← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وَيَجُوزُ تَسْعِيرُ الأُْجُورِ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال. (١) وَفِي كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ تَحْتَ عِنْوَانِ (إِجَارَة) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٣ - يَتَعَرَّضُ الْفُقَهَاءُ لِمَسَائِل الأُْجْرَةِ ضِمْنَ مَبَاحِثِ الإِْجَارَةِ. وَيَتَعَرَّضُونَ لأَِخْذِ الأُْجْرَةِ عَلَى فِعْل الْقُرُبَاتِ ضِمْنَ مَبَاحِثِ الأَْذَانِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ، وَلأَِخْذِهَا عَلَى الْقِسْمَةِ ضِمْنَ مَبَاحِثِ الْقِسْمَةِ، وَلأَِخْذِ الرَّهْنِ أَوِ الْكَفِيل بِالأُْجْرَةِ ضِمْنَ مَبَاحِثِ الرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ، وَلِتَسْعِيرِهَا ضِمْنَ مَسَائِل التَّسْعِيرِ، مِنَ الْبُيُوعِ، وَلِجَعْل الأُْجْرَةِ مَنْفَعَةً مُمَاثِلَةً ضِمْنَ مَسَائِل الرِّبَا، وَبَعْضِ مَبَاحِثِ الْوَقْفِ. أُجْرَةُ الْمِثْل انْظُرْ: إِجَارَة.

стр. 562

إِجْزَاء التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْجْزَاءُ فِي اللُّغَةِ الْكِفَايَةُ وَالإِْغْنَاءُ. (١) وَهُوَ شَرْعًا: إِغْنَاءُ الْفِعْل عَنِ الْمَطْلُوبِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْجَوَازُ: ٢ - يَفْتَرِقُ الإِْجْزَاءُ عَنْ الْجَوَازِ بِأَنَّ الإِْجْزَاءَ يَكُونُ بِأَدَاءِ الْمَطْلُوبِ وَلَوْ دُونَ زِيَادَةٍ كَمَا ذُكِرَ. أَمَّا الْجَوَازُ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَا لاَ يَمْتَنِعُ شَرْعًا. (٢) الْحِل: كَمَا يَفْتَرِقُ الإِْجْزَاءُ عَنِ الْحِل بِأَنَّ الإِْجْزَاءَ قَدْ

стр. 563

يَكُونُ مَعَ الشَّوَائِبِ، أَمَّا الْحِل، فَهُوَ الإِْجْزَاءُ الْخَالِصُ مِنْ كُل شَائِبَةٍ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْكَرَاهَةَ قَدْ تُجَامِعُ الإِْجْزَاءَ، وَلَكِنَّهَا لاَ تُجَامِعُ الْحِل فِي بَعْضِ الإِْطْلاَقَاتِ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٣ - يَكُونُ التَّصَرُّفُ مُجْزِئًا إِذَا اسْتَجْمَعَ شَرَائِطَهُ وَأَرْكَانَهُ وَوَاجِبَاتِهِ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَيُجْزِئُ فِي الْوُضُوءِ الإِْتْيَانُ بِفَرَائِضِهِ دُونَ سُنَنِهِ وَمُسْتَحَبَّاتِهِ. وَيُجْزِئُ فِي الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ التَّطَهُّرُ بِأَحَدِ الْمِيَاهِ السَّبْعَةِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ الَّذِي جَرَى التَّطَهُّرُ بِهِ مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ، عِنْدَ الْجُمْهُورِ. كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. وَنَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ تَجِدُهُ فِي أَبْوَابِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (١) .

стр. 564

أَجَلٌ التَّعْرِيفُ: ١ - أَجَل الشَّيْءِ لُغَةً: مُدَّتُهُ وَوَقْتُهُ الَّذِي يَحُل فِيهِ، وَهُوَ مَصْدَرُ أَجِل الشَّيْءُ أَجَلاً مِنْ بَابِ تَعِبَ، وَأَجَّلْتُهُ تَأْجِيلاً جَعَلْتُ لَهُ أَجَلاً، وَالآْجِل - عَلَى وَزْنِ فَاعِلٍ - خِلاَفُ الْعَاجِل (١) . إِطْلاَقَاتُ الأَْجَل فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ٢ - وَرَدَ إِطْلاَقُ الأَْجَل عَلَى أُمُورٍ: أ - عَلَى نِهَايَةِ الْحَيَاةِ: قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِكُل أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٢) . ب - وَعَلَى نِهَايَةِ الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ أَجَلاً لاِنْتِهَاءِ الْتِزَامٍ أَوْ لأَِدَائِهِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣) ج - وَعَلَى الْمُدَّةِ أَوِ الزَّمَنِ. قَال جَل شَأْنُهُ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الأَْرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ . (٤)

стр. 565

الأَْجَل فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: ٣ - الأَْجَل هُوَ الْمُدَّةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ الَّتِي يُضَافُ إِلَيْهَا أَمْرٌ مِنَ الأُْمُورِ، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الإِْضَافَةُ أَجَلاً لِلْوَفَاءِ بِالْتِزَامٍ، أَوْ أَجَلاً لإِِنْهَاءِ الْتِزَامٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ مُقَرَّرَةً بِالشَّرْعِ، أَوْ بِالْقَضَاءِ، أَوْ بِإِرَادَةِ الْمُلْتَزِمِ فَرْدًا أَوْ أَكْثَرَ. وَهَذَا التَّعْرِيفُ يَشْمَل: أَوَّلاً: الأَْجَل الشَّرْعِيَّ، وَهُوَ الْمُدَّةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ الَّتِي حَدَّدَهَا الْمُشَرِّعُ الْحَكِيمُ سَبَبًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، كَالْعِدَّةِ. ثَانِيًا: الأَْجَل الْقَضَائِيَّ: وَهُوَ الْمُدَّةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ الَّتِي يُحَدِّدُهَا الْقَضَاءُ أَجَلاً لأَِمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ كَإِحْضَارِ الْخَصْمِ، أَوِ الْبَيِّنَةِ. ثَالِثًا: الأَْجَل الاِتِّفَاقِيَّ، وَهُوَ الْمُدَّةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ الَّتِي يُحَدِّدُهَا الْمُلْتَزِمُ مَوْعِدًا لِلْوَفَاءِ بِالْتِزَامِهِ (أَجَل الإِْضَافَةِ) ، أَوْ لإِِنْهَاءِ تَنْفِيذِ هَذَا الاِلْتِزَامِ (أَجَل التَّوْقِيتِ) سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يَتِمُّ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ بِإِرَادَةٍ مُنْفَرِدَةٍ أَوْ بِإِرَادَتَيْنِ (١) . خَصَائِصُ الأَْجَل: ٤ - أ - (الأَْجَل هُوَ زَمَنٌ مُسْتَقْبَلٌ) ب - الأَْجَل هُوَ أَمْرٌ مُحَقَّقُ الْوُقُوعِ (٢) . وَتِلْكَ خَاصِّيَّةُ الزَّمَنِ، وَفِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ يَقُول الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: " إِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى الإِْضَافَةِ تَأْخِيرُ الْحُكْمِ الْمُسَبَّبِ إِلَى وُجُودِ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي هُوَ كَائِنٌ

стр. 566

لاَ مَحَالَةَ، إِذِ الزَّمَانُ مِنْ لَوَازِمِ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، فَ الإِْضَافَةُ إِلَيْهِ إِضَافَةٌ إِلَى مَا قُطِعَ بِوُجُودِهِ " (١) . ج - الأَْجَل أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْل التَّصَرُّفِ. وَذَلِكَ يُحَقِّقُهُ أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ قَدْ تَتِمُّ مُنَجَّزَةً، وَتَتَرَتَّبُ أَحْكَامُهَا عَلَيْهَا فَوْرَ صُدُورِ التَّصَرُّفِ، وَلاَ يَلْحَقُهَا تَأْجِيلٌ، وَقَدْ يَلْحَقُهَا الأَْجَل، كَتَأْجِيل الدَّيْنِ، أَوِ الْعَيْنِ أَوْ تَأْجِيل تَنْفِيذِ آثَارِ الْعَقْدِ (فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ) قَال السَّرَخْسِيُّ وَالْكَاسَانِيُّ مَا حَاصِلُهُ: إِنَّ الأَْجَل يُعْتَبَرُ أَمْرًا لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَإِنَّمَا شُرِعَ رِعَايَةً لِلْمَدِينِ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: التَّعْلِيقُ: ٥ - هُوَ لُغَةً: رَبْطُ أَمْرٍ بِآخَرَ. وَاصْطِلاَحًا: أَنْ يُرْبَطَ أَثَرُ تَصَرُّفٍ بِوُجُودِ أَمْرٍ مَعْدُومٍ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالأَْجَل أَنَّ التَّعْلِيقَ يَمْنَعُ الْمُعَلَّقَ عَنْ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْحُكْمِ فِي الْحَال، أَمَّا الأَْجَل فَلاَ صِلَةَ لَهُ بِالسَّبَبِ وَإِنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ زَمَنِ فِعْل التَّصَرُّفِ. الإِْضَافَةُ: ٦ - هِيَ لُغَةً: نِسْبَةُ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ مُطْلَقًا. وَاصْطِلاَحًا: تَأْخِيرُ أَمْرِ التَّصَرُّفِ عَنْ وَقْتِ التَّكَلُّمِ إِلَى

стр. 567

زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ يُحَدِّدُهُ الْمُتَصَرِّفُ بِغَيْرِ أَدَاةِ شَرْطٍ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الإِْضَافَةِ وَالأَْجَل أَنَّ الإِْضَافَةَ فِيهَا تَصَرُّفٌ وَأَجَلٌ، فِي حِينِ أَنَّ الأَْجَل قَدْ يَخْلُو مِنْ إِيقَاعِ تَصَرُّفٍ. فَفِي كُل إِضَافَةٍ أَجَلٌ (١) . التَّوْقِيتُ: ٧ - هُوَ لُغَةً: تَقْدِيرُ زَمَنِ الشَّيْءِ. وَاصْطِلاَحًا ثُبُوتُ الشَّيْءِ فِي الْحَال وَانْتِهَاؤُهُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ. فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَْجَل أَنَّ الأَْجَل وَقْتٌ مَضْرُوبٌ مَحْدُودٌ فِي الْمُسْتَقْبَل (٢) . الْمُدَّةُ: (٣) ٨ - بِاسْتِقْصَاءِ مَا يُوجَدُ فِي الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ نَجِدُ أَنَّ لِلْمُدَّةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ اسْتِعْمَالاَتٍ أَرْبَعَةً: هِيَ مُدَّةُ الإِْضَافَةِ ، وَمُدَّةُ التَّوْقِيتِ، وَمُدَّةُ التَّنْجِيمِ، وَمُدَّةُ الاِسْتِعْجَال. وَبَيَانُهَا فِيمَا يَلِي: مُدَّةُ الإِْضَافَةِ: ٩ - وَهِيَ الْمُدَّةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ الَّتِي يُضَافُ إِلَيْهَا ابْتِدَاءً تَنْفِيذُ آثَارِ الْعَقْدِ، أَوْ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ، أَوْ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ (لِلدَّيْنِ) . فَمِثَال الأَْوَّل مَا إِذَا قَال: " إِذَا جَاءَ عِيدُ الأَْضْحَى فَقَدْ وَكَّلْتُكَ فِي شِرَاءِ أُضْحِيَةٍ لِي " فَقَدْ

стр. 568

أَضَافَ عَقْدَ الْوَكَالَةِ إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَقَدْ صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ (١) . وَمِثَال الثَّانِي: مَا جَاءَ فِي السَّلَمِ، مِنْ إِضَافَةِ الْعَيْنِ الْمُسْلَمِ فِيهَا إِلَى زَمَنٍ مَعْلُومٍ لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. (٢) وَمِثَال الثَّالِثِ: مَا إِذَا بَاعَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ . (٣) مُدَّةُ التَّوْقِيتِ: ١٠ - وَهِيَ الْمُدَّةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ الَّتِي يَسْتَمِرُّ فِيهَا تَنْفِيذُ الاِلْتِزَامِ حَتَّى انْقِضَائِهَا، وَذَلِكَ كَمَا فِي الْعُقُودِ الْمُؤَقَّتَةِ، كَمَا فِي الإِْجَارَةِ، فَإِنَّهَا لاَ تَصِحُّ إِلاَّ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، أَوْ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ يَتِمُّ فِي زَمَنٍ، وَبِانْتِهَائِهَا يَنْتَهِي عَقْدُ الإِْجَارَةِ (٤) وَمُدَّةُ عَقْدِ الإِْجَارَةِ تُعْتَبَرُ أَجَلاً. مِصْدَاقَ

стр. 569

ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قَال ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيُّمَا الأَْجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُول وَكِيلٌ﴾ كَمَا أَنَّ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ تَجْعَل " التَّأْجِيل تَحْدِيدَ الْوَقْتِ " " وَالتَّوْقِيتَ تَحْدِيدَ الأَْوْقَاتِ، يُقَال: وَقَّتَهُ لِيَوْمِ كَذَا تَوْقِيتًا مِثْل أَجَّل ". (١) مُدَّةُ التَّنْجِيمِ (٢) : ١١ - جَاءَ فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ: النَّجْمُ لُغَةً الْوَقْتُ الْمَضْرُوبُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمُنَجَّمُ، وَيُقَال: نَجَّمَ الْمَال تَنْجِيمًا إِذَا أَدَّاهُ نُجُومًا (أَقْسَاطًا) ، وَالتَّنْجِيمُ اصْطِلاَحًا هُوَ " التَّأْخِيرُ لأَِجَلٍ مَعْلُومٍ، نَجْمًا أَوْ نَجْمَيْنِ " (٣) أَوْ هُوَ " الْمَال الْمُؤَجَّل بِأَجَلَيْنِ فَصَاعِدًا، يَعْلَمُ قِسْطَ كُل نَجْمٍ وَمُدَّتَهُ مِنْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا " (٤) فَالتَّنْجِيمُ نَوْعٌ مِنَ الأَْجَل يَرِدُ عَلَى الدَّيْنِ الْمُؤَجَّل فَيُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ بَعْضِهِ عِنْدَ زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ يَلِيهِ الْبَعْضُ الآْخَرُ لِزَمَنٍ آخَرَ مَعْلُومٍ يَلِي الزَّمَنَ الأَْوَّل وَهَكَذَا. وَمِنْ بَيْنِ مَا بَرَزَ فِيهِ التَّنْجِيمُ: أ - دَيْنُ الْكِتَابَةِ: فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ تَنْجِيمِ مَال الْكِتَابَةِ. (وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابَةِ اتِّفَاقُ السَّيِّدِ

стр. 570

وَعَبْدِهِ عَلَى مَالٍ يَنَال الْعَبْدُ نَظِيرَهُ حُرِّيَّةَ التَّصَرُّفِ فِي الْحَال، وَالرَّقَبَةِ فِي الْمَآل، بَعْدَ أَدَاءِ الْمَال) ، وَاخْتَلَفُوا فِي لُزُومِ ذَلِكَ، فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْكِتَابَةَ لاَ تَكُونُ إِلاَّ بِمَالٍ مُؤَجَّلٍ مُنَجَّمٍ، وَسَيَأْتِي التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ فِي الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ. وَالْفِقْهُ الإِْسْلاَمِيُّ يَجْعَل التَّنْجِيمَ نَوْعًا مِنَ الأَْجَل. ب - الدِّيَةُ فِي الْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ: تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةً مُنَجَّمَةً عَلَى ثَلاَثِ سَنَوَاتٍ فِي كُل سَنَةٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. ج - الأُْجْرَةُ: جَاءَ فِي الْمُغْنِي أَنَّهُ " إِذَا شَرَطَ تَأْجِيل الأَْجْرِ فَهُوَ إِلَى أَجَلِهِ، وَإِنْ شَرَطَهُ مُنَجَّمًا يَوْمًا يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا شَهْرًا، أَوْ أَقَل مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ، فَهُوَ عَلَى مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ إِجَارَةَ الْعَيْنِ كَبَيْعِهَا، وَبَيْعُهَا يَصِحُّ بِثَمَنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ، فَكَذَلِكَ إِجَارَتُهَا ". (١) مُدَّةُ الاِسْتِعْجَال: ١٢ - الْمُرَادُ بِهَا: الْوَقْتُ الَّذِي يُقْصَدُ بِذِكْرِهِ فِي الْعَقْدِ اسْتِعْجَال آثَارِ الْعَقْدِ، وَذِكْرُ الْوَقْتِ لِلاِسْتِعْجَال تَعَرَّضَ لَهُ الْفُقَهَاءُ فِي الإِْجَارَةِ، فَقَالُوا إِنَّ الإِْجَارَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْقِدَهَا عَلَى مُدَّةٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَعْقِدَهَا عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ، وَمَتَى تَقَدَّرَتِ الْمُدَّةُ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيرُ الْعَمَل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يُزِيدُ

стр. 571

الإِْجَارَةَ غَرَرًا؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَفْرُغُ مِنَ الْعَمَل قَبْل انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ. فَإِنِ اسْتُعْمِل فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ فَقَدْ زَادَ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَل كَانَ تَارِكًا لِلْعَمَل فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ، وَقَدْ لاَ يَفْرُغُ مِنَ الْعَمَل فِي الْمُدَّةِ، فَإِنْ أَتَمَّهُ عَمِل فِي غَيْرِ الْمُدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَهَذَا غَرَرٌ، أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فِي مَحَل الْوِفَاقِ، فَلَمْ يَجُزِ الْعَقْدُ مَعَهُ. وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ تَجُوزُ الإِْجَارَةُ هُنَا؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ مَعْقُودَةٌ عَلَى الْعَمَل، وَالْمُدَّةُ مَذْكُورَةٌ لِلتَّعْجِيل فَلاَ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا إِذَا فَرَغَ مِنَ الْعَمَل قَبْل انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ، كَمَا لَوْ قَضَى الدَّيْنَ قَبْل أَجَلِهِ، وَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ قَبْل الْعَمَل فَلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الإِْجَارَةِ؛ لأَِنَّ الأَْجِيرَ لَمْ يَفِ لَهُ بِشَرْطِهِ، وَإِنْ رَضِيَ بِالْبَقَاءِ عَلَيْهِ لَمْ يَمْلِكِ الأَْجِيرُ الْفَسْخَ؛ لأَِنَّ الإِْخْلاَل بِالشَّرْطِ مِنْهُ، فَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ وَسِيلَةً إِلَى الْفَسْخِ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ أَدَاءُ الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي وَقْتِهِ فَيَمْلِكُ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ الْفَسْخَ. وَيَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُ، فَإِنِ اخْتَارَ إِمْضَاءَ الْعَقْدِ طَالَبَهُ بِالْعَمَل لاَ غَيْرَ، كَالْمُسْلِمِ إِذَا صَبَرَ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ إِلَى حِينِ وُجُودِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنَ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَإِنْ فَسَخَ الْعَقْدَ قَبْل عَمَل شَيْءٍ مِنَ الْعَمَل سَقَطَ الأَْجْرُ وَالْعَمَل، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ عَمَل شَيْءٍ مِنْهُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ قَدِ انْفَسَخَ فَسَقَطَ الْمُسَمَّى، وَرَجَعَ إِلَى أَجَل الْمِثْل (١) .

стр. 572

تَقْسِيمَاتُ الأَْجَل بِاعْتِبَارِ مَصْدَرِهِ يَنْقَسِمُ الأَْجَل بِاعْتِبَارِ مَصْدَرِهِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: أَجَلٍ شَرْعِيٍّ، وَأَجَلٍ قَضَائِيٍّ، وَأَجَلٍ اتِّفَاقِيٍّ. وَنَتَنَاوَل فِيمَا يَلِي التَّعْرِيفَ بِكُل قِسْمٍ، وَذِكْرَ مَا يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مِنْ أَنْوَاعٍ. جَاعِلِينَ لِكُل قِسْمٍ فَصْلاً مُسْتَقِلًّا. الْفَصْل الأَْوَّل الأَْجَل الشَّرْعِيُّ الأَْجَل الشَّرْعِيُّ: هُوَ الْمُدَّةُ الَّتِي حَدَّدَهَا الشَّرْعُ الْحَكِيمُ سَبَبًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ. وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذَا النَّوْعِ الآْجَال الآْتِيَةُ: مُدَّةُ الْحَمْل: ١٣ - مُدَّةُ الْحَمْل هِيَ الزَّمَنُ الَّذِي يَمْكُثُهُ الْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْفِقْهُ الإِْسْلاَمِيُّ أَقَل مُدَّةِ الْحَمْل وَأَكْثَرَهُ، وَقَدِ اسْتُنْبِطَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ مِمَّا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الأَْثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الأَْسْوَدِ أَنَّهُ: رُفِعَ إِلَى عُمَرَ أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِهَا، فَقَال لَهُ عَلِيٌّ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (١) وَقَال تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ (٢) فَحَوْلاَنِ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ ثَلاَثُونَ شَهْرًا، لاَ رَجْمَ عَلَيْهَا. فَخَلَّى عُمَرُ سَبِيلَهَا، وَوَلَدَتْ مَرَّةً

стр. 573

أُخْرَى لِذَلِكَ الْحَدِّ (١) . كَمَا بَيَّنَ الْفِقْهُ الإِْسْلاَمِيُّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْل، فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) أَنَّهَا أَرْبَعُ سَنَوَاتٍ. وَفِي رَأْيٍ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنَّهَا خَمْسُ سَنَوَاتٍ، وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهَا سَنَتَانِ. وَقَدْ جَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْل دَلِيلُهُ الاِسْتِقْرَاءُ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَال: " جَارَتُنَا امْرَأَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلاَنَ، امْرَأَةُ صِدْقٍ، وَزَوْجُهَا رَجُل صِدْقٍ، حَمَلَتْ ثَلاَثَةَ أَبْطُنٍ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، تَحْمِل كُل بَطْنٍ أَرْبَعَ سِنِينَ ". وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ غَيْرِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقِيل إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ حَمَلَتْ أُمُّهُ بِهِ ثَلاَثَ سِنِينَ وَفِي صِحَّتِهِ كَمَا قَال ابْنُ شَيْبَةَ نَظَرٌ؛ لأَِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْل سَنَتَانِ، فَكَيْفَ يُخَالِفُ مَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ؟ " قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَهَذَا مُشْكِلٌ مَعَ كَثْرَةِ الْفَسَادِ فِي هَذَا الزَّمَانِ (٢) ". مُدَّةُ الْهُدْنَةِ (٣) : ١٤ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ مُوَادَعَةُ أَهْل الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، كَمَا وَادَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَهْل مَكَّةَ.

стр. 574

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ أَقَل مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ دُونَ تَحْدِيدٍ، مَا دَامَتْ مَصْلَحَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ مَصْلَحَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ فَلاَ يَجُوزُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَْعْلَوْنَ﴾ . (١) وَيَرَى الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ مُهَادَنَةُ الْمُشْرِكِينَ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، اسْتِنَادًا إِلَى مَا يُرْوَى عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ. فَإِنْ هُودِنَ الْمُشْرِكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَالْهُدْنَةُ مُنْتَقَضَةٌ؛ لأَِنَّ الأَْصْل فَرْضُ قِتَال الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ (٢) . وَالتَّفْصِيلاَتُ فِي مُصْطَلَحِ (هُدْنَةٌ) . مُدَّةُ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ (٣) : ١٥ - مُدَّةُ تَعْرِيفِهَا ثَبَتَتْ بِالشَّرْعِ، وَالأَْصْل فِيهَا مَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ الْجُهَنِيِّ صَاحِبِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: سُئِل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ الذَّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ فَقَال: اعْرَفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا (٤) ، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً. فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ.

стр. 575

وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِْبِل، فَقَال: مَالَكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُل الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا. وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ فَقَال: خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَِخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِلْفُقَهَاءِ فِي الزِّيَادَةِ عَنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَوِ النَّقْصِ مِنْهَا حَسَبَ أَهَمِّيَّةِ الْمَال أَقْوَالٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ (لُقَطَةٌ) . مُدَّةُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ: ١٦ - رَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَاجَهْ فِي السُّنَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل (١) وَقَدِ اعْتُبِرَ الْحَوْل فِي زَكَاةِ السَّوَائِمِ، وَالأَْثْمَانِ (الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) وَقِيَمِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ. وَأَمَّا الزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ وَالْمَعْدِنُ فَإِنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْحَوْل (٢) . مُدَّةُ تَأْجِيل الْعِنِّينِ (٣) : ١٧ - إِذَا ثَبَتَتْ عُنَّةُ الزَّوْجِ ضَرَبَ الْقَاضِي لَهُ سَنَةً كَمَا فَعَل عُمَرُ ﵁، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ

стр. 576

وَغَيْرُهُمَا، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَقَال فِي النِّهَايَةِ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اتِّبَاعِ قَضَاءِ عُمَرَ ﵁ فِي قَاعِدَةِ الْبَابِ. وَالْمَعْنَى فِيهِ مُضِيُّ الْفُصُول الأَْرْبَعَةِ؛ لأَِنَّ تَعَذُّرَ الْجِمَاعِ قَدْ يَكُونُ لِعَارِضِ حَرَارَةٍ فَتَزُول فِي الشِّتَاءِ. أَوْ بُرُودَةٍ فَتَزُول فِي الصَّيْفِ، أَوْ يُبُوسَةٍ فَتَزُول فِي الرَّبِيعِ، أَوْ رُطُوبَةٍ فَتَزُول فِي الْخَرِيفِ. فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ، وَلاَ إِصَابَةَ، عَلِمْنَا أَنَّهُ عَجْزٌ خِلْقِيٌّ (١) . مُدَّةُ الإِْمْهَال فِي الإِْيلاَءِ (٢) : ١٨ - إِذَا آلَى الرَّجُل مِنْ زَوْجَتِهِ أُمْهِل وُجُوبًا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . (٣) فَإِنْ وَطِئَهَا فِي الأَْرْبَعَةِ الأَْشْهُرِ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ

стр. 577

وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَسَقَطَ الإِْيلاَءُ بِالإِْجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى مَضَتِ الأَْرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَانَتْ مِنْهُ بِتَطْلِيقَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ، وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ أَنَّهُ إِذَا انْقَضَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ يُخَيَّرُ الْمَوْلَى بَيْنَ الْفَيْئَةِ وَالتَّكْفِيرِ، وَبَيْنَ الطَّلاَقِ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْل عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ (١) . مُدَّةُ الرَّضَاعِ (٢) : ١٩ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، أَنَّ مُدَّةَ الرَّضَاعِ الَّتِي إِذَا وَقَعَ الرَّضَاعُ فِيهَا تَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ سَنَتَانِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ (٣) وَمُدَّةُ الْحَمْل أَدْنَاهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَبَقِيَ لِلْفِصَال حَوْلاَنِ. وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ

стр. 578

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لاَ رَضَاعَ إِلاَّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ (١) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَظَاهِرٌ " أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الأَْحْكَامِ، وَقَال: لَمْ يُسْنِدْهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ إِلاَّ الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ " وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ مُدَّةَ الرَّضَاعِ ثَلاَثُونَ شَهْرًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ وَوَجْهُهُ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ وَضَرَبَ لَهُمَا مُدَّةً، فَكَانَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهَا، كَالأَْجَل الْمَضْرُوبِ لِلدَّيْنَيْنِ عَلَى شَخْصَيْنِ، بِأَنْ قَال أَجَّلْتُ الدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلَى فُلاَنٍ، وَالدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلَى فُلاَنٍ سَنَةً، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ السَّنَةَ بِكَمَالِهَا لِكُلٍّ، وَكَالأَْجَل الْمَضْرُوبِ لِلدَّيْنَيْنِ عَلَى شَخْصٍ، مِثْل أَنْ يَقُول: لِفُلاَنٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ إِلَى سَنَةٍ، فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الأَْجَل، فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ يَتِمُّ أَجَلُهُمَا جَمِيعًا، إِلاَّ أَنَّهُ قَامَ الْمُنَقِّصُ فِي أَحَدِهِمَا، يَعْنِي فِي مُدَّةِ الْحَمْل، وَهُوَ قَوْل عَائِشَةَ ﵂ (٢) الْوَلَدُ لاَ يَبْقَى فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَلَوْ بِقَدْرِ فَلْكَةِ مِغْزَلٍ " وَفِي رِوَايَةٍ " وَلَوْ بِقَدْرِ ظِل مِغْزَلٍ وَمِثْلُهُ مِمَّا لاَ

стр. 579

يُقَال إِلاَّ سَمَاعًا؛ لأَِنَّ الْمُقَدَّرَاتِ لاَ يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعَقْل. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْوَلَدُ لاَ يَبْقَى فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ فَتَبْقَى مُدَّةُ الْفِصَال عَلَى ظَاهِرِهَا (١) . وَيَرَى زُفَرُ أَنَّ مُدَّةَ الرَّضَاعِ ثَلاَثَةُ أَحْوَالٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لاَ بُدَّ لِلصَّبِيِّ مِنْ مُدَّةٍ يَتَعَوَّدُ فِيهَا غِذَاءً آخَرَ غَيْرَ اللَّبَنِ، لِيَنْقَطِعَ الإِْنْبَاتُ بِاللَّبَنِ، وَذَلِكَ بِزِيَادَةِ مُدَّةٍ يَتَعَوَّدُ فِيهَا الصَّبِيُّ تَغَيُّرَ الْغِذَاءِ، وَالْحَوْل حَسَنٌ لِلتَّحَوُّل مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، لاِشْتِمَالِهِ عَلَى الْفُصُول الأَْرْبَعَةِ، فَقُدِّرَ بِثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ. أَجَل الْعِدَّةِ: ٢٠ - الْعِدَّةُ أَجَلٌ ضَرَبَهُ الشَّرْعُ لِلْمُطَلَّقَةِ أَوِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَوْ مَنْ فُسِخَ نِكَاحُهَا. فَالْحَامِل فِي كُل مَا ذُكِرَ عِدَّتُهَا وَضْعُ الْحَمْل. وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا - مَا لَمْ تَكُنْ حَامِلاً - عِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولاً بِهَا أَمْ لاَ. وَالْمُطَلَّقَةُ الْمَدْخُول بِهَا غَيْرُ الْحَامِل وَالآْيِسَةُ وَالصَّغِيرَةُ ثَلاَثَةُ أَقْرَاءٍ، عَلَى الْخِلاَفِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْءِ أَهُوَ الطُّهْرُ أَمِ الْحَيْضُ، وَعِدَّةُ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَحِضْ وَالآْيِسَةُ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (عِدَّةٌ) .

стр. 580

مُدَّةُ خِيَارِ الشَّرْطِ: (١) ٢١ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ جَوَازَ خِيَارِ الشَّرْطِ (٢) وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ هَذِهِ الْمُدَّةِ، فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يَجُوزُ خِيَارُ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ لِلْبَائِعِ أَوِ الْمُشْتَرِي، أَوْ لَهُمَا، ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا، وَالأَْصْل فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ حِبَّانَ بْنَ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرٍو الأَْنْصَارِيَّ ﵁ كَانَ يُغْبَنُ فِي الْبِيَاعَاتِ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا بَايَعْتَ فَقُل: لاَ خِلاَبَةَ، وَلِيَ الْخِيَارُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ (٣) . وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا سَمَّى مُدَّةً مَعْلُومَةً وَإِنْ طَالَتْ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ أَجَازَ الْبَيْعَ إِلَى شَهْرَيْنِ، وَأَنَّ الْخِيَارَ حَقٌّ يَعْتَمِدُ عَلَى الشَّرْطِ، فَرَجَعَ فِي تَقْدِيرِهِ إِلَى مُشْتَرِطِهِ، كَالأَْجَل، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ (٤) . وَلأَِنَّ الْخِيَارَ إِنَّمَا شُرِعَ لِلْحَاجَةِ إِلَى التَّرَوِّي لِيَنْدَفِعَ الْغَبْنُ، وَقَدْ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، كَالتَّأْجِيل فِي الثَّمَنِ، فَإِنَّ الأَْجَل شُرِعَ لِلْحَاجَةِ إِلَى التَّأْخِيرِ، مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، ثُمَّ جَازَ

стр. 581

أَيُّ مِقْدَارٍ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ (١) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مُدَّةَ الْخِيَارِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ السِّلَعِ، فَإِنَّ الْقَصْدَ مَا تُخْتَبَرُ فِيهِ تِلْكَ السِّلْعَةُ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ السِّلَعِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَيَضْرِبُ مِنَ الأَْجَل أَقَل مَا يُمْكِنُ؛ تَقْلِيلاً لِلْغَرَرِ، كَشَهْرٍ فِي دَارٍ، وَكَثَلاَثٍ فِي دَابَّةٍ (٢) . وَإِذَا كَانَتِ الْمُدَّةُ الْمُشْتَرَطَةُ مَجْهُولَةً، كَمَا إِذَا شَرَطَ الْخِيَارَ أَبَدًا، أَوْ مَتَى شَاءَ، أَوْ قَال أَحَدُهُمَا: وَلِيَ الْخِيَارُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُدَّتَهُ، أَوْ شَرَطَاهُ إِلَى مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ كَقُدُومِ زَيْدٍ، أَوْ نُزُول الْمَطَرِ، أَوْ مُشَاوَرَةِ إِنْسَانٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَهُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا أَبَدًا أَوْ يَقْطَعَاهُ، أَوْ تَنْتَهِي مُدَّتُهُ إِنْ كَانَ مَشْرُوطًا إِلَى مُدَّةٍ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ شُبْرُمَةَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ. وَقَال مَالِكٌ: يَصِحُّ، وَيُضْرَبُ لَهُمَا مُدَّةٌ يُخْتَبَرُ الْمَبِيعُ فِي مِثْلِهَا فِي الْعَادَةِ، لأَِنَّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي الْعَادَةِ "، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ أَسْقَطَا الشَّرْطَ قَبْل مُضِيِّ الثَّلاَثِ، أَوْ حَذْفِ الزَّائِدِ عَلَيْهَا وَبَيَّنَا مُدَّتَهُ، صَحَّ؛ لأَِنَّهُمَا حَذَفَا الْمُفْسِدَ قَبْل اتِّصَالِهِ بِالْعَقْدِ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطَاهُ (٣) .

стр. 582

مُدَّةُ الْحَيْضِ: ٢٢ - أَقَل مُدَّةِ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَكْثَرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مُطْلَقًا دُونَ تَحْدِيدٍ، وَلاَ حَدَّ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَلاَ فِي الشَّرِيعَةِ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، كَمَا فِي الْقَبْضِ وَالإِْحْرَازِ وَالتَّفَرُّقِ وَأَشْبَاهِهَا. وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ يَوْمًا. قَال عَطَاءٌ: رَأَيْتُ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ يَوْمًا وَتَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ (١) . وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ أَقَل الْحَيْضِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَمَا نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵊: أَقَل حَيْضِ الْجَارِيَةِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا زَادَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَوْمَانِ وَالأَْكْثَرُ مِنَ الثَّالِثِ، إِقَامَةً لِلأَْكْثَرِ مَقَامَ الْكُل، وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَالزَّائِدُ اسْتِحَاضَةٌ (٢) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ لاَ حَدَّ لأَِقَل الْحَيْضِ بِالزَّمَانِ، وَأَكْثَرُهُ لِمُبْتَدَأَةٍ غَيْرِ حَامِلٍ تَمَادَى بِهَا نِصْفُ شَهْرٍ، وَأَكْثَرُهُ لِمُعْتَادَةٍ غَيْرِ حَامِلٍ سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَلَوْ مَرَّةً ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ زِيَادَةً عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا أَيَّامًا لاَ وُقُوعًا (٣) . وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (حَيْضٌ) .

стр. 583

مُدَّةُ الطُّهْرِ: ٢٣ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالثَّوْرِيُّ أَنَّ أَقَل الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : أَقَل الْحَيْضِ ثَلاَثَةٌ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَأَقَل مَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (١) مَنْقُولٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَدْ قِيل: أَجْمَعَتِ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ؛ وَلأَِنَّهُ مُدَّةُ اللُّزُومِ، فَكَانَ كَمُدَّةِ الإِْقَامَةِ (٢) . وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّهْرَ غَالِبًا لاَ يَخْلُو عَنْ حَيْضٍ وَطُهْرٍ، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ - عَلَى رَأْيِهِمْ - خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَقَل الطُّهْرِ كَذَلِكَ، وَلاَ حَدَّ لأَِكْثَرِ الطُّهْرِ بِالإِْجْمَاعِ، فَقَدْ لاَ تَحِيضُ الْمَرْأَةُ فِي عُمُرِهَا إِلاَّ مَرَّةً، وَقَدْ لاَ تَحِيضُ أَصْلاً. وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ أَقَل الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: " أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ، وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلاَثَ حِيَضٍ، طَهُرَتْ عِنْدَ كُل قُرْءٍ وَصَلَّتْ. فَقَال عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ: قُل فِيهَا. فَقَال شُرَيْحٌ: إِنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا، مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ، فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ، وَإِلاَّ فَهِيَ كَاذِبَةٌ. فَقَال عَلِيٌّ: قالون " أَيْ جَيِّدٌ، بِالرُّومِيَّةِ. رَوَاهُ الإِْمَامُ أَحْمَدُ

стр. 584

بِإِسْنَادِهِ (١) . وَهَذَا لاَ يَقُولُهُ إِلاَّ تَوْقِيفًا، وَلأَِنَّهُ قَوْل صَحَابِيٍّ انْتَشَرَ، وَلَمْ يُعْلَمْ خِلاَفُهُ. سِنُّ الإِْيَاسِ (٢) : ٢٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْدِيرِ سِنِّ الإِْيَاسِ اخْتِلاَفًا كَبِيرًا: فَيَرَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لاَ تَقْدِيرَ لِسِنِّ الإِْيَاسِ، وَإِيَاسُ الْمَرْأَةِ عَلَى هَذَا أَنْ تَبْلُغَ مِنَ السِّنِّ مَا لاَ يَحِيضُ فِيهِ مِثْلُهَا. فَإِذَا بَلَغَتْ هَذَا الْمَبْلَغَ، وَانْقَطَعَ الدَّمُ، حُكِمَ بِإِيَاسِهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِمِثْلِهَا فِيمَا ذُكِرَ الْمُمَاثَلَةُ فِي تَرْكِيبِ الْبَدَنِ، وَالسِّمَنِ، وَالْهُزَال، وَهُوَ رَأْيٌ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ. وَيَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ تَقْدِيرَهُ بِخَمْسِينَ سَنَةً، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ. وَقَال إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: لاَ يَكُونُ حَيْضٌ بَعْدَ الْخَمْسِينَ، وَيَكُونُ حُكْمُهَا فِيمَا تَرَاهُ مِنَ الدَّمِ حُكْمَ الْمُسْتَحَاضَةِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: إِذَا بَلَغَتِ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ (٣) " وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: " لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا

стр. 585

بَعْدَ الْخَمْسِينَ (١) . وَيَرَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهَا لاَ تَيْأَسُ مِنَ الْمَحِيضِ يَقِينًا إِلَى سِتِّينَ سَنَةً. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ - عَلَى أَشْهَرِ الأَْقْوَال - أَنَّ سِنَّ الإِْيَاسِ اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ فِي سِنِّ السَّبْعِينَ، وَمِثْلُهُ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَنَّهَا بَعْدَ الْخَامِسَةِ وَالْخَمْسِينَ مَشْكُوكٌ فِي يَأْسِهَا، فَيَرْجِعُ فِيمَا تَرَاهُ إِلَى النِّسَاءِ لِمَعْرِفَةِ هَل هُوَ حَيْضٌ، أَوْ لَيْسَ بِحَيْضٍ، أَمَّا مَنْ بَلَغَتْ سِنَّ السَّبْعِينَ فَلاَ يُسْأَل عَنْهَا (٢) . مُدَّةُ النِّفَاسِ: ٢٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ لأَِقَل النِّفَاسِ، فَأَيُّ وَقْتٍ رَأَتِ الْمَرْأَةُ الطُّهْرَ اغْتَسَلَتْ، وَهِيَ طَاهِرٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَكْثَرِهِ: فَيَرَى جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ أَكْثَرَ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا. قَال أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: أَجْمَعَ (٣) أَهْل الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ

стр. 586

عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلاَةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إِلاَّ أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْل ذَلِكَ، فَتَغْتَسِل وَتُصَلِّيَ. وَقَال أَبُو عُبَيْدٍ: وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵃، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى أَبُو سَهْلٍ كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مُسَّةَ الأَْزْدِيَّةِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. وَرَوَى الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ عَنْ مُسَّةَ الأَْزْدِيَّةِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ : كَمْ تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ إِذَا وَلَدَتْ؟ قَال: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إِلاَّ أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْل ذَلِكَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلأَِنَّهُ قَوْل مَنْ سَمَّيْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَقَدْ حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ إِجْمَاعًا، وَنَحْوَهُ حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ أَكْثَرَهُ سِتُّونَ يَوْمًا، وَحَكَى ابْنُ عُقَيْلٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَةً مِثْل قَوْلِهِمَا، لأَِنَّهُ رُوِيَ عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَال: عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَرَى النِّفَاسَ شَهْرَيْنِ، وَرُوِيَ مِثْل ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ وَجَدَهُ، وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْوُجُودِ، وَقَال

стр. 587

الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ غَالِبَهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا (١) . سِنُّ الْبُلُوغِ: ٢٦ - لَقَدْ جَعَل الشَّارِعُ الْبُلُوغَ أَمَارَةً عَلَى تَكَامُل الْعَقْل؛ لأَِنَّ الاِطِّلاَعَ عَلَى تَكَامُل الْعَقْل مُتَعَذِّرٌ، فَأُقِيمَ الْبُلُوغُ مَقَامَهُ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سِنِّ الْبُلُوغِ: فَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِرَأْيِهِمَا يُفْتَى فِي الْمَذْهَبِ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، أَنَّ الْبُلُوغَ بِالسِّنِّ يَكُونُ بِتَمَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَمَرِيَّةً لِلذَّكَرِ وَالأُْنْثَى (تَحْدِيدِيَّةٌ كَمَا صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ) ، لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ. عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي، وَرَآنِي بَلَغْتُ. رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٣) قَال الشَّافِعِيُّ: رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، لأَِنَّهُ لَمْ يَرَهُمْ بَلَغُوا، ثُمَّ عُرِضُوا عَلَيْهِ وَهُمْ أَبْنَاءُ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَأَجَازَهُمْ، مِنْهُمْ

стр. 588

زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَابْنُ عُمَرَ (١) . وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا اسْتَكْمَل الْمَوْلُودُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً كُتِبَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ الْحُدُودُ (٢) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْبُلُوغَ يَكُونُ بِتَمَامِ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيل بِالدُّخُول فِيهَا، أَوِ الْحُلُمِ أَيِ الإِْنْزَال، لِقَوْلِهِ ﷺ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ (٣) . . .، أَوِ الْحَيْضِ لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ يَقْبَل اللَّهُ صَلاَةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ (٤) ، أَوِ الْحَبَل لِلأُْنْثَى، أَوِ الإِْنْبَاتِ الْخَشِنِ لِلْعَانَةِ (٥) . وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَطَّابُ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ فِي الْمَذْهَبِ، فَفِي رِوَايَةٍ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَقِيل سَبْعَةَ عَشَرَ،

стр. 589

وَزَادَ بَعْضُ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ سِتَّةَ عَشَرَ، وَتِسْعَةَ عَشَرَ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ خَمْسَةَ عَشَرَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (١) . وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ بُلُوغَ الْغُلاَمِ بِالسِّنِّ هُوَ بُلُوغُهُ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً، وَالْجَارِيَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وَهِيَ أَقَل مَا قِيل فِيهِ، فَأُخِذَ بِهِ احْتِيَاطًا. هَذَا أَشُدُّ الصَّبِيِّ، وَالأُْنْثَى أَسْرَعُ بُلُوغًا مِنَ الْغُلاَمِ فَنَقَصْنَاهَا سَنَةً (٢) ، وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل الأَْحْكَامِ إِلَى مُصْطَلَحَيِ (احْتِلاَمٌ) (وَبُلُوغٌ) . مُدَّةُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ (٣) : ٢٧ - يَرَى الْجُمْهُورُ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ مُدَّةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِلْمُقِيمِ، وَثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا لِلْمُسَافِرِ، وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (٤) . قَال ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: وَثَبَتَ التَّوْقِيتُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَالْمُغِيرَةِ، وَأَبِي زَيْدٍ الأَْنْصَارِيِّ. هَؤُلاَءِ مِنَ

стр. 590

الصَّحَابَةِ، وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ شُرَيْحٌ الْقَاضِي، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. قَال أَبُو عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: وَأَكْثَرُ التَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثَ وَآثَارٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا مَا رَوَى صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ، قَال: أَمَرَنَا - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهْرٍ ثَلاَثَةً إِذَا سَافَرْنَا، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا أَقَمْنَا، وَلاَ نَخْلَعَهُمَا مِنْ غَائِطٍ وَلاَ بَوْلٍ وَلاَ نَوْمٍ، وَلاَ نَخْلَعَهُمَا إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. وَقَال الْخَطَّابِيُّ: هُوَ صَحِيحُ الإِْسْنَادِ، وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَْشْجَعِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَال: هُوَ أَجْوَدُ حَدِيثٍ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لأَِنَّهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهِيَ آخِرُ غَزَاةٍ غَزَاهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ آخِرُ فِعْلِهِ. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ (١) أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ، وَأَنَّ لاَبِسَ الْخُفَّيْنِ وَهُوَ طَاهِرٌ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا مَا بَدَا لَهُ، وَالْمُسَافِرُ وَالْمُقِيمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، مَا لَمْ يَنْزِعْهُمَا، أَوْ تُصِبْهُ جَنَابَةٌ. إِلاَّ أَنَّهُ يُنْدَبُ نَزْعُهُ كُل يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَيُسْتَحَبُّ كُل أُسْبُوعٍ أَيْضًا، وَقَدِ اسْتَدَل لِهَذَا الرَّأْيِ بِمَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ أَنَّهُ قَال لِرَسُول اللَّهِ ﷺ : أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَال:

стр. 591

نَعَمْ قَال: يَوْمًا، قَال: وَيَوْمَيْنِ؟ قَال: وَثَلاَثَةَ أَيَّامٍ؟ قَال: نَعَمْ وَمَا شِئْتَ. وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى بَلَغَ سَبْعًا، قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، وَمَا بَدَا لَكَ (١) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. كَمَا أَنَّهُمْ قَاسُوهُ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ وَالْجَبِيرَةِ، فَكَمَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِمَا لاَ يَتَوَقَّتُ، فَكَذَلِكَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ (٢) . مُدَّةُ السَّفَرِ: ٢٨ - السَّفَرُ لُغَةً قَطْعُ الْمَسَافَةِ، وَلَيْسَ كُل سَفَرٍ تَتَغَيَّرُ بِهِ الأَْحْكَامُ، مِنْ جَوَازِ الإِْفْطَارِ، وَقَصْرِ الصَّلاَةِ الرُّبَاعِيَّةِ، وَمَسْحِ الْخُفِّ، وَإِنَّمَا سَفَرٌ خَاصٌّ، حَدَّدَهُ الْفُقَهَاءُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا التَّحْدِيدِ: فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ طَوِيل السَّفَرِ هُوَ الْمُجِيزُ لِقَصْرِ الصَّلاَةِ، وَقَالُوا: إِنَّ السَّفَرَ الطَّوِيل هُوَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ فَأَكْثَرُ بَرًّا أَوْ بَحْرًا. وَقَدِ اسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الرَّأْيِ بِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَهَا. وَلاَ يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ، وَأَسْنَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، قَال الْخَطَّابِيُّ: وَمِثْل هَذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَنْ تَوْقِيفٍ (٣) .

стр. 592

وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مَا يَدُل عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ فِي أَقَل مِنْ يَوْمٍ. فَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: كَانَ أَنَسٌ يَقْصُرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَمْسَةِ فَرَاسِخَ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ قَصْرِهِ بِالْكُوفَةِ حَتَّى أَتَى النَّخِيلَةَ فَصَلَّى بِهَا كُلًّا مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْ يَوْمِهِ، فَقَال: أَرَدْتُ أَنْ أُعَلِّمَكُمْ سُنَّتَكُمْ. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ السَّفَرَ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِهِ الأَْحْكَامُ أَنْ يَقْصِدَ الإِْنْسَانُ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، بِسَيْرِ الإِْبِل، وَمَشْيِ الأَْقْدَامِ، لِقَوْلِهِ ﵇: يَمْسَحُ الْمُقِيمُ كَمَال يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَالْمُسَافِرُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا (١) عَمَّ الْجِنْسَ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ عُمُومُ التَّقْدِيرِ؛ وَلأَِنَّ الثَّلاَثَةَ الأَْيَّامَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَهَا تَوْقِيفٌ وَلاَ اتِّفَاقٌ. وَقَدَّرَهُ أَبُو يُوسُفَ ﵀ بِيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرِ الثَّالِثِ. وَالسَّيْرُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْوَسَطُ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْجَبَل مَا يَلِيقُ بِهِ، وَفِي الْبَحْرِ اعْتِدَال الرِّيَاحِ. فَيَنْظُرُ كَمْ يَسِيرُ فِي مِثْلِهِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَيُجْعَل أَصْلاً (٢) ". الْفَصْل الثَّانِي الأَْجَل الْقَضَائِيُّ ٢٩ - الْمُرَادُ بِالأَْجَل الْقَضَائِيِّ: الأَْجَل الَّذِي يَضْرِبُهُ الْقَاضِي لِحُضُورِ الْخُصُومِ، أَوْ إِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ، أَوْ

стр. 593

وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مَا يَدُل عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ فِي أَقَل مِنْ يَوْمٍ. فَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: كَانَ أَنَسٌ يَقْصُرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَمْسَةِ فَرَاسِخَ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ قَصْرِهِ بِالْكُوفَةِ حَتَّى أَتَى النَّخِيلَةَ فَصَلَّى بِهَا كُلًّا مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْ يَوْمِهِ، فَقَال: أَرَدْتُ أَنْ أُعَلِّمَكُمْ سُنَّتَكُمْ. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ السَّفَرَ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِهِ الأَْحْكَامُ أَنْ يَقْصِدَ الإِْنْسَانُ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، بِسَيْرِ الإِْبِل، وَمَشْيِ الأَْقْدَامِ، لِقَوْلِهِ ﵇: يَمْسَحُ الْمُقِيمُ كَمَال يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَالْمُسَافِرُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا (١) عَمَّ الْجِنْسَ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ عُمُومُ التَّقْدِيرِ؛ وَلأَِنَّ الثَّلاَثَةَ الأَْيَّامَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَهَا تَوْقِيفٌ وَلاَ اتِّفَاقٌ. وَقَدَّرَهُ أَبُو يُوسُفَ ﵀ بِيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرِ الثَّالِثِ. وَالسَّيْرُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْوَسَطُ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْجَبَل مَا يَلِيقُ بِهِ، وَفِي الْبَحْرِ اعْتِدَال الرِّيَاحِ. فَيَنْظُرُ كَمْ يَسِيرُ فِي مِثْلِهِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَيُجْعَل أَصْلاً (٢) ". الْفَصْل الثَّانِي الأَْجَل الْقَضَائِيُّ ٢٩ - الْمُرَادُ بِالأَْجَل الْقَضَائِيِّ: الأَْجَل الَّذِي يَضْرِبُهُ الْقَاضِي لِحُضُورِ الْخُصُومِ، أَوْ إِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ ، أَوْ

стр. 594

اشْتِرَاطُ تَأْجِيل تَسْلِيمِ الْعَيْنِ فِي التَّصَرُّفَاتِ النَّاقِلَةِ لِلْمِلْكِيَّةِ: ٣٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ اشْتِرَاطِ تَأْجِيل تَسْلِيمِ (الْعَيْنِ) إِلَى الْمَنْقُول إِلَيْهِ مِلْكِيَّتُهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا عَلَى رَأْيَيْنِ: الأَْوَّل: يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) وَهُوَ رَأْيٌ مَرْجُوحٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ تَأْجِيل تَسْلِيمِ الْعَيْنِ إِلَى الْمُدَّةِ الَّتِي يُحَدِّدُهَا الْمُتَعَاقِدَانِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُنْتَفِعُ بِهَا هُوَ النَّاقِل لِلْمِلْكِيَّةِ، وَهَذَا الرَّأْيُ مَنْقُولٌ عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: إِذَا بَاعَ دَارًا عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا الْبَائِعُ شَهْرًا، ثُمَّ يُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، أَوْ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَةً، أَوْ دَابَّةً عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا شَهْرًا، أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَلْبَسَهُ أُسْبُوعًا. وَاسْتَدَل لِهَذَا الرَّأْيِ بِأَنَّ عُمُومَ الآْيَاتِ وَالأَْحَادِيثِ تَأْمُرُ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. . .﴾ (٢) وَقَال تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ (٣) وَقَال ﵊: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلاَّ شَرْطًا حَرَّمَ حَلاَلاً، أَوْ أَحَل حَرَامًا (٤)

стр. 595

فَالآْيَاتُ وَالأَْحَادِيثُ تَأْمُرُ بِالْوَفَاءِ بِكُل عَقْدٍ وَشَرْطٍ لاَ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ، وَلاَ سُنَّةَ رَسُولِهِ ﷺ . وَبِخُصُوصِ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ قَدْ أَعْيَا، فَضَرَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ. فَقَال: بِعْنِيهِ. فَبِعْتُهُ وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلاَنَهُ إِلَى أَهْلِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُل عَلَى جَوَازِ اشْتِرَاطِ تَأْجِيل تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ فَتْرَةً يَنْتَفِعُ فِيهَا الْبَائِعُ بِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُهُ إِلَى الْمُشْتَرِي. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنِ الثُّنْيَا أَيِ الاِسْتِثْنَاءِ إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ وَهَذِهِ مَعْلُومَةٌ، وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ تَأْخِيرُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَصَحَّ (١) . الثَّانِي: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، عَدَمَ صِحَّةِ اشْتِرَاطِ تَأْجِيل تَسْلِيمِ الْعَيْنِ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ (٢) ، وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى جَارِيَةً مِنَ امْرَأَتِهِ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ. وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنَّكَ إِنْ بِعْتَهَا فَهِيَ لِي بِالثَّمَنِ. فَاسْتَفْتَى عُمَرَ ﵁، فَقَال " لاَ تَقْرَبْهَا وَفِيهَا شَرْطٌ لأَِحَدٍ وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى جَارِيَةً

стр. 596

وَاشْتَرَطَ خِدْمَتَهَا، فَقَال لَهُ عُمَرُ لاَ تَقْرَبْهَا وَفِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ (١) . وَأَمَّا إِذَا جَعَل تَأْجِيل تَسْلِيمِ الْعَيْنِ لِمَصْلَحَةِ أَجْنَبِيٍّ عَنِ الْعَقْدِ، كَمَا إِذَا بَاعَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا فُلاَنٌ " الأَْجْنَبِيُّ عَنِ الْعَقْدِ " شَهْرًا، فَلَمْ يَرَ صِحَّةَ هَذَا أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ غَيْرُ الْحَنَابِلَةِ (٢) . تَأْجِيل الدَّيْنِ الدَّيْنُ: هُوَ مَالٌ حُكْمِيٌّ يَحْدُثُ فِي الذِّمَّةِ بِبَيْعٍ أَوِ اسْتِهْلاَكٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (٣) . مَشْرُوعِيَّةُ تَأْجِيل الدُّيُونِ: ٣٤ - لَقَدْ شُرِعَ جَوَازُ تَأْجِيل الدُّيُونِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ. . .﴾ (٤) فَهَذِهِ الآْيَةُ، وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَدُل عَلَى جَوَازِ تَأْجِيل سَائِرِ الدُّيُونِ، إِلاَّ أَنَّهَا تَدُل عَلَى أَنَّ مِنَ الدُّيُونِ مَا يَكُونُ مُؤَجَّلاً، وَهُوَ مَا نَقْصِدُهُ هُنَا مِنَ الاِسْتِدْلاَل بِهَا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الأَْجَل. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ ﵂

стр. 597

: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَاللَّفْظُ لَهُ. فَهُوَ يَدُل عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَأْجِيل الأَْثْمَانِ، وَقَدْ أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى ذَلِكَ (١) . حِكْمَةُ قَبُول الدَّيْنِ التَّأْجِيل دُونَ الْعَيْنِ: ٣٥ - نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الأَْعْيَانِ وَالدُّيُونِ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ التَّأْجِيل فِي الثَّانِيَةِ دُونَ الأُْولَى: أَنَّ الأَْعْيَانَ مُعَيَّنَةٌ وَمُشَاهَدَةٌ، وَالْمُعَيَّنُ حَاصِلٌ وَمَوْجُودٌ، وَالْحَاصِل وَالْمَوْجُودُ لَيْسَ هُنَاكَ مَدْعَاةٌ لِجَوَازِ وُرُودِ الأَْجَل عَلَيْهِ. أَمَّا الدُّيُونُ: فَهِيَ مَالٌ حُكْمِيٌّ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، فَهِيَ غَيْرُ حَاصِلَةٍ وَلاَ مَوْجُودَةٍ، وَمِنْ ثَمَّ شُرِعَ جَوَازُ تَأْجِيلِهَا، رِفْقًا بِالْمَدِينِ، وَتَمْكِينًا لَهُ مِنَ اكْتِسَابِهَا وَتَحْصِيلِهَا فِي الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ، حَتَّى إِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَيَّنَ النُّقُودَ الَّتِي اشْتَرَى بِهَا لَمْ يَصِحَّ تَأْجِيلُهَا. الدُّيُونُ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ التَّأْجِيل وَعَدَمُهُ: ٣٦ - أَوْضَحَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الدُّيُونَ تَكُونُ حَالَّةً، وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَأْجِيلُهَا إِذَا قَبِل الدَّائِنُ، وَاسْتَثْنَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ هَذَا الأَْصْل عِدَّةَ دُيُونٍ: أ - رَأْسُ مَال السَّلَمِ: ٣٧ - وَذَلِكَ لأَِنَّ حَقِيقَتَهُ شِرَاءُ آجِلٍ، وَهُوَ الْمُسْلَمُ فِيهِ (وَهُوَ السِّلْعَةُ) ، بِعَاجِلٍ، وَهُوَ رَأْسُ الْمَال (وَهُوَ الثَّمَنُ) فَرَأْسُ مَال السَّلَمِ لاَ بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ حَالًّا، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذَا

стр. 598

الْعَقْدِ قَبْضَ رَأْسِ الْمَال قَبْل انْتِهَاءِ مَجْلِسِ الْعَقْدِ (١) وَلأَِنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ فِي مَعْنَى بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، (إِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَال فِي الذِّمَّةِ) وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ (٢) أَيِ النَّسِيئَةِ بِالنَّسِيئَةِ؛ وَلأَِنَّ فِي السَّلَمِ غَرَرًا، فَلاَ يَضُمُّ إِلَيْهِ غَرَرَ تَأْخِيرِ تَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَال، فَلاَ بُدَّ مِنْ حُلُول رَأْسِ الْمَال، كَالصَّرْفِ، فَلَوْ تَفَرَّقَا قَبْل قَبْضِ رَأْسِ الْمَال بَطَل الْعَقْدُ (٣) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ عَقْدِ السَّلَمِ قَبْضَ رَأْسِ الْمَال كُلِّهِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ قَبْضِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ لِمُدَّةٍ لاَ تَزِيدُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَلَوْ بِشَرْطِ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ أَجَل السَّلَمِ قَرِيبًا كَيَوْمَيْنِ، وَذَلِكَ فِيمَا شُرِطَ قَبْضُهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَإِلاَّ فَلاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ هَذِهِ الْمُدَّةِ؛ لأَِنَّهُ عَيْنُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، فَيَجِبُ أَنْ يَقْبِضَ رَأْسَ الْمَال بِالْمَجْلِسِ أَوْ مَا يَقْرَبُ مِنْهُ. وَفِي فَسَادِ السَّلَمِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلاَثِ (بِلاَ شَرْطٍ إِنْ لَمْ تَكْثُرْ جِدًّا - بِأَلاَّ يَحِل أَجَل الْمُسْلَمِ فِيهِ -) وَعَدَمِ فَسَادِهِ قَوْلاَنِ لِمَالِكٍ (٤) .

стр. 599

ب - بَدَل الصَّرْفِ: ٣٨ - مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّرْفِ (١) تَقَابُضُ الثَّمَنَيْنِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، أَيْ قَبْل افْتِرَاقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِأَبْدَانِهِمَا، فَلَوِ اشْتُرِطَ الأَْجَل فِيهِ فَسَدَ؛ لأَِنَّ الأَْجَل يَمْنَعُ الْقَبْضَ، وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقِ الْقَبْضُ لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ صِحَّتِهِ، وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ (٢) وَالْمَالِكِيَّةُ (٣) وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، لِقَوْلِهِ ﷺ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ. فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (٤) أَيْ مُقَابَضَةً. قَال الرَّافِعِيُّ: وَمِنْ لَوَازِمِهِ الْحُلُول (٥) . وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُتَصَارِفَيْنِ إِذَا افْتَرَقَا قَبْل أَنْ يَتَقَابَضَا أَنَّ الصَّرْفَ فَاسِدٌ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ (٦) ، وَقَوْلِهِ ﵊ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ. (٧)

стр. 600

ج - الثَّمَنُ بَعْدَ الإِْقَالَةِ (١) : ٣٩ - الإِْقَالَةُ جَائِزَةٌ فِي الْبَيْعِ بِمِثْل الثَّمَنِ الأَْوَّل، عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ (٢) ، لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ أَقَال نَادِمًا بَيْعَتَهُ أَقَال اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ الأَْعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ مَنْ أَقَال مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَال اللَّهُ عَثْرَتَهُ (٣) زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ، وَقَال عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَمَّا لَفْظُ " نَادِمًا " فَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ. وَالإِْقَالَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَوْدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إِلَى الْحَال الأَْوَّل، بِحَيْثُ يَأْخُذُ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ وَالْمُشْتَرِي الثَّمَنَ. فَإِنْ شَرَطَ غَيْرَ جِنْسِ الثَّمَنِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، أَوْ أَجَّلَهُ، بِأَنْ كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا فَأَجَّلَهُ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الإِْقَالَةِ، فَإِنَّ التَّأْجِيل يَبْطُل، وَتَصِحُّ الإِْقَالَةُ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْقَالَةَ بَيْعٌ فَتَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُهُ مِنَ التَّأْجِيل وَغَيْرِهِ (٤) . د - بَدَل الْقَرْضِ: ٤٠ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ اشْتِرَاطِ تَأْجِيل الْقَرْضِ: فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُقْرِضِ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ فِي الْحَال، وَأَنَّهُ لَوِ اشْتُرِطَ فِيهِ التَّأْجِيل لَمْ يَتَأَجَّل، وَكَانَ حَالًّا، وَبِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ
следующие страницы →