← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

تَجْوِيدٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّجْوِيدُ لُغَةً: تَصْيِيرُ الشَّيْءِ جَيِّدًا. وَالْجَيِّدُ: ضِدُّ الرَّدِيءِ، يُقَال: جَوَّدَ فُلاَنٌ كَذَا: أَيْ فَعَلَهُ جَيِّدًا، وَجَوَّدَ الْقِرَاءَةَ: أَيْ أَتَى بِهَا بَرِيئَةً مِنَ الرَّدَاءَةِ فِي النُّطْقِ. (١) وَاصْطِلاَحًا: إِعْطَاءُ كُل حَرْفٍ حَقَّهُ وَمُسْتَحَقَّهُ. وَالْمُرَادُ بِحَقِّ الْحَرْفِ: الصِّفَةُ الذَّاتِيَّةُ الثَّابِتَةُ لَهُ كَالشِّدَّةِ وَالاِسْتِعْلاَءِ، وَالْمُرَادُ بِمُسْتَحَقِّ الْحَرْفِ: مَا يَنْشَأُ عَنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ اللاَّزِمَةِ كَالتَّفْخِيمِ، فَإِنَّهُ نَاشِئٌ عَنْ كُلٍّ مِنَ الاِسْتِعْلاَءِ وَالتَّكْرِيرِ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ فِي الْحَرْفِ حَال سُكُونِهِ وَتَحْرِيكِهِ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ فَقَطْ، وَلاَ يَكُونُ فِي حَال الْكَسْرِ. (٢) وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ إِخْرَاجِ كُل حَرْفٍ مِنْ مَخْرَجِهِ. وَاعْتَبَرَهُ بَعْضُهُمْ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي تَعْرِيفِ التَّجْوِيدِ، لأَِنَّهُ مَطْلُوبٌ لِحُصُول أَصْل

стр. 6022

الْقِرَاءَةِ، لَكِنْ قَال الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْقَارِيُّ: وَلاَ يَخْفَى أَنَّ إِخْرَاجَ الْحَرْفِ مِنْ مَخْرَجِهِ أَيْضًا دَاخِلٌ فِي تَعْرِيفِ التَّجْوِيدِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ، (١) أَيْ لأَِنَّ الْمُعَرَّفَ هُوَ الْقِرَاءَةُ الْمُجَوَّدَةُ، وَلَيْسَ مُطْلَقَ الْقِرَاءَةِ، وَتَجْوِيدُ الْقِرَاءَةِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِإِخْرَاجِ كُل حَرْفٍ مِنْ مَخْرَجِهِ. قَال ابْنُ الْجَزَرِيِّ: التَّجْوِيدُ: إِعْطَاءُ الْحُرُوفِ حُقُوقَهَا وَتَرْتِيبَهَا مَرَاتِبَهَا، وَرَدُّ الْحَرْفِ إِلَى مَخْرَجِهِ وَأَصْلِهِ وَإِلْحَاقُهُ بِنَظِيرِهِ، وَتَصْحِيحُ لَفْظِهِ وَتَلْطِيفُ النُّطْقِ بِهِ عَلَى حَال صِيغَتِهِ وَكَمَال هَيْئَتِهِ، مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ تَعَسُّفٍ وَلاَ إِفْرَاطٍ وَلاَ تَكَلُّفٍ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التِّلاَوَةُ، وَالأَْدَاءُ، وَالْقِرَاءَةُ: ٢ - التِّلاَوَةُ اصْطِلاَحًا: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مُتَتَابِعًا كَالأَْجْزَاءِ وَالأَْسْدَاسِ. أَمَّا الأَْدَاءُ فَهُوَ: الأَْخْذُ عَنِ الشُّيُوخِ بِالسَّمَاعِ مِنْهُمْ أَوِ الْقِرَاءَةِ بِحَضْرَتِهِمْ. وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَهِيَ أَعَمُّ مِنَ التِّلاَوَةِ وَالأَْدَاءِ (٣) . وَلاَ يَخْفَى أَنَّ التَّجْوِيدَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى هَذِهِ الأَْلْفَاظِ الثَّلاَثَةِ، فَهُوَ أَخَصُّ مِنْهَا جَمِيعِهَا.

стр. 6023

ب - التَّرْتِيل: ٣ - التَّرْتِيل لُغَةً: مَصْدَرُ رَتَّل، يُقَال: رَتَّل فُلاَنٌ كَلاَمَهُ: إِذَا أَتْبَعَ بَعْضَهُ بَعْضًا عَلَى مُكْثٍ وَتَفَهُّمٍ مِنْ غَيْرِ عَجَلٍ. وَاصْطِلاَحًا: هُوَ رِعَايَةُ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَحِفْظُ الْوُقُوفِ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ حَيْثُ قَال: التَّرْتِيل تَجْوِيدُ الْحُرُوفِ وَمَعْرِفَةُ الْوُقُوفِ (١) . فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّجْوِيدِ: أَنَّ التَّرْتِيل وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِل التَّجْوِيدِ، وَأَنَّ التَّجْوِيدَ يَشْمَل مَا يَتَّصِل بِالصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ لِلْحُرُوفِ، وَمَا يَلْزَمُ عَنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ، أَمَّا التَّرْتِيل فَيَقْتَصِرُ عَلَى رِعَايَةِ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَضَبْطِ الْوُقُوفِ لِعَدَمِ الْخَلْطِ بَيْنَ الْحُرُوفِ فِي الْقِرَاءَةِ السَّرِيعَةِ، وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ الْعُلَمَاءُ (التَّرْتِيل) عَلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْقِرَاءَةِ مِنْ حَيْثُ إِتْمَامُ الْمَخَارِجِ وَالْمُدُودِ، وَهُوَ يَأْتِي بَعْدَ مَرْتَبَةِ (التَّحْقِيقِ) وَأَدْنَى مِنْهُمَا مَرْتَبَةٌ وُسْطَى تُسَمَّى (التَّدْوِيرَ) ثُمَّ (الْحَدْرَ) وَهُوَ الْمَرْتَبَةُ الأَْخِيرَةُ (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٤ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الاِشْتِغَال بِعِلْمِ التَّجْوِيدِ فَرْضُ كِفَايَةٍ (٣)

стр. 6024

أَمَّا الْعَمَل بِهِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْقِرَاءَاتِ وَالتَّجْوِيدِ إِلَى أَنَّ الأَْخْذَ بِجَمِيعِ أُصُول التَّجْوِيدِ وَاجِبٌ يَأْثَمُ تَارِكُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَعَلِّقًا بِحِفْظِ الْحُرُوفِ - مِمَّا يُغَيِّرُ مَبْنَاهَا أَوْ يُفْسِدُ مَعْنَاهَا - أَمْ تَعَلَّقَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَوْرَدَهُ الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِ التَّجْوِيدِ، كَالإِْدْغَامِ وَنَحْوِهِ. قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْجَزَرِيِّ فِي النَّشْرِ نَقْلاً عَنِ الإِْمَامِ نَصْرٍ الشِّيرَازِيِّ: حُسْنُ الأَْدَاءِ فَرْضٌ فِي الْقِرَاءَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْقَارِئِ أَنْ يَتْلُوَ الْقُرْآنَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ (١) . وَذَهَبَ الْمُتَأَخِّرُونَ إِلَى التَّفْصِيل بَيْنَ مَا هُوَ (وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ) مِنْ مَسَائِل التَّجْوِيدِ، وَهُوَ مَا يُؤَدِّي تَرْكُهُ إِلَى تَغْيِيرِ الْمَبْنَى أَوْ فَسَادِ الْمَعْنَى، وَبَيْنَ مَا هُوَ (وَاجِبٌ صِنَاعِيٌّ) أَيْ أَوْجَبَهُ أَهْل ذَلِكَ الْعِلْمِ لِتَمَامِ إِتْقَانِ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِ التَّجْوِيدِ مِنْ مَسَائِل لَيْسَتْ كَذَلِكَ، كَالإِْدْغَامِ وَالإِْخْفَاءِ إِلَخْ. فَهَذَا النَّوْعُ لاَ يَأْثَمُ تَارِكُهُ عِنْدَهُمْ. قَال الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْقَارِيُّ بَعْدَ بَيَانِهِ أَنَّ مَخَارِجَ الْحُرُوفِ وَصِفَاتِهَا، وَمُتَعَلِّقَاتِهَا مُعْتَبَرَةٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: فَيَنْبَغِي أَنْ تُرَاعَى جَمِيعُ قَوَاعِدِهِمْ وُجُوبًا فِيمَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْمَبْنَى وَيَفْسُدُ الْمَعْنَى، وَاسْتِحْبَابًا فِيمَا يَحْسُنُ بِهِ اللَّفْظُ وَيُسْتَحْسَنُ بِهِ النُّطْقُ حَال الأَْدَاءِ. ثُمَّ قَال عَنِ اللَّحْنِ الْخَفِيِّ الَّذِي لاَ يَعْرِفُهُ

стр. 6025

إِلاَّ مَهَرَةُ الْقُرَّاءِ: لاَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فَرْضَ عَيْنٍ يَتَرَتَّبُ الْعِقَابُ عَلَى قَارِئِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ حَرَجٍ عَظِيمٍ. (١) وَلَمَّا قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْجَزَرِيِّ فِي مَنْظُومَتِهِ فِي التَّجْوِيدِ، وَفِي الطَّيِّبَةِ أَيْضًا: وَالأَْخْذُ بِالتَّجْوِيدِ حَتْمٌ لاَزِمُ مَنْ لَمْ يُجَوِّدِ الْقُرْآنَ آثِمُ قَال ابْنُهُ أَحْمَدُ فِي شَرْحِهَا: ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَال: لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَل بِهِ كِتَابَهُ الْمَجِيدَ، وَوَصَل مِنْ نَبِيِّهِ ﷺ مُتَوَاتِرًا بِالتَّجْوِيدِ. وَكَرَّرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَزَرِيِّ هَذَا التَّقْيِيدَ بِالْقُدْرَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ. (٢) وَيَدُل لِذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُتَعْتِعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ (٣) وَقَدِ اعْتَبَرَ ابْنُ غَازِيٍّ فِي شَرْحِهِ لِلْجَزَرِيَّةِ (٤)

стр. 6026

مِنَ الْوَاجِبِ الصِّنَاعِيِّ: كُل مَا كَانَ مِنْ مَسَائِل الْخِلاَفِ مِنَ الْوُجُوهِ الْمُخْتَارَةِ لِكُل قَارِئٍ مِنَ الْقُرَّاءِ الْمَشْهُورِينَ، حَيْثُ يَرَى بَعْضُهُمُ التَّفْخِيمَ وَيَرَى غَيْرُهُ التَّرْقِيقَ فِي مَوْطِنٍ وَاحِدٍ، فَهَذَا لاَ يَأْثَمُ تَارِكُهُ، وَلاَ يَتَّصِفُ بِالْفِسْقِ. وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الْوَقْفِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الْقَارِئِ الْوَقْفُ عَلَى مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ يَأْثَمُ، وَلاَ يَحْرُمُ الْوَقْفُ عَلَى كَلِمَةٍ بِعَيْنِهَا إِلاَّ إِذَا كَانَتْ مُوهِمَةً وَقَصَدَهَا، فَإِنِ اعْتَقَدَ الْمَعْنَى الْمُوهِمَ لِلْكُفْرِ كَفَرَ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - كَأَنْ وَقَفَ عَلَى قَوْله تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِ) دُونَ قَوْلِهِ: (أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا) ، أَوْ عَلَى قَوْلِهِ: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ) دُونَ (إِلاَّ اللَّهُ) . أَمَّا قَوْل عُلَمَاءِ الْقِرَاءَةِ: الْوَقْفُ عَلَى هَذَا وَاجِبٌ، أَوْ لاَزِمٌ، أَوْ حَرَامٌ، أَوْ لاَ يَحِل، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأَْلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوُجُوبِ أَوِ التَّحْرِيمِ فَلاَ يُرَادُ مِنْهُ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، مِمَّا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ عَكْسُهُ، بَل الْمُرَادُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَارِئِ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ لِمَعْنًى يُسْتَفَادُ مِنَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ، أَوْ لِئَلاَّ يُتَوَهَّمَ مِنَ الْوَصْل تَغْيِيرُ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ، أَوْ لاَ يَنْبَغِي الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَلاَ الاِبْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهُ، لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ تَغْيِيرِ الْمَعْنَى أَوْ رَدَاءَةِ التَّلَفُّظِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُمْ: لاَ يُوقَفُ عَلَى كَذَا، مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لاَ يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ صِنَاعَةً، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ

стр. 6027

الْوَقْفَ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ، بَل خِلاَفُ الأَْوْلَى، إِلاَّ إِنْ تَعَمَّدَ قَاصِدًا الْمَعْنَى الْمُوهِمَ. (١) ثُمَّ تَطَرَّقَ ابْنُ غَازِيٍّ إِلَى حُكْمِ تَعَلُّمِ التَّجْوِيدِ بِالنِّسْبَةِ لِمُرِيدِ الْقِرَاءَةِ، فَقَرَّرَ عَدَمَ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أَخَذَ الْقِرَاءَةَ عَلَى شَيْخٍ مُتْقِنٍ، وَلَمْ يَتَطَرَّقِ اللَّحْنُ إِلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ عِلْمِيَّةٍ بِمَسَائِلِهِ، وَكَذَلِكَ عَدَمُ وُجُوبِ تَعَلُّمِهِ عَلَى الْعَرَبِيِّ الْفَصِيحِ الَّذِي لاَ يَتَطَرَّقُ اللَّحْنُ إِلَيْهِ، بِأَنْ كَانَ طَبْعُهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالتَّجْوِيدِ، فَإِنَّ تَعَلُّمَ هَذَيْنِ لِلأَْحْكَامِ أَمْرٌ صِنَاعِيٌّ. أَمَّا مَنْ أَخَل بِشَيْءٍ مِنَ الأَْحْكَامِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا فَصِيحًا، فَلاَ بُدَّ فِي حَقِّهِ مِنْ تَعَلُّمِ الأَْحْكَامِ وَالأَْخْذِ بِمُقْتَضَاهَا مِنْ أَفْوَاهِ الْمَشَايِخِ. (٢) قَال الإِْمَامُ الْجَزَرِيُّ فِي النَّشْرِ: وَلاَ شَكَّ أَنَّ الأُْمَّةَ كَمَا هُمْ مُتَعَبَّدُونَ بِفَهْمِ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ، كَذَلِكَ هُمْ مُتَعَبِّدُونَ بِتَصْحِيحِ أَلْفَاظِهِ وَإِقَامَةِ حُرُوفِهِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَلَقَّاةِ مِنْ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ وَالْمُتَّصِلَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ . (٣) مَا يَتَنَاوَلُهُ التَّجْوِيدُ مِنْ أُمُورٍ: ٥ - التَّجْوِيدُ عِلْمٌ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّهُ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ تِلْكَ الْعُلُومِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْقُرْآنِ بِأَنَّهُ

стр. 6028

يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ، لِحَاجَتِهِمْ إِلَى تِلاَوَةِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا أُنْزِل، حَسْبَمَا نُقِل عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ . وَهُوَ إِمَّا أَنْ يُحَصَّل بِالتَّعَلُّمِ لِمَسَائِلِهِ، أَوْ يُؤْخَذَ بِالتَّلَقِّي مِنْ أَفْوَاهِ الْعُلَمَاءِ، وَلاَ بُدَّ فِي الْحَالَيْنِ مِنَ التَّمْرِينِ وَالتَّكْرَارِ. قَال أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ: لَيْسَ بَيْنَ التَّجْوِيدِ وَتَرْكِهِ إِلاَّ رِيَاضَةٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ بِفَكَهٍ. وَقَال أَحْمَدُ بْنُ الْجَزَرِيِّ: لاَ أَعْلَمُ سَبَبًا لِبُلُوغِ نِهَايَةِ الإِْتْقَانِ وَالتَّجْوِيدِ وَوُصُول غَايَةِ التَّصْحِيحِ وَالتَّسْدِيدِ مِثْل رِيَاضَةِ الأَْلْسُنِ وَالتَّكْرَارِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُتَلَقَّى مِنْ فَمِ الْمُحْسِنِ. وَيَشْتَمِل عِلْمُ التَّجْوِيدِ عَلَى أَبْحَاثٍ كَثِيرَةٍ أَهَمُّهَا: أ - مَخَارِجُ الْحُرُوفِ، لِلتَّوَصُّل إِلَى إِخْرَاجِ كُل حَرْفٍ مِنْ مَخْرَجِهِ الصَّحِيحِ. ب - صِفَاتُ الْحُرُوفِ، مِنْ جَهْرٍ وَهَمْسٍ مَعَ مَعْرِفَةِ الْحُرُوفِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي الصِّفَةِ. ج - التَّفْخِيمُ وَالتَّرْقِيقُ وَمَا يَتَّصِل بِذَلِكَ مِنْ أَحْكَامٍ لِبَعْضِ الْحُرُوفِ كَالرَّاءِ وَاللاَّمِ. د - أَحْوَال النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ وَالْمِيمِ السَّاكِنَةِ. هـ - الْمَدُّ وَالْقَصْرُ وَأَنْوَاعُ الْمَدِّ. و الْوَقْفُ وَالاِبْتِدَاءُ وَالْقَطْعُ وَمَا يَتَّصِل بِذَلِكَ مِنْ أَحْكَامٍ. ز - أَحْكَامُ الاِبْتِدَاءِ بِالْقِرَاءَةِ، مِنْ تَعَوُّذٍ وَبَسْمَلَةٍ وَأَحْكَامِ خَتْمِ الْقُرْآنِ وَآدَابِ التِّلاَوَةِ.

стр. 6029

وَمَوْطِنُ تَفْصِيل ذَلِكَ هُوَ كُتُبُ عِلْمِ التَّجْوِيدِ، وَكَذَلِكَ كُتُبُ الْقِرَاءَاتِ فِي آخِرِ أَبْحَاثِهَا كَمَا فِي مَنْظُومَةِ حِرْزِ الأَْمَانِي لِلشَّاطِبِيِّ، أَوْ فِي أَوَائِلِهَا كَمَا فِي " الطَّيِّبَةِ " لِمُحَمَّدِ بْنِ الْجَزَرِيِّ، وَفِي بَعْضِ الْمُطَوَّلاَتِ مِنْ كُتُبِ عُلُومِ الْقُرْآنِ كَالْبُرْهَانِ لِلزَّرْكَشِيِّ، وَالإِْتْقَانِ لِلسُّيُوطِيِّ. مَا يُخِل بِالتَّجْوِيدِ، وَحُكْمُهُ: ٦ - يَقَعُ الإِْخْلاَل بِالتَّجْوِيدِ إِمَّا فِي أَدَاءِ الْحُرُوفِ، وَإِمَّا فِيمَا يُلاَبِسُ الْقِرَاءَةَ مِنَ التَّغْيِيرَاتِ الصَّوْتِيَّةِ الْمُخَالِفَةِ لِكَيْفِيَّةِ النُّطْقِ الْمَأْثُورَةِ. فَالنَّوْعُ الأَْوَّل يُسَمَّى (اللَّحْنَ) أَيِ الْخَطَأَ وَالْمَيْل عَنِ الصَّوَابِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ. وَاللَّحْنُ الْجَلِيُّ: خَطَأٌ يَطْرَأُ عَلَى الأَْلْفَاظِ فَيُخِل بِعُرْفِ الْقِرَاءَةِ، سَوَاءٌ أَخَل بِالْمَعْنَى أَمْ لَمْ يُخِل. وَسُمِّيَ جَلِيًّا لأَِنَّهُ يُخِل إِخْلاَلاً ظَاهِرًا يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ عُلَمَاءُ الْقُرْآنِ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ يَكُونُ فِي مَبْنَى الْكَلِمَةِ كَتَبْدِيل حَرْفٍ بِآخَرَ، أَوْ فِي حَرَكَتِهَا بِتَبْدِيلِهَا إِلَى حَرَكَةٍ أُخْرَى أَوْ سُكُونٍ، سَوَاءٌ أَتَغَيَّرَ الْمَعْنَى بِالْخَطَأِ فِيهَا أَمْ لَمْ يَتَغَيَّرْ. وَهَذَا النَّوْعُ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى تَلاَفِيهِ، سَوَاءٌ أَوْهَمَ خَلَل الْمَعْنَى أَوِ اقْتَضَى تَغْيِيرَ الإِْعْرَابِ. وَأَمَّا اللَّحْنُ الْخَفِيُّ: فَهُوَ خَطَأٌ يَطْرَأُ عَلَى اللَّفْظِ، فَيُخِل بِعُرْفِ الْقِرَاءَةِ وَلاَ يُخِل بِالْمَعْنَى. وَسُمِّيَ خَفِيًّا لأَِنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ عُلَمَاءُ الْقُرْآنِ

стр. 6030

وَأَهْل التَّجْوِيدِ. وَهُوَ يَكُونُ فِي صِفَاتِ الْحُرُوفِ (١) ، وَهَذَا اللَّحْنُ الْخَفِيُّ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: لاَ يَعْرِفُهُ إِلاَّ عُلَمَاءُ الْقِرَاءَةِ كَتَرْكِ الإِْخْفَاءِ، وَهُوَ لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عِقَابٌ كَمَا سَبَقَ، بَل فِيهِ خَوْفُ الْعِتَابِ وَالتَّهْدِيدِ (٢) . وَالثَّانِي: لاَ يَعْرِفُهُ إِلاَّ مَهَرَةُ الْقُرَّاءِ كَتَكْرِيرِ الرَّاءَاتِ وَتَغْلِيظِ اللاَّمَاتِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا، وَمُرَاعَاةُ مِثْل هَذَا مُسْتَحَبَّةٌ تَحْسُنُ فِي حَال الأَْدَاءِ. وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الإِْخْلاَل فَهُوَ مَا يَحْصُل مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ عَنِ الْحَدِّ الْمَنْقُول مِنْ أَوْضَاعِ التِّلاَوَةِ، سَوَاءٌ فِي أَدَاءِ الْحَرْفِ أَوِ الْحَرَكَةِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ، وَسَبَبُ الإِْخْلاَل الْقِرَاءَةُ بِالأَْلْحَانِ الْمُطْرِبَةِ الْمُرَجِّعَةِ كَتَرْجِيعِ الْغِنَاءِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إِخْرَاجِ التِّلاَوَةِ عَنْ أَوْضَاعِهَا الصَّحِيحَةِ، وَتَشْبِيهِ الْقُرْآنِ بِالأَْغَانِي الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الطَّرَبُ (٣) . وَاسْتَدَلُّوا لِمَنْعِ ذَلِكَ بِحَدِيثِ عَابِسٍ ﵁ قَال: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: بَادِرُوا بِالْمَوْتِ سِتًّا: إِمْرَةَ السُّفَهَاءِ، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ، وَبَيْعَ الْحُكْمِ، وَاسْتِخْفَافًا بِالدَّمِ، وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وَنَشْئًا يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ

стр. 6031

يُقَدِّمُونَهُ يُغَنِّيهِمْ، وَإِنْ كَانَ أَقَل مِنْهُمْ فِقْهًا (١) . قَال الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: وَالْمُرَادُ بِلُحُونِ الْعَرَبِ: الْقِرَاءَةُ بِالطَّبْعِ وَالسَّلِيقَةِ كَمَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلاَ نَقْصٍ، وَالْمُرَادُ بِلُحُونِ أَهْل الْفِسْقِ وَالْكَبَائِرِ: الأَْنْغَامُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ عِلْمِ الْمُوسِيقَى، وَالأَْمْرُ فِي الْخَبَرِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ، وَالنَّهْيُ عَلَى الْكَرَاهَةِ إِنْ حَصَلَتِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى صِحَّةِ أَلْفَاظِ الْحُرُوفِ، وَإِلاَّ فَعَلَى التَّحْرِيمِ (٢) . قَال الرَّافِعِيُّ: الْمَكْرُوهُ أَنْ يُفَرِّطَ فِي الْمَدِّ وَفِي إِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ، حَتَّى يَتَوَلَّدَ مِنَ الْفَتْحَةِ أَلِفٌ وَمِنَ الضَّمَّةِ وَاوٌ. . . إِلَخْ قَال النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ الإِْفْرَاطَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ حَرَامٌ يَفْسُقُ بِهِ الْقَارِئُ وَيَأْثَمُ بِهِ الْمُسْتَمِعُ، لأَِنَّهُ عَدَل بِهِ عَنْ مَنْهَجِهِ الْقَوِيمِ، وَهَذَا مُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِالْكَرَاهَةِ. وَقَدْ أَوْرَدَ عُلَمَاءُ التَّجْوِيدِ نَمَاذِجَ مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْهَا مَا يُسَمَّى بِالتَّرْقِيصِ، وَالتَّحْزِينِ، وَالتَّرْعِيدِ، وَالتَّحْرِيفِ، وَالْقِرَاءَةِ بِاللِّينِ وَالرَّخَاوَةِ

стр. 6032

فِي الْحُرُوفِ، وَالنَّقْرِ بِالْحُرُوفِ وَتَقْطِيعِهَا. . . (١) إِلَخْ. وَتَفْصِيل الْمُرَادِ بِذَلِكَ فِي مَرَاجِعِهِ، وَمِنْهَا شُرُوحُ الْجَزَرِيَّةِ، وَنِهَايَةُ الْقَوْل الْمُفِيدِ، وَقَدْ أَوْرَدَ أَبْيَاتًا فِي ذَلِكَ مِنْ مَنْظُومَةٍ لِلإِْمَامِ عَلَمِ الدِّينِ السَّخَاوِيِّ، ثُمَّ نَقَل عَنْ شَرْحِهَا قَوْلَهُ: فَكُل حَرْفٍ لَهُ مِيزَانٌ يُعْرَفُ بِهِ مِقْدَارُ حَقِيقَتِهِ، وَذَلِكَ الْمِيزَانُ هُوَ مَخْرَجُهُ وَصِفَتُهُ، وَإِذَا خَرَجَ عَنْ مَخْرَجِهِ مُعْطًى مَا لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ عَلَى وَجْهِ الْعَدْل فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَلاَ تَفْرِيطٍ فَقَدْ وُزِنَ بِمِيزَانِهِ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ التَّجْوِيدِ (٢) . وَسَبِيل ذَلِكَ التَّلَقِّي مِنْ أَفْوَاهِ الْقُرَّاءِ الْمُتْقِنِينَ. تَحَالُفٌ اُنْظُرْ: حِلْفٌ. تَحْبِيسٌ اُنْظُرْ: وَقْفٌ.

стр. 6033

تَحْجِيرٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّحْجِيرُ أَوِ الاِحْتِجَارُ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا: مَنْعُ الْغَيْرِ مِنَ الإِْحْيَاءِ بِوَضْعِ عَلاَمَةٍ كَحَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْجَوَانِبِ الأَْرْبَعَةِ، وَهُوَ يُفِيدُ الاِخْتِصَاصَ لاَ التَّمْلِيكَ (١) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْرْضَ الْمُحَجَّرَةَ - مِنَ الأَْرَاضِيِ الْخَرِبَةِ - لاَ يَجُوزُ إِحْيَاؤُهَا؛ لأَِنَّ مَنْ حَجَّرَهَا أَوْلَى بِالاِنْتِفَاعِ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَهْمَلَهَا فَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلاَتٌ. فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَضَعُوا مُدَّةً قُصْوَى لِلاِخْتِصَاصِ الْحَاصِل بِالتَّحْجِيرِ، وَهِيَ ثَلاَثُ سَنَوَاتٍ، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ دِيَانَةً، أَمَّا قَضَاءً فَإِذَا أَحْيَاهَا غَيْرُهُ قَبْل مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ مَلَكَهَا، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِتَعْمِيرِهَا

стр. 6034

أَخَذَهَا الإِْمَامُ وَدَفَعَهَا إِلَى غَيْرِهِ، لِقَوْل عُمَرَ ﵁: لَيْسَ لِمُتَحَجِّرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ حَقٌّ (١) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَهْمَل الْمُتَحَجِّرُ إِحْيَاءَ الأَْرْضِ مُدَّةً غَيْرَ طَوِيلَةٍ عُرْفًا، وَجَاءَ مَنْ يُحْيِيهَا فَإِنَّ الْحَقَّ لِلْمُتَحَجِّرِ. وَالْوَجْهُ الآْخَرُ لِلْحَنَابِلَةِ: أَنَّ التَّحْجِيرَ بِلاَ عَمَلٍ لاَ يُفِيدُ، وَأَنَّ الْحَقَّ لِمَنْ أَحْيَا تِلْكَ الأَْرْضَ (٢) . وَسَبَقَ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ ج ٢ ١٦) .

стр. 6035

تَحْدِيدٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّحْدِيدُ لُغَةً: مَصْدَرُ حَدَّدَ، وَأَصْل الْحَدِّ: الْمَنْعُ وَالْفَصْل بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، يُقَال: حَدَّدْتُ الدَّارَ تَحْدِيدًا: إِذَا مَيَّزْتَهَا مِنْ مُجَاوَرَاتِهَا بِذِكْرِ نِهَايَاتِهَا (١) . وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: تَحْدِيدُ الشَّيْءِ عِبَارَةٌ عَنْ ذِكْرِ حُدُودِهِ، وَيُسْتَعْمَل غَالِبًا فِي الْعَقَارِ، كَمَا يَقُولُونَ: إِنِ ادَّعَى عَقَارًا حَدَّدَهُ، أَيْ ذَكَرَ الْمُدَّعِي حُدُودَهُ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّعْيِينُ: ٢ - تَعْيِينُ الشَّيْءِ: تَخْصِيصُهُ مِنَ الْجُمْلَةِ، يُقَال: عَيَّنْتُ النِّيَّةَ إِذَا نَوَيْتَ صَوْمًا مُعَيَّنًا، وَمِنْهُ خِيَارُ التَّعْيِينِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ أَوِ الثَّلاَثَةَ عَلَى أَنْ يُعَيِّنَهُ فِي خِلاَل ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ (٣) .

стр. 6036

ب - التَّقْدِيرُ: ٣ - التَّقْدِيرُ مِنَ الْقَدْرِ، وَقَدْرُ الشَّيْءِ وَمِقْدَارُهُ: مِقْيَاسُهُ، فَالتَّقْدِيرُ: وَضْعُ قَدْرٍ لِلشَّيْءِ أَوْ قِيَاسُهُ، أَوِ التَّرَوِّي وَالتَّفْكِيرُ فِي تَسْوِيَةِ أَمْرٍ وَتَهْيِئَتِهِ، وَمِنْهُ: تَقْدِيرُ الْقَاضِي الْعُقُوبَةَ الرَّادِعَةَ فِي التَّعْزِيرِ بِحَيْثُ تَتَنَاسَبُ مَعَ الْجَرِيمَةِ وَالْمُجْرِمِ (١) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٤ - تَحْدِيدُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْعُقُودِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْعَقَارِ بِحَيْثُ تَنْتَفِي الْجَهَالَةُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ. وَتَحْدِيدُ الْمُدَّعِي شَرْطٌ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى إِذَا كَانَ عَقَارًا؛ لأَِنَّ الْعَقَارَ لاَ يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ فَتَعَذَّرَ تَعْرِيفُهُ بِالإِْشَارَةِ، فَيُعْرَفُ بِالْحُدُودِ، فَيَذْكُرُ الْمُدَّعِي الْحُدُودَ الأَْرْبَعَةَ، وَيَذْكُرُ أَسْمَاءَ أَصْحَابِ الْحُدُودِ وَأَنْسَابَهُمْ، وَيَذْكُرُ الْمَحَلَّةَ وَالْبَلَدَ، وَإِلاَّ لاَ تَصِحُّ الدَّعْوَى (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (دَعْوَى) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ تَحْدِيدَ الْمُدَّعِي فِي كِتَابِ الدَّعْوَى، وَتَحْدِيدَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَنَحْوِهَا.

стр. 6037

تَحَرُّفٌ التَّعْرِيفُ: ١ - مِنْ مَعَانِي التَّحَرُّفِ فِي اللُّغَةِ: الْمَيْل، وَالْعُدُول عَنِ الشَّيْءِ. يُقَال: حَرَّفَ عَنِ الشَّيْءِ يُحَرِّفُ حَرْفًا وَتَحَرَّفَ: عَدَل، وَإِذَا مَال الإِْنْسَانُ عَنْ شَيْءٍ يُقَال: تَحَرَّفَ (١) . وَاصْطِلاَحًا: يُطْلَقُ عَلَى التَّحَرُّفِ فِي الْقِتَال بِمَعْنَى تَرْكِ الْمَوْقِفِ إِلَى مَوْقِفٍ أَصْلَحَ لِلْقِتَال مِنْهُ، حَسَبَ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَال، أَوْ لِلتَّوَجُّهِ إِلَى قِتَال طَائِفَةٍ أُخْرَى أَهَمَّ مِنْ هَؤُلاَءِ، أَوْ مُسْتَطْرِدًا لِقِتَال عَدُوِّهِ بِطَلَبِ عَوْرَةٍ لَهُ يُمْكِنُهُ إِصَابَتُهَا، فَيَكُرُّ عَلَيْهِ (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٢ - إِذَا الْتَقَى جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ وَكَانَ عَدَدُ

стр. 6038

الْكُفَّارِ مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَقَل يَحْرُمُ الْفِرَارُ وَالاِنْصِرَافُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ، فَيَجُوزُ لَهُ الاِنْصِرَافُ بِقَصْدِ التَّحَرُّفِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَْدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١) . وَالْمُتَحَرِّفُ هُوَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنْ جِهَةٍ إِلَى أُخْرَى حَسْبَمَا يَقْتَضِيهِ الْحَال، فَلَهُ أَنْ يَنْتَقِل مِنْ مَكَان ضَيِّقٍ إِلَى مَكَانٍ أَرْحَبَ مِنْهُ، لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ إِلَى مُتَّسَعٍ سَهْلٍ لِلْقِتَال، أَوْ مِنْ مَوْضِعٍ مَكْشُوفٍ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ غَيْرِ مَكْشُوفٍ لِيَكْمُنَ فِيهِ وَيَهْجُمَ، أَوْ عَنْ مَحَلِّهِ لأَِصْوَنَ مِنْهُ عَنْ نَحْوِ رِيحٍ أَوْ شَمْسٍ أَوْ عَطَشٍ، أَوْ يَفِرَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لِتُنْتَقَضَ صُفُوفُهُمْ وَيَجِدَ فِيهِمْ فُرْصَةً، أَوْ لِيَسْتَنِدَ إِلَى جَبَلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَهْل الْحَرْبِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا فِي خُطْبَتِهِ إِذْ قَال: " يَا سَارِيَةَ بْنَ زُنَيْمٍ الْجَبَل "، وَكَانَ قَدْ بَعَثَ سَارِيَةَ إِلَى نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ لِغَزْوِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ ذَلِكَ الْجَيْشُ أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ لاَقَوْا عَدُوَّهُمْ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ، فَسَمِعُوا صَوْتَ عُمَرَ فَتَحَيَّزُوا إِلَى الْجَبَل، فَنَجَوْا مِنْ عَدُوِّهِمْ فَانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ.

стр. 6039

وَالتَّحَرُّفُ جَائِزٌ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَلَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ أَجَازُوهُ لِغَيْرِ أَمِيرِ الْجَيْشِ وَالإِْمَامِ. أَمَّا هُمَا فَلَيْسَ لَهُمَا التَّحَرُّفُ؛ لِمَا يَحْصُل بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الْخَلَل وَالْمَفْسَدَةِ (١) . وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (جِهَادٌ) .

стр. 6040

تَحَرِّي التَّعْرِيفُ: ١ - التَّحَرِّي فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ وَالاِبْتِغَاءُ، كَقَوْل الْقَائِل: أَتَحَرَّى مَسَرَّتَكَ، أَيْ أَطْلُبُ مَرْضَاتَكَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ (١) أَيْ قَصَدُوا طَرِيقَ الْحَقِّ وَتَوَخَّوْهُ. وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ : تَحَرُّوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ. . . الْحَدِيثَ (٢) . أَيِ اعْتَنُوا بِطَلَبِهَا (٣) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: بَذْل الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْمَقْصُودِ، أَوْ طَلَبُ الشَّيْءِ بِغَالِبِ الظَّنِّ عِنْدَ عَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ (٤) .

стр. 6041

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الاِجْتِهَادُ: ٢ - الاِجْتِهَادُ وَالتَّحَرِّي لَفْظَانِ مُتَقَارِبَا الْمَعْنَى، وَمَعْنَاهُمَا: بَذْل الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْمَقْصُودِ، إِلاَّ أَنَّ لَفْظَ الاِجْتِهَادِ صَارَ فِي عُرْفِ الْعُلَمَاءِ مَخْصُوصًا بِبَذْل الْمُجْتَهِدِ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَبَذْل الْمَجْهُودِ فِي تَعَرُّفِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ مِنَ الدَّلِيل. أَمَّا التَّحَرِّي فَقَدْ يَكُونُ بِدَلِيلٍ، وَقَدْ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ شَهَادَةِ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ (١) . فَكُل اجْتِهَادٍ تَحَرٍّ، وَلَيْسَ كُل تَحَرٍّ اجْتِهَادًاٌ. ب - التَّوَخِّي: ٣ - التَّوَخِّي مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَخْيِ، بِمَعْنَى الْقَصْدِ، فَالتَّحَرِّي وَالتَّوَخِّي سَوَاءٌ، إِلاَّ أَنَّ لَفْظَ التَّوَخِّي يُسْتَعْمَل فِي الْمُعَامَلاَتِ. كَمَا قَال ﷺ لِلرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ اخْتَصَمَا فِي الْمَوَارِيثِ: اذْهَبَا وَتَوَخَّيَا، وَاسْتَهِمَا، وَلْيُحْلِل كُل وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ (٢) . وَأَمَّا التَّحَرِّي فَيُسْتَعْمَل غَالِبًا فِي

стр. 6042

الْعِبَادَاتِ (١) . كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ (٢) ج - الظَّنُّ: ٤ - الظَّنُّ: هُوَ إِدْرَاكُ الطَّرَفِ الرَّاجِحِ مَعَ احْتِمَال النَّقِيضِ، فَفِي الظَّنِّ يَكُونُ تَرْجِيحُ أَحَدِ الأَْمْرَيْنِ عَلَى الآْخَرِ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَيَكُونُ التَّرْجِيحُ فِي التَّحَرِّي بِغَالِبِ الرَّأْيِ، وَهُوَ دَلِيلٌ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى طَرَفِ الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ لاَ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى مَا يُوجِبُ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَل الظَّنُّ بِمَعْنَى الْيَقِينِ (٣) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ (٤) . د - الشَّكُّ: ٥ - الشَّكُّ: تَرَدُّدٌ بَيْنَ احْتِمَالَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ، أَيْ مِنْ غَيْرِ رُجْحَانٍ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ عِنْدَ الشَّاكِّ (٥) . فَالتَّحَرِّي وَسِيلَةٌ لإِِزَالَةِ الشَّكِّ.

стр. 6043

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٦ - التَّحَرِّي مَشْرُوعٌ وَالْعَمَل بِهِ جَائِزٌ، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْمَعْقُول: أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (١) . وَذَلِكَ يَكُونُ بِالتَّحَرِّي وَغَالِبِ الرَّأْيِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَالْحَدِيثَانِ السَّابِقَانِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ التَّوَخِّي. وَأَمَّا مَا يَدُل عَلَيْهِ مِنَ الْمَعْقُول: فَهُوَ أَنَّ الاِجْتِهَادَ فِي الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ جَائِزٌ لِلْعَمَل بِهِ، وَذَلِكَ عَمَلٌ بِغَالِبِ الرَّأْيِ، ثُمَّ جُعِل مَدْرَكًا مِنْ مَدَارِكِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَتِ الأَْحْكَامُ لاَ تَثْبُتُ بِهِ ابْتِدَاءً، فَكَذَلِكَ التَّحَرِّي مَدْرَكٌ مِنْ مَدَارِكِ التَّوَصُّل إِلَى أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ وَإِنْ كَانَتِ الْعِبَادَةُ لاَ تَثْبُتُ بِهِ ابْتِدَاءً (٢) . هَذَا، وَالتَّحَرِّي فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَرَدَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلاَفِ مَوَاطِنِهِ:

стр. 6044

أَوَّلاً: التَّحَرِّي لِمَعْرِفَةِ الطَّاهِرِ مِنْ غَيْرِهِ حَالَةَ الاِخْتِلاَطِ: أ - اخْتِلاَطُ الأَْوَانِي: ٧ - إِذَا اخْتَلَطَتِ الأَْوَانِي الَّتِي فِيهَا مَاءٌ طَاهِرٌ بِالأَْوَانِي الَّتِي فِيهَا مَاءٌ نَجِسٌ، وَاشْتَبَهَ الأَْمْرُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ سِوَى ذَلِكَ، وَلاَ يُعْرَفُ الطَّاهِرُ مِنَ النَّجِسِ: فَإِنْ كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلأَْوَانِي الطَّاهِرَةِ، يَتَحَرَّى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ، وَبِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ لَزِمَهُ اسْتِعْمَال الْمَاءِ الطَّاهِرِ، وَإِصَابَتُهُ بِتَحَرِّيهِ مَأْمُولَةٌ، وَلأَِنَّ جِهَةَ الإِْبَاحَةِ قَدْ تَرَجَّحَتْ. وَإِنْ كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلأَْوَانِي النَّجِسَةِ أَوْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى إِلاَّ لِلشُّرْبِ حَالَةَ الضَّرُورَةِ، إِذْ لاَ بَدِيل لَهُ، بِخِلاَفِ الْوُضُوءِ فَإِنَّ لَهُ بَدِيلاً (١) . وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ عَدَمُ جَوَازِ التَّحَرِّي، وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُ الأَْوَانِي الطَّاهِرَةِ (٢) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي الْحَالَيْنِ، فَيَتَوَضَّأُ بِالأَْغْلَبِ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلاَةِ، فَجَازَ التَّحَرِّي مِنْ أَجْلِهِ كَالْقِبْلَةِ (٣) .

стр. 6045

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ ثَلاَثَةُ أَوَانٍ نَجِسَةٍ أَوْ مُتَنَجِّسَةٍ وَاثْنَانِ طَهُورَانِ، وَاشْتَبَهَتْ هَذِهِ بِهَذِهِ، فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ ثَلاَثَةَ وُضُوءَاتٍ مِنْ ثَلاَثَةِ أَوَانٍ عَدَدَ الأَْوَانِي النَّجِسَةِ، وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءًا رَابِعًا مِنْ إِنَاءٍ رَابِعٍ، وَيُصَلِّي بِكُل وُضُوءٍ صَلاَةً (١) . وَحَكَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلاً آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنَ الأَْوَانِي وُضُوءًا وَيُصَلِّي بِهِ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اشْتِبَاهٌ) . ب - اخْتِلاَطُ الثِّيَابِ: ٨ - إِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَى الشَّخْصِ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةٍ، وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهَا، وَلَيْسَ مَعَهُ ثَوْبٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ غَيْرَهَا، وَلاَ مَا يَغْسِلُهَا بِهِ، وَلاَ يَعْرِفُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ، وَاحْتَاجَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ مَا عَدَا الْمُزَنِيَّ، وَيُصَلِّي فِي الَّذِي يَقَعُ تَحَرِّيهِ عَلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلثِّيَابِ النَّجِسَةِ أَمِ الطَّاهِرَةِ، أَوْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ التَّحَرِّي، وَيُصَلِّي فِي ثِيَابٍ مِنْهَا بِعَدَدِ النَّجِسِ مِنْهَا، وَيَزِيدُ صَلاَةً فِي ثَوْبٍ آخَرَ. وَقَال

стр. 6046

ابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَتَحَرَّى فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ. وَقَال أَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ: لاَ يُصَلِّي فِي شَيْءٍ مِنْهَا، كَقَوْلِهِمَا فِي الأَْوَانِي (١) . ج - اخْتِلاَطُ الْمُذَكَّاةِ بِالْمَيْتَةِ: ٩ - إِذَا اخْتَلَطَتِ الْمُذَكَّاةُ بِالْمَيْتَةِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي حَالَةِ الاِضْطِرَارِ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْمُذَكَّاةِ أَمْ لِلْمَيْتَةِ أَوْ تَسَاوَيَا. وَفِي حَالَةِ الاِخْتِيَارِ لاَ يَجُوزُ التَّحَرِّي إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْحَلاَل. وَأَمَّا الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمُ التَّحَرِّي مُطْلَقًا فِي هَذَا الْمَجَال (٢) . د - التَّحَرِّي فِي الْحَيْضِ: ١٠ - إِذَا نَسِيَتِ امْرَأَةٌ عَدَدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا وَمَوْضِعَهَا، وَاشْتَبَهَ عَلَيْهَا حَالُهَا فِي الْحَيْضِ

стр. 6047

وَالطُّهْرِ فَالْمُتَبَادَرُ مِنْ أَقْوَال جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَتَحَرَّى، فَإِنْ وَقَعَ أَكْبَرُ رَأْيِهَا عَلَى أَنَّهَا حَائِضٌ أُعْطِيَتْ حُكْمَهُ، وَإِنْ وَقَعَ أَكْبَرُ رَأْيِهَا عَلَى أَنَّهَا طَاهِرَةٌ أُعْطِيَتْ حُكْمَ الطَّاهِرَاتِ؛ لأَِنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مِنَ الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَأَمَّا إِذَا تَحَيَّرَتْ وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهَا شَيْءٌ، فَهِيَ الْمُتَحَيِّرَةُ أَوِ الْمُضَلَّةُ، فَعَلَيْهَا الأَْخْذُ بِالأَْحْوَطِ فِي الأَْحْكَامِ (١) . وَلِتَفْصِيل أَحْكَامِهَا يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ (حَيْضٌ، اسْتِحَاضَةٌ) . ثَانِيًا: مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ بِالاِسْتِدْلاَل وَالتَّحَرِّي: ١١ - إِنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ، وَكَانَ بِمَكَّةَ وَفِي حَال مُشَاهَدَةِ الْكَعْبَةِ وَمُعَايَنَتِهِ لَهَا، فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ عَلَيْهِ التَّوَجُّهَ إِلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ، وَمُقَابَلَةَ ذَاتِهَا. وَإِنْ كَانَ نَائِيًا عَنِ الْكَعْبَةِ غَائِبًا عَنْهَا: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَكْفِيهِ اسْتِقْبَال جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِاجْتِهَادٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِصَابَةُ الْعَيْنِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ. وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ تَلْزَمُهُ إِصَابَةُ الْعَيْنِ (٢) .

стр. 6048

وَلاَ يَجُوزُ الاِجْتِهَادُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مَعَ وُجُودِ مَحَارِيبِ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ مَحَارِيبُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي تَكَرَّرَتِ الصَّلَوَاتُ إِلَيْهَا. كَمَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِجْتِهَادُ إِذَا كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ مِنْ أَهْل الْمَكَانِ الْعَالِمِ بِهَا، بِشَرْطِ كَوْنِهِ مَقْبُول الشَّهَادَةِ، فَالذِّمِّيُّ وَالْجَاهِل وَالْفَاسِقُ وَالصَّبِيُّ لاَ يُعْتَدُّ بِإِخْبَارِهِ فِي هَذَا الْمَجَال. فَإِذَا عَجَزَ الْمُصَلِّي عَنْ إِصَابَةِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَى جِهَتِهَا اسْتِدْلاَلاً بِالْمَحَارِيبِ الْمَنْصُوبَةِ الْقَدِيمَةِ، أَوْ سُؤَال مَنْ هُوَ عَالِمٌ بِالْقِبْلَةِ، مِمَّنْ تُقْبَل شَهَادَتُهُ مِنْ أَهْل الْمَكَانِ: فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ، فَعَلَيْهِ الاِجْتِهَادُ. وَالْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ هُوَ: الْعَالِمُ بِأَدِلَّتِهَا وَهِيَ: النُّجُومُ، وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، وَالرِّيَاحُ، وَالْجِبَال، وَالأَْنْهَارُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْوَسَائِل وَالْمَعَالِمِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ. فَإِنَّ كُل مَنْ عَلِمَ بِأَدِلَّةِ شَيْءٍ كَانَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ، وَإِنْ جَهِل غَيْرَهُ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِأَدِلَّتِهَا، أَوْ كَانَ أَعْمَى فَهُوَ مُقَلِّدٌ وَإِنْ عَلِمَ غَيْرَهَا (١) . فَالْمُصَلِّي الْقَادِرُ عَلَى الاِجْتِهَادِ إِنْ صَلَّى بِغَيْرِ

стр. 6049

اجْتِهَادٍ، فَالْمُتَبَادَرُ مِنْ أَقْوَال جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ صَلاَتُهُ، وَإِنْ وَقَعَتْ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَدَّاهُ الاِجْتِهَادُ إِلَى جِهَةٍ فَصَلَّى إِلَى غَيْرِهَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ، فَصَلاَتُهُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ، لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، كَمَا لَوْ صَلَّى ظَانًّا أَنَّهُ مُحْدِثٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ (١) . وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (اسْتِقْبَالٌ) . ١٢ - مَنْ عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ بِالاِسْتِدْلاَل، بِأَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الأَْدِلَّةُ لِحَبْسٍ أَوْ غَيْمٍ، أَوِ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ أَوْ تَعَارَضَتْ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُخْبِرُهُ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ التَّحَرِّيَ وَتَصِحُّ صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ وَالإِْمْكَانِ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ إِلاَّ التَّحَرِّي. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُصَلِّي كَيْفَ كَانَ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ أَمْ لاَ، وَيَقْضِي لِنُدْرَةِ حُصُول ذَلِكَ (٢) .

стр. 6050

وَالأَْصْل فِي هَذَا الْبَابِ مَا رُوِيَ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَال: كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُل رَجُلٍ مِنَّا عَلَى خَيَالِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَنَزَل قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (١) وَقَال عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: قِبْلَةُ الْمُتَحَرِّي جِهَةُ قَصْدِهِ. ثَالِثًا: التَّحَرِّي فِي الصَّلاَةِ: ١٣ - مَنْ شَكَّ فِي الصَّلاَةِ فَلاَ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ الشَّكُّ كَثِيرًا فِي الصَّلاَةِ، وَكَانَ لَهُ رَأْيٌ تَحَرَّى، وَبَنَى عَلَى أَكْبَرِ رَأْيِهِ، لِقَوْلِهِ ﵊: مَنْ شَكَّ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ (٢) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَبْنِي عَلَى الأَْقَل، وَيَأْتِي بِمَا شَكَّ فِيهِ مُطْلَقًا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا شَكَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ فَعَلَيْهِ الأَْخْذُ بِالأَْقَل، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلاَمِ فَقَوْلاَنِ عِنْدَهُمْ: أَحَدُهُمَا:

стр. 6051

أَنْ يَقُومَ إِلَى التَّدَارُكِ، كَأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُسْرِ. وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ. فَمَنْ كَانَ إِمَامًا وَشَكَّ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى تَحَرَّى وَبَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ (الأَْقَل) ، وَفِي رِوَايَةٍ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ كَالإِْمَامِ، هَذَا إِذَا كَانَ لَهُ رَأْيٌ، أَمَّا إِذَا اسْتَوَى عِنْدَهُ الأَْمْرَانِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ إِمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا (١) . رَابِعًا: التَّحَرِّي فِي الصَّوْمِ: ١٤ - مَنْ كَانَ مَحْبُوسًا أَوْ كَانَ فِي بَعْضِ النَّوَاحِي النَّائِيَةِ عَنِ الأَْمْصَارِ، أَوْ بِدَارِ حَرْبٍ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُهُ التَّعَرُّفُ عَلَى الأَْشْهُرِ بِالْخَبَرِ وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ: فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّحَرِّي وَالاِجْتِهَادُ فِي مَعْرِفَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ، لأَِنَّهُ أَمْكَنَهُ تَأْدِيَةُ فَرْضٍ بِالتَّحَرِّي وَالاِجْتِهَادِ، فَلَزِمَهُ كَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ. فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَنْ أَمَارَةٍ تَقُومُ فِي نَفْسِهِ دُخُول شَهْرِ رَمَضَانَ صَامَهُ، ثُمَّ إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ شَهْرَ رَمَضَانَ، أَوْ لَمْ يَنْكَشِفْ لَهُ الْحَال أَجْزَأَهُ فِي قَوْل عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِالاِجْتِهَادِ، وَأَدْرَكَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّحَرِّي. وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَامَ شَهْرًا قَبْلَهُ، فَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ

стр. 6052

الثَّلاَثَةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ، لأَِنَّهُ أَدَّى الْعِبَادَةَ قَبْل وُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِهَا فَلَمْ تُجْزِئْهُ كَمَنْ صَلَّى قَبْل الْوَقْتِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ فِي الْقَدِيمِ فِي حَالَةِ تَبَيُّنِ الأَْمْرِ بَعْدَ رَمَضَانَ أَنَّهُ يُجْزِئُ، لأَِنَّهُ عِبَادَةٌ تُفْعَل فِي السَّنَةِ مَرَّةً، فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ فَرْضُهَا بِالْفِعْل قَبْل الْوَقْتِ عِنْدَ الْخَطَأِ. أَمَّا إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَامَ شَهْرًا بَعْدَهُ، جَازَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَلِكَ بِشَرْطَيْنِ: إِكْمَال الْعِدَّةِ، وَتَبْيِيتُ النِّيَّةِ لِشَهْرِ رَمَضَانَ، لأَِنَّهُ قَضَاءٌ، وَفِي الْقَضَاءِ يُعْتَبَرُ هَذَانِ الشَّرْطَانِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ أَدَاءٌ لِلْعُذْرِ؛ لأَِنَّ الْعُذْرَ قَدْ يَجْعَل غَيْرَ الْوَقْتِ وَقْتًا كَمَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ. وَعَلَى هَذَا فَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي صَامَهُ نَاقِصًا، وَرَمَضَانُ الَّذِي صَامَهُ النَّاسُ تَامًّا، صَامَ يَوْمًا؛ لأَِنَّ صَوْمَ شَهْرٍ آخَرَ بَعْدَهُ يَكُونُ قَضَاءً، وَالْقَضَاءُ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ الْفَائِتِ. وَعَلَى الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ - بِأَنَّهُ يَقَعُ أَدَاءً - يُجْزِئُهُ وَلَوْ صَامَهُ نَاقِصًا وَصَامَ النَّاسُ رَمَضَانَ تَامًّا؛ لأَِنَّ الشَّهْرَ يَقَعُ مَا بَيْنَ الْهِلاَلَيْنِ. وَكَذَلِكَ إِنْ وَافَقَ بَعْضَ رَمَضَانَ دُونَ بَعْضٍ، فَمَا وَافَقَ رَمَضَانَ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ، وَمَا وَافَقَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ. وَأَمَّا إِنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّهْرَ لَمْ يَدْخُل فَصَامَ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَلَوْ أَصَابَ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي دُخُولِهِ وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ.

стр. 6053

وَإِنْ صَامَ مَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الأَْشْهُرُ بِلاَ اجْتِهَادٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَبِلاَ تَحَرٍّ، لاَ يُجْزِئُهُ كَمَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ (١) . وَمَنْ شَكَّ فِي الْغُرُوبِ فِي يَوْمِ غَيْمٍ وَلَمْ يَتَحَرَّ لاَ يَحِل لَهُ الْفِطْرُ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ النَّهَارِ (٢) . خَامِسًا: التَّحَرِّي فِي مَعْرِفَةِ مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ: ١٥ - مَنْ شَكَّ فِي حَال مَنْ يَدْفَعُ لَهُ الزَّكَاةَ لَزِمَهُ التَّحَرِّي: فَإِنْ وَقَعَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهُ فَقِيرٌ دَفَعَ إِلَيْهِ، فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ فَقِيرٌ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ حَالِهِ شَيْءٌ جَازَ بِالاِتِّفَاقِ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ غَنِيًّا فَكَذَلِكَ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ الأَْوَّل، وَفِي قَوْلِهِ الآْخَرِ تَلْزَمُهُ الإِْعَادَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ بِاجْتِهَادٍ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ فِي الْوَاقِعِ كَغَنِيٍّ، أَوْ كَافِرٍ مَعَ ظَنِّهِ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ، لَمْ تُجْزِهِ. أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَرِوَايَتَانِ:

стр. 6054

إِحْدَاهُمَا يُجْزِئُهُ، وَالأُْخْرَى لاَ يُجْزِئُهُ (١) . وَلِمَعْرِفَةِ تَفْصِيل أَحْكَامِ ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (زَكَاةٌ) . سَادِسًا: التَّحَرِّي بَيْنَ الأَْقْيِسَةِ الْمُتَعَارِضَةِ: ١٦ - إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيلٌ لِتَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ، وَلَمْ يَقَعِ اخْتِيَارُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْعَمَل بِهِ، فَيَجِبُ التَّحَرِّي، خِلاَفًا لِلإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ يَقُول: لاَ يَجِبُ التَّحَرِّي، بَل لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْمَل بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَعَلَى هَذَا الْخِلاَفِ، التَّحَرِّي فِي قَوْل صَحَابِيَّيْنِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِحُجِّيَّةِ قَوْل الصَّحَابِيِّ (٢) ، وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ١٧ - وَرَدَ ذِكْرُ التَّحَرِّي فِي فُصُولٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ مِنْهَا: كِتَابُ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ، وَسَجْدَةِ السَّهْوِ، وَأَبْوَابُ الْحَيْضِ وَالطَّهَارَةِ، وَالصَّوْمِ، وَخَصَّصَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ لِلتَّحَرِّي كِتَابًا مُسْتَقِلًّا بِعِنْوَانِ (كِتَابُ التَّحَرِّي) (٣) ، كَمَا أَنَّهُ يُرْجَعُ لِتَفْصِيل أَحْكَامِهِ إِلَى مُصْطَلَحَاتِ (اسْتِقْبَالٌ، وَاسْتِحَاضَةٌ، وَاشْتِبَاهٌ) .

стр. 6055

تَحْرِيشٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّحْرِيشُ فِي اللُّغَةِ: إِغْرَاءُ الإِْنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ لِيَقَعَ بِقِرْنِهِ، أَيْ نَظِيرِهِ. يُقَال: حَرَّشَ بَيْنَ الْقَوْمِ إِذَا أَفْسَدَ بَيْنَهُمْ، وَأَغْرَى بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ. قَال الْجَوْهَرِيُّ: التَّحْرِيشُ: الإِْغْرَاءُ بَيْنَ الْقَوْمِ، أَوِ الْبَهَائِمِ، كَالْكِلاَبِ وَالثِّيرَانِ وَغَيْرِهِمَا، بِتَهْيِيجِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، فَفِي التَّحْرِيشِ تَسْلِيطٌ لِلْمُحَرَّشِ عَلَى غَيْرِهِ (١) . وَيُقَال فِي تَسْلِيطِ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ نَحْوَهُ عَلَى الصَّيْدِ: إِشْلاَءٌ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلتَّحْرِيشِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: التَّحْرِيضُ: ٢ - التَّحْرِيضُ: الْحَثُّ عَلَى الْقِتَال وَغَيْرِهِ، وَهُوَ يَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَيَغْلِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا

стр. 6056

يَكُونُ الْحَثُّ فِيهِ لِطَرَفٍ، أَمَّا التَّحْرِيشُ فَيَكُونُ فِيهِ الْحَثُّ لِطَرَفَيْنِ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٣ - التَّحْرِيشُ بَيْنَ النَّاسِ بِقَصْدِ الإِْفْسَادِ حَرَامٌ، لأَِنَّهُ وَسِيلَةٌ لإِِفْسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَمِنْ صُوَرِ التَّحْرِيشِ: النَّمِيمَةُ. قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَل مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَال: صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ (١) أَمَّا تَحْرِيشُ الْحَيَوَانِ - بِمَعْنَى الإِْغْرَاءِ وَالتَّسْلِيطِ وَالإِْرْسَال بِقَصْدِ الصَّيْدِ - فَمُبَاحٌ كَإِرْسَال الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ. وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي حُرْمَةِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ، بِتَحْرِيضِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَتَهْيِيجِهِ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ سَفَهٌ وَيُؤَدِّي إِلَى حُصُول الأَْذَى لِلْحَيَوَانِ، وَرُبَّمَا أَدَّى إِلَى إِتْلاَفِهِ بِدُونِ غَرَضٍ مَشْرُوعٍ (٢) .

стр. 6057

وَجَاءَ فِي الأَْثَرِ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ (١) . وَيَحْرُمُ التَّحْرِيشُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِقَصْدِ الإِْفْسَادِ وَإِثَارَةِ الْفِتْنَةِ بَيْنَهُمْ. وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ (٢) . أَمَّا الإِْغْرَاءُ عَلَى فِعْلٍ مَشْرُوعٍ فَيُسَمَّى تَحْرِيضًا، وَمِنْهُ التَّحْرِيضُ عَلَى رُكُوبِ الْخَيْل، وَالتَّدَرُّبُ عَلَى الرَّمْيِ، وَفُنُونِ الْقِتَال وَهُوَ جَائِزٌ. وَقَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ (٣) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (تَحْرِيضٌ) .

стр. 6058

تَحْرِيضٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّحْرِيضُ فِي اللُّغَةِ: التَّحْضِيضُ وَالْحَثُّ عَلَى الْقِتَال وَغَيْرِهِ وَالإِْحْمَاءُ عَلَيْهِ. وَجَاءَ فِي التَّنْزِيل: ﴿فَقَاتِل فِي سَبِيل اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَقَرِيبٌ مِنَ التَّحْرِيضِ الْحَثُّ وَالتَّحْرِيشُ وَالإِْغْرَاءُ وَالتَّهْيِيجُ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّثْبِيطُ: ٢ - التَّثَبُّطُ مَصْدَرُ ثَبَّطَهُ عَنِ الأَْمْرِ تَثْبِيطًا: شَغَلَهُ عَنْهُ وَعَوَّقَهُ. وَنَحْوُهُ التَّخْذِيل، وَهُوَ: حَمْل أَنْصَارِ الشَّخْصِ عَلَى تَرْكِ عَوْنِهِ وَتَثْبِيطِهِ عَنْ نُصْرَتِهِ. فَالتَّثْبِيطُ ضِدُّ التَّحْرِيضِ (٣) .

стр. 6059

ب - الإِْرْجَافُ: ٣ - الإِْرْجَافُ مَصْدَرُ: أَرْجَفَ فِي الشَّيْءِ: خَاضَ فِيهِ، وَأَرْجَفَ الْقَوْمُ: إِذَا خَاضُوا فِي الأَْخْبَارِ السَّيِّئَةِ وَذِكْرِ الْفِتَنِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ (١) وَهُمُ الَّذِينَ يُوَلِّدُونَ الأَْخْبَارَ الْكَاذِبَةَ الَّتِي يَكُونُ مَعَهَا اضْطِرَابٌ فِي النَّاسِ (٢) . فَالإِْرْجَافُ وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِل التَّثْبِيطِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ التَّحْرِيضِ. ج - التَّحْرِيشُ: ٤ - التَّحْرِيشُ: إِغْرَاءُ الإِْنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ لِيَقَعَ بِقِرْنِهِ أَيْ نَظِيرِهِ. وَلاَ يَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ إِلاَّ فِي الشَّرِّ، وَهُوَ فِيمَا يَكُونُ الْحَثُّ فِيهِ لِطَرَفَيْنِ. أَمَّا التَّحْرِيضُ فَيَكُونُ الْحَثُّ فِيهِ لِطَرَفٍ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٥ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّحْرِيضِ بِاخْتِلاَفِ مَوْضُوعِهِ: فَالتَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَال فِي الْجِهَادِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَكَذَلِكَ التَّحْرِيضُ عَلَى الْبِرِّ وَالإِْحْسَانِ، كَإِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ وَالأَْيْتَامِ. وَالتَّحْرِيضُ فِي الْفَسَادِ، وَأَنْوَاعِ الْمُنْكَرِ حَرَامٌ. وَتَحْرِيضُ السَّبُعِ الضَّارِي، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ

стр. 6060

عَلَى إِنْسَانٍ مَعْصُومِ الدَّمِ أَوْ مَالٍ مُحْتَرَمٍ حَرَامٌ وَمُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، بِتَفْصِيلٍ يَأْتِي. تَحْرِيضُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقِتَال: ٦ - يُسَنُّ لِلإِْمَامِ وَالأَْمِيرِ إِذَا جَهَّزَ جَيْشًا أَوْ سَرِيَّةً لِلْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَادِ أَنْ يُحَرِّضَهُمْ عَلَى الْقِتَال وَعَلَى الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِل فِي سَبِيل اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَال﴾ (٣) وَتَفْصِيلُهُ فِي بَابِ الْجِهَادِ. التَّحْرِيضُ عَلَى الْمُسَابَقَةِ: ٧ - يُسَنُّ تَحْرِيضُ الرِّجَال عَلَى الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ وَرُكُوبِ الْخَيْل. وَيَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَدْفَعَ الْعِوَضَ مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَمِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ، كَمَا يَجُوزُ لِلأَْفْرَادِ أَيْضًا أَنْ يَدْفَعُوهُ، لأَِنَّهُ بَذْلٌ فِي طَاعَةٍ، وَيُثَابُ عَلَيْهِ (٤) . لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الإِْعْدَادِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل﴾ (٥)
следующие страницы →