← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يَلْتَقِطُونَ، وَيَبْنُونَ عَلَيْهِ، بَل يَكْتُمُونَ بِأَنْ يَقُولُوا: هُنَاكَ قَوْلٌ بِهَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَلِيلٌ قَوِيٌّ. (١) وَلَقَدْ كَانَ لِهَذَا الْفَرِيقِ أَثَرَانِ مُخْتَلِفَانِ: أَحَدُهُمَا خَيْرٌ، وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِالرَّاجِحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، فَإِنَّ هَؤُلاَءِ عَمَلُهُمْ الاِتِّبَاعُ لِهَذَا الرَّاجِحِ، وَفِي ذَلِكَ ضَبْطٌ لِلْقَضَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الأَْمْرُ فُرُطًا. وَتَقْيِيدُ الْقَضَاءِ فِي الأَْزْمَانِ الَّتِي تَنْحَرِفُ فِيهَا الأَْفْكَارُ وَاجِبٌ، بَل إِنَّ الاِتِّبَاعَ لاَ يَكُونُ حَسَنًا إِلاَّ فِي الأَْحْكَامِ الْقَضَائِيَّةِ. الأَْثَرُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا فِيهِ تَقْدِيسٌ لأَِقْوَال الْفُقَهَاءِ السَّابِقِينَ، وَاعْتِبَارُ أَقْوَالِهِمْ حُجَّةً سَائِغَةً مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى قُوَّةِ الدَّلِيل، وَمِقْدَارِ صِلَةِ الْقَوْل بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى صَلاَحِيَتِهِ لِلتَّطْبِيقِ، وَقَدْ اخْتَلَطَ الْحَابِل بِالنَّابِل. وَقَدْ كَانَ لِهَذَا أَثَرٌ فِي الْبِيئَاتِ الَّتِي تُحَاوِل أَنْ تَجِدَ مُسَوِّغًا لِمَا تَفْعَل، فَيُسَارِعُ الْمُرَاءُونَ الْمُتَمَلِّقُونَ إِلَى تَبْرِيرِ أَفْعَال بَعْضِ ذَوِي النُّفُوذِ، بِذِكْرِ أَقْوَالٍ شَاذَّةٍ، فَيَتَعَلَّقُ هَؤُلاَءِ بِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَجَازُوا مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ وَمَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ أَفْعَالٍ، أَيًّا كَانَ قَائِلُهُ وَأَيًّا كَانَتْ حُجَّتُهُ، بَل أَيًّا كَانَتْ سَلاَمَةُ نَقْلِهِ أَوْ قُوَّتُهُ فِي الْمَذْهَبِ الَّذِي دَوَّنَ فِي كُتُبِهِ، ثُمَّ يَنْثُرُ هَؤُلاَءِ الْمُتَمَلِّقُونَ ذَلِكَ نَثْرًا فِي الْمَجَالِسِ، مُبَاهَاةً بِكَثْرَةِ الْعِلْمِ. فَالْوَيْل لِهَؤُلاَءِ، وَالْوَيْل لِمَنْ قَلَّدَهُمْ، وَالْوَيْل لِمَنْ يَأْخُذُ كَلاَمَهُمْ حُجَّةً فِي الدِّينِ، وَالْوَيْل لِمَنْ يُشَجِّعُهُمْ. (٢) ٣٤ - فِي عُصُورِ الاِجْتِهَادِ الْمُخْتَلِفَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُطْلَقًا أَمْ مُقَيَّدًا، بَل وَفِي عُصُورِ التَّقْلِيدِ، لَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنْ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْفِقْهِ اعْتَمَدَ فِي اسْتِنْبَاطِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى غَيْرِ الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَمْ يَتَّجِهْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى الأَْخْذِ مِنْ الْقَانُونِ الرُّومَانِيِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْقَوَانِينِ الَّتِي كَانَتْ سَائِدَةً فِي الْبِلاَدِ الْمَفْتُوحَةِ. وَعَلَى الَّذِينَ يُشَكِّكُونَ فِي أَنَّ فُقَهَاءَنَا قَدْ اعْتَمَدُوا عَلَى الْقَانُونِ الرُّومَانِيِّ فِي

стр. 37

اسْتِنْبَاطِهِمْ أَنْ يَدُلُّونَا عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ اعْتَمَدُوا فِيهِ عَلَى هَذَا الْقَانُونِ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ وُجِدَ حُكْمٌ مُطَابِقٌ لِمَا فِي الْقَانُونِ الرُّومَانِيِّ فَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْهُ، بَل هُوَ مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْفِطَرُ السَّلِيمَةُ وَمِنْ الْمَسَائِل الَّتِي لَمْ تَخْتَلِفْ بِاخْتِلاَفِ الْعُصُورِ وَالأَْزْمَانِ. وَعِنْدَ النَّظَرِ فِي مَصْدَرِ هَذِهِ الأَْحْكَامِ - إِنْ وُجِدَتْ - سَنَجِدُ أَنَّهَا مُعْتَمِدَةٌ عَلَى أَصْلٍ شَرْعِيٍّ. بَقَاءُ الْمَذَاهِبِ وَانْتِشَارُهَا: ٣٥ - مِمَّا تَقَدَّمَ عَلِمْنَا أَنَّ هُنَاكَ مَذَاهِبَ انْدَثَرَتْ، وَأُخْرَى بَقِيَتْ وَنَمَتْ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى قُوَّةِ السُّلْطَانِ وَالنُّفُوذِ. وَهَذَا الْقَوْل عَلَى إِطْلاَقِهِ - مَرْدُودٌ - فَقَدْ يَكُونُ لِلسُّلْطَانِ وَالنُّفُوذِ بَعْضُ الأَْثَرِ فِي بَقَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَذَاهِبِ وَانْتِشَارِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا الأَْثَرَ ضَئِيلٌ، إِذْ إِنَّ الدَّوْلَةَ الْعَبَّاسِيَّةَ - وَكَانَ نُفُوذُهَا مُمْتَدًّا عَلَى جَمِيعِ الأَْقْطَارِ الإِْسْلاَمِيَّةِ - كَانَ الْقَضَاءُ بِيَدِ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيِّينَ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّنَا نَجِدُ أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ لَمْ يَجِدْ لَهُ أَتْبَاعًا فِي الشَّمَال الإِْفْرِيقِيِّ أَوْ فِي مِصْرَ إِلاَّ قِلَّةً قَلِيلَةً، بَل إِنَّ الْكَثْرَةَ الْكَثِيرَةَ مِنْ بِلاَدِ فَارِسَ كَانَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِهَا يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ إِبَّانَ هَذِهِ الدَّوْلَةِ قَاصِرًا عَلَى الْعِرَاقِ وَبِلاَدِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَبَعْضِ بِلاَدِ فَارِسَ. كَمَا أَنَّ الدَّوْلَةَ الْعُثْمَانِيَّةَ وَكَانَ سُلْطَانُهَا يَمْتَدُّ عَلَى أَكْثَرِ الْبِلاَدِ الإِْسْلاَمِيَّةِ كَانَ مَذْهَبُهَا الرَّسْمِيُّ هُوَ الْمَذْهَبَ الْحَنَفِيَّ، وَكَانَ الْقَضَاءُ فِي كُل السَّلْطَنَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ فِي عُلَمَاءِ هَذَا الْمَذْهَبِ، وَمَعَ هَذَا نَجِدُ أَنَّ الشَّمَال الإِْفْرِيقِيَّ كُلَّهُ لاَ يَنْتَشِرُ فِيهِ إِلاَّ مَذْهَبُ مَالِكٍ، اللَّهُمَّ إِلاَّ النَّزْرَ الْيَسِيرَ فِي عَاصِمَةِ تُونُسَ فِي بَعْضِ الأُْسَرِ الْمُنْحَدِرَةِ مِنْ أَصْلٍ تُرْكِيٍّ. وَكَذَلِكَ الْحَال فِي مِصْرَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِهَا شَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ وَمِنْهُمْ الْمَالِكِيُّونَ فِي صَعِيدِ مِصْرَ أَوْ فِي مُحَافَظَةِ الْبُحَيْرَةِ، وَلاَ نَجِدُ الْحَنَفِيِّينَ إِلاَّ قِلَّةً قَلِيلَةً مُنْحَدِرَةً مِنْ أَصْلٍ تُرْكِيٍّ أَوْ شَرْكَسِيٍّ أَوْ تَمَذْهَبَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ طَمَعًا فِي تَوَلِّي الْقَضَاءِ. . . وَإِنْ كَانَتْ حَلَقَاتُ الدِّرَاسَةِ فِي الأَْزْهَرِ عَامِرَةً بِطُلاَّبِ هَذَا الْمَذْهَبِ، وَلَكِنَّ الْعَامَّةَ إِمَّا شَافِعِيُّونَ أَوْ مَالِكِيُّونَ، فَأَيْنَ تَأْثِيرُ السُّلْطَانِ فِي فَرْضِ مَذْهَبٍ خَاصٍّ؟ .

стр. 38

وَمِثْل ذَلِكَ يُقَال فِي شِبْهِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَمَنَاطِقِ الْخَلِيجِ، فَقَدْ كَانَتْ كُلُّهَا تَابِعَةً لِلدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ نَرَى أَنَّ الْمَذَاهِبَ الْمُنْتَشِرَةَ فِي هَذِهِ الْمَنَاطِقِ هِيَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَرُبَّمَا الشَّافِعِيَّةِ، وَلاَ وُجُودَ لِمُعْتَنِقِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ إِلاَّ شِرْذِمَةً قَلِيلَةً. وَالْحَقُّ أَنَّ بَقَاءَ مَذْهَبٍ مَا أَوِ انْتِشَارَهُ يَعْتَمِدُ - أَوَّلاً وَقَبْل كُل شَيْءٍ - عَلَى ثِقَةِ النَّاسِ بِصَاحِبِ الْمَذْهَبِ وَاطْمِئْنَانِهِمْ إِلَيْهِ، وَعَلَى قُوَّةِ أَصْحَابِهِ وَدَأْبِهِمْ عَلَى نَشْرِهِ وَتَحْقِيقِ مَسَائِلِهِ وَتَيْسِيرِ فَهْمِ هَذِهِ الْمَسَائِل بِحُسْنِ عَرْضِهَا. التَّقْلِيدُ: ٣٦ - يُبَالِغُ بَعْضُ النَّاسِ فِي الطَّعْنِ عَلَى مَنْ قَلَّدَ عَالِمًا فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ دِينِهِ، وَرُبَّمَا شَبَّهَ بَعْضُهُمْ الْمُقَلِّدِينَ بِالْمُشْرِكِينَ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١) وَالْحَقُّ أَنَّ التَّقْلِيدَ فِي الْعَقَائِدِ وَالْمَسَائِل الأَْسَاسِيَّةِ فِي الدِّينِ، وَهِيَ الْمَعْلُومَةُ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لاَ تَقْلِيدَ فِيهَا لِعَالِمٍ، مَهْمَا كَانَتْ مَكَانَتُهُ، بَل لاَ بُدَّ مِنِ اقْتِنَاعٍ تَامٍّ بِثُبُوتِهَا عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَلَوْ بِصِفَةٍ إِجْمَالِيَّةٍ. أَمَّا الْمَسَائِل الْفَرْعِيَّةُ الَّتِي تَتَطَلَّبُ النَّظَرَ فِي الأَْدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ فَإِنَّ تَكْلِيفَ الْعَامَّةِ بِالنَّظَرِ فِي الأَْدِلَّةِ تَكْلِيفٌ شَاقٌّ لاَ تَسْتَقِيمُ مَعَهُ الْحَيَاةُ، إِذْ لَوْ كَلَّفْنَا كُل مُسْلِمٍ أَنْ يَنْظُرَ فِي كُل مَسْأَلَةٍ نَظْرَةَ الْمُجْتَهِدِ فَإِنَّ الصِّنَاعَاتِ سَتَتَعَطَّل، وَمَصَالِحَ النَّاسِ سَتُهْمَل. وَمَا لَنَا نُطِيل الْكَلاَمَ فِي ذَلِكَ وَسَلَفُ الأُْمَّةِ - وَهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ كَمَا شَهِدَ لَهُمْ الرَّسُول ﷺ لَمْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مُجْتَهِدِينَ، بَل كَانَ الْمُجْتَهِدُونَ قِلَّةً قَلِيلَةً، وَكَانَ الْمُكْثِرُونَ مِنْهُمْ لاَ يَتَجَاوَزُونَ الثَّلاَثَةَ عَشَرَ شَخْصًا. عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَجْتَهِدَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ مَتَى تَوَفَّرَتْ لَهُ أَسْبَابُهُ وَتَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُهُ الَّتِي سَنُبَيِّنُهَا بِالتَّفْصِيل - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ لِهَذِهِ الْمَوْسُوعَةِ.

стр. 39

وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ بَعْضَ هَؤُلاَءِ الْمُغَالِينَ يَقُول: إِنَّهُ يَكْفِي الشَّخْصَ لِيَكُونَ مُجْتَهِدًا أَنْ يَكُونَ لَدَيْهِ مُصْحَفٌ وَسُنَنُ أَبِي دَاوُدَ وَقَامُوسٌ لُغَوِيٌّ، فَيُصْبِحُ بِذَلِكَ مُجْتَهِدًا لاَ حَاجَةَ لَهُ إِلَى تَقْلِيدِ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَوْ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِالْمُصْحَفِ وَبِسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالْقَامُوسِ لَكَانَ صَحَابَةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ مُجْتَهِدِينَ؛ لأَِنَّهُمْ إِمَّا عَرَبٌ خُلَّصٌ، أَوْ نَشَأُوا فِي بِيئَةٍ عَرَبِيَّةٍ خَالِصَةٍ، وَشَاهَدُوا أَحْدَاثَ التَّنْزِيل، وَقَرِيبُو عَهْدٍ بِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَذَلِكَ الاِدِّعَاءُ يُكَذِّبُهُ الْوَاقِعُ. وَالْقَوْل بِأَنَّ تَقْلِيدَ الأَْئِمَّةِ فِي الأُْمُورِ الظَّنِّيَّةِ شِرْكٌ وَتَأْلِيهٌ لَهُمْ، قَوْلٌ لاَ أَصْل لَهُ، فَلَيْسَ هُنَاكَ أُمِّيٌّ - فَضْلاً عَنْ مُتَعَلِّمٍ - يَرَى أَنَّ لِلأَْئِمَّةِ حَقَّ التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ حَقٌّ خَالِصٌ لِلَّهِ ، بَل كُل مَا يُعْتَقَدُ فِيهُمْ أَنَّ هَذَا الإِْمَامَ أَوْ ذَاكَ مَوْثُوقٌ بِعِلْمِهِ مَوْثُوقٌ بِدِينِهِ أَمِينٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ غَيْرُ مُتَّهَمٍ. وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ أَكْثَرَ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الاِجْتِهَادَ وَيَدْعُونَ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الأَْيَّامِ لاَ يُحْسِنُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَقْرَأَ آيَةً صَحِيحَةً مِنْ الْمُصْحَفِ، فَضْلاً عَنْ أَنْ يَسْتَنْبِطَ مِنْهَا حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَأَقَل مَا يَجِبُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ الْمُجْتَهِدُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّقًا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، عَالِمًا بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَطَلَّبُ إِعْدَادًا خَاصًّا لاَ يَتَوَفَّرُ إِلاَّ لِلْقِلَّةِ الْقَلِيلَةِ الْمُتَفَرِّغَةِ. ٣٧ - وَبِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ لاَ بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الضَّرُورِيِّ أَنْ يَلْتَزِمَ الشَّخْصُ مَذْهَبًا خَاصًّا فِي عِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلاَتِهِ، بَل إِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ أَوْ عَرَضَتْ لَهُ مُشْكِلَةٌ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَلْتَمِسَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ مِنْ شَخْصٍ مَوْثُوقٍ بِعِلْمِهِ مَوْثُوقٍ بِدِينِهِ، يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ قَلْبُهُ. وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَسَائِل الْمَعْلُومَةِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَل فِيهَا قَوْلٌ لِقَائِلٍ غَيْرَ مَا عُرِفَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ. فَمَهْمَا أَفْتَى بَعْضُ النَّاسِ بِحِل الرِّبَا أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ تَرْكِ الصَّلاَةِ وَالاِسْتِعَاضَةِ عَنْهَا بِالصَّدَقَةِ مَثَلاً، فَلاَ يَقْبَل قَوْلَهُ، وَلاَ تَكُونُ فَتْوَى مِثْل هَؤُلاَءِ عُذْرًا يُعْتَذَرُ بِهِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ .

стр. 40

إِقْفَال بَابِ الاِجْتِهَادِ: ٣٨ - مَا إِنْ أَهَل الْقَرْنُ السَّادِسِ الْهِجْرِيِّ حَتَّى نَادَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِإِقْفَال بَابِ الاِجْتِهَادِ، وَقَالُوا: لَمْ يَتْرُكْ الأَْوَائِل لِلأَْوَاخِرِ شَيْئًا. وَكَانَتْ حُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قُصُورَ الْهِمَمِ وَخَرَابَ الذِّمَمِ، وَتَسَلُّطَ الْحُكَّامِ الْمُسْتَبِدِّينَ، وَخَشْيَةَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلاِجْتِهَادِ مَنْ لَيْسَ أَهْلاً لَهُ، إِمَّا رَهْبَةً أَوْ رَغْبَةً، فَسَدًّا لِلذَّرَائِعِ أَفْتَوْا بِإِقْفَال بَابِ الاِجْتِهَادِ. وَتَعَرَّضَ بَعْضُ مَنْ خَالَفَ الأَْوَائِل فِي آرَائِهِمْ لِسَخَطِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا فَقَدْ كَانَ يَظْهَرُ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْفَيْنَةِ مَنْ ادَّعَى الاِجْتِهَادَ أَوِ ادُّعِيَ لَهُ، وَكَانَتْ لَهُمْ اجْتِهَادَاتٌ لاَ بَأْسَ بِهَا كَابْنِ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذِهِ ابْنِ الْقَيِّمِ، وَالْكَمَال بْنِ الْهُمَامِ الْحَنَفِيِّ الْمَذْهَبِ. فَقَدْ كَانَتْ لَهُ اجْتِهَادَاتٌ خَرَجَ فِيهَا عَلَى الْمَذْهَبِ. . . وَمِنْ هَؤُلاَءِ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَأَبُوهُ مِنْ قَبْلِهِ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَقَدْ كَانَ اجْتِهَادُ هَؤُلاَءِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ تَرْجِيحِ رَأْيٍ عَلَى رَأْيٍ، أَوْ حَلٍّ لِمُشْكِلَةٍ عَارِضَةٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الأَْئِمَّةُ الْمُتَقَدِّمُونَ. وَالَّذِي نَدِينُ اللَّهَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي الأُْمَّةِ عُلَمَاءُ مُتَخَصِّصُونَ، عَلَى عِلْمٍ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَمَوَاطِنِ الإِْجْمَاعِ وَفَتَاوَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ. كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا عَلَى خِبْرَةٍ تَامَّةٍ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَل بِهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَدُوِّنَتْ بِهَا السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ، وَأَنْ يَكُونُوا قَبْل ذَلِكَ وَبَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، لاَ يَخْشَوْنَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، لِتَرْجِعَ إِلَيْهِمْ الأُْمَّةُ فِيمَا نَزَل بِهَا مِنْ أَحْدَاثٍ، وَمَا يَجِدُّ مِنْ نَوَازِل، وَأَلاَّ يُفْتَحَ بَابُ الاِجْتِهَادِ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ، فَيَلِجَ فِيهِ مَنْ لاَ يُحْسِنُ قِرَاءَةَ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي الْمُصْحَفِ، كَمَا لاَ يُحْسِنُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَشْتَاتِ الْمَوْضُوعِ، وَيُرَجِّحَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ. وَالَّذِينَ أَفْتَوْا بِإِقْفَال بَابِ الاِجْتِهَادِ إِنَّمَا نَزَعُوا عَنْ خَوْفٍ مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ الاِجْتِهَادَ أَمْثَال هَؤُلاَءِ، وَأَنْ يَفْتَرِيَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، فَيَقُولُونَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ، مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلاَ بُرْهَانٍ، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ إِرْضَاءً لِلْحُكَّامِ. وَلَقَدْ رَأَيْنَا بَعْضَ مَنْ يَدَّعِي الاِجْتِهَادَ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْقَوْل بِكَذَا وَكَذَا فِيهِ تَرْضِيَةٌ لِهَؤُلاَءِ السَّادَةِ، فَيَسْبِقُونَهُمْ

стр. 41

بِالْقَوْل. وَيَعْتَمِدُ هَؤُلاَءِ الْحُكَّامُ عَلَى آرَاءِ هَؤُلاَءِ الْمُدَّعِينَ. فَقَدْ رَأَيْنَا فِي عَصْرِنَا هَذَا مَنْ أَفْتَى بِحِل الرِّبَا الاِسْتِغْلاَلِيِّ دُونَ الاِسْتِهْلاَكِيِّ، بَل مِنْهُمْ مَنْ قَال بِحِلِّهِ مُطْلَقًا؛ لأَِنَّ الْمَصْلَحَةَ - فِي زَعْمِهِ - تُوجِبُ الأَْخْذَ بِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِجَوَازِ الإِْجْهَاضِ ابْتِغَاءَ تَحْدِيدِ النَّسْل، لأَِنَّ بَعْضَ الْحُكَّامِ يَرَى هَذَا الرَّأْيَ، وَيُسَمِّيهِ تَنْظِيمَ الأُْسْرَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ إِقَامَةَ الْحُدُودِ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ عَلَى مَنْ اعْتَادَ الْجَرِيمَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْحَدِّ، وَمِنْهُمْ. . . وَمِنْهُمْ. . . فَأَمْثَال هَؤُلاَءِ هُمْ الَّذِينَ حَمَلُوا أَهْل الْوَرَعِ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْل بِإِقْفَال بَابِ الاِجْتِهَادِ. وَلَكِنَّا نَقُول: إِنَّ الْقَوْل بِحُرْمَةِ الاِجْتِهَادِ وَإِقْفَال بَابِهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً لاَ يَتَّفِقُ مَعَ الشَّرِيعَةِ نَصًّا وَرُوحًا، وَإِنَّمَا الْقَوْلَةُ الصَّحِيحَةُ هِيَ إِبَاحَتُهُ، بَل وُجُوبُهُ عَلَى مَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُهُ. لأَِنَّ الأُْمَّةَ فِي حَاجَةٍ، إِلَى مَعْرِفَةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِيمَا جَدَّ مِنْ أَحْدَاثٍ لَمْ تَقَعْ فِي الْعُصُورِ الْقَدِيمَةِ. مَصَادِرُ الاِجْتِهَادِ: ٣٩ - بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ عُلَمَاءَ الأُْمَّةِ جَمِيعًا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ مَصْدَرَ الأَْحْكَامِ كُلِّهَا مِنْهُ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ الْوَحْيِ. وَالْوَحْيُ إِمَّا مَتْلُوٌّ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، أَوْ غَيْرُ مَتْلُوٍّ وَهُوَ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الْمُطَهَّرَةُ، فَإِنَّهُ ﷺ بِصِفَتِهِ رَسُولاً، لاَ يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَصَادِرَ الأَْحْكَامِ كُلَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِصِفَةٍ مُبَاشِرَةٍ. أَمَّا الإِْجْمَاعُ - إِذَا تَحَقَّقَ - فَهُوَ كَاشِفٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ ؛ لأَِنَّ الأُْمَّةَ لاَ تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلاَلَةٍ. وَأَمَّا الْقِيَاسُ - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهِ - فَهُوَ كَاشِفٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ، وَهَذَا الظَّنُّ كَافٍ فِي الاِحْتِجَاجِ مَتَى تَوَفَّرَتْ شُرُوطُ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِأَنَّ الْحَقَّ لاَ يَتَعَدَّدُ أَمْ قُلْنَا بِغَيْرِ ذَلِكَ.

стр. 42

وَسَيَتَبَيَّنُ لَنَا مِنْ الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ تَوْضِيحُ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيل، إِلاَّ أَنَّنَا سَنَتَنَاوَل مَسْأَلَتَيْنِ عَاجِلَتَيْنِ كَثُرَ الْحَدِيثُ عَنْهُمَا فِي هَذِهِ الأَْيَّامِ. أ - الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى: حَوْل السُّنَّةِ ٤٠ - أَثَارَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ السُّنَّةَ لَيْسَتْ مَصْدَرًا لِلتَّشْرِيعِ، وَسَمُّوا أَنْفُسَهُمْ بِالْقُرْآنِيِّينَ، وَقَالُوا: إِنَّ أَمَامَنَا الْقُرْآنَ، نُحِل حَلاَلَهُ وَنُحَرِّمُ حَرَامَهُ، وَالسُّنَّةُ كَمَا يَزْعُمُونَ قَدْ دُسَّ فِيهَا أَحَادِيثُ مَكْذُوبَةٌ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ . وَهَؤُلاَءِ امْتِدَادٌ لِقَوْمٍ آخَرِينَ نَبَّأَنَا عَنْهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ . فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ الْمِقْدَامِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: يُوشِكُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُل مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُول: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلاَ وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُول اللَّهِ مِثْل مَا حَرَّمَ اللَّهُ (١) وَهَؤُلاَءِ لَيْسُوا بِقُرْآنِيِّينَ؛ لأَِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ أَوْجَبَ طَاعَةَ الرَّسُول فِيمَا يَقْرُبُ مِنْ مِائَةِ آيَةٍ، وَاعْتَبَرَ طَاعَةَ الرَّسُول ﷺ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٢) بَل إِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ الَّذِي يَدَّعُونَ التَّمَسُّكَ بِهِ نَفَى الإِْيمَانَ عَمَّنْ رَفَضَ طَاعَةَ الرَّسُول ﷺ وَلَمْ يَقْبَل حُكْمَهُ: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) . وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ السُّنَّةَ قَدْ دُسَّتْ فِيهَا أَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ مَرْدُودٌ بِأَنَّ عُلَمَاءَ هَذِهِ الأُْمَّةِ عُنُوا أَشَدَّ الْعِنَايَةِ بِتَنْقِيَةِ السُّنَّةِ مِنْ كُل دَخِيلٍ، وَاعْتَبَرُوا الشَّكَّ فِي صِدْقِ رَاوٍ مِنْ الرُّوَاةِ أَوِ احْتِمَال سَهْوِهِ رَادًّا لِلْحَدِيثِ. وَقَدْ شَهِدَ أَعْدَاءُ هَذِهِ الأُْمَّةِ بِأَنَّهُ لَيْسَتْ هُنَاكَ أُمَّةٌ عُنِيَتْ بِالسَّنَدِ وَبِتَنْقِيحِ الأَْخْبَارِ وَلاَ سِيَّمَا الْمَرْوِيَّةَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَهَذِهِ الأُْمَّةِ.

стр. 43

وَيَكْفِي لِوُجُوبِ الْعَمَل بِالْحَدِيثِ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِأَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَدْ كَانَ ﷺ يَكْتَفِي بِإِبْلاَغِ دَعْوَتِهِ بِإِرْسَال وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، مِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ يَجِبُ الْعَمَل بِهِ. ثُمَّ نَسْأَل هَؤُلاَءِ: أَيْنَ هِيَ الآْيَاتُ الَّتِي تَدُل عَلَى كَيْفِيَّةِ الصَّلاَةِ، وَعَلَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةَ خَمْسٌ، وَعَلَى أَنْصِبَةِ الزَّكَاةِ، وَعَلَى أَعْمَال الْحَجِّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الأَْحْكَامِ الَّتِي لاَ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا إِلاَّ مِنْ السُّنَّةِ. وَهُنَاكَ فِرْقَةٌ أُخْرَى لاَ تَقِل خَطَرًا عَنْ هَذِهِ الْفِرْقَةِ تَقُول: إِنَّنَا نَقْبَل السُّنَّةَ كَمَصْدَرٍ تَشْرِيعِيٍّ فِيمَا يَتَّصِل بِالْعِبَادَاتِ، أَمَّا مَا يَتَّصِل بِأُمُورِ الدُّنْيَا مِنْ تَشْرِيعَاتٍ أَوْ سُلُوكٍ فَلَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عَلَيْنَا، وَيَتَعَلَّقُونَ بِشُبْهَةٍ وَاهِيَةٍ، وَهِيَ حَادِثَةُ تَأْبِيرِ النَّخْل، وَحَاصِلُهَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَمَا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَأَى أَهْلَهَا يُؤَبِّرُونَ النَّخْل أَيْ يُلَقِّحُونَ إِنَاثَ النَّخْل بِطَلْعِ ذُكُورِهَا، فَقَال لَهُمْ: لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلَحَ، فَتَرَكُوهُ فَشَاصَ؛ أَيْ فَسَدَ وَصَارَ حَمْلُهُ شِيصًا وَهُوَ رَدِيءُ التَّمْرِ فَمَرَّ بِهِمْ فَقَال: مَا لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قَال: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ (١) . هَذَا الْخَبَرُ إِنْ دَل عَلَى شَيْءٍ فَإِنَّمَا يَدُل عَلَى أَنَّ الأُْمُورَ الدُّنْيَوِيَّةَ الَّتِي لاَ صِلَةَ لَهَا بِالتَّشْرِيعِ تَحْلِيلاً أَوْ تَحْرِيمًا أَوْ صِحَّةً أَوْ فَسَادًا، بَل هِيَ مِنْ الأُْمُورِ التَّجْرِيبِيَّةِ، لاَ تَدْخُل تَحْتَ مُهِمَّةِ الرَّسُول ﷺ كَمُبَلِّغٍ عَنْ رَبِّهِ، بَل هَذَا الْحَدِيثُ يَدُل عَلَى أَنَّ مِثْل هَذِهِ الأُْمُورِ خَاضِعَةٌ لِلتَّجْرِبَةِ، وَالرَّسُول ﷺ بِهَذَا كَانَ قُدْوَةً عَمَلِيَّةً لِحَثِّنَا عَلَى أَنَّ الأُْمُورَ الدُّنْيَوِيَّةَ الْبَحْتَةَ الَّتِي لاَ عَلاَقَةَ لَهَا بِالتَّشْرِيعِ يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَبْذُل الْجَهْدَ فِي مَعْرِفَةِ مَا هُوَ الأَْصْلَحُ مِنْ غَيْرِهِ، وَشَتَّانَ بَيْنَ هَذِهِ

стр. 44

الْحَادِثَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَرِدَ عَنْ الرَّسُول ﷺ أَنَّ هَذَا حَلاَلٌ أَوْ حَرَامٌ، أَوْ أَنَّ هَذَا الأَْمْرَ مُوجِبٌ لِلْعُقُوبَةِ أَوْ غَيْرُ مُوجِبٍ، أَوْ أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ صَحِيحٌ أَوْ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ مِنْ صُلْبِ وَظِيفَةِ الرَّسُول ﷺ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا طَاعَتَهُ فِي كُل مَا يُبَلِّغُ عَنْ رَبِّهِ. ب - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ٤١ - تُثَارُ فِي هَذِهِ الأَْيَّامِ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْفَيْنَةِ دَعْوَى الاِعْتِمَادِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ فِي تَشْرِيعَاتِنَا بِحُجَّةِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِْسْلاَمِيَّةَ إِنَّمَا جَاءَتْ لِخَيْرِ الْبَشَرِيَّةِ، فَمَا كَانَ خَيْرًا أَخَذْنَا بِهِ، وَمَا كَانَ شَرًّا أَعْرَضْنَا عَنْهُ. وَهَذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، فَإِنَّ التَّشْرِيعَ الإِْسْلاَمِيَّ - جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً، عِبَادَاتٍ وَمُعَامَلاَتٍ - إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ مَصْلَحَةُ الْبَشَرِ. وَلَكِنْ مَا هِيَ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ؟ أَهِيَ مُسَايَرَةُ الأَْهْوَاءِ وَتَرْضِيَةُ النُّفُوسِ الْجَامِحَةِ؟ أَمْ هِيَ الْمَصْلَحَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي يَسْتَقِيمُ عَلَيْهَا أَمْرُ النَّاسِ؟ ثُمَّ مَا السَّبِيل إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَصْلَحَةِ الْمَوْهُومَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الْحَقِيقِيَّةِ؟ وَطَبَائِعُ النَّاسِ كَمَا نَعْلَمُ وَنُشَاهِدُ مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا يُحِبُّهُ هَذَا يَكْرَهُهُ ذَاكَ، وَمَا يَكْرَهُهُ ذَاكَ يُحِبُّهُ هَذَا، وَالْمُحِبُّ لاَ يَرَى فِيمَا أَحَبَّ إِلاَّ جَانِبَ الْخَيْرِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَالْكَارِهُ لاَ يَرَى فِيمَا يَكْرَهُ إِلاَّ جَانِبَ الشَّرِّ وَالضُّرِّ. وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُل عَيْبٍ كَلِيلَةٌ، كَمَا أَنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا، وَقَدْ اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ أَنْ يَخْتَلِطَ الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، فَتَرْجِيحُ مَصْلَحَةٍ عَلَى مَصْلَحَةٍ، أَوْ مَفْسَدَةٍ عَلَى مَفْسَدَةٍ، أَوْ مُقَارَنَةُ الْمَفَاسِدِ بِالْمَصَالِحِ وَتَرْجِيحُ إِحْدَاهَا عَلَى الأُْخْرَى، كُل ذَلِكَ يَتَطَلَّبُ أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ يَتَنَزَّهُ عَنْ الأَْهْوَاءِ وَالأَْغْرَاضِ، وَهُوَ اللَّهُ ، لأَِنَّهُ الْغَنِيُّ عَنْ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ الَّذِي يُرِيدُ لِعِبَادِهِ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِهِمُ الْعُسْرَ. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ الْمَصَالِحَ ثَلاَثٌ: مَصْلَحَةٌ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ بِرَغْمِ مَا قَدْ يَخْتَلِطُ بِهَا مِنْ بَعْضِ الأَْضْرَارِ الْبَسِيطَةِ؛ لأَِنَّ الْخَيْرَ فِيهَا أَرْجَحُ، كَالْمَصْلَحَةِ فِي الصَّوْمِ

стр. 45

مَعَ مَا فِيهِ مِنْ بَعْضِ الْمَشَاقِّ، وَالْمَصْلَحَةِ فِي الْجِهَادِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ بَذْل الأَْمْوَال وَالأَْرْوَاحِ. وَمِثْل ذَلِكَ يُقَال فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ. وَهُنَاكَ مَصَالِحُ أَلْغَاهَا الشَّارِعُ إِلْغَاءً تَامًّا؛ لأَِنَّ ضَرَرَهَا أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهَا، كَالْمَصْلَحَةِ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُل فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١) وَكَالْمَصْلَحَةِ فِي الرِّبَا، فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ بِأَيِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِهِ أَوْ شَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِهِ: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ (٣) . وَهُنَاكَ مَصَالِحُ سَكَتَ عَنْهَا الشَّارِعُ فَلَمْ يَعْتَبِرْهَا وَلَمْ يُلْغِهَا بِخُصُوصِهَا، فَهَذِهِ الْمَصَالِحُ إِنَّمَا يُقَدِّرُهَا الْمُخْتَصُّونَ دُونَ غَيْرِهِمْ، مَعَ وُجُوبِ مُرَاعَاةِ حِمَايَتِهِمْ - قَدْرَ الإِْمْكَانِ - مِنْ ذَهَبِ الْمُعِزِّ وَسَيْفِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْبَتُّ فِي هَذَا الأَْمْرِ مِنْ شَأْنِ الْجَمَاعَةِ لاَ الأَْفْرَادِ، كَمَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِثْل هَذِهِ الْمَصَالِحِ تَحْتَ التَّجْرِبَةِ، فَإِنَّ أَمْثَالَهَا تَخْتَلِفُ مِنْ عَصْرٍ إِلَى عَصْرٍ وَمِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ. تَقْسِيمَاتُ الْفِقْهِ: لِلْفِقْهِ تَقْسِيمَاتٌ شَتَّى لاِعْتِبَارَاتٍ شَتَّى، نَكْتَفِي مِنْهَا بِذِكْرِ التَّقْسِيمَاتِ الآْتِيَةِ: أ - تَقْسِيمُ مَسَائِلِهِ بِاعْتِبَارِ أَدِلَّتِهِ: ٤٢ - وَهُوَ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: فِقْهٌ مُعْتَمِدٌ عَلَى أَدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ فِي ثُبُوتِهَا وَدَلاَلَتِهَا، كَوُجُوبِ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ، وَكَحُرْمَةِ الزِّنَى وَالرِّبَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَإِبَاحَةِ

стр. 46

الطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ. وَثَانِيهِمَا: فِقْهٌ يَعْتَمِدُ عَلَى أَدِلَّةٍ ظَنِّيَّةٍ كَتَحْدِيدِ الْقَدْرِ الْمَمْسُوحِ مِنْ الرَّأْسِ، وَالْقِرَاءَةِ الْمُتَعَيَّنَةِ فِي الصَّلاَةِ، وَتَعْيِينِ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ذَاتِ الْحَيْضِ أَبِالطُّهْرِ أَمْ بِالْحَيْضِ؟ وَهَل الْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ مُوجِبَةٌ لِتَمَامِ الْمَهْرِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ؟ . . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَكَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ الأَْحْكَامَ الثَّابِتَةَ بِأَدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ مَعْلُومَةٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لاَ تُعْتَبَرُ فِي نَظَرِ الأُْصُولِيِّينَ فِقْهًا، وَإِنْ اعْتُبِرَتْ فِي نَظَرِ الْفُقَهَاءِ. ب - تَقْسِيمُ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ مَوْضُوعَاتِهِ: ٤٣ - لَمَّا كَانَ عِلْمُ الْفِقْهِ هُوَ الْعِلْمَ الَّذِي تُعْرَفُ مِنْهُ أَحْكَامُ اللَّهِ فِي أَفْعَال الْعِبَادِ، اقْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا أَوْ وَضْعًا، فَإِنَّهُ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ يَتَنَاوَل كُل مَا يَصْدُرُ عَنْ الْعِبَادِ. وَبِهَذَا تَعَدَّدَتْ مَوْضُوعَاتُهُ، فَالأَْحْكَامُ الَّتِي تُنَظِّمُ عَلاَقَةَ الْعَبْدِ بِاللَّهِ تَعَالَى سُمِّيَتْ بِالْعِبَادَاتِ، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْعِبَادَاتُ بَدَنِيَّةً مَحْضَةً وَهِيَ الصَّوْمُ وَالصَّلاَةُ، أَوْ مَالِيَّةً مَحْضَةً وَهِيَ الزَّكَاةُ، أَوْ مِنْهُمَا وَهِيَ فَرِيضَةُ الْحَجِّ. وَالأَْحْكَامُ الَّتِي تُنَظِّمُ الأُْسْرَةَ مِنْ زَوَاجٍ وَطَلاَقٍ وَنَفَقَةٍ وَحَضَانَةٍ وَوِلاَيَةٍ وَنَسَبٍ وَمَا يَتَّصِل بِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهَا الآْنَ فِقْهُ الأَْحْوَال الشَّخْصِيَّةِ، وَأَلْحَقُوا بِهَا الْوَصَايَا وَالإِْرْثَ لاِتِّصَالِهِمَا الْوَثِيقِ بِأَحْكَامِ الأُْسْرَةِ. وَالأَْحْكَامُ الَّتِي تُنَظِّمُ مُعَامَلاَتِ النَّاسِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَشَرِكَةٍ - بِكُل صُوَرِهَا - وَرَهْنٍ وَكَفَالَةٍ وَوَكَالَةٍ وَهِبَةٍ وَإِعَارَةٍ وَإِجَارَةٍ، قَدْ أَطْلَقُوا عَلَيْهَا الآْنَ اسْمَ الْقَانُونِ الْمَدَنِيِّ أَوِ التِّجَارِيِّ. وَالأَْحْكَامُ الَّتِي تُنَظِّمُ الْقَضَاءَ وَمَا يَتَّصِل بِهِ مِنْ طُرُقِ الإِْثْبَاتِ أَطْلَقُوا عَلَيْهَا اسْمَ قَانُونِ الْمُرَافَعَاتِ. وَالأَْحْكَامُ الَّتِي تُنَظِّمُ عَلاَقَةَ الْحَاكِمِ بِالْمَحْكُومِينَ، وَالْمَحْكُومِينَ بِالْحَاكِمِ أَطْلَقُوا عَلَيْهَا الآْنَ اسْمَ الْقَانُونِ الدُّسْتُورِيِّ. وَالأَْحْكَامُ الَّتِي نَظَّمَتْ عَلاَقَةَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِهِمْ سِلْمًا وَحَرْبًا قَدْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ الْقُدَامَى اسْمَ السِّيَرِ، وَسَمَّاهَا الْمُحْدَثُونَ بِاسْمِ الْقَانُونِ الدُّوَلِيِّ.

стр. 47

وَالأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَنَاوَل تَصَرُّفَاتِ الْعِبَادِ فِي مَأْكَلِهِمْ وَمَلْبَسِهِمْ وَسُلُوكِهِمْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ مَسَائِل الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ. وَالأَْحْكَامُ الَّتِي حَدَّدَتِ الْجَرَائِمَ وَالْعُقُوبَاتِ قَدْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا فُقَهَاؤُنَا اسْمَ الْحُدُودِ وَالْجِنَايَاتِ وَالتَّعْزِيرَاتِ، وَسَمَّاهَا الْمُحْدَثُونَ بِاسْمِ الْقَانُونِ الْجَزَائِيِّ أَوِ الْجِنَائِيِّ. وَمِنْ هَذَا الْبَيَانِ الْمُخْتَصَرِ يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ الْفِقْهَ تَنَاوَل كُل مَا يَتَّصِل بِالإِْنْسَانِ، فَلَيْسَ قَاصِرًا - كَمَا يَزْعُمُ الْبَعْضُ - عَلَى تَنْظِيمِ عَلاَقَةِ الإِْنْسَانِ بِرَبِّهِ، فَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ إِمَّا جَاهِلٌ أَوْ مُتَجَاهِلٌ بِالْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ وَمَوْضُوعَاتِهِ. ج - تَقْسِيمُ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ حِكْمَتِهِ: ٤٤ - تَنْقَسِمُ مَسَائِل الْفِقْهِ مِنْ حَيْثُ إِدْرَاكُ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ فِيهِ أَوْ عَدَمُ إِدْرَاكِهَا إِلَى قِسْمَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: أَحْكَامٌ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى، وَقَدْ تُسَمَّى أَحْكَامًا مُعَلَّلَةً، وَهِيَ تِلْكَ الأَْحْكَامُ الَّتِي تُدْرَكُ حِكْمَةُ تَشْرِيعِهَا، إِمَّا لِلتَّنْصِيصِ عَلَى هَذِهِ الْحِكْمَةِ، أَوْ يُسْرِ اسْتِنْبَاطِهَا. وَهَذِهِ الْمَسَائِل هِيَ الأَْكْثَرُ فِيمَا شَرَعَ اللَّهُ ، حَيْثُ: لَمْ يَمْتَحِنَّا بِمَا تَعْيَا الْعُقُول بِهِ حِرْصًا عَلَيْنَا فَلَمْ نَرْتَبْ وَلَمْ نَهِمْ وَذَلِكَ كَتَشْرِيعِ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ فِي الْجُمْلَةِ، وَكَتَشْرِيعِ إِيجَابِ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ، وَالْعِدَّةِ فِي الطَّلاَقِ وَالْوَفَاةِ، وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ وَالأَْوْلاَدِ وَالأَْقَارِبِ، وَكَتَشْرِيعِ الطَّلاَقِ عِنْدَمَا تَتَعَقَّدُ الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ. . . إِلَى آلاَفِ الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةِ. وَثَانِيهِمَا: أَحْكَامٌ تَعَبُّدِيَّةٌ، وَهِيَ تِلْكَ الأَْحْكَامُ الَّتِي لاَ تُدْرَكُ فِيهَا الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْفِعْل وَالْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كَعَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَكَأَكْثَرِ أَعْمَال الْحَجِّ. وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أَنَّ هَذِهِ الأَْحْكَامَ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأَْحْكَامِ الْمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى. وَتَشْرِيعُ هَذِهِ الأَْحْكَامِ التَّعَبُّدِيَّةِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ اخْتِبَارُ الْعَبْدِ هَل هُوَ مُؤْمِنٌ حَقًّا؟ .

стр. 48

وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ فِي أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا لَمْ تَأْتِ بِمَا تَرْفُضُهُ الْعُقُول، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَأْتِي بِمَا لاَ تُدْرِكُهُ الْعُقُول، وَشَتَّانَ بَيْنَ الأَْمْرَيْنِ، فَالإِْنْسَانُ إِذَا اقْتَنَعَ - عَقْلِيًّا - بِأَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ وَأَنَّهُ حَكِيمٌ وَأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ وَحْدَهُ لِلرُّبُوبِيَّةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَاقْتَنَعَ - عَقْلِيًّا - بِمَا شَاهَدَ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ وَالأَْدِلَّةِ، بِصِدْقِ الرَّسُول ﷺ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ بِذَلِكَ قَدْ أَقَرَّ لِلَّهِ بِالْحَاكِمِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ، وَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعُبُودِيَّةِ، فَإِذَا مَا أُمِرَ بِأَمْرٍ، أَوْ نُهِيَ عَنْ شَيْءٍ، فَقَال: لاَ أَمْتَثِل حَتَّى أَعْرِفَ الْحِكْمَةَ فِيمَا أُمِرْتُ بِهِ أَوْ نُهِيتُ عَنْهُ، يَكُونُ قَدْ كَذَّبَ نَفْسَهُ فِي دَعْوَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ لِلْعُقُول حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ إِدْرَاكُهَا، كَمَا أَنَّ لِلْحَوَاسِّ حَدًّا تَقِفُ عِنْدَهُ لاَ تَتَجَاوَزُهُ. وَمَا مَثَل الْمُتَمَرِّدِ عَلَى أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى التَّعَبُّدِيَّةِ إِلاَّ كَمَثَل مَرِيضٍ ذَهَبَ إِلَى طَبِيبٍ مَوْثُوقٍ بِعِلْمِهِ وَأَمَانَتِهِ، فَوَصَفَ لَهُ أَنْوَاعًا مِنْ الأَْدْوِيَةِ، بَعْضَهَا قَبْل الأَْكْل وَبَعْضَهَا أَثْنَاءَهُ وَبَعْضَهَا بَعْدَهُ، مُخْتَلِفَةَ الْمَقَادِيرِ، فَقَال لِلطَّبِيبِ: لاَ أَتَعَاطَى دَوَاءَكَ حَتَّى تُبَيِّنَ لِي الْحِكْمَةَ فِي كَوْنِ هَذَا قَبْل الطَّعَامِ وَهَذَا بَعْدَهُ، وَهَذَا أَثْنَاءَهُ، وَلِمَاذَا تَفَاوَتَتِ الْجَرْعَاتُ قِلَّةً وَكَثْرَةً؟ فَهَل هَذَا الْمَرِيضُ وَاثِقٌ حَقًّا بِطَبِيبِهِ؟ فَكَذَلِكَ مَنْ يَدَّعِي الإِْيمَانَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يَتَمَرَّدُ عَلَى الأَْحْكَامِ الَّتِي لاَ يُدْرِكُ حِكْمَتَهَا، إِذْ الْمُؤْمِنُ الْحَقُّ إِذَا أُمِرَ بِأَمْرٍ أَوْ نُهِيَ عَنْهُ يَقُول: سَمِعْتُ وَأَطَعْتُ، وَلاَ سِيَّمَا بَعْدَ أَنْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ أَحْكَامٌ تَرْفُضُهَا الْعُقُول السَّلِيمَةُ، فَعَدَمُ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ دَلِيلاً عَلَى نَفْيِهِ، فَكَمْ مِنْ أَحْكَامٍ خَفِيَتْ عَلَيْنَا حِكْمَتُهَا فِيمَا مَضَى ثُمَّ انْكَشَفَ لَنَا مَا فِيهَا مِنْ حِكْمَةٍ بَالِغَةٍ، فَقَدْ كَانَ خَافِيًا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ حِكْمَةُ تَحْرِيمِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَنَا مَا يَحْمِلُهُ هَذَا الْحَيَوَانُ الْخَبِيثُ مِنْ أَمْرَاضٍ وَصِفَاتٍ خَبِيثَةٍ، أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَحْمِيَ مِنْهَا الْمُجْتَمَعَ الإِْسْلاَمِيَّ. وَمِثْل ذَلِكَ يُقَال فِي الأَْمْرِ بِغَسْل الإِْنَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ سَبْعَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ. . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الأَْحْكَامِ الَّتِي تَكْشِفُ الأَْيَّامُ عَنْ سِرِّ تَشْرِيعِهَا وَإِنْ كَانَتْ خَافِيَةً عَلَيْنَا الآْنَ.

стр. 49

التَّعْرِيفُ بِالْمَوْسُوعَةِ الْفِقْهِيَّةِ تَطْوِيرُ عَرْضِ الْفِقْهِ وَ (التَّدْوِينُ الْجَمَاعِيُّ) : ٤٥ - لَقَدْ مَرَّ الْفِقْهُ الإِْسْلاَمِيُّ فِي رِحْلَةِ تَدْوِينِهِ بِأَطْوَارٍ مُخْتَلِفَةٍ تُشْبِهُ أَطْوَارَ تَكْوِينِهِ، وَلاَ يَتَّسِعُ الْمَجَال لأَِكْثَرَ مِنْ الإِْشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ بَدَأَ مُمْتَزِجًا بِالسُّنَّةِ وَالآْثَارِ، ثُمَّ ظَهَرَ فِي صُورَةِ الأَْمَالِي وَالْمَسَائِل وَالْجَوَامِعِ الْمُهْتَمَّةِ بِالصُّوَرِ وَالْفُرُوعِ أَكْثَرَ مِنْ الْمَبَادِئِ، ثُمَّ تَلاَ ذَلِكَ تَأْلِيفُ الْمُدَوَّنَاتِ وَأُمَّهَاتِ الْكُتُبِ الْمَبْسُوطَةِ الَّتِي حُفِظَتْ بِهَا الْمَذَاهِبُ مِنْ الاِنْدِثَارِ، وَقَدْ آل التَّصْنِيفُ فِي الْفِقْهِ بَعْدَئِذٍ إِلَى عَرْضِهِ بِأُسْلُوبٍ عِلْمِيٍّ شَدِيدِ التَّرْكِيزِ، مُتَفَاوِتِ التَّرْتِيبِ، مُسْتَغْلِقِ الْعِبَارَةِ لِغَيْرِ الْمُتَمَرِّسِ، وَظَهَرَتْ (الْمُتُونُ) الَّتِي اسْتَلْزَمَ إِيضَاحُهَا وَضْعَ (الشُّرُوحِ) وَتَعْلِيقَ (الْحَوَاشِي) عَلَى نَمَطٍ صَعْبٍ لاَ تَكْمُل الْفَائِدَةُ مِنْهُ إِلاَّ لِلْمُتَخَصِّصِ، بَل رُبَّمَا تَنْحَصِرُ خِبْرَةُ الْفَرْدِ بِمَذْهَبٍ دُونَ آخَرَ لِمَا تَعَارَفَ عَلَيْهِ أَهْل كُل مَذْهَبٍ فِي دِرَاسَتِهِ وَالإِْفْتَاءِ بِهِ وَالتَّأْلِيفِ فِيهِ، مِنْ أُصُولٍ وَرُمُوزٍ وَاصْطِلاَحَاتٍ، بَعْضُهَا مُدَوَّنٌ فِي مَوَاطِنَ مُتَفَرِّقَةٍ، وَبَعْضُهَا لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بِالتَّلْقِينِ وَالتَّوْقِيفِ عَلَيْهِ. وَالْغَرَضُ هُنَا الإِْشَارَةُ إِلَى ظُهُورِ بَعْضِ الْمُؤَلَّفَاتِ الْمُطَوَّرَةِ فِي عَرْضِ الْفِقْهِ تُشْبِهُ الْمَوْسُوعَةَ - إِذَا غُضَّ النَّظَرُ عَنْ قَضِيَّةِ التَّرْتِيبِ، عَلَى أَهَمِّيَّتِهَا - لاِشْتِمَالِهَا عَلَى بَعْضِ خَصَائِصِ الْكِتَابَةِ الْمَوْسُوعِيَّةِ كَالشُّمُول وَإِطْلاَقِ الْبَحْثِ عَنْ التَّقَيُّدِ بِإِيضَاحِ كِتَابٍ، أَوْ مَنْهَجِ تَدْرِيسٍ، أَوْ طَاقَةِ الْفَرْدِ الْعَادِيِّ. . . وَالأَْمْثِلَةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي الْكُتُبِ الَّتِي تَجْمَعُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ مَا تَفَرَّقَ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمُؤَلَّفَاتِ، وَتُعْنَى بِمَا كَانَ يُسَمَّى: عِلْمَ الْخِلاَفِ (مُقَارَنَةُ الْمَذَاهِبِ) وَتُجْرَى عَلَى أُسْلُوبِ الْبَسْطِ وَالاِسْتِيفَاءِ لِكُل مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ بِحَسَبِ تَقْدِيرِ الْمُؤَلِّفِ. . لَكِنَّ تِلْكَ الأَْشْبَاهَ الْمَوْسُوعِيَّةَ كَانَتْ جُهُودًا فَرْدِيَّةً (أَوْ شِبْهَ فَرْدِيَّةٍ حِينَ تَخْتَرِمُ الْمَنِيَّةُ الْمُؤَلِّفَ فَيَأْتِيَ مَنْ

стр. 50

يَضَعُ تَكْمِلَةً لِكِتَابِهِ) وَالنَّزْرُ الْيَسِيرُ مِنْهَا كَانَ جَهْدًا جَمَاعِيًّا وَغَالِبُهُ ثَمَرَةُ اهْتِمَامِ أُولِي الأَْمْرِ، اقْتِرَاحًا أَوْ تَشْجِيعًا أَوْ تَبَنِّيًا وَاحْتِضَانًا. ٤٦ - وَمِنْ الأَْمْثِلَةِ لِلْجَهْدِ الْجَمَاعِيِّ فِي الْمُؤَلَّفَاتِ الْفِقْهِيَّةِ الْجَارِيَةِ مَجْرَى الْمَوْسُوعَاتِ: الْكِتَابُ الْمَعْرُوفُ فِي الْفِقْهِ الْحَنَفِيِّ بِالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ، وَالَّذِي اشْتَرَكَ فِي إِنْجَازِهِ (٢٣) فَقِيهًا مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الْهِنْدِ بِطَلَبِ وَتَمْوِيل مَلِكِهَا (مُحَمَّدٍ أورنكزيب) الْمُلَقَّبِ: " عَالَم كير " أَيْ فَاتِحِ الْعَالَمِ، وَلِذَا سُمِّيَتْ " الْفَتَاوَى الْعَالَمْكِيرِيَّةِ ". (١) وَيَجْرِي عَلَى هَذَا الْمِنْوَال مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُ بَعْضِ أَهْدَافِ الْمَوْسُوعَةِ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَالاِعْتِمَادِ عَلَى مَا فِيهَا: الْمُخْتَارَاتُ التَّشْرِيعِيَّةُ الْفِقْهِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ مَثَابَةً لِلْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ بِالاِلْتِزَامِ فَضْلاً عَنْ الإِْلْزَامِ، كَمَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ وَالَّتِي وَضَعَتْهَا لَجْنَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِتَكْلِيفٍ مِنْ الْخِلاَفَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَكَانَ بَيْنَ أَعْضَائِهَا الشَّيْخُ عَلاَءُ الدِّينِ بْنُ عَابِدِينَ (نَجْل صَاحِبِ الْحَاشِيَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْفِقْهِ الْحَنَفِيِّ) . وَيُقَارِبُهَا فِي الذُّيُوعِ ثَلاَثَةُ كُتُبٍ لِلْعَلاَّمَةِ مُحَمَّد قَدْرِي بَاشَا مَصُوغَةً كَقَوَانِينَ مُقْتَرَحَةً (وَهِيَ مُرْشِدُ الْحَيْرَانِ فِي مَعْرِفَةِ أَحْوَال الإِْنْسَانِ، وَالأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الأَْحْوَال الشَّخْصِيَّةِ، وَالْعَدْل وَالإِْنْصَافُ فِي أَحْكَامِ الأَْوْقَافِ) تِلْكَ الْكُتُبُ الَّتِي يُورِدُ بَعْضُ الْكُتَّابِ احْتِمَال أَنْ يَكُونَ مُؤَلِّفُهَا قَدْ أَعَانَهُ عَلَيْهَا قَوْمٌ آخَرُونَ، بِالرَّغْمِ مِنْ أَهْلِيَّتِهِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي لاَ يُسْتَغْرَبُ مَعَهَا نُهُوضُهُ بِهَذَا الْعَمَل وَحْدَهُ، وَهُوَ مِمَّا يَنُوءُ بِهِ الأَْفْرَادُ. وَلاَ يَتَّسِعُ الْمَقَامُ لِلإِْفَاضَةِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ وَضَرْبِ الأَْمْثِلَةِ الْكَثِيرَةِ عَلَيْهِ، فَهُوَ مِمَّا يُعْنَى بِهِ عِلْمُ وَصْفِ الْكُتُبِ (الببليوغرافيا) وَمَا كُتِبَ فِي تَارِيخِ الْفِقْهِ وَالتَّشْرِيعِ، وَالْمَدَاخِل إِلَى الْفِقْهِ وَمَذَاهِبِهِ وَسِيَرِ الأَْئِمَّةِ وَطَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ.

стр. 51

تَعْرِيفُ " الْمَوْسُوعَةِ . . " ٤٧ - تُطْلَقُ الْمَوْسُوعَةُ - أَوْ دَائِرَةُ الْمَعَارِفِ، أَوِ الْمُعَلِّمَةُ - عَلَى الْمُؤَلَّفِ الشَّامِل لِجَمِيعِ مَعْلُومَاتِ عِلْمٍ أَوْ أَكْثَرَ، مَعْرُوضَةً مِنْ خِلاَل عَنَاوِينَ مُتَعَارَفٍ عَلَيْهَا، بِتَرْتِيبٍ مُعَيَّنٍ لاَ يُحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى خِبْرَةٍ وَمُمَارَسَةٍ، مَكْتُوبَةً بِأُسْلُوبٍ مُبَسَّطٍ لاَ يَتَطَلَّبُ فَهْمُهُ تَوَسُّطَ الْمُدَرِّسِ أَوِ الشُّرُوحَ، بَل يَكْفِي لِلاِسْتِفَادَةِ مِنْهَا الْحَدُّ الأَْوْسَطُ مِنْ الثَّقَافَةِ الْعَامَّةِ مَعَ الإِْلْمَامِ بِالْعِلْمِ الْمَوْضُوعَةِ لَهُ، وَلاَ بُدَّ مَعَ هَذَا كُلِّهِ مِنْ تَوَافُرِ دَوَاعِي الثِّقَةِ بِمَعْلُومَاتِهَا بِعَزْوِهَا لِلْمَرَاجِعِ الْمُعْتَمَدَةِ، أَوْ نِسْبَتِهَا إِلَى الْمُخْتَصِّينَ الَّذِينَ عُهِدَ إِلَيْهِمْ بِتَدْوِينِهَا مِمَّنْ يُطْمَأَنُّ بِصُدُورِهَا عَنْهُمْ. فَخَصَائِصُ (الْمَوْسُوعَةِ) الَّتِي تُوجِبُ لَهَا اسْتِحْقَاقَ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ هِيَ: الشُّمُول، وَالتَّرْتِيبُ السَّهْل، وَالأُْسْلُوبُ الْمُبَسَّطُ، وَمُوجِبَاتُ الثِّقَةِ. وَيَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ التَّوْضِيحِيِّ الْعَامِّ أَنَّ " الْمَوْسُوعَةَ الْفِقْهِيَّةَ " هِيَ مَا كَانَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخَصَائِصُ، وَأَنَّ أَسَاسَ التَّرْتِيبِ فِيهَا هُوَ الْمُصْطَلَحَاتُ الْمُتَدَاوَلَةُ فِي الْفِقْهِ (وَهِيَ الْكَلِمَاتُ الْعُنْوَانِيَّةُ لأَِبْوَابِهِ وَمَسَائِلِهِ الْمَشْهُورَةِ) ، وَالَّتِي تُرَتَّبُ أَلِفْبَائِيًّا لِتَمْكِينِ الْمُخْتَصِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْوُصُول لِمَظَانِّ الْبَحْثِ، وَإِنَّ مُوجِبَاتِ الثِّقَةِ هِيَ بَيَانُ الأَْدِلَّةِ وَالْعَزْوُ لِلْمَرَاجِعِ الأَْصْلِيَّةِ، وَأَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ التَّنْسِيقِ بَيْنَ جَمِيعِ مَعْلُومَاتِهَا بِمَا يَتَحَقَّقُ بِهِ التَّرَابُطُ وَالتَّكَامُل وَالْبَيَانُ الْمُتَكَافِئُ. فَهِيَ إِذَنْ غَيْرُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ: الْمُدَوَّنَاتِ، أَوِ الْمُطَوَّلاَتِ، أَوِ الْمَبْسُوطَاتِ، أَوِ الأُْمَّهَاتِ مِنْ كُتُبٍ فِقْهِيَّةٍ لَمْ تُرَاعَ فِيهَا جَمِيعُ الْخَصَائِصِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، وَإِنَّ وُجُودَ خَصِيصَةٍ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرَ، بِالْقَصْدِ أَوِ التَّوَافُقِ، وَلاَ سِيَّمَا شُمُول قَدْرٍ كَبِيرٍ مِنْ الْمَادَّةِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُوَثَّقَةِ، هُوَ الَّذِي يُسِيغُ إِطْلاَقَ اسْمِ الْمَوْسُوعَاتِ عَلَيْهَا، مِنْ بَابِ التَّجَوُّزِ لاَ الْحَقِيقَةِ، لأَِنَّهَا تَفْتَقِرُ إِلَى أَهَمِّ الْخَصَائِصِ: اتِّخَاذُ الْمُصْطَلَحَاتِ الْمُرَتَّبَةِ أَسَاسًا لِلْبَحْثِ فِيهَا، فَضْلاً عَنْ سُهُولَةِ الأُْسْلُوبِ وَإِطْلاَقِ الْحُدُودِ لِلْبَيَانِ الْمُتَنَاسِقِ. وَالْفِقْهُ الإِْسْلاَمِيُّ غَنِيٌّ بِأَمْثَال تِلْكَ الْمَرَاجِعِ الَّتِي إِنْ خُدِمَتْ بِفَهَارِسَ تَحْلِيلِيَّةٍ كَانَتْ بِمَثَابَةِ مَوْسُوعَاتٍ مَبْدَئِيَّةٍ لِمَذْهَبٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَهِيَ بِهَذِهِ الْخِدْمَةِ سَتَكُونُ مِمَّا يُوَطِّئُ لِلْمَوْسُوعَةِ وَيَسُدُّ الْفَرَاغَ إِلَى حِينٍ.

стр. 52

أَهْدَافُ الْمَوْسُوعَةِ الْفِقْهِيَّةِ: ٤٨ - فَضْلاً عَمَّا فِي إِصْدَارِ الْمَوْسُوعَةِ الْفِقْهِيَّةِ مِنْ إِثْرَاءٍ لِلْمَكْتَبَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ بِبُحُوثٍ تَتَّصِفُ بِجِدَّةِ الصِّيَاغَةِ وَمُعَالَجَةِ الْمَوْضُوعَاتِ بِتَعَمُّقِ كُلٍّ عَلَى حِدَةٍ، وَبِجَهْدٍ جَمَاعِيٍّ تَتَلاَقَحُ فِيهِ الأَْفْكَارُ وَالأَْنْظَارُ قَبْل إِخْرَاجِهِ لِلنَّاسِ، فَإِنَّهَا هِيَ السَّبِيل لِتَوْفِيرِ الْوَقْتِ عَلَى الْمُخْتَصِّينَ - وَغَيْرِهِمْ بِالأَْحْرَى - فِي التَّعَمُّقِ بِدِرَاسَاتِهِمُ الشَّرْعِيَّةِ وَلاَ سِيَّمَا فِي التَّعْلِيمِ الْعَالِي وَالْقَضَاءِ وَالتَّشْرِيعِ، وَفِي إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْفِقْهِيِّ وَتَرْشِيحِهِ لِلدِّرَاسَاتِ الدُّوَلِيَّةِ الْحُقُوقِيَّةِ الْمُقَارَنَةِ (وَهُوَ الْهَدَفُ التَّارِيخِيُّ لِبُزُوغِ فِكْرَةِ الْمَوْسُوعَةِ) . وَبِالْمَوْسُوعَةِ تَسْهُل الْعَوْدَةُ إِلَى الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ لاِسْتِنْبَاطِ الْحُلُول الْقَوِيمَةِ مِنْهَا لِمُشْكِلاَتِ الْقَضَايَا الْمُعَاصِرَةِ، وَلاَ سِيَّمَا مَعَ الإِْقْبَال الْعَامِّ عَلَى تَطْوِيرِ التَّشْرِيعَاتِ بِاسْتِمْدَادِهَا مِنْ الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ أَيْضًا وَسِيلَةٌ لِلإِْلْمَامِ بِأَحْكَامِ الدِّينِ وَالاِطِّلاَعِ عَلَى مَا اسْتَنْبَطَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِتَنْظِيمِ جَمِيعِ شُئُونِ الْحَيَاةِ، وَلِهَذَا أَعْظَمُ الأَْثَرِ فِي الْفَلاَحِ وَالْفَوْزِ بِرِضَا اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَالْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ. وَبِإِنْجَازِ الْمَوْسُوعَةِ يَتَحَقَّقُ لِلْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ مُوَاكَبَةُ مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ الْعُلُومُ وَالْمَعَارِفُ مِنْ تَطْوِيرٍ فِي الشَّكْل وَالأُْسْلُوبِ، فَيَجْمَعُ إِلَى أَصَالَةِ مَضْمُونِهِ وَغَزَارَةِ تُرَاثِهِ جَمَال الإِْخْرَاجِ وَسُهُولَةَ التَّرْتِيبِ، وَذَلِكَ لِتَدَارُكِ الْفَجْوَةِ الَّتِي حَدَثَتْ بِالتَّطَوُّرِ السَّرِيعِ فِي عَالَمِ النَّشْرِ وَعَرْضِ الْمَعْلُومَاتِ بِطُرُقٍ تَجْمَعُ بَيْنَ السُّهُولَةِ وَتَحْقِيقِ السُّرْعَةِ. تَارِيخُ الْمَوْسُوعَةِ الْفِقْهِيَّةِ: ٤٩ - إِصْدَارُ الْمَوْسُوعَةِ الْفِقْهِيَّةِ أَمَلٌ إِسْلاَمِيٌّ قَدِيمٌ وَمُتَجَدِّدٌ، فَقَدْ تَطَلَّعَ إِلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُهْتَمِّينَ بِنَهْضَةِ الأُْمَّةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، عَلَى تَفَاوُتٍ فِي وُضُوحِ الْفِكْرَةِ وَالطَّرِيقَةِ الْمُقْتَرَحَةِ. (١)

стр. 53

غَيْرَ أَنَّ أَهَمَّ النِّدَاءَاتِ الَّتِي تَرَدَّدَتْ لإِِنْجَازِ هَذَا الْمَشْرُوعِ الْعِلْمِيِّ الْمُبْتَكَرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْفِقْهِ تَمَثَّل فِي النِّدَاءِ الصَّادِرِ عَنْ مُؤْتَمَرِ أُسْبُوعِ الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ فِي بَارِيسَ ١٣٧٠ هـ (١٩٥١ م) وَاشْتَرَكَ فِيهِ ثُلَّةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْعَالَمِ الإِْسْلاَمِيِّ. فَكَانَ بَيْنَ تَوْصِيَاتِهِ الدَّعْوَةُ إِلَى تَأْلِيفِ مَوْسُوعَةٍ فِقْهِيَّةٍ تُعْرَضُ فِيهَا الْمَعْلُومَاتُ الْحُقُوقِيَّةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ وَفْقًا لِلأَْسَالِيبِ الْحَدِيثَةِ وَالتَّرْتِيبِ الْمُعْجَمِيِّ. وَفِي ١٣٧٥ هـ (١٩٥٦ م) كَانَتْ بِدَايَةُ الْمُحَاوَلاَتِ الرَّسْمِيَّةِ (١) لإِِبْرَازِ هَذَا الْقَرَارِ التَّارِيخِيِّ الْعَالَمِيِّ إِلَى حَيِّزِ الْوَاقِعِ مِنْ قِبَل لَجْنَةٍ مُلْحَقَةٍ بِكُلِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ فِي جَامِعَةِ دِمَشْقَ (٢) مُكَوَّنَةٍ بِمَرْسُومٍ جُمْهُورِيٍّ، تَمَّ تَعْزِيزُهُ بَعْدَ الْوَحْدَةِ السُّورِيَّةِ الْمِصْرِيَّةِ بِقَرَارٍ جُمْهُورِيٍّ. فَصَدَرَ عَامَ ١٣٨١ هـ (١٩٦١ م) جُزْءٌ يَتَضَمَّنُ نَمَاذِجَ مِنْ بُحُوثِ الْمَوْسُوعَةِ - لِتَلَقِّي الْمُلاَحَظَاتِ - كَتَبَهَا فُقَهَاءُ مِنْ الْبَلَدَيْنِ (٣) ثُمَّ صَدَرَ عَنْ الْمَوْسُوعَةِ بَعْدَئِذٍ فِي سُورِيَّةَ بَعْضُ الأَْعْمَال التَّمْهِيدِيَّةِ كَمُعْجَمِ فِقْهِ ابْنِ حَزْمٍ، وَدَلِيل مَوَاطِنِ الْبَحْثِ عَنْ الْمُصْطَلَحَاتِ الْفِقْهِيَّةِ. أَمَّا فِي مِصْرَ، فَإِنَّ فِكْرَةَ الْمَوْسُوعَةِ الَّتِي احْتَضَنَتْهَا وَزَارَةُ الأَْوْقَافِ عَامَ ١٣٨١ هـ (١٩٦١ م) بَيْنَ لِجَانِ الْمَجْلِسِ الأَْعْلَى لِلشُّئُونِ الإِْسْلاَمِيَّةِ صَدَرَ أَوَّل أَجْزَائِهَا ١٣٨٦ هـ وَبَلَغَتْ (١٥) جُزْءًا وَلاَ تَزَال فِي مُصْطَلَحَاتِ الْهَمْزَةِ، وَهِيَ لَيْسَتْ كُل مَا أَنْجَزَتْهُ فَإِنَّ النَّشْرَ يَتَأَخَّرُ فِي مَسِيرَتِهِ عَنْ الإِْنْجَازِ. وَفِي ١٣٨٦ هـ (١٩٦٧ م) - وَمَعَ ظُهُورِ الْحَاجَةِ إِلَى تَكَاتُفِ الْجُهُودِ الإِْسْلاَمِيَّةِ لِضَمَانِ إِنْجَازِ هَذَا الْمَشْرُوعِ فِي أَيِّ قُطْرٍ إِسْلاَمِيٍّ مُقْتَدِرٍ بِالْمَال أَوِ الرِّجَال - احْتَضَنَتْ وَزَارَةُ الأَْوْقَافِ وَالشُّئُونِ الإِْسْلاَمِيَّةِ فِي دَوْلَةِ الْكُوَيْتِ هَذَا الْمَشْرُوعَ،

стр. 54

بِاعْتِبَارِهِ مِنْ الْفُرُوضِ الْكِفَائِيَّةِ الَّتِي يَتِمُّ بِهَا وَاجِبُ تَقْدِيمِ الْفِقْهِ بِالصُّورَةِ الْعَصْرِيَّةِ الدَّاعِيَةِ لِتَعَلُّمِهِ وَالْمُيَسِّرَةِ لِلْعَمَل بِهِ، وَمِثْل ذَلِكَ لاَ بُدَّ مِنْ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْقِيَامِ بِهِ لاِغْتِنَامِ الْفَضْل وَالأَْجْرِ، وَإِسْقَاطِ الْمُؤَاخَذَةِ وَالْمَسْئُولِيَّةِ عَنْ الأُْمَّةِ كَافَّةً. وَمِمَّا لاَ بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ هُنَا أَنَّهُ لاَ ضَيْرَ مِنْ تَعَدُّدِ الْجُهُودِ فِي خِدْمَةِ الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ؛ لاِفْتِقَارِهِ الشَّدِيدِ فِي مَجَال الْعَرْضِ الْحَدِيثِ وَالإِْخْرَاجِ الْفَنِّيِّ. وَمِنْ الْمَلْحُوظِ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ نَتَاجِ الْمَوْسُوعَاتِ الثَّلاَثِ الْقَائِمَةِ (فِي سُورِيَّةَ وَمِصْرَ وَالْكُوَيْتِ) أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهَا وُجْهَةً تَسْعَى مِنْ خِلاَلِهَا إِلَى إِغْنَاءِ الْفِقْهِ فِي مَجَالٍ، أَوْ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مَا تَسْعَى إِلَيْهِ الأُْخْرَى، وَإِنَّ فِي هَذَا التَّنَوُّعِ مَا يَفِي بِالْحَاجَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَأَلْوَانِ الْعِنَايَةِ بِالْفِقْهِ وَتَقْرِيبِهِ إِلَى طَالِبِيهِ. مَرَاحِل مَشْرُوعِ الْمَوْسُوعَةِ الْفِقْهِيَّةِ فِي الْكُوَيْتِ: (أَوَّلاً) : الدَّوْرَةُ السَّابِقَةُ لِلْمَشْرُوعِ: ٥٠ - اسْتَمَرَّ الْعَمَل فِي مَشْرُوعِ الْمَوْسُوعَةِ الْفِقْهِيَّةِ فِي دَوْرَتِهِ الأُْولَى خَمْسَ سَنَوَاتٍ، تَمَّ فِيهَا وَضْعُ الْخُطَّةِ وَصُنْعُ مُعْجَمٍ فِقْهِيٍّ مُسْتَخْلَصٍ مِنَ " الْمُغْنِي " لاِبْنِ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيِّ، وَكِتَابَةُ خَمْسِينَ بَحْثًا مُتَفَاوِتَةً فِي الْكَمْيَّةِ وَالنَّوْعِيَّةِ، نُشِرَ مِنْهَا ثَلاَثَةٌ فِي طَبْعَةٍ تَمْهِيدِيَّةٍ لِتَلَقِّي الْمُلاَحَظَاتِ. وَقَدْ انْتَهَتْ هَذِهِ الدَّوْرَةُ أَوَاخِرَ عَامِ ١٩٧١ م، ثُمَّ تَلَتْهَا فَتْرَةُ تَرَيُّثٍ قَطَعَتْهَا الْمُبَاشَرَةُ فِي عَامِ ١٩٧٥ بِبَعْضِ الأَْعْمَال التَّحْضِيرِيَّةِ وَالاِتِّصَالاَتِ بِالْمُخْتَصِّينَ لِحَشْدِ الطَّاقَاتِ وَتَجْمِيعِ الْجُهُودِ الإِْسْلاَمِيَّةِ لِمُوَاصَلَةِ هَذَا الْمَشْرُوعِ، وَظَل ذَلِكَ خِلاَل الْعَامَيْنِ التَّالِيَيْنِ لِجَمْعِ الاِقْتِرَاحَاتِ وَدِرَاسَتِهَا بِقَصْدِ الْوُصُول إِلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى لاِسْتِئْنَافِ الْعَمَل؛ اسْتِجَابَةً لِلْمَطَالِبِ الإِْسْلاَمِيَّةِ - مِنْ الدَّاخِل وَالْخَارِجِ - بِمُوَاصَلَةِ السَّيْرِ فِي إِنْجَازِهِ. وَلِهَذَا تَمَّ وَضْعُ تَقْرِيرٍ مُفَصَّلٍ عَنْ الْمَشْرُوعِ وَخُطُوَاتِهِ السَّابِقَةِ وَإِنْجَازَاتِهِ وَاحْتِيَاجَاتِهِ، ثُمَّ صَدَرَ قَرَارُ اسْتِئْنَافِهِ وَرَافَقَ ذَلِكَ إِجْرَاءَاتٌ عَدِيدَةٌ، أَهَمُّهَا: أ - الاِتِّصَال ثَانِيَةً بِالْجِهَاتِ الْعِلْمِيَّةِ الْمَعْنِيَّةِ بِالْفِقْهِ وَالدِّرَاسَاتِ وَالشُّئُونِ الإِْسْلاَمِيَّةِ الَّتِي قَدَّمَتْ مُقْتَرَحَاتِهَا وَوَضَعَتْ إِمْكَانَاتِهَا لِلتَّعَاوُنِ وَالْعَمَل الْمُشْتَرَكِ، وَذَلِكَ لِتَجْنِيدِ الطَّاقَاتِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي تَنْتَسِبُ إِلَيْهَا.

стр. 55

ب - اخْتِيَارُ تِسْعَةِ نَمَاذِجَ أُخْرَى مِنْ الْبُحُوثِ السَّابِقَةِ لِنَشْرِهَا فِي طَبْعَةٍ تَمْهِيدِيَّةٍ، عَلَى نَمَطِ النَّمَاذِجِ الثَّلاَثِ الْمَنْشُورَةِ فِي الدَّوْرَةِ الأُْولَى، وَذَلِكَ لِتَلَقِّي الْمَزِيدِ مِنْ الْمُلاَحَظَاتِ، وَلِلإِْعْلاَمِ الْفِعْلِيِّ عَنْ اسْتِئْنَافِ الْمَشْرُوعِ. (ثَانِيًا) الدَّوْرَةُ الْحَالِيَّةُ لِلْمَشْرُوعِ: ٥١ - بَدَأَتْ مَرْحَلَةُ التَّخْطِيطِ الْجَدِيدِ لِلْمَوْسُوعَةِ بِتَشْكِيل اللَّجْنَةِ الْعَامَّةِ لِلْمَوْسُوعَةِ الْفِقْهِيَّةِ بِالْقَرَارِ الْوِزَارِيِّ رَقْمِ ٨: ٧٧ بِتَارِيخِ ١١ رَبِيعٍ الأَْوَّل ١٣٩٧ هـ الْمُوَافِقِ ١: ٣: ١٩٧٧ م وَالَّتِي يَرْأَسُهَا وَزِيرُ الأَْوْقَافِ وَالشُّئُونِ الإِْسْلاَمِيَّةِ فَضْلاً عَنْ ثَمَانِيَةِ أَعْضَاءٍ مِنْ كِبَارِ الإِْدَارِيِّينَ فِي الْوَزَارَةِ وَبَعْضِ الْخُبَرَاءِ الْمُخْتَصِّينَ فِي الْفِقْهِ وَبَعْضِ الْمُسْتَشَارِينَ الْعَامِلِينَ فِي مَجَال الْقَضَاءِ. وَقَدْ تَوَالَتِ اجْتِمَاعَاتُهَا مُنْذُ ذَلِكَ التَّارِيخِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ لِتَقْوِيمِ نَتَاجِ الدَّوْرَةِ السَّابِقَةِ وَوَجْهِ الاِسْتِفَادَةِ مِنْهُ لِلدَّوْرَةِ الْجَدِيدَةِ، وَالإِْشْرَافِ عَلَى تَنْفِيذِ مَا تُصْدِرُهُ مِنْ قَرَارَاتٍ وَتَوْصِيَاتٍ وَالْعَمَل لِتَوْفِيرِ الْمُتَطَلَّبَاتِ. وَمِنْ أَبْرَزِ مَا بَدَأَتْ بِهِ اللَّجْنَةُ الْعَامَّةُ: أ - وَضْعُ خُطَّةٍ مُنَقَّحَةٍ لِلْكِتَابَةِ، وَخُطَطٍ أُخْرَى عِلْمِيَّةٍ لِلأَْعْمَال الْمَوْسُوعِيَّةِ لِضَمَانِ الْجَوْدَةِ وَالتَّنْسِيقِ. ب - الإِْفَادَةُ مِنْ رَصِيدِ الدَّوْرَةِ السَّابِقَةِ بِتَبَنِّي مَا أَمْكَنَ مِنْهُ بَعْدَ إِخْضَاعِهِ لِدِرَاسَةٍ أَوَّلِيَّةٍ لِتَقْوِيمِهِ وَمُطَابَقَتِهِ لِلْخُطَّةِ الْمُنَقَّحَةِ. وَقَدْ رَأَتِ اللَّجْنَةُ الْعَامَّةُ الاِكْتِفَاءَ بِالنَّمَاذِجِ الاِثْنَيْ عَشَرَ الَّتِي تَمَّ نَشْرُهَا فِي طَبْعَةٍ تَمْهِيدِيَّةٍ لأَِنَّهَا أَدَّتْ مُهِمَّتَهَا، وَلِتَوْفِيرِ الزَّمَنِ لِلْعَمَل النِّهَائِيِّ وَتَكْثِيفِ الْجُهُودِ لِلإِْنْتَاجِ الْجَدِيدِ، وَاسْتُعِيضَ عَنْ تَلَقِّي الْمُلاَحَظَاتِ (الْمُتَوَقَّعِ مِنْهَا) بِالْتِزَامِ إِجْرَاءِ مُرَاجَعَةٍ خَارِجِيَّةٍ لِلْبُحُوثِ الْكَبِيرَةِ يَقُومُ بِهَا عَدَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمُخْتَصِّينَ فِي الْعَالَمِ الإِْسْلاَمِيِّ لِتَوْثِيقِ الْمَادَّةِ الْعِلْمِيَّةِ وَتَوْسِيعِ سَاحَةِ التَّعَاوُنِ الْمُشْتَرَكِ، فَضْلاً عَمَّا يَقُومُ بِهِ الْجِهَازُ الْعِلْمِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ الْبُحُوثِ مِنْ مُرَاجَعَاتٍ وَتَنْقِيحٍ وَتَنْسِيقٍ.

стр. 56

مُشْتَمَلاَتُ الْمَوْسُوعَةِ: مَوْضُوعُ الْمَوْسُوعَةِ: ٥٢ - تَشْتَمِل هَذِهِ الْمَوْسُوعَةُ الْفِقْهِيَّةُ عَلَى صِيَاغَةٍ عَصْرِيَّةٍ لِتُرَاثِ الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ (لِغَايَةِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ عَشَرَ الْهِجْرِيِّ) مُرَاعًى فِيهَا خُطَّةٌ مُوَحَّدَةٌ لِلْكِتَابَةِ سَيَأْتِي الْحَدِيثُ عَنْهَا، عَلَى أَنَّ هُنَاكَ أَقْسَامًا ذَاتَ صِلَةٍ بِالْفِقْهِ اقْتَضَتْ طَبِيعَتُهَا وَالاِلْتِزَامُ بِالْخُطَّةِ، أَنْ تُكْتَبَ مُنْفَصِلَةً عَنْ صَمِيمِ الْمَوْسُوعَةِ، مَعَ أَنَّهَا صَالِحَةٌ لِلدُّخُول فِي شُمُولِهَا الْعَامِّ لَوْلاَ تَحَرِّي الدِّقَّةِ فِي الْمَوْقِعِ الْمُنَاسِبِ، وَتَوَقِّي اللَّبْسِ مِنْ النَّظَرِ إِلَى كُل مَا فِي الْمَوْسُوعَةِ - إِنْ أُدْرِجَتْ فِيهَا تِلْكَ الأَْقْسَامُ - عَلَى أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِخُطَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَمُسْتَمَدٌّ مِنْ الْمَرَاجِعِ الْقَدِيمَةِ، لِذَا اخْتِيرَ لِهَذِهِ الأَْقْسَامِ صُورَةُ الْمَلاَحِقِ بَعْدَ إِجْمَال الْكَلاَمِ عَنْ الضَّرُورِيِّ مِنْهَا بَيْنَ مُصْطَلَحَاتِ الْمَوْسُوعَةِ. وَلَيْسَ إِطْلاَقُ اسْمِ الْمُلْحَقِ هُنَا مَانِعًا مِنْ ظُهُورِ بَعْضِهَا عِنْدَ مُوَاتَاةِ الْفُرْصَةِ وَلَوْ قَبْل اسْتِكْمَال مُشْتَمَلاَتِ الْمَوْسُوعَةِ الأَْسَاسِيَّةِ. كَمَا أَنَّ هُنَاكَ أَقْسَامًا أُخْرَى مِنْ الْفِقْهِ لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِ الْمَوْسُوعَةِ بَل تُطْلَبُ فِي الْمَرَاجِعِ أَوِ الْكُتُبِ الْمُخَصَّصَةِ لَهَا، كَمُفْرَدَاتِ الأَْئِمَّةِ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ، وَرَسْمِ الْمُفْتِي (أُصُول الإِْفْتَاءِ وَالتَّرْجِيحِ) وَالإِْجْمَاعَاتِ، وَالأَْلْغَازِ الْفِقْهِيَّةِ، وَالْحِيَل، وَالشُّرُوطِ (الْمَحَاضِرِ وَالتَّوْثِيقَاتِ) إِلَخْ. مَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَوْسُوعَةِ: وَعَلَى الأَْخَصِّ لاَ تَشْتَمِل الْمَوْسُوعَةُ عَلَى (الْمُنَاقَشَاتِ الْمَذْهَبِيَّةِ، وَالتَّرْجِيحِ الشَّخْصِيِّ، وَ التَّقْنِينَاتِ) وَإِنْ كَانَ النَّوْعَانِ الأَْوَّلاَنِ يُذْكَرَانِ فِي الْمَرَاجِعِ الْفِقْهِيَّةِ، وَالأَْخِيرُ تَتَعَرَّضُ لَهُ بَعْضُ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ الْحَدِيثَةِ. وَذَلِكَ لِلأَْسْبَابِ التَّالِيَةِ: أ - التَّقْنِينَاتُ: ٥٣ - وَضْعِيَّةً كَانَتْ أَوْ شَرْعِيَّةً، أَمَّا الْوَضْعِيَّةُ فَلِعَدَمِ اعْتِبَارِهَا فِقْهًا إِسْلاَمِيًّا، وَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ فَلاِعْتِمَادِهَا غَالِبًا عَلَى اجْتِهَادٍ حَدِيثٍ أَوْ تَخْرِيجَاتٍ مُعَاصِرَةٍ، وَهِيَ بِهَذَا ذَاتُ مَصَادِرَ خَارِجَةٍ عَنْ الإِْطَارِ الزَّمَنِيِّ لِلْمَوْسُوعَةِ الأَْسَاسِيَّةِ، فَضْلاً عَنْ

стр. 57

اخْتِلاَفِ التَّقْنِينَاتِ بِحَسَبِ الْبِلاَدِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، وَتَعَرُّضِهَا لِلتَّعْدِيلاَتِ الْكَثِيرَةِ بِحَيْثُ يَغْدُو الْقَدِيمُ مِنْهَا قَلِيل الأَْهَمِّيَّةِ بَعْدَ زَوَال أَهَمِّ مَا يَمْتَازُ بِهِ وَهِيَ صِفَةُ الإِْلْزَامِ النَّاشِئَةُ مِنْ تَخْصِيصِهِ لِلْحُكْمِ بِهِ. وَلاَ يَنْطَبِقُ هَذَا عَلَى الإِْشَارَةِ إِلَى بَعْضِ الْمُصْطَلَحَاتِ الْقَانُونِيَّةِ الَّتِي اشْتُهِرَتْ بِحَيْثُ يُفِيدُ بَيَانُهَا فِي تَمْيِيزِ الْمُصْطَلَحِ الْفِقْهِيِّ (الْمُوَافِقِ لَهَا فِي اللَّفْظِ) عَنْ الْمَعَانِي الْقَانُونِيَّةِ أَوِ الْعُرْفِيَّةِ غَيْرِ الْمُرَادَةِ لِلْفُقَهَاءِ. ب - التَّرْجِيحُ الشَّخْصِيُّ: ٥٤ - يُقْصَدُ بِهَذَا التَّرْجِيحِ الْخَارِجِ عَنْ شُمُول الْمَوْسُوعَةِ كُل مَا لَمْ يُنْقَل عَنْ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ خِلاَل الْقُرُونِ الثَّلاَثَةَ عَشَرَ الْهِجْرِيَّةِ، وَمَحَل ذَلِكَ مُلْحَقُ الْمَسَائِل الْمُسْتَحْدَثَةِ. وَيَدْخُل فِي الْمَنْعِ بِالأَْوْلَوِيَّةِ رَأْيُ الْكَاتِبِ الشَّخْصِيِّ فَلاَ يُثْبِتُ مِنْهُ شَيْئًا إِلاَّ حِينَ تَمَسُّ الْحَاجَةُ لإِِبْدَاءِ مَا فَهِمَهُ مِنْ الْمَنْقُول حَسَبَ أُصُول الْمَذَاهِبِ، وَبِعِبَارَةٍ تُشْعِرُ بِذَلِكَ. وَهُنَاكَ بَدِيلٌ عَنْ التَّرْجِيحِ الَّذِي يَرْكَنُ إِلَيْهِ الْبَعْضُ فِي مَوَاطِنِ الْخِلاَفِ هُوَ الاِتِّجَاهُ الْمُوَافِقُ لِلْجُمْهُورِ، وَالْمُقَدَّمُ غَالِبًا عَلَى غَيْرِهِ عِنْدَ عَرْضِ الاِتِّجَاهَاتِ. ج - الْمُنَاقَشَاتُ الْمَذْهَبِيَّةُ: ٥٥ - يُقْتَصَرُ فِي الاِسْتِدْلاَل لِكُل اتِّجَاهٍ بِمَذَاهِبِهِ عَلَى مَا يَحْتَجُّ بِهِ أَصْحَابُهُ مِنْ أَدِلَّةِ الْمَنْقُول وَالْمَعْقُول إِذَا جَاءَ بِطَرِيقِ الدَّلاَلَةِ الْمُبَاشِرَةِ، أَمَّا الاِسْتِدْلاَل الْقَائِمُ عَلَى مُنَاقَشَةِ أَدِلَّةِ الآْخَرِينَ وَالإِْيرَادِ عَلَيْهَا عَلَى طَرِيقَةِ (النَّقَائِضِ الْمَذْهَبِيَّةِ) فَمَوْطِنُهُ الشُّرُوحُ وَكُتُبُ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ وَمَا يُكْتَبُ مِنْ دِرَاسَاتٍ حَدِيثَةٍ مُخَصَّصَةٍ لِذَلِكَ. وَلاَ شَأْنَ لِلْمَوْسُوعَةِ بِهَذَا لِصِلَتِهِ بِالتَّرْجِيحِ الشَّخْصِيِّ وَلأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْغَالِبِ حَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ.

стр. 58

مَلاَحِقُ الْمَوْسُوعَةِ: أ - تَرَاجِمُ الأَْعْلاَمِ: ٥٦ - مِنْ الْبَدَهِيِّ أَنْ تُعْنَى الْمَوْسُوعَةُ بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ مُلْتَزَمًا فِي جَمِيعِ الْمُؤَلَّفَاتِ الْمُحَقَّقَةِ، وَلِذَا الْتُزِمَ بِتَرْجَمَةِ الأَْعْلاَمِ الَّذِينَ يَرِدُ ذِكْرُهُمْ فِي بُحُوثِ الْمَوْسُوعَةِ مِنْ فُقَهَاءَ دُونَ غَيْرِهِمْ بِصُورَةٍ مُوجَزَةٍ يَحْصُل بِهَا التَّعْرِيفُ بِهِمْ وَتَمْيِيزُهُمْ، حَيْثُ تَتَّفِقُ أَحْيَانًا شُهْرَةُ أَوْ نِسْبَةُ الْكَثِيرِينَ، مَعَ الإِْشَارَةِ لأَِشْهَرِ مُؤَلَّفَاتِهِمْ وَمَنْزِلَتِهِمْ فِي الْفِقْهِ، لِيُرَاعَى ذَلِكَ فِيمَا يُنْقَل عَنْهُمْ مِنْ تَرْجِيحٍ أَوْ تَخْرِيجٍ، وَتُخْتَمُ التَّرْجَمَةُ بِبَيَانِ بَعْضِ الْمَرَاجِعِ الَّتِي كُتِبَتْ عَنْهُمْ. وَهَذِهِ التَّرَاجِمُ تُنْشَرُ كَمُلْحَقٍ مُفَرَّقٍ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَوْسُوعَةِ، فَيُعَجَّل فِي كُل جُزْءٍ مِنْهَا بِتَرْجَمَةِ مَنْ جَرَى ذِكْرُهُ لأَِوَّل مَرَّةٍ (مُرَتَّبَةً تَرْتِيبًا أَلِفْبَائِيًّا فِيمَا بَيْنَهَا) . أَمَّا مَنْ يَتَكَرَّرُ ذِكْرُهُ فِي جُزْءٍ تَالٍ وَقَدْ سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ فَإِنَّهُ يُورَدُ فِي تَرْتِيبِ التَّرَاجِمِ لِذَلِكَ الْجُزْءِ وَيُكْتَفَى بِالدَّلاَلَةِ إِلَى الْمَوْطِنِ السَّابِقِ. ب - أُصُول الْفِقْهِ وَتَوَابِعُهُ: ٥٧ - أُصُول الْفِقْهِ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي قَال عَنْهُ الْمُخْتَصُّونَ: إِنَّهُ عِلْمٌ مَحْصُورٌ فِي حِينِ أَنَّ الْفِقْهَ مُسْتَمِرٌّ مُتَزَايِدٌ، وَالْكِتَابَاتُ فِي الأُْصُول كَثِيرَةٌ وَمُتَنَوِّعَةٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، حَتَّى وَصَفُوهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ الْعِلْمُ الَّذِي نَضِجَ وَاحْتَرَقَ. وَلَيْسَتِ الْحَاجَةُ إِلَى تَجْدِيدِ عَرْضِهِ كَالْحَاجَةِ الْقَائِمَةِ بِالْفِقْهِ. لِلأُْصُول طَبِيعَتُهُ الْخَاصَّةُ فِي اعْتِمَادِ فَهْمِهِ وَاسْتِثْمَارِهِ عَلَى انْضِمَامِ مَعْلُومَاتِهِ وَتَرْتِيبِهَا الْمَنْطِقِيِّ فِي النَّشْأَةِ وَالاِسْتِنَادِ، كَمَا أَنَّ لِلْخِلاَفِ فِيهِ مَنْحًى آخَرَ تَمْتَدُّ فِيهِ الْمُوَازَنَةُ حَتَّى تَشْمَل كُل مَنْ عُنِيَ بِقَضَايَا الاِسْتِدْلاَل مِنْ أَصْحَابِ الْفِرَقِ فَضْلاً عَنْ الْمَذَاهِبِ. لِهَذِهِ الأَْسْبَابِ أُفْرِدَ عَنْ الْمَوْسُوعَةِ بِمُلْحَقٍ، وَاكْتُفِيَ بِإِدْرَاجِ جَمِيعِ الْمُصْطَلَحَاتِ الأُْصُولِيَّةِ مَرْتَبَةً فِي تَضَاعِيفِ الْمُصْطَلَحَاتِ الْفِقْهِيَّةِ، لِلتَّعْرِيفِ وَالإِْشَارَةِ لِلْحُكْمِ

стр. 59

وَإِحَالَةِ التَّفْصِيل إِلَى ذَلِكَ الْمُلْحَقِ الَّذِي سَيَكُونُ لَهُ تَرْتِيبٌ مَوْضُوعِيٌّ يَتَحَقَّقُ بِهِ لَمُّ أَجْزَاءِ مَبَاحِثِهِ تَسْهِيلاً لِلإِْفَادَةِ مِنْهُ كَمَا سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ، مَعَ احْتِوَاءِ الْمُلْحَقِ عَلَى فِهْرِسٍ أَلِفْبَائِيٍّ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى مَوَاطِنِ الْكَلاَمِ عَنْ مُصْطَلَحَاتِهِ فِيهِ وَفِي الْمَوْسُوعَةِ. وَكَذَلِكَ الأَْمْرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعُلُومِ الْمُتَأَرْجِحَةِ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالأُْصُول كَالْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ، وَالأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَالْفُرُوقِ، سَيَكُونُ مَوْطِنُهَا ذَلِكَ الْمُلْحَقَ وَبِتَرْتِيبٍ يُنَاسِبُهَا. وَهَذِهِ الْجَوَانِبُ بِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّهَا تُرَاثٌ فِقْهِيٌّ هِيَ أَقْرَبُ إِلَى أَنْ تَكُونَ مِنْ الْوَسَائِل الْمُيَسِّرَةِ لِفَهْمِ الْفِقْهِ وَتَكْوِينِ أَهْلِيَّةِ التَّخْرِيجِ وَالاِسْتِنْبَاطِ، وَيَتَأَخَّرُ اعْتِبَارُهَا عَنْ الْفِقْهِ الْخَالِصِ الْمَقْصُودِ لِلْقَضَاءِ وَالإِْفْتَاءِ، وَلِهَذَا صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِضَرُورَةِ التَّرَيُّثِ فِي الْفَتْوَى بِمَا فِي كُتُبِهَا قَبْل تَبَيُّنِ انْسِجَامِهِ مَعَ مَا فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ الأَْصِيلَةِ. ج - الْمَسَائِل الْمُسْتَحْدَثَةُ: ٥٨ - وَهِيَ الْوَقَائِعُ الَّتِي جَدَّتْ وَلَيْسَ لَهَا حُكْمٌ ظَاهِرٌ مُفَصَّلٌ فِي الْمَرَاجِعِ الْفِقْهِيَّةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي دُوِّنَتْ خِلاَل الْقُرُونِ الثَّلاَثَةَ عَشَرَ لِلْهِجْرَةِ. وَقَدْ اخْتِيرَ أَنْ تُكْتَبَ فِي مُلْحَقٍ مُسْتَقِلٍّ عَنْ أَصْل الْمَوْسُوعَةِ، لِوُقُوعِ مُعْظَمِ مَرَاجِعِ هَذِهِ الْمَسَائِل خَارِجَ الإِْطَارِ الزَّمَنِيِّ لِلْمَوْسُوعَةِ، وَهِيَ فِي الْغَالِبِ ثَمَرَةُ اجْتِهَادٍ شَخْصِيٍّ جَدِيدٍ وَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا لأُِصُول الاِسْتِنْبَاطِ، كَمَا أَنَّهَا قَائِمَةٌ عَلَى الْمُنَاقَشَاتِ وَالتَّرْجِيحِ وَالاِخْتِيَارِ، فَكَانَ لاَ بُدَّ مِنْ فَصْلِهَا عَنْ صَمِيمِ الْمَوْسُوعَةِ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ تُرَاثِ الْفِقْهِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ وَالَّذِي يُعْتَبَرُ أَسَاسًا لاِسْتِخْرَاجِ الْحُلُول لِلْمُشْكِلاَتِ الْعَصْرِيَّةِ فِي ضَوْءِ مَبَادِئِهِ بِطَرِيقِ الْمُشَابَهَةِ وَالتَّخْرِيجِ وَالاِسْتِنْبَاطِ الْجَدِيدِ. وَيُطْلَقُ فِيهِ لِلْكُتَّابِ الاِسْتِمْدَادُ مِنْ شَتَّى الْمَصَادِرِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَدِيثَةِ، وَمِنْ الدَّوْرِيَّاتِ (الْمَجَلاَّتِ بِأَنْوَاعِهَا) وَالرَّسَائِل الْجَامِعِيَّةِ الْمُتَخَصِّصَةِ، وَمَا يَصْدُرُ عَنْ الْمَجَامِعِ وَالْمُؤْتَمَرَاتِ الإِْسْلاَمِيَّةِ. فَضْلاً عَمَّا جَاءَ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي كُتُبِ الْفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ.

стр. 60

وَفِي هَذَا الْمَجَال سَيَكُونُ لِلْمُخْتَصِّينَ فِي شَتَّى الْعُلُومِ دَوْرٌ أَسَاسِيٌّ لِتَقْدِيمِ التَّصَوُّرِ الصَّحِيحِ لِلْوَقَائِعِ الْمَبْحُوثِ فِيهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ نَظَرِيَّةً (اقْتِصَادِيَّةً أَوِ اجْتِمَاعِيَّةً. .) أَمْ تَجْرِيبِيَّةً (طِبِّيَّةً أَوْ عِلْمِيَّةً. .) لأَِنَّ لِذَلِكَ أَثَرَهُ فِي إِعْطَاءِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ، فَالْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ، وَصِحَّةُ الْحُكْمِ تَتَوَقَّفُ عَلَى صِحَّةِ التَّصَوُّرِ، فَكَثِيرٌ مِنْ الاِخْتِلاَفِ يَنْشَأُ مِنْ عَدَمِ تَحْدِيدِ التَّصَوُّرِ، أَوِ الْخَطَأِ فِيهِ، أَوِ الاِسْتِنَادِ إِلَى أَعْرَافٍ تَغَيَّرَتْ أَوْ وَسَائِل مَدَنِيَّةٍ تَطَوَّرَتْ. . . وَبِانْتِهَاءِ هَذَا الدَّوْرِ تَأْتِي مُهِمَّةُ اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّتِي تُنَاطُ بِكُل مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ مُبَيَّنَةٌ فِي مَوَاطِنِهَا عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الاِجْتِهَادِ وَالإِْفْتَاءِ. وَسَيَكُونُ هَذَا الْمُلْحَقُ عُرْضَةً لِلتَّعْدِيل وَالتَّنْقِيحِ، عَلَى الْعَكْسِ مِنْ التُّرَاثِ الْفِقْهِيِّ الْمَنْقُول وَالْمُسْتَنْبَطِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُبَاشَرَةً أَوْ فِي عُصُورِ الاِجْتِهَادِ حَسَبَ أُصُول الْفِقْهِ الْمَوْثُوقِ بِهَا عَلَى مَدَى الْعُصُورِ، أَمَّا مَا يَتَضَمَّنُهُ الْمُلْحَقُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ يَخْضَعُ فِيهَا لِلنَّقْدِ وَالتَّمْحِيصِ قَبْل ضَمِّهِ إِلَى صَمِيمِ الْمَوْسُوعَةِ. وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ الْوَسَائِل الضَّرُورِيَّةِ لإِِغْنَاءِ هَذَا الْجَانِبِ وَإِتْقَانِهِ عَقْدُ مُؤْتَمَرَاتٍ لِلْفُقَهَاءِ الْمُعَاصِرِينَ لِلْوُقُوفِ عَلَى مَا لَهُمْ مِنْ آرَاءٍ شَرْعِيَّةٍ فِي الْمُشْكِلاَتِ وَالْقَضَايَا الْعَصْرِيَّةِ، وَقَدْ يَقْتَضِي إِنْجَازُ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ تَكْوِينَ مَجْمَعٍ فِقْهِيٍّ ذِي دَوْرَاتٍ مُنْتَظِمَةٍ. د - غَرِيبُ لُغَةِ الْفِقْهِ: ٥٩ - فَضْلاً عَنْ أَثَرِ ذَلِكَ فِي الإِْفَادَةِ مِنْ الْمَرَاجِعِ الْفِقْهِيَّةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي اسْتُمِدَّتْ مِنْهَا مَعْلُومَاتُ الْمَوْسُوعَةِ، فَإِنَّهُ تُسْتَكْمَل فِي هَذَا الْمُلْحَقِ مَعَانِي الأَْلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةُ الَّتِي يَكْثُرُ تَدَاوُل الْفُقَهَاءِ لَهَا، فَيُوَضَّحُ مُرَادُهُمْ مِنْهَا لاَ سِيَّمَا حَيْثُ يَنْحَصِرُ اخْتِيَارُهُمْ فِي أَحَدِ مَعَانِي اللَّفْظِ، أَوْ يَكُونُ مُشْتَرَكًا فَيَصْطَلِحُونَ عَلَى صَرْفِ لَفْظِهِ إِلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ. وَمَعْرِفَةُ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ لاَ تُوَفَّى حَقَّهَا إِلاَّ بِتَنَاوُل لُغَةِ الْفِقْهِ عُمُومًا بِصُورَةٍ جَامِعَةٍ لِمَا تَفَرَّقَ وَتَكَرَّرَ فِي الْمُؤَلَّفَاتِ الَّتِي وُضِعَتْ لأَِهْل كُل مَذْهَبٍ لِتَحْقِيقِ هَذَا

стр. 61

الْغَرَضِ، فَكَانَتْ مَعَاجِمُ لُغَوِيَّةٌ مُتَخَصِّصَةٌ، كَالْمُغْرِبِ لِلْمُطَرِّزِيِّ وَطِلْبَةِ الطَّلَبَةِ لِلنَّسَفِيِّ (لِلْحَنَفِيَّةِ) وَكَالزَّاهِرِ لِلأَْزْهَرِيِّ وَالْمِصْبَاحِ لِلْفَيُّومِيِّ، وَغَيْرِهِمَا (لِلشَّافِعِيَّةِ) وَكَالْمَطْلَعِ لِلْبَعْلِيِّ (لِلْحَنَابِلَةِ) وَتَنْبِيهُ الطَّالِبِ لِفَهْمِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِلأُْمَوِيِّ التُّونِسِيِّ (لِلْمَالِكِيَّةِ) وَغَيْرِهَا، وَهِيَ مَطْبُوعَةٌ مُتَدَاوَلَةٌ إِلاَّ الأَْخِيرَ. وَسَيَكُونُ فِي عِدَادِ مَا يَتَضَمَّنُهُ الْمُلْحَقُ أَيْضًا الأَْلْفَاظُ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا الْفُقَهَاءُ كَتَعَابِيرَ اصْطِلاَحِيَّةٍ وَصِيَغٍ مُتَدَاوَلَةٍ، لَيْسَ لِلأَْحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ نَفْسِهَا، بَل لِلدَّلاَلَةِ عَلَى مَرْتَبَةِ الْحُكْمِ مِنْ حَيْثُ الاِعْتِبَارُ وَالرُّجْحَانُ، كَالْمُفْتَى بِهِ وَالْمُخْتَارِ وَالصَّحِيحِ. . فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ الظَّاهِرُ وَاضِحًا، فَإِنَّهُ بِمَا وُضِعَ لَهُ مِنْ دَلاَلاَتٍ خَاصَّةٍ يُعْتَبَرُ مِنْ غَرِيبِ لُغَةِ الْفِقْهِ الْمُحْتَاجِ لِلْبَيَانِ. خُطَّةُ كِتَابَةِ الْمَوْسُوعَةِ: ٦٠ - لاَ بُدَّ لأَِيِّ مَوْسُوعَةٍ مِنْ خُطَّةٍ تَتَرَسَّمُهَا فِي تَحْقِيقِ أَهْدَافِهَا وَالْحِفَاظِ عَلَى أَهَمِّ خَصَائِصِهَا، وَهِيَ الْوَحْدَةُ وَالتَّنَاسُقُ. وَبَيَانُ الْخُطَّةِ الْمُسْتَهْدَى بِهَا فِي الْكِتَابَةِ أَمْرٌ فِي غَايَةِ الأَْهَمِّيَّةِ، لأَِنَّهُ يُنِيرُ السَّبِيل لِلاِسْتِفَادَةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ الْمَوْسُوعَةِ، كَمَا يُعِينُ عَلَى التَّعَرُّفِ إِلَى طَابَعِهَا الْعَامِّ. وَتَجْدُرُ الإِْشَارَةُ إِلَى أَنَّ هُنَاكَ خُطَطًا أُخْرَى ثَانَوِيَّةً نَدَعُ الْحَدِيثَ عَنْهَا لأَِنَّهَا لاَ تَعْدُو أَنْ تَكُونَ مِنْ قَبِيل النَّهْجِ الْمَسْلُوكِ فِي إِعْدَادِ الْمَوْسُوعَةِ، وَهِيَ وَسَائِل تَتَعَدَّدُ وَتَتَطَوَّرُ. كَمَا نَتْرُكُ الْحَدِيثَ عَنْ الْخُطَّةِ الشَّكْلِيَّةِ لِلإِْخْرَاجِ الْمَوْسُوعِيِّ لأَِنَّهَا مَشْهُودَةٌ بِالنَّظَرِ، وَجَارِيَةٌ عَلَى السَّنَنِ الْمَعْهُودِ فِي تَحْقِيقِ النُّصُوصِ وَأُصُول الإِْخْرَاجِ. وَنُورِدُ هُنَا إِيضَاحًا لِلْخُطَّةِ الْمُلْتَزَمَةِ فِي كِتَابَةِ هَذِهِ الْمَوْسُوعَةِ - فَضْلاً عَمَّا سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا - تَبَعًا لِعَنَاصِرِهَا التَّالِيَةِ: تَرْتِيبُ الْمَوْسُوعَةِ، تَصْنِيفُ الْمُصْطَلَحَاتِ، عَرْضُ الاِتِّجَاهَاتِ، الأُْسْلُوبُ وَالْمَرَاجِعُ، الأَْدِلَّةُ وَالتَّخْرِيجُ.

стр. 62

تَرْتِيبُ الْمَوْسُوعَةِ الأَْلِفْبَائِيِّ: ٦١ - إِنَّ اخْتِيَارَ تَقْدِيمِ الْمَعْلُومَاتِ فِي الْمَوْسُوعَةِ مِنْ خِلاَل مُصْطَلَحَاتٍ (أَلْفَاظٍ عُنْوَانِيَّةٍ مُتَعَارَفٍ عَلَى ارْتِبَاطِهَا بِمَدْلُولاَتٍ عِلْمِيَّةٍ خَاصَّةٍ) ثُمَّ تَرْتِيبَهَا أَلِفْبَائِيًّا (عَلَى حُرُوفِ الْهِجَاءِ) يُحَقِّقُ أَهَمَّ خَصَائِصِ الْمَوْسُوعَةِ، وَهُوَ سُهُولَةُ التَّرْتِيبِ وَاسْتِقْرَارُهُ، بِحَيْثُ يَزُول الاِضْطِرَابُ النَّاشِئُ عَنْ اخْتِلاَفِ أَنْظَارِ الْمُؤَلِّفِينَ الْقُدَامَى فِي تَحْدِيدِ الْمَوْقِعِ الْمُنَاسِبِ لِلْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي تَتَجَاذَبُهَا أَبْوَابٌ شَتَّى، بَل امْتَدَّ الاِخْتِلاَفُ إِلَى تَرْتِيبِ الأَْبْوَابِ نَفْسِهَا مَا بَيْنَ مَذْهَبٍ وَآخَرَ وَفِي الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ. وَالْتِزَامُ التَّرْتِيبِ الأَْلِفْبَائِيِّ يُزِيل الاِضْطِرَابَ وَيُيَسِّرُ الْبَحْثَ لِغَيْرِ الْمُخْتَصِّ. وَيُنْظَرُ إِلَى الْمُصْطَلَحَاتِ عِنْدَ تَرْتِيبِهَا إِلَى حَالَتِهَا الرَّاهِنَةِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهَا - بِحَسَبِ الاِشْتِقَاقِ - قَدْ دَخَلَتْ حُرُوفٌ زَائِدَةٌ عَلَى لَفْظِهِ الأَْصْلِيِّ الْمُجَرَّدِ؛ لأَِنَّ اعْتِبَارَهَا كَذَلِكَ أَيْسَرُ لِلْكَشْفِ عَنْهَا، وَلأَِنَّ كُل لَفْظٍ مِنْ تِلْكَ الأَْلْفَاظِ صَارَ لَقَبًا مُلاَزِمًا لِلْمَسْأَلَةِ الْمَدْلُول عَلَيْهَا بِهِ، وَقَدْ لُوحِظَ مَا فِي الطُّرُقِ الْمُخْتَلِفَةِ لِتَرْتِيبِ بَعْضِ الْحُرُوفِ، فَرُوعِيَ تَغْلِيبُ جَانِبِ النُّطْقِ فِي اعْتِبَارِهَا، لأَِنَّهُ الأَْصْل الَّذِي تَسْتَنِدُ إِلَيْهِ الْكِتَابَةُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، كَمَا رُوعِيَ فِي الأَْلْفَاظِ الْمُرَكَّبَةِ تَرْتِيبُ الأَْجْزَاءِ الأُْولَى ثُمَّ الاِلْتِفَاتُ لِتَرْتِيبِ مَا بَعْدَهَا أَيْضًا (كَمَا فِي لَفْظِ " صَلاَةٍ " وَمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ) . وَهُوَ مَا يُدْعَى: " النِّظَامَ الْكَلِمِيَّ لاَ الْحَرْفِيَّ "، وَقُدِّمَ اللَّفْظُ " الْخَالِي أَوَّلاً " حِينَ تَزِيدُ حُرُوفُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ عَنْ الآْخَرِ بَعْدَ التَّمَاثُل. ٦٢ - تَصْنِيفُ الْمُصْطَلَحَاتِ الْفِقْهِيَّةِ: وَلِزِيَادَةِ إِيضَاحِ الْمَقْصُودِ بِالْمُصْطَلَحَاتِ نُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا تِلْكَ الأَْلْفَاظُ الْعُنْوَانِيَّةُ الَّتِي اسْتَعْمَلَهَا الْفُقَهَاءُ لِمَعْنًى خَاصٍّ زَائِدٍ عَنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الأَْصْلِيِّ، أَوْ قَصَرُوهَا عَلَى أَحَدِ الْمَعَانِي الْمُرَادَةِ مِنْ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، أَوِ اعْتَبَرُوهَا لَقَبًا لِلْمَسْأَلَةِ. وَمِنْهَا جَمِيعُ الْعَنَاوِينِ التَّبْوِيبِيَّةِ الْمُلاَزِمَةِ لِمَوْضُوعٍ كُلِّيٍّ أَوْ جُزْئِيٍّ لَهُ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ. وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيل مَا خَلاَ عَنْ أَحَدِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَتَرَدَّدَ عَلَى أَلْسِنَةِ

стр. 63

الْفُقَهَاءِ عَلَى سَبِيل التَّعْبِيرَاتِ الَّتِي تَتَعَاقَبُ لِبَيَانِ الْمَعَانِي، فَإِذَا حَل أَحَدُهَا مَحَل الآْخَرِ لَمْ يَخْتَل الْقَصْدُ الْعِلْمِيُّ الْخَاصُّ مِنْ اخْتِيَارِ اللَّفْظِ. وَالْمُصْطَلَحَاتُ لَهَا تَرْتِيبٌ وَاحِدٌ يَنْتَظِمُهَا مَهْمَا كَانَتْ صِيغَتُهَا وَمِقْدَارُ بَيَانِهَا، فَوَحْدَةُ التَّرْتِيبِ هِيَ الْمُحَقِّقَةُ لِلسُّهُولَةِ وَالْيُسْرِ، إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ تَصْنِيفِ الْمُصْطَلَحَاتِ فِيمَا بَيْنَهَا - لِنَاحِيَةٍ تَنْظِيمِيَّةٍ - تَبَعًا لِمِقْدَارِ بَيَانِهَا وَارْتِكَازِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، فَهِيَ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: مُصْطَلَحَاتٌ أَصْلِيَّةٌ، وَمُصْطَلَحَاتُ إِحَالَةٍ، وَمُصْطَلَحَاتُ دَلاَلَةٍ، وَإِلَيْكَ إِيضَاحُهَا: أ - الْمُصْطَلَحَاتُ الأَْصْلِيَّةُ: ٦٣ - وَهِيَ الَّتِي يُسْتَوْفَى بَيَانُهَا بِالتَّفْصِيل بِمُجَرَّدِ أَنْ تُذْكَرَ (وَيُسْتَعَانُ لِتَفْصِيل أَحْكَامِهَا بِذِكْرِهَا ضِمْنَ عَنَاوِينَ عَدِيدَةٍ مُرَتَّبَةٍ مَوْضُوعِيًّا) وَذَلِكَ لِكَوْنِ اللَّفْظِ هُوَ الْمَظِنَّةُ الْوَحِيدَةُ - أَوِ الْغَالِبَةُ - لاِسْتِخْرَاجِ بَيَانَاتِ الْمَوْضُوعِ حَيْثُ لاَ يَنْدَرِجُ تَحْتَ غَيْرِهِ كَجُزْءٍ تَابِعٍ لاَ يَحْسُنُ إِفْرَادُهُ عَنْهُ. وَالأَْصْل فِي اعْتِبَارِ الْمُصْطَلَحِ أَصْلِيًّا أَنْ يَكُونَ جَدِيرًا بِالاِسْتِقْلاَل وَاسْتِجْمَاعِ بَيَانَاتِهِ فِي مَوْطِنٍ وَاحِدٍ لَيْسَ لَهُ مُنَازِعٌ، وَلاَ عَلاَقَةَ لِذَلِكَ بِالْكَمِّيَّةِ بَل الْعِبْرَةُ بِأَنْ لاَ يَكُونَ لَهُ مَوْطِنٌ أَلْيَقُ بِانْدِرَاجِهِ ضِمْنَهُ وَتَفْصِيلِهِ فِيهِ. أَمَّا إِيثَارُ لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْمَوْضُوعِ الْمُتَعَدِّدَةِ لِتُرْبَطَ بِهِ الْبَيَانَاتُ الْمُفَصَّلَةُ فَمَرَدُّهُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُفْرَدًا (كَالْحَجِّ، وَالْبَيْعِ، وَالشَّرِكَةِ) سَوَاءٌ أَكَانَ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى تَصَرُّفٍ أَمْ وَاقِعَةٍ عِبَادِيَّةٍ أَوْ تَعَامُلِيَّةٍ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُصْطَلَحُ مِنْ أَسْمَاءِ الأَْشْيَاءِ وَالذَّوَاتِ، وَلاَ يُعْدَل عَنْ الْمَصْدَرِ أَوِ الْمُفْرَدِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ وَصْفٍ أَوْ جَمْعٍ إِلاَّ إِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْغَالِبَ فِي اسْتِعْمَالاَتِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ كَانَ لَهُ دَلاَلَةٌ خَاصَّةٌ مُرَادَةٌ لاَ تَحْصُل بِالْمَصْدَرِ أَوِ الْمُفْرَدِ (كَالشَّهِيدِ، وَالأَْيْمَانِ) . وَالاِلْتِزَامُ بِتَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِالْمُصْطَلَحِ الأَْصْلِيِّ لاَ يَمْنَعُ مِنْ إِحَالَةِ التَّفْصِيل لِبَعْضِ بَيَانَاتِهِ إِلَى مُصْطَلَحٍ أَصْلِيٍّ آخَرَ فِيمَا يَتَكَرَّرُ اعْتِبَارُهُ فِيهِمَا، كَشُرُوطِ التَّعَاقُدِ

стр. 64

مَثَلاً وَأَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِعَدَدٍ مِنْ الْمُصْطَلَحَاتِ الأَْصْلِيَّةِ مُصْطَلَحٌ يَشْمَلُهَا كُلَّهَا كَمُصْطَلَحِ عَقْدٍ، أَوْ مُعَاوَضَةٍ، وَنَحْوِهَا. وَكِتَابَةُ الْمُصْطَلَحَاتِ الأَْصْلِيَّةِ يَسْبِقُهَا التَّخْطِيطُ التَّفْصِيلِيُّ لِلْمُصْطَلَحِ بِالصُّورَةِ الَّتِي يُؤْمَنُ مَعَهَا مِنْ التَّكْرَارِ الْمَحْضِ وَالتَّدَاخُل إِلاَّ بِالْقَدْرِ الَّذِي لاَ يَحْرِمُ الْمُسْتَفِيدَ مِنْ الإِْلْمَامِ الضَّرُورِيِّ بِمَا يَتَّصِل بِالْمَوْضُوعِ، كَمَا يُضْمَنُ مَعَهُ عَدَمُ الإِْخْلاَل بِمَسَائِل الْفِقْهِ الأَْسَاسِيَّةِ الَّتِي تَتْبَعُ ذَلِكَ الْمُصْطَلَحَ. . وَعَنَاصِرُ هَذِهِ الْمُخَطَّطَاتِ تَتَحَوَّل بَعْدَ الإِْنْجَازِ إِلَى عَنَاوِينَ تَأْخُذُ مَوْطِنَهَا فِي فِهْرِسِ الْمُجَلَّدِ. ب - الْمُصْطَلَحَاتُ الْفَرْعِيَّةُ (الإِْحَالاَتُ) : ٦٤ - وَهِيَ الْمُصْطَلَحَاتُ الَّتِي أُجْمِل بَيَانُهَا فِي صُورَةِ (عُجَالاَتٍ) تَتَضَمَّنُ: " التَّعْرِيفَ " بِالْمُصْطَلَحِ لُغَةً وَشَرْعًا وَتَمْيِيزَهُ عَنْ الأَْلْفَاظِ ذَاتِ الصِّلَةِ بِهِ، ثُمَّ بَيَانَ " الْحُكْمِ الإِْجْمَالِيِّ " لَهُ، وَقَدْ يَتَضَمَّنُ الإِْشَارَةَ إِلَى الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَتَّبِعُهَا دُونَ التَّوَسُّعِ فِي الأَْدِلَّةِ أَوِ الْمَرَاجِعِ، وَأَخِيرًا الإِْرْشَادَ إِلَى " مَوَاطِنِ الْبَحْثِ " التَّفْصِيلِيِّ لَهُ، بِحَسَبِ الْمَعْهُودِ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَرَاجِعِ الأَْصْلِيَّةِ (وَهُوَ الْغَالِبُ حِينَ يَكُونُ الْمُصْطَلَحُ الْوَاجِبُ الإِْحَالَةُ إِلَيْهِ لَمْ تَتِمَّ مَرَاحِل إِنْجَازِهِ، أَوْ لاَ يُجْزَمُ بِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْبَيَانِ الْمَوْعُودِ بِهِ لاِحْتِمَال أَنْ يَقْتَضِيَ التَّنْسِيقُ خِلاَفَهُ) عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْطِنَ الْمَعْهُودَ لِلْفُقَهَاءِ لاَ بُدَّ أَنْ يُؤْخَذَ بِالاِعْتِبَارِ فِي مُصْطَلَحَاتِ الْمَوْسُوعَةِ. وَيُشَارُ أَيْضًا إِلَى مَوْطِنِ بَحْثِهِ فِي الْمَوْسُوعَةِ كُلَّمَا أَمْكَنَ ذَلِكَ. وَاسْتِخْدَامُ طَرِيقَةِ (الإِْحَالاَتِ) لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ لِتَحْقِيقِ أَمْرَيْنِ: (١) تَحَاشِي التَّكْرَارِ لِلْبَيَانَاتِ الْوَاحِدَةِ عَنْ الْمُصْطَلَحِ، مَرَّةً مُسْتَقِلًّا وَمَرَّةً مُنْدَرِجًا ضِمْنَ أَصْلِهِ مَعَ أَشْبَاهِهِ وَنَظَائِرِهِ. . فَاخْتِيرَ التَّعْجِيل فِي أَحَدِ الْمَوْطِنَيْنِ بِبَيَانَاتٍ إِجْمَالِيَّةٍ: إِمَّا أَنْ يُكْتَفَى بِهَا وَإِمَّا أَنْ تُمَهِّدَ لِلتَّفْصِيل الْوَارِدِ فِي الْمَوْطِنِ الآْخَرِ (الأَْوْلَى بِذَلِكَ) . (٢) مُرَاعَاةُ حَاجَةِ غَيْرِ الْمُخْتَصِّ فِي إِسْعَافِهِ بِمَطْلَبِهِ سَوَاءٌ اتَّجَهَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ

стр. 65

الأَْصْل أَوِ الْفَرْعِ بَدَلاً مِنْ إِهْدَارِ بَعْضِ الاِحْتِمَالاَتِ الَّتِي قَدْ تَتَكَافَأُ فَيُعْذَرُ فِي انْصِرَافِ ذِهْنِهِ إِلَى أَحَدِهَا. ج - مُصْطَلَحَاتُ الدَّلاَلَةِ: ٦٥ - وَهِيَ الْمُصْطَلَحَاتُ الَّتِي جِيءَ بِهَا لِمُجَرَّدِ الإِْرْشَادِ إِلَى الْمَوْطِنِ الَّذِي اخْتِيرَ لِبَحْثِ الْمَوْضُوعِ، فَهِيَ بَدَائِل عَنْ أَحَدِ الأَْلْفَاظِ الأَْصْلِيَّةِ أَوِ الْمُحَالَةِ، مِنْ قَبِيل الْمُرَادِفَاتِ (كَالْقِرَاضِ مَعَ الْمُضَارَبَةِ، وَالْكِرَاءِ مَعَ الإِْجَارَةِ) أَوْ بَقِيَّةِ الْمُشْتَقَّاتِ الَّتِي جُعِل أَحَدُهَا مُرْتَكَزًا لِلْمَوْضُوعِ. فَهَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتُ يُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى بَيَانِ مَكَانِ بَحْثِهَا بَيْنَ مُصْطَلَحَاتِ الْمَوْسُوعَةِ مِثْل (قِرَاضٍ، انْظُرْ: مُضَارَبَةً) دُونَ الْحَاجَةِ إِلَى أَيِّ بَيَانٍ آخَرَ سَيَكُونُ مِنْ التَّكْرَارِ الْحَرْفِيِّ. وَلاَ مُعَدَّى عَنْ الاِهْتِمَامِ بِمِثْل هَذِهِ الأَْلْفَاظِ بَعْدَ أَنْ اسْتَعْمَلَهَا الْفُقَهَاءُ وَتَدَاوَلُوهَا بَيْنَ مُصْطَلَحَاتِهِمُ الثَّابِتَةِ لاَ عَلَى أَنَّهَا تَعْبِيرٌ مُتَقَلِّبٌ (وَلاَ مُشَاحَّةَ فِي الاِصْطِلاَحِ) . وَبَعْدُ، فَإِنَّ مُصْطَلَحَاتِ الدَّلاَلَةِ هَذِهِ، وَمُصْطَلَحَاتِ الإِْحَالَةِ أَيْضًا - لِمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ الإِْجْمَال - هُمَا مِنْ نَافِلَةِ الْبَحْثِ فِي هَذِهِ الْمَوْسُوعَةِ، فَإِنَّ الْمُصْطَلَحَاتِ الأَْصْلِيَّةَ هِيَ قِوَامُهَا، وَهِيَ الَّتِي يَحْصُل مِنْ تَكَامُلِهَا - بِالضَّرُورَةِ - اسْتِيفَاءُ جَمِيعِ مَوْضُوعَاتِ الْفِقْهِ (مُفَصَّلَةً مُلْتَزَمًا فِيهَا بِجَمِيعِ عَنَاصِرِ الْخُطَّةِ) وَهِيَ الْمُسْتَهْدَى إِلَيْهَا بِمُصْطَلَحَاتِ الدَّلاَلَةِ ذَاتِ الْغَرَضِ التَّكْمِيلِيِّ وَالْمُمَهَّدِ لَهَا بِالْبَيَانَاتِ الإِْجْمَالِيَّةِ فِي (الإِْحَالاَتِ) الَّتِي يَقْتَصِرُ هَدَفُهَا عَلَى سَدِّ الْحَاجَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا. عَرْضُ الاِتِّجَاهَاتِ الْفِقْهِيَّةِ: ٦٦ - إِنَّ الطَّرِيقَةَ الَّتِي اخْتِيرَتْ لِبَيَانِ الْمَسَائِل وَأَحْكَامِهَا هِيَ طَرِيقَةُ (الاِتِّجَاهَاتِ الْفِقْهِيَّةِ) وَهِيَ تَخْتَلِفُ عَنْ فَصْل الْمَذَاهِبِ وَتَكْرَارِ الْمَسْأَلَةِ. فَفِي الطَّرِيقَةِ الْمُخْتَارَةِ تُحْصَرُ الآْرَاءُ الْمُتَعَدِّدَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ، مَتْبُوعَةً بِمَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ

стр. 66

كُل اتِّجَاهٍ مِنْ مَذْهَبٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِذَا كَانَ فِي الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ أَكْثَرُ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ ذِكْرُهُ بِحَسَبِ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ مَعَ الاِتِّجَاهَاتِ الْمُنَاسِبَةِ لَهَا. وَيُقَدَّمُ الاِتِّجَاهُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ (الْجُمْهُورُ) إِلاَّ حَيْثُ تَقْضِي مَنْطِقِيَّةُ الْبَيَانِ بِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ لِتَقْدِيمِ الْبَسِيطِ عَلَى مَا فِيهِ تَرْكِيبٌ أَوْ تَفْصِيلٌ، وَكَالْبَدْءِ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَهْمُ مَا بَعْدَهُ. وَالْبَاعِثُ عَلَى سُلُوكِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ - الْمَعْرُوفَةِ صُعُوبَتُهَا عَلَى الْكُتَّابِ - كِفَايَةُ الْمُسْتَفِيدِ مِنْ الْمَوْسُوعَةِ مُهِمَّةَ اسْتِخْلاَصِ مَوَاطِنِ الْوِفَاقِ وَالْخِلاَفِ بِدِقَّةٍ، وَإِعْطَاءُ التَّصَوُّرِ التَّامِّ لِمَنَاحِي الاِجْتِهَادَاتِ الْفِقْهِيَّةِ، وَهُوَ مِمَّا يَتَيَسَّرُ مَعَهُ الاِسْتِمْدَادُ مِنْهَا فِي الدِّرَاسَاتِ وَالتَّشْرِيعَاتِ بَعْدَ أَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا الْبَحْثُ غَيْرُ الْمُقْتَصِرِ عَلَى مَذْهَبٍ وَاحِدٍ بِخُصُوصِهِ، وَلاَ يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنْ تَحَاشِي التَّكْرَارِ فِي ذِكْرِ كُل مَذْهَبٍ عَلَى حِدَةٍ وَتَكْرَارُ الْمَسْأَلَةِ وَأَدِلَّتِهَا تَبَعًا لِذَلِكَ. كَمَا أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَيْسَتْ بِدْعًا مِنْ الأَْمْرِ فَهِيَ مَا عَلَيْهِ مُعْظَمُ الْمُؤَلِّفِينَ الْقُدَامَى فِي كُتُبِ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ وَالشُّرُوحِ الْمَعْنِيَّةِ بِالإِْشَارَةِ لِلْمَذَاهِبِ، وَعَلَيْهَا أَيْضًا جَمِيعُ الدِّرَاسَاتِ الْفِقْهِيَّةِ الْحَدِيثَةِ. وَلَمْ تَكُنْ ثَمَّةَ حَاجَةٌ لِلتَّأْكِيدِ عَلَيْهَا لَوْلاَ أَنَّ بَعْضَ الْكِتَابَاتِ اسْتَرْوَحَتْ إِلَى طُرُقٍ أُخْرَى كَإِفْرَادِ الْمَذَاهِبِ تَمَامًا، أَوِ الْبَدْءِ بِمَوَاطِنِ الاِتِّفَاقِ إِجْمَالاً ثُمَّ الْعَوْدَةِ لإِِفْرَادِهَا عِنْدَ التَّفْصِيل وَالاِخْتِلاَفِ. وَيَلْتَزِمُ بَعْدَ حَصْرِ الاِتِّجَاهَاتِ فِي الْمَسْأَلَةِ بِإِتْبَاعِ كُل اتِّجَاهٍ بِمَا وَافَقَهُ مِنْ فِقْهِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ الَّتِي يَتَيَسَّرُ تَوْفِيرُ الْفُقَهَاءِ الْمُشْتَغِلِينَ بِفِقْهِهَا مُجْتَمِعًا، لِلتَّقَارُبِ الشَّدِيدِ بَيْنَ أُصُولِهَا وَتَدَاوُل مَرَاجِعِهَا، كَمَا يُشَارُ إِلَى مَا يَتَيَسَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ مِنْ مَذَاهِبِ السَّلَفِ (الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ) مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُ الْفِقْهِ الْمَعْرُوفَةُ. وَيَحْصُل بِذَلِكَ الاِجْتِزَاءُ عَمَّا لَمْ يَتَيَسَّرْ أَوْ لَمْ يُطَّلَعْ عَلَيْهِ مِنْ مَذَاهِبَ لِكَوْنِهَا مُمَثَّلَةً فِي أَحَدِ الاِتِّجَاهَاتِ.

стр. 67

الأُْسْلُوبُ وَالْمَرَاجِعُ: ٦٧ - الْتُزِمَ فِي الْمَوْسُوعَةِ أَنْ يَكُونَ أُسْلُوبُهَا وَاضِحًا، وَهَذَا غَالِبًا مَا يَتَطَلَّبُ التَّصَرُّفَ فِي الْعِبَارَاتِ الْمُقْتَبَسَةِ مِنْ الْمَرَاجِعِ الْفِقْهِيَّةِ لإِِزَالَةِ غُمُوضِهَا أَوْ تَعْقِيدِهَا، وَاخْتِيَارَ الْقَصْدِ بَيْنَ الإِْسْهَابِ الْمُمِل وَالإِْيجَازِ الْمُخِل. وَسُلُوكُ طَرِيقَةِ الاِتِّجَاهَاتِ أَعَانَتْ عَلَى ذَلِكَ لأَِنَّهَا لاَ تَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِاخْتِيَارِ الْعِبَارَةِ الْمُثْلَى مِمَّا يَقِفُ عَلَيْهِ الْكَاتِبُ فِي الْمَرَاجِعِ الْمَذْهَبِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ. وَبِالرَّغْمِ مِنْ إِتَاحَةِ التَّصَرُّفِ فِي الْعِبَارَاتِ الْمَنْقُولَةِ بِمَا لاَ يُحِيل مَعْنَاهَا، فَقَدْ الْتُزِمَ أَلاَّ يُنْسَبَ رَأْيٌ لِمَذْهَبٍ إِلاَّ بِالاِسْتِنَادِ إِلَى كُتُبِهِ الأَْصْلِيَّةِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَقَدْ يُسْتَعَانُ فِي تَصْوِيرِ الاِتِّجَاهَاتِ بِالْكُتُبِ الْمَعْنِيَّةِ بِالْفِقْهِ الْمُقَارَنِ مِنْ مَذْهَبٍ وَاحِدٍ مَعَ الْعَزْوِ إِلَى بَقِيَّةِ الْكُتُبِ الْمُتَنَوِّعَةِ. ٦٨ - وَالْمَرَاجِعُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهَا هِيَ الْقَدِيمَةُ الَّتِي تَدَاوَلَهَا أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ وَخَدَمُوهَا بِالشُّرُوحِ وَالْحَوَاشِي وَتَعَقَّبُوهَا بِالإِْنْكَارِ وَالتَّقْيِيدِ أَوِ الإِْقْرَارِ وَالتَّسْلِيمِ، وَالَّتِي تُعْتَبَرُ تُرَاثًا فِقْهِيًّا يَتَمَيَّزُ فِي أُسْلُوبِهِ وَتَأْلِيفِهِ عَمَّا بَعْدَهُ مِنْ دِرَاسَاتٍ حَدِيثَةٍ. وَالْحَدُّ الْفَاصِل بَيْنَهُمَا نِهَايَةُ الْقَرْنِ الثَّالِثَ عَشَرَ الْهِجْرِيِّ، وَقَدْ اخْتِيرَ عَدَدٌ مِنْ الْمَرَاجِعِ الأَْسَاسِيَّةِ يَتَحَقَّقُ بِهَا التَّمْثِيل الْجَيِّدُ لِفِقْهِ كُل مَذْهَبٍ، لِجَمْعِهَا بَيْنَ مَا هُوَ مِنْ كِتَابَاتِ الْمَذْهَبِ الأُْولَى وَالْمُتَأَخِّرَةِ، وَمَا يَهْتَمُّ بِالأَْدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ وَالتَّوْجِيهَاتِ الْمَعْقُولَةِ، فَضْلاً عَمَّا هُوَ مُعْتَمَدٌ لِلْفَتْوَى بِهِ. (وَهَذِهِ الْمَرَاجِعُ - الْمُوصَى بِالاِسْتِمْدَادِ مِنْهَا فَضْلاً عَنْ غَيْرِهَا - يَجْرِي الْعَمَل لِوَضْعِ فَهَارِسَ تَحْلِيلِيَّةٍ لَهَا، لِتَسْهِيل الإِْفَادَةِ مِنْهَا فِي كِتَابَةِ الْمَوْسُوعَةِ) (١) .

стр. 68

وَيُرْجَعُ إِلَى غَيْرِ كُتُبِ الْفِقْهِ مِنْ كُتُبِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلاَ سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ لِفِقْهِ السَّلَفِ، إِلَى كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَكُتُبِ شُرُوحِ السُّنَّةِ وَأَحَادِيثِ الأَْحْكَامِ. هَذَا، وَإِنَّ الاِسْتِمْدَادَ مِنْ الْمَرَاجِعِ الْفِقْهِيَّةِ لاَ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَطْبُوعِ مِنْهَا بَل يَشْمَل الْمَخْطُوطَاتِ الَّتِي يَتِمُّ الْحُصُول عَلَى صُوَرٍ (مِيكْرُوفِيلْمٍ) لَهَا مِنْ خَزَائِنِهَا فِي الْعَالَمِ، كَمَا اسْتُحْضِرَتْ أَجْهِزَةٌ فَنِيَّةٌ لِقِرَاءَتِهَا وَإِرْسَال صُوَرٍ عَنْهَا كَمَرَاجِعَ إِضَافِيَّةٍ لِلأَْبْحَاثِ الَّتِي يُكَلَّفُ بِهَا الْمُسْتَكْتَبُونَ مِنْ الْخَارِجِ. . وَالنِّيَّةُ مُتَّجِهَةٌ لإِِخْرَاجِ بَعْضِ ذَلِكَ التُّرَاثِ الْفِقْهِيِّ، بَدْءًا بِكِتَابِ " الذَّخِيرَةِ " لِلإِْمَامِ الْقَرَافِيِّ الْمَالِكِيِّ. الأَْدِلَّةُ وَتَخْرِيجُهَا: ٦٩ - تَتَمَيَّزُ هَذِهِ الْمَوْسُوعَةُ بِاقْتِرَانِ الأَْحْكَامِ الْوَارِدَةِ فِيهَا بِأَدِلَّتِهَا مِنْ الْمَنْقُول وَالْمَعْقُول، فَتُذْكَرُ الأَْدِلَّةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَبَقِيَّةِ مَصَادِرِ الأَْحْكَامِ وَلَوْ كَانَتْ مُخْتَلَفًا فِيهَا. وَذَلِكَ بِالْقَدْرِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ وَجْهُ اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ. وَتُورَدُ تِلْكَ الأَْدِلَّةُ الْمُخْتَلِفَةُ عَقِبَ الأَْحْكَامِ تَفَادِيًا مِنْ تَكْرَارِ تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ وَالْحُكْمِ فِيمَا إِذَا جِيءَ بِالأَْدِلَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ مُسْتَقِلَّةً. وَيُرَاعَى فِي الأَْدِلَّةِ الَّتِي تُورَدُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَنَدًا لِلاِتِّجَاهِ الْوَاحِدِ وَمَا يَنْتَظِمُهُ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْمُتَّفِقَةِ فِي الْحُكْمِ، وَلاَ يُتَعَرَّضُ لِمُنَاقَشَاتِ الأَْدِلَّةِ إِلاَّ إِذَا كَانَ الدَّلِيل هُوَ الْمُسْتَنِدَ لأَِكْثَرَ مِنِ اتِّجَاهٍ بِضَرْبٍ مِنْ الْخِلاَفِ فِي فَهْمِهِ أَوْ تَأْوِيلِهِ، فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا يُؤَدِّي هَذَا الْغَرَضَ. وَيُلْتَزَمُ بِتَخْرِيجِ الأَْحَادِيثِ وَبَيَانِ دَرَجَتِهَا وَالإِْتْيَانِ بِالرِّوَايَةِ عَلَى وَجْهِهَا الثَّابِتِ فِي أُصُول السُّنَّةِ إِذَا كَانَ لَفْظُ الْحَدِيثِ الْمَنْقُول مِنْ الْمَرَاجِعِ الْفِقْهِيَّةِ مُغَايِرًا لِلرِّوَايَةِ الْوَحِيدَةِ أَوِ الْمَشْهُورَةِ أَوْ مَرْوِيًّا بِالْمَعْنَى. وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ ثَابِتٍ فَيُعَزَّزُ بِالْحَدِيثِ الثَّابِتِ الْبَدِيل إِنْ تَيَسَّرَ. عَلَى أَنَّ ظُهُورَ ضَعْفِ الْحَدِيثِ الْمُسْتَدَل بِهِ لِمَسْأَلَةٍ لاَ يَقْتَضِي اسْتِبْعَادَهَا لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْحُكْمِ دَلِيلٌ آخَرُ فِي الْمَرَاجِعِ الْفِقْهِيَّةِ نَظَرًا لِلاِقْتِصَارِ فِي الْمَوْسُوعَةِ عَلَى الأَْدِلَّةِ الْمُسْتَمَدَّةِ مِنْ مَشْهُورِ كُتُبِ الْفِقْهِ.

стр. 69

خَاتِمَةٌ: ٧٠ - إِنَّ مَشْرُوعَ الْمَوْسُوعَةِ الْفِقْهِيَّةِ ذُو طَبِيعَةٍ خَاصَّةٍ يَخْتَلِفُ فِيهَا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ مَشَارِيعِ الْخِدْمَاتِ الْعِلْمِيَّةِ أَوِ الْعَمَلِيَّةِ. ذَلِكَ لأَِنَّ عَنَاصِرَ إِنْجَازِهِ لَيْسَتْ فِي مَقْدُورِ فَرْدٍ أَوْ جِهَةٍ أَوْ دَوْلَةٍ، بَل لاَ بُدَّ أَنْ يَشْتَرِكَ فِيهِ أَصْحَابُ الاِخْتِصَاصِ فِي الْعَالَمِ الإِْسْلاَمِيِّ، فَيَتَعَاوَنُوا عَلَى الْمُسْتَوَى الْمَطْلُوبِ مِنْ حَيْثُ الإِْنْتَاجُ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً وَزَمَنًا. وَفِي مِثْل هَذِهِ الأُْمُورِ يَكُونُ التَّحَكُّمُ فِي عُنْصُرِ الْوَقْتِ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ وَلاَ بُدَّ لِنَجَاحِ هَذَا الْمَشْرُوعِ وَأَمْثَالِهِ مِنْ الأَْنَاةِ وَالصَّبْرِ وَسَعَةِ الأُْفُقِ، مَا دَامَتِ الأُْسُسُ الَّتِي يَجْرِي عَلَيْهَا صَحِيحَةً، وَمِنْ شَأْنِهَا إِعْطَاءُ النَّتَائِجِ الْمَرْجُوَّةِ. لِيَخْرُجَ الإِْنْتَاجُ بِالصُّورَةِ الْمَنْشُودَةِ الَّتِي لاَ يُهْدَرُ فِيهَا الإِْتْقَانُ اسْتِعْجَالاً لِلزَّمَنِ. كَمَا أَنَّ مِثْل هَذَا الْمَشْرُوعِ لاَ يَتَنَاسَبُ الزَّمَنُ فِيهِ مَعَ مَظَاهِرِ الإِْنْتَاجِ، لِكَثْرَةِ مَا يُبْذَل فِي تَكْوِينِ أُسُسِهِ وَإِعْدَادَاتِهِ الأَْوَّلِيَّةِ لاَ سِيَّمَا مَعَ الاِلْتِزَامِ فِي مَشْرُوعِ الْمَوْسُوعَةِ بِالإِْخْرَاجِ الْكَامِل الْمُرَتَّبِ. وَهُوَ - أَخِيرًا - ضَرُورَةٌ إِسْلاَمِيَّةٌ لاَ مَنَاصَ مِنْ النُّهُوضِ بِهَا، وَلاَ يَسَعُ الأُْمَّةَ تَرْكُ أَمْثَال هَذِهِ الْمَشَارِيعِ إِذَا تَأَخَّرَتْ أَوْ تَعَسَّرَتْ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ التَّكَاتُفِ لِتَمْهِيدِ السُّبُل لِنَجَاحِهَا، وَتَوْفِيرِ الاِسْتِقْرَارِ وَالإِْمْكَانِيَّاتِ الْكَافِيَةِ لَهَا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَهُوَ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.

стр. 70

أ أَئِمَّةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الأَْئِمَّةُ لُغَةً: مَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ مِنْ رَئِيسٍ أَوْ غَيْرِهِ (١) . مُفْرَدُهُ: إِمَامٌ. وَلاَ يَبْعُدُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، بِإِطْلاَقِهِ الشَّامِل لِلْمُقْتَدَى بِهِمْ عُمُومًا فِي مَجَال الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، طَوْعًا أَوْ كَرْهًا (٢) الإِْطْلاَقَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ لِهَذَا الْمُصْطَلَحِ ٢ - يُطْلَقُ عَلَى الأَْنْبِيَاءِ ﵈ أَنَّهُمْ " أَئِمَّةٌ " مِنْ حَيْثُ يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ اتِّبَاعُهُمْ، قَال اللَّهُ تَعَالَى عَقِبَ ذِكْرِ بَعْضِ الأَْنْبِيَاءِ ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (٣) كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْخُلَفَاءِ " أَئِمَّةٌ " لأَِنَّهُمْ رُتِّبُوا فِي الْمَحَل الَّذِي يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعُهُمْ وَقَبُول قَوْلِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ. وَتُوصَفُ إِمَامَتُهُمْ بِالإِْمَامَةِ الْكُبْرَى، كَمَا

стр. 71

يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الَّذِينَ يُصَلُّونَ بِالنَّاسِ - وَتُقَيَّدُ هَذِهِ الإِْمَامَةُ بِأَنَّهَا الإِْمَامَةُ الصُّغْرَى - لأَِنَّ مَنْ دَخَل فِي صَلاَتِهِمْ لَزِمَهُ الاِئْتِمَامُ بِهِمْ، قَال ﵊: إِنَّمَا جُعِل الإِْمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَلاَ تَخْتَلِفُوا عَلَى إِمَامِكُمْ (١) . وَهُنَاكَ إِطْلاَقَاتٌ اصْطِلاَحِيَّةٌ أُخْرَى لِمُصْطَلَحِ " أَئِمَّةٍ " عِنْدَ الْعُلَمَاءِ تَخْتَلِفُ مِنْ عِلْمٍ لآِخَرَ، فَهُوَ يُطْلَقُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى مُجْتَهِدِي الشَّرْعِ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ (٢) ، وَإِذَا قِيل: " الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ " انْصَرَفَ ذَلِكَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ. وَيُطْلَقُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ عَلَى مَنْ لَهُمْ سَبْقٌ فِي تَدْوِينِ

стр. 72

الأُْصُول بِطَرَائِقِهِ الثَّلاَثِ: طَرِيقَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ، كَالْجُوَيْنِيِّ وَالْغَزَالِيِّ. وَطَرِيقَةُ الْحَنَفِيَّةِ، كَالْكَرْخِيِّ وَالْبَزْدَوِيِّ، وَالطَّرِيقَةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَهُمَا، كَابْنِ السَّاعَاتِيِّ وَالسُّبْكِيِّ، وَأَمْثَالِهِمْ. وَيُطْلَقُ عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَمْثَال مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَيُطْلَقُ فِي عِلْمِ الْقِرَاءَاتِ عَلَى الْقُرَّاءِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ تَوَاتَرَتْ قِرَاءَاتُهُمْ، وَهُمْ: نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ، وَخَلَفٌ (١) . وَيُطْلَقُ مُصْطَلَحُ " أَئِمَّةٍ " عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى أَهْل الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيل كَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَأَمْثَالِهِمَا. وَإِذَا قِيل عِنْدَهُمْ: " الأَْئِمَّةُ السِّتَّةُ " انْصَرَفَ ذَلِكَ إِلَى الأَْئِمَّةِ: الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ. وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مَالِكًا بَدَلاً مِنْ ابْنِ مَاجَهْ، وَبَعْضُهُمْ أَبْدَلَهُ بِالدَّارِمِيِّ (٢) . وَيُطْلَقُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَمْثَال الأَْشْعَرِيِّ وَالْمَاتُرِيدِيِّ مِمَّنْ لَهُمْ مَذَاهِبُ وَأَتْبَاعٌ فِي الْعَقِيدَةِ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٣ - اجْتِهَادَاتُ أَحَدِ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ (الَّتِي نُقِلَتْ نَقْلاً صَحِيحًا مُنْضَبِطًا تَمَّ بِهِ تَقْيِيدُ مُطْلَقِهَا، وَتَخْصِيصُ عَامِّهَا، وَذِكْرُ شُرُوطِ فُرُوعِهَا) يُخَيَّرُ فِي الأَْخْذِ بِأَحَدِ تِلْكَ الاِجْتِهَادَاتِ لِمَنْ لَيْسَتْ لَدَيْهِ

стр. 73

أَهْلِيَّةُ الاِجْتِهَادِ، وَلَيْسَ مِنْ الضَّرُورِيِّ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ. عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَدَيْهِ مَلَكَةُ التَّرْجِيحِ وَالتَّخْرِيجِ فَإِنَّهُ يَسْتَعِينُ بِالاِجْتِهَادَاتِ الْفِقْهِيَّةِ كُلِّهَا بَعْدَ التَّثَبُّتِ مِنْ صِحَّةِ نَقْلِهَا - وَلَوْ نُقِلَتْ مُجْمَلَةً - وَلَهُ الأَْخْذُ بِهَا عَمَلاً وَإِفْتَاءً فِي ضَوْءِ قَوَاعِدِ الاِسْتِنْبَاطِ وَالتَّرْجِيحِ (١) . وَتَلْفِيقُ عِبَادَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ تَصَرُّفٍ وَاحِدٍ مِنْ اجْتِهَادَاتِ أَئِمَّةٍ مُتَعَدِّدِينَ، فِي صِحَّتِهِ خِلاَفٌ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ مَوْطِنُهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ، وَمُصْطَلَحَاتُ: اجْتِهَادٍ، إِفْتَاءٍ، قَضَاءٍ، تَقْلِيدٍ، تَلْفِيقٍ. ٤ - وَفِي الإِْمَامَةِ بِنَوْعَيْهَا: الإِْمَامَةُ الْعُظْمَى (الْخِلاَفَةُ) فِي قُطْرٍ وَاحِدٍ، وَالصُّغْرَى (إِمَامَةُ الصَّلاَةِ) فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَمَكَانٍ وَاحِدٍ، يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُ الأَْئِمَّةِ فِي الْجُمْلَةِ، حَتَّى لاَ تَتَفَرَّقَ كَلِمَةُ الْمُسْلِمِينَ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي: إِمَامَةِ الصَّلاَةِ، وَالإِْمَامَةِ الْكُبْرَى. ٥ - وَفِي أُصُول الْفِقْهِ وَأُصُول عِلْمِ الْحَدِيثِ يُقْبَل مِنْ الأَْئِمَّةِ مَا أَرْسَلَهُ أَحَدُهُمْ مِنْ أَحَادِيثَ. وَالْمُرْسَل عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ مَا قَال فِيهِ التَّابِعِيُّ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ . (٣) ٦ - وَالأَْكْثَرُونَ عَلَى قَبُول مَرَاسِيل الأَْئِمَّةِ مِنَ التَّابِعِينَ إِذَا كَانَ الرَّاوِي ثِقَةً. وَلِهَذَا قَالُوا: " مَنْ أَسْنَدَ

стр. 74

فَقَدْ حَمَّل، وَمَنْ أَرْسَل فَقَدْ تَحَمَّل ". وَمَثَّل لَهُمْ صَاحِبُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ بِالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ (١) . آبَاءٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الآْبَاءُ جَمْعُ أَبٍ. وَالأَْبُ الْوَالِدُ. (٢) " وَالأُْصُول " أَعَمُّ مِنْ الآْبَاءِ، لِشُمُول الأُْصُول لِلأُْمَّهَاتِ وَالأَْجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ. وَيَجُوزُ فِي اللُّغَةِ اسْتِعْمَال " الآْبَاءِ " شَامِلاً لِلأَْجْدَادِ، لِمَا لَهُمْ عَلَى الشَّخْصِ مِنْ الْوِلاَدَةِ. وَقَدْ يَدْخُل الأَْعْمَامُ؛ لأَِنَّ الْعَمَّ يُسَمَّى أَبًا مَجَازًا. وَمِنْهُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ أَوْلاَدِ يَعْقُوبَ ﵇: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاقَ﴾ . (٣) فَإِنَّ إِسْمَاعِيل عَمُّ يَعْقُوبَ ﵉. ٢ - وَيُسْتَعْمَل " الآْبَاءُ " فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى الْوَالِدِينَ الذُّكُورِ، كَمَا فِي الاِسْتِعْمَال اللُّغَوِيِّ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٣ - يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ إِذَا اسْتُعْمِلَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي صِيغَةِ وَصِيَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فِي تَنَاوُلِهَا لِلأَْجْدَادِ؛ لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي أَنَّ اللَّفْظَ هَل يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَقِيقَتُهُ وَمَجَازُهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ إِطْلاَقَ " الآْبَاءِ " عَلَى الأَْجْدَادِ مَجَازٌ.

стр. 75

وَطَرِيقَةُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ " لاَ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ مِنْ اللَّفْظِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ وَالْمَجَازِيُّ فِي آنٍ وَاحِدٍ، لِرُجْحَانِ الْمَتْبُوعِ عَلَى التَّابِعِ " كَمَا فِي التَّنْقِيحِ. قَال سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيُّ: " فَلَوْ أَمَّنَ الْمُسْلِمُونَ الْكُفَّارَ عَلَى الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ فَإِنَّهُ لاَ يَتَنَاوَل الأَْجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ. " (١) وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ نَقْلاً عَنْ الْمُحِيطِ: " إِذَا أَوْصَى لآِبَاءِ فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ، وَلَهُمْ آبَاءٌ وَأُمَّهَاتٌ، دَخَلُوا فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آبَاءٌ وَأُمَّهَاتٌ، وَإِنَّمَا لَهُمْ أَجْدَادٌ وَجَدَّاتٌ، فَإِنَّهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ فِي الْوَصِيَّةِ. " (٢) وَفِي الْهِنْدِيَّةِ أَيْضًا " قَال مُحَمَّدٌ ﵀: فَإِنْ كَانَ لِسَانُهُمْ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ أَنَّ الْجَدَّ وَالِدٌ، يَدْخُل فِي الأَْمَانِ. " (٣) وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ، فَيَصِحُّ إِطْلاَقُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. (٤) وَلَعَل هَذَا مَبْنَى مَا قَال الرَّمْلِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: مَنْ قَال: أَوْصَيْتُ لآِبَاءِ فُلاَنٍ، يَدْخُل الأَْجْدَادُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ. (٥) يَعْنِي مِنْ قِبَل الأَْبِ وَالأُْمِّ. مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٤ - هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَبَاحِثِ الْوَصِيَّةِ وَمَبَاحِثِ الأَْمَانِ.
следующие страницы →