← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

إِحْدَاهُمَا بِالنَّقْدِ، وَالأُْخْرَى بِالنَّسِيئَةِ، مِثْل أَنْ يَقُول بِعْتُكِ هَذَا نَقْدًا بِعَشَرَةٍ، وَبِالنَّسِيئَةِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ. يَرَى جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (١) أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ إِذَا صَدَرَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ لاَ يَصِحُّ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ (٢) ، جَاءَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: " كَذَلِكَ فَسَّرَهُ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَهَذَا قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ لَهُ بِبَيْعٍ وَاحِدٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَال بِعْتُكِ أَحَدَ هَذَيْنِ؛ وَلأَِنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ فَلَمْ يَصِحَّ، كَالْبَيْعِ بِالرَّقْمِ الْمَجْهُول "، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ بَأْسَ أَنْ يَقُول: أَبِيعُكِ بِالنَّقْدِ بِكَذَا، وَبِالنَّسِيئَةِ بِكَذَا، فَيَذْهَبُ إِلَى أَحَدِهِمَا. فَيَحْتَمِل أَنَّهُ جَرَى بَيْنَهُمَا بَعْدَمَا يَجْرِي فِي الْعَقْدِ، فَكَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَال: أَنَا آخُذُهُ بِالنَّسِيئَةِ بِكَذَا، فَقَال: خُذْهُ، أَوْ قَال: قَدْ رَضِيتُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ عَقْدًا كَافِيًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ كَقَوْل الْجُمْهُورِ، فَعَلَى هَذَا: إِنْ لَمْ يُوجَدْ مَا يَدُل عَلَى الإِْيجَابِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّ مَا مَضَى مِنَ الْقَوْل لاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إِيجَابًا، فَهَذَا الْخِلاَفُ الْوَارِدُ فِي صِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ مَصْدَرُهُ

стр. 632

الصِّيغَةُ الصَّادِرَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى صِيغَتَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَجْزِمِ الْبَائِعُ بِبَيْعٍ وَاحِدٍ؛ وَلأَِنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ هَل هُوَ عَشَرَةٌ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ. وَإِذَا كَانَ الإِْيجَابُ غَيْرَ جَازِمٍ لاَ يَصْلُحُ، وَيَكُونُ عَرَضًا، فَإِذَا قَبِل الْمُوَجَّهُ إِلَيْهِ الْعَرَضُ إِحْدَى الصَّفْقَتَيْنِ كَانَ إِيجَابًا مُوَجَّهًا إِلَى الطَّرَفِ الأَْوَّل، فَإِنْ قَبِل تَمَّ الْعَقْدُ، وَإِلاَّ لَمْ يَتِمَّ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ ٨٤ - وَهِيَ بَيْعُ (١) الشَّيْءِ بِأَكْثَرَ مِنْ سِعْرِ يَوْمِهِ لأَِجْل النَّسَاءِ. يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (٢) جَوَازَ بَيْعِ الشَّيْءِ بِأَكْثَرَ مِنْ سِعْرِ يَوْمِهِ لأَِجْل النَّسَاءِ، وَذَلِكَ لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ الْقَاضِيَةِ بِجَوَازِ الْبَيْعِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٣) وَهُوَ عَامٌّ فِي إِبَاحَةِ سَائِرِ الْبِيَاعَاتِ إِلاَّ مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ، وَلاَ يُوجَدُ دَلِيلٌ يُخَصِّصُ هَذَا الْعُمُومَ (٤) . الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ تَأْجِيل الدَّيْنِ الْحَال فِي مُقَابِل زِيَادَةٍ: ٨٥ - وَهَذِهِ الصُّورَةُ تَدْخُل فِي بَابِ الرِّبَا (٥) " إِذِ الرِّبَا الْمُحَرَّمُ شَرْعًا شَيْئَانِ: رِبَا النَّسَاءِ، وَرِبَا التَّفَاضُل. وَغَالِبُ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ، مِنْ قَوْلِهَا لِلْغَرِيمِ: أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي؟ فَكَانَ الْغَرِيمُ يَزِيدُ فِي الْمَال، وَيَصْبِرُ الطَّالِبُ عَلَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ مُحَرَّمٌ بِاتِّفَاقِ

стр. 633

الأُْمَّةِ ". قَال الْجَصَّاصُ: مَعْلُومٌ أَنَّ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ إِنَّمَا كَانَ قَرْضًا مُؤَجَّلاً بِزِيَادَةٍ مَشْرُوطَةٍ، فَكَانَتِ الزِّيَادَةُ بَدَلاً مِنَ الأَْجَل، فَأَبْطَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَحَرَّمَهُ، وَقَال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ وَقَال تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (١) حَظَرَ أَنْ يُؤْخَذَ لِلأَْجَل عِوَضٌ، وَلاَ خِلاَفَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ حَالَّةً، فَقَال لَهُ: أَجِّلْنِي وَأَزِيدُكَ فِيهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ، لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الْمِائَةَ عِوَضٌ مِنَ الأَْجَل " (٢) . الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ تَعْجِيل الدَّيْنِ الْمُؤَجَّل فِي مُقَابِل التَّنَازُل عَنْ بَعْضِهِ ضَعْ وَتَعَجَّل. ٨٦ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، فَقَال الْمَدِينُ لِغَرِيمِهِ: ضَعْ عَنِّي بَعْضَهُ وَأُعَجِّل لَكَ بَقِيَّتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَكَرِهَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَالْمِقْدَادُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسَالِمٌ، وَالْحَسَنُ، وَحَمَّادٌ، وَالْحَكَمُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَهُشَيْمٌ، وَابْنُ عُلَيَّةَ، وَإِسْحَاقُ (٣) . فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً سَأَل ابْنَ عُمَرَ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ سَأَلَهُ، فَقَال: إِنَّ هَذَا يُرِيدُ أَنْ أُطْعِمَهُ الرِّبَا (٤) .

стр. 634

وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَيْضًا النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ (١) . وَرُوِيَ أَنَّ الْمِقْدَادَ قَال لِرَجُلَيْنِ فَعَلاَ ذَلِكَ: كِلاَكُمَا قَدْ أَذِنَ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَاسْتَدَل جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى بُطْلاَنِ ذَلِكَ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَسْمِيَةُ ابْنِ عُمَرَ إِيَّاهُ رِبَا، وَمِثْل ذَلِكَ لاَ يُقَال بِالرَّأْيِ وَأَسْمَاءُ الشَّرْعِ تَوْقِيفٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ إِنَّمَا كَانَ قَرْضًا مُؤَجَّلاً بِزِيَادَةٍ مَشْرُوطَةٍ، فَكَانَتِ الزِّيَادَةُ بَدَلاً مِنَ الأَْجَل، فَأَبْطَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَحَرَّمَهُ، وَقَال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٢) وَقَال تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٣) حَظَرَ أَنْ يُؤْخَذَ لِلأَْجَل عِوَضٌ. فَإِذَا كَانَتْ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ مُؤَجَّلَةٌ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَهُ، فَإِنَّمَا جَعَل الْحَطَّ مُقَابِل الأَْجَل، فَكَانَ هَذَا هُوَ مَعْنَى الرِّبَا الَّذِي نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَلاَ خِلاَفَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ حَالَّةٌ، فَقَال لَهُ: أَجِّلْنِي وَأَزِيدُكَ فِيهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ، لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الْمِائَةَ عِوَضٌ مِنَ الأَْجَل، كَذَلِكَ الْحَطُّ فِي مَعْنَى الزِّيَادَةِ، إِذْ جَعَلَهُ عِوَضًا مِنَ الأَْجَل، وَهَذَا هُوَ الأَْصْل فِي امْتِنَاعِ جَوَازِ أَخْذِ الأَْبْدَال عَنِ الآْجَال (٤) . فَحُرْمَةُ رِبَا النَّسَاءِ لَيْسَتْ إِلاَّ لِشُبْهَةِ مُبَادَلَةِ الْمَال بِالأَْجَل وَإِذَا كَانَتْ شُبْهَةُ الرِّبَا مُوجِبَةً لِلْحُرْمَةِ

стр. 635

فَحَقِيقَتُهُ أَوْلَى بِذَلِكَ (١) . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ حَمْل هَذَا عَلَى إِسْقَاطِ الدَّائِنِ لِبَعْضِ حَقِّهِ؛ لأَِنَّ الْمُعَجَّل لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا بِالْعَقْدِ، حَتَّى يَكُونَ اسْتِيفَاؤُهُ اسْتِيفَاءً لِبَعْضِ حَقِّهِ، وَالْمُعَجَّل خَيْرٌ مِنَ الْمُؤَجَّل لاَ مَحَالَةَ، فَيَكُونُ (فِيمَا لَوْ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفٌ مُؤَجَّلَةٌ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ حَالَّةٍ) خَمْسُمِائَةٍ فِي مُقَابِل مِثْلِهِ مِنَ الدَّيْنِ، وَصِفَةُ التَّعْجِيل فِي مُقَابَلَةِ الْبَاقِي - وَهُوَ الْخَمْسُمِائَةِ - وَذَلِكَ اعْتِيَاضٌ عَنِ الأَْجَل، وَهُوَ حَرَامٌ. وَأَيْضًا لأَِنَّ الأَْجَل صِفَةٌ، كَالْجَوْدَةِ، وَالاِعْتِيَاضُ عَنِ الْجَوْدَةِ لاَ يَجُوزُ، فَكَذَا عَنِ الأَْجَل. (٢) وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ (٣) : إِنَّهُ بَيْعُ الْحُلُول، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ زَادَهُ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ، فَقَال لَهُ: أُعْطِيكَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَتُعَجِّل لِيَ الْمِائَةَ الَّتِي عَلَيْكَ، وَيَقُول صَاحِبُ الْكِفَايَةِ: وَالأَْصْل فِيهِ أَنَّ الإِْحْسَانَ مَتَى وُجِدَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ يَكُونُ مَحْمُولاً عَلَى الْمُعَاوَضَةِ - كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - فَإِنَّ الدَّائِنَ أَسْقَطَ مِنْ حَقِّهِ خَمْسَمِائَةٍ، وَالْمَدْيُونَ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الأَْجَل فِي الْخَمْسِمِائَةِ الْبَاقِيَةِ، فَيَكُونُ مُعَاوَضَةً بِخِلاَفِ مَا إِذَا صَالَحَ مِنْ أَلْفٍ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مَحْمُولاً عَلَى إِسْقَاطِ بَعْضِ الْحَقِّ، دُونَ الْمُعَاوَضَةِ؛ لأَِنَّ الإِْحْسَانَ لَمْ يُوجَدْ إِلاَّ مِنْ طَرَفِ رَبِّ الدَّيْنِ (٤) . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَأْسًا بِهَذَا ضَعْ

стр. 636

عَنِّي وَتَعَجَّل، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّخَعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لأَِنَّهُ آخِذٌ لِبَعْضِ حَقِّهِ، تَارِكٌ لِبَعْضِهِ، فَجَازَ كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (وَهُوَ قَوْل الْخِرَقِيِّ مِنْ عُلَمَائِهِمْ (١)) أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَ الْمَوْلَى مُكَاتَبَهُ عَلَى تَعْجِيل بَدَل الْكِتَابَةِ فِي مُقَابِل الْحَطِّ مِنْهُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ مَعْنَى الإِْرْفَاقِ فِيمَا بَيْنَهُمَا أَظْهَرُ مِنْ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، فَلاَ يَكُونُ هَذَا فِي مُقَابَلَةِ الأَْجَل بِبَعْضِ الْمَال، وَلَكِنْ إِرْفَاقٌ مِنَ الْمَوْلَى بِحَطِّ بَعْضِ الْمَال، وَمُسَاهَلَةٌ مِنَ الْمُكَاتَبِ فِيمَا بَقِيَ قَبْل حُلُول الأَْجَل لِيَتَوَصَّل إِلَى شَرَفِ الْحُرِّيَّةِ؛ وَلأَِنَّ الْمُعَامَلَةَ هُنَا هِيَ مُعَامَلَةُ الْمُكَاتَبِ مَعَ سَيِّدِهِ، وَهُوَ يَبِيعُ بَعْضَ مَالِهِ بِبَعْضٍ، فَدَخَلَتِ الْمُسَامَحَةُ فِيهِ، بِخِلاَفِ غَيْرِهِ. اخْتِلاَفُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الأَْجَل ٨٧ - اخْتِلاَفُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الأَْجَل إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَصْل الأَْجَل، أَوْ فِي مِقْدَارِهِ، أَوْ فِي حُلُولِهِ، أَوْ فِي مُضِيِّهِ وَفِيمَا يَلِي آرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ: الاِخْتِلاَفُ فِي أَصْل الأَْجَل فِي الْبَيْعِ: ٨٨ - إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي أَصْل الأَْجَل، بِأَنْ قَال الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُهُ بِدِينَارٍ مُؤَجَّلٍ، وَأَنْكَرَهُ الْبَائِعُ - فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ قَدِ اخْتَلَفُوا:

стр. 637

فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْقَوْل لِمَنْ يَنْفِي الأَْجَل، وَهُوَ الْبَائِعُ، مَعَ يَمِينِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الأَْصْل الْحُلُول (١) . وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لأَِنَّهُ يُثْبِتُ خِلاَفَ الظَّاهِرِ، وَالْبَيِّنَاتُ لِلإِْثْبَاتِ، وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يُعْمَل بِالْعُرْفِ بِالْيَمِينِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً أَوْ فَاتَتْ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا إِنْ كَانَتْ قَائِمَةً، فَتُرَدُّ السِّلْعَةُ لِبَائِعِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَائِمَةً صُدِّقَ الْمُشْتَرِي بِيَمِينٍ إِنِ ادَّعَى أَجَلاً قَرِيبًا لاَ يُتَّهَمُ فِيهِ، وَإِلاَّ فَالْقَوْل لِلْبَائِعِ إِنْ حَلَفَ (٢) . وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُدَّعًى عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّهُ مُدَّعٍ (٣) . وَلأَِنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْعَقْدِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَحَالَفَا، قِيَاسًا عَلَى الاِخْتِلاَفِ فِي الثَّمَنِ (٤) . الاِخْتِلاَفُ فِي مِقْدَارِ الأَْجَل: ٨٩ - إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي مِقْدَارِ الأَْجَل، كَمَا إِذَا قَال الْبَائِعُ: بِعْتُكَهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إِلَى شَهْرٍ، وَيَدَّعِي الْمُشْتَرِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْقَوْل قَوْل مُدَّعِي الأَْقَل، لإِِنْكَارِهِ الزِّيَادَةَ، وَالْبَيِّنَةُ لِلْمُشْتَرِي،

стр. 638

لأَِنَّهُ يُثْبِتُ خِلاَفَ الظَّاهِرِ، وَالْبَيِّنَاتُ لإِِثْبَاتِ خِلاَفِ الظَّاهِرِ (١) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى) أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ؛ وَلأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُدَّعًى عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّهُ مُدَّعٍ، فَإِذَا تَحَالَفَا فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٢) فُسِخَ الْعَقْدُ إِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً - عَلَى الْمَشْهُورِ - إِنْ حَكَمَ بِالْفَسْخِ حَاكِمٌ، أَوْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ، وَتَعُودُ السِّلْعَةُ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ حَقِيقَةً، ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا. وَقِيل يَحْصُل الْفَسْخُ بِمُجَرَّدِ التَّحَالُفِ، كَاللِّعَانِ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمٍ. وَحَلَفَ الْمُشْتَرِي إِنْ فَاتَ الْمَبِيعُ كُلُّهُ، فَإِنْ فَاتَ الْبَعْضُ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُمَا إِذَا تَحَالَفَا فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعَقْدَ لاَ يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ؛ لأَِنَّ الْبَيِّنَةَ أَقْوَى مِنَ الْيَمِينِ، وَلَوْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً لَمْ يَنْفَسِخْ فَبِالتَّحَالُفِ أَوْلَى، بَل إِنْ تَرَاضَيَا عَلَى مَا قَال أَحَدُهُمَا أُقِرَّ الْعَقْدُ وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا بِأَنِ اسْتَمَرَّ نِزَاعُهُمَا فَيَفْسَخَانِهِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، أَوِ الْحَاكِمُ لِقَطْعِ النِّزَاعِ، وَحَقُّ الْفَسْخِ بَعْدَ التَّحَالُفِ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ، فَلَوْ لَمْ يَفْسَخَا فِي الْحَال كَانَ لَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ لِبَقَاءِ الضَّرَرِ الْمُحْوِجِ لِلْفَسْخِ. وَقِيل إِنَّمَا يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ؛ لأَِنَّهُ فَسْخٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَلاَ يَفْسَخُ أَحَدُهُمَا. وَمُقَابِل الصَّحِيحِ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ بِالتَّحَالُفِ وَتَعُودُ الْحَال إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْل الْعَقْدِ (٣) .

стр. 639

الاِخْتِلاَفُ فِي انْتِهَاءِ الأَْجَل: ٩٠ - إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي مُضِيِّ الأَْجَل، مَعَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى التَّأْجِيل - كَمَا إِذَا قَال الْبَائِعُ بِعْتُكَهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إِلَى شَهْرٍ أَوَّلُهُ هِلاَل رَمَضَانَ، وَقَدِ انْقَضَى، وَيَقُول الْمُشْتَرِي بَل أَوَّلُهُ نِصْفُ رَمَضَانَ فَانْتِهَاءُ الأَْجَل نِصْفُ شَوَّالٍ - فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ: فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْقَوْل وَالْبَيِّنَةَ لِلْمُشْتَرِي؛ لأَِنَّهُمَا لَمَّا اتَّفَقَا عَلَى الأَْجَل، فَالأَْصْل بَقَاؤُهُ، فَكَانَ الْقَوْل لِلْمُشْتَرِي فِي عَدَمِ مُضِيِّهِ؛ وَلأَِنَّهُ مُنْكِرٌ تَوَجُّهَ الْمُطَالَبَةِ، وَأَمَّا تَقْدِيمُ بَيِّنَتِهِ عَلَى بَيِّنَةِ الْبَائِعِ فَلِكَوْنِهَا أَكْثَرَ إِثْبَاتًا (١) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ (٢) أَنَّ الْقَوْل لِمُنْكِرِ التَّقَضِّي بِيَمِينِهِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ الأَْجَل، " أَيْ أَنَّ الْقَوْل لِمَنِ ادَّعَى بَقَاءَ الأَْجَل، وَأَنْكَرَ انْقِضَاءَهُ، سَوَاءٌ كَانَ بَائِعًا أَوْ مُشْتَرِيًا، كَانَ مُكْرِيًا أَوْ مُكْتَرِيًا، إِذَا لَمْ تُوجَدْ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ كَانَ لأَِحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ عُمِل بِهَا، وَهَذَا إِنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُ عَادَةَ النَّاسِ فِي الأَْجَل - أَشْبَهَ الآْخَرُ أَمْ لاَ - فَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا مَعًا عَادَةَ النَّاسِ حَلَفَا، وَفُسِخَ إِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً، وَإِلاَّ فَالْقِيمَةُ، وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِل. . . ". مُسْقِطَاتُ الأَْجَل ٩١ - الأَْجَل إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَجَل إِضَافَةٍ، وَهُوَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَحَقُّقِهِ تَرَتُّبُ أَحْكَامِ التَّصَرُّفِ. أَوْ يَتَرَتَّبُ عَلَى

стр. 640

تَحَقُّقِهِ حُلُول الدَّيْنِ أَوْ حُلُول الْعَيْنِ فِيمَا يَصِحُّ إِضَافَتُهُ مِنَ الأَْعْيَانِ إِلَى أَجَلٍ، أَوْ يَكُونَ أَجَل تَوْقِيتٍ وَهُوَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى تَحَقُّقِهِ انْتِهَاءُ الْحَقِّ الَّذِي كَانَ لَهُ. وَالْمُسْقِطَاتُ - بِوَجْهٍ عَامٍّ - إِمَّا بِطَرِيقِ الإِْسْقَاطِ، وَإِمَّا بِطَرِيقِ السُّقُوطِ. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ: أَوَّلاً: إِسْقَاطُ الأَْجَل أ - إِسْقَاطُ الأَْجَل مِنْ قِبَل الْمَدِينِ: ٩٢ - لَمَّا كَانَ الأَْجَل قَدْ شُرِعَ رِفْقًا بِالْمَدِينِ وَتَمْكِينًا لَهُ مِنْ وَفَاءِ الدَّيْنِ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ لَهُ، وَرِعَايَةً لِحَالَةِ الْعَدَمِ الَّتِي يَتَعَرَّضُ لَهَا، كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُسْقِطَ أَجَل الدَّيْنِ، وَيُصْبِحَ الدَّيْنُ حَالًّا، وَعَلَى الدَّائِنِ قَبْضُ الدَّيْنِ. وَهَذَا هُوَ رَأْيُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةِ مُطْلَقًا وَكَذَا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى الإِْضْرَارِ بِالدَّائِنِ كَأَنْ كَانَ الأَْدَاءُ فِي مَكَانٍ مَخُوفٍ، أَوْ كَانَ لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ أَوْ كَانَ فِي وَقْتِ كَسَادٍ) عَلَى تَفْصِيلٍ فِي هَذِهِ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مَوَاطِنِهِ (١) . ب - إِسْقَاطُ الأَْجَل مِنْ قِبَل الدَّائِنِ: ٩٣ - تَبَيَّنَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الأَْجَل حَقٌّ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَإِذَا كَانَ حَقًّا لَهُ فَإِنَّهُ يَسْتَبِدُّ بِإِسْقَاطِهِ، طَالَمَا أَنَّهُ لاَ

стр. 641

يُؤَدِّي هَذَا الإِْسْقَاطُ إِلَى ضَرَرٍ بِالدَّائِنِ. أَمَّا الدَّائِنُ فَإِنَّ إِسْقَاطَهُ الأَْجَل يَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ أَجَلٍ لَحِقَ الْعَقْدَ وَقْتَ صُدُورِهِ - كَمَا لَوْ بَاعَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ - فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ الأَْجَل لاَزِمًا لِلدَّائِنِ لأَِنَّهُ الْتَحَقَ بِصُلْبِ الْعَقْدِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَبَيْنَ أَجَلٍ أَرَادَهُ الدَّائِنُ وَالْمَدِينُ بَعْدَ صُدُورِ الْعَقْدِ بِثَمَنٍ حَالٍّ، وَهَذَا النَّوْعُ قَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي لُزُومِهِ لِلدَّائِنِ، أَيْ أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِإِسْقَاطِهِ دُونَ الرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (غَيْرَ زُفَرَ) وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ بِثَمَنٍ حَالٍّ، ثُمَّ أَجَّلَهُ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ أَنَّ الثَّمَنَ يَصِيرُ مُؤَجَّلاً، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ ابْتِدَاءً، وَيُصْبِحُ الأَْجَل لاَزِمًا لِلدَّائِنِ لاَ يَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْهُ دُونَ رِضَا الْمَدِينِ. أَمَّا التَّأْجِيل فَلأَِنَّ الثَّمَنَ حَقُّهُ، فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ تَيْسِيرًا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ؛ وَلأَِنَّ التَّأْجِيل إِثْبَاتُ بَرَاءَةٍ مُؤَقَّتَةٍ إِلَى حُلُول الأَْجَل، وَهُوَ يَمْلِكُ الْبَرَاءَةَ الْمُطْلَقَةَ بِالإِْبْرَاءِ عَنِ الثَّمَنِ فَلأََنْ يَمْلِكَ الْبَرَاءَةَ الْمُؤَقَّتَةَ أَوْلَى، وَأَمَّا كَوْنُهُ لاَزِمًا لَهُ فَذَلِكَ لأَِنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ عَنْ إِسْقَاطِهِ بِالْبَرَاءَةِ الْمُطْلَقَةِ السُّقُوطَ، وَالتَّأْجِيل الْتِزَامُ الإِْسْقَاطِ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَيَثْبُتُ شَرْعًا السُّقُوطُ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَمَا ثَبَتَ شَرْعًا سُقُوطُهُ بِإِسْقَاطِهِ مُطْلَقًا (١) . وَقَال زُفَرُ (مِنْ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ) وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ كُل دَيْنٍ حَالٍّ لاَ يَصِيرُ مُؤَجَّلاً بِالتَّأْجِيل؛ لأَِنَّهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ حَالًّا لَيْسَ إِلاَّ وَعْدًا بِالتَّأْخِيرِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ فِي الرُّجُوعِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي لُزُومِ شَرْطِ تَأْجِيل الْقَرْضِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ لاَ يَرَوْنَ تَأْجِيلَهُ، حَتَّى لَوِ

стр. 642

اشْتُرِطَ فِيهِ التَّأْجِيل، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَاللَّيْثِ الَّذِينَ يَرَوْنَ لُزُومَهُ حَسَبَ التَّفْصِيل الَّذِي سَبَقَ بَيَانُهُ (١) . ج - إِسْقَاطُ الأَْجَل بِتَرَاضِي الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ: ٩٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ إِذَا تَرَاضَى الدَّائِنُ وَالْمَدِينُ عَلَى إِسْقَاطِ شَرْطِ التَّأْجِيل أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَصَحِيحٌ. ثَانِيًا: سُقُوطُ الأَْجَل تَنَاوَل الْفُقَهَاءُ عِدَّةَ أَسْبَابٍ إِذَا وَقَعَتْ أَدَّتْ إِلَى سُقُوطِ شَرْطِ التَّأْجِيل، وَمِنْهَا الْمَوْتُ وَالتَّفْلِيسُ وَالإِْعْسَارُ، وَالْجُنُونُ وَالأَْسْرُ. أ - سُقُوطُ الأَْجَل بِالْمَوْتِ (٢) : ٩٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُقُوطِ الأَْجَل بِمَوْتِ الْمَدِينِ أَوِ الدَّائِنِ: فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الأَْجَل يَبْطُل بِمَوْتِ الْمَدِينِ لِخَرَابِ ذِمَّتِهِ، وَلاَ يَبْطُل بِمَوْتِ الدَّائِنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَوْتًا حَقِيقِيًّا، أَمْ حُكْمِيًّا، وَذَلِكَ لأَِنَّ فَائِدَةَ التَّأْجِيل أَنْ يَتَّجِرَ فَيُؤَدِّيَ الثَّمَنَ مِنْ نَمَاءِ الْمَال، فَإِذَا مَاتَ مَنْ لَهُ الأَْجَل تَعَيَّنَ الْمَتْرُوكُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ، فَلاَ يُفِيدُ التَّأْجِيل (٣) ؛ وَلأَِنَّ الأَْجَل حَقُّ الْمَدِينِ، لاَ حَقُّ صَاحِبِ الدَّيْنِ، فَتُعْتَبَرُ حَيَاتُهُ وَمَوْتُهُ فِي الأَْجَل

стр. 643

وَبُطْلاَنِهِ (١) . وَمِثْل الْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ الْمَوْتُ الْحُكْمِيُّ، وَذَلِكَ كَمَا. لَوْ لَحِقَ مُرْتَدًّا بِدَارِ الْحَرْبِ (٢) - كَمَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ - أَوْ كَالرِّدَّةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَوْتِ أَوِ اسْتِرْقَاقِ الْحَرْبِيِّ - كَمَا صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ (٣) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُمْ يَسْتَثْنُونَ ثَلاَثَ حَالاَتٍ. جَاءَ فِي شَرْحِ الْخَرَشِيِّ (٤) : إِنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل عَلَى الشَّخْصِ يَحِل بِفَلَسِهِ أَوْ مَوْتِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ (٥) ، لأَِنَّ الذِّمَّةَ فِي الْحَالَتَيْنِ قَدْ خَرِبَتْ، وَالشَّرْعُ قَدْ حَكَمَ بِحُلُولِهِ؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَحِل لَلَزِمَ إِمَّا تَمْكِينُ الْوَارِثِ مِنَ الْقَسْمِ، أَوْ عَدَمِهِ، وَكِلاَهُمَا بَاطِلٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٦) ، وَلِلضَّرُورَةِ الْحَاصِلَةِ بِوَقْفِهِ. وَعَلَى الْمَشْهُورِ: لَوْ طَلَبَ بَعْضُ الْغُرَمَاءِ بَقَاءَهُ مُؤَجَّلاً مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ " وَأَمَّا لَوْ طَلَبَ الْكُل لَكَانَ لَهُمْ ذَلِكَ ". وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْمَوْتِ مَنْ قَتَل مَدِينَهُ (عَمْدًا) فَإِنَّ دَيْنَهُ الْمُؤَجَّل لاَ يَحِل، لِحَمْلِهِ عَلَى اسْتِعْجَال مَا أَجَّل. وَأَمَّا الدَّيْنُ الَّذِي لَهُ فَلاَ يَحِل بِفَلَسِهِ وَلاَ بِمَوْتِهِ، وَلِغُرَمَائِهِ تَأْخِيرُهُ إِلَى أَجَلِهِ، أَوْ بَيْعُهُ الآْنَ، وَمَحَل حُلُول الدَّيْنِ الْمُؤَجَّل بِالْمَوْتِ أَوِ الْفَلَسِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ مَنْ عَلَيْهِ أَنَّهُ لاَ يَحِل عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِذَلِكَ، وَإِلاَّ عُمِل بِشَرْطِهِ.

стр. 644

قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي الْمَوْتِ، وَأَمَّا إِنْ شَرَطَ مَنْ لَهُ أَنَّهُ يَحِل بِمَوْتِهِ عَلَى الْمَدِينِ فَهَل يُعْمَل بِشَرْطِهِ، أَوْ لاَ؟ وَالظَّاهِرُ الأَْوَّل (أَيْ أَنَّهُ يُعْمَل بِشَرْطِهِ) حَيْثُ كَانَ الشَّرْطُ غَيْرَ وَاقِعٍ فِي صُلْبِ عَقْدِ الْبَيْعِ، فَإِنْ وَقَعَ فِي صُلْبِ عَقْدِ الْبَيْعِ فَالظَّاهِرُ فَسَادُ الْبَيْعِ؛ لأَِنَّهُ آل أَمْرُهُ إِلَى الْبَيْعِ بِأَجَلٍ مَجْهُولٍ، وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ يَحِل الدَّيْنُ الْمُؤَجَّل بِمَوْتِ الدَّائِنِ، وَأَمَّا مَوْتُ الْمَدِينِ فَلَهُمْ رَأْيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَحِل بِمَوْتِ الْمَدِينِ كَمَا هُوَ رَأْيُ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يَحِل بِمَوْتِهِ إِذَا وَثِقَ الْوَرَثَةُ، فَقَدْ جَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ (١) : " أَنَّهُ إِذَا مَاتَ شَخْصٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ لَمْ يَحِل الدَّيْنُ بِمَوْتِهِ إِذَا وَثِقَ الْوَرَثَةُ، أَوْ وَثِقَ غَيْرُهُمْ بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ، عَلَى أَقَل الأَْمْرَيْنِ: مِنْ قِيمَةِ التَّرِكَةِ أَوِ الدَّيْنِ "، وَهُوَ قَوْل ابْنِ سِيرِينَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ لأَِنَّ الأَْجَل حَقٌّ لِلْمَيِّتِ، فَوُرِثَ عَنْهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَكَمَا لاَ تَحِل الدُّيُونُ الَّتِي لَهُ بِمَوْتِهِ، فَتَخْتَصُّ أَرْبَابُ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ بِالْمَال، وَيَتَقَاسَمُونَهُ بِالْمُحَاصَّةِ، وَلاَ يُتْرَكُ مِنْهُ لِلْمُؤَجَّل شَيْءٌ، وَلاَ يَرْجِعُ رَبُّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ حُلُولِهِ بَل عَلَى مَنْ وَثَّقَهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ التَّوَثُّقُ لِعَدَمِ وَارِثٍ، بِأَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَارِثٍ، حَل، وَلَوْ ضَمِنَهُ الإِْمَامُ، أَوْ " تَعَذَّرَ التَّوَثُّقُ " لِغَيْرِ عَدَمِ وَارِثٍ، بِأَنْ خَلَفَ وَارِثًا لَكِنَّهُ لَمْ يُوثَقْ، حَل الدَّيْنُ لِغَلَبَةِ الضَّرَرِ، فَيَأْخُذُهُ رَبُّهُ كُلَّهُ إِنِ اتَّسَعَتِ

стр. 645

التَّرِكَةُ أَوْ يُحَاصِصْ بِهِ الْغُرَمَاءَ، وَلاَ يَسْقُطُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي مُقَابَلَةِ الأَْجَل. وَإِنْ ضَمِنَهُ ضَامِنٌ وَحَل عَلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَحِل عَلَى الآْخَرِ. وَقَدِ اسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ عَلَى قَوْلِهِمْ بِأَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل لاَ يَحِل بِالْمَوْتِ إِذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةَ، فَقَالُوا: إِنَّ الأَْجَل حَقٌّ لِلْمَدِينِ فَلاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ؛ وَلأَِنَّ الْمَوْتَ مَا جُعِل مُبْطِلاً لِلْحُقُوقِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِيقَاتٌ لِلْخِلاَفَةِ وَعَلاَمَةٌ عَلَى الْوِرَاثَةِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ تَرَكَ حَقًّا أَوْ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ (١) وَمَا قِيل بِسُقُوطِهِ بِالْمَوْتِ هُوَ حُكْمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَلاَ يَشْهَدُ لَهَا شَاهِدُ الشَّرْعِ بِاعْتِبَارٍ، وَلاَ خِلاَفَ فِي فَسَادِ هَذَا، فَعَلَى هَذَا يَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ كَمَا كَانَ وَيَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ مَالِهِ كَتَعَلُّقِ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ بِمَال الْمُفْلِسِ عِنْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحَبَّ الْوَرَثَةُ أَدَاءَ الدَّيْنِ، وَالْتِزَامَهُ لِلْغَرِيمِ، عَلَى أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِي الْمَال، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَرْضَى الْغَرِيمُ، أَوْ يُوَثِّقُوا الْحَقَّ بِضَمِينٍ مَلِيءٍ، أَوْ رَهْنٍ يَثِقُ بِهِ لِوَفَاءِ حَقِّهِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ لاَ يَكُونُونَ أَمْلِيَاءَ، وَلَمْ يَرْضَ بِهِمُ الْغَرِيمُ، فَيُؤَدِّي إِلَى فَوَاتِ الْحَقِّ (٢) . وَيَرَى طَاوُسٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالزُّهْرِيُّ وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل لاَ يَحِل بِمَوْتِ الْمَدِينِ، وَيَبْقَى إِلَى أَجَلِهِ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ (٣) .

стр. 646

ب - سُقُوطُ الأَْجَل بِالتَّفْلِيسِ (١) : ٩٦ - إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْحَجْرِ عَلَى الْمَدِينِ لِلإِْفْلاَسِ، فَهَل تَحِل دُيُونُ الْمُفْلِسِ الْمُؤَجَّلَةُ؟ يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (فِي الأَْظْهَرِ) وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ تَحِل دُيُونُ الْمُفْلِسِ الْمُؤَجَّلَةُ؛ لأَِنَّ الأَْجَل حَقٌّ لِلْمُفْلِسِ، فَلاَ يَسْقُطُ بِفَلَسِهِ (٢) كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يُوجِبُ حُلُول مَالِهِ، فَلاَ يُوجِبُ حُلُول مَا عَلَيْهِ - كَالْجُنُونِ وَالإِْغْمَاءِ - وَلأَِنَّهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ عَلَى حَيٍّ، فَلَمْ يَحِل قَبْل أَجَلِهِ، كَغَيْرِ الْمُفْلِسِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ أَنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ خَرِبَتْ وَبَطَلَتْ بِخِلاَفِ الْمُفْلِسِ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٣) وَرَأْيٍ لِلشَّافِعِيَّةِ (٤) أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل يَحِل بِالإِْفْلاَسِ الأَْخَصِّ (أَيِ الشَّخْصُ الَّذِي حَكَمَ الْحَاكِمُ بِخَلْعِ مَالِهِ لِلْغُرَمَاءِ) لِخَرَابِ ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ، مَا لَمْ يَشْتَرِطِ الْمَدِينُ عَدَمَ حُلُولِهِ بِالتَّفْلِيسِ، وَمَا لَمْ يَتَّفِقِ الْغُرَمَاءُ جَمِيعًا عَلَى بَقَاءِ دُيُونِهِمْ مُؤَجَّلَةً. أَمَّا حُقُوقُ الْمُفْلِسِ الْمُؤَجَّلَةُ قِبَل الْغَيْرِ فَبِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ تَبْقَى عَلَى حَالِهَا؛ لأَِنَّ الأَْجَل حَقٌّ لِلْغَيْرِ، فَلَيْسَ لِغَيْرِ صَاحِبِهِ الْحَقُّ فِي إِسْقَاطِهِ.

стр. 647

ج - سُقُوطُ الأَْجَل بِالْجُنُونِ: ٩٧ - إِذَا جُنَّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّل أَوْ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ، فَهَل يَسْقُطُ الأَْجَل بِجُنُونِهِ؟ يَرَى الْحَنَفِيَّةُ (١) وَالشَّافِعِيَّةُ (٢) وَالْحَنَابِلَةُ (٣) جُنُونَ الْمَدِينِ لاَ يُوجِبُ حُلُول الدَّيْنِ عَلَيْهِ لإِِمْكَانِ التَّحْصِيل عِنْدَ حُلُول الأَْجَل بِوَاسِطَةِ وَلِيِّهِ، فَالأَْجَل بَاقٍ، وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ عِنْدَ حُلُول الأَْجَل مُطَالَبَةُ وَلِيِّهِ بِمَالِهِ. وَلأَِنَّ الأَْجَل حَقٌّ لِلْمَجْنُونِ فَلاَ يَسْقُطُ بِجُنُونِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يُوجِبُ حُلُول مَا لَهُ قِبَل الْغَيْرِ، فَلاَ يُوجِبُ حُلُول مَا عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل يَحِل بِالْفَلَسِ وَالْمَوْتِ مَا لَمْ يَشْتَرِطِ الْمَدِينُ عَدَمَ حُلُولِهِ بِهِمَا وَمَا لَمْ يَقْتُل الدَّائِنُ الْمَدِينَ عَمْدًا، وَلَمْ يَنُصُّوا عَلَى الْجُنُونِ مَعَهُمَا مِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ الْجُنُونَ عِنْدَهُمْ لاَ يُحِل الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل (٤) . د - سُقُوطُ الأَْجَل بِالأَْسْرِ أَوِ الْفَقْدِ (٥) : ٩٨ - يَرَى الْفُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الأَْسِيرَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ إِذَا عُلِمَ خَبَرُهُ وَمَكَانُهُ، كَانَ حُكْمُهُ كَالْغَائِبِ، وَالْغَائِبُ تَبْقَى دُيُونُهُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ

стр. 648

تَأْجِيلٍ أَوْ حُلُولٍ، سَوَاءٌ كَانَ دَائِنًا أَمْ مَدِينًا. أَمَّا إِذَا لَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ وَلاَ مَكَانُهُ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَفْقُودِ (١) لأَِنَّهُ حَيٌّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، مَيِّتٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ (٢) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ دُيُونَهُ تَبْقَى عَلَى حَالِهَا مِنْ تَأْجِيلٍ أَوْ حُلُولٍ، كَالْغَائِبِ - وَلاَ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمَفْقُودِ لأَِنَّهُ قَدْ عُرِفَ أَنَّهُ أُسِرَ؛ لأَِنَّهُ إِذَا كَانَتْ أَمْوَال الْمَفْقُودِ تَبْقَى كَمَا هِيَ، فَهُوَ أَوْلَى بِهَذَا الْحُكْمِ (٣) . أَمَّا إِذَا عُلِمَ مَوْتُ الأَْسِيرِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمَيِّتِ، وَكَذَا إِذَا عُلِمَ رِدَّتُهُ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ، وَهُوَ مَوْتٌ حُكْمًا كَمَا سَبَقَ الإِْشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَنَّ الآْجَال تَسْقُطُ بِمَوْتِ الْمَدِينِ مَوْتًا حَقِيقِيًّا أَوْ حُكْمِيًّا. هـ - سُقُوطُ الأَْجَل بِانْتِهَاءِ مُدَّتِهِ (٤) : ٩٩ - لَمَّا كَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الأَْجَل يُحَدِّدُ لَنَا الْمَدَى الزَّمَنِيَّ لاِسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، فَالْعَقْدُ أَوِ التَّصَرُّفُ الْمُقْتَرِنُ بِأَجَل التَّوْقِيتِ، أَوِ الْمُؤَقَّتِ، إِذَا انْقَضَى أَجَلُهُ انْتَهَى بِذَلِكَ الْعَقْدِ وَعَادَ الْحَقُّ إِلَى صَاحِبِهِ، كَمَا كَانَ أَوَّلاً، فَيَكُونُ عَلَى الْمُتَعَاقِدِ رَدُّ الْعَيْنِ إِلَى مَالِكِهَا إِذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ عَيْنًا، وَيَكُونُ عَلَيْهِ عَدَمُ التَّصَرُّفِ إِذَا كَانَ الْعَقْدُ يُجِيزُ لِلشَّخْصِ تَصَرُّفًا مَا مِنَ التَّصَرُّفَاتِ (٥) .

стр. 649

وَالْعَقْدُ الْمُؤَقَّتُ - إِذَا لَمْ يَكُنْ مُضَافًا وَلاَ مُعَلَّقًا - هُوَ عَقْدٌ نَاجِزٌ يَتِمُّ تَرَتُّبُ آثَارِهِ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ صُدُورِ الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ لَهُ شَرْعًا أَوِ اتِّفَاقًا. فَإِنْ أُضِيفَ إِلَى زَمَنٍ - وَكَانَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَقْبَل الإِْضَافَةَ فَمُدَّةُ التَّوْقِيتِ تَبْدَأُ مِنْ وَقْتِ حُلُول أَجَل الإِْضَافَةِ. وَكَذَلِكَ إِذَا عُلِّقَ عَلَى شَرْطٍ - وَكَانَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَقْبَل التَّعْلِيقَ - فَمُدَّةُ التَّوْقِيتِ تَبْدَأُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ الْعَقْدُ (١) . وَبِالإِْضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الأَْجَل يَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ الْعَقْدِ نَفْسِهِ الَّذِي اقْتُرِنَ بِهِ الأَْجَل؛ لأَِنَّ الأَْجَل وَصْفٌ لِلْعَقْدِ وَشَرْطٌ لاِعْتِبَارِهِ شَرْعًا، فَإِذَا انْتَهَى الْمَوْصُوفُ انْتَهَى الْوَصْفُ. اسْتِمْرَارُ الْعَمَل بِمُوجِبِ الْعَقْدِ الْمُنْقَضِي أَجَلُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ: ١٠٠ - قَدْ يَنْقَضِي الْعَقْدُ الْمُؤَقَّتُ. وَحِينَئِذٍ عَلَى الْمُنْتَفَعِ رَدُّ الْعَيْنِ إِلَى صَاحِبِهَا، وَلَكِنْ قَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى ضَرَرٍ، وَمِنْ ثَمَّ أَجَازَ الْفُقَهَاءُ تَأْخِيرَ الرَّدِّ إِلَى الْوَقْتِ الْمُلاَئِمِ، الَّذِي لاَ يُؤَدِّي إِلَى ضَرَرٍ، مَعَ ضَمَانِ حُقُوقِ الطَّرَفِ الآْخَرِ. وَلِذَلِكَ تَطْبِيقَاتٌ فِي الإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ تَنْظُرُ فِيهِمَا (٢) .

стр. 650

إِجْمَاعٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْجْمَاعُ فِي اللُّغَةِ يُرَادُ بِهِ تَارَةً الْعَزْمُ، يُقَال: أَجْمَعَ فُلاَنٌ كَذَا، أَوْ أَجْمَعَ عَلَى كَذَا، إِذَا عَزَمَ عَلَيْهِ وَتَارَةً يُرَادُ بِهِ الاِتِّفَاقُ، فَيُقَال: أَجْمَعَ الْقَوْمُ عَلَى كَذَا، أَيِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَعَنِ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ (١) . وَقِيل إِنَّ الْمَعْنَى الأَْصْلِيَّ لَهُ الْعَزْمُ، وَالاِتِّفَاقُ لاَزِمٌ ضَرُورِيٌّ إِذَا وَقَعَ مِنْ جَمَاعَةٍ، وَالإِْجْمَاعُ فِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ: اتِّفَاقُ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي عَصْرٍ مَا بَعْدَ عَصْرِهِ ﷺ عَلَى أَمْرٍ شَرْعِيٍّ، وَالْمُرَادُ بِالأَْمْرِ الشَّرْعِيِّ: مَا لاَ يُدْرَكُ لَوْلاَ خِطَابُ الشَّارِعِ، سَوَاءٌ أَكَانَ قَوْلاً أَمْ فِعْلاً أَمِ اعْتِقَادًا أَمْ تَقْرِيرًا. بَيَانُ مَنْ يَنْعَقِدُ بِهِمُ الإِْجْمَاعُ: ٢ - جُمْهُورُ أَهْل السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ يَنْعَقِدُ بِاتِّفَاقِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الأُْمَّةِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِاتِّفَاقِ غَيْرِهِمْ مَهْمَا كَانَ مِقْدَارُ ثَقَافَتِهِمْ، وَلاَ بُدَّ مِنَ اتِّفَاقِ الْمُجْتَهِدِينَ وَلَوْ كَانُوا أَصْحَابَ بِدْعَةٍ إِنْ لَمْ يَكْفُرُوا بِبِدْعَتِهِمْ، فَإِنْ كَفَرُوا بِهَا كَالرَّافِضَةِ الْغَالِينَ فَلاَ يُعْتَدُّ بِهِمْ، وَأَمَّا الْبِدْعَةُ غَيْرُ الْمُكَفِّرَةِ أَوِ الْفِسْقُ فَإِنَّ الاِعْتِدَادَ بِخِلاَفِهِمْ أَوْ عَدَمَ

стр. 651

الاِعْتِدَادِ فِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ مَوْضِعُهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِاتِّفَاقِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَقَطْ، لِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ (١) . وَهَذَا خَبَرُ آحَادٍ لاَ يُفِيدُ الْيَقِينَ، وَعَلَى فَرْضِ التَّسْلِيمِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ رُجْحَانَ الاِقْتِدَاءِ بِهِمْ لاَ إِيجَابَهُ، وَقَال قَوْمٌ إِنَّ الإِْجْمَاعَ هُوَ إِجْمَاعُ أَهْل الْمَدِينَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَا كَانَ سَبِيلُهُ النَّقْل وَالتَّوَاتُرَ، كَبَعْضِ أَفْعَالِهِ ﷺ كَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَتَحْدِيدِ الأَْوْقَاتِ وَتَقْدِيرِ الصَّاعِ وَالْمُدِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْتَمِدُ عَلَى النَّقْل وَحْدَهُ لاَ عَلَى الاِجْتِهَادِ، وَمَا سَبِيلُهُ الاِجْتِهَادُ فَلاَ يُعْتَدُّ عِنْدَهُ بِإِجْمَاعِهِمْ. إِمْكَانُ الإِْجْمَاعِ: ٣ - اتَّفَقَ الأُْصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ مُمْكِنٌ عَقْلاً، وَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى أَنَّهُ مُمْكِنٌ عَادَةً، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ النَّظَّامُ وَغَيْرُهُ (٢) .

стр. 652

وَخَالَفَ الْبَعْضُ فِي إِمْكَانِ نَقْلِهِ. حُجِّيَّةُ الإِْجْمَاعِ: ٤ - الإِْجْمَاعُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ قَطْعِيًّا حَيْثُ اتَّفَقَ الْمُعْتَبِرُونَ عَلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ، لاَ حَيْثُ اخْتَلَفُوا، كَمَا فِي الإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ وَمَا نَدَرَ مُخَالِفُهُ (١) . مَا يُحْتَجُّ عَلَيْهِ بِالإِْجْمَاعِ: ٥ - يُحْتَجُّ بِالإِْجْمَاعِ عَلَى الأُْمُورِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي لاَ تَتَوَقَّفُ حُجِّيَّةُ الإِْجْمَاعِ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ اعْتِقَادِيَّةً كَنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ عَمَلِيَّةً كَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ، وَقِيل لاَ أَثَرَ لِلإِْجْمَاعِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهَا الأَْدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ، فَإِذَا انْتَصَبَتْ لَمْ يُعَارِضْهَا شِقَاقٌ وَلَمْ يُعَضِّدْهَا وِفَاقٌ. أَمَّا مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ حُجِّيَّةُ الإِْجْمَاعِ، كَوُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى، وَرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلاَ يُحْتَجُّ عَلَيْهِ بِالإِْجْمَاعِ؛ لِئَلاَّ يَلْزَمَ الدَّوْرُ. مُسْتَنَدُ الإِْجْمَاعِ: ٦ - لاَ بُدَّ لِلإِْجْمَاعِ مِنْ مُسْتَنَدٍ، نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ، وَقَدْ يَكُونُ النَّصُّ أَوِ الْقِيَاسُ خَفِيًّا. فَإِذَا أُجْمِعَ عَلَى مُقْتَضَاهُ سَقَطَ الْبَحْثُ عَنْهُ، وَحَرُمَتْ مُخَالَفَتُهُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، وَيُقْطَعُ بِحُكْمِهِ وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا (٢) .

стр. 653

إِنْكَارُ الإِْجْمَاعِ: ٧ - قِيل: يَكْفُرُ مُنْكِرُ حُكْمِ الإِْجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ، وَفَصَّل بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ بَيْنَ مَا كَانَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ دِينِ الإِْسْلاَمِ، وَهُوَ مَا يَعْرِفُهُ الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ، مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ لِلتَّشْكِيكِ، كَوُجُوبِ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، وَحُرْمَةِ الزِّنَا وَالْخَمْرِ، فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ، وَبَيْنَ مَا سِوَى ذَلِكَ، فَلاَ يَكْفُرُ مُنْكِرُهُ، كَالإِْجْمَاعِ عَلَى بَعْضِ دَقَائِقِ عِلْمِ الْمَوَارِيثِ الَّتِي قَدْ تَخْفَى عَلَى الْعَوَامِّ (١) . وَفَرَّقَ فَخْرُ الإِْسْلاَمِ بَيْنَ الإِْجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ نَصًّا، كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى قِتَال مَانِعِي الزَّكَاةِ، أَوْ مَعَ سُكُوتِ بَعْضِهِمْ، فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ، وَبَيْنَ إِجْمَاعِ غَيْرِهِمْ فَيُضَلَّل. الإِْجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ: ٨ - يَتَحَقَّقُ الإِْجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ إِذَا أَفْتَى بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ، أَوْ قَضَى، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْل عَصْرِهِ، وَعَرَفَهُ جَمِيعُ مَنْ سِوَاهُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَمْ يُخَالِفُوهُ، وَاسْتَمَرَّتِ الْحَال عَلَى هَذَا إِلَى مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّل، وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَهُوَ إِجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ إِجْمَاعًا عِنْدَهُمْ حَيْثُ لاَ يُحْمَل سُكُوتُهُمْ عَلَى التَّقِيَّةِ خَوْفًا. وَمَوْضِعُ اعْتِبَارِ سُكُوتِهِمْ إِجْمَاعًا إِنَّمَا هُوَ قَبْل اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ، وَأَمَّا بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا فَلاَ يُعْتَبَرُ السُّكُوتُ إِجْمَاعًا؛ لأَِنَّهُ لاَ وَجْهَ لِلإِْنْكَارِ عَلَى صَاحِبِ مَذْهَبٍ فِي

стр. 654

الْعَمَل عَلَى مُوجِبِ مَذْهَبِهِ، وَذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ الْجُبَّائِيُّ إِلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ وَلَيْسَ إِجْمَاعًا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَضْلاً أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعًا، وَبِهِ قَال ابْنُ أَبَانَ وَالْبَاقِلاَّنِيُّ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (١) . التَّعَارُضُ بَيْنَ الإِْجْمَاعِ وَغَيْرِهِ: ٩ - الإِْجْمَاعُ لاَ يَنْسَخُ وَلاَ يُنْسَخُ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لأَِنَّ الإِْجْمَاعَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّسْخُ لاَ يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَلاَ يَنْسَخُ الإِْجْمَاعُ الإِْجْمَاعَ، وَإِذَا جَاءَ الإِْجْمَاعُ مُخَالِفًا لِشَيْءٍ مِنَ النُّصُوصِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ النَّصَّ مَنْسُوخٌ. فَيَكُونُ الإِْجْمَاعُ دَلِيل النَّسْخِ وَلَيْسَ هُوَ النَّاسِخَ (٢) . رُتْبَةُ الإِْجْمَاعِ بَيْنَ الأَْدِلَّةِ: ١ - بَنَى بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ تَقْدِيمَ الإِْجْمَاعِ عَلَى غَيْرِهِ. قَال الْغَزَالِيُّ: " يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي كُل مَسْأَلَةٍ أَنْ يَرُدَّ نَظَرَهُ إِلَى النَّفْيِ الأَْصْلِيِّ قَبْل وُرُودِ الشَّرْعِ. ثُمَّ يَبْحَثَ عَنِ الأَْدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، فَيَنْظُرَ أَوَّل شَيْءٍ فِي الإِْجْمَاعِ، فَإِنْ وَجَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِجْمَاعًا، تَرَكَ النَّظَرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُمَا يَقْبَلاَنِ النَّسْخَ، وَالإِْجْمَاعُ لاَ يَقْبَلُهُ. فَالإِْجْمَاعُ عَلَى خِلاَفِ مَا

стр. 655

فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى النَّسْخِ، إِذْ لاَ تَجْتَمِعُ الأُْمَّةُ عَلَى الْخَطَأِ (١) ". وَقَدْ حَرَّرَ ذَلِكَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَقَال " كُل مَنْ عَارَضَ نَصًّا بِإِجْمَاعٍ، وَادَّعَى نَسْخَهُ، مِنْ غَيْرِ نَصٍّ يُعَارِضُ ذَلِكَ النَّصَّ، فَإِنَّهُ مُخْطِئٌ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ النُّصُوصَ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ إِلاَّ بِنَصٍّ بَاقٍ مَحْفُوظٍ لَدَى الأُْمَّةِ (٢) . " وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَال " لاَ رَيْبَ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ الإِْجْمَاعُ كَانَ دَلِيلاً عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، فَإِنَّ الأُْمَّةَ لاَ تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلاَلَةٍ، وَلَكِنْ لاَ يُعْرَفُ إِجْمَاعٌ عَلَى تَرْكِ نَصٍّ إِلاَّ وَقَدْ عُرِفَ النَّصُّ النَّاسِخُ لَهُ، وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ مَنْ يَدَّعِي نَسْخَ النُّصُوصِ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنَ الإِْجْمَاعِ إِذَا حَقَّقَ الأَْمْرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنِ الإِْجْمَاعُ الَّذِي ادَّعَاهُ صَحِيحًا، بَل غَايَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ فِيهِ نِزَاعًا. " (٣) وَفِي الإِْجْمَاعِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ أَوْسَعُ مِمَّا ذُكِرَ، مَوْطِنُهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ. إِجْمَالٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْجْمَال مَصْدَرُ أَجْمَل، وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: جَمْعُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ. وَلِلأُْصُولِيِّينَ فِي الإِْجْمَال اصْطِلاَحَانِ، تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْمُجْمَل:

стр. 656

الأَْوَّل: اصْطِلاَحُ الأُْصُولِيِّينَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ (الْمُتَكَلِّمِينَ) ، وَهُوَ أَنَّ الْمُجْمَل مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلاَلَتُهُ (١) . فَيَكُونُ عَامًّا فِي كُل مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلاَلَتُهُ (٢) . وَمَا لَحِقَهُ الْبَيَانُ خَرَجَ مِنَ الإِْجْمَال بِالاِتِّفَاقِ (ر: بَيَانٌ) ، وَكَمَا يَكُونُ الإِْجْمَال عِنْدَهُمْ فِي الأَْقْوَال، يَكُونُ فِي الأَْفْعَال. وَقَدْ مَثَّل لَهُ بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ بِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَلَّمَ فِي صَلاَةٍ رُبَاعِيَّةٍ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَدَارَ فِعْلُهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ سَلَّمَ سَهْوًا، وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ الصَّلاَةُ قَدْ قُصِرَتْ. فَاسْتَفْسَرَ مِنْهُ ذُو الْيَدَيْنِ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ سَهَا (٣) . الثَّانِي: اصْطِلاَحُ الأُْصُولِيِّينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُجْمَل مَا لاَ يُعْرَفُ الْمُرَادُ مِنْهُ إِلاَّ بِبَيَانٍ يُرْجَى مِنْ جِهَةِ الْمُجْمَل، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ خَفَاءَهُ لاَ يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ التَّأَمُّل، وَمَثَّلُوا لَهُ بِالأَْمْرِ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِمَا، قَبْل بَيَانِ مُرَادِ الشَّارِعِ مِنْهَا. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْمُشْكِل: ٢ - إِنْ كَانَ الْمَعْنَى مِمَّا يُدْرَكُ بِالتَّأَمُّل فَلَيْسَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُجْمَلاً، بَل يُسَمَّى " مُشْكِلاً "، وَمَثَّلُوا لَهُ

стр. 657

بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١) ، فَإِنَّ " أَنَّى " دَائِرَةٌ بَيْنَ مَعْنَى " أَيْنَ " وَمَعْنَى " كَيْفَ "، وَبِالتَّأَمُّل يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّانِي، بِقَرِينَةِ الْحَرْثِ، وَتَحْرِيمِ الأَْذَى (٢) . ب - الْمُتَشَابِهُ: ٣ - وَأَمَّا إِنْ كَانَ لاَ يُرْجَى مَعْرِفَةُ مَعْنَاهُ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ عِنْدَهُمْ " مُتَشَابِهٌ "، وَهُوَ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ، كَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِل السُّوَرِ. ج - الْخَفِيُّ: ٤ - وَهُوَ مَا كَانَ خَفَاؤُهُ فِي انْطِبَاقِهِ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ لِعَارِضٍ هُوَ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ الْفَرْدِ بِاسْمٍ آخَرَ، كَلَفْظِ " السَّارِقِ "، فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي مَفْهُومِهِ الشَّرْعِيِّ، وَلَكِنَّهُ خَفِيٌّ فِي الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ (٣) . حُكْمُ الْمُجْمَل: ٥ - ذَهَبَ أُصُولِيُّو الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْمُجْمَل التَّوَقُّفُ فِيهِ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ الْمُرَادُ بِهِ، بِالاِسْتِفْسَارِ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْمُجْمَل. وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْمُجْمَل التَّوَقُّفُ فِيهِ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ مِنْ جِهَةِ الْمُجْمِل، أَوْ بِالْقَرَائِنِ، أَوْ بِالْعُرْفِ، أَوْ بِالاِجْتِهَادِ (٤) . وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.

стр. 658

أَجْنَبِيٌّ التَّعْرِيفُ: ١ - الأَْجْنَبِيُّ فِي اللُّغَةِ الْغَرِيبُ، وَيُقَال لِلْغَرِيبِ أَيْضًا جَنْبٌ، وَأَجْنَبُ، وَمِنْ مَعَانِي الْجَنَابَةِ: الْغُرْبَةُ. وَاجْتَنَبَ فُلاَنٌ فُلاَنًا إِذَا تَجَنَّبَهُ وَابْتَعَدَ عَنْهُ، وَنَقَل فِي التَّاجِ عَنِ الأَْسَاسِ: " وَمِنَ الْمَجَازِ: هُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ كَذَا، أَيْ لاَ تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ وَلاَ مَعْرِفَةَ " يَعْنِي كَمَا تَقُول: فُلاَنٌ أَجْنَبِيٌّ عَنْ هَذَا الْعِلْمِ، أَوْ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ. فَيُطْلَقُ الأَْجْنَبِيُّ عَلَى مَنْ هُوَ غَرِيبٌ حِسًّا أَوْ مَعْنًى. ٢ - وَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ عَرَّفَ هَذَا الْمُصْطَلَحَ، وَلَكِنْ بِاسْتِقْرَاءِ. مَوَاضِعِ وُرُودِهِ فِي كَلاَمِهِمْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَفْظٌ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى وَاحِدٌ، بَل يُفَسَّرُ فِي كُل مَقَامٍ بِحَسَبِهِ (١) . فَمِنْ مَعَانِيهِ مَا يَلِي: أ - الأَْجْنَبِيُّ الْبَعِيدُ عَنْكَ فِي الْقَرَابَةِ، وَهُوَ الَّذِي لاَ تَصِلُهُ بِكَ رَابِطَةُ النَّسَبِ، كَقَوْل الْمَحَلِّيِّ فِي شَرْحِ مِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ (٢) : " الأَْجْنَبِيُّ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَيِّتِ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ بِغَيْرِ إِذْنٍ ". قَال عَمِيرَةُ فِي حَاشِيَتِهِ: " الْمُرَادُ بِالأَْجْنَبِيِّ غَيْرُ الْوَارِثِ. قَالَهُ شَيْخُنَا. وَقِيَاسُ الصَّوْمِ أَنْ يُرَادَ بِهِ غَيْرُ الْقَرِيبِ ". ب - وَالأَْجْنَبِيُّ الْغَرِيبُ عَنِ الأَْمْرِ مِنْ عَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِمْ: " لَوْ أَتْلَفَ الْمَبِيعَ أَجْنَبِيٌّ قَبْل قَبْضِهِ

стр. 659

فَسَدَ الْعَقْدُ " أَيْ شَخْصٌ غَرِيبٌ عَنِ الْعَقْدِ، لَيْسَ هُوَ الْبَائِعُ وَلاَ الْمُشْتَرِي. وَكَقَوْلِهِمْ: " هَل يَصِحُّ شَرْطُ الْخِيَارِ لأَِجْنَبِيٍّ " وَيُسَمَّى الأَْجْنَبِيُّ إِذَا تَصَرَّفَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ: " فُضُولِيًّا " ج - وَالأَْجْنَبِيُّ: الْغَرِيبُ عَنِ الْوَطَنِ، وَدَارُ الإِْسْلاَمِ كُلُّهَا وَطَنٌ لِلْمُسْلِمِ. فَالأَْجْنَبِيُّ عَنْهَا مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَلاَ ذِمِّيٍّ. د - وَالأَْجْنَبِيُّ عَنِ الْمَرْأَةِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا لَهَا. وَالْمَحْرَمُ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ أَوْ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ وَقِيل بِمُطْلَقِ سَبَبٍ، وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا كَابْنِ عَمِّهَا وَابْنِ خَالِهَا. انْقِلاَبُ الأَْجْنَبِيِّ إِلَى ذِي عَلاَقَةٍ، وَعَكْسُهُ: ٣ - يَنْقَلِبُ الأَْجْنَبِيُّ إِلَى ذِي عَلاَقَةٍ فِي أَحْوَالٍ، مِنْهَا: أ - بِالْعَقْدِ، كَعَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ تَنْقَلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الأَْجْنَبِيَّةُ إِلَى زَوْجَةٍ، وَكَعَقْدِ الشَّرِكَةِ، وَعَقْدِ الْوَكَالَةِ وَنَحْوِهِمَا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهِ مِنَ الْفِقْهِ. ب - بِالإِْذْنِ وَالتَّفْوِيضِ وَنَحْوِهِمَا (١) ، كَتَفْوِيضِ الطَّلاَقِ إِلَى الْمَرْأَةِ أَوْ إِلَى غَيْرِهَا، وَكَالتَّوْكِيل وَالإِْيصَاءِ. ج - بِالاِضْطِرَارِ، كَأَخْذِ مَنِ اشْتَدَّ جُوعُهُ مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ مِنَ الطَّعَامِ فَائِضًا عَنْ ضَرُورَتِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ (٢) . د - حُكْمُ الْقَضَاءِ، كَنَصْبِ الأَْجْنَبِيِّ وَصِيًّا أَوْ

стр. 660

نَاظِرًا عَلَى الْوَقْفِ. ٤ - وَيَنْقَلِبُ ذُو الْعَلاَقَةِ إِلَى أَجْنَبِيٍّ فِي أَحْوَالٍ، مِنْهَا: أ - ارْتِفَاعُ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ صَارَ الأَْجْنَبِيُّ ذَا عَلاَقَةٍ، كَطَلاَقِ الْمَرْأَةِ، وَفَسْخِ عَقْدِ الْبَيْعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. ب - قِيَامُ الْمَانِعِ الَّذِي يَحُول دُونَ كَوْنِ السَّبَبِ مُؤَثِّرًا، وَذَلِكَ كَرِدَّةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، يُصْبِحُ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَجْنَبِيًّا عَنِ الآْخَرِ، فَلاَ عِشْرَةَ وَلاَ مِيرَاثَ. ج - حُكْمُ الْقَضَاءِ، كَالْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ، وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُولِي وَزَوْجَتِهِ عِنْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالتَّفْرِيقِ لِلضَّرَرِ، وَالْحُكْمِ بِاسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ لِغَيْرِ ذِي الْيَدِ. اجْتِمَاعُ ذِي الْعَلاَقَةِ وَالأَْجْنَبِيِّ: ٥ - إِذَا اجْتَمَعَ ذُو عَلاَقَةٍ وَأَجْنَبِيٌّ، فَذُو الْعَلاَقَةِ هُوَ الأَْوْلَى (١) ، كَمَا يَلِي. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ لِلأَْجْنَبِيِّ بِحَسَبِ مَعَانِيهِ الْمُخْتَلِفَةِ: أَوَّلاً: الأَْجْنَبِيُّ الَّذِي هُوَ خِلاَفُ الْقَرِيبِ: ٦ - لِلْقَرِيبِ حُقُوقٌ وَمِيزَاتٌ يَنْفَرِدُ بِهَا عَنِ

стр. 661

الأَْجْنَبِيِّ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الأَْجْنَبِيِّ بِرِعَايَةِ الشَّخْصِ الْمُحْتَاجِ إِلَى الرِّعَايَةِ وَالنَّظَرِ كَمَا فِي الأَْمْثِلَةِ التَّالِيَةِ: أ - أَنَّ الْقَرِيبَ لَهُ حَقُّ الْوِلاَيَةِ عَلَى نَفْسِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَتَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ دُونَ الأَْجْنَبِيِّ. ب - وَأَنَّ لَهُ حَقَّ الْحَضَانَةِ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ دُونَ الأَْجْنَبِيِّ، وَيُقَدَّمُ أَوْلَى الأَْقَارِبِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَضَانَةِ حَسَبَ تَرْتِيبٍ مُعَيَّنٍ. وَإِذَا تَزَوَّجَتِ الْحَاضِنَةُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ مِنَ الْمَحْضُونِ سَقَطَ حَقُّهَا فِي الْحَضَانَةِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِلأُْمِّ: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي. (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْحَضَانَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. ج - وَأَنَّ الْقَرِيبَ أَوْلَى مِنَ الأَْجْنَبِيِّ بِتَغْسِيل الْمَيِّتِ، وَبِالإِْمَامَةِ فِي الصَّلاَةِ عَلَيْهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُعْرَفُ فِي أَبْوَابِ الْجَنَائِزِ (٢) . ثَانِيًا: الأَْجْنَبِيُّ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَالْعُقُودِ: ٧ - الْمُرَادُ بِالأَْجْنَبِيِّ هُنَا مَنْ لَيْسَتْ لَهُ صَلاَحِيَةُ التَّصَرُّفِ، وَالَّذِي لَهُ صَلاَحِيَةُ التَّصَرُّفِ هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَالْوَصِيُّ وَالْوَكِيل وَنَحْوُهُمْ، فَمَنْ سِوَاهُمْ أَجْنَبِيٌّ. فَإِنْ تَصَرَّفَ الإِْنْسَانُ فِي حَقٍّ هُوَ فِيهِ أَجْنَبِيٌّ، عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَهُ لِنَفْسِهِ، فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ.

стр. 662

أَمَّا إِنْ تَصَرَّفَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ لَهُ وِلاَيَةٌ أَوْ نِيَابَةٌ فَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الْفُضُولِيَّ وَاخْتَلَفُوا فِي تَصَرُّفِهِ ذَاكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَبْطَلَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مَوْقُوفًا عَلَى الإِْجَازَةِ (١) . (ر: إِجَازَةُ. فُضُولِيٍّ) . ب - الأَْجْنَبِيُّ وَالْعِبَادَةُ: ٨ - لاَ يَخْتَلِفُ حُكْمُ الأَْجْنَبِيِّ عَنْ حُكْمِ الْوَلِيِّ فِي شَأْنِ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ عَنِ الْغَيْرِ، فَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ عَنِ الْحَيِّ، إِذْ لاَ بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنَ النِّيَّةِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَوْ غَيْرِهِ الْقَضَاءُ عَنِ الْمَيِّتِ لِمَا فِي ذِمَّتِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ. إِنْ تَبَرَّعَ بِهِ الْوَلِيُّ أَوِ الأَْجْنَبِيُّ فَفِي إِجْزَائِهِ عَنِ الْمَيِّتِ خِلاَفٌ. أَمَّا الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ الْمَحْضَةُ كَالزَّكَاةِ وَبَعْضِ الْكَفَّارَاتِ وَفِدْيَةِ الصَّوْمِ، أَوِ الْمَالِيَّةِ الْبَدَنِيَّةِ كَالْحَجِّ، فَلاَ يَصِحُّ كَذَلِكَ فِعْلُهَا عَنِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِنْ كَانَ حَيًّا قَادِرًا. وَأَمَّا فِعْلُهَا عَنِ الْمَيِّتِ فَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَوِ الْوَصِيِّ إِذَا أَوْصَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ قَبْل وَفَاتِهِ بِذَلِكَ، فِي حُدُودِ ثُلُثِ التَّرِكَةِ، عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ. وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ تَنْفُذُ مِنْ كُل الْمَال، سَوَاءٌ أَوْصَى بِهَا أَمْ لَمْ يُوصِ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ لِمَعْرِفَتِهِ إِلَى أَبْوَابِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالْكَفَّارَاتِ (٢) .

стр. 663

ج - تَبَرُّعُ الأَْجْنَبِيِّ بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ: ٩ - تَبَرُّعُ الأَْجْنَبِيِّ بِأَدَاءِ مَا تَرَتَّبَ عَلَى الْغَيْرِ مِنَ الْحُقُوقِ جَائِزٌ، وَذَلِكَ كَوَفَاءِ دَيْنِهِ، وَدَفْعِ مَهْرِ زَوْجَتِهِ وَنَفَقَتِهَا وَنَفَقَةِ أَوْلاَدِهِ. وَلَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ إِنْ كَانَ فَعَل ذَلِكَ بِإِذْنِ حَاكِمٍ، أَوْ نَوَى الرُّجُوعَ بِهِ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُرْجَعُ لِمَعْرِفَتِهِ إِلَى الأَْبْوَابِ الْخَاصَّةِ بِتِلْكَ الْحُقُوقِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (١) . ثَالِثًا: الأَْجْنَبِيُّ بِمَعْنَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْوَطَنِ: ١٠ - الأَْجْنَبِيُّ عَنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ هُوَ الْحَرْبِيُّ، وَهُوَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا وَلاَ ذِمِّيًّا، وَلاَ يَحِقُّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ دُخُول دَارِ الإِْسْلاَمِ إِلاَّ بِأَمَانٍ، فَإِذَا دَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ بِالأَْمَانِ سُمِّيَ مُسْتَأْمَنًا. وَلِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الأَْجْنَبِيِّ بِهَذَا الْمَعْنَى (ر: أَمَانٌ. مُسْتَأْمَنُونَ. أَهْل الْحَرْبِ) . رَابِعًا: الأَْجْنَبِيُّ عَنِ الْمَرْأَةِ: ١١ - خَصَّصَتِ الشَّرِيعَةُ الأَْجَانِبَ بِأَحْكَامٍ خَاصَّةٍ، دُونَ الزَّوْجِ وَذَوِي الْمَحْرَمِ. وَذَلِكَ رِعَايَةً لِسَلاَمَةِ الْمَرْأَةِ، وَمُحَافَظَةً عَلَيْهَا مِنْ أَنْ يَصِل إِلَيْهَا مَا يَجْرَحُ كَرَامَتَهَا. وَقَدْ يَسَّرَتِ الشَّرِيعَةُ فِي الْعَلاَقَةِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا، إِذْ أَنَّ عَقْدَ الزَّوَاجِ يُبِيحُ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ التَّمَتُّعِ بِالآْخَرِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلسَّكَنِ بَيْنَهُمَا، لِتَتِمَّ حِكْمَةُ اللَّهِ بِدَوَامِ النَّسْل وَنُشُوئِهِ فِي كَنَفِ الأَْبَوَيْنِ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ، وَلَمْ تُضَيِّقِ الشَّرِيعَةُ أَيْضًا

стр. 664

فِي الْعَلاَقَةِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَمَحْرَمِهَا لأَِنَّ مَا يَقُومُ بِأَنْفُسِهِمَا مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالاِحْتِرَامِ يَحْجُبُ نَوَازِعَ الرَّغْبَةِ، وَلِكَيْ تَتَمَكَّنَ الْمَرْأَةُ وَأَقَارِبُهَا الأَْقْرَبُونَ مِنَ الْعَيْشِ مَعًا بِيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ، وَالزَّوْجُ وَالْمَحْرَمُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفَانِ لِلأَْجْنَبِيِّ، فَوَضَعَتِ الشَّرِيعَةُ حُدُودًا لِلْعَلاَقَةِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَهُ، تَتَلَخَّصُ فِيمَا يَلِي: أ - النَّظَرُ: ١٢ - فَيَحْرُمُ عَلَى الأَْجْنَبِيِّ النَّظَرُ إِلَى زِينَةِ الْمَرْأَةِ وَبَدَنِهَا، كُلِّهِ عَلَى رَأْيِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ مَا عَدَا الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ عِنْدَ الْبَعْضِ الآْخَرِ. وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتَتِرَ عَنِ الأَْجْنَبِيِّ بِتَغْطِيَةِ مَا لاَ يَحِل لَهُ رُؤْيَتُهُ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَمْتَنِعَ عَنِ النَّظَرِ مِنْ بَدَنِ الأَْجْنَبِيِّ - وَالْمَحْرَمُ مِثْلُهُ - إِلاَّ إِلَى مَا سِوَى الْعَوْرَةِ، أَوْ إِلَى مَا عَدَا مَا تَنْظُرُهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الْمَرْأَةِ. ب - اللَّمْسُ: ١٣ - فَلاَ يَلْمِسُ الأَْجْنَبِيُّ بَدَنَ الْمَرْأَةِ. ج - الْخَلْوَةُ: ١٤ - فَلاَ يَحِل لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ إِذَا كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ أَنْ يَخْلُوَ أَحَدُهُمَا بِالآْخَرِ، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعًا إِيَّاكُمْ وَالدُّخُول عَلَى النِّسَاءِ وَحَدِيثِهِ الآْخَرِ لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ (١)

стр. 665

د - صَوْتُ الْمَرْأَةِ: ١٥ - فَيَحْرُمُ اسْتِمَاعُ الأَْجْنَبِيِّ لِصَوْتِ الْمَرْأَةِ عَلَى الْقَوْل الْمَرْجُوحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لأَِنَّهُ عَوْرَةٌ. وَفِي كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَتَفْصِيلٌ وَاسْتِثْنَاءَاتٌ يُرْجَعُ لِمَعْرِفَتِهَا إِلَى بَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِلَى أَوَائِل أَبْوَابِ النِّكَاحِ وَبَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ مِنْ شُرُوطِ الصَّلاَةِ فِي كُتُبِ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ (١) . أَجْنَبِيَّةٌ انْظُرْ: أَجْنَبِيٌّ. إِجْهَازٌ التَّعْرِيفُ: ١ - مِنْ مَعَانِي الإِْجْهَازِ فِي اللُّغَةِ: الإِْسْرَاعُ، فَالإِْجْهَازُ عَلَى الْجَرِيحِ: إِتْمَامُ قَتْلِهِ (٢) . وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ " الإِْجْهَازَ " بِهَذَا الْمَعْنَى (٣) .

стр. 666

كَمَا يَسْتَعْمِلُونَ لِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا كَلِمَةَ " تَذْفِيفٍ (١) ". الْحُكْمُ الْعَامُّ: ٢ - الإِْجْهَازُ عَلَى الإِْنْسَانِ الْجَرِيحِ: الإِْجْهَازُ عَلَى جَرْحَى الْكُفَّارِ الْمُقَاتِلِينَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ جَرْحَى الْبُغَاةِ الْمُقَاتِلِينَ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ فَلاَ يَجُوزُ قَتْل جَرِيحِهِمْ (٢) . أَمَّا الإِْجْهَازُ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ فَهُوَ وَاجِبٌ بِالاِتِّفَاقِ. ٣ - الإِْجْهَازُ عَلَى الْحَيَوَانِ: الْحَيَوَانُ عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يَجُوزُ ذَبْحُهُ، بِأَنْ كَانَ مَأْكُول اللَّحْمِ، أَوْ قَتْلُهُ، بِأَنْ كَانَ مُؤْذِيًا. وَهَذَا النَّوْعُ يَجُوزُ الإِْجْهَازُ عَلَيْهِ إِنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ أَوْ جُرْحٌ؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُهُ أَوْ قَتْلُهُ ابْتِدَاءً، وَنَوْعٌ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ كَالْحِمَارِ وَنَحْوِهِ، وَفِي جَوَازِ الإِْجْهَازِ عَلَيْهِ إِنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ أَوْ جُرْحٌ - إِرَاحَةً لَهُ - خِلاَفٌ، أَجَازَ ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٣) . وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وَذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ.

стр. 667

إِجْهَاضٌ التَّعْرِيفُ: ١ - يُطْلَقُ الإِْجْهَاضُ فِي اللُّغَةِ عَلَى صُورَتَيْنِ: إِلْقَاءِ الْحَمْل نَاقِصَ الْخَلْقِ، أَوْ نَاقِصَ الْمُدَّةِ، سَوَاءٌ مِنَ الْمَرْأَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَالإِْطْلاَقُ اللُّغَوِيُّ يَصْدُقُ سَوَاءٌ كَانَ الإِْلْقَاءُ بِفِعْل فَاعِلٍ أَمْ تِلْقَائِيًّا (١) . ٢ - وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ إِجْهَاضٍ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (٢) . وَكَثِيرًا مَا يُعَبِّرُونَ عَنِ الإِْجْهَاضِ بِمُرَادِفَاتِهِ كَالإِْسْقَاطِ وَالإِْلْقَاءِ وَالطَّرْحِ وَالإِْمْلاَصِ. صِفَةُ الإِْجْهَاضِ حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ: ٣ - مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ الإِْجْهَاضِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ، وَبَيْنَ حُكْمِهِ قَبْل ذَلِكَ وَبَعْدَ التَّكَوُّنِ فِي الرَّحِمِ وَالاِسْتِقْرَارِ، وَلَمَّا كَانَ حُكْمُ الإِْجْهَاضِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ مَوْضِعَ اتِّفَاقٍ كَانَ الأَْنْسَبُ الْبَدْءَ بِهِ ثُمَّ التَّعْقِيبُ بِحُكْمِهِ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ، مَعَ بَيَانِ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ وَاتِّجَاهَاتِهِمْ فِيهِ

стр. 668

أ - حُكْمُ الإِْجْهَاضِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ: ٤ - نَفْخُ الرُّوحِ يَكُونُ بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِل الْمَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ (١) . وَلاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَحْرِيمِ الإِْجْهَاضِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ. فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا نُفِخَتْ فِي الْجَنِينِ الرُّوحُ حُرِّمَ الإِْجْهَاضُ إِجْمَاعًا. وَقَالُوا إِنَّهُ قَتْلٌ لَهُ، بِلاَ خِلاَفٍ (٢) . وَالَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ إِطْلاَقِ الْفُقَهَاءِ تَحْرِيمَ الإِْجْهَاضِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ أَنَّهُ يَشْمَل مَا لَوْ كَانَ فِي بَقَائِهِ خَطَرٌ عَلَى حَيَاةِ الأُْمِّ وَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. وَصَرَّحَ ابْنُ

стр. 669

عَابِدِينَ بِذَلِكَ فَقَال: لَوْ كَانَ الْجَنِينُ حَيًّا، وَيُخْشَى عَلَى حَيَاةِ الأُْمِّ مِنْ بَقَائِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَقْطِيعُهُ؛ لأَِنَّ مَوْتَ الأُْمِّ بِهِ مَوْهُومٌ، فَلاَ يَجُوزُ قَتْل آدَمِيٍّ لأَِمْرٍ مَوْهُومٍ (١) . ب - حُكْمُ الإِْجْهَاضِ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ: ٥ - فِي حُكْمِ الإِْجْهَاضِ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ اتِّجَاهَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ وَأَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ، حَتَّى فِي الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِالإِْبَاحَةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ يُبَاحُ الإِْسْقَاطُ بَعْدَ الْحَمْل، مَا لَمْ يَتَخَلَّقْ شَيْءٌ مِنْهُ. وَالْمُرَادُ بِالتَّخَلُّقِ فِي عِبَارَتِهِمْ تِلْكَ نَفْخُ الرُّوحِ (٢) . وَهُوَ مَا انْفَرَدَ بِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اللَّخْمِيُّ فِيمَا قَبْل الأَْرْبَعِينَ يَوْمًا (٣) ، وَقَال بِهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ قَبْل الأَْرْبَعِينَ أَيْضًا، وَقَال

стр. 670

الرَّمْلِيُّ: لَوْ كَانَتِ النُّطْفَةُ مِنْ زِنًا فَقَدْ يُتَخَيَّل الْجَوَازُ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ (١) . وَالإِْبَاحَةُ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي أَوَّل مَرَاحِل الْحَمْل، إِذْ أَجَازُوا لِلْمَرْأَةِ شُرْبَ الدَّوَاءِ الْمُبَاحِ لإِِلْقَاءِ نُطْفَةٍ لاَ عَلَقَةٍ، وَعَنِ ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّ مَا لَمْ تَحِلَّهُ الرُّوحُ لاَ يُبْعَثُ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ إِسْقَاطُهُ، وَقَال صَاحِبُ الْفُرُوعِ: وَلِكَلاَمِ ابْنِ عَقِيلٍ وَجْهٌ (٢) . ٦ - وَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِالإِْبَاحَةِ لِعُذْرٍ فَقَطْ، وَهُوَ حَقِيقَةُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ. فَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ كَرَاهَةِ الْخَانِيَّةِ عَدَمَ الْحِل لِغَيْرِ عُذْرٍ، إِذِ الْمُحْرِمُ لَوْ كَسَرَ بَيْضَ الصَّيْدِ ضَمِنَ لأَِنَّهُ أَصْل الصَّيْدِ. فَلَمَّا كَانَ يُؤَاخَذُ بِالْجَزَاءِ فَلاَ أَقَل مِنْ أَنْ يَلْحَقَهَا - مَنْ أَجْهَضَتْ نَفْسَهَا - إِثْمٌ هُنَا إِذَا أَسْقَطَتْ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَنُقِل عَنِ ابْنِ وَهْبَانَ أَنَّ مِنَ الأَْعْذَارِ أَنْ يَنْقَطِعَ لَبَنُهَا بَعْدَ ظُهُورِ الْحَمْل وَلَيْسَ لأَِبِي الصَّبِيِّ مَا يَسْتَأْجِرُ بِهِ الظِّئْرَ (الْمُرْضِعَ) وَيَخَافُ هَلاَكَهُ، وَقَال ابْنُ وَهْبَانَ: إِنَّ إِبَاحَةَ الإِْسْقَاطِ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالَةِ الضَّرُورَةِ (٣) . وَمَنْ قَال مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِالإِْبَاحَةِ دُونَ تَقْيِيدٍ بِالْعُذْرِ فَإِنَّهُ يُبِيحُهُ هُنَا بِالأَْوْلَى، وَقَدْ نَقَل الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ عَنِ الزَّرْكَشِيِّ: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ دَعَتْهَا ضَرُورَةٌ لِشُرْبِ دَوَاءٍ مُبَاحٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإِْجْهَاضُ فَيَنْبَغِي أَنَّهَا لاَ تَضْمَنُ بِسَبَبِهِ (٤) .
следующие страницы →