← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: تَذَكُّرُ الْمُصَلِّي لِصَلاَتِهِ بَعْدَ الأَْكْل فِيهَا: ٤ - قَال الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: (١) لاَ تَبْطُل صَلاَةُ مَنْ أَكَل نَاسِيًا وَإِنْ كَثُرَ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. (٢) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَكَل فِي الصَّلاَةِ نَاسِيًا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَإِنْ قَل. (٣) وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، فَإِنْ كَانَ نَاسِيًا فَلاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ إِذَا كَانَ قَلِيلاً. (٤) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (صَلاَةٍ) (وَنِسْيَانٍ) . سَهْوُ الإِْمَامِ: ٥ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا أَخْبَرَهُ عَدْلاَنِ بِعَدَمِ الإِْتْمَامِ لاَ يُعْتَبَرُ شَكُّهُ، وَعَلَيْهِ الأَْخْذُ بِقَوْلِهِمْ. أَمَّا إِذَا أَخْبَرَهُ عَدْلٌ فِي صَلاَةٍ رُبَاعِيَّةٍ مَثَلاً أَنَّهُ مَا صَلَّى أَرْبَعًا، وَشَكَّ فِي صِدْقِهِ وَكَذِبِهِ أَعَادَ احْتِيَاطًا. أَمَّا

стр. 6547

إِذَا كَذَّبَهُ، فَلاَ يُعِيدُ. وَإِنِ اخْتَلَفَ الإِْمَامُ وَالْقَوْمُ فَإِنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ لَمْ يُعِدْ، وَإِلاَّ أَعَادَ بِقَوْلِهِمْ. (١) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا أَخْبَرَتْهُ جَمَاعَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ، يُفِيدُ خَبَرُهُمُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِتَمَامِ صَلاَتِهِ أَوْ نَقْصِهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِخَبَرِهِمْ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ مَأْمُومِيهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ تَيَقَّنَ كَذِبَهُمْ. وَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلاَنِ فَأَكْثَرُ فَإِنَّهُ يَعْمَل بِالْخَبَرِ إِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ خِلاَفَ ذَلِكَ، وَكَانَا مِنْ مَأْمُومِيهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ مَأْمُومِيهِ فَلاَ يَرْجِعُ لِخَبَرِهِمَا، بَل يَعْمَل عَلَى يَقِينِهِ. أَمَّا الْمُنْفَرِدُ وَالْمَأْمُومُ فَلاَ يَرْجِعَانِ لِخَبَرِ الْعَدْلَيْنِ، وَإِنْ أَخْبَرَ الإِْمَامَ وَاحِدٌ، فَإِنْ أَخْبَرَ بِالتَّمَامِ فَلاَ يَرْجِعُ لِخَبَرِهِ، بَل يَبْنِي عَلَى يَقِينِ نَفْسِهِ، أَمَّا إِذَا أَخْبَرَهُ بِالنَّقْصِ (٢) رَجَعَ لِخَبَرِهِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الإِْمَامَ إِذَا شَكَّ هَل صَلَّى ثَلاَثًا أَوْ أَرْبَعًا؟ أَخَذَ بِالأَْقَل، وَلاَ يُعْمَل بِتَذْكِيرِ غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانُوا جَمْعًا غَفِيرًا كَانُوا يَرْقُبُونَ صَلاَتَهُ. وَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّذْكِيرُ مِنَ الْمَأْمُومِينَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ. (٣) وَاسْتَدَلُّوا بِخَبَرِ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ

стр. 6548

فَلَمْ يَدْرِ أَصَلَّى ثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ. (١) وَقَدْ أَجَابُوا عَنِ الْمُرَاجَعَةِ بَيْنَ الرَّسُول ﷺ وَالصَّحَابَةِ، وَعَوْدِهِ لِلصَّلاَةِ فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ، بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ إِلَى قَوْل الْغَيْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى تَذَكُّرِهِ بَعْدَ مُرَاجَعَتِهِ لَهُمْ، أَوْ لأَِنَّهُمْ بَلَغُوا حَدَّ التَّوَاتُرِ الَّذِي يُفِيدُ الْيَقِينَ، أَيِ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ. (٢) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ: إِذَا سَبَّحَ اثْنَانِ يَثِقُ بِقَوْلِهِمَا لِتَذْكِيرِهِ، لَزِمَهُ الْقَبُول وَالرُّجُوعُ لِخَبَرِهِمَا، سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صَوَابُهُمَا أَوْ خِلاَفُهُ. وَقَالُوا: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ : رَجَعَ إِلَى قَوْل أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ لَمَّا سَأَلَهُمَا: " أَحَقٌّ مَا قَال ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالاَ: نَعَمْ " (٣) مَعَ أَنَّهُ كَانَ شَاكًّا فِيمَا قَالَهُ ذُو الْيَدَيْنِ بِدَلِيل أَنَّهُ أَنْكَرَهُ، وَسَأَلَهُمَا عَنْ صِحَّةِ قَوْلِهِ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالتَّسْبِيحِ لِيُذَكِّرُوا الإِْمَامَ، وَيَعْمَل بِقَوْلِهِمْ. (٤) وَلِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : صَلَّى فَزَادَ أَوْ نَقَصَ. . . الْحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ،

стр. 6549

فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي. (١) وَإِنْ سَبَّحَ وَاحِدٌ لِتَذْكِيرِهِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى قَوْلِهِ، إِلاَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ، فَيَعْمَل بِغَالِبِ ظَنِّهِ، لاَ بِتَسْبِيحِ الْغَيْرِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْبَل قَوْل ذِي الْيَدَيْنِ وَحْدَهُ. وَإِنْ ذَكَّرَهُ فَسَقَةٌ بِالتَّسْبِيحِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى قَوْلِهِمْ؛ لأَِنَّ قَوْلَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ (٢) . تَذَكُّرُ الصَّائِمِ لِصَوْمِهِ وَهُوَ يَأْكُل: ٦ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَذَكَّرَ وَأَمْسَكَ لَمْ يُفْطِرْ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ أَكَل نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَلاَ يُفْطِرُ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ (٣) . وَقَال عَلِيٌّ ﵁: لاَ شَيْءَ عَلَى مَنْ أَكَل نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ. وَلأَِنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ ذَاتُ تَحْرِيمٍ وَتَحْلِيلٍ، فَكَانَ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ مَا يُخَالِفُ عَمْدُهُ سَهْوَهُ كَالصَّلاَةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ، وَطَاوُوسٍ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ.

стр. 6550

وَقَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الأَْكْل أَوِ الشُّرْبُ قَلِيلاً، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا أَفْطَرَ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَقَدْ أَفْطَرَ (١) ، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (صَوْمٌ) . تَذَكُّرُ الْقَاضِي لِحُكْمٍ قَضَاهُ: ٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا رَأَى خَطَأً فِي حُكْمِهِ، لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهِ فِي إِمْضَاءِ الْحُكْمِ حَتَّى يَتَذَكَّرَ؛ لأَِنَّهُ حُكْمُ حَاكِمٍ لَمْ يَعْلَمْهُ، وَلأَِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّزْوِيرُ عَلَيْهِ وَعَلَى خَتْمِهِ، فَلَمْ يَجُزْ إِنْفَاذُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ كَحُكْمِ غَيْرِهِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الإِْمَامُ: أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُ. (٢) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: إِذَا كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَهُ، وَتَحْتَ يَدِهِ جَازَ الاِعْتِمَادُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَحْتَمِل التَّغْيِيرَ فِيهِ، وَأَجَازَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَمَل بِالْخَطِّ إِذَا عَرَفَ أَنَّهُ

стр. 6551

خَطُّهُ، وَلَوْ لَمْ يَتَذَكَّرِ الْحَادِثَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَطُّ بِيَدِهِ؛ لأَِنَّ الْغَلَطَ نَادِرٌ فِي مِثْل ذَلِكَ، وَأَثَرُ التَّغْيِيرِ يُمْكِنُ الاِطِّلاَعُ عَلَيْهِ، وَقَلَّمَا يَتَشَابَهُ الْخَطُّ مِنْ كُل وَجْهٍ، فَإِذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ خَطُّهُ جَازَ الاِعْتِمَادُ عَلَيْهِ، تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ. (١) أَمَّا إِذَا شَهِدَ عَدْلاَنِ عِنْدَ الْقَاضِي: بِأَنَّ هَذَا حُكْمُهُ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْعَمَل بِقَوْلِهِمَا: فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَلْزَمُهُ الْعَمَل بِذَلِكَ وَإِمْضَاءُ الْحُكْمِ. وَقَالُوا: إِنَّهُ لَوْ شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ غَيْرِهِ قُبِل، فَكَذَلِكَ يُقْبَل إِذَا شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ نَفْسِهِ. وَلأَِنَّهُمَا شَهِدَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، فَيَجِبُ قَبُول شَهَادَتِهِمَا. (٢) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ لاَ يَعْمَل بِقَوْلِهِمَا حَتَّى يَتَذَكَّرَ. (٣) تَذَكُّرُ الشَّاهِدِ الشَّهَادَةَ وَعَدَمُهُ: ٨ - إِذَا رَأَى الشَّاهِدُ بِخَطِّهِ شَهَادَةً أَدَّاهَا عِنْدَ حَاكِمٍ، وَلَمْ يَتَذَكَّرِ الْحَادِثَةَ، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهِيَ إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ: لَمْ

стр. 6552

يَشْهَدْ عَلَى مَضْمُونِهَا حَتَّى يَتَذَكَّرَ، وَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ مَحْفُوظًا عِنْدَهُ لإِِمْكَانِ التَّزْوِيرِ. (١) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ إِذَا عَرَفَ خَطَّهُ شَهِدَ بِهِ، وَهُوَ رَأْيُ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. (٢) تَذَكُّرُ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ وَعَدَمُهُ: ٩ - أَمَّا رِوَايَةُ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَرْوِيَ مَضْمُونَ خَطِّهِ اعْتِمَادًا عَلَى الْخَطِّ الْمَحْفُوظِ عِنْدَهُ، لِعَمَل الْعُلَمَاءِ بِهِ سَلَفًا وَخَلَفًا. وَقَدْ يَتَسَاهَل فِي الرِّوَايَةِ؛ لأَِنَّهَا تُقْبَل مِنَ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، بِخِلاَفِ الشَّهَادَةِ. (٣) هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَال الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يُعْمَل بِهَا لِمُشَابَهَةِ الْخَطِّ بِالْخَطِّ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ. (٤) تَذْكِيرٌ انْظُرْ: تَذَكُّرٌ .

стр. 6553

تَذْكِيَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّذْكِيَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ ذَكَّى، وَالاِسْمُ (الذَّكَاةُ) وَمَعْنَاهَا: إِتْمَامُ الشَّيْءِ وَالذَّبْحُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊: ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ السَّبَبُ الْمُوَصِّل لِحِل أَكْل الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ اخْتِيَارًا. (٢) هَذَا تَعْرِيفُ الْجُمْهُورِ، وَيُعْرَفُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: بِأَنَّهُ السَّبِيل الشَّرْعِيَّةُ لِبَقَاءِ طَهَارَةِ الْحَيَوَانِ، وَحِل أَكْلِهِ إِنْ كَانَ مَأْكُولاً، وَحِل الاِنْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ وَشَعْرِهِ إِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْكُولٍ (٣) .

стр. 6554

أَنْوَاعُ التَّذْكِيَةِ: التَّذْكِيَةُ لَفْظٌ عَامٌّ، يَشْمَل: الذَّبْحَ ، وَ النَّحْرَ ، وَالْعَقْرَ، وَالصَّيْدَ، وَلِكُلٍّ مَوْطِنُهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: أ - الذَّبْحُ: ٢ - الذَّبْحُ لُغَةً: الشَّقُّ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ: قَطْعُ الْحُلْقُومِ مِنْ بَاطِنٍ عَنِ الْمِفْصَل بَيْنَ الْعُنُقِ وَالرَّأْسِ. وَيُسْتَعْمَل فِي ذَكَاةِ الاِخْتِيَارِ، فَهُوَ أَخَصُّ مِنَ التَّذْكِيَةِ، حَيْثُ إِنَّهَا تَشْمَل ذَكَاةَ الاِخْتِيَارِ وَالاِضْطِرَارِ (١) . ب - النَّحْرُ: ٣ - نَحَرَ الْبَعِيرَ: طَعَنَهُ فِي مَنْحَرِهِ حَيْثُ يَبْدَأُ الْحُلْقُومُ مِنْ أَعْلَى الصَّدْرِ، قَال فِي الْمُغْنِي: مَعْنَى النَّحْرِ أَنْ يَضْرِبَ الْبَعِيرَ بِالْحَرْبَةِ أَوْ نَحْوِهَا فِي الْوَهْدَةِ الَّتِي بَيْنَ أَصْل عُنُقِهَا وَصَدْرِهَا. فَهُوَ قَطْعُ الْعُرُوقِ فِي أَسْفَل الْعُنُقِ عِنْدَ الصَّدْرِ، وَبِهَذَا يَفْتَرِقُ عَنِ الذَّبْحِ؛ لأَِنَّ الْقَطْعَ فِي أَعْلَى الْعُنُقِ. وَالنَّحْرُ نَوْعٌ آخَرُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّذْكِيَةِ الاِخْتِيَارِيَّةِ (٢) .

стр. 6555

ج - الْعَقْرُ: ٤ - الْعَقْرُ: هُوَ الْجُرْحُ. وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ فِي: تَذْكِيَةِ حَيَوَانٍ غَيْرِ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ بِالطَّعْنِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ وَقَعَ مِنَ الْبَدَنِ. وَبِهَذَا يَخْتَلِفُ عَنِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ؛ لأَِنَّهُمَا تَذْكِيَةٌ اخْتِيَارًا، وَالْعَقْرُ تَذْكِيَةٌ ضَرُورَةً (١) . د - الصَّيْدُ: ٥ - الصَّيْدُ: هُوَ إِزْهَاقُ رُوحِ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الْمُتَوَحِّشِ، بِإِرْسَال نَحْوِ سَهْمٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ صَقْرٍ (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٦ - التَّذْكِيَةُ سَبَبٌ لإِِبَاحَةِ أَكْل لَحْمِ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمُحَرَّمِ وَاَلَّذِي مِنْ شَأْنِهِ الذَّبْحُ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِالذَّبْحِ أَمِ النَّحْرِ أَمِ الْعَقْرِ. أَمَّا مَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ الذَّبْحُ كَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ فَيَحِلاَّنِ بِلاَ ذَكَاةٍ (٣) . وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُذَكِّي عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، كَمَا يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ:

стр. 6556

الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) : أَنْ يَكُونَ الْمُذَكِّي مُمَيِّزًا؛ لِيَعْقِل التَّسْمِيَةَ وَالذَّبْحَ. وَفِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يُشْتَرَطُ التَّمْيِيزُ (١) . ٧ - وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) عَلَى أَنَّهُ تُشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ وَقْتَ التَّذْكِيَةِ إِلاَّ إِذَا نَسِيَهَا (٢) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ بِاسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ وَقْتَ التَّذْكِيَةِ (٣) . وَيَحِل الذَّبْحُ بِكُل مُحَدَّدٍ يَجْرَحُ، كَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَذَهَبٍ وَخَشَبٍ وَحَجَرٍ وَزُجَاجٍ، وَلاَ يَجُوزُ بِالسِّنِّ وَالظُّفْرِ الْقَائِمَيْنِ اتِّفَاقًا. (٤) أَمَّا إِذَا كَانَا مُنْفَصِلَيْنِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (ذَبَائِحٌ) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٨ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ التَّذْكِيَةِ فِي أَبْوَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالأُْضْحِيَّةِ، وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَحْكَامَهَا فِي بَابِ الذَّكَاةِ.

стр. 6557

تُرَابٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التُّرَابُ: مَا نَعُمَ مِنْ أَدِيمِ الأَْرْضِ. بِهَذَا عَرَّفَهُ الْمُعْجَمُ الْوَسِيطُ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَقَال الْمُبَرِّدُ: هُوَ جَمْعٌ وَاحِدُهُ تُرَابَةٌ، وَجَمْعُهُ أَتْرِبَةٌ وَتِرْبَانٌ، وَتُرْبَةُ الأَْرْضِ: ظَاهِرُهَا. وَأَتْرَبْتُ الشَّيْءَ: وَضَعْتُ عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَتَرَّبْتُهُ تَتْرِيبًا فَتَتَرَّبَ: أَيْ تَلَطَّخَ بِالتُّرَابِ. وَيُقَال: تَرِبَ الرَّجُل: إِذَا افْتَقَرَ، كَأَنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرَابِ، وَفِي الْحَدِيثِ: فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ (١) وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الدُّعَاءَ، بَل الْحَثُّ وَالتَّحْرِيضُ. وَيُقَال: أَتْرَبَ الرَّجُل: أَيِ اسْتَغْنَى، كَأَنَّهُ صَارَ لَهُ مِنَ الْمَال بِقَدْرِ التُّرَابِ (٢) . وَفِي الْمُصْطَلَحَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْفَنِّيَّةِ: أَنَّهُ جُزْءُ

стр. 6558

الأَْرْضِ السَّطْحِيِّ الْمُتَجَانِسِ التَّرْكِيبِ، أَوِ الَّذِي تَتَنَاوَلُهُ آلاَتُ الْحِرَاثَةِ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَنَّ الرَّمْل وَنُحَاتَةَ الصَّخْرِ لَيْسَا مِنَ التُّرَابِ، وَإِنْ أُعْطِيَا حُكْمَهُ فِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الصَّعِيدُ: ٢ - الصَّعِيدُ: وَجْهُ الأَْرْضِ تُرَابًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، قَال الزَّجَّاجُ: وَلاَ أَعْلَمُ اخْتِلاَفًا بَيْنَ أَهْل اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ. (٣) وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الصَّعِيدُ أَعَمَّ مِنَ التُّرَابِ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: أ - فِي التَّيَمُّمِ: ٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ يَصِحُّ بِكُل تُرَابٍ طَاهِرٍ فِيهِ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٤) وَلِقَوْلِهِ ﷺ : أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: كَانَ كُل نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ

стр. 6559

خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى كُل أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِل لأَِحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَْرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيَّ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ (١) . وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ بِمَا عَدَا التُّرَابَ، كَالنُّورَةِ وَالْحِجَارَةِ وَالرَّمْل وَالْحَصَى وَالطِّينِ الرَّطْبِ وَالْحَائِطِ الْمُجَصَّصِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى صِحَّةِ التَّيَمُّمِ بِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِالتُّرَابِ الطَّاهِرِ ذِي الْغُبَارِ الْعَالِقِ. وَكَذَا يَصِحُّ بِرَمْلٍ فِيهِ غُبَارٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي قَوْل الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ (٢) . وَالتَّفَاصِيل يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ (تَيَمُّمٌ) . ب - فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ: ٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَا نَجَسَ بِمُلاَقَاةِ شَيْءٍ، مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، يُغْسَل سَبْعَ مَرَّاتٍ: إِحْدَاهُنَّ

стр. 6560

بِالتُّرَابِ. سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لُعَابَهُ أَوْ بَوْلَهُ أَوْ سَائِرَ رُطُوبَاتِهِ أَوْ أَجْزَاءَهُ الْجَافَّةَ إِذَا لاَقَتْ رَطْبًا؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ وَفِي رِوَايَةٍ: أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ وَفِي أُخْرَى وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ (١) وَأُلْحِقَ الْخِنْزِيرُ بِالْكَلْبِ لأَِنَّهُ أَسْوَأُ حَالاً. (٢) وَلِهَذَا قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٣) وَرُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى بِوُجُوبِ غَسْل نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ: وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ (٤) وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَعُمَّ التُّرَابُ الْمَحَل، وَأَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، وَأَنْ يَكُونَ قَدْرًا يُكَدِّرُ الْمَاءَ، وَيَكْتَفِي بِوُجُودِ التُّرَابِ فِي وَاحِدَةٍ مِنَ الْغَسَلاَتِ السَّبْعِ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الأَْخِيرَةِ، وَجَعْلُهُ فِي الأُْولَى أَوْلَى. (٥)

стр. 6561

وَالأَْظْهَرُ تَعَيُّنُ التُّرَابِ جَمْعًا بَيْنَ نَوْعَيِ الطَّهُورِ. فَلاَ يَكْفِي غَيْرَهُ، كَأُشْنَانٍ وَصَابُونٍ. وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ لاَ يَتَعَيَّنُ التُّرَابُ. وَيَقُومُ مَا ذُكِرَ وَنَحْوُهُ مَقَامَهُ. وَهُنَاكَ رَأْيٌ ثَالِثٌ: بِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ التُّرَابِ عِنْدَ فَقْدِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَلاَ يَقُومُ عِنْدَ وُجُودِهِ. وَفِي قَوْلٍ رَابِعٍ: أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيمَا يُفْسِدُهُ التُّرَابُ، كَالثِّيَابِ دُونَ مَا لاَ يُفْسِدُهُ. (١) وَيَرَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْخِنْزِيرَ لَيْسَ كَالْكَلْبِ، بَل يَكْفِي لإِِزَالَةِ نَجَاسَتِهِ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ تُرَابٍ، كَغَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ الأُْخْرَى؛ لأَِنَّ الْوَارِدَ فِي التَّتْرِيبِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْكَلْبِ فَقَطْ. (٢) أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: فَيَرَوْنَ الاِكْتِفَاءَ بِغَسْل مَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ مِنَ الأَْوَانِي مِنْ غَيْرِ تَتْرِيبٍ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَاتِ التَّتْرِيبِ فِي الْحَدِيثِ مُضْطَرِبَةٌ حَيْثُ وَرَدَتْ بِلَفْظِ: إِحْدَاهُنَّ، فِي رِوَايَةٍ، وَفِي أُخْرَى بِلَفْظِ: أُولاَهُنَّ، وَفِي ثَالِثَةٍ بِلَفْظِ: أُخْرَاهُنَّ، وَفِي رَابِعَةٍ: السَّابِعَةُ بِالتُّرَابِ، وَفِي خَامِسَةٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ، وَالاِضْطِرَابُ قَادِحٌ فَيَجِبُ طَرْحُهَا. ثُمَّ إِنَّ ذِكْرَ التُّرَابِ لَمْ يَثْبُتْ فِي كُل الرِّوَايَاتِ. (٣)

стр. 6562

وَالتَّفَاصِيل يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ: (نَجَاسَةٌ، وَطَهَارَةٌ، وَصَيْدٌ، وَكَلْبٌ) . ٥ - وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْخُفَّ وَالنَّعْل إِذَا أَصَابَتْهُمَا نَجَاسَةٌ لَهَا جِرْمٌ كَالرَّوْثِ فَمَسْحُهُمَا بِالتُّرَابِ يُطَهِّرُهُمَا. (١) وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁: أَنَّهُ ﷺ صَلَّى يَوْمًا، فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلاَةِ، فَخَلَعَ الْقَوْمُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ سَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ، فَقَال ﵊: أَتَانِي جِبْرِيل ﵇ وَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا أَذًى فَخَلَعْتُهُمَا، ثُمَّ قَال: إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُقَلِّبْ نَعْلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ بِهِمَا أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالأَْرْضِ، فَإِنَّ الأَْرْضَ لَهُمَا طَهُورٌ (٢) وَأَمَّا مَا لاَ جِرْمَ لَهُ مِنَ النَّجَاسَةِ كَالْبَوْل فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (نَجَاسَةٌ) (وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ) . أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ،

стр. 6563

فَيَرَوْنَ أَنَّ التُّرَابَ لاَ يُطَهِّرُ الْخُفَّ أَوِ النَّعْل، وَأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُمَا إِذَا أُرِيدَ تَطْهِيرَهُمَا (١) . ج - فِي الصَّوْمِ: ٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَكْل التُّرَابِ وَالْحَصَاةِ وَنَحْوَهُمَا عَمْدًا يُبْطِل الصَّوْمَ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَصَل إِلَى الْجَوْفِ عَنْ طَرِيقِ الأَْنْفِ أَوِ الأُْذُنِ أَوْ نَحْوِهِمَا عَمْدًا؛ لأَِنَّ الصَّوْمَ هُوَ الإِْمْسَاكُ عَنْ كُل مَا يَصِل إِلَى الْجَوْفِ، وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مَبْحَثِ (كَفَّارَةٌ) . أَمَّا الْغُبَارُ الَّذِي يَصِل إِلَى الْجَوْفِ عَنْ طَرِيقِ الأَْنْفِ أَوْ نَحْوِهِ بِصُورَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ فَلاَ يُفْطِرُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ لِمَشَقَّةِ الاِحْتِرَازِ عَنْهُ. (٢) وَيَرَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الصَّائِمَ لَوْ فَتَحَ فَاهُ عَمْدًا حَتَّى دَخَل التُّرَابُ جَوْفَهُ لَمْ يُفْطِرْ لأَِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْ جِنْسِهِ (٣) . وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (صَوْمٌ) . د - فِي الْبَيْعِ: ٧ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ

стр. 6564

وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - أَنَّ بَيْعَ التُّرَابِ مِمَّنْ حَازَهُ جَائِزٌ لِظُهُورِ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ. (١) وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ التُّرَابِ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَلاَ مَرْغُوبٍ فِيهِ؛ وَلأَِنَّهُ يُمْكِنُ تَحْصِيل مِثْلِهِ بِلاَ تَعَبٍ وَلاَ مُؤْنَةٍ. لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَيَّدُوهُ بِأَنْ لاَ يَعْرِضَ لَهُ مَا يَصِيرُ بِهِ مَالاً مُعْتَبَرًا كَالنَّقْل وَالْخَلْطِ بِغَيْرِهِ. (٢) وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ) . هـ - فِي الأَْكْل: ٨ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى حُرْمَةِ أَكْل التُّرَابِ لِمَنْ يَضُرُّهُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ كَرَاهَةَ أَكْلِهِ. (٣) وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (أَطْعِمَةٌ) .

стр. 6565

تُرَابُ الصَّاغَةِ التَّعْرِيفُ: ١ - تُرَابُ الصَّاغَةِ: مُرَكَّبٌ إِضَافِيٌّ يَتَكَوَّنُ مِنْ كَلِمَتَيْنِ، وَهُمَا، تُرَابٌ: وَالصَّاغَةُ. أَمَّا التُّرَابُ: فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَتْرِبَةٍ وَتِرْبَانٍ، وَتُرْبَةُ الأَْرْضِ ظَاهِرُهَا. (١) وَأَمَّا الصَّاغَةُ: فَهِيَ جَمْعُ صَائِغٍ، وَهُوَ الَّذِي حِرْفَتُهُ الصِّيَاغَةُ، وَهِيَ جَعْل الذَّهَبِ حُلِيًّا. يُقَال: صَاغَ الذَّهَبَ: إِذَا جَعَلَهُ حُلِيًّا، وَصَاغَ اللَّهُ فُلاَنًا صِيغَةً حَسَنَةً: خَلَقَهُ. وَصَاغَ الشَّيْءَ: هَيَّأَهُ عَلَى مِثَالٍ مُسْتَقِيمٍ. وَتُرَابُ الصَّاغَةِ - كَمَا عَرَفَهُ الْمَالِكِيَّةُ - هُوَ الرَّمَادُ (الَّذِي يُوجَدُ فِي حَوَانِيتِهِمْ) وَلاَ يُدْرَى مَا فِيهِ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التِّبْرُ: ٢ - مِنْ مَعَانِي التِّبْرِ فِي اللُّغَةِ: مَا كَانَ مِنَ الذَّهَبِ

стр. 6566

غَيْرَ مَضْرُوبٍ، فَإِذَا ضُرِبَ دَنَانِيرَ فَهُوَ عَيْنٌ. وَلاَ يُقَال تِبْرٌ إِلاَّ لِلذَّهَبِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُهُ لِلْفِضَّةِ أَيْضًا، وَقَدْ يُطْلَقُ التِّبْرُ عَلَى غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنَ الْمَعْدِنِيَّاتِ (١) . وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ، عَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ: الذَّهَبُ غَيْرُ الْمَضْرُوبِ (٢) . وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ: اسْمٌ لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَبْل ضَرْبِهِمَا، أَوْ لِلذَّهَبِ فَقَطْ، وَالْمُرَادُ الأَْعَمُّ (٣) . ب - تُرَابُ الْمَعَادِنِ: ٣ - أَمَّا التُّرَابُ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ مَعْنَاهُ، وَأَمَّا الْمَعَادِنُ فَهِيَ: جَمْعُ مَعْدِنٍ بِكَسْرِ الدَّال، وَالْمَعْدِنُ - كَمَا قَال اللَّيْثُ: مَكَانُ كُل شَيْءٍ يَكُونُ فِيهِ أَصْلُهُ وَمَبْدَؤُهُ كَمَعْدِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (٤) وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، فَهُوَ كَمَا عَرَّفَهُ الزَّيْلَعِيُّ: اسْمٌ لِمَا يَكُونُ فِي الأَْرْضِ خِلْقَةً، بِخِلاَفِ الرِّكَازِ وَالْكَنْزِ؛ إِذِ الْكَنْزُ اسْمٌ لِمَدْفُونِ الْعِبَادِ، وَالرِّكَازُ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ فِي الأَْرْضِ خِلْقَةً، أَوْ بِدَفْنِ الْعِبَادِ. (٥) وَقَال الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الْمَعْدِنَ لَهُ

стр. 6567

إِطْلاَقَانِ: أَحَدُهُمَا عَلَى الْمُسْتَخْرَجِ، وَالآْخَرُ عَلَى الْمُخْرَجِ مِنْهُ (١) . هَذَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ تُرَابِ الْمَعْدِنِ وَتُرَابِ الصَّاغَةِ - كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ - أَنَّ تُرَابَ الْمَعْدِنِ: هُوَ مَا يَتَسَاقَطُ مِنْ جَوْهَرِ الْمَعْدِنِ نَفْسِهِ، دُونَ اخْتِلاَطٍ بِجَوْهَرٍ آخَرَ. أَمَّا تُرَابُ الصَّاغَةِ فَهُوَ الْمُتَسَاقِطُ مِنَ الْمَعْدِنِ مُخْتَلِطًا بِالتُّرَابِ أَوِ الرَّمْل أَوْ نَحْوِهِمَا. (٢) الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٤ - تُرَابُ الصَّاغَةِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ مَجْهُولاً أَوْ مَعْلُومًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ جِنْسٍ، وَإِمَّا أَنْ يُصَفَّى وَيُمَيَّزَ مَا فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ أَوْ لاَ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنِ اشْتَرَى تُرَابَ الْفِضَّةِ بِفِضَّةٍ لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ إِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِي التُّرَابِ شَيْءٌ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ ظَهَرَ فَهُوَ بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ مُجَازَفَةً، وَلِهَذَا لَوِ اشْتَرَاهُ بِتُرَابِ فِضَّةٍ لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الْبَدَلَيْنِ هُمَا الْفِضَّةُ لاَ التُّرَابُ. وَلَوِ اشْتَرَاهُ بِتُرَابِ ذَهَبٍ أَوْ بِذَهَبٍ جَازَ، لِعَدَمِ لُزُومِ الْعِلْمِ بِالْمُمَاثَلَةِ، لاِخْتِلاَفِ الْجِنْسِ، فَلَوْ ظَهَرَ أَنْ لاَ شَيْءَ فِي التُّرَابِ لاَ يَجُوزُ.

стр. 6568

وَكُل مَا جَازَ فَمُشْتَرِي التُّرَابِ بِالْخِيَارِ إِذَا رَأَى، لأَِنَّهُ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ. وَهُوَ أَيْضًا قَوْل الْحَنَابِلَةِ فِي تُرَابِ الصَّاغَةِ؛ إِذْ لاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُهُ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ؛ لأَِنَّهُ مَال رِبًا بِيعَ بِجِنْسِهِ عَلَى وَجْهٍ لاَ تُعْلَمُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ. وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بَيْعُ تُرَابِ الصَّاغَةِ لِشِدَّةِ الْغَرَرِ فِيهِ، وَإِنْ وَقَعَ فَسْخٌ. وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ تُرَابِ الصَّاغَةِ قَبْل تَصْفِيَتِهِ وَتَمْيِيزُ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ مِنْهُ، سَوَاءٌ أَبَاعَهُ بِذَهَبٍ أَمْ بِفِضَّةٍ أَمْ بِغَيْرِهِمَا؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مَجْهُولٌ أَوْ مَسْتُورٌ بِمَا لاَ مَصْلَحَةَ لَهُ فِيهِ فِي الْعَادَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ فِيهِ كَبَيْعِ اللَّحْمِ فِي الْجِلْدِ بَعْدَ الذَّبْحِ وَقَبْل السَّلْخِ. (١)

стр. 6569

تُرَابُ الْمَعَادِنِ التَّعْرِيفُ: ١ - تُرَابُ الْمَعَادِنِ: مُرَكَّبٌ إِضَافِيٌّ، أَمَّا التُّرَابُ: فَهُوَ ظَاهِرُ الأَْرْضِ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ. (١) وَأَمَّا الْمَعَادِنُ: فَهِيَ جَمْعُ مَعْدِنٍ - بِكَسْرِ الدَّال - وَهُوَ كَمَا قَال اللَّيْثُ: مَكَانُ كُل شَيْءٍ يَكُونُ فِيهِ أَصْلُهُ وَمَبْدَؤُهُ كَمَعْدِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. (٢) وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ، كَمَا عَرَّفَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَابْنُ عَابِدِينَ: اسْمٌ لِمَا يَكُونُ فِي الأَْرْضِ خِلْقَةً. (٣) وَقَال الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الْمَعْدِنَ لَهُ إِطْلاَقَانِ: أَحَدُهُمَا عَلَى الْمُسْتَخْرَجِ، وَالآْخَرُ عَلَى الْمُخْرَجِ مِنْهُ (٤) .

стр. 6570

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - تُرَابُ الصَّاغَةِ: ٢ - وَهُوَ - كَمَا عَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ - الرَّمَادُ الَّذِي يُوجَدُ فِي حَوَانِيتِ الصَّاغَةِ، وَلاَ يُدْرَى مَا فِيهِ (١) . وَالْفَرْقُ بَيْنَ تُرَابِ الصَّاغَةِ وَتُرَابِ الْمَعْدِنِ، هُوَ أَنَّ تُرَابَ الصَّاغَةِ هُوَ الْمُتَسَاقِطُ مِنَ الْمَعْدِنِ مُخْتَلِطًا بِتُرَابٍ أَوْ رَمْلٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، أَمَّا تُرَابُ الْمَعْدِنِ فَهُوَ مَا يَتَسَاقَطُ مِنْ جَوْهَرِ الْمَعْدِنِ نَفْسِهِ دُونَ أَنْ يَخْتَلِطَ بِجَوْهَرٍ آخَرَ (٢) . ب - الْكَنْزُ: ٣ - هُوَ فِي الأَْصْل مَصْدَرُ كَنَزَ، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: جَمْعُ الْمَال وَادِّخَارُهُ، وَجَمْعُ التَّمْرِ فِي وِعَائِهِ، وَالْكَنْزُ أَيْضًا: الْمَال الْمَدْفُونُ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ، وَالْجَمْعُ كُنُوزٌ كَفَلْسٍ وَفُلُوسٍ (٣) . وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ: اسْمٌ لِمَدْفُونِ الْعِبَادِ (٤) . ج - الرِّكَازُ: ٤ - الرِّكَازُ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: الْمَال الْمَدْفُونُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ عَلَى وَزْنِ فِعَالٍ، بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَالْبِسَاطِ بِمَعْنَى الْمَبْسُوطِ، وَيُقَال هُوَ الْمَعْدِنُ (٥) .

стр. 6571

وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ: اسْمٌ لِمَا يَكُونُ تَحْتَ الأَْرْضِ خِلْقَةً أَوْ بِدَفْنِ الْعِبَادِ (١) . فَالرِّكَازُ بِهَذَا الْمَعْنَى أَعَمُّ مِنَ الْمَعْدِنِ وَالْكَنْزِ، فَكَانَ حَقِيقَةً فِيهِمَا مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا، وَلَيْسَ خَاصًّا بِالدَّفِينِ (٢) . وَقَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِكَوْنِهِ دَفِينَ الْجَاهِلِيَّةِ (٣) . أَنْوَاعُ الْمَعَادِنِ: ٥ - لِلْمَعَادِنِ أَنْوَاعٌ ثَلاَثَةٌ: (أ) جَامِدٌ يَذُوبُ وَيَنْطَبِعُ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالصُّفْرِ. (ب) جَامِدٌ لاَ يَذُوبُ، كَالْجِصِّ وَالنُّورَةِ، وَالْكُحْل وَالزِّرْنِيخِ. (ج) مَائِعٌ لاَ يَتَجَمَّدُ، كَالْمَاءِ وَالْقِيرِ وَالنِّفْطِ (٤) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ الأَْحْكَامَ الْخَاصَّةَ بِتُرَابِ الْمَعَادِنِ فِي مَوَاطِنَ نُجْمِلُهَا فِيمَا يَلِي: أ - تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِتُرَابِ الْمَعَادِنِ: ٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَغَيُّرَ الْمَاءِ

стр. 6572

الْمُطْلَقِ بِتُرَابِ الْمَعْدِنِ لاَ يَضُرُّ، وَيَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِهِ؛ لأَِنَّهُ تَغَيَّرَ بِمَا هُوَ مِنْ أَجْزَاءِ الأَْرْضِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِمَا لاَ يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ مِنْ تُرَابِ الْمَعَادِنِ، بِأَنْ يَكُونَ فِي مَقَرِّهِ أَوْ مَمَرِّهِ لاَ يَمْنَعُ التَّطَهُّرُ بِهِ، وَلاَ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ. (١) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (مِيَاهٌ) . ب - حُكْمُ التَّيَمُّمِ بِتُرَابِ الْمَعَادِنِ: ٧ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ إِلاَّ بِتُرَابٍ طَاهِرٍ، أَوْ بِرَمْلٍ فِيهِ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ، وَأَمَّا مَا لاَ غُبَارَ لَهُ كَالصَّخْرِ وَسَائِرِ الْمَعَادِنِ فَلاَ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهَا؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَى التُّرَابِ (٢) . وَيَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ التَّيَمُّمُ بِكُل مَا لاَ يَنْطَبِعُ وَلاَ يَلِينُ مِنَ الْمَعَادِنِ، كَالْجِصِّ وَالنُّورَةِ وَالْكُحْل وَالزِّرْنِيخِ، سَوَاءٌ الْتَصَقَ عَلَى يَدِهِ شَيْءٌ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَلْتَصِقْ. وَأَمَّا الْمَعَادِنُ الَّتِي تَلِينُ وَتَنْطَبِعُ، كَالْحَدِيدِ

стр. 6573

وَالنُّحَاسِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَلاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهَا إِلاَّ فِي مَحَالِّهَا، بِشَرْطِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهَا التُّرَابُ؛ لأَِنَّ التَّيَمُّمَ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِالتُّرَابِ لاَ بِهَا؛ وَلأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: فَلاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلاَّ بِالتُّرَابِ وَالرَّمْل فِي رِوَايَةٍ، أَوْ بِالتُّرَابِ فَقَطْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (١) . وَيَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ التَّيَمُّمُ بِالْمَعَادِنِ الْمُنْطَبِعَةِ وَغَيْرِ الْمُنْطَبِعَةِ مَا لَمْ تُنْقَل مِنْ مَحَالِّهَا؛ لأَِنَّهَا مِنْ أَجْزَاءِ الأَْرْضِ بِاسْتِثْنَاءِ مَعْدِنِ النَّقْدَيْنِ، وَهُمَا: تِبْرُ الذَّهَبِ وَنُقَارُ الْفِضَّةِ (٢) . وَالْجَوَاهِرُ النَّفِيسَةُ كَالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالزُّمُرُّدِ وَالْمَرْجَانِ مِمَّا لاَ يَقَعُ بِهِ التَّوَاضُعُ لِلَّهِ. (٣) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (تَيَمُّمٌ) . ج - زَكَاةُ تُرَابِ الْمَعَادِنِ: ٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي مَعْدِنَيِ: الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (٤) .

стр. 6574

أَمَّا غَيْرُهُمَا مِنَ الْمَعَادِنِ، فَفِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ وَوَقْتِ وُجُوبِهَا، تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاةٌ) د - بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ: ٩ - تُرَابُ الْمَعَادِنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْنَافٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَإِمَّا أَنْ يُصَفَّى وَيُمَيَّزَ مَا فِيهِ أَوْ لاَ. فَإِنْ كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، كَتُرَابِ ذَهَبٍ بِتُرَابِ ذَهَبٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِلْجَهْل بِالْمُمَاثَلَةِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْنَافٍ كَتُرَابِ ذَهَبٍ بِتُرَابِ فِضَّةٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لِخِفَّةِ الْغَرَرِ فِيهِ؛ وَلِعَدَمِ لُزُومِ الْعِلْمِ بِالْمُمَاثَلَةِ، وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لأَِنَّهُ مَجْهُولٌ. وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ تُرَابِ الْمَعْدِنِ قَبْل تَصْفِيَتِهِ وَتَمْيِيزِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْهُ، سَوَاءٌ أَبَاعَهُ بِذَهَبٍ أَمْ بِفِضَّةٍ أَمْ بِغَيْرِهِمَا؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ النَّقْدُ وَهُوَ مَجْهُولٌ أَوْ مَسْتُورٌ بِمَا

стр. 6575

لاَ مَصْلَحَةَ لَهُ فِيهِ فِي الْعَادَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ فِيهِ، كَبَيْعِ اللَّحْمِ فِي الْجِلْدِ بَعْدَ الذَّبْحِ وَقَبْل السَّلْخِ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٍ) (وَرِبًا) (وَصَرْفٍ) .

стр. 6576

تَرَاخِي التَّعْرِيفُ: ١ - التَّرَاخِي: مَصْدَرُ تَرَاخَى، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: التَّقَاعُدُ عَنِ الشَّيْءِ وَالتَّقَاعُسِ عَنْهُ. وَتَرَاخَى الأَْمْرُ تَرَاخِيًا: امْتَدَّ زَمَانُهُ، وَفِي الأَْمْرِ تَرَاخٍ أَيْ: فُسْحَةٌ (١) . وَمَعْنَى التَّرَاخِي فِي الاِصْطِلاَحِ: كَوْنُ الأَْدَاءِ مُتَأَخِّرًا عَنْ أَوَّل وَقْتِ الإِْمْكَانِ إِلَى مَظِنَّةِ الْفَوْتِ. (٢) وَعَلَى ذَلِكَ لاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْفَوْرُ: ٢ - يُطْلَقُ الْفَوْرُ فِي اللُّغَةِ عَلَى: الْوَقْتِ الْحَاضِرِ الَّذِي لاَ تَأْخِيرَ فِيهِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: فَارَ

стр. 6577

الْمَاءُ يَفُورُ فَوْرًا أَيْ: نَبَعَ وَجَرَى، ثُمَّ اسْتُعْمِل فِي الْحَالَةِ الَّتِي لاَ بُطْءَ فِيهَا (١) . يُقَال: جَاءَ فُلاَنٌ فِي حَاجَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْ فَوْرِهِ أَيْ: مِنْ حَرَكَتِهِ الَّتِي وَصَل فِيهَا وَلَمْ يَسْكُنْ بَعْدَهَا، وَحَقِيقَتُهُ: أَنْ يَصِل مَا بَعْدَ الْمَجِيءِ بِمَا قَبْلَهُ مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ. وَمَعْنَى الْفَوْرِ فِي الاِصْطِلاَحِ: كَوْنُ الأَْدَاءِ فِي أَوَّل أَوْقَاتِ الإِْمْكَانِ (٢) . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّرَاخِي: أَنَّ الْفَوْرَ ضِدُّ التَّرَاخِي. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: تُبْحَثُ الأَْحْكَامُ الْخَاصَّةُ بِالتَّرَاخِي فِي عَدَدٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ تُوجَزُ فِيمَا يَلِي: أَوَّلاً: مَوَاضِعُهُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: ذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ التَّرَاخِيَ فِي مَوَاضِعَ وَهِيَ: أ - الأَْمْرُ: ٣ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي الأَْمْرِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِوَقْتٍ مُحَدَّدٍ أَوْ مُعَيَّنٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُوَسَّعًا أَوْ مُضَيَّقًا، وَالْخَالِي عَنْ قَرِينَةٍ تَدُل عَلَى أَنَّهُ لِلتَّكْرَارِ أَوْ لِلْمَرَّةِ: هَل يُفِيدُ الْفَوْرَ، أَوِ التَّرَاخِيَ، أَوْ

стр. 6578

غَيْرَهُمَا؟ فَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الأَْمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ يَقُولُونَ: بِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ؛ لأَِنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْقَوْل بِالتَّكْرَارِ اسْتِغْرَاقُ الأَْوْقَاتِ بِالْفِعْل الْمَأْمُورِ بِهِ. وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لِلْمَرَّةِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: الأَْوَّل: إِنَّهُ يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الطَّلَبِ، وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي، فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَفُوتُ الْمَأْمُورُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيُّ وَالآْمَدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْبَيْضَاوِيُّ (١) . الثَّانِي: أَنَّهُ يُوجِبُ الْفَوْرَ، فَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالْكَرْخِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ (٢) . الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُفِيدُ التَّرَاخِيَ جَوَازًا، فَلاَ يَثْبُتُ حُكْمُ وُجُوبِ الأَْدَاءِ عَلَى الْفَوْرِ بِمُطْلَقِ الأَْمْرِ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْقَوْل الْبَيْضَاوِيُّ وَنَسَبَهُ لِقَوْمٍ، وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ فِي أُصُولِهِ (٣) .

стр. 6579

الرَّابِعُ: أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي، وَهُوَ رَأْيُ الْقَائِلِينَ بِالتَّوَقُّفِ فِي دَلاَلَتِهِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوهُ عَلَى الْفَوْرِ وَلاَ عَلَى التَّرَاخِي، وَإِنَّمَا تَوَقَّفُوا فِيهِ. وَتَوَقَّفَ فِيهِ أَيْضًا الْجُوَيْنِيُّ، كَمَا جَاءَ فِي إِرْشَادِ الْفُحُول، فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ الأَْمْرَ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ لاَ يُفِيدُ الْفَوْرَ وَلاَ التَّرَاخِيَ، فَيَمْتَثِل الْمَأْمُورُ بِكُلٍّ مِنَ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي لِعَدَمِ رُجْحَانِ أَحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ، مَعَ التَّوَقُّفِ فِي إِثْمِهِ بِالتَّرَاخِي لاَ بِالْفَوْرِ؛ لِعَدَمِ احْتِمَال وُجُوبِ التَّرَاخِي، وَقِيل بِالتَّوَقُّفِ فِي الاِمْتِثَال، أَيْ لاَ يَدْرِي هَل يَأْثَمُ إِنْ بَادَرَ، أَوْ إِنْ أَخَّرَ؟ لاِحْتِمَال وُجُوبِ التَّرَاخِي (١) . وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْخِلاَفِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلاَفُهُمْ فِي الْحَجِّ، أَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ، أَمْ عَلَى التَّرَاخِي؟ . وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضًا: الأَْمْرُ بِالْكَفَّارَاتِ، وَالأَْمْرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَبِقَضَاءِ الصَّلاَةِ. وَمَحَل تَفْصِيل مَا قَالُوهُ فِي ذَلِكَ، مَعَ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ، هُوَ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ، وَمُصْطَلَحُ: (أَمْرٍ) . الْفَوْرُ فِي النَّهْيِ: ٤ - النَّهْيُ يَقْتَضِي الدَّوَامَ وَالْعُمُومَ عِنْدَ الأَْكْثَرِ مِنْ أَهْل الأُْصُول وَأَهْل الْعَرَبِيَّةِ، فَهُوَ لِلْفَوْرِ. وَقِيل: هُوَ كَالأَْمْرِ فِي عَدَمِ اقْتِضَائِهِ الدَّوَامَ (٢) .

стр. 6580

ب - الرُّخْصَةُ: ٥ - ذَكَرَ صَاحِبُ مُسَلَّمِ الثَّبُوتِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ لِمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرُّخْصَةِ، مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا رُخْصَةً. وَذَكَرَ أَنَّ ثَانِيَ تِلْكَ الأَْقْسَامِ، مَا تَرَاخَى حُكْمُ سَبَبِهِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى السَّبَبِيَّةِ إِلَى زَوَال الْعُذْرِ الْمُوجِبِ لِلرُّخْصَةِ، كَفِطْرِ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ، فَإِنَّ سَبَبِيَّةَ الشَّهْرِ بَاقِيَةٌ فِي حَقِّهِمَا، حَتَّى لَوْ صَامَا بِنِيَّةِ الْفَرْضِ أَجْزَأَ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال لِحَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَْسْلَمِيِّ إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ (١) . وَتَأَخَّرَ الْخِطَابُ عَنْهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (رُخْصَةٍ) . ج - مَعْنَى (ثُمَّ) : ٦ - أَوْرَدَ السَّرَخْسِيُّ فِي أُصُولِهِ: أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي اخْتَصَّتْ بِهِ (ثُمَّ) فِي أَصْل الْوَضْعِ هُوَ: الْعَطْفُ عَلَى وَجْهِ التَّعْقِيبِ مَعَ التَّرَاخِي. وَحُكْمُ هَذَا التَّرَاخِي فِيهِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ وَمُصْطَلَحِ (طَلاَقٌ) .

стр. 6581

وَأَثَرُ هَذَا الْخِلاَفِ يَظْهَرُ فِي قَوْل الزَّوْجِ لِغَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا، أَوْ لِلْمَدْخُول بِهَا، إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، أَيْ مَعَ تَقْدِيمِ الشَّرْطِ أَوْ تَأْخِيرِهِ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ وَمُصْطَلَحِ: (طَلاَقٌ) . ثَانِيًا: مَوَاضِعُهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ التَّرَاخِيَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِي عَدَدٍ مِنَ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، تُوجَزُ فِيمَا يَلِي: أ - التَّرَاخِي فِي رَدِّ الْمَغْصُوبِ: ٧ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِوُجُوبِ رَدِّ الْمَغْصُوبِ فَوْرًا مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ عُذْرٌ فِي التَّرَاخِي، كَخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَا بِيَدِهِ مِنْ مَغْصُوبٍ وَغَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ (٢) وَلأَِنَّهُ يَأْثَمُ بِاسْتِدَامَتِهِ تَحْتَ يَدِهِ لِحَيْلُولَتِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ،

стр. 6582

فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ عَلَى الْفَوْرِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَلِيِّهِ أَوْ وَكِيلِهِ، وَإِنْ تَكَلَّفَ عَلَيْهِ أَضْعَافُ قِيمَتِهِ؛ إِذْ لاَ تُقْبَل تَوْبَتُهُ مَا دَامَ فِي يَدِهِ (١) . وَلَمْ نَجِدْ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ نَصًّا فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّ قَوَاعِدَهُمُ الْعَامَّةَ فِي وُجُوبِ رَفْعِ الظُّلْمِ تَقْتَضِي مُوَافَقَةَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ. ب - تَرَاخِي الإِْيجَابِ عَنِ الْقَبُول فِي الْهِبَةِ: ٨ - لاَ يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَرَاخِي الْقَبُول عَنِ الإِْيجَابِ فِي الْهِبَةِ، بَل يُشْتَرَطُ الاِتِّصَال الْمُعْتَادُ كَالْبَيْعِ. وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ التَّرَاخِيَ فِي الْمَجْلِسِ إِذَا لَمْ يَتَشَاغَلاَ بِمَا يَقْطَعُ الاِتِّصَال. وَلَمْ يُصَرِّحِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِذَلِكَ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (هِبَةٌ) . ج - التَّرَاخِي فِي طَلَبِ الشُّفْعَةِ: ٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْقَوْل الأَْظْهَرِ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ طَلَبَ الشُّفْعَةِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهَا يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ

стр. 6583

ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ ﵁: الشُّفْعَةُ كَحَل الْعِقَال (١) . وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ طَلَبَهَا إِلَى سَنَةٍ وَمَا قَارَبَهَا وَتَسْقُطُ بَعْدَهَا (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (شُفْعَةٌ) . د - التَّرَاخِي فِي قَبُول الْوَصِيَّةِ: ١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبُول فِي الْوَصِيَّةِ إِنْ كَانَتْ لِمُعَيَّنٍ، وَمَحَل الْقَبُول بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْفَوْرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَلَهُ الْقَبُول عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي (٣) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (وَصِيَّةٍ) . هـ - حُكْمُ تَرَاخِي الْقَبُول عَنِ الإِْيجَابِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ: ١١ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى اشْتِرَاطِ

стр. 6584

ارْتِبَاطِ الْقَبُول بِالإِْيجَابِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، حَتَّى إِنَّ النَّوَوِيَّ ذَكَرَ أَنَّ الْقَبُول فِي الْمَجْلِسِ لاَ يَكْفِي، بَل يُشْتَرَطُ الْفَوْرُ. إِلاَّ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ التَّأْخِيرُ الْيَسِيرُ (١) . وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَيَصِحُّ عِنْدَهُمْ تَرَاخِي الْقَبُول عَنِ الإِْيجَابِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، وَإِنْ طَال الْفَصْل بَيْنَهُمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا عَنِ الْمَجْلِسِ أَوْ يَتَشَاغَلاَ بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا؛ لأَِنَّ الْمَجْلِسَ لَهُ حُكْمٌ حَالَةَ الْعَقْدِ، بِدَلِيل صِحَّةِ الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ قَبْضَهُ فِي الْمَجْلِسِ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (نِكَاحٍ) . و التَّرَاخِي فِي خِيَارِ الْعُيُوبِ وَالشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ: ١٢ - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ خِيَارَ الْعُيُوبِ وَالشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ عَلَى التَّرَاخِي؛ لأَِنَّهُ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقَّقٍ، فَيَكُونُ عَلَى التَّرَاخِي، كَخِيَارِ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ بَيْنَ الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ أَوِ الْعَفْوِ، فَلاَ يَسْقُطُ إِلاَّ أَنْ يُوجَدَ مِمَّنْ لَهُ الْخِيَارُ دَلاَلَةٌ عَلَى الرِّضَا، مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، مِنَ الزَّوْجِ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ، أَوْ مِنَ الزَّوْجَةِ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهَا، أَوْ

стр. 6585

يَأْتِي بِصَرِيحِ الرِّضَا كَأَنْ يَقُول: رَضِيتُ بِالْعَيْبِ (١) . وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَدْ نَصَّ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ عَلَى: أَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ فِي النِّكَاحِ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ، كَخِيَارِ الْعَيْبِ فِي الْبَيْعِ، وَقَال: إِنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ. وَرُوِيَ قَوْلاَنِ آخَرَانِ: أَحَدُهُمَا: يَمْتَدُّ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ. وَالثَّانِي: يَبْقَى إِلَى أَنْ يُوجَدَ صَرِيحُ الرِّضَا بِالْمَقَامِ مَعَهُ أَوْ مَا يَدُل عَلَيْهِ. حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ (٢) . وَلاَ يَثْبُتُ خِيَارُ الْعَيْبِ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ وَالشَّرْطِ - سَوَاءٌ جُعِل الْخِيَارُ لِلزَّوْجِ أَوْ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لَهُمَا - ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَقَل أَوْ أَكْثَرَ، حَتَّى أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ ذَلِكَ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْعَيْبُ هُوَ الْجَبَّ وَالْخِصَاءَ وَالْعُنَّةَ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ بِالْخِيَارِ (٣) . وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الْخِيَارَ بِشُرُوطِهِ إِذَا وَجَدَ بِصَاحِبِهِ عَيْبًا، إِلاَّ أَنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِكَوْنِ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ
следующие страницы →