَانِ:
الأَْوَّل: نَحْوُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ стр. 3448
الطَّحَاوِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. (١)
وَالثَّانِي: أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الأَْرْضِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. (٢)
وَجِلْسَةُ الإِْقْعَاءِ غَيْرُ التَّوَرُّكِ وَالاِفْتِرَاشِ، فَالاِفْتِرَاشُ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى كَعْبِ يُسْرَاهُ بِحَيْثُ يَلِي ظَهْرُهَا الأَْرْضَ وَيَنْصِبَ يُمْنَاهُ، (٣) وَيُخْرِجَهَا مِنْ تَحْتِهِ، وَيَجْعَل بُطُونَ أَصَابِعِهَا عَلَى الأَْرْضِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا لِتَكُونَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ. (٤)
وَالتَّوَرُّكُ إِفْضَاءُ أَلْيَةِ وَوَرِكِ وَسَاقِ الرِّجْل الْيُسْرَى لِلأَْرْضِ، وَنَصْبُ الرِّجْل الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَبَاطِنِ إِبْهَامِ الْيُمْنَى لِلأَْرْضِ، فَتَصِيرُ رِجْلاَهُ مَعًا مِنَ الْجَانِبِ الأَْيْمَنِ (٥) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الإِْقْعَاءُ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل مَكْرُوهٌ فِي الصَّلاَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، (٦) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الإِْقْعَاءِ فِي الصَّلاَةِ. (٧) وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الإِْقْعَاءُ بِهَذِهِ стр. 3449
الصُّورَةِ حَرَامٌ، وَلَكِنْ لاَ تَبْطُل بِهِ الصَّلاَةُ. (١)
وَأَمَّا الإِْقْعَاءُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَمَكْرُوهٌ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (٢) اسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ بِمَا رَوَاهُ الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لاَ تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. (٣)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الإِْقْعَاءُ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ سُنَّةٌ، فَفِي مُسْلِمٍ الإِْقْعَاءُ سُنَّةُ نَبِيِّنَا ﷺ (٤) وَفَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بِهَذَا، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَالإِْمْلاَءِ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، (٥) وَنُقِل عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَال: لاَ أَفْعَل وَلاَ أَعِيبُ مَنْ فَعَلَهُ، وَقَال: الْعَبَادِلَةُ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ. (٦)
أَمَّا الإِْقْعَاءُ فِي الأَْكْل فَلاَ يُكْرَهُ (٧) ، رَوَى أَنَسٌ стр. 3450
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ جَالِسًا مُقْعِيًا يَأْكُل تَمْرًا. (١)
أَقْلَفُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْقْلَفُ: هُوَ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ، (٢) وَالْمَرْأَةُ قَلْفَاءُ، وَالْفُقَهَاءُ يَخُصُّونَ أَحْكَامَ الأَْقْلَفِ بِالرَّجُل دُونَ الْمَرْأَةِ.
وَيُقَابِل الأَْقْلَفَ فِي الْمَعْنَى - الْمَخْتُونُ.
وَإِزَالَةُ الْقُلْفَةِ مِنَ الأَْقْلَفِ تُسَمَّى خِتَانًا فِي الرَّجُل، وَخَفْضًا فِي الْمَرْأَةِ.
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِزَالَةَ الْقُلْفَةِ مِنَ الأَْقْلَفِ مِنْ سُنَنِ الْفِطْرَةِ، لِتَضَافُرِ الأَْحَادِيثِ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَْظَافِرِ، وَنَتْفُ الإِْبْطِ. (٣) كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (خِتَان) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى أَنَّ الْخِتَانَ стр. 3451
فَرْضٌ. وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالشَّعْبِيِّ وَرَبِيعَةَ الرَّأْيِ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الأَْقْلَفَ تَارِكُ فَرْضٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (١)
٣ - يَخْتَصُّ الأَْقْلَفُ بِبَعْضِ الأَْحْكَامِ:
أ - رَدُّ شَهَادَتِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ كَانَ تَرْكُهُ الاِخْتِتَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ. وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ مَذْهَبَيِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ الاِخْتِتَانِ، وَتَرْكُ الْوَاجِبِ فِسْقٌ، وَشَهَادَةُ الْفَاسِقِ مَرْدُودَةٌ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ شَهَادَتِهِ. (٢)
ب - جَوَازُ ذَبِيحَةِ الأَْقْلَفِ وَصَيْدِهِ، لأَِنَّهُ لاَ أَثَرَ لِلْفِسْقِ فِي الذَّبِيحَةِ وَالصَّيْدِ، وَلِذَلِكَ فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ - وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّ ذَبِيحَةَ الأَْقْلَفِ وَصَيْدَهُ يُؤْكَلاَنِ، لأَِنَّ ذَبِيحَةَ النَّصْرَانِيِّ تُؤْكَل فَهَذَا أَوْلَى.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ ذَبِيحَةَ الأَْقْلَفِ لاَ تُؤْكَل، وَقَدْ بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ. (٣) стр. 3452
ج - إِذَا كَانَ الاِخْتِتَانُ - إِزَالَةُ الْقُلْفَةِ - فَرْضًا، أَوْ سُنَّةً، فَلَوْ أَزَالَهَا إِنْسَانٌ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. (١)
د - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ حَرَجٌ فِي غَسْل مَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ فَلاَ يُطْلَبُ تَطْهِيرُهَا دَفْعًا لِلْحَرَجِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ تَطْهِيرُهَا مُمْكِنًا مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ فَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يُوجِبُونَ تَطْهِيرَ مَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ فِي الْغُسْل وَالاِسْتِنْجَاءِ، (٢) لأَِنَّهَا وَاجِبَةُ الإِْزَالَةِ، وَمَا تَحْتَهَا لَهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى اسْتِحْبَابِ غَسْلِهَا فِي الْغُسْل وَالاِسْتِنْجَاءِ، وَيُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ مَوَاهِبِ الْجَلِيل أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ يَرَوْنَ وُجُوبَ غَسْل مَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ. (٣)
هـ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُمْ مَنْ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ تَطْهِيرِ مَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ، إِلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَغْسِل مَا تَحْتَهَا لاَ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ، وَبِالتَّالِي لاَ تَصِحُّ إِمَامَتُهُ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَتَصِحُّ إِمَامَتُهُ عِنْدَهُمْ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةُ يَرَوْنَ جَوَازَ إِمَامَةِ الأَْقْلَفِ، وَلَكِنَّهُمْ يَرَوْنَ كَرَاهَةَ تَعْيِينِهِ إِمَامًا رَاتِبًا، وَمَعَ هَذَا لَوْ صَلَّى النَّاسُ خَلْفَهُ لَمْ يُعِيدُوا صَلاَتَهُمْ. (٤) стр. 3453
أَقَل الْجَمْعِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجَمْعُ فِي اللُّغَةِ: تَأْلِيفُ الْمُتَفَرِّقِ، وَضَمُّ الشَّيْءِ بِتَقْرِيبِ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ. (١)
وَفِي اصْطِلاَحِ النُّحَاةِ وَالصَّرْفِيِّينَ: اسْمٌ دَل عَلَى جُمْلَةِ آحَادٍ مَقْصُودَةٍ بِحُرُوفِ مُفْرَدِهِ بِتَغَيُّرٍ مَا (٢) .
وَفِيمَا يُفِيدُهُ أَقَل الْجَمْعِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ آرَاءٌ:
أ - رَأْيُ النُّحَاةِ وَالصَّرْفِيِّينَ:
٢ - أَفَادَ الرَّضِيُّ فِي الْكَافِيَةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِطْلاَقُ الْجَمْعِ عَلَى الْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ، فَلاَ يَقَعُ رِجَالٌ عَلَى رَجُلٍ وَلاَ رَجُلَيْنِ (٣) .، وَصَرَّحَ ابْنُ يَعِيشَ بِأَنَّ الْقَلِيل الَّذِي جُعِل الْقِلَّةُ لَهُ هُوَ الثَّلاَثَةُ فَمَا فَوْقَهَا إِلَى الْعَشَرَةِ. (٤)
ب - رَأْيُ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ:
٣ - ذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ الْخِلاَفَ فِي أَقَل عَدَدٍ تُطْلَقُ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ، فَجَاءَ فِي التَّلْوِيحِ، وَنَحْوِهِ فِي مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ: أَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ وَأَئِمَّةِ اللُّغَةِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ ثَلاَثَةٌ، فَلاَ يَصِحُّ الإِْطْلاَقُ стр. 3454
عَلَى أَقَل مِنْهُ إِلاَّ مَجَازًا، حَتَّى لَوْ حَلَفَ لاَ يَتَزَوَّجُ نِسَاءً لاَ يَحْنَثُ بِتَزَوُّجِ امْرَأَتَيْنِ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ كَحُجَّةِ الإِْسْلاَمِ الْغَزَالِيِّ، وَسِيبَوَيْهِ مِنَ النُّحَاةِ، إِلَى أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ حَقِيقَةً، حَتَّى يَحْنَثَ بِتَزَوُّجِ امْرَأَتَيْنِ.
وَقِيل: لاَ يَصِحُّ لِلاِثْنَيْنِ لاَ حَقِيقَةً وَلاَ مَجَازًا.
وَبَعْدَ عَرْضِ أَدِلَّةِ كُل فَرِيقٍ، وَالرَّدِّ عَلَيْهَا، يَذْكُرُ صَاحِبَا التَّلْوِيحِ وَمُسَلَّمِ الثُّبُوتِ أَنَّ النِّزَاعَ لَيْسَ فِي لَفْظِ الْجَمْعِ الْمُؤَلَّفِ مِنْ (ج م ع) وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْمُسَمَّى، أَيْ فِي الصِّيَغِ الْمُسَمَّاةِ بِهِ، كَرِجَالٍ وَمُسْلِمِينَ. (١)
وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٢) أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ، لأَِنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعُ شَيْءٍ إِلَى مِثْلِهِ، وَاسْتَدَل بِرَأْيِ سِيبَوَيْهِ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنِ الْخَلِيل.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ - الْمِيرَاثَ؛ لأَِنَّهُ قَال بَعْدَ ذَلِكَ: وَمِمَّنْ قَال: إِنَّ أَقَل الْجَمْعِ ثَلاَثَةٌ - وَإِنْ لَمْ يَقُل بِهِ هُنَا - (يَقْصِدُ الْمِيرَاثَ) ابْنُ مَسْعُودٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ. (٣)
وَبِالنَّظَرِ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ الْمُخْتَلِفَةِ نَجِدُ أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ثَلاَثَةٌ فَصَاعِدًا عَدَا الْمِيرَاثَ، (٤) وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ. стр. 3455
ج - رَأْيُ الْفَرْضِيِّينَ:
٤ - الْفَرَضِيُّونَ - عَدَا ابْنَ عَبَّاسٍ - يَعْتَبِرُونَ أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْعَذْبِ الْفَائِضِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى مِيرَاثِ الأُْمِّ مَعَ الإِْخْوَةِ أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ، قَال ابْنُ سُرَاقَةَ وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (١) . يُرِيدُ اخْتَصَمَا، ثُمَّ قَال: وَمِنْ أَهْل اللُّغَةِ مَنْ يَجْعَل الاِثْنَيْنِ جَمْعًا حَقِيقَةً، وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَال: أَوَّل الْجَمْعِ التَّثْنِيَةُ، وَهُوَ الأَْصْل فِي اللُّغَةِ، وَالاِثْنَانِ مِنْ جِنْسِ الإِْخْوَةِ يَرُدَّانِ الأُْمَّ إِلَى السُّدُسِ (٢) وَجَاءَ فِي السِّرَاجِيَّةِ أَنَّ حُكْمَ الاِثْنَيْنِ فِي الْمِيرَاثِ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ، فَحُكْمُ الْبِنْتَيْنِ وَالأُْخْتَيْنِ كَحُكْمِ الْبَنَاتِ وَالأَْخَوَاتِ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثَيْنِ، فَكَذَا فِي الْحَجْبِ. (٣)
وَهَذَا الْحُكْمُ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ سِوَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
مَا يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ:
أَوَّلاً - عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
٥ - يَبْنِي الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَهُمْ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ ثَلاَثَةٌ، وَهَذَا فِيمَا يُسْتَعْمَل فِيهِ مِنَ الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَفَرِّقَةِ عَدَا مَسَائِل الْمِيرَاثِ، عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، وَالْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَتُبْنَى الأَْحْكَامُ فِيهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ، وَذَلِكَ كَمَا جَاءَ فِي عِبَارَاتِهِمْ.
وَيَجِبُ أَنْ يُلاَحَظَ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ стр. 3456
كَمَا سَنَرَى فِي الأَْمْثِلَةِ، إِذْ هُوَ الَّذِي يَتِمُّ الْحُكْمُ بِانْطِبَاقِهِ عَلَى ثَلاَثَةٍ مِنْ أَفْرَادِهِ بِاعْتِبَارِهَا أَقَل مَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ.
الأَْمْثِلَةُ فِي غَيْرِ الْمِيرَاثِ:
٦ - أ - فِي الْوَصِيَّةِ: مَنْ وَصَّى بِكَفَّارَةِ أَيْمَانٍ فَأَقَل مَا يَجِبُ لِتَنْفِيذِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يُكَفَّرَ عَنْ ثَلاَثَةِ أَيْمَانٍ، لأَِنَّ الثَّلاَثَةَ أَقَل الْجَمْعِ، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. (١) أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَيَجِبُ التَّكْفِيرُ عَنْ يَمِينَيْنِ فَصَاعِدًا، اعْتِبَارًا لِمَعْنَى الْجَمْعِ، وَأَقَلُّهُ اثْنَانِ فِي الْوَصِيَّةِ، وَالْوَصِيَّةُ أُخْتُ الْمِيرَاثِ، وَفِي الْمِيرَاثِ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ. (٢)
ب - فِي الْوَقْفِ: مَنْ وَقَفَ لِجَمَاعَةٍ أَوْ لِجَمْعٍ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ صُرِفَ رِيعُ الْوَقْفِ إِلَى ثَلاَثَةٍ، لأَِنَّهَا أَقَل الْجَمْعِ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ ثَلاَثَةً يُتَمَّمُ الْعَدَدُ مِمَّا بَعْدَ الدَّرَجَةِ الأُْولَى. فَمَثَلاً: إِنْ كَانَ لِمَنْ وَقَفَ ابْنَانِ وَأَوْلاَدُ ابْنٍ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أَوْلاَدِ ابْنِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ. وَيُضَمُّ لِلاِبْنَيْنِ وَيُعْطَوْنَ الْوَقْفَ. (٣)
ج - فِي الإِْقْرَارِ: لَوْ قَال: لَهُ عِنْدِي دَرَاهِمُ، لَزِمَهُ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ، لأَِنَّهُ جَمْعٌ، وَأَقَل الْجَمْعِ ثَلاَثَةٌ. (٤)
د - فِي الْيَمِينِ: مَنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ، أَوْ عَلَى أَلاَّ يُكَلِّمَ غَيْرَهُ أَيَّامًا أَوْ شُهُورًا أَوْ سِنِينَ، مُنَكِّرًا стр. 3457
لَفْظَ الأَْيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ لَزِمَهُ ثَلاَثَةٌ، لأَِنَّهُ أَقَل الْجَمْعِ. (١)
٧ - أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمِيرَاثِ فَتُبْنَى الأَْحْكَامُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَقَل الْجَمْعِ اثْنَانِ. وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ فِي مِيرَاثِ الأُْمِّ مَعَ الإِْخْوَةِ، فَقَدْ أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ - إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - عَلَى أَنَّ الأَْخَوَيْنِ (فَصَاعِدًا) ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا يَحْجُبَانِ الأُْمَّ عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ، عَمَلاً بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ السُّدُسُ﴾ . لأَِنَّ أَقَل الْجَمْعِ هُنَا اثْنَانِ، وَقَدْ قَال الزَّمَخْشَرِيُّ: لَفْظُ الإِْخْوَةِ هُنَا يَتَنَاوَل الأَْخَوَيْنِ، لأَِنَّ الْجَمْعَ مِنَ الاِجْتِمَاعِ، وَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِاجْتِمَاعِ الاِثْنَيْنِ. وَلأَِنَّ الْجَمْعَ يُذْكَرُ بِمَعْنَى التَّثْنِيَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٢) هَذَا رَأْيُ الْجُمْهُورِ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَجَعَل الاِثْنَيْنِ مِنَ الإِْخْوَةِ فِي حُكْمِ الْوَاحِدِ وَلاَ يَحْجُبُ الأُْمَّ أَقَل مِنْ ثَلاَثٍ، لِظَاهِرِ الآْيَةِ، وَقَدْ وَقَعَ الْكَلاَمُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَال لَهُ عُثْمَانُ: إِنَّ قَوْمَكَ (يَعْنِي قُرَيْشًا) حَجَبُوهَا - يَعْنِي الأُْمَّ - وَهُمْ أَهْل الْفَصَاحَةِ وَالْبَلاَغَةِ (٣) .
ثَانِيًا - عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
٨ - ذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ الْخِلاَفَ فِي مُسَمَّى الْجَمْعِ، وَهَل يُطْلَقُ عَلَى الثَّلاَثَةِ فَأَكْثَرَ، أَوْ يَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ стр. 3458
عَلَى الاِثْنَيْنِ عَلَى نَحْوِ مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
وَهُمْ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الْكَلاَمِ عَنِ الْعَامِّ وَتَخْصِيصِهِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجَمْعَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ، وَأَنَّ الْعَامَّ إِذَا كَانَ جَمْعًا مِثْل الرِّجَال جَازَ تَخْصِيصُهُ إِلَى الثَّلاَثَةِ، تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الثَّلاَثَةَ أَقَل الْجَمْعِ، لأَِنَّ التَّخْصِيصَ إِلَى مَا دُونَ الثَّلاَثَةِ يُخْرِجُ اللَّفْظَ عَنِ الدَّلاَلَةِ عَلَى الْجَمْعِ فَيَصِيرُ نَسْخًا، (١) وَتَفْصِيل هَذَا يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٩ - أَقَل الْجَمْعِ يُسْتَعْمَل فِي الْمَسَائِل الَّتِي يُسْتَعْمَل فِيهَا الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ، كَالنَّذْرِ وَالأَْيْمَانِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلاَقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
أَقَل مَا قِيل
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْخْذُ بِأَقَل مَا قِيل عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ أَنْ يَخْتَلِفَ الصَّحَابَةُ فِي أَمْرٍ مُقَدَّرٍ عَلَى أَقَاوِيل، فَيُؤْخَذُ بِأَقَلِّهَا، إِذَا لَمْ يَدُل عَلَى الزِّيَادَةِ دَلِيلٌ. وَذَلِكَ مِثْل اخْتِلاَفِهِمْ فِي دِيَةِ الْيَهُودِيِّ هَل هِيَ مُسَاوِيَةٌ لِدِيَةِ الْمُسْلِمِ، أَوْ عَلَى النِّصْفِ، أَوْ عَلَى الثُّلُثِ؟ فَالْقَوْل بِأَقَلِّهَا وَهُوَ الثُّلُثُ - أَخْذٌ بِأَقَل مَا قِيل. (٢)
وَيُقَارِبُهُ: الأَْخْذُ بِأَخَفِّ مَا قِيل. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ стр. 3459
مِنْ حَيْثُ الْكَمُّ وَالْكَيْفُ.
وَيُقَابِلُهُ: الأَْخْذُ بِأَكْثَرِ مَا قِيل.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي الأَْخْذِ بِأَقَل مَا قِيل، هَل يُعْتَبَرُ دَلِيلاً يُعْتَمَدُ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ؟ فَأَثْبَتَهُ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَالْبَاقِلاَّنِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَال الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنْهُمْ: وَحَكَى بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ إِجْمَاعَ أَهْل النَّظَرِ عَلَيْهِ.
وَنَفَاهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ ابْنُ حَزْمٍ، بَل حَكَى قَوْلاً بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ بِأَكْثَرِ مَا قِيل، لِيَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِيَقِينٍ، وَكَمَا اخْتَلَفُوا فِي الأَْخْذِ بِالأَْقَل اخْتَلَفُوا فِي الأَْخْذِ بِالأَْخَفِّ. وَمَحَل تَفْصِيل ذَلِكَ - الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ. (١)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - ذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ الأَْخْذَ بِأَقَل مَا قِيل فِي مَبْحَثِ الاِسْتِدْلاَل. وَالاِسْتِدْلاَل هُنَا فِي اصْطِلاَحِهِمْ: مَا كَانَ مِنَ الأَْدِلَّةِ لَيْسَ بِنَصٍّ وَلاَ إِجْمَاعٍ وَلاَ قِيَاسٍ. كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْكَلاَمِ عَلَى الإِْجْمَاعِ لِبَيَانِ عَلاَقَتِهِ بِهِ. (٢)
اكْتِحَالٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِكْتِحَال لُغَةً: مَصْدَرُ اكْتَحَل. يُقَال اكْتَحَل: стр. 3460
إِذَا وَضَعَ الْكُحْل فِي عَيْنِهِ. (١)
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ مُسْتَعْمَلٌ بِهَذَا الْمَعْنَى.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - اسْتَحَبَّ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الاِكْتِحَال وِتْرًا، لِقَوْلِهِ ﵊: مَنِ اكْتَحَل فَلْيُوتِرْ (٢) ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لِلرِّجَال، وَكَرِهَهُ فِي قَوْلِهِ الآْخَرِ لِلتَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ، فَقَالُوا بِالْجَوَازِ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الرَّجُل الزِّينَةَ، وَأَوْضَحَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمَمْنُوعَ هُوَ التَّزَيُّنُ لِلتَّكَبُّرِ، لاَ بِقَصْدِ الْجَمَال وَالْوَقَارِ.
وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ الاِكْتِحَال لِلنِّسَاءِ وَلَوْ بِقَصْدِ الزِّينَةِ، وَكَذَلِكَ لِلرِّجَال بِقَصْدِ التَّدَاوِي (٣)
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (تَزَيُّن) .
الاِكْتِحَال بِالْمُتَنَجَّسِ:
٣ - يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا يُكْتَحَل بِهِ طَاهِرًا حَلاَلاً، أَمَّا الاِكْتِحَال بِالنَّجِسِ أَوِ الْمُحَرَّمِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا كَانَ الاِكْتِحَال لِضَرُورَةٍ فَقَدْ أَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ (٤) . стр. 3461
الاِكْتِحَال فِي الإِْحْرَامِ:
٤ - أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ الاِكْتِحَال بِالإِْثْمِدِ لِلْمُحْرِمِ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ مَا دَامَ بِغَيْرِ طِيبٍ، فَإِذَا كَانَ بِطِيبٍ وَفَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ طِيبٍ، إِلاَّ إِذَا كَانَ لِضَرُورَةٍ، فَإِنِ اكْتَحَل فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ عَدَمَ قَصْدِ الزِّينَةِ بِهِ. (١) (ر - إِحْرَام) .
الاِكْتِحَال فِي الصَّوْمِ:
٥ - إِذَا اكْتَحَل الصَّائِمُ بِمَا يَصِل إِلَى جَوْفِهِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ - لاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ، وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، وَلَوْنَهُ فِي نُخَامَتِهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَصِل إِلَى الْجَوْفِ مِنْ مَنْفَذٍ مُبَاشِرٍ، بَل بِطَرِيقِ الْمَسَامِّ. (٢)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّهُ يُفْسِدُ صَوْمَهُ إِذَا وَصَل إِلَى الْحَلْقِ. (٣)
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (صَوْم) .
الاِكْتِحَال لِلْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْوَفَاةِ:
٦ - إِذَا كَانَ الاِكْتِحَال بِمَا لاَ يُتَزَيَّنُ بِهِ عَادَةً فَلاَ بَأْسَ стр. 3462
بِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا. أَمَّا إِذَا كَانَ مِمَّا يُتَزَيَّنُ بِهِ كَالإِْثْمِدِ، فَالأَْصْل عَدَمُ جَوَازِهِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ، فَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ جَازَ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمُرَادَ - فِي هَذِهِ الْحَال - تَكْتَحِل لَيْلاً وَتَغْسِلُهُ نَهَارًا وُجُوبًا. (١)
الاِكْتِحَال لِلْمُعْتَدَّةِ مِنَ الطَّلاَقِ:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى إِبَاحَةِ الاِكْتِحَال لِلْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ. بَل صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُفْرَضُ عَلَى زَوْجِ الْمُعْتَدَّةِ ثَمَنُ الزِّينَةِ الَّتِي تَسْتَضِرُّ بِتَرْكِهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ. قَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَجِبُ عَلَيْهَا تَرْكُ الاِكْتِحَال وَالزِّينَةِ، وَفِي رَأْيٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يُسْتَحْسَنُ لَهَا ذَلِكَ. (٢) أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَعِنْدَهُمُ الإِْبَاحَةُ مُطْلَقًا لِلْمُطَلَّقَةِ (ر - عِدَّة) .
الاِكْتِحَال فِي الاِعْتِكَافِ:
٨ - تَكَلَّمَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الزِّينَةِ فِي الاِعْتِكَافِ وَالاِكْتِحَال فِيهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ يَضُرُّ فِيهِ الاِكْتِحَال وَلاَ الزِّينَةُ. (٣) وَقَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى لاَ تُنَافِيهِ. (ر - اعْتِكَاف) .
الاِكْتِحَال فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ:
٩ - تَكَلَّمَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الاِكْتِحَال فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَعَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَأَبَانُوا بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ стр. 3463
صَحِيحٌ، وَقَال بَعْضُهُمْ: بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ. (١) (ر - بِدْعَة) .
اكْتِسَابٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِكْتِسَابُ: طَلَبُ الرِّزْقِ وَتَحْصِيل الْمَال عَلَى الْعُمُومِ. (٢) وَأَضَافَ الْفُقَهَاءُ إِلَى ذَلِكَ مَا يُفْصِحُ عَنِ الْحُكْمِ، فَقَالُوا: الاِكْتِسَابُ هُوَ تَحْصِيل الْمَال بِمَا حَل مِنَ الأَْسْبَابِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْكَسْبُ:
٢ - يَفْتَرِقُ الْكَسْبُ عَنِ الاِكْتِسَابِ بِأَنَّ الاِكْتِسَابَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِبَذْل الْجُهْدِ، أَمَّا الْكَسْبُ فَإِنَّهُ لاَ يَعْنِي أَكْثَرَ مِنَ الإِْصَابَةِ (٤) ، يُقَال: كَسَبَ مَالاً: إِذَا أَصَابَ مَالاً، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِبَذْل جُهْدٍ، بِأَنِ اكْتَسَبَهُ بِعَرَقِ جَبِينِهِ، أَوْ كَسَبَهُ مِنْ غَيْرِ جُهْدٍ، كَمَا إِذَا آل إِلَيْهِ بِمِيرَاثٍ مَثَلاً.
ب - الاِحْتِرَافُ، أَوِ الْعَمَل:
٣ - يَفْتَرِقُ الاِكْتِسَابُ عَنِ الاِحْتِرَافِ أَوِ الْعَمَل بِأَنَّهُمَا مِنْ وَسَائِل الاِكْتِسَابِ، وَلَيْسَا بِاكْتِسَابٍ، إِذِ стр. 3464
الاِكْتِسَابُ قَدْ يَكُونُ بِاحْتِرَافِ حِرْفَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ احْتِرَافِ حِرْفَةٍ، كَمَنْ يَعْمَل يَوْمًا عِنْدَ نَجَّارٍ، وَيَوْمًا عِنْدَ حَدَّادٍ، وَيَوْمًا حَمَّالاً، دُونَ أَنْ يَبْرَعَ أَوْ يَسْتَقِرَّ فِي عَمَلٍ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - أ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الاِكْتِسَابَ فَرْضٌ عَلَى الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ بِهِ يَقُومُ الْمُكَلَّفُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكَالِيفِ الْمَالِيَّةِ، مِنَ الإِْنْفَاقِ عَلَى النَّفْسِ وَالزَّوْجَةِ وَالأَْوْلاَدِ الصِّغَارِ، وَالأَْبَوَيْنِ الْمُعْسِرَيْنِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّهِ (١) وَغَيْرِ ذَلِكَ.
ب - وَيُفَصِّل ابْنُ مُفْلِحٍ الْحَنْبَلِيُّ حُكْمَ الاِكْتِسَابِ بِحَسَبِ أَحْوَال الْمُكْتَسِبِ، وَخُلاَصَةُ كَلاَمِهِ: يُسَنُّ التَّكَسُّبُ مَعَ تَوَفُّرِ الْكِفَايَةِ لِلْمُكْتَسِبِ، قَال الْمَرْوَزِيُّ: سَمِعْتُ رَجُلاً يَقُول لأَِبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: إِنِّي فِي كِفَايَةٍ، قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: الْزَمِ السُّوقَ تَصِل بِهِ رَحِمَكَ، وَتَعُدْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ.
وَيُبَاحُ التَّكَسُّبُ لِزِيَادَةِ الْمَال وَالْجَاهِ وَالتَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَال، مَعَ سَلاَمَةِ الدِّينِ وَالْعِرْضِ وَالْمُرُوءَةِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
وَيَجِبُ التَّكَسُّبُ عَلَى مَنْ لاَ قُوتَ لَهُ وَلَمِنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ نَذْرُ طَاعَةٍ أَوْ كَفَّارَةٌ (٢) . وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ النَّفَقَةِ.
وَيَرَى الْمَاوَرْدِيُّ - الشَّافِعِيُّ - فِي كِتَابِهِ أَدَبِ الدُّنْيَا стр. 3465
وَالدِّينِ: أَنَّ طَلَبَ الْمَرْءِ مِنَ الْكَسْبِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ، وَالْتِمَاسَهُ مِنْهُ وَفْقَ حَاجَتِهِ هُوَ أَحْمَدُ أَحْوَال الطَّالِبِينَ، وَأَعْدَل مَرَاتِبِ الْقَاصِدِينَ. (١)
مَنْ لاَ يُكَلَّفُ الاِكْتِسَابَ:
٥ - أ - لاَ تُكَلَّفُ الْمَرْأَةُ الاِكْتِسَابَ لِلإِْنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ عَلَى غَيْرِهَا، وَتَكُونُ نَفَقَتُهَا إِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً وَاجِبَةً عَلَى غَيْرِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً أَمْ لَيْسَتْ بِذَاتِ زَوْجٍ.
ب - وَلاَ يُكَلَّفُ الصَّغِيرُ الَّذِي لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْكَسْبِ الاِكْتِسَابَ، وَمِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الأَْهْلِيَّةِ الْقُدْرَةُ الْجَسَدِيَّةُ وَالْفِكْرِيَّةُ الَّتِي يُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ الْحَلاَل وَالْحَرَامِ، لِمَا رَوَى الإِْمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ قَال: لاَ تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ (٢) .
أَمَّا الْكَبِيرُ فَإِنَّهُ يُكَلَّفُ الاِكْتِسَابَ كَمَا تَقَدَّمَ. (٣)
طُرُقُ الاِكْتِسَابِ:
٦ - إِذَا كَانَ الاِكْتِسَابُ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ بَذْل الْجَهْدِ - عَلَى خِلاَفِ الْكَسْبِ الَّذِي قَدْ يَكُونُ بِبَذْل الْجَهْدِ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ بَذْل جَهْدٍ - فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْعَمَل، وَعِنْدَئِذٍ يُشْتَرَطُ فِي الْعَمَل أَنْ يَكُونَ حَلاَلاً، فَلاَ يَجُوزُ الاِكْتِسَابُ بِتَقْدِيمِ الْخَمْرِ стр. 3466
لِشَارِبِيهِ، سَوَاءٌ احْتَرَفَ ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَحْتَرِفْهُ، كَمَا يُكْرَهُ الاِكْتِسَابُ عَنْ طَرِيقِ حِرْفَةٍ وَضِيعَةٍ بِقُيُودٍ وَشُرُوطٍ ذُكِرَتْ فِي (احْتِرَاف) .
أَكْدَرِيَّةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْكْدَرِيَّةُ هِيَ: إِحْدَى الْمَسَائِل الْمُلَقَّبَاتِ فِي الْفَرَائِضِ، وَهِيَ زَوْجٌ، وَأُمٌّ، وَجَدٌّ، وَأُخْتٌ لأَِبٍ وَأُمٍّ، أَوْ لأَِبٍ.
وَلُقِّبَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالأَْكْدَرِيَّةِ، لأَِنَّهَا وَاقِعَةُ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَكْدَرَ مَاتَتْ وَخَلَّفَتْ أُولَئِكَ الْوَرَثَةَ الْمَذْكُورِينَ، وَاشْتَبَهَ عَلَى زَيْدٍ مَذْهَبُهُ فِيهَا فَنُسِبَتْ إِلَيْهَا. وَقِيل: إِنَّ شَخْصًا مِنْ هَذِهِ الْقَبِيلَةِ كَانَ يُحْسِنُ مَذْهَبَ زَيْدٍ فِي الْفَرَائِضِ، فَسَأَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَخْطَأَ فِي جَوَابِهَا، فَنُسِبَتْ إِلَى قَبِيلَتِهِ. وَقِيل: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّهَا كَدَّرَتْ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أُصُولَهُ فِي التَّوْرِيثِ، وَقِيل: لأَِنَّ الْجَدَّ كَدَّرَ عَلَى الأُْخْتِ نَصِيبَهَا، وَأَهْل الْعِرَاقِ يُسَمُّونَهَا الْغَرَّاءَ، لِشُهْرَتِهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ (١) .
وَلِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ مَذَاهِبَ:
٢ - (أَحَدُهَا) : مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ стр. 3467
، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ أَنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ، وَلِلأُْمِّ الثُّلُثَ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسَ وَلِلأُْخْتِ النِّصْفَ، ثُمَّ يُضَمُّ نَصِيبُ الْجَدِّ إِلَى نَصِيبِ الأُْخْتِ، وَيُقْسَمُ مَجْمُوعُ النَّصِيبَيْنِ بَيْنَهُمَا، لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ. (١)
أَصْل الْمَسْأَلَةِ مِنْ سِتَّةٍ، وَتَعُول إِلَى تِسْعَةٍ: لِلزَّوْجِ ثَلاَثَةٌ، وَلِلأُْمِّ اثْنَانِ، وَلِلْجَدِّ وَاحِدٌ، وَلِلأُْخْتِ ثَلاَثَةٌ، وَمَجْمُوعُ النَّصِيبَيْنِ أَرْبَعَةٌ، فَنَقْسِمُهَا عَلَى الْجَدِّ وَالأُْخْتِ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، وَتَصِحُّ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ: لِلزَّوْجِ تِسْعَةٌ، وَلِلأُْمِّ سِتَّةٌ، وَلِلْجَدِّ ثَمَانِيَةٌ، وَلِلأُْخْتِ أَرْبَعَةٌ.
فَقَدْ جَعَل زَيْدٌ هَاهُنَا الأُْخْتَ ابْتِدَاءً صَاحِبَةَ فَرْضٍ، كَيْ لاَ تُحْرَمَ الْمِيرَاثَ بِالْمَرَّةِ، وَجَعَلَهَا عَصَبَةً بِالآْخِرَةِ، كَيْ لاَ يَزِيدَ نَصِيبُهَا عَلَى نَصِيبِ الْجَدِّ الَّذِي هُوَ كَالأَْخِ. (٢)
(الْمَذْهَبُ الثَّانِي) : وَهُوَ قَوْل أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، حَاصِلُهُ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلأُْمِّ الثُّلُثُ، وَالسُّدُسُ الْبَاقِي لِلْجَدِّ، وَتَسْقُطُ الأُْخْتُ، وَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ (٣) .
(الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ) : وَهُوَ قَوْل عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلأُْخْتِ النِّصْفُ، وَلِلأُْمِّ السُّدُسُ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ، وَأَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ وَتَعُول стр. 3468
إِلَى ثَمَانِيَةٍ، لِلزَّوْجِ ثَلاَثَةٌ، وَثَلاَثَةٌ لِلأُْخْتِ أَيْضًا وَالْجَدُّ يَأْخُذُ سُدُسًا عَائِلاً وَهُوَ وَاحِدٌ، وَكَذَا الأُْمُّ. (١) وَإِنَّمَا جَعَلُوا لِلأُْمِّ السُّدُسَ كَيْ لاَ يُفَضِّلُوهَا عَلَى الْجَدِّ.
صِلَةُ الأَْكْدَرِيَّةِ بِغَيْرِهَا مِنَ الْمَسَائِل الْمُلَقَّبَاتِ:
٣ - الأَْكْدَرِيَّةُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَوْجٌ فَهِيَ الْخَرْقَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَدٌّ كَانَتِ الْمُبَاهَلَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أُخْتٌ كَانَتْ إِحْدَى الْغَرَّاوَيْنِ، وَأَحْكَامُ هَذِهِ الْمَسَائِل تُذْكَرُ فِي (إِرْث) .
إِكْرَاهٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - قَال فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: أَكْرَهْتُهُ، حَمَلْتُهُ عَلَى أَمْرٍ هُوَ لَهُ كَارِهٌ - وَفِي مُفْرَدَاتِ الرَّاغِبِ نَحْوُهُ - وَمَضَى صَاحِبُ اللِّسَانِ يَقُول: وَذَكَرَ اللَّهُ الْكُرْهَ وَالْكَرْهَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي فَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا. قَال أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: وَلاَ أَعْلَمُ بَيْنَ الأَْحْرُفِ الَّتِي ضَمَّهَا هَؤُلاَءِ وَبَيْنَ الَّتِي فَتَحُوهَا فَرْقًا فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَلاَ فِي سُنَّةٍ تُتَّبَعُ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ: " الْكَرْهُ (بِالْفَتْحِ) : الْمَشَقَّةُ، وَبِالضَّمِّ: الْقَهْرُ، وَقِيل: (بِالْفَتْحِ) الإِْكْرَاهُ، " وَبِالضَّمِّ " الْمَشَقَّةُ. وَأَكْرَهْتُهُ عَلَى الأَْمْرِ إِكْرَاهًا: حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ قَهْرًا. يُقَال: فَعَلْتُهُ كَرْهًا " بِالْفَتْحِ " أَيْ стр. 3469
إِكْرَاهًا - وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ (١) فَجَمَعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ. (٢)
وَلَخَصَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فُقَهَاؤُنَا إِذْ قَالُوا: الإِْكْرَاهُ لُغَةً: حَمْل الإِْنْسَانِ عَلَى شَيْءٍ يَكْرَهُهُ، يُقَال: أَكْرَهْتُ فُلاَنًا إِكْرَاهًا: حَمَلْتُهُ عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ. (٣) وَالْكَرْهُ " بِالْفَتْحِ " اسْمٌ مِنْهُ (أَيِ اسْمُ مَصْدَرٍ) . (٤)
أَمَّا الإِْكْرَاهُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ: فِعْلٌ يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ بِغَيْرِهِ، فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ، أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ.
وَعَرَّفَهُ الْبَزْدَوِيُّ بِأَنَّهُ: حَمْل الْغَيْرِ عَلَى أَمْرٍ يَمْتَنِعُ عَنْهُ بِتَخْوِيفٍ يَقْدِرُ الْحَامِل عَلَى إِيقَاعِهِ وَيَصِيرُ الْغَيْرُ خَائِفًا بِهِ. (٥)
أَوْ هُوَ: فِعْلٌ يُوجَدُ مِنَ الْمُكْرِهِ (بِكَسْرِ الرَّاءِ) فَيُحْدِثُ فِي الْمَحَل (أَيِ الْمُكْرَهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ) مَعْنًى يَصِيرُ بِهِ مَدْفُوعًا إِلَى الْفِعْل الَّذِي طُلِبَ مِنْهُ. (٦)
وَالْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ، فَسَّرُوهُ بِالْخَوْفِ، (٧) وَلَوْ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْحُكَّامُ الظَّلَمَةُ بِالْمُتَّهَمِينَ كَيْدًا. فَإِذَا كَانَ الدَّافِعُ هُوَ الْحَيَاءَ مَثَلاً، أَوِ التَّوَدُّدَ، فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ. (٨)
٢ - وَالْفِعْل - فِي جَانِبِ الْمُكْرِهِ (بِكَسْرِ الرَّاءِ) стр. 3470
لَيْسَ عَلَى مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ مِنْ خِلاَفِ الْقَوْل، وَلَوْ إِشَارَةَ الأَْخْرَسِ، أَوْ مُجَرَّدَ الْكِتَابَةِ، بَل هُوَ أَعَمُّ، فَيَشْمَل التَّهْدِيدَ - لأَِنَّهُ مِنْ عَمَل اللِّسَانِ - وَلَوْ مَفْهُومًا بِدَلاَلَةِ الْحَال مِنْ مُجَرَّدِ الأَْمْرِ: كَأَمْرِ السُّلْطَانِ أَوِ الأَْمِيرِ، وَأَمْرِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَأَمْرِ الْخَانِقِ الَّذِي يَبْدُو مِنْهُ الإِْصْرَارُ. (١)
وَالْحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ: أَمْرُ السُّلْطَانِ إِكْرَاهٌ - وَإِنْ لَمْ يَتَوَعَّدْ - وَأَمْرُ غَيْرِهِ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ تَضَمُّنَهُ التَّهْدِيدَ بِدَلاَلَةِ الْحَال. (٢)
وَغَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ يُسَوُّونَ بَيْنَ ذَوِي الْبَطْشِ وَالسَّطْوَةِ أَيًّا كَانُوا، (٣) وَصَاحِبُ الْمَبْسُوطِ نَفْسُهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَقُول: إِنَّ مِنْ عَادَةِ الْمُتَجَبِّرِينَ التَّرَفُّعَ عَنِ التَّهْدِيدِ بِالْقَتْل، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يُعَاقِبُونَ مُخَالِفِيهِمْ إِلاَّ بِهِ. (٤)
٣ - ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْفِعْل الْمَذْكُورِ - فِعْلٌ وَاقِعٌ عَلَى الْمُكْرَهِ (بِالْفَتْحِ) نَفْسِهِ - وَلَوْ كَانَ تَهْدِيدًا بِأَخْذِ أَوْ حَبْسِ مَالِهِ الَّذِي لَهُ وَقْعٌ، لاَ التَّافِهِ الَّذِي لاَ يُعْتَدُّ بِهِ، أَوْ تَهْدِيدًا بِالْفُجُورِ بِامْرَأَتِهِ إِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا. (٥) وَيَسْتَوِي التَّهْدِيدُ الْمُقْتَرِنُ بِالْفِعْل الْمُهَدَّدِ بِهِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ (٦) : أَخَذَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَغَطَّهُ فِي الْمَاءِ لِيَرْتَدَّ، وَالتَّهْدِيدُ الْمُجَرَّدُ، خِلاَفًا لِمَنْ لَمْ يَعْتَدَّ بِمُجَرَّدِ التَّهْدِيدِ، كَأَبِي следующие страницы →