← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَيَتْرُكُ سُنَّةَ الظُّهْرِ الْبَعْدِيَّةَ، وَمِثْل ذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ. فَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَيَتْرُكُ سُنَّةَ الْمَغْرِبِ الْبَعْدِيَّةَ؛ لأَِنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَطَوَّعْ بَيْنَهُمَا. قَال الْقُرْطُبِيُّ: فَأَمَّا الْفَصْل بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ بِعَمَلٍ غَيْرِ الصَّلاَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَل فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُل إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَل بَيْنَهُمَا. (١) وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لاَ أَعْلَمُ خِلاَفًا فِي أَنَّ السُّنَّةَ أَلاَّ يَتَطَوَّعَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ. (٢) الْوَقْتُ التَّاسِعُ: عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الْمَكْتُوبَةِ: ٣٥ - لاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّنَفُّل عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الْمَكْتُوبَةِ، فَإِذَا ضَاقَ وَقْتُ الظُّهْرِ مَثَلاً، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلاَّ مَا يَسَعُ صَلاَتَهُ، حَرُمَ التَّنَفُّل لِمَا فِي التَّنَفُّل مِنْ تَرْكِ أَدَاءِ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالاِشْتِغَال بِالنَّفْل، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لَمْ تَنْعَقِدْ نَافِلَةً - وَلَوْ رَاتِبَةً - مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ. (٣)

стр. 4307

حُكْمُ الصَّلاَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ بِلاَ عُذْرٍ: ٣٦ - لاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا بِدُونِ عُذْرٍ ذَنْبٌ عَظِيمٌ، لاَ يُرْفَعُ إِلاَّ بِالتَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ عَلَى مَا فَرَّطَ مِنَ الْعَبْدِ، وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ مَنْ فَعَل ذَلِكَ بِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ أَيْ مُقَصِّرٌ، حَيْثُ قَال: لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ. (١) ٣٧ - أَمَّا تَأْخِيرُهَا بِعُذْرِ النِّسْيَانِ، فَلاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا فِي أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ عَلَى هَذَا التَّأْخِيرِ لِقَوْلِهِ ﷺ : رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. (٢) ٣٨ - وَأَمَّا تَأْخِيرُهَا بِعُذْرِ النَّوْمِ، فَالَّذِي يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا. (٣) أَنَّ النَّوْمَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا لاَ يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَلاَ يُعْتَبَرُ مُفَرِّطًا، وَقَدْ نَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ فِي حَدِيثِ التَّعْرِيسِ (٤) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَال: سِرْنَا مَعَ

стр. 4308

رَسُول اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً، فَقَال بَعْضُ الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلاَةِ، قَال بِلاَلٌ: أَنَا أُوقِظُكُمْ، فَاضْطَجَعُوا، وَأَسْنَدَ بِلاَلٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَال: يَا بِلاَل أَيْنَ مَا قُلْتَ؟ فَقَال: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ، قَال: إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ، يَا بِلاَل قُمْ فَأَذِّنِ النَّاسَ بِالصَّلاَةِ، فَتَوَضَّأْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، وَابْيَاضَّتْ، قَامَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ (١) غَيْرَ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ نَامَ تَفُوتُهُ الصَّلاَةُ يُكَلِّفُ أَحَدًا بِإِيقَاظِهِ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. (٢) وَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْل صَلاَةِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَحْمَدَ، لِحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا. (٣) وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْل الصَّلاَةِ فِي جَمِيعِ الأَْوْقَاتِ، وَالظَّاهِرُ عِنْدَهُمْ كَرَاهَةُ النَّوْمِ بَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ، أَمَّا قَبْل دُخُولِهِ فَجَائِزٌ عِنْدَهُمْ. (٤) ٣٩ - أَمَّا تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ تَقْدِيمُهَا بِعُذْرِ السَّفَرِ أَوِ الْمَطَرِ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بِعُذْرِ

стр. 4309

السَّفَرِ أَوِ الْمَطَرِ (١) لِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا عَجَّل بِهِ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ. (٢) وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَل قَبْل أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ - أَيْ قَبْل أَنْ تَزُول الشَّمْسُ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ - أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَل، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْل أَنْ يَرْتَحِل صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. (٣) دَل الْحَدِيثُ الأَْوَّل عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا كَانَ مُسَافِرًا، وَأَسْرَعَ فِي السَّيْرِ؛ لِيَصِل إِلَى غَرَضِهِ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ، أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ. وَدَل الْحَدِيثُ الثَّانِي عَلَى أَنَّهُ ﷺ إِذَا ابْتَدَأَ السَّفَرَ قَبْل دُخُول وَقْتِ الظُّهْرِ، أَخَّرَ الظُّهْرَ وَجَمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ، وَإِذَا ابْتَدَأَ السَّفَرَ قَبْل دُخُول وَقْتِ الظُّهْرِ، صَلاَّهَا ثُمَّ سَافَرَ، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ، وَيُسْتَدَل لِلْجُمْهُورِ أَيْضًا بِالأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ لِلسَّفَرِ وَغَيْرِهِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ إِلاَّ فِي عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَيَجْمَعُ الإِْمَامُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، بِأَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِعَرَفَاتٍ، وَيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ بِمُزْدَلِفَةَ فَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ

стр. 4310

وَالْعِشَاءَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ. وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ لِجَوَازِ هَذَا الْجَمْعِ: أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ لاَ عُمْرَةٍ، وَأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَّلاَةُ بِجَمَاعَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ فِي جَمْعِ عَرَفَةَ هُوَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ. وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ - أَنْ تَكُونَ الصَّلاَةُ بِجَمَاعَةٍ، وَأَجَازُوا لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَنْ يُصَلِّيَ صَلاَةَ الْجَمْعِ وَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا، أَمَّا الْجَمْعُ فِي مُزْدَلِفَةَ فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ غَيْرُ الإِْحْرَامِ وَالْمَكَانِ، وَهُوَ مُزْدَلِفَةُ. ٤٠ - وَقَدْ تَضَمَّنَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَمْرَيْنِ: (الأَْوَّل) أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ. (الثَّانِي) لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ بِعُذْرِ سَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ. أَمَّا الأَْمْرُ الأَْوَّل فَدَلِيلُهُ: أَنَّ الَّذِينَ رَوَوْا نُسُكَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجِّهِ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ هَذَا الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ. وَأَمَّا الأَْمْرُ الثَّانِي - وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي غَيْرِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ بِعُذْرِ سَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ - فَدَلِيلُهُ: أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةَ عُرِفَتْ مُؤَقَّتَةً بِأَوْقَاتِهَا بِالدَّلاَئِل الْمَقْطُوعِ بِهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالإِْجْمَاعِ، فَلاَ يَجُوزُ تَغْيِيرُهَا عَنْ أَوْقَاتِهَا بِنَوْعٍ مِنَ الاِسْتِدْلاَل وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالسَّفَرُ أَوِ الْمَطَرُ لاَ أَثَرَ لَهُمَا فِي تَأْخِيرِ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ تَقْدِيمِهَا عَنْ وَقْتِهَا. (١) مَنْ لَمْ يَجِدْ بَعْضَ الأَْوْقَاتِ الْخَمْسَةِ ٤١ - اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ بَعْضَ

стр. 4311

الأَْوْقَاتِ الْخَمْسَةِ، كَسُكَّانِ الْمَنَاطِقِ الْقُطْبِيَّةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَنَاطِقَ تَسْتَمِرُّ فِي نَهَارٍ دَائِمٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَفِي لَيْلٍ دَائِمٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أُخْرَى، كَمَا يَقُول الْجُغْرَافِيُّونَ، فَهَل يَجِبُ عَلَى سُكَّانِ هَذِهِ الْمَنَاطِقِ - إِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ - أَنْ يُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَمْ يَجِدُوا وَقْتًا لَهَا، بِأَنْ يُقَدِّرُوا لِكُل صَلاَةٍ وَقْتًا أَوْ تَسْقُطُ عَنْهُمْ هَذِهِ الصَّلَوَاتُ؟ . وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْبِلاَدِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْمَنَاطِقِ الْقُطْبِيَّةِ، تَأْتِي فِيهَا فَتَرَاتٌ لاَ يُوجَدُ وَقْتُ الْعِشَاءِ، أَوْ يَطْلُعُ الْفَجْرُ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ مُبَاشَرَةً. وَفِي بَعْضِ الْمَنَاطِقِ لاَ تَغِيبُ الشَّمْسُ مُطْلَقًا. ذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى عَدَمِ سُقُوطِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ عَنْهُمْ، وَيُقَدِّرُونَ لِكُل صَلاَةٍ وَقْتًا، فَفِي السِّتَّةِ الأَْشْهُرِ الَّتِي تَسْتَمِرُّ فِي نَهَارٍ دَائِمٍ يُقَدِّرُونَ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ وَالْفَجْرِ وَقْتًا، مِثْل ذَلِكَ السِّتَّةُ الأَْشْهُرِ الأُْخْرَى يُقَدِّرُونَ لِلصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتًا، بِاعْتِبَارِ أَقْرَبِ الْبِلاَدِ الَّتِي لاَ تَتَوَارَى فِيهَا الأَْوْقَاتُ الْخَمْسَةُ. وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَيَّامِ الدَّجَّال، الَّذِي هُوَ مِنْ عَلاَمَاتِ السَّاعَةِ الْكُبْرَى، فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّقْدِيرِ فِيهَا، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَال: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الدَّجَّال وَلُبْثَهُ فِي الأَْرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ. قَال الرَّاوِي: قُلْنَا يَا رَسُول اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الْيَوْمَ الَّذِي كَالسَّنَةِ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلاَةُ يَوْمٍ؟ قَال: لاَ، وَلَكِنِ اقْدُرُوا لَهُ. أَيْ صَلُّوا صَلاَةَ سَنَةٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ كَسَنَةٍ، وَقَدِّرُوا لِكُل صَلاَةٍ وَقْتًا. (١)

стр. 4312

وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى سُقُوطِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَمْ يَجِدُوا وَقْتًا لَهَا؛ لأَِنَّ الْوَقْتَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ، فَإِذَا عُدِمَ السَّبَبُ - وَهُوَ الْوَقْتُ - عُدِمَ الْمُسَبَّبُ وَهُوَ الْوُجُوبُ. (١) وَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى الْبِلاَدِ الَّتِي يَقْصُرُ فِيهَا اللَّيْل أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي الصَّيْفِ، فَقَبْل أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ الأَْحْمَرُ، يَظْهَرُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ فَلاَ يُوجَدُ وَقْتٌ لِلْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ؛ لأَِنَّ أَوَّل وَقْتِ الْعِشَاءِ مَغِيبُ الشَّفَقِ الأَْحْمَرِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْفَجْرُ الصَّادِقُ قَبْل أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ. فَذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِلَى عَدَمِ سُقُوطِ الْوِتْرِ وَالْعِشَاءِ عَنْ أَهْل هَذِهِ الْبِلاَدِ، بَل يُقَدِّرُونَ لِلْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ وَقْتًا بِاعْتِبَارِ أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ. وَذَهَبَ بَعْضٌ آخَرُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى سُقُوطِ الْوِتْرِ وَالْعِشَاءِ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ نُورِ الإِْيضَاحِ وَعِبَارَتُهُ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتَهَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ. لَكِنَّهُ خِلاَفُ الْمَذْهَبِ وَمَا عَلَيْهِ الْمُتُونُ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ (٢) إِلَى تَقْدِيرِ مَغِيبِ شَفَقِ أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَ أَقْرَبُ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ يَغِيبُ فِيهَا الشَّفَقُ بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمُدَّةُ اللَّيْل فِي هَذِهِ الْبِلاَدِ ثَمَانِي سَاعَاتٍ، فَيَكُونُ أَوَّل الْعِشَاءِ عِنْدَهُمْ بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ

стр. 4313

غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَإِذَا كَانَتْ مُدَّةُ اللَّيْل فِي الْبِلاَدِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا عِشَاءٌ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً، فَيُقَدَّرُ مَغِيبُ الشَّفَقِ عِنْدَهُمْ بِسَاعَةٍ وَنِصْفٍ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لأَِنَّ مُدَّةَ بَقَاءِ الشَّفَقِ فِي أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ سَاعَةٌ، وَهِيَ تُعَادِل الثُّمُنَ مِنَ اللَّيْل؛ لأَِنَّ اللَّيْل عِنْدَهُمْ ثَمَانِي سَاعَاتٍ، وَالْبِلاَدُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا عِشَاءٌ وَلَيْلُهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، يُقَدَّرُ لِغِيَابِ الشَّفَقِ ثُمُنَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَهِيَ سَاعَةٌ وَنِصْفٌ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ قَضَاءِ الْعِشَاءِ عَلَى أَهْل هَذِهِ الْبِلاَدِ، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُمْ. (١) قَال ابْنُ عَابِدِينَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَقَلُوا فِيهَا الْخِلاَفَ بَيْنَ ثَلاَثَةٍ مِنْ مَشَايِخِنَا وَهُمُ: الْبَقَّالِيُّ وَالْحَلْوَانِيُّ وَالْبُرْهَانِيُّ الْكَبِيرُ، وَأَفْتَى الْبَقَّالِيُّ: بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، وَكَانَ الْحَلْوَانِيُّ يُفْتِي بِالْقَضَاءِ، ثُمَّ وَافَقَ الْبَقَّالِيَّ حِينَمَا أَرْسَل إِلَيْهِ مَنْ يَسْأَلُهُ عَمَّنْ أَسْقَطَ صَلاَةً مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ: أَيَكْفُرُ؟ فَأَجَابَ الْبَقَّالِيُّ السَّائِل: مَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ أَوْ رِجْلاَهُ كَمْ فُرُوضُ وُضُوئِهِ؟ قَال: ثَلاَثٌ. قَال: فَكَذَلِكَ الصَّلاَةُ، فَاسْتَحْسَنَ الْحَلْوَانِيُّ، وَرَجَعَ إِلَى قَوْل الْبَقَّالِيِّ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ. أَمَّا الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ فَقَدْ رَجَّحَ الْقَوْل بِالْوُجُوبِ، وَمَنَعَ مَا أَفْتَى بِهِ الْبَقَّالِيُّ مِنَ الْقَوْل بِعَدَمِ الْوُجُوبِ لِعَدَمِ السَّبَبِ وَهُوَ الْوَقْتُ، كَمَا يَسْقُطُ غُسْل الْيَدَيْنِ عَنْ مَقْطُوعِهِمَا. وَقَال: لاَ يَرْتَابُ مُتَأَمِّلٌ فِي ثُبُوتِ الْفَرْقِ بَيْنَ عَدَمِ مَحَل الْفَرْضِ، وَبَيْنَ عَدَمِ السَّبَبِ وَهُوَ الْوَقْتُ. إِلَى أَنْ قَال: وَانْتِفَاءُ الدَّلِيل عَلَى الشَّيْءِ لاَ يَلْزَمُ فِيهِ انْتِفَاءُ هَذَا الشَّيْءِ؛ لِجَوَازِ دَلِيلٍ آخَرَ. وَقَدْ وُجِدَ وَهُوَ

стр. 4314

مَا تَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ أَخْبَارُ الإِْسْرَاءِ، مِنْ فَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَجَعْلِهَا شَرْعًا عَامًّا لأَِهْل الآْفَاقِ، لاَ تَفْضِيل بَيْنَ قُطْرٍ وَقُطْرٍ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلاَنِ مُصَحَّحَانِ فِي الْمَذْهَبِ، وَالأَْرْجَحُ الْقَوْل بِالْوُجُوبِ، لاَ سِيَّمَا إِذَا قَال بِهِ إِمَامٌ مِنَ الأَْئِمَّةِ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ ﵁، وَهَل يَنْوِي الْقَضَاءَ أَوْ لاَ يَنْوِيهِ؟ ذَكَرَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَنْوِي الْقَضَاءَ لِفَقْدِ وَقْتِ الأَْدَاءِ، وَاعْتَرَضَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْوِ الْقَضَاءَ يَكُونُ أَدَاءً، ضَرُورَةً لاَ وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ لَيْسَتْ أَدَاءً؛ لأَِنَّ الْوَقْتَ الَّذِي صُلِّيَتْ فِيهِ لَيْسَ وَقْتًا لِصَلاَةِ الْعِشَاءِ، بَل وَقْتٌ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ. (١) وَمَعْنَى التَّقْدِيرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: افْتِرَاضُ أَنَّ الْوَقْتَ مَوْجُودٌ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَقْتًا لِصَلاَةِ الصُّبْحِ، وَهَذَا بِخِلاَفِ مَعْنَى التَّقْدِيرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا مِنْ مَذْهَبِهِمْ. (٢) أَمَّا الْبِلاَدُ الَّتِي يَقْصُرُ فِيهَا وَقْتُ الظُّهْرِ، فَيَبْلُغُ ظِل الشَّيْءِ مِثْلَهُ بَعْدَ زَوَال الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ بِوَقْتٍ قَصِيرٍ لاَ يَتَمَكَّنُ فِيهِ الْمُصَلِّي مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ، فَلَمْ نَجِدْ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ نَصًّا عَلَى حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. أَوْقَاتُ الْكَرَاهِيَةِ انْظُرْ: أَوْقَاتَ الصَّلاَةِ

стр. 4315

أَوْقَاتٌ انْظُرْ: أَوْقَاتَ الصَّلاَةِ أَوْقَاصٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الأَْوْقَاصُ: جَمْعُ وَقَصٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وَقَدْ تَسْكُنُ الْقَافُ، وَالْوَقَصُ مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: قِصَرُ الْعُنُقِ، كَأَنَّمَا رَدٌّ فِي جَوْفِ الصَّدْرِ. وَالْكَسْرُ: يُقَال: وُقِصَتْ عُنُقُهُ أَيْ: كُسِرَتْ وَدَقَّتْ. (١) وَقَدِ اسْتُعْمِل فِي الشَّرْعِ: لِمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي أَنْصِبَةِ زَكَاةِ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، أَوْ هُوَ: مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ، أَوْ فِي الْبَقَرِ خَاصَّةً، وَهُوَ وَاحِدُ الأَْوْقَاصِ. فَمَثَلاً إِذَا بَلَغَتِ الْغَنَمُ أَرْبَعِينَ، فَفِيهَا شَاةٌ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ مِائَةً وَعِشْرِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَفِيهَا شَاتَانِ. فَالثَّمَانُونَ الَّتِي بَيْنَ الأَْرْبَعِينَ وَبَيْنَ الْمِائَةِ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ وَقَصٌ. (٢)

стр. 4316

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الأَْشْنَاقُ: ٢ - الأَْشْنَاقُ: جَمَعَ شَنَقٍ، هَذَا وَجَاءَ فِي الْمِصْبَاحِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ أَنَّ الشَّنَقَ بِفَتْحَتَيْنِ: مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُول: هُوَ الْوَقَصُ، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَخُصُّ الشَّنَقَ بِالإِْبِل، وَالْوَقَصَ بِالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. وَفَسَّرَ مَالِكٌ الشَّنَقَ بِمَا يُزَكَّى مِنَ الإِْبِل بِالْغَنَمِ. كَالْخَمْسِ مِنَ الإِْبِل فَفِيهَا شَاةٌ، وَالْعَشْرِ فِيهَا شَاتَانِ، وَالْخَمْسَ عَشْرَةَ فِيهَا ثَلاَثُ شِيَاهٍ، وَالْعِشْرِينَ فِيهَا أَرْبَعٌ. (١) ب - الْعَفْوُ: ٣ - يُقَال لِمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ أَيْضًا: الْعَفْوُ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ عَفَا، وَمِنْ مَعَانِيهِ: الْمَحْوُ وَالإِْسْقَاطُ. (٢) وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُ كَالْوَقَصِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ الَّذِي يَفْصِل بَيْنَ الْوَاجِبَيْنِ فِي زَكَاةِ النَّعَمِ، أَوْ فِي كُل الأَْمْوَال، وَسُمِّيَ عَفْوًا لأَِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، أَيْ لاَ زَكَاةَ فِيهِ. (٣)

стр. 4317

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: أَوْقَاصُ الإِْبِل: ٤ - يُبْحَثُ عَنِ الأَْحْكَامِ الْخَاصَّةِ بِالأَْوْقَاصِ فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاةٍ) أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِزَكَاةِ النَّعَمِ، وَهِيَ الإِْبِل وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، إِذِ الأَْوْقَاصُ كَمَا سَبَقَ: مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ مِنْ كُل الأَْنْعَامِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَرِيضَتَيْنِ النِّصَابَانِ. فَمَا بَيْنَ كُل نِصَابَيْنِ يُعْتَبَرُ وَقْصًا. هَذَا. وَالأَْوْقَاصُ فِي الإِْبِل عَلَى خَمْسِ مَرَاتِبَ: الأُْولَى: الأَْرْبَعَةُ الَّتِي تَفْصِل بَيْنَ مَا تَجِبُ فِيهِ الشَّاةُ وَهِيَ الْخَمْسُ مِنَ الإِْبِل، وَالشَّاتَانِ وَهِيَ الْعَشْرُ، وَالثَّلاَثُ شِيَاهٍ وَهِيَ الْخَمْسَ عَشْرَةَ، وَالأَْرْبَعُ شِيَاهٍ وَهِيَ الْعِشْرُونَ، وَبِنْتُ الْمَخَاضِ وَهِيَ الْخَمْسُ وَالْعِشْرُونَ. الثَّانِيَةُ: الْعَشَرَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَفْصِل بَيْنَ مَا تَجِبُ فِيهِ بِنْتُ الْمَخَاضِ، وَهِيَ الْخَمْسُ وَالْعِشْرُونَ، وَمَا تَجِبُ فِيهِ بِنْتُ اللَّبُونِ وَهِيَ السِّتُّ وَالثَّلاَثُونَ. الثَّالِثَةُ: التِّسْعَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَفْصِل بَيْنَ مَا تَجِبُ فِيهِ بِنْتَ اللَّبُونِ وَهِيَ السِّتُّ وَالثَّلاَثُونَ، وَمَا تَجِبُ فِيهِ الْحِقَّةُ، وَهِيَ السِّتُّ وَالأَْرْبَعُونَ. الرَّابِعَةُ: الأَْرْبَعَ عَشْرَةَ، وَهِيَ الَّتِي تَفْصِل بَيْنَ مَا تَجِبُ فِيهِ الْحِقَّةُ وَهِيَ السِّتُّ وَالأَْرْبَعُونَ، وَمَا تَجِبُ فِيهِ الْجَذَعَةُ وَهِيَ الإِْحْدَى وَالسِّتُّونَ. وَهِيَ الَّتِي تَفْصِل أَيْضًا بَيْنَ مَا تَجِبُ فِيهِ الْجَذَعَةُ وَهِيَ الإِْحْدَى وَالسِّتُّونَ، وَمَا تَجِبُ فِيهِ بِنْتَا اللَّبُونِ وَهِيَ السِّتُّ وَالسَّبْعُونَ، وَالَّتِي تَفْصِل أَيْضًا بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا تَجِبُ فِيهِ الْحِقَّتَانِ وَهِيَ الإِْحْدَى وَالتِّسْعُونَ. الْخَامِسَةُ: التِّسْعُ وَالْعِشْرُونَ، وَهِيَ الَّتِي تَفْصِل بَيْنَ مَا تَجِبُ فِيهِ الْحِقَّتَانِ وَهِيَ الإِْحْدَى وَالتِّسْعُونَ،

стр. 4318

وَمَا تَجِبُ فِيهِ ثَلاَثُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَهِيَ الإِْحْدَى وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِذْ زِيَادَةُ الْوَاحِدَةِ عَلَى الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ تُؤَثِّرُ عِنْدَهُمْ فِي تَغْيِيرِ الْوَاجِبِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ زِيَادَةَ الْوَاحِدَةِ عَلَى الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ لاَ تُؤَثِّرُ فِي تَغْيِيرِ الْوَاجِبِ، وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ عِنْدَهُمْ بِزِيَادَةِ خَمْسٍ، فَيَسْتَمِرُّ أَخْذُ الْحِقَّتَيْنِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ. فَالْمَرْتَبَةُ الْخَامِسَةُ مِنْ مَرَاتِبِ الْوَقَصِ عَلَى هَذَا الْقَوْل تَكُونُ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ. وَالَّذِي ارْتَضَاهُ الإِْمَامُ مَالِكٌ أَنَّ الْوَاجِبَ بَعْدَ الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ يَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةِ عَشْرَةٍ، فَإِنْ كَانَ الزَّائِدُ أَقَل مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ السَّاعِيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ الْحِقَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثِ بَنَاتِ لَبُونٍ. (١) وَالتَّفْصِيل مَعَ الأَْدِلَّةِ وَمَا قِيل فِيهَا مَحَلُّهُ مُصْطَلَحُ: (زَكَاةٍ) . أَوْقَاصُ الْبَقَرِ: ٥ - الأَْوْقَاصُ فِي الْبَقَرِ لاَ تَخْرُجُ عَنْ عَدَدَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التِّسْعَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَفْصِل بَيْنَ مَا يَجِبُ فِيهِ التَّبِيعُ أَوِ التَّبِيعَةُ، وَهُوَ الثَّلاَثُونَ، وَمَا يَجِبُ فِيهِ الْمُسِنَّةُ أَوِ الْمُسِنُّ وَهُوَ الأَْرْبَعُونَ، وَهُوَ الَّتِي تَقَعُ أَيْضًا بَعْدَ الْعَدَدِ الَّذِي يَتَغَيَّرُ فِيهِ الْوَاجِبُ بِزِيَادَةِ عَشْرَةٍ اتِّفَاقًا وَهُوَ السِّتُّونَ، وَمَا فَوْقَهَا كَالتِّسْعَةِ الَّتِي بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ. وَالسَّبْعِينَ وَالثَّمَانِينَ. وَهَكَذَا. (٢)

стр. 4319

الثَّانِي: التِّسْعَةَ عَشَرَ، وَهِيَ الَّتِي تَفْصِل بَيْنَ الْعَدَدِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الْمُسِنَّةُ أَوِ الْمُسِنُّ عَلَى خِلاَفٍ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الأَْرْبَعُونَ، وَالْعَدَدُ الَّذِي يَتَغَيَّرُ بَعْدَهُ الْوَاجِبُ بِزِيَادَةِ عَشْرَةٍ وَهُوَ السِّتُّونَ، فَإِنَّهَا وَقَصٌ لاَ زَكَاةَ فِيهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. (١) هَذَا وَتَذْكُرُ كُتُبُ الْحَنَفِيَّةِ ثَلاَثَ رِوَايَاتٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْبَقَرِ إِذَا زَادَ عَدَدُهَا عَلَى الأَْرْبَعِينَ. سَيَأْتِي ذِكْرُهَا. أَوْقَاصُ الْغَنَمِ: ٦ - الأَْوْقَاصُ فِي الْغَنَمِ تَكُونُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: أَوَّلاً: الثَّمَانُونَ، وَهِيَ الَّتِي تَفْصِل بَيْنَ مَا تَجِبُ فِيهِ الشَّاةُ الْوَاحِدَةُ وَهِيَ الأَْرْبَعُونَ، وَمَا تَجِبُ فِيهِ الشَّاتَانِ وَهِيَ الإِْحْدَى وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ. ثَانِيًا: التِّسْعُ وَالسَّبْعُونَ، وَهِيَ الَّتِي تَفْصِل بَيْنَ مَا تَجِبُ فِيهِ الشَّاتَانِ وَهِيَ الإِْحْدَى وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ، وَمَا تَجِبُ فِيهِ الثَّلاَثُ الشِّيَاهِ وَهِيَ الْوَاحِدَةُ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ. ثَالِثًا: التِّسْعُ وَالتِّسْعُونَ، وَهِيَ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ الْعَدَدِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الثَّلاَثُ الشِّيَاهِ وَهُوَ الْوَاحِدُ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ وَقَبْل الْعَدَدِ الَّذِي يَتَغَيَّرُ بَعْدَهُ الْوَاجِبُ بِزِيَادَةِ

стр. 4320

مِائَةٍ وَهُوَ الثَّلاَثُمِائَةِ، فَيَسْتَمِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقَصُ عَلَى تِسْعٍ وَتِسْعِينَ (١) . زَكَاةُ أَوْقَاصِ الإِْبِل: ٧ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي زَكَاةِ أَوْقَاصِ الإِْبِل قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لاَ زَكَاةَ فِيهَا؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالنِّصَابِ فَقَطْ؛ وَلأَِنَّ الْوَقَصَ عَفْوٌ بَعْدَ النِّصَابِ كَمَا هُوَ عَفْوٌ أَيْضًا قَبْل النِّصَابِ، فَالأَْرْبَعَةُ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ الْخَمْسَةِ وَقَبْل الْعَشَرَةِ عَفْوٌ، إِذْ هِيَ كَالأَْرْبَعَةِ الْوَاقِعَةِ قَبْل الْخَمْسِ. وَهَذَا الْقَوْل هُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ أَيْضًا أَحَدُ قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَوْل الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ. (٢) الثَّانِي: أَنَّهَا تُزَكَّى، وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَيْضًا الْقَوْل الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ الإِْمَامُ مَالِكٌ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةِ الْبُوَيْطِيِّ، وَدَلِيل هَذَا الْقَوْل حَدِيثُ أَنَسٍ: فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِْبِل فَمَا دُونَهَا مِنَ الْغَنَمِ فِي كُل خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاَثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، (٣) فَجَعَل الْفَرْضَ فِي النِّصَابِ وَمَا زَادَ. وَلأَِنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى نِصَابٍ فَلَمْ يَكُنْ عَفْوًا، كَالزِّيَادَةِ عَلَى نِصَابِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ. (٤)

стр. 4321

وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلاَفِ - كَمَا جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ - فِيمَنْ مَلَكَ تِسْعًا مِنَ الإِْبِل، فَهَلَكَ بَعْدَ الْحَوْل مِنْهَا أَرْبَعَةٌ لَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ عَلَى الأَْوَّل، وَيَسْقُطُ عَلَى الثَّانِي أَرْبَعَةُ أَتْسَاعِ شَاةٍ. (١) هَذَا وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الأَْوْقَاصَ لاَ زَكَاةَ فِيهَا قَوْلاً وَاحِدًا؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالنِّصَابِ فَقَطْ، فَلَوْ كَانَ لَهُ تِسْعُ إِبِلٍ مَغْصُوبَةٍ حَوْلاً، فَخَلَصَ مِنْهَا بَعِيرًا، لَزِمَهُ خُمُسِ شَاةٍ. (٢) زَكَاةُ أَوْقَاصِ الْبَقَرِ: ٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي زَكَاةِ مَا زَادَ عَلَى الأَْرْبَعِينَ إِلَى السِّتِّينَ مِنَ الْبَقَرِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَقْصٌ لاَ زَكَاةَ فِيهَا، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، وَدَلِيل هَذَا الْقَوْل أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل ثَلاَثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُل أَرْبَعِينَ مُسِنًّا أَوْ مُسِنَّةً، فَقَالُوا: الأَْوْقَاصَ، فَقَال: مَا أَمَرَنِي فِيهَا بِشَيْءٍ، وَسَأَسْأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ سَأَلَهُ عَنِ الأَْوْقَاصِ فَقَال: لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ (٣) . وَفَسَّرُوهَا بِمَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ؛ وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي الزَّكَاةِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كُل وَاجِبَيْنِ وَقْصٌ،

стр. 4322

لأَِنَّ تَوَالِيَ الْوَاجِبَاتِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِيهَا، لاَ سِيَّمَا فِيمَا يُؤَدِّي إِلَى التَّشْقِيصِ فِي الْمَوَاشِي. (١) الثَّانِي: وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الأَْصْل عَنْهُ - وَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ - أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الأَْرْبَعِينَ يَجِبُ فِيهِ بِحِسَابِهِ إِلَى السِّتِّينَ، فَفِي الْوَاحِدَةِ الزَّائِدَةِ رُبُعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ، أَوْ ثُلُثُ عُشْرِ التَّبِيعِ، وَفِي الثِّنْتَيْنِ نِصْفُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ أَوْ ثُلُثَا عُشْرِ تَبِيعٍ وَهَكَذَا. وَدَلِيل هَذَا الْقَوْل هُوَ أَنَّ الْمَال سَبَبُ الْوُجُوبِ، وَنَصْبُ النِّصَابِ بِالرَّأْيِ لاَ يَجُوزُ، وَكَذَا إِخْلاَؤُهُ عَنِ الْوَاجِبِ بَعْدَ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاذٍ فَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِرَسُول اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فِي الصَّحِيحِ. (٢) الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ - وَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ - أَنَّهُ لاَ شَيْءَ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا مُسِنَّةٌ وَرُبُعُ مُسِنَّةٍ أَوْ ثُلُثُ تَبِيعٍ. وَدَلِيل هَذَا الْقَوْل هُوَ أَنَّ الأَْوْقَاصَ مِنَ الْبَقَرِ تِسْعٌ تِسْعٌ، كَمَا قَبْل الأَْرْبَعِينَ وَبَعْدَ السِّتِّينَ، فَكَذَا هُنَا. (٣) : زَكَاةُ أَوْقَاصِ الْغَنَمِ: ٩ - وَلاَ زَكَاةَ فِي أَوْقَاصِ الْغَنَمِ بِالاِتِّفَاقِ (٤)

стр. 4323

أَوْقَافٌ انْظُرْ وَقْفٌ. أُوقِيَّةٌ انْظُرْ مَقَادِيرَ. أَوْلَوِيَّةٌ التَّعْرِيفُ ١ - الأَْوْلَوِيَّةُ لُغَةً: مَصْدَرٌ صِنَاعِيٌّ لِلأَْوَّل، أَيْ كَوْنُ الشَّيْءِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ. وَيُقَال: هُوَ أَوْلَى بِكَذَا: أَيْ أَحْرَى بِهِ وَأَجْدَرُ وَأَقْرَبُ وَأَحَقُّ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَلِيِّ: وَهُوَ الْقُرْبُ. (١) وَقَدِ اسْتَعْمَل الأُْصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ الأَْوْلَى بِمَعْنَى: الأَْحْرَى وَالأَْفْضَل، إِلاَّ أَنَّ أَفْعَل التَّفْضِيل هُنَا عَلَى غَيْرِ بَابِهِ، بِدَلِيل أَنَّ مُقَابِل الأَْوْلَى - وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِخِلاَفِ الأَْوْلَى - لاَ فَضْل فِيهِ، بَل فِيهِ نَوْعُ كَرَاهَةٍ خَفِيفَةٍ. كَمَا اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ الأَْوْلَى أَيْضًا بِمَعْنَى

стр. 4324

الأَْحَقِّ، عَلَى غَيْرِ بَابِ أَفْعَل التَّفْضِيل أَيْضًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلشَّيْءِ دُونَ غَيْرِهِ. (١) الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: أَوَّلاً: ٢ - يُعَبِّرُ الأُْصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ أَحْيَانًا عَنِ النَّدْبِ الْخَفِيفِ بِالأَْوْلَى، وَقَدْ يَقُولُونَ: إِنَّ الأَْمْرَ عَلَى سَبِيل الأَْوْلَوِيَّةِ. (٢) ثَانِيًا: ٣ - الأَْمْرُ بِالشَّيْءِ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ فِي الْجُمْلَةِ، فَالأَْمْرُ بِفِعْل الْمَنْدُوبَاتِ يُسْتَفَادُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِهَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ تَرْكُ الْمَنْدُوبِ لاَ يَسْتَوْجِبُ إِثْمًا، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ التَّرْكِ بِأَنَّهُ خِلاَفُ الأَْوْلَى. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ خِلاَفَ الأَْوْلَى فَقَدْ أَسَاءَ. وَالإِْسَاءَةُ عِنْدَهُمْ دُونَ الْكَرَاهَةِ، أَوْ أَفْحَشُ، أَوْ أَنَّهَا وَسَطٌ بَيْنَ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَالتَّحْرِيمِ. (٣) ثَالِثًا: الدَّلاَلَةُ وَالْفَحْوَى: ٤ - مِنْ أَنْوَاعِ الدَّلاَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ " الدَّلاَلَةُ وَالْفَحْوَى " وَهِيَ: ثُبُوتُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ لِلْمَسْكُوتِ لِفَهْمِ مَنَاطِ الْحُكْمِ بِاللُّغَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٤) وَيُفْهَمُ مِنْهُ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ؛ لأَِجْل أَنَّ مَنَاطَ النَّهْيِ عَنْهُ هُوَ الإِْيذَاءُ، وَهَذَا مَفْهُومٌ لُغَةً، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلاَلٍ، فَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَمِنْ

стр. 4325

جُزْئِيَّاتِهِ الضَّرْبُ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ أَيْضًا، وَلاَ يَجِبُ فِي الدَّلاَلَةِ أَوْلَوِيَّةُ الْمَسْكُوتِ فِي تَحَقُّقِ الْمَنَاطِ فِيهِ. وَقِيل: إِنَّهُ تَنْبِيهٌ بِالأَْدْنَى عَلَى الأَْعْلَى فَتُشْتَرَطُ الأَْوْلَوِيَّةُ عَلَى هَذَا، وَيَخْرُجُ مَا فِيهِ مُسَاوَاةٌ، وَيُسَمَّى الأَْوَّل عِنْدَئِذٍ فَحْوَى الْخِطَابِ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ (الْمَفْهُومُ الأَْوَّل) وَيُسَمَّى الثَّانِي (لَحْنُ الْخِطَابِ) . وَالْمَشْهُورُ أَنَّ فَحْوَى الْخِطَابِ وَلَحْنَ الْخِطَابِ مُتَرَادِفَانِ. (١) رَابِعًا: قِيَاسُ الأَْوْلَى: ٥ - مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ: الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ، وَهُوَ: مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، أَوْ كَانَ تَأْثِيرُ الْفَارِقِ فِيهِ احْتِمَالاً ضَعِيفًا. فَالأَْوَّل كَقِيَاسِ الأَْمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي تَقْوِيمِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ عَلَى شَرِيكِهِ الْمُعْتَقِ الْمُوسِرِ وَعِتْقُهَا عَلَيْهِ. وَمِثَال مَا كَانَ فِيهِ تَأْثِيرُ الْفَارِقِ احْتِمَالاً ضَعِيفًا: قِيَاسُ الْعَمْيَاءِ عَلَى الْعَوْرَاءِ فِي الْمَنْعِ مِنَ التَّضْحِيَةِ، حَيْثُ إِنَّ الْعَمْيَاءَ تُرْشَدُ لِلْمَرْعَى الْحَسَنِ، بِخِلاَفِ الْعَوْرَاءِ، فَإِنَّهَا تُوكَل إِلَى بَصَرِهَا - وَهُوَ نَاقِصٌ - فَلاَ تَسْمَنُ، فَيَكُونُ الْعَوَرُ مَظِنَّةَ الْهُزَال. وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَنْظُورَ إِلَيْهِ فِي عَدَمِ الإِْجْزَاءِ نَقْصُ الْجَمَال بِسَبَبِ نَقْصِ تَمَامِ الْخِلْقَةِ، لاَ نَقْصِ السِّمَنِ. وَقِيل: الْجَلِيُّ: الْقِيَاسُ الأَْوَّل، كَقِيَاسِ الضَّرْبِ عَلَى التَّأْفِيفِ فِي التَّحْرِيمِ، وَعَلَى التَّعْرِيفِ الأَْوَّل يَصْدُقُ بِالأَْوْلَى كَالْمُسَاوِي. (٢) وَهُنَاكَ خِلاَفٌ فِي كَوْنِ قِيَاسِ الأَْوَّل مِنَ الْقِيَاسِ الأُْصُولِيِّ أَوِ اللُّغَوِيِّ، يُنْظَرُ فِي مَحَلِّهِ. (٣) وَتَمَامُ الْكَلاَمِ عَلَى مَا سَبَقَ مَحَلُّهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.

стр. 4326

خَامِسًا: ٦ - مِنَ الأَْلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الأَْوْلَوِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَحْيَانًا كَلِمَةُ (لاَ بَأْسَ) ، لَكِنِ الْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهَا فِيمَا تَرْكُهُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تُسْتَعْمَل فِي الْمَنْدُوبِ أَحْيَانًا، فَإِنْ قَالُوا: لاَ بَأْسَ بِكَذَا دَل عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ غَيْرُهُ غَالِبًا. (١) مِنْ مَوَاطِنِ الْبَحْثِ: ٧ - يَذْكُرُ الأُْصُولِيُّونَ مَبَاحِثَ الأَْوْلَوِيَّةِ وَالأَْوْلَى فِي مَبَاحِثِ الْحُكْمِ وَأَنْوَاعِهِ، وَفِي مَبَاحِثِ الدَّلاَلَةِ وَأَنْوَاعِ الْقِيَاسِ كَمَا تَقَدَّمَ. كَمَا يَذْكُرُهَا الْفُقَهَاءُ بِمُنَاسَبَةِ الْكَلاَمِ عَلَى صِيغَةِ " لاَ بَأْسَ " وَفِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ بِحَسَبِ الْمُنَاسَبَاتِ كَالأَْوْلَى بِالإِْمَامَةِ وَبِالصَّلاَةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَالدَّفْنِ وَالذَّبْحِ فِي الْحَجِّ وَبِالْحَضَانَةِ وَتَرْبِيَةِ اللَّقِيطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. أَوْلِيَاءٌ انْظُرْ: وِلاَيَةٌ. إِيَاسٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْيَاسُ مِنَ الشَّيْءِ، وَالْيَأْسُ مِنْهُ: انْقِطَاعُ

стр. 4327

الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ وَالأَْمَل فِيهِ (وَالْيَأْسُ) مَصْدَرُ يَئِسَ يَيْأَسُ فَهُوَ يَائِسٌ. وَقَدْ وَرَدَ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ كَثِيرًا: أَيِسَ يَيْأَسُ فَهُوَ آيِسٌ. (١) هَذَا، وَيُقَال لِلرَّجُل يَائِسٌ وَآيِسٌ، وَلِلْمَرْأَةِ يَائِسَةٌ وَآيِسَةٌ، لَكِنْ إِنْ أُرِيدَ يَأْسُهَا مِنَ الْحَيْضِ خَاصَّةً قِيل: هِيَ آيِسٌ، (٢) بِدُونِ تَاءٍ. وَهُوَ الأَْحْرَى عَلَى قَوَاعِدِ اللُّغَةِ، وَيَرِدُ فِيهَا أَيْضًا فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ كَثِيرًا: آيِسَةٌ. (٣) هَذَا، وَيَرِدُ الْيَأْسُ وَالإِْيَاسُ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَيَيْنِ: الأَْوَّل، وَهُوَ اصْطِلاَحٌ لَهُمْ: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى انْقِطَاعِ الْحَيْضِ عَنِ الْمَرْأَةِ بِسَبَبِ الْكِبَرِ وَالطَّعْنِ فِي السِّنِّ. وَالثَّانِي: هُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ الْمُتَقَدِّمُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: الْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُمْ: تَوْبَةُ الْيَائِسِ أَيْ تَوْبَةُ مَنْ يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ أَحْكَامِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ. أَوَّلاً: الإِْيَاسُ بِمَعْنَى انْقِطَاعِ الْحَيْضِ بِسَبَبِ الْكِبَرِ: ٢ - الإِْيَاسُ دُورٌ مِنْ حَيَاةِ الْمَرْأَةِ، يَنْقَطِعُ فِيهِ الْحَيْضُ

стр. 4328

وَالْحَمْل، بِسَبَبِ تَغَيُّرَاتٍ تَطْرَأُ عَلَى جِسْمِهَا. وَيُرَافِقُ هَذَا الاِنْقِطَاعَ اضْطِرَابٌ فِي وَظَائِفِ الأَْعْضَاءِ، وَاضْطِرَابَاتٌ نَفْسِيَّةٌ. (١) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْقُعُودُ: ٣ - قُعُودُ الْمَرْأَةِ بِمَعْنَى إِيَاسِهَا. فَقَدْ فَسَّرَهُ أَهْل اللُّغَةِ بِانْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَالْوَلَدِ عَنْهَا. قَال ابْنُ السِّكِّيتِ: امْرَأَةٌ قَاعِدٌ إِذَا قَعَدَتْ عَنِ الْمَحِيضِ. فَإِذَا أَرَدْتَ الْقُعُودَ قُلْتَ: هِيَ قَاعِدَةٌ. وَجَمْعُهَا قَوَاعِدُ. وَقَدْ فُسِّرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) بِمَنِ انْقَطَعَ عَنْهُنَّ الْحَيْضُ. وَقَال الزَّجَّاجُ: هُنَّ اللاَّتِي قَعَدْنَ عَنِ الأَْزْوَاجِ. (٣) ب - الْعُقْرُ وَالْعُقُمُ: ٤ - الْمَرْأَةُ الْعَاقِرُ: هِيَ الَّتِي لاَ تَلِدُ. وَيُقَال لِلرَّجُل أَيْضًا: عَاقِرٌ، إِنْ كَانَ لاَ يُولَدُ لَهُ. وَالْعُقُمُ أَيْضًا فِي الْمَرْأَةِ وَالرَّجُل، يُقَال: قَدْ عَقُمَتِ الْمَرْأَةُ بِمَعْنَى: أَعْقَمَهَا اللَّهُ. فَهِيَ عَقِيمٌ وَمَعْقُومَةٌ. وَيُقَال لِلرَّجُل أَيْضًا: عَقِيمٌ، إِنْ كَانَ لاَ يُولَدُ لَهُ. (٤) وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمَرْأَةَ يُقَال لَهَا: عَاقِرٌ وَعَقِيمٌ، إِذَا كَانَتْ لاَ تَحْمِل وَلَوْ كَانَتْ ذَاتَ حَيْضٍ، وَبِهَذَا تُخَالِفُ الآْيِسَةَ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تَكُونُ آيِسَةً إِلاَّ إِذَا امْتَنَعَ عَنْهَا الْحَيْضُ بِسَبَبِ السِّنِّ، ثُمَّ إِنِ امْتَنَعَ الْحَيْضُ بِسَبَبِ ذَلِكَ امْتَنَعَ الْحَمْل عَادَةً وَلاَ بُدَّ. فَكُل آيِسَةٍ عَقِيمٌ، وَلاَ عَكْسَ.

стр. 4329

ج - امْتِدَادُ الطُّهْرِ: ٥ - قَدْ يُمْتَنَعُ الْحَيْضُ عَنِ الْمَرْأَةِ قَبْل سِنِّ الإِْيَاسِ لِعَارِضٍ مِنْ هُزَالٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ رَضَاعٍ، فَلاَ يُسَمَّى ذَلِكَ يَأْسًا. وَقَدْ يَكُونُ امْتِنَاعُهُ لِسَبَبٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، فَيُقَال لَهَا فِي كُل تِلْكَ الأَْحْوَال (مُمْتَدَّةُ الطُّهْرِ) أَوْ (مُنْقَطِعَةُ الْحَيْضِ) . وَفَرَّقَ فِي (الدُّرِّ الْمُنْتَقَى) بَيْنَ هَذَيْنِ الاِصْطِلاَحَيْنِ فَقَال: مُنْقَطِعَةُ الْحَيْضِ: هِيَ الَّتِي بَلَغَتْ بِالسِّنِّ وَلَمْ تَحِضْ قَطُّ. وَمُرْتَفِعَةُ الْحَيْضِ: هِيَ مَنْ حَاضَتْ وَلَوْ مَرَّةً، ثُمَّ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا وَامْتَدَّ طُهْرُهَا، وَلِذَا تُسَمَّى مُمْتَدَّةَ الطُّهْرِ. (١) سِنُّ الإِْيَاسِ: ٦ - يُقَرِّرُ الأَْطِبَّاءُ أَنَّ وَظِيفَةَ الْحَمْل لَدَى الْمَرْأَةِ تَسْتَمِرُّ لَدَيْهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ ٣٥ عَامًا، تَتَعَطَّل لَدَيْهَا بَعْدَهَا وَظِيفَةُ الْحَمْل وَالإِْنْجَابِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ سِنِّ الإِْيَاسِ عَلَى أَقْوَالٍ: (١) فَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ حَدَّ لأَِكْثَرِهِ. وَعَلَيْهِ فَأَيُّ سِنٍّ رَأَتْ فِيهَا الدَّمَ فَهُوَ حَيْضٌ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ السِّتِّينَ. وَهَذَا قَوْل بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ. قَالُوا: لاَ يُحَدُّ الإِْيَاسُ بِمُدَّةٍ، بَل إِيَاسُهَا أَنْ تَبْلُغَ مِنَ السِّنِّ مَا لاَ يَحِيضُ مِثْلُهَا فِيهِ. فَإِذَا بَلَغَتْهُ، وَانْقَطَعَ دَمُهَا، حُكِمَ بِإِيَاسِهَا. فَمَا رَأَتْهُ بَعْدَ الاِنْقِطَاعِ حَيْضٌ، فَيَبْطُل بِهِ الاِعْتِدَادُ بِالأَْشْهُرِ، وَتَفْسُدُ الأَْنْكِحَةُ أَيْ يَظْهَرُ فَسَادُ نِكَاحِهَا إِنْ كَانَتِ اعْتَدَّتْ بِالأَْشْهُرِ وَتَزَوَّجَتْ، ثُمَّ رَأَتِ الدَّمَ. (٢)

стр. 4330

(٢) وَقِيل: يُحَدُّ بِخَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، هُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، قِيل فِيهِ إِنَّ عَلَيْهِ الاِعْتِمَادَ، وَإِنَّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ الْمَشَايِخِ، فَمَا رَأَتْهُ مِنَ الدَّمِ بَعْدَهَا فَلَيْسَ بِحَيْضٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ دَمًا خَالِصًا فَحَيْضٌ، حَتَّى يَبْطُل بِهِ الاِعْتِدَادُ بِالأَْشْهُرِ، إِنْ جَاءَهَا قَبْل تَمَامِ الأَْشْهُرِ لاَ بَعْدَهَا، حَتَّى لاَ تَفْسُدَ الأَْنْكِحَةُ، قَالُوا: وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى، وَعَلَيْهِ فَالنِّكَاحُ إِنْ وَقَعَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الأَْشْهُرِ ثُمَّ رَأَتِ الدَّمَ جَائِزٌ. (١) (٣) وَقِيل يُحَدُّ بِخَمْسِينَ سَنَةً، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، قَال صَاحِبُ الدُّرِّ: عَلَيْهِ الْمُعَوَّل وَالْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. (٢) وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بِقَوْل عَائِشَةَ ﵂: " لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ ". (٤) وَقِيل يُحَدُّ سِنُّ الْيَأْسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُل امْرَأَةٍ بِيَأْسِ نِسَاءِ عَشِيرَتِهَا مِنَ الأَْبَوَيْنِ؛ لِتَقَارُبِهِنَّ فِي الطَّبْعِ. فَإِذَا بَلَغَتِ السِّنَّ الَّذِي يَنْقَطِعُ فِيهِ حَيْضُهُنَّ فَقَدْ بَلَغَتْ سِنَّ الْيَأْسِ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. (٣) (٥) وَالْقَوْل الْجَدِيدُ لِلشَّافِعِيِّ: الْمُعْتَبَرُ سِنُّ الْيَأْسِ لِجَمِيعِ النِّسَاءِ بِحَسَبِ مَا يَبْلُغُ الْخَبَرُ عَنْهُنَّ. وَأَقْصَاهُ فِيمَا عُلِمَ اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً. وَقِيل: سِتُّونَ. وَقِيل خَمْسُونَ. (٤)

стр. 4331

(٦) وَقِيل بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ بَعْضِ الأَْجْنَاسِ وَبَعْضٍ، فَهُوَ لِلْعَرَبِيَّاتِ سِتُّونَ عَامًا، وَلِلْعَجَمِيَّاتِ خَمْسُونَ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأَِنَّ الْعَرَبِيَّةَ أَقْوَى طَبِيعَةً. (١) (٧) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِيمَا نَقَلَهُ الْخِرَقِيُّ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ الإِْيَاسَ لَهُ حَدَّانِ: أَعْلَى وَأَدْنَى. فَأَقَلُّهُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا خَمْسُونَ سَنَةً. وَأَعْلاَهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ سَبْعُونَ. قَالُوا: فَمَنْ بَلَغَتْ سَبْعِينَ فَدَمُهَا غَيْرُ حَيْضٍ قَطْعًا. وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْ خَمْسِينَ فَدَمُهَا حَيْضٌ قَطْعًا. وَلاَ يُسْأَل النِّسَاءُ - أَيْ ذَوَاتُ الْخِبْرَةِ - فِيهِمَا. وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ يُرْجَعُ فِيهِ لِلنِّسَاءِ؛ لأَِنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ. (٢) وَأَعْلاَهُ عِنْدَ أَحْمَدَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ سِتُّونَ سَنَةً، تَيْأَسُ بَعْدَهَا يَقِينًا. وَمَا بَيْنَ الْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ مِنَ الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، لاَ تَتْرُكْ لَهُ الصَّوْمَ وَالصَّلاَةَ. وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ احْتِيَاطًا. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ مَتَى بَلَغَتِ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ فَانْقَطَعَ حَيْضُهَا عَنْ عَادَتِهَا عِدَّةَ مَرَّاتٍ لِغَيْرِ سَبَبٍ فَقَدْ صَارَتْ آيِسَةً؛ لأَِنَّ وُجُودَ الْحَيْضِ فِي حَقِّ هَذِهِ نَادِرٌ، بِدَلِيل قِلَّةِ وُجُودِهِ، وَقَوْل عَائِشَةَ: لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى هَذَا انْقِطَاعُهُ عَنِ الْعَادَةِ مَرَّاتٍ حَصَل الْيَأْسُ مِنْ وُجُودِهِ، فَلَهَا حِينَئِذٍ أَنْ تَعْتَدَّ بِالأَْشْهُرِ، وَإِنِ انْقَطَعَ قَبْل ذَلِكَ فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لاَ تَدْرِي مَا رَفَعَهُ - أَيْ فَتَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ لاِسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ، وَثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ لِلْعِدَّةِ - وَإِنْ رَأَتِ

стр. 4332

الدَّمَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ عَلَى الْعَادَةِ الَّتِي كَانَتْ تَرَاهُ فِيهَا فَهُوَ حَيْضٌ فِي الصَّحِيح؛ لأَِنَّ دَلِيل الْحَيْضِ الْوُجُودُ فِي زَمَنِ الإِْمْكَانِ، وَهَذَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْحَيْضِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ نَادِرًا. وَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ السِّتِّينَ فَقَدْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ. (١) اشْتِرَاطُ انْقِطَاعِ الدَّمِ مُدَّةً قَبْل الْحُكْمِ بِالإِْيَاسِ: ٧ - ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ الْحَنَفِيَّةُ فِي سِيَاقِ الْقَوْل بِأَنَّ سِنَّ الإِْيَاسِ ٥٠ أَوْ ٥٥ عَامًا، قَالُوا: يُشْتَرَطُ لِلْحُكْمِ بِالإِْيَاسِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ أَنْ يَنْقَطِعَ الدَّمُ عَنْهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، وَهِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فِي الأَْصَحِّ. قَالُوا: وَالأَْصَحُّ أَلاَّ يَشْتَرِطَ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ مُدَّةِ الإِْيَاسِ. بَل لَوْ كَانَ مُنْقَطِعًا قَبْل مُدَّةِ الإِْيَاسِ، ثُمَّ تَمَّتْ مُدَّةُ الإِْيَاسِ، وَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا يُحْكَمُ بِإِيَاسِهَا وَتَعْتَدُّ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ. (٢) وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذَا الشَّرْطِ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ. إِيَاسُ مَنْ لَمْ تَحِضْ: ٨ - لَمْ يَعْرِضْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالنَّصِّ عَلَيْهَا فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ. فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتْ بِالسِّنِّ، وَاسْتَمَرَّ امْتِنَاعُ الْحَيْضِ، فَإِنَّهَا يُحْكَمُ بِإِيَاسِهَا مَتَى بَلَغَتْ ثَلاَثِينَ عَامًا. نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنِ الْجَامِعِ. (٣) وَمُقْتَضَى إِطْلاَقِ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِإِيَاسِهَا إِلاَّ مَتَى بَلَغَتْ سِنَّ الإِْيَاسِ الْمُعْتَبَرِ، كَغَيْرِهَا.

стр. 4333

السُّنَّةُ وَالْبِدْعَةُ فِي تَطْلِيقِ الآْيِسَةِ: ٩ - السُّنَّةُ فِي طَلاَقِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ فِي طُهْرٍ لَمْ يَأْتِهَا فِيهِ زَوْجُهَا، أَوْ أَثْنَاءَ الْحَمْل. أَمَّا طَلاَقُهَا أَثْنَاءَ الْحَيْضِ، أَوْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ، فَإِنَّهُ طَلاَقٌ بِدْعِيٌّ. وَأَمَّا الآْيِسَةُ مِنَ الْحَيْضِ فَقَدْ قِيل: لاَ سُنَّةَ لِطَلاَقِهَا وَلاَ بِدْعَةَ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: السُّنَّةُ فِي طَلاَقِهَا أَنْ تَطْلُقَ عَلَى رَأْسِ كُل شَهْرٍ طَلْقَةً. وَقِيل: طَلاَقُهَا طَلاَقٌ سُنِّيٌّ وَلَوْ بَعْدَ الْوَطْءِ. (١) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (طَلاَقٍ) . عِدَّةُ طَلاَقِ الآْيِسَةِ: ١٠ - تَعْتَدُّ ذَاتُ الأَْقْرَاءِ مِنَ الطَّلاَقِ بِثَلاَثَةِ أَقْرَاءٍ. وَالْحَامِل عِدَّتُهَا إِلَى وَضْعِ حَمْلِهَا، أَمَّا الَّتِي أَيِسَتْ مِنَ الْحَيْضِ، إِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَعِدَّتُهَا مِنَ الطَّلاَقِ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الطَّلاَقِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ﴾ . (٣) وَالتَّفْصِيل فِي (عِدَّةٍ) . مَنْ تَأْخُذُ حُكْمَ الآْيِسَةِ مِنَ النِّسَاءِ: ١١ - إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ إِذَا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا، وَعَرَفَتْ مَا رَفَعَهُ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نِفَاسٍ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ زَوَال الْعَارِضِ وَعَوْدَ الدَّمِ وَإِنْ طَال، إِلاَّ أَنْ تَصِيرَ فِي سِنِّ

стр. 4334

الْيَأْسِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الآْيِسَاتِ. (١) أَمَّا إِنْ كَانَ ارْتِفَاعُ حَيْضِهَا لِسَبَبٍ لاَ تَعْلَمُهُ، وَكَانَتْ حُرَّةً، فَقَدْ قِيل: تَتَرَبَّصُ سَنَةً: تِسْعَةَ أَشْهُرٍ لِلْحَمْل، ثُمَّ تَعْتَدُّ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ كَالآْيِسَةِ. وَقِيل فِي مُدَّةِ تَرَبُّصِهَا غَيْرُ ذَلِكَ (٢) (ر: عِدَّةٌ) . أَحْكَامُ اللِّبَاسِ وَالنَّظَرِ وَنَحْوِهِمَا بِالنِّسْبَةِ لِلآْيِسَةِ: ١٢ - إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اجْتَمَعَ لَهَا مَعَ الإِْيَاسِ انْقِطَاعُ رَجَائِهَا فِي النِّكَاحِ ثَبَتَ لَهَا نَوْعٌ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي كَمَال الاِسْتِتَارِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ (٣) ، قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا: هُنَّ الْعُجَّزُ اللَّوَاتِي قَعَدْنَ عَنِ التَّصَرُّفِ مِنِ السِّنِّ، وَقَعَدْنَ عَنِ الْوَلَدِ وَالْمَحِيضِ. هَذَا قَوْل أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَال أَبُو عُبَيْدَةَ: هُنَّ اللاَّتِي قَعَدْنَ عَنِ الْوَلَدِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْعُدُ عَنِ الْوَلَدِ، وَفِيهَا مُسْتَمْتَعٌ. وَإِنَّمَا خَصَّ الْقَوَاعِدَ بِهَذَا الْحُكْمِ - وَهُوَ جَوَازُ وَضْعِ الْجِلْبَابِ أَوِ الرِّدَاءِ عَنْهُنَّ، إِذَا كَانَ مَا تَحْتَهُ مِنَ الثِّيَابِ سَاتِرًا لِمَا يَجِبُ سِتْرُهُ - لاِنْصِرَافِ الأَْنْفُسِ

стр. 4335

عَنْهُنَّ، وَقِيل: لاَ بَأْسَ بِالنَّظَرِ مِنْهَا إِلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، إِذْ لاَ مَذْهَبَ لِلرِّجَال فِيهِنَّ، فَأُبِيحَ لَهُنَّ مَا لَمْ يُبَحْ لِغَيْرِهِنَّ، وَأُزِيل عَنْهُنَّ كُلْفَةُ التَّحَفُّظِ الْمُتْعِبَةِ لَهُنَّ. (١) ثَانِيًا: الإِْيَاسُ بِمَعْنَى انْقِطَاعِ الرَّجَاءِ ١٣ - الإِْيَاسُ مِنْ حُصُول بَعْضِ الأَْشْيَاءِ جَائِزٌ وَلاَ بَأْسَ بِهِ. بَل اسْتِحْضَارُ الإِْيَاسِ مِنْ بَعْضِ الأَْشْيَاءِ الْبَعِيدَةِ الْحُصُول قَدْ يَكُونُ رَاحَةً لِلنَّفْسِ مِنْ تَطَلُّبِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ أَجْمَعُ الإِْيَاسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ. (٢) وَلَكِنْ لاَ يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ الْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ الإِْيَاسِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الإِْيَاسُ مِنَ الرِّزْقِ أَوْ نَحْوِهِ كَالْوَلَدِ، أَوْ وُجُودِ الْمَفْقُودِ، أَوْ يَأْسِ الْمَرِيضِ مِنَ الْعَافِيَةِ، أَوْ يَأْسِ الْمُذْنِبِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ. وَالإِْيَاسِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَقَدْ عَدَّهُ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْكَبَائِرِ. قَال ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ: عَدُّ ذَلِكَ كَبِيرَةً هُوَ مَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ؛ لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ

стр. 4336

اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ . (٢) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِل: مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالإِْيَاسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالأَْمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَهَذَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ (٣) قِيل: وَالأَْشْبَهُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا، وَبِكَوْنِهِ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ صَرَّحَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالطَّبَرَانِيُّ. ثُمَّ قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَإِنَّمَا كَانَ الْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ مِنَ الْكَبَائِرِ لأَِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَ النُّصُوصِ الْقَطْعِيَّةِ. ثُمَّ هَذَا الْيَأْسُ قَدْ يَنْضَمُّ إِلَيْهِ حَالَةٌ هِيَ أَشَدُّ مِنْهُ، وَهِيَ التَّصْمِيمُ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ الرَّحْمَةِ لَهُ، وَهَذَا هُوَ الْقُنُوطُ، بِحَسَبِ مَا دَل عَلَيْهِ سِيَاقُ الآْيَةِ: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ (٤) وَتَارَةً يَنْضَمُّ إِلَيْهِ أَنَّهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ عَدَمَ وُقُوعِ الرَّحْمَةِ لَهُ يَرَى أَنَّهُ سَيُشَدِّدُ عَذَابَهُ كَالْكُفَّارِ. وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِسُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى. (٥) وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْيَأْسِ مِنَ الرِّزْقِ فِي مِثْل قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِحَبَّةٍ وَسَوَاءٍ ابْنَيْ خَالِدِ لاَ تَيْأَسَا مِنَ الرِّزْقِ مَا تَهَزْهَزَتْ رُءُوسُكُمَا. (٦) وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْقَنُوطِ بِسَبَبِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ أَوْ

стр. 4337

حُلُول الْمُصِيبَةِ فِي مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآِيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . (١) وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْيَأْسِ مِنْ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . (٢) فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لاَ يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ، فَرَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كُل شَيْءٍ. وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ فَالإِْنَابَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَطْلُوبَةٌ، وَبَابُ التَّوْبَةِ إِلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ جَمِيعًا مَفْتُوحٌ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ، أَيْ حِينَ يَيْأَسُ مِنَ الْحَيَاةِ. فَتَوْبَةُ الْيَائِسِ - وَهِيَ تَوْبَةُ مَنْ يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ كَالْمُحْتَضَرِ - الْمَشْهُورُ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، كَإِيمَانِ الْيَائِسِ. وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ. وَفَرَّقَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ تَوْبَةِ الْيَائِسِ وَإِيمَانِ الْيَائِسِ، فَقَالُوا بِقَبُول الأَْوَّل دُونَ الثَّانِي (٣) (ر: احْتِضَارٌ. تَوْبَةٌ) . أَمَّا مَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ فَإِنَّهُ هُوَ الْيَائِسُ حَقًّا مِنْ مَغْفِرَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، (٤) بِخِلاَفِ مَنْ مَاتَ عَلَى الإِْيمَانِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُرْجَى لَهُ.

стр. 4338

أَيَامَى انْظُرْ نِكَاحٌ. إِيتَارٌ انْظُرْ وَتْرٌ. إِيتِمَانٌ انْظُرْ أَمَانَةٌ. إِيجَابٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْيجَابُ: لُغَةً مَصْدَرُ أَوْجَبَ. يُقَال أَوْجَبَ الأَْمْرَ عَلَى النَّاسِ إِيجَابًا: أَيْ أَلْزَمَهُمْ بِهِ إِلْزَامًا، وَيُقَال: وَجَبَ الْبَيْعُ يَجِبُ وُجُوبًا أَيْ: لَزِمَ وَثَبَتَ، وَأَوْجَبَهُ إِيجَابًا: أَلْزَمَهُ إِلْزَامًا. (١) وَاصْطِلاَحًا: يُطْلَقُ عَلَى عِدَّةِ مَعَانٍ، مِنْهَا:

стр. 4339

طَلَبُ الشَّارِعِ الْفِعْل عَلَى سَبِيل الإِْلْزَامِ، وَهُوَ بِهَذَا يُخَالِفُ الاِخْتِيَارَ. وَمِنْهَا: التَّلَفُّظُ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الإِْيجَابُ: هُوَ مَا صَدَرَ أَوَّلاً مِنْ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ بِصِيغَةٍ صَالِحَةٍ لإِِفَادَةِ الْعَقْدِ، وَالْقَبُول: مَا صَدَرَ ثَانِيًا مِنْ أَيِّ جَانِبٍ كَانَ. وَيَرَى غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الإِْيجَابَ: مَا صَدَرَ مِنَ الْبَائِعِ، وَالْمُؤَجِّرِ، وَالزَّوْجَةِ، أَوْ وَلِيِّهَا، عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، سَوَاءٌ صَدَرَ أَوَّلاً أَوْ آخِرًا؛ لأَِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ سَيُمَلِّكُونَ: الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ الْمَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَأْجِرَ مَنْفَعَةَ الْعَيْنِ، وَالزَّوْجَ الْعِصْمَةَ، وَهَكَذَا. (١) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْفَرْضُ: ٢ - يَأْتِي الْفَرْضُ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا بِمَعْنَى: الإِْيجَابِ يُقَال: فَرَضَ اللَّهُ الأَْحْكَامَ فَرْضًا أَيْ أَوْجَبَهَا، وَلاَ فَرْقَ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالإِْيجَابِ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَالْفَرْضُ: مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ لاَ شُبْهَةَ فِيهِ، وَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ إِذَا كَانَ مِمَّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. وَالْوَاجِبُ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ كَالْقِيَاسِ. (٢)

стр. 4340

ب - الْوُجُوبُ: وَهُوَ أَثَرُ الإِْيجَابِ، فَالإِْيجَابُ مِنَ الْحَاكِمِ بِهِ، وَالْوُجُوبُ صِفَةُ الْفِعْل الْمَحْكُومِ فِيهِ، فَمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ صَارَ بِإِيجَابِهِ وَاجِبًا. ج - النَّدْبُ: وَهُوَ طَلَبُ الشَّارِعِ الْفِعْل لاَ عَلَى وَجْهِ الإِْلْزَامِ بِهِ، كَصَلاَةِ النَّافِلَةِ. مَصْدَرُ الإِْيجَابِ الشَّرْعِيِّ: ٣ - الإِْيجَابُ الشَّرْعِيُّ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَِنَّهُ خِطَابُ الشَّرْعِ لِلْمُكَلَّفِينَ بِمَا يُوجِبُهُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ يُوجِبُ الإِْنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ فِعْل طَاعَةٍ بِالنَّذْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ شَرْعًا؛ لإِِيجَابِ اللَّهِ الْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ، كَأَنْ يَنْذُرَ شَخْصٌ صَوْمَ أَيَّامٍ، أَوْ حَجَّ الْبَيْتِ، أَوْ صَدَقَةً مُعَيَّنَةً. وَيُنْظَرُ لِتَفَاصِيل أَحْكَامِ الْوَاجِبِ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ. الإِْيجَابُ فِي الْمُعَامَلاَتِ: ٤ - يَكُونُ الإِْيجَابُ بِاللَّفْظِ، وَهُوَ الأَْكْثَرُ. وَيَكُونُ بِالإِْشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ مِنَ الأَْبْكَمِ وَنَحْوِهِ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ. وَقَدْ يَكُونُ بِالْفِعْل كَمَا فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ. وَقَدْ يَكُونُ بِالْكِتَابَةِ. وَيَكُونُ الإِْيجَابُ بِالرِّسَالَةِ أَوِ الرَّسُول، إِذْ يُعْتَبَرُ مَجْلِسُ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَوِ الرَّسُول، وَعِلْمُهُ بِمَا فِيهَا، هُوَ مَجْلِسُ الإِْيجَابِ. (١)

стр. 4341

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ، وَالْخِلاَفُ فِيهِ، فِي أَبْوَابِ الْمُعَامَلاَتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَخَاصَّةً الْبُيُوعُ، وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَ (إِرْسَالٍ. إِشَارَةٍ. عَقْدٍ) . شُرُوطُ صِحَّةِ الإِْيجَابِ فِي الْعُقُودِ: ٥ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِْيجَابِ فِي الْعُقُودِ شُرُوطٌ أَهَمُّهَا: أَهْلِيَّةُ الْمُوجِبِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صِيغَةٌ، وَعَقْدٌ) . خِيَارُ الإِْيجَابِ: ٦ - يَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ - مِثْل الْحَنَفِيَّةِ - أَنَّ لِلْمُوجِبِ حَقَّ الرُّجُوعِ قَبْل الْقَبُول، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْمُوجِبَ لَوْ رَجَعَ عَمَّا أَوْجَبَهُ لِصَاحِبِهِ قَبْل أَنْ يُجِيبَهُ الآْخَرُ، لاَ يُفِيدُهُ رُجُوعُهُ إِذَا أَجَابَهُ صَاحِبُهُ بِالْقَبُول، وَلاَ يَمْلِكُ أَنْ يَرْجِعَ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ خِيَارَ الْمَجْلِسِ، وَهُوَ يَقْتَضِي جَوَازَ رُجُوعِ الْمُوجِبِ عَنْ إِيجَابِهِ حَتَّى بَعْدَ قَبُول الْعَاقِدِ الآْخَرِ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى يَصِحُّ رُجُوعُهُ قَبْل اتِّصَال الْقَبُول بِهِ. (١) إِيجَارٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْيجَارُ: مَصْدَرُ آجَرَ، وَفِعْلُهُ الثُّلاَثِيُّ أَجَرَ.

стр. 4342

يُقَال: آجَرَ الشَّيْءُ يُؤَجِّرُهُ إِيجَارًا. وَيُقَال: آجَرَ فُلاَنٌ فُلاَنًا دَارَهُ أَيْ: عَاقَدَهُ عَلَيْهَا. وَالْمُؤَاجَرَةُ: الإِْثَابَةُ وَإِعْطَاءُ الأَْجْرِ. وَآجَرْتُ الدَّارَ أُوجِرُهَا إِيجَارًا، فَهِيَ مُؤَجَّرَةٌ. وَالاِسْمُ: الإِْجَارَةُ. وَلِلتَّفْصِيل (ر: إِجَارَةٌ ج ١ ٢٥٢) وَالإِْيجَارُ (أَيْضًا) مَصْدَرٌ لِلْفِعْل أَوْجَرَ، وَفِعْلُهُ الثُّلاَثِيُّ (وَجَرَ) ، يُقَال: أَوْجَرَهُ: إِذَا أَلْقَى الْوُجُورَ فِي حَلْقِهِ. (١) هَذَا فِي اللُّغَةِ، وَلَمْ يَخْرُجِ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ الإِْيجَارَ بِمَعْنَى: صَبِّ اللَّبَنِ أَوِ الدَّوَاءِ أَوْ غَيْرِهِمَا فِي الْحَلْقِ. (٢) وَاشْتَهَرَ عِنْدَهُمُ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الإِْجَارَةِ بِمَعْنَى: بَيْعِ الْمَنْفَعَةِ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ إِيجَارَ لَبَنِ امْرَأَةٍ فِي حَلْقِ طِفْلٍ رَضِيعٍ فِيمَا بَيْنَ الْحَوْلَيْنِ يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ، كَارْتِضَاعِهِ مِنْ ثَدْيِهَا؛ لأَِنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي التَّحْرِيمِ هُوَ حُصُول الْغِذَاءِ بِاللَّبَنِ وَإِنْبَاتِ اللَّحْمِ وَإِنْشَازِ الْعَظْمِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ رَضَاعَ إِلاَّ مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ (٣) وَذَلِكَ يَحْصُل بِالإِْيجَارِ؛ لأَِنَّهُ يَصِل إِلَى الْجَوْفِ، وَبِذَلِكَ يُسَاوِي الاِرْتِضَاعَ

стр. 4343

مِنَ الثَّدْيِ فِي التَّحْرِيمِ. وَفِي هَذَا خِلاَفٌ لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ، مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ أَيْضًا فِي عَدَدِ الرَّضَعَاتِ الَّتِي تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ. وَلِلتَّفْصِيل (ر: رَضَاعٌ) . وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي وُصُول شَيْءٍ لِجَوْفِ الصَّائِمِ بِالإِْيجَارِ مُكْرَهًا، هَل يَصِيرُ بِهِ مُفْطِرًا أَمْ لاَ؟ يَقُول الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: لَوْ أَوْجَرَ الصَّائِمُ مُكْرَهًا، أَوْ كَانَ نَائِمًا وَصُبَّ فِي حَلْقِهِ شَيْءٌ، كَانَ مُفْطِرًا بِذَلِكَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: مَنْ أُوجِرَ مُكْرَهًا لَمْ يَكُنْ مُفْطِرًا بِذَلِكَ؛ لاِنْتِفَاءِ الْفِعْل وَالْقَصْدِ مِنْهُ، وَلِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. (١) مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٣ - يَأْتِي تَفْصِيل الإِْيجَارِ بِمَعْنَى صَبِّ شَيْءٍ فِي الْحَلْقِ فِي الرَّضَاعِ وَالصَّوْمِ، كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ، وَذَلِكَ بِإِيجَارِ سُمٍّ فِي فَمِ إِنْسَانٍ. إِيدَاعٌ انْظُرْ وَدِيعَةً

стр. 4344

إِيصَاءٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْيصَاءُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ أَوْصَى، يُقَال: أَوْصَى فُلاَنٌ بِكَذَا يُوصِي إِيصَاءً، وَالاِسْمُ الْوِصَايَةُ (بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا) وَهُوَ: أَنْ يَعْهَدَ إِلَى غَيْرِهِ فِي الْقِيَامِ بِأَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْقِيَامُ بِذَلِكَ الأَْمْرِ فِي حَال حَيَاةِ الطَّالِبِ أَمْ كَانَ بَعْدَ وَفَاتِهِ. (١) وَفِي الْمُغْرِبِ: أَوْصَى زَيْدٌ لِعُمَرَ بِكَذَا إِيصَاءً، وَقَدْ وَصَّى بِهِ تَوْصِيَةً، وَالْوَصِيَّةُ وَالْوَصَاةُ اسْمَانِ فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ، وَمِنْهُ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا﴾ (٢) وَالْوِصَايَةُ بِالْكَسْرِ مَصْدَرُ الْوَصِيِّ. وَقِيل الإِْيصَاءُ: طَلَبُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِهِ لِيَفْعَلَهُ عَلَى غَيْبٍ مِنْهُ حَال حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ (٣) أَمَّا فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ، فَالإِْيصَاءُ بِمَعْنَى الْوَصِيَّةِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ إِقَامَةُ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ مَقَامَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي تَصَرُّفٍ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، أَوْ فِي تَدْبِيرِ شُئُونِ أَوْلاَدِهِ الصِّغَارِ وَرِعَايَتِهِمْ، وَذَلِكَ الشَّخْصُ الْمُقَامُ يُسَمَّى الْوَصِيُّ. أَمَّا إِقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ فِي الْقِيَامِ بِأَمْرٍ فِي حَال حَيَاتِهِ، فَلاَ يُقَال لَهُ فِي الاِصْطِلاَحِ إِيصَاءٌ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ وَكَالَةٌ. (٤)

стр. 4345

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْوَصِيَّةُ: ٢ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ أَعَمُّ مِنَ الإِْيصَاءِ، فَهِيَ عِنْدَهُمْ، تَصْدُقُ عَلَى التَّمْلِيكِ الْمُضَافِ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ، وَتَصْدُقُ عَلَى الإِْيصَاءِ، وَهُوَ طَلَبُ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِهِ لِيَفْعَلَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، كَقَضَاءِ دُيُونِهِ وَتَزْوِيجِ بَنَاتِهِ. (١) وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ وَالإِْيصَاءَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. فَقَدْ عَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهَا: عَقْدٌ يُوجِبُ حَقًّا فِي ثُلُثِ مَال الْعَاقِدِ يَلْزَمُ بِمَوْتِهِ، أَوْ يُوجِبُ نِيَابَةً عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ (٢) وَعَرَّفَهَا بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: (٣) بِأَنَّهَا الأَْمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَوِ التَّبَرُّعِ بِالْمَال بَعْدَهُ. فَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ التَّعْرِيفَيْنِ يُفِيدُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ قَدْ تَكُونُ بِالتَّبَرُّعِ بِالْمَال بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَدْ تَكُونُ بِإِقَامَةِ الْمُوصِي غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي أَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَهِيَ شَامِلَةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، فَكِلاَهُمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْوَصِيَّةِ. ب - الْوِلاَيَةُ: ٣ - الْوِلاَيَةُ هِيَ: الْقُدْرَةُ عَلَى إِنْشَاءِ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ النَّافِذَةِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إِجَازَةِ أَحَدٍ. فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْعُقُودُ وَالتَّصَرُّفَاتُ مُتَعَلِّقَةً بِمَنْ قَامَ بِهَا سُمِّيَتِ الْوِلاَيَةُ وِلاَيَةً قَاصِرَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِغَيْرِهِ سُمِّيَتِ الْوِلاَيَةُ وِلاَيَةً مُتَعَدِّيَةً، وَهَذِهِ
следующие страницы →