← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

وَعَلَى هَذَا الْخِلاَفِ: الْخُطْبَةُ وَأَذْكَارُ الصَّلاَةِ، كَمَا لَوْ سَبَّحَ بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الصَّلاَةِ، أَوْ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ تَعَوَّذَ، أَوْ هَلَّل، أَوْ تَشَهَّدَ، أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَصِحُّ عِنْدَهُ، وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فَشَرَطَا الْعَجْزَ وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: أَنَّهُ لَوْ كَبَّرَ الشَّخْصُ بِالْفَارِسِيَّةِ، أَوْ سَمَّى عِنْدَ الذَّبْحِ، أَوْ لَبَّى عِنْدَ الإِْحْرَامِ بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ بِأَيِّ لِسَانٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَمْ لاَ، جَازَ بِالاِتِّفَاقِ بَيْنَ الإِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الصَّاحِبَيْنِ رَجَعَا إِلَى قَوْل الإِْمَامِ فِي جَوَازِ التَّكْبِيرِ وَالأَْذْكَارِ مُطْلَقًا، كَمَا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِمَا فِي عَدَمِ جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِالْعَجَمِيَّةِ إِلاَّ عِنْدَ الْعَجْزِ (١) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ عَجَزَ عَنِ التَّكْبِيرِ بِالْعَرَبِيَّةِ سَقَطَ، وَلاَ يَجُوزُ بِغَيْرِهَا، وَيَكْفِيهِ نِيَّتُهُ كَالأَْخْرَسِ، فَإِنْ أَتَى الْعَاجِزُ عَنْهُ بِمُرَادِفِهِ مِنْ لُغَةٍ أُخْرَى لَمْ تَبْطُل، قِيَاسًا عَلَى الدُّعَاءِ بِالْعَجَمِيَّةِ وَلَوْ لِلْقَادِرِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ. وَعِنْدَ بَعْضِ شُيُوخِ الْقَاضِي عِيَاضٍ: يَجُوزُ الإِْتْيَانُ بِالتَّكْبِيرِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَأَمَّا الْخُطْبَةُ فَلاَ تَجُوزُ عِنْدَهُمْ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ كَانَ الْجَمَاعَةُ عَجَمًا لاَ يَعْرِفُونَ الْعَرَبِيَّةَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مَنْ يُحْسِنُ الإِْتْيَانَ بِالْخُطْبَةِ عَرَبِيَّةً لَمْ تَلْزَمْهُمْ جُمُعَةٌ. (٢)

стр. 6617

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّكْبِيرِ بِالْعَجَمِيَّةِ إِذَا أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ، لِقَوْلِهِ ﷺ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (١) وَكَانَ ﵊ يُكَبِّرُ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَأَيْضًا قَال لِلْمُسِيءِ فِي صَلاَتِهِ: إِذَا قُمْتَ لِلصَّلاَةِ فَكَبِّرْ. . (٢) وَلأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْهُ الْعُدُول عَنْ ذَلِكَ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. هَذَا إِذَا أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ، أَمَّا إِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْعَرَبِيَّةَ لَزِمَهُ تَعَلُّمُ التَّكْبِيرِ بِهَا إِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ مُتَّسَعٌ، وَإِلاَّ كَبَّرَ بِلُغَتِهِ. وَكَذَلِكَ التَّشَهُّدُ الأَْخِيرُ وَالصَّلاَةُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يَجُوزَانِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ عِنْدَهُمْ لِلْعَاجِزِ عَنْهَا، وَلاَ يَجُوزُ لِلْقَادِرِ (٣) . وَأَمَّا خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَعَلُّمُهَا، خَطَبَ بِغَيْرِهَا، فَإِنِ انْقَضَتْ مُدَّةُ إِمْكَانِ التَّعَلُّمِ - وَلَمْ يَتَعَلَّمُوا - عَصَوْا كُلُّهُمْ وَلاَ جُمُعَةَ لَهُمْ (٤) .

стр. 6618

وَفِي السَّلاَمِ بِالْعَجَمِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: إِنْ قَدَرَ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَجُزْ، وَقَال النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ صِحَّةُ سَلاَمِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ إِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ يَفْهَمُهَا (١) . وَالضَّابِطُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ التَّرْجَمَةِ هُوَ: أَنَّ مَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ، فَإِنْ كَانَ لإِِعْجَازِهِ امْتَنَعَ قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ امْتَنَعَ لِلْقَادِرِ، كَالأَْذَانِ وَتَكْبِيرِ الإِْحْرَامِ وَالتَّشَهُّدِ وَالأَْذْكَارِ الْمَنْدُوبَةِ، وَالأَْدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ فِي الصَّلاَةِ، وَالسَّلاَمِ وَالْخُطْبَةِ. وَمَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ، فَجَائِزٌ، كَالْبَيْعِ وَالْخُلْعِ وَالطَّلاَقِ وَنَحْوِهَا. وَالْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ كَوْنَ الْخُطْبَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ، قَال النَّوَوِيُّ: لأَِنَّ الْمَقْصُودَ الْوَعْظُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِكُل اللُّغَاتِ (٢) . و الدُّعَاءُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ فِي الصَّلاَةِ: ١٠ - الْمَنْقُول عَنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي الدُّعَاءِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ الْكَرَاهَةُ؛ لأَِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ نَهَى عَنْ رَطَانَةِ الأَْعَاجِمِ، وَالرَّطَانَةُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ: الْكَلاَمُ بِالأَْعْجَمِيَّةِ. وَظَاهِرُ التَّعْلِيل: أَنَّ الدُّعَاءَ

стр. 6619

بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ خِلاَفُ الأَْوْلَى، وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهِ تَنْزِيهِيَّةٌ، وَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ بِالْعَجَمِيَّةِ مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا فِي الصَّلاَةِ، وَتَنْزِيهًا خَارِجَهَا (١) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الدُّعَاءُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ - عَلَى مَا نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْقَرَافِيِّ - مُعَلِّلاً بِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَا يُنَافِي التَّعْظِيمَ، وَقَيَّدَ اللَّقَّانِيُّ كَلاَمَ الْقَرَافِيِّ بِالأَْعْجَمِيَّةِ الْمَجْهُولَةِ الْمَدْلُول، أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِهِ، وَهُوَ اشْتِمَالُهَا عَلَى مَا يُنَافِي جَلاَل الرُّبُوبِيَّةِ. وَأَمَّا إِذَا عَلِمَ مَدْلُولَهَا فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا مُطْلَقًا فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَْسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٣) وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ الدُّسُوقِيُّ أَيْضًا. (٤) وَقَدْ فَصَّل الشَّافِعِيَّةُ الْكَلاَمَ فَقَالُوا: الدُّعَاءُ فِي الصَّلاَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْثُورًا أَوْ غَيْرَ مَأْثُورٍ. أَمَّا الدُّعَاءُ الْمَأْثُورُ فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا، وَيُوَافِقُهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِلْعَاجِزِ عَنْهَا، وَلاَ يَجُوزُ لِلْقَادِرِ، فَإِنْ فَعَل بَطَلَتْ صَلاَتُهُ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ لِمَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ وَغَيْرِهِ.

стр. 6620

وَالثَّالِثُ: لاَ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ إِلَيْهِ. وَأَمَّا الدُّعَاءُ غَيْرُ الْمَأْثُورِ فِي الصَّلاَةِ، فَلاَ يَجُوزُ اخْتِرَاعُهُ وَالإِْتْيَانُ بِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ قَوْلاً وَاحِدًا. وَأَمَّا سَائِرُ الأَْذْكَارِ كَالتَّشَهُّدِ الأَْوَّل وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، وَالْقُنُوتِ، وَالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَتَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَالاَتِ، فَعَلَى الْقَوْل بِجَوَازِ الدُّعَاءِ بِالأَْعْجَمِيَّةِ تَجُوزُ بِالأُْولَى، وَإِلاَّ فَفِي جَوَازِهَا لِلْعَاجِزِ أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: الْجَوَازُ. وَالثَّانِي: لاَ. وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ فِيمَا يُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْحَاوِي: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُحْسِنِ الْعَرَبِيَّةَ أَتَى بِكُل الأَْذْكَارِ بِالْعَجَمِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُهَا أَتَى بِالْعَرَبِيَّةِ، فَإِنْ خَالَفَ وَقَالَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ: فَمَا كَانَ وَاجِبًا كَالتَّشَهُّدِ وَالسَّلاَمِ لَمْ يُجْزِهِ، وَمَا كَانَ سُنَّةً كَالتَّسْبِيحِ وَالاِفْتِتَاحِ أَجْزَأَهُ وَقَدْ أَسَاءَ (١) . ز - الإِْتْيَانُ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ أَرَادَ الإِْسْلاَمَ: ١١ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَرَادَ الإِْسْلاَمَ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْعَرَبِيَّةَ جَازَ أَنْ يَأْتِيَ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِلِسَانِهِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ يُحْسِنُهَا: فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ عَامَّةِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ

стр. 6621

جَائِزٌ؛ لأَِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ الإِْخْبَارُ عَنِ اعْتِقَادِهِ، وَذَلِكَ يَحْصُل بِكُل لِسَانٍ. (١) وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالأَْصْل عِنْدَهُمْ أَنَّ النُّطْقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِالْعَرَبِيَّةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الإِْسْلاَمِ إِلاَّ لِعَجْزٍ - بِخَرَسٍ وَنَحْوِهِ - مَعَ قِيَامِ الْقَرِينَةِ عَلَى تَصْدِيقِهِ بِقَلْبِهِ، فَيُحْكَمُ لَهُ بِالإِْسْلاَمِ، وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ. (٢) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ إِسْلاَمُ الْكَافِرِ الأَْصْلِيِّ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ. (٣) وَأَمَّا إِنْ قَال: أَنَا مُؤْمِنٌ أَوْ أَنَا مُسْلِمٌ، قَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ بِهَذَا وَإِنْ لَمْ يَلْفِظِ الشَّهَادَتَيْنِ. ح - الأَْمَانُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ: ١٢ - الأَْمَانُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَال: إِذَا قُلْتُمْ: لاَ بَأْسَ أَوْ: لاَ تَذْهَل أَوْ: مَتْرَسَ (٤) ، فَقَدْ آمَنْتُمُوهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ الأَْلْسِنَةَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِثْل ذَلِكَ (٥) .

стр. 6622

ط - انْعِقَادُ النِّكَاحِ وَوُقُوعُ الطَّلاَقِ، بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ أَوَّلاً - تَرْجَمَةُ صِيغَةِ النِّكَاحِ: ١٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَنْ لاَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ يَصِحُّ مِنْهُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِلِسَانِهِ؛ لأَِنَّهُ عَاجِزٌ عَمَّا سِوَاهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ كَالأَْخْرَسِ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ بِحَيْثُ يَشْتَمِل عَلَى مَعْنَى اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ، وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا كَانَتِ الْعَرَبِيَّةُ شَرْطًا فِيهِ كَالتَّكْبِيرِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَقْدِرُ عَلَى لَفْظِ النِّكَاحِ بِالْعَرَبِيَّةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى: أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِغَيْرِهَا؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِلَفْظِهِ الْخَاصِّ، فَانْعَقَدَ بِهِ، كَمَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْعَرَبِيَّةِ. وَلأَِنَّ اللُّغَةَ الْعَجَمِيَّةَ تَصْدُرُ عَمَّنْ تَكَلَّمَ بِهَا عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُهَا. وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ إِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْعَرَبِيَّةَ وَإِلاَّ فَلاَ (١) . وَقَال فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي النِّكَاحِ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ دُونَ الآْخَرِ أَتَى الَّذِي يُحْسِنُ

стр. 6623

الْعَرَبِيَّةَ بِمَا هُوَ مِنْ قِبَلِهِ - مِنْ إِيجَابٍ أَوْ قَبُولٍ - بِالْعَرَبِيَّةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَالْعَاقِدُ الآْخَرُ يَأْتِي بِمَا هُوَ مِنْ قِبَلِهِ بِلُغَتِهِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا لاَ يُحْسِنُ لِسَانَ الآْخَرِ تَرْجَمَ بَيْنَهُمَا ثِقَةٌ يَعْرِفُ اللِّسَانَيْنِ (١) . ثَانِيًا - التَّطْلِيقُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ: ١٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّ الْعَجَمِيَّ إِذَا أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلاَقِ بِالْعَجَمِيَّةِ كَانَ طَلاَقًا، وَإِذَا أَتَى بِالْكِنَايَةِ لاَ يَقَعُ إِلاَّ بِنِيَّتِهِ. وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الأَْلْفَاظِ الَّتِي تُعْتَبَرُ صَرِيحَ الطَّلاَقِ وَكِنَايَتَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ، وَبَيَّنَ الْفُقَهَاءُ بَعْضَهَا فِي كِتَابِ الطَّلاَقِ (٢) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَنْ طَلَّقَ بِالْعَجَمِيَّةِ لَزِمَهُ إِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ عَدْلاَنِ يَعْرِفَانِ الْعَجَمِيَّةَ. قَال ابْنُ نَاجِي: قَال أَبُو إِبْرَاهِيمَ: يُؤْخَذُ مِنْهَا أَنَّ التُّرْجُمَانَ لاَ يَكُونُ أَقَل مِنْ عَدْلَيْنِ (٣) . وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (طَلاَقٌ) . ي - التَّرْجَمَةُ فِي الْقَضَاءِ: ١٥ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مُتَرْجِمًا (٤) .

стр. 6624

وَأَمَّا تَعَدُّدُهُ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى: أَنَّهُ يَكْفِي وَاحِدٌ عَدْلٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ يَهُودَ، قَال: فَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ إِذَا كَتَبَ إِلَيْهِمْ، وَأَقْرَأُ لَهُ إِذَا كَتَبُوا (١) . وَلأَِنَّهُ مِمَّا لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ فَأَجْزَأَ فِيهِ الْوَاحِدُ كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَكْفِي الْوَاحِدُ الْعَدْل إِنْ رَتَّبَهُ الْقَاضِي. أَمَّا غَيْرُ الْمُرَتَّبِ بِأَنْ أَتَى بِهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ طَلَبَهُ الْقَاضِي لِلتَّبْلِيغِ، فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّعَدُّدِ؛ لأَِنَّهُ صَارَ كَالشَّاهِدِ. وَفِي قَوْلٍ: لاَ بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِهِ، وَلَوْ رُتِّبَ (٢) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى: أَنَّ التَّرْجَمَةَ شَهَادَةٌ؛ لأَِنَّ الْمُتَرْجِمَ يَنْقُل إِلَى الْقَاضِي قَوْلاً لاَ يَعْرِفُهُ الْقَاضِي، وَمَا خَفِيَ عَلَيْهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَخَاصِمَيْنِ، وَلِذَا فَإِنَّهَا تَفْتَقِرُ إِلَى الْعَدَدِ وَالْعَدَالَةِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ. فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ أَوِ امْرَأَتَيْنِ قُبِلَتِ التَّرْجَمَةُ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَمَا لاَ

стр. 6625

يَثْبُتُ إِلاَّ بِرَجُلَيْنِ يُشْتَرَطُ فِي تَرْجَمَتِهِ رَجُلاَنِ، وَفِي حَدِّ الزِّنَا قَوْلاَنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَكْفِي فِيهِ أَقَل مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُولٍ: وَالثَّانِي: يَكْفِي فِيهِ اثْنَانِ. وَقِيل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَكْفِي رَجُلاَنِ قَطْعًا (١) . تَرْجِيحٌ انْظُرْ: تَعَارُضٌ.

стр. 6626

تَرْجِيعٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّرْجِيعُ فِي اللُّغَةِ هُوَ: تَرْدِيدُ الصَّوْتِ فِي قِرَاءَةٍ أَوْ أَذَانٍ أَوْ غِنَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَرَنَّمُ بِهِ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: أَنْ يَخْفِضَ الْمُؤَذِّنُ صَوْتَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ إِسْمَاعِهِ الْحَاضِرِينَ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَرْفَعَ صَوْتَهُ بِهِمَا (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: التَّثْوِيبُ: ٢ - التَّثْوِيبُ لُغَةً: الْعَوْدُ إِلَى الإِْعْلاَمِ بَعْدَ الإِْعْلاَمِ. وَاصْطِلاَحًا: قَوْل الْمُؤَذِّنِ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ، أَوْ بَعْدَ الأَْذَانِ وَقَبْل الإِْقَامَةِ - كَمَا يَقُول بَعْضُ الْفُقَهَاءِ - الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، مَرَّتَيْنِ (٣) . وَيَخْتَلِفُ التَّثْوِيبُ عَنِ التَّرْجِيعِ - بِالْمَعْنَى

стр. 6627

الأَْوَّل - فِي أَنَّ التَّثْوِيبَ يَكُونُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ أَوْ بَعْدَ الأَْذَانِ، وَأَمَّا التَّرْجِيعُ فَيَكُونُ فِي الإِْتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فِي كُل أَذَانٍ (١) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٣ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ - وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ - أَنَّهُ لاَ تَرْجِيعَ فِي الأَْذَانِ (٢) ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيعٍ. فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلاَلٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ. فَقُمْتُ مَعَ بِلاَلٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ بِهِ (٣) . فَإِذَا رَجَعَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَدْ نَصَّ الإِْمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَاعْتُبِرَ الاِخْتِلاَفُ فِي التَّرْجِيعِ مِنَ الاِخْتِلاَفَاتِ الْمُبَاحَةِ، وَقَال

стр. 6628

ابْنُ نُجَيْمٍ: الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ التَّرْجِيعَ مُبَاحٌ لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَلاَ مَكْرُوهٍ؛ لأَِنَّ كِلاَ الأَْمْرَيْنِ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَنَقَل الْحَصْكَفِيُّ عَنْ مُلْتَقَى الأَْبْحُرِ كَرَاهَةَ التَّرْجِيعِ فِي الأَْذَانِ، وَحَمَلَهَا ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ (١) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُسَنُّ التَّرْجِيعُ فِي الأَْذَانِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْقَى عَلَيْهِ التَّأْذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ، فَقَال لَهُ: قُل: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، ثُمَّ قَال: ارْجِعْ فَامْدُدْ صَوْتَكَ، ثُمَّ قَال: قُل: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ. . إِلَخْ (٢) . وَهُنَاكَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ: أَنَّ التَّرْجِيعَ رُكْنٌ لاَ يَصِحُّ الأَْذَانُ إِلاَّ بِهِ. قَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ: نَقَل الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الإِْمَامِ

стр. 6629

الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ إِنْ تَرَكَ التَّرْجِيعَ لاَ يَصِحُّ أَذَانُهُ (١) . مَحَل التَّرْجِيعِ: ٤ - التَّرْجِيعُ يَكُونُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ الإِْتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعًا، فَلاَ يُرَجِّعُ الشَّهَادَةَ الأُْولَى قَبْل الإِْتْيَانِ بِالشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ (٢) . حِكْمَةُ التَّرْجِيعِ: ٥ - حِكْمَةُ التَّرْجِيعِ هِيَ تَدَبُّرُ كَلِمَتَيِ الإِْخْلاَصِ؛ لِكَوْنِهِمَا الْمُنَجِّيَتَيْنِ مِنَ الْكُفْرِ، الْمُدْخِلَتَيْنِ فِي الإِْسْلاَمِ، وَتَذَكُّرِ خَفَائِهِمَا فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ ثُمَّ ظُهُورِهِمَا (٣) .

стр. 6630

تَرْجِيلٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّرْجِيل لُغَةً: تَسْرِيحُ الشَّعْرِ وَتَنْظِيفُهُ وَتَحْسِينُهُ. يُقَال: رَجَّلْتُهُ تَرْجِيلاً: إِذَا سَرَّحْتُهُ وَمَشَّطْتُهُ وَقَدْ يَكُونُ التَّرْجِيل أَخَصَّ مِنَ التَّمْشِيطِ؛ لأَِنَّهُ يُرَاعَى فِيهِ الزِّيَادَةُ فِي تَحْسِينِ الشَّعْرِ (١) . أَمَّا التَّسْرِيحُ فَهُوَ: إِرْسَال الشَّعْرِ وَحَلُّهُ قَبْل الْمَشْطِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ التَّسْرِيحُ مُغَايِرًا لِلتَّرْجِيل، وَمُضَادًّا لِلتَّمْشِيطِ. وَقَال الأَْزْهَرِيُّ: تَسْرِيحُ الشَّعْرِ تَرْجِيلُهُ، وَتَخْلِيصُ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ بِالْمُشْطِ. فَعَلَى الْمَعْنَى الأَْوَّل يَكُونُ مُغَايِرًا لِلتَّرْجِيل، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مُرَادِفًا (٢) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلَفْظِ التَّرْجِيل عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (٣) .

стр. 6631

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٢ - الأَْصْل فِي تَرْجِيل الشَّعْرِ الاِسْتِحْبَابُ (١) ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ (٢) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّرْجِيل، وَكَانَ يُرَجِّل نَفْسَهُ تَارَةً، وَتُرَجِّلُهُ عَائِشَةُ ﵂ تَارَةً أُخْرَى فَقَدْ رَوَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ (٣) . وَهُنَاكَ حَالاَتٌ يَخْتَلِفُ فِيهَا حُكْمُ التَّرْجِيل بِاخْتِلاَفِ الأَْشْخَاصِ وَالأَْوْقَاتِ مِنْهَا: أ - تَرْجِيل الْمُعْتَكِفِ: ٣ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ إِلاَّ مَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَيَجُوزُ لَهُ تَرْجِيل شَعْرِهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا

стр. 6632

قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ بَأْسَ بِأَنْ يُدْنِيَ الْمُعْتَكِفُ رَأْسَهُ لِمَنْ هُوَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ لِتَرْجِيل شَعْرِهِ، كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ كَرَاهَةَ التَّرْجِيل فِي الْمَسْجِدِ؛ لأَِنَّ التَّرْجِيل لاَ يَخْلُو مِنْ سُقُوطِ شَيْءٍ مِنَ الشَّعْرِ، وَالأَْخْذُ مِنَ الشَّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُمْ (٢) . وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (اعْتِكَافٍ) . ب - تَرْجِيل الْمُحْرِمِ: ٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّرْجِيل لِلْمُحْرِمِ - وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ إِذَا كَانَ التَّرْجِيل بِالدُّهْنِ - لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الْحَاجُّ الشَّعِثُ التَّفِل (٣) . وَالْمُرَادُ بِالشَّعَثِ انْتِشَارُ شَعْرِ الْحَاجِّ فَلاَ يَجْمَعُهُ بِالتَّسْرِيحِ وَالدَّهْنِ وَالتَّغْطِيَةِ وَنَحْوِهِ (٤) .

стр. 6633

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ بِكَرَاهِيَّةِ التَّرْجِيل لِلْمُحْرِمِ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى نَتْفِ الشَّعْرِ (١) . وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ التَّرْجِيل فِي حَالَةِ الإِْحْرَامِ لاَ بَأْسَ بِهِ، مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى إِبَانَةِ شَعْرِهِ (٢) . أَمَّا إِذَا تَيَقَّنَ الْمُحْرِمُ سُقُوطَ الشَّعْرِ بِالتَّرْجِيل فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي حُرْمَتِهِ حِينَئِذٍ (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (إِحْرَامٍ) . ج - تَرْجِيل الْمُحِدَّةِ: ٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ جَوَازِ التَّرْجِيل لِلْمُحِدَّةِ بِشَيْءٍ مِنَ الطِّيبِ أَوْ بِمَا فِيهِ زِينَةٌ. أَمَّا التَّرْجِيل بِغَيْرِ مَوَادِّ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ - كَالسِّدْرِ وَشِبْهِهِ مِمَّا لاَ يَخْتَمِرُ فِي الرَّأْسِ - فَقَدْ أَجَازَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلاَ بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ خِضَابٌ، قَالَتْ: قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ؟ قَال: بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ (٤) وَلأَِنَّهُ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ لاَ لِلتَّطَيُّبِ.

стр. 6634

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِعَدَمِ جَوَازِ تَرْجِيل الْمُحِدَّةِ - وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ طِيبٍ - لأَِنَّهُ زِينَةٌ، فَإِنْ كَانَ فَبِمُشْطٍ ذِي أَسْنَانٍ مُنْفَرِجَةٍ دُونَ الْمَضْمُومَةِ. وَقَيَّدَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ جَوَازَ تَرْجِيل الْمُحِدَّةِ بِأَسْنَانِ الْمُشْطِ الْوَاسِعَةِ بِالْعُذْرِ (١) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (إِحْدَادٌ، وَامْتِشَاطٌ) . كَيْفِيَّةُ التَّرْجِيل: ٦ - يُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ فِي التَّرْجِيل، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ (٢) . الإِْغْبَابُ فِي التَّرْجِيل: يُسَنُّ تَرْجِيل الشَّعْرِ وَدُهْنُهُ غِبًّا (٣) ، فَالاِسْتِكْثَارُ

стр. 6635

مِنَ التَّرْجِيل وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ إِلاَّ لِحَاجَةٍ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ التَّرَجُّل إِلاَّ غِبًّا (١) . وَلِمَا رَوَى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُل يَوْمٍ (٢) .

стр. 6636

تَرَحُّمٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّرَحُّمُ: مِنَ الرَّحْمَةِ، وَمِنْ مَعَانِيهَا: الرِّقَةُ، وَالْعَطْفُ، وَالْمَغْفِرَةُ وَالتَّرَحُّمُ: طَلَبُ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ أَيْضًا الدُّعَاءُ بِالرَّحْمَةِ، كَقَوْلِكَ: ﵀. وَتَرَحَّمْتَ عَلَيْهِ: أَيْ قُلْتَ لَهُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، وَرَحَّمَ عَلَيْهِ: قَال لَهُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ. وَتَرَاحَمَ الْقَوْمُ: رَحِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا (١) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّرَضِّي: ٢ - التَّرَضِّي مِنَ الرِّضَا، وَهُوَ ضِدُّ السُّخْطِ،

стр. 6637

وَالتَّرَضِّي: طَلَبُ الرِّضَا، وَالتَّرَضِّي أَيْضًا: أَنْ تَقُول: ﵁ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، فَالتَّرَضِّي دُعَاءٌ بِالرُّضْوَانِ، وَالتَّرَحُّمُ دُعَاءٌ بِالرَّحْمَةِ. وَلِلتَّفْصِيل ر: (تَرَضِّي) . ب - التَّبْرِيكُ: ٣ - التَّبْرِيكُ: الدُّعَاءُ بِالْبَرَكَةِ، وَهِيَ بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ وَالنَّمَاءِ، يُقَال: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ وَعَلَيْكَ وَلَكَ وَبَارَكَكَ، كُلُّهَا بِمَعْنَى: زَادَكَ خَيْرًا، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (٢) وَتَبَرَّكَ بِهِ: أَيْ تَيَمَّنَ (٣) . فَالتَّبْرِيكُ بِمَعْنَى: الدُّعَاءِ بِالْبَرَكَةِ، يَتَّفِقُ مَعَ التَّرَحُّمِ فِي نَفْسِ هَذَا الْمَعْنَى، أَيِ الدُّعَاءِ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ التَّرَحُّمِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَعَلَى التَّابِعِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ الصَّالِحِينَ، وَعَلَى سَائِرِ الأَْخْيَارِ، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا. وَأَمَّا التَّرَحُّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي

стр. 6638

الصَّلاَةِ وَخَارِجِهَا، فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ عَلَى النَّحْوِ الآْتِي: أ - التَّرَحُّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى آلِهِ فِي الصَّلاَةِ: ٥ - وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ خَارِجَهُ. وَقَدْ وَرَدَ التَّرَحُّمُ عَلَى الرَّسُول ﷺ فِي التَّشَهُّدِ، وَهُوَ عِبَارَةُ: " السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ " (١) وَتَفْصِيل أَحْكَامِ التَّشَهُّدِ فِي مُصْطَلَحِهِ. أَمَّا التَّرَحُّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ خَارِجَ التَّشَهُّدِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى اسْتِحْبَابِ زِيَادَةِ: " وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآل مُحَمَّدٍ " فِي الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلاَةِ. وَعِبَارَةُ الرِّسَالَةِ لاِبْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَرَحِمْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَال: قُلْنَا: يَا رَسُول اللَّهِ: قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَال: قُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَل صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل

стр. 6639

مُحَمَّدٍ، كَمَا جَعَلْتَهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ إِنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ (١) . قَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: فَهَذِهِ الأَْحَادِيثُ - وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةَ الأَْسَانِيدِ - إِلاَّ أَنَّهَا يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، أَقْوَاهَا أَوَّلُهَا، وَيَدُل مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنَّ لِلزِّيَادَةِ أَصْلاً. وَأَيْضًا الضَّعِيفُ يُعْمَل بِهِ فِي فَضَائِل الأَْعْمَال (٢) . وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الاِقْتِصَارُ عَلَى صِيغَةِ الصَّلاَةِ دُونَ إِضَافَةِ (التَّرَحُّمِ) كَمَا وَرَدَ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، بَل ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ زِيَادَةَ " وَارْحَمْ مُحَمَّدًا. . . إِلَخْ " بِدْعَةٌ لاَ أَصْل لَهَا، وَقَدْ بَالَغَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ وَتَخْطِئَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَتَجْهِيل فَاعِلِهِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَنَا كَيْفِيَّةَ الصَّلاَةِ. فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِقْصَارٌ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتِدْرَاكٌ عَلَيْهِ. وَانْتَصَرَ لَهُمْ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، فَقَال: وَلاَ يُحْتَجُّ بِالأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ، فَإِنَّهَا كُلَّهَا وَاهِيَةٌ جِدًّا. إِذْ لاَ يَخْلُو سَنَدُهَا مِنْ كَذَّابٍ أَوْ مُتَّهَمٍ بِالْكَذِبِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ

стр. 6640

السُّبْكِيُّ: أَنَّ مَحَل الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ مَا لَمْ يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ (١) . ب - التَّرَحُّمُ فِي التَّسْلِيمِ مِنَ الصَّلاَةِ: ٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الأَْكْمَل فِي التَّسْلِيمِ فِي الصَّلاَةِ أَنْ يَقُول: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ (٢) وَغَيْرِهِمَا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ (٣) . فَإِنْ قَال: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ - وَلَمْ يَزِدْ - يُجْزِئُهُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ (٤) وَالتَّحْلِيل يَحْصُل بِهَذَا الْقَوْل، وَلأَِنَّ ذِكْرَ الرَّحْمَةِ تَكْرِيرٌ لِلثَّنَاءِ فَلَمْ يَجِبْ، كَقَوْلِهِ: وَبَرَكَاتُهُ. وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ - الأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ الاِقْتِصَارُ عَلَى: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، لأَِنَّ الصَّحِيحَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ

стр. 6641

يَقُول: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ (١) ، وَلأَِنَّ السَّلاَمَ فِي الصَّلاَةِ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالرَّحْمَةِ، فَلَمْ يَجُزْ بِدُونِهَا، كَالتَّسْلِيمِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ. قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: وَالأَْوْلَى تَرْكُ " وَبَرَكَاتُهُ " كَمَا فِي أَكْثَرِ الأَْحَادِيثِ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّ زِيَادَةَ " وَرَحْمَةُ اللَّهِ " لاَ يَضُرُّ؛ لأَِنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الصَّلاَةِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَهْل الْمَذْهَبِ أَنَّهَا غَيْرُ سُنَّةٍ، وَإِنْ ثَبَتَ بِهَا الْحَدِيثُ؛ لأَِنَّهَا لَمْ يَصْحَبْهَا عَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الأَْوْلَى الاِقْتِصَارُ عَلَى: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، وَأَنَّ زِيَادَةَ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ هُنَا خِلاَفُ الأَْوْلَى (٢) . ج - التَّرَحُّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ خَارِجَ الصَّلاَةِ: ٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ التَّرَحُّمِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ خَارِجَ الصَّلاَةِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْمَنْعِ مُطْلَقًا وَوَجَّهَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: بِأَنَّ الرَّحْمَةَ إِنَّمَا تَكُونُ غَالِبًا عَنْ فِعْلٍ يُلاَمُ عَلَيْهِ، وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِتَعْظِيمِهِ، وَلَيْسَ فِي التَّرَحُّمِ مَا يَدُل عَلَى التَّعْظِيمِ، مِثْل الصَّلاَةِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى بِهَا

стр. 6642

لِغَيْرِ الأَْنْبِيَاءِ وَالْمَلاَئِكَةِ ﵈. أَمَّا هُوَ ﷺ فَمَرْحُومٌ قَطْعًا، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ تَحْصِيل الْحَاصِل، وَقَدِ اسْتَغْنَيْنَا عَنْ هَذِهِ بِالصَّلاَةِ، فَلاَ حَاجَةَ إِلَيْهَا؛ وَلأَِنَّهُ يُجَل مَقَامُهُ عَنِ الدُّعَاءِ بِهَا. قَال ابْنُ دِحْيَةَ: يَنْبَغِي لِمَنْ ذَكَرَهُ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُول بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (١) وَنُقِل مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالصَّيْدَلاَنِيِّ، كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ. وَصَرَّحَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيُّ فِي فَتَاوَاهُ، بِأَنَّ الْمَنْعَ أَرْجَحُ لِضَعْفِ الأَْحَادِيثِ الَّتِي اسْتَنَدَ إِلَيْهَا، فَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: حُرْمَتُهُ مُطْلَقًا (٢) . وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا: أَيْ وَلَوْ بِدُونِ انْضِمَامِ صَلاَةٍ أَوْ سَلاَمٍ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل الأَْعْرَابِيِّ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا، وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا لِتَقْرِيرِهِ ﷺ عَلَى قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْحَمْ مُحَمَّدًا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ سِوَى قَوْلِهِ: وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا (٣) .

стр. 6643

وَقَال السَّرَخْسِيُّ: لاَ بَأْسَ بِالتَّرَحُّمِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ لأَِنَّ الأَْثَرَ وَرَدَ بِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃؛ وَلأَِنَّ أَحَدًا وَإِنْ جَل قَدْرُهُ لاَ يَسْتَغْنِي عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (١) . كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لَنْ يُدْخِل أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ (٢) . وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مِنْ أَشْوَقِ الْعُبَّادِ إِلَى مَزِيدِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَعْنَاهَا مَعْنَى الصَّلاَةِ، فَلَمْ يُوجَدْ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ. وَلاَ يُنَافِي الدُّعَاءَ لَهُ بِالرَّحْمَةِ أَنَّهُ ﵊ عَيَّنَ الرَّحْمَةَ بِنَصٍّ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) لأَِنَّ حُصُول ذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ طَلَبَ الزِّيَادَةِ لَهُ؛ إِذْ فَضْل اللَّهِ لاَ يَتَنَاهَى، وَالْكَامِل يَقْبَل الْكَمَال (٤) . وَفَصَّل بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَقَال بِالْحُرْمَةِ إِنْ

стр. 6644

ذَكَرَهَا اسْتِقْلاَلاً: كَأَنْ يَقُول الْمُتَكَلِّمُ: قَال النَّبِيُّ ﵀. وَبِالْجَوَازِ إِنْ ذَكَرَهَا تَبَعًا: أَيْ مَضْمُومَةً إِلَى الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ، فَيَجُوزُ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا. وَلاَ يَجُوزُ: ارْحَمْ مُحَمَّدًا، بِدُونِ الصَّلاَةِ؛ لأَِنَّهَا وَرَدَتْ فِي الأَْحَادِيثِ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهَا عَلَى سَبِيل التَّبَعِيَّةِ لِلصَّلاَةِ وَالْبَرَكَةِ، وَلَمْ يَرِدْ مَا يَدُل عَلَى وُقُوعِهَا مُفْرَدَةً، وَرُبَّ شَيْءٍ يَجُوزُ تَبَعًا، لاَ اسْتِقْلاَلاً. وَبِهِ أَخَذَ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، بَل نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنِ الْجُمْهُورِ، وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ (١) . د - التَّرَحُّمُ عَلَى الصَّحَابَةِ ﵃ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الأَْخْيَارِ: ٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ التَّرَحُّمِ عَلَى الصَّحَابَةِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ عِنْدَ ذِكْرِ الصَّحَابَةِ الأَْوْلَى أَنْ يُقَال: ﵃. وَأَمَّا عِنْدَ ذِكْرِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْعُبَّادِ، وَسَائِرِ الأَْخْيَارِ فَيُقَال: ﵏. قَال الزَّيْلَعِيُّ: الأَْوْلَى أَنْ يَدْعُوَ لِلصَّحَابَةِ بِالرِّضَى، وَلِلتَّابِعَيْنِ بِالرَّحْمَةِ، وَلِمَنْ بَعْدَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَالتَّجَاوُزِ؛ لأَِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُبَالِغُونَ فِي طَلَبِ الرِّضَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَجْتَهِدُونَ فِي

стр. 6645

فِعْل مَا يُرْضِيهِ، وَيَرْضَوْنَ بِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الاِبْتِلاَءِ مِنْ جِهَتِهِ أَشَدَّ الرِّضَى، فَهَؤُلاَءِ أَحَقُّ بِالرِّضَى، وَغَيْرُهُمْ لاَ يَلْحَقُ أَدْنَاهُمْ وَلَوْ أَنْفَقَ مِلْءَ الأَْرْضِ ذَهَبًا. وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْقَرْمَانِيِّ عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ عَكْسُهُ أَيْضًا، وَهُوَ التَّرَحُّمُ لِلصَّحَابَةِ، وَالتَّرَضِّي لِلتَّابِعَيْنِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (١) . وَإِلَيْهِ مَال النَّوَوِيُّ فِي الأَْذْكَارِ، وَقَال: يُسْتَحَبُّ التَّرَضِّي وَالتَّرَحُّمُ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ وَسَائِرِ الأَْخْيَارِ. فَيُقَال: ﵁، أَوْ ﵀ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ قَوْلَهُ: ﵁ مَخْصُوصٌ بِالصَّحَابَةِ، وَيُقَال فِي غَيْرِهِمْ: ﵀ فَقَطْ فَلَيْسَ كَمَا قَال، وَلاَ يُوَافَقُ عَلَيْهِ، بَل الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ اسْتِحْبَابُهُ، وَدَلاَئِلُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ. وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ نَقْلاً عَنِ الْمَجْمُوعِ: أَنَّ اخْتِصَاصَ التَّرَضِّي بِالصَّحَابَةِ وَالتَّرَحُّمِ بِغَيْرِهِمْ ضَعِيفٌ (٢) . هـ - التَّرَحُّمُ عَلَى الْوَالِدَيْنِ: ٩ - الأَْصْل فِي وُجُوبِ التَّرَحُّمِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ

стр. 6646

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ (١) حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالتَّرَحُّمِ عَلَى آبَائِهِمْ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ. وَمَحَل طَلَبِ الدُّعَاءِ وَالتَّرَحُّمِ لَهُمَا إِنْ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ، أَمَّا إِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَيَحْرُمُ ذَلِكَ (٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (٣) . و التَّرَحُّمُ فِي التَّحِيَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: ١٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الأَْفْضَل أَنْ يَقُول الْمُسْلِمُ لِلْمُسْلِمِ فِي التَّحِيَّةِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ (٤) ، وَيَقُول الْمُجِيبُ أَيْضًا: وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، لِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ أَنَّهُ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : عَشْرٌ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَال: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَال: عِشْرُونَ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَال: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَال: ثَلاَثُونَ (٥) قَال

стр. 6647

التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَهَذَا التَّعْمِيمُ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِينَ، فَلاَ تَرَحُّمَ عَلَى كَافِرٍ لِمَنْعِ بَدْئِهِ بِالسَّلاَمِ عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ تَحْرِيمًا، لِحَدِيثِ: لاَ تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلاَ النَّصَارَى بِالسَّلاَمِ (١) . وَلَوْ سَلَّمَ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ، فَلاَ بَأْسَ بِالرَّدِّ، وَلَكِنْ لاَ يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ: " وَعَلَيْكَ " (٢) . وَاَلَّذِينَ جَوَّزُوا ابْتِدَاءَهُمْ بِالسَّلاَمِ، صَرَّحُوا بِالاِقْتِصَارِ عَلَى: " السَّلاَمُ عَلَيْكَ " دُونَ الْجَمْعِ، وَدُونَ أَنْ يَقُول: " وَرَحْمَةُ اللَّهِ " (٣) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْل الْكِتَابِ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ أَوْ عَلَيْكُمْ (٤) بِغَيْرِ وَاوٍ. ز - التَّرَحُّمُ عَلَى الْكُفَّارِ: ١١ - صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِهِ الأَْذْكَارِ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى لِلذِّمِّيِّ بِالْمَغْفِرَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا فِي حَال حَيَاتِهِ مِمَّا لاَ يُقَال لِلْكُفَّارِ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى لَهُ

стр. 6648

بِالْهِدَايَةِ، وَصِحَّةِ الْبَدَنِ وَالْعَافِيَةِ وَشِبْهِ ذَلِكَ (١) . لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَال: اسْتَسْقَى النَّبِيُّ ﷺ فَسَقَاهُ يَهُودِيٌّ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : جَمَّلَكَ اللَّهُ (٢) فَمَا رَأَى الشَّيْبَ حَتَّى مَاتَ. وَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَيَحْرُمُ الدُّعَاءُ لِلْكَافِرِ بِالْمَغْفِرَةِ وَنَحْوِهَا؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٣) وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ بِمَعْنَاهُ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ (٤) . ح - الْتِزَامُ التَّرَحُّمِ كِتَابَةً وَنُطْقًا عِنْدَ الْقِرَاءَةِ: يَنْبَغِي لِكَاتِبِ الْحَدِيثِ وَرَاوِيهِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى كِتَابَةِ التَّرَضِّي وَالتَّرَحُّمِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ وَسَائِرِ الأَْخْيَارِ، وَالنُّطْقِ بِهِ، وَلاَ يَسْأَمُ مِنْ تَكْرَارِهِ، وَلاَ يَتَقَيَّدُ فِيهِ بِمَا فِي الأَْصْل إِنْ كَانَ نَاقِصًا (٥) . تَرْخِيصٌ انْظُرْ: رُخْصَةٌ.

стр. 6649

تَرَدِّي التَّعْرِيفُ: ١ - لِلتَّرَدِّي فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ، مِنْهَا: السُّقُوطُ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ يُقَال: تَرَدَّى فِي مُهْوَاةٍ: إِذَا سَقَطَ فِيهَا، وَرَدَيْتُهُ تَرْدِيَةً: أَسْقَطْتُهُ (١) وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى فَقَدْ عَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ: السُّقُوطُ مِنْ عَالٍ إِلَى سَافِلٍ (٢) . وَمِنْهُ الْمُتَرَدِّيَةُ: وَهِيَ الَّتِي وَقَعَتْ فِي بِئْرٍ أَوْ مِنْ جَبَلٍ (٣) . وَفِي النَّظْمِ الْمُسْتَعْذَبِ: هِيَ الَّتِي تَتَرَدَّى مِنَ الْجَبَل فَتَسْقُطُ (٤) . وَفِي مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى: هِيَ الْوَاقِعَةُ مِنْ عُلُوٍّ كَجَبَلٍ وَحَائِطٍ، وَسَاقِطَةٌ فِي نَحْوِ بِئْرٍ (٥) .

стр. 6650

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - يَقُول اللَّهُ ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِّل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَل السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَْزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ. . .﴾ (١) فَقَدْ حَرَّمَ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الآْيَةِ أَنْوَاعًا مِنْهَا: الْمُتَرَدِّيَةُ إِلاَّ إِذَا ذُكِّيَتْ ذَكَاةً شَرْعِيَّةً، اخْتِيَارِيَّةً كَانَتْ بِالذَّبْحِ أَوِ النَّحْرِ فِي مَحَلِّهِ. أَوِ اضْطِرَارِيَّةً بِالْجُرْحِ بِالطَّعْنِ وَإِنْهَارِ الدَّمِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ تَيَسَّرَ مِنَ الْبَدَنِ. وَلاَ يَنْتَقِل إِلَى الثَّانِيَةِ إِلاَّ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الأُْولَى (٢) . وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الذَّكَاةَ: إِمَّا اخْتِيَارِيَّةٌ فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَتَكُونُ بِالذَّبْحِ فِيمَا يُذْبَحُ، كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، أَوِ النَّحْرِ فِيمَا يُنْحَرُ كَالإِْبِل، وَلاَ تَحِل بِغَيْرِ الذَّكَاةِ فِي مَحَلِّهَا. وَإِمَّا اضْطِرَارِيَّةٌ فِي غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، كَالْحَيَوَانِ الْمُتَوَحِّشِ الشَّارِدِ وَالْمُتَرَدِّي فِي بِئْرٍ مَثَلاً، وَتَعَذَّرَتْ ذَكَاتُهُ فِي مَحَلِّهَا، وَهِيَ - أَيِ الاِضْطِرَارِيَّةُ - تَكُونُ بِالْعُقْرِ، وَهُوَ الْجُرْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنَ الْبَدَنِ (٣) .

стр. 6651

وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ الشَّاةَ إِذَا نَدَّتْ فِي الْمِصْرِ، فَقَالُوا بِعَدَمِ جَوَازِ عَقْرِهَا، حَيْثُ يُمْكِنُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا وَإِمْسَاكُهَا (١) . ٣ - فَمَا تَرَدَّى مِنَ النَّعَمِ فِي بِئْرٍ مَثَلاً، وَوَقَعَ الْعَجْزُ عَنْ تَذْكِيَتِهِ الذَّكَاةَ الاِخْتِيَارِيَّةَ، فَذَكَاتُهُ الْعَقْرُ وَالْجُرْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ جِسْمِهِ تَيَسَّرَ لِلْعَاقِرِ فِعْلُهُ، كَالنَّادِّ غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ. وَبِذَلِكَ يَحِل أَكْلُهُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ رَأْسُهُ فِي الْمَاءِ، فَلاَ يَحِل أَكْلُهُ؛ لأَِنَّ الْمَاءَ يُعِينُ عَلَى قَتْلِهِ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ قَتْلُهُ بِالْمَاءِ - فِي قَوْل أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَفِي قَوْلٍ لاِبْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ) - لِمَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ﵁ قَال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَدَّ بَعِيرٌ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا، وَفِي لَفْظٍ فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا (٢) . وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي الْعُشَرَاءِ الدَّارِمِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ. أَمَا تَكُونُ

стр. 6652

الذَّكَاةُ إِلاَّ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟ فَقَال ﷺ : لَوْ طُعِنَتْ فِي فَخِذِهَا لأََجْزَأَكَ (١) قَال أَبُو دَاوُدَ: هَذَا لاَ يَصِحُّ إِلاَّ فِي الْمُتَرَدِّيَةِ وَالْمُتَوَحِّشِ. وَقَال الْمَجْدُ: هَذَا فِيمَا لاَ يُقْدَرُ عَلَيْهِ (٢) . وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - سِوَى ابْنِ حَبِيبٍ - أَنَّ الْمُتَرَدِّيَةَ لاَ يُحِلُّهَا الْعَقْرُ، وَإِنَّمَا تُحِلُّهَا الذَّكَاةُ بِالذَّبْحِ إِنْ كَانَتْ مِمَّا يُذْبَحُ، أَوِ النَّحْرِ إِنْ كَانَتْ مِمَّا يُنْحَرُ (٣) . ٤ - وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ رَمَى صَيْدًا فَوَقَعَ فِي مَاءٍ فَيَحْرُمُ؛ لاِحْتِمَال قَتْلِهِ بِالْمَاءِ، أَوْ وَقَعَ عَلَى سَطْحٍ أَوْ جَبَلٍ فَتَرَدَّى مِنْهُ إِلَى الأَْرْضِ حَرُمَ؛ لأَِنَّ الاِحْتِرَازَ عَنْ مِثْل هَذَا مُمْكِنٌ (٤) . ٥ - وَفِي الْمُغْنِي وَمَطَالِبِ أُولِي النُّهَى لِلْحَنَابِلَةِ: لَوْ رَمَى حَيَوَانًا فَوَقَعَ فِي مَاءٍ يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ، أَوْ تَرَدَّى تَرَدِّيًا يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ لَمْ يُؤْكَل؛ لأَِنَّهُ يُحْتَمَل أَنَّ الْمَاءَ أَعَانَ عَلَى خُرُوجِ رُوحِهِ. أَمَّا لَوْ وَقَعَ الْحَيَوَانُ فِي الْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَقْتُلُهُ، مِثْل أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ

стр. 6653

خَارِجًا مِنَ الْمَاءِ، أَوْ يَكُونَ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي لاَ يَقْتُلُهُ الْمَاءُ، أَوْ كَانَ التَّرَدِّي لاَ يَقْتُل مِثْل ذَلِكَ الْحَيَوَانِ فَلاَ خِلاَفَ فِي إِبَاحَتِهِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال:. . . فَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلاَ تَأْكُلْهُ (١) وَلأَِنَّ الْوُقُوعَ فِي الْمَاءِ وَالتَّرَدِّي إِنَّمَا حَرُمَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَاتِلاً أَوْ مُعِينًا عَلَى الْقَتْل. فَإِنْ رَمَى طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ أَوْ جَبَلٍ فَوَقَعَ إِلَى الأَْرْضِ فَمَاتَ حَل (٢) ؛ لأَِنَّ الاِحْتِرَازَ مِنْهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ. ٦ - وَلَوْ تَرَدَّى بَعِيرَانِ - مَثَلاً - أَحَدُهُمَا فَوْقَ الآْخَرِ فِي نَحْوِ بِئْرٍ. فَإِنْ مَاتَ الأَْسْفَل بِثِقَل الأَْعْلَى مَثَلاً لَمْ يَحُل، بِخِلاَفِ مَا لَوْ طَعَنَ الأَْعْلَى بِنَحْوِ سَهْمٍ أَوْ رُمْحٍ، فَوَصَل إِلَى الأَْسْفَل وَأَثَّرَ فِيهِ يَقِينًا، فَهُمَا حَلاَلٌ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِالأَْسْفَل (٣) .

стр. 6654

تَرَسُّلٌ التَّعْرِيفُ: ١ - لِلتَّرَسُّل فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ، مِنْهَا: التَّمَهُّل وَالتَّأَنِّي. يُقَال: تَرَسَّل فِي قِرَاءَتِهِ بِمَعْنَى: تَمَهَّل وَاتَّأَدَ فِيهَا. وَتَرَسَّل الرَّجُل فِي كَلاَمِهِ وَمَشْيِهِ: إِذَا لَمْ يَعْجَل (١) . وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّل (٢) : أَيْ تَأَنَّ وَلاَ تَعْجَل. وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ اصْطِلاَحًا عَنْ هَذَا، فَقَالُوا: إِنَّهُ فِي الأَْذَانِ: التَّمَهُّل وَالتَّأَنِّي وَتَرْكُ الْعَجَلَةِ، وَيَكُونُ بِسَكْتَةٍ بَيْنَ كُل جُمْلَتَيْنِ مِنْ جُمَل الأَْذَانِ تَسَعُ الإِْجَابَةَ، وَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَمْطِيطٍ وَلاَ مَدٍّ مُفْرِطٍ (٣) . ٢ - وَالْحَدْرُ يُقَابِل التَّرَسُّل، وَلَهُ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ

стр. 6655

مِنْهَا: الإِْسْرَاعُ فِي الْقِرَاءَةِ. يُقَال: حَدَرَ الرَّجُل الأَْذَانَ وَالإِْقَامَةَ وَالْقِرَاءَةَ وَحَدَرَ فِيهَا كُلِّهَا حَدْرًا مِنْ بَابِ قَتَل: إِذَا أَسْرَعَ (١) . وَفِي حَدِيثِ الأَْذَانِ: إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّل، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ (٢) أَيْ أَسْرِعْ وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنْ ذَلِكَ. وَالْحَدْرُ سُنَّةٌ فِي الإِْقَامَةِ، مَكْرُوهٌ فِي الأَْذَانِ (٣) . لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِبِلاَلٍ ﵁: يَا بِلاَل إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّل، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ (٤) الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ لِلتَّرَسُّل: ٣ - لِلتَّرَسُّل أَحْكَامٌ تَعْتَرِيهِ. فَهُوَ فِي الأَْذَانِ مَسْنُونٌ. وَصِفَتُهُ: أَنْ يَتَمَهَّل الْمُؤَذِّنُ فِيهِ بِسَكْتَةٍ بَيْنَ كُل
следующие страницы →