Полный текст (31 949 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.
стр. 6791
يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ (١) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بِشَهَادَةِ الزُّورِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي الْفُسُوخِ وَالْعُقُودِ، حَيْثُ كَانَ الْمَحَل قَابِلاً، وَالْقَاضِي غَيْرُ عَالِمٍ. لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁ لاِمْرَأَةٍ أَقَامَ عَلَيْهَا رَجُلٌ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، فَأَنْكَرَتْ، فَقَضَى لَهُ عَلِيٌّ. فَقَالَتْ لَهُ: لَمْ يَتَزَوَّجْنِي، فَأَمَّا وَقَدْ قَضَيْتَ عَلَيَّ فَجَدِّدْ نِكَاحِي، فَقَال: لاَ أُجَدِّدُ نِكَاحَكِ، الشَّاهِدَانِ زَوَّجَاكِ (٢) .
وَمَحَل تَفْصِيل هَذَا فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءٌ) (وَشَهَادَةٌ) .
التَّزْوِيرُ فِي الأَْيْمَانِ
١٣ - الأَْصْل أَنَّ التَّزْوِيرَ فِي الْيَمِينِ حَرَامٌ، وَهِيَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ: وَهِيَ الَّتِي يَكْذِبُ فِيهَا الْحَالِفُ عَامِدًا عَالِمًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الَّتِي يَكْذِبُ فِيهَا الْحَالِفُ عَمْدًا، أَوْ يَشُكُّ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ يَظُنُّ مِنْهُ ظَنًّا غَيْرَ قَوِيٍّ.
وَقَدْ يَكُونُ تَزْوِيرُ الْيَمِينِ جَائِزًا أَوْ وَاجِبًا - عَلَى стр. 6792
الْخِلاَفِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ - فِيمَا إِذَا تَعَيَّنَ تَزْوِيرُ الْيَمِينِ عِنْدَ الإِْكْرَاهِ عَلَيْهَا أَوِ الاِضْطِرَارِ إِلَيْهَا، لِدَفْعِ الأَْذَى عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ مَظْلُومٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيل أَحْكَامِ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ فِي مُصْطَلَحِ: (أَيْمَانٌ) (١)
تَضْمِينُ شُهُودِ الزُّورِ:
١٤ - يَضْمَنُ شُهُودُ الزُّورِ مَا تَرَتَّبَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ مِنْ ضَمَانٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مَالاً رُدَّ إِلَى صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ إِتْلاَفًا فَعَلَى الشُّهُودِ ضَمَانُهُ؛ لأَِنَّهُمْ سَبَبُ إِتْلاَفِهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، (٢) وَالْحَنَابِلَةُ (٣) إِلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى شُهُودِ الزُّورِ، إِذَا شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ، كَأَنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِقَتْلٍ عَمْدٍ عُدْوَانٍ، أَوْ بِرِدَّةٍ، أَوْ بِزِنًى وَهُوَ مُحْصَنٌ، فَقُتِل بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَا، وَأَقَرَّا بِتَعَمُّدِ قَتْلِهِ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ؛ لِعِلْمِهِمَا أَنَّهُ يُقْتَل بِشَهَادَتِهِمَا. فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا لِتَعَمُّدِ الْقَتْل بِتَزْوِيرِ الشَّهَادَةِ؛ لأَِنَّ شَهَادَتَهُمَا سَبَبُ الْقَتْل، وَلاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِنَفْسِ التَّزْوِيرِ وَالْكَذِبِ.
وَتَجِبُ عَلَيْهِمَا الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ إِذَا آل الأَْمْرُ إِلَيْهَا بَدَل الْقِصَاصِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا شَهِدَا زُورًا بِمَا стр. 6793
يُوجِبُ الْقَطْعَ قِصَاصًا فَقُطِعَ، أَوْ فِي سَرِقَةٍ لَزِمَهُمَا الْقَطْعُ، وَإِذَا سَرَى أَثَرُ الْقَطْعِ إِلَى النَّفْسِ فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ. كَمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاضِي إِذَا قَضَى زُورًا بِالْقِصَاصِ، وَكَانَ يَعْلَمُ بِكَذِبِ الشُّهُودِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (١) وَالْحَنَفِيَّةُ (٢) : إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الدِّيَةُ لاَ الْقِصَاصُ. لأَِنَّ الْقَتْل بِشَهَادَةِ الزُّورِ قَتْلٌ بِالسَّبَبِ، وَالْقَتْل تَسَبُّبًا لاَ يُسَاوِي الْقَتْل مُبَاشَرَةً، وَلِذَا قَصَرَ أَثَرُهُ فَوَجَبَتْ بِهِ الدِّيَةُ لاَ الْقِصَاصُ. وَمَحَل وُجُوبِ الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ إِذَا تَبَيَّنَ كَذِبُ الشُّهُودِ، أَوْ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ. أَمَّا إِذَا رَجَعُوا قَبْلَهُ وَبَعْدَ الْحُكْمِ فَيُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَلاَ غُرْمَ عَلَى الشُّهُودِ، بَل يُعَزَّرُونَ.
وَيَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى شُهُودِ الزُّورِ إِذَا شَهِدُوا بِالزِّنَى، وَيُقَامُ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ سَوَاءٌ تَبَيَّنَ كَذِبُهُمْ قَبْل الاِسْتِيفَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ مَعَ حَدِّ الْقَذْفِ إِذَا شَهِدُوا بِالزِّنَى عَلَى مُحْصَنٍ، فَرُجِمَ بِسَبَبِ شَهَادَتِهِمْ. (٣) وَلِلتَّفْصِيل فِي أَحْكَامِ الْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (جِنَايَةٌ، حُدُودٌ، قِصَاصٌ) وَكَذَلِكَ (شَهَادَةٌ) (وَقَضَاءٌ) . стр. 6794
التَّزْوِيرُ بِالأَْفْعَال:
١٥ - يَقَعُ التَّزْوِيرُ فِي الْبُيُوعِ بِإِخْفَاءِ عُيُوبِ السِّلْعَةِ وَتَزْيِينِهَا وَتَحْسِينِهَا؛ لإِِظْهَارِهَا بِشَكْلٍ مَقْبُولٍ تَرْغِيبًا فِيهَا، كَتَصْرِيَةِ الْحَيَوَانِ لِيَظُنَّ الْمُشْتَرِي كَثْرَةَ اللَّبَنِ، أَوْ صَبْغِ الْمَبِيعِ بِلَوْنٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ، وَكَالْكَذِبِ فِي سِعْرِ السِّلْعَةِ فِي بُيُوعِ الأَْمَانَاتِ وَهِيَ: الْمُرَابَحَةُ وَالتَّوْلِيَةُ وَالْحَطِيطَةُ.
وَيَقَعُ التَّزْوِيرُ كَذَلِكَ بِمُحَاكَاةِ خَطِّ الْقَاضِي أَوْ تَزْوِيرِ تَوْقِيعِهِ أَوْ شَهَادَةِ الشُّهُودِ فِي سِجِلاَّتِ الْقَضَاءِ بِمَا يَسْلُبُ الْحُقُوقَ مِنْ أَصْحَابِهَا. كَمَا يَقَعُ التَّزْوِيرُ فِي النِّكَاحِ بِأَنْ يَكْتُمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَيْبًا فِيهِ عَنِ الآْخَرِ.
وَقَدْ يَقَعُ التَّزْوِيرُ بِتَسْوِيدِ الشَّعْرِ بِقَصْدِ التَّغْرِيرِ وَالْكَذِبِ.
وَهَذِهِ الأَْنْوَاعُ مِنَ التَّزْوِيرِ هِيَ مِنَ التَّزْوِيرِ الْمُحَرَّمِ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا (١)
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (تَدْلِيسٌ، تَسْوِيدٌ، بَيْعٌ، نِكَاحٌ، شَهَادَةٌ، قَضَاءٌ وَعَيْبٌ) .
التَّزْوِيرُ فِي النُّقُودِ وَالْمَوَازِينِ وَالْمَكَايِيل:
١٦ - التَّزْوِيرُ فِيهَا يَكُونُ بِالنَّقْصِ مِنْ مَقَادِيرِهَا، بِغِشِّهَا أَوْ تَغْيِيرِ أَوْزَانِهَا أَوْ أَحْجَامِهَا، كَأَنْ تُخْلَطَ стр. 6795
دَنَانِيرُ الذَّهَبِ أَوْ دَرَاهِمُ الْفِضَّةِ بِمَعَادِنَ أُخْرَى كَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ، رَغْبَةً فِي نَقْصِ مِقْدَارِ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ الْخَالِصَيْنِ، أَوْ بِالنَّقْصِ مِنْ حَجْمِ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ.
أَوْ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ وَزْنِ الصَّنْجِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا فِي الْمَوَازِينِ، أَوْ حَجْمِ الْمِكْيَال، رَغْبَةً فِي زِيَادَةِ الرِّبْحِ وَتَقْلِيل الْمَبِيعِ الْمَوْزُونِ أَوِ الْمَكِيل.
وَالتَّزْوِيرُ فِي النُّقُودِ وَالْمَوَازِينِ وَالْمَكَايِيل مُحَرَّمٌ دَاخِلٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (١) .
وَدَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا كَمَا أَنَّ فِيهِ إِفْسَادًا لِلنُّقُودِ، وَإِضْرَارًا بِذَوِي الْحُقُوقِ، وَإِغْلاَءَ الأَْسْعَارِ، وَالنَّقْصَ مِنَ الصَّدَقَاتِ، وَانْقِطَاعَ مَا يُجْلَبُ إِلَى الْبِلاَدِ مِنْ حَوَائِجِ النَّاسِ.
وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ وَظِيفَةِ الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَفَقَّدَ عِيَارَ الْمَثَاقِيل وَالصَّنْجِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُعَيِّرَ أَوْزَانَهَا وَيَخْتِمَهَا بِخَتْمِهِ، حَتَّى يَأْمَنَ تَزْوِيرَهَا وَتَغْيِيرَ مَقَادِيرِهَا.
كَمَا تَدْخُل فِي وَظِيفَتِهِ مُرَاقَبَةُ مَقَادِيرِ دَنَانِيرِ الذَّهَبِ وَدَرَاهِمِ الْفِضَّةِ وَزْنًا وَحَجْمًا. وَلاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ، وَحُرْمَتُهُ فِي حَقِّ غَيْرِ الإِْمَامِ أَشَدُّ، لأَِنَّ الْغِشَّ فِيهَا يَخْفَى стр. 6796
عَلَى النَّاسِ فَيَكُونُ الْغَرَرُ بِهَا أَكْبَرَ. بِخِلاَفِ الإِْمَامِ؛ لأَِنَّ مَا يَضْرِبُهُ مِنْ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ يُشْهَرُ وَيُعْرَفُ مِقْدَارُهُ.
كَمَا لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِ الإِْمَامِ ضَرْبُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الْخَالِصَةِ غَيْرِ الْمَغْشُوشَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ فِيهَا الْغِشُّ وَالْفَسَادُ. (١)
صُوَرُ التَّزْوِيرِ فِي الْمُسْتَنَدَاتِ وَطُرُقُ التَّحَرُّزِ مِنْهَا:
١٧ - جَاءَ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: وَمِثْلُهُ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ: يَنْبَغِي لِلْمُوَثِّقِ أَنْ يَتَأَمَّل الأَْسْمَاءَ الَّتِي تَنْقَلِبُ بِإِصْلاَحٍ يَسِيرٍ، فَيَتَحَفَّظُ فِي تَغْيِيرِهَا، نَحْوُ مُظْفِرٍ فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ إِلَى مُظْهِرٍ، وَنَحْوُ بَكْرٍ فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ إِلَى بُكَيْرٍ، وَنَحْوُ عَائِشَة فَإِنَّهُ يَصْلُحُ عَاتِكَةَ. وَقَدْ يَكُونُ آخِرُ السَّطْرِ بَيَاضًا يُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْذَرَ مِنْ أَنْ يُتَمِّمَ عَلَيْهِ زِيَادَةَ حَرْفٍ مِنَ الْكِتَابِ مِثْل أَنْ يَكْتُبَ فِي الْوَثِيقَةِ: أَقَرَّ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ عَقِبَ الْعَدَدِ بَيَانَ نِصْفِهِ بِأَنْ يَقُول: (الَّذِي نِصْفُهُ خَمْسُمِائَةٍ مَثَلاً) أَمْكَنَ زِيَادَةُ أَلْفٍ فَتَصِيرُ (أَلْفَا دِرْهَمٍ) (٢) .
وَفِي التَّنْبِيهِ لاِبْنِ الْمُنَاصِفِ: وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُنْصَبَ لِكِتَابَةِ الْوَثَائِقِ إِلاَّ الْعُلَمَاءُ الْعُدُول، كَمَا قَال مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لاَ يَكْتُبُ стр. 6797
الْكُتُبَ بَيْنَ النَّاسِ إِلاَّ عَارِفٌ بِهَا، عَدْلٌ فِي نَفْسِهِ، مَأْمُونٌ عَلَى مَا يَكْتُبُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْل﴾ (١) وَأَمَّا مَنْ لاَ يُحْسِنُ وُجُوهَ الْكِتَابَةِ، وَلاَ يَقِفُ عَلَى فِقْهِ الْوَثِيقَةِ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُمَكَّنَ مِنَ الاِنْتِصَابِ لِذَلِكَ؛ لِئَلاَّ يُفْسِدَ عَلَى النَّاسِ كَثِيرًا مِنْ مُعَامَلاَتِهِمْ. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِوُجُوهِ الْكِتَابَةِ إِلاَّ أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي دِينِهِ، فَلاَ يَنْبَغِي تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لاَ يَضَعُ اسْمَهُ بِشَهَادَةٍ فِيمَا يَكْتُبُ؛ لأَِنَّ مِثْل هَذَا يُعَلِّمُ النَّاسَ وُجُوهَ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ، وَيُلْهِمُهُمْ تَحْرِيفَ الْمَسَائِل لِتَوَجُّهِ الإِْشْهَادِ، فَكَثِيرًا مَا يَأْتِي النَّاسُ الْيَوْمَ يَسْتَفْتُونَ فِي نَوَازِل مِنَ الْمُعَامَلاَتِ الرِّبَوِيَّةِ وَالْمُشَارَكَةِ الْفَاسِدَةِ وَالأَْنْكِحَةِ الْمَفْسُوخَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يَجُوزُ، فَإِذَا صَرَفَهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَهْل الدِّيَانَةِ أَتَوْا إِلَى مِثْل هَؤُلاَءِ، فَحَرَّفُوا أَلْفَاظَهَا، وَتَحَيَّلُوا لَهَا بِالْعِبَارَةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْجَوَازُ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى صَرِيحِ الْفَسَادِ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا. وَتَمَالأََ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى التَّهَاوُنِ بِحُدُودِ الإِْسْلاَمِ، وَالتَّلاَعُبِ فِي طَرِيقِ الْحَرَامِ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٢) .
وَجَاءَ فِي " تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ " أَيْضًا، وَفِي " الْعَالِي الرُّتْبَةِ فِي أَحْكَامِ الْحِسْبَةِ " لأَِحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ النَّحْوِيِّ الدِّمَشْقِيِّ الشَّافِعِيِّ стр. 6798
فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَثِّقِ مِمَّا لاَ يُخَالِفُ قَوَاعِدَ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَال: فَإِذَا فَرَغَ الْكَاتِبُ مِنْ كِتَابَتِهِ اسْتَوْعَبَهُ (أَيْ كِتَابَتَهُ) وَقَرَأَهُ وَتَمَيَّزَ أَلْفَاظُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُمَيِّزَ فِي خَطِّهِ بَيْنَ السَّبْعَةِ وَالتِّسْعَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ كَتَبَ بَعْدَهَا (وَاحِدَةً) وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ نِصْفَهَا، فَإِنْ كَانَتْ (أَيِ الدَّرَاهِمُ) أَلْفًا كَتَبَ وَاحِدًا وَذَكَرَ نِصْفَهُ رَفْعًا لِلَّبْسِ، وَإِنْ كَانَتْ خَمْسَةَ آلاَفٍ زَادَ فِيهَا لاَ مَا تُصَيِّرُهَا (آلاَفَ) لِئَلاَّ تُصَلَّحَ الْخَمْسَةُ فَتَصِيرُ خَمْسِينَ أَلْفًا وَيُحْتَرَزُ بِذِكْرِ التَّنْصِيفِ مِمَّا يُمْكِنُ الزِّيَادَةُ فِيهِ كَالْخَمْسَةَ عَشَرَ تَصِيرُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَالسَّبْعِينَ تِسْعِينَ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْكَاتِبُ النِّصْفَ مِنَ الْمَبْلَغِ فَيَنْبَغِي لِلشُّهُودِ أَنْ يَذْكُرُوا الْمَبْلَغَ فِي شَهَادَتِهِمْ لِئَلاَّ يَدْخُل عَلَيْهِمُ الشَّكُّ لَوْ طَرَأَ فِي الْكِتَابِ تَغْيِيرٌ وَتَبْدِيلٌ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْكِتَابِ إِصْلاَحٌ وَإِلْحَاقٌ نُبِّهَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَحَلِّهِ فِي الْكِتَابِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْمِل أَسْطُرَ الْمَكْتُوبِ جَمِيعَهَا لِئَلاَّ يُلْحَقَ فِي آخِرِ السَّطْرِ مَا يُفْسِدُ بَعْضَ أَحْكَامِ الْمَكْتُوبِ أَوْ يُفْسِدُهُ كُلَّهُ، فَلَوْ كَانَ آخِرُ سَطْرٍ مَثَلاً. (وَجَعَل النَّظَرَ فِي الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ) وَفِي أَوَّل السَّطْرِ الَّذِي يَلِيهِ (لِزَيْدٍ) وَكَانَ فِي آخِرِ السَّطْرِ فُرْجَةٌ أَمْكَنَ أَنْ يُلْحِقَ فِيهَا (لِنَفْسِهِ) ثُمَّ لِزَيْدٍ، فَيَبْطُل الْوَقْفُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنِ اتَّفَقَ أَنَّهُ بَقِيَ فِي آخِرِ السَّطْرِ فُرْجَةٌ لاَ تَسَعُ الْكَلِمَةَ الَّتِي يُرِيدُ كِتَابَتَهَا لِطُولِهَا وَكَثْرَةِ حُرُوفِهَا، فَإِنَّهُ يَسُدُّ تِلْكَ الْفُرْجَةَ بِتَكْرَارِهِ تِلْكَ الْكَلِمَةَ الَّتِي وَقَفَ
стр. 6799
عَلَيْهَا أَوْ كَتَبَ فِيهَا صَحَّ، أَوْ صَادًا مَمْدُودَةً، أَوْ دَائِرَةً مَفْتُوحَةً، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَل بِهِ تِلْكَ الْفُرْجَةَ، وَلاَ يُمْكِنُ إِصْلاَحُهَا بِمَا يُخَالِفُ الْمَكْتُوبَ. وَإِنْ تَرَكَ فُرْجَةً فِي السَّطْرِ الأَْخِيرِ كَتَبَ فِيهَا حَسْبِي اللَّهُ أَوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، مُسْتَحْضِرًا لِذِكْرِ اللَّهِ نَاوِيًا لَهُ، أَوْ يَأْمُرُ أَوَّل شَاهِدٍ يَضَعُ خَطَّهُ فِي الْمَكْتُوبِ أَنْ يَكْتُبَ فِي تِلْكَ الْفُرْجَةِ. وَإِنْ كَتَبَ فِي وَرَقَةٍ ذَاتِ أَوْصَالٍ كَتَبَ عَلاَمَتَهُ عَلَى كُل وَصْلٍ، وَكَتَبَ عَدَدَ الأَْوْصَال فِي آخِرِ الْمَكْتُوبِ، وَبَعْضُهُمْ يَكْتُبُ عَدَدَ أَسْطُرِ الْمَكْتُوبِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَكْتُوبِ نُسَخٌ ذَكَرَهَا وَذَكَرَ عُدَّتَهَا، وَأَنَّهَا مُتَّفِقَةٌ، وَهَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ سَهْلٍ وَابْنُ الْهِنْدِيِّ وَغَيْرُهُمَا.
وَمِثْلُهُ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ أَيْضًا وَقَال: إِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُخَالِفُ قَوَاعِدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁. (١)
وَجَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ (الْمَادَّةُ ١٨١٤) وَنَصُّهَا:
يَضَعُ الْقَاضِي فِي الْمَحْكَمَةِ دَفْتَرًا لِلسِّجِلاَّتِ، وَيُقَيِّدُ وَيُحَرِّرُ فِي ذَلِكَ الدَّفْتَرِ الإِْعْلاَمَاتِ وَالسَّنَدَاتِ الَّتِي يُعْطِيهَا بِصُورَةٍ مُنْتَظِمَةٍ سَالِمَةٍ عَنِ الْحِيلَةِ وَالْفَسَادِ، وَيَعْتَنِي بِالدِّقَّةِ بِحِفْظِ ذَلِكَ الدَّفْتَرِ، وَإِذَا عُزِل سَلَّمَ السِّجِلاَّتِ الْمَذْكُورَةَ إِلَى خَلَفِهِ، إِمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ. стр. 6800
إِثْبَاتُ التَّزْوِيرِ:
١٨ - يَثْبُتُ التَّزْوِيرُ بِإِقْرَارِ الْمُزَوِّرِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ ظُهُورِ الْكَذِبِ يَقِينًا، كَأَنْ يَشْهَدَ بِقَتْل رَجُلٍ وَهُوَ حَيٌّ، أَوْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ فَعَل شَيْئًا فِي وَقْتٍ، وَقَدْ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ لَمْ يُولَدْ إِلاَّ بَعْدَهُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. (١)
١٩ - أَمَّا التَّزْوِيرُ فِي الْوَثَائِقِ، فَذَهَبَ اللَّخْمِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَبُو اللَّيْثِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِلَى أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بِمَالٍ فَجَحَدَهُ، فَأَخْرَجَ الْمُدَّعِي صَحِيفَةً مَكْتُوبَةً بِخَطِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَطَلَبَ الْمُدَّعِي أَنْ يُجْبَرَ عَلَى أَنْ يَكْتُبَ بِحَضْرَةِ الْعُدُول، وَيُقَابِل مَا كَتَبَهُ بِمَا أَظْهَرَهُ الْمُدَّعِي، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَعَلَى أَنْ يُطَوِّل فِيمَا يَكْتُبُ تَطْوِيلاً لاَ يُمْكِنُ مَعَهُ أَنْ يَسْتَعْمِل خَطًّا غَيْرَ خَطِّهِ، فَإِنْ ظَهَرَ بَيْنَ الْخَطَّيْنِ تَشَابُهٌ ظَاهِرٌ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُمَا خَطُّ كَاتِبٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ حُجَّةٌ يَقْضِي بِهَا.
وَقَال أَبُو اللَّيْثِ: وَبِهِ قَال أَئِمَّةُ بُخَارَى (٢) . وَقَال عَبْدُ الْحَمِيدِ الصَّائِغُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ، كَمَا لاَ يُجْبَرُ عَلَى إِحْضَارِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَيْهِ.
وَفَرَّقَ اللَّخْمِيُّ بَيْنَ إِلْزَامِهِ بِالْكِتَابَةِ وَعَدَمِ إِلْزَامِهِ بِإِحْضَارِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ стр. 6801
يَقْطَعُ بِتَكْذِيبِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي تَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْعَى فِي أَمْرٍ يَقْطَعُ بِبُطْلاَنِهِ، أَمَّا خَطُّهُ فَإِنَّهُ صَادِرٌ مِنْهُ بِإِقْرَارِهِ، وَالْعُدُول يُقَابِلُونَ بِمَا يَكْتُبُهُ الآْنَ بِمَا أَحْضَرَهُ الْمُدَّعِي، وَيَشْهَدُونَ بِمُوَافَقَتِهِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ.
كَمَا نَقَل صَاحِبُ الْمُحِيطِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ نَصَّ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ حُجَّةً؛ لأَِنَّهَا لاَ تَكُونُ أَعْلَى حَالاً مِمَّا لَوْ أَقَرَّ فَقَال: هَذَا خَطِّي، وَأَنَا كَتَبْتُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ هَذَا الْمَال، كَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. (١)
عُقُوبَةُ التَّزْوِيرِ
٢٠ - عُقُوبَةُ التَّزْوِيرِ: التَّعْزِيرُ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ. كَأَيِّ جَرِيمَةٍ لَيْسَ لَهَا عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ، إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَعَمَّدَ التَّزْوِيرَ، فَيُعَزَّرُ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ تَشْهِيرٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ، أَوْ كَشْفِ رَأْسِهِ وَإِهَانَتِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. (٢)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (شَهَادَةٌ، تَعْزِيرٌ، تَشْهِيرٌ) .
تَزْيِينٌ
انْظُرْ: تَزَيُّنٌ. стр. 6802
تَزَيُّنٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّزَيُّنُ هُوَ: اتِّخَاذُ الزِّينَةِ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُل شَيْءٍ يُتَزَيَّنُ بِهِ، مِنْ بَابِ إِطْلاَقِ اسْمِ الْمَصْدَرِ وَإِرَادَةِ الْمَفْعُول.
وَفِي قَوْلِهِ : ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١) مَعْنَاهُ لاَ يُبْدِينَ الزِّينَةَ الْبَاطِنَةَ كَالْقِلاَدَةِ وَالْخَلْخَال وَالدُّمْلُجِ وَالسِّوَارِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ هُوَ الثِّيَابُ وَزِينَةُ الْوَجْهِ. (٢)
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّحَسُّنُ، وَالتَّحَلِّي:
٢ - التَّحَسُّنُ مِنَ الْحُسْنِ، نَقِيضُ الْقُبْحِ. وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: التَّزَيُّنُ. يُقَال: حَسَّنَ الشَّيْءَ تَحْسِينًا زَيَّنَهُ، قَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: الْحُسْنُ أَكْثَرُ مَا يُقَال فِي تَعَارُفِ الْعَامَّةِ فِي الْمُسْتَحْسَنِ بِالْبَصَرِ، стр. 6803
وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي الْمُسْتَحْسَنِ مِنْ جِهَةِ الْبَصِيرَةِ (١) .
٣ - وَالتَّحْلِيَةُ فِي اللُّغَةِ: لُبْسُ الْحُلِيِّ، يُقَال: تَحَلَّتِ الْمَرْأَةُ: لَبِسَتِ الْحُلِيَّ أَوِ اتَّخَذَتْهُ، وَحَلَّيْتَهَا - بِالتَّشْدِيدِ - أَلْبَسْتَهَا الْحُلِيَّ أَوِ اتَّخَذْتَهُ لَهَا لِتَلْبَسَهُ (٢) .
٤ - وَالتَّزَيُّنُ وَالتَّجَمُّل وَالتَّحَسُّنُ تَكَادُ تَكُونُ مُتَقَارِبَةَ الْمَعَانِي، وَكُلُّهَا أَعَمُّ مِنَ التَّحْلِيَةِ لِتَنَاوُلِهَا مَا لَيْسَ حِلْيَةً، كَالاِكْتِحَال وَتَسْرِيحِ الشَّعْرِ وَالاِخْتِضَابِ وَنَحْوِهَا.
وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ التَّحَسُّنِ وَالتَّجَمُّل، بِأَنَّ التَّحَسُّنَ مِنَ الْحُسْنِ، وَهُوَ فِي الأَْصْل الصُّورَةُ، ثُمَّ اسْتُعْمِل فِي الأَْخْلاَقِ وَالأَْفْعَال.
وَالتَّجَمُّل مِنَ الْجَمَال، وَهُوَ فِي الأَْصْل لِلأَْفْعَال وَالأَْخْلاَقِ وَالأَْحْوَال الظَّاهِرَةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِل فِي الصُّوَرِ. (٣)
أَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ كُلٍّ مِنَ التَّحَسُّنِ وَالتَّجَمُّل، وَبَيْنَ التَّزَيُّنِ، فَقِيل: إِنَّ التَّزَيُّنَ يَكُونُ بِالزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنِ الأَْصْل، قَال تَعَالَى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (٤) . стр. 6804
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: الزِّينَةُ الْمُكْتَسَبَةُ مَا تُحَاوِل الْمَرْأَةُ أَنْ تُحَسِّنَ نَفْسَهَا بِهِ، كَالثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ وَالْكُحْل وَالْخِضَابِ (١) ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُل مَسْجِدٍ﴾ (٢)
أَمَّا كُلٌّ مِنَ التَّحَسُّنِ وَالتَّجَمُّل فَيَكُونُ بِزِيَادَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِالأَْصْل أَوْ نُقْصَانٍ فِيهِ، كَمَا تُفِيدُهُ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ (٣) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - الأَْصْل فِي التَّزَيُّنِ: الاِسْتِحْبَابُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٤) وَقَوْلُهُ ﷺ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ (٥) .
فَفِي هَذِهِ الآْيَةِ دَلاَلَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ لُبْسِ الرَّفِيعِ مِنَ الثِّيَابِ، وَالتَّجَمُّل بِهَا فِي الْجُمَعِ وَالأَْعْيَادِ وَعِنْدَ لِقَاءِ النَّاسِ وَزِيَارَةِ الإِْخْوَانِ. قَال أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا تَزَاوَرُوا تَجَمَّلُوا.
وَقَدْ رَوَى مَكْحُولٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ стр. 6805
قَالَتْ: كَانَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ عَلَى الْبَابِ، فَخَرَجَ يُرِيدُهُمْ، وَفِي الدَّارِ رَكْوَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَل يَنْظُرُ فِي الْمَاءِ وَيُسَوِّي لِحْيَتَهُ وَشَعْرَهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ. وَأَنْتَ تَفْعَل هَذَا؟ قَال: نَعَمْ، إِذَا خَرَجَ الرَّجُل إِلَى إِخْوَانِهِ فَلْيُهَيِّئْ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَال (١) وَالأَْحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ تَدُل كُلُّهَا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّزَيُّنِ وَتَحْسِينِ الْهَيْئَةِ (٢) .
٦ - وَيَنْبَغِي أَلاَّ يُقْصَدَ بِالتَّزَيُّنِ التَّكَبُّرُ وَلاَ الْخُيَلاَءُ؛ لأَِنَّ قَصْدَ ذَلِكَ حَرَامٌ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي حَاشِيَتِهِ مَا نَصُّهُ: اعْلَمْ أَنَّهُ لاَ تَلاَزُمَ بَيْنَ قَصْدِ الْجَمَال وَقَصْدِ الزِّينَةِ، فَالْقَصْدُ الأَْوَّل: لِدَفْعِ الشَّيْنِ وَإِقَامَةِ مَا بِهِ الْوَقَارُ وَإِظْهَارُ النِّعْمَةِ، شُكْرًا لاَ فَخْرًا، وَهُوَ أَثَرُ أَدَبِ النَّفْسِ وَشَهَامَتِهَا.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ قَصْدُ الزِّينَةِ أَثَرُ ضَعْفِهَا، وَقَالُوا بِالْخِضَابِ وَرَدَتِ السُّنَّةُ وَلَمْ يَكُنْ لِقَصْدِ الزِّينَةِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ حَصَلَتْ زِينَةٌ فَقَدْ حَصَلَتْ فِي ضِمْنِ قَصْدٍ مَطْلُوبٍ فَلاَ يَضُرُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُلْتَفِتًا إِلَيْهِ. وَلِهَذَا قَال فِي الْوَلْوَالِجِيَّةِ: لُبْسُ стр. 6806
الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ مُبَاحٌ إِذَا كَانَ لاَ يَتَكَبَّرُ؛ لأَِنَّ التَّكَبُّرَ حَرَامٌ، وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا كَمَا كَانَ قَبْلَهَا. (١)
٧ - هَذَا، وَقَدْ تَعْرِضُ لِلتَّزَيُّنِ أَحْكَامٌ تَكْلِيفِيَّةٌ أُخْرَى، فَمِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ، وَمَا هُوَ مَكْرُوهٌ، وَمَا هُوَ حَرَامٌ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا هُوَ وَاجِبٌ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَتَزَيُّنُ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا مَتَى طَلَبَ مِنْهَا ذَلِكَ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ: تَزَيُّنُ الرَّجُل لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَخِضَابُ الشَّيْبِ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ (٢) . (ر: اخْتِضَابٌ) .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ: لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُزَعْفَرِ لِلرِّجَال (٣) .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا هُوَ حَرَامٌ: تَشَبُّهُ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ وَالْعَكْسُ فِي التَّزَيُّنِ (٤) ، وَتَزَيُّنُ الرَّجُل بِالذَّهَبِ стр. 6807
وَلُبْسُهُ الْحَرِيرَ إِلاَّ لِعَارِضٍ. (١) وَتَزَيُّنُ مُعْتَدَّةِ الْوَفَاةِ (٢) . وَتَزَيُّنُ الْمُحْرِمِ بِمَا أُمِرَ بِاجْتِنَابِهِ كَالطِّيبِ (٣) . وَتَزَيُّنُ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ زَوْجِهَا (٤) ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَتَفْصِيلُهَا فِي مَوَاضِعِهَا.
مَا يَكُونُ بِهِ التَّزَيُّنُ:
٨ - لِكُل شَخْصٍ زِينَتُهُ الَّتِي يَتَزَيَّنُ بِهَا، فَمَثَلاً زِينَةُ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا فِي مَلْبَسِهَا وَحُلِيِّهَا وَطِيبِهَا، وَزِينَةُ الرَّجُل يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ أَنْ يَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَيُفَضَّل الْبَيَاضُ مِنْهَا، وَيَتَطَيَّبُ.
٩ - وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل التَّزَيُّنُ بِالْحَرِيرِ، وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ أَخَذَ فِي يَمِينِهِ قِطْعَةَ стр. 6808
حَرِيرٍ وَفِي شِمَالِهِ قِطْعَةَ ذَهَبٍ، وَقَال: هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي (١)
وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لاَ تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآْخِرَةِ (٢)
وَلِمَا فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل مِنْ مَعْنَى الْخُيَلاَءِ وَالرَّفَاهِيَةِ مِمَّا لاَ يَلِيقُ بِالرِّجَال، وَهَذَا مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ. (٣)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلرَّجُل لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُزَعْفَرِ، وَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَال: إِنَّ هَذَا مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلاَ تَلْبَسْهُمَا (٤) وَيَحْرُمُ عِنْدَ بَعْضِ стр. 6809
الشَّافِعِيَّةِ الْمُزَعْفَرُ دُونَ الْمُعَصْفَرِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: عِنْدَهُمْ يَحْرُمُ الْمُعَصْفَرُ كَذَلِكَ. (١)
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: يُكْرَهُ لِوَلِيِّ الصَّغِيرِ إِلْبَاسُهُ الذَّهَبَ وَالْحَرِيرَ، وَأَجَازُوا إِلْبَاسَهُ الْفِضَّةَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. (٢)
وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، لِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَحِلٌّ لإِِنَاثِهِمْ (٣) .
وَجَازَ لِلْمَرْأَةِ التَّزَيُّنُ بِالْمَلْبُوسِ، ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ مُحَلًّى بِهِمَا أَوْ حَرِيرًا، أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَى اللِّبَاسِ مِنْ زِرٍّ وَفُرُشٍ وَمَسَانِدَ، وَلَوْ نَعْلاً وَقَبْقَابًا، (٤) وَتَفْصِيلُهُ فِي بَحْثِ: (أَلْبِسَةٌ) .
١٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَال أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِالنِّسَاءِ فِي الْحَرَكَاتِ وَلِينِ الْكَلاَمِ وَالزِّينَةِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ стр. 6810
الْخَاصَّةِ بِهِنَّ عَادَةً أَوْ طَبْعًا. وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى النِّسَاءِ أَيْضًا أَنْ يَتَشَبَّهْنَ بِالرِّجَال فِي مِثْل ذَلِكَ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَال (١) وَضَبَطَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ مَا يَحْرُمُ التَّشَبُّهُ بِهِنَّ فِيهِ: بِأَنَّهُ مَا كَانَ مَخْصُوصًا بِهِنَّ فِي جِنْسِهِ وَهَيْئَتِهِ أَوْ غَالِبًا فِي زِيِّهِنَّ، وَكَذَا يُقَال عَكْسُهُ. (٢)
(ر: تَشَبُّهٌ) .
التَّزَيُّنُ فِي الْمُنَاسَبَاتِ:
١١ - يُسْتَحَبُّ التَّزَيُّنُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِلْجُمَعِ وَالأَْعْيَادِ، وَعِنْدَ لِقَاءِ النَّاسِ وَتَزَاوُرِ الإِْخْوَانِ. وَذَلِكَ بِلُبْسِ أَحْسَنِ الثِّيَابِ وَالتَّطَيُّبِ، وَكَذَلِكَ التَّنْظِيفُ بِحَلْقِ الشَّعْرِ وَقَلْمِ الظُّفْرِ وَالسِّوَاكِ وَالاِغْتِسَال أَيَّامَ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِل يَوْمَ الْفِطْرِ стр. 6811
وَالأَْضْحَى (١) وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ قَال فِي جُمُعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَسِلُوا، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلاَ يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ (٢) وَرَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَمُّ، وَيَلْبَسُ بُرْدَهُ الأَْحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ (٣) .
وَقَدْ رَوَى مَكْحُولٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ عَلَى الْبَابِ فَخَرَجَ يُرِيدُهُمْ وَفِي الدَّارِ رَكْوَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَجَعَل يَنْظُرُ فِي الْمَاءِ وَيُسَوِّي لِحْيَتَهُ وَشَعْرَهُ، فَقُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ وَأَنْتَ تَفْعَل هَذَا؟ قَال نَعَمْ، إِذَا خَرَجَ الرَّجُل إِلَى إِخْوَانِهِ فَلْيُهَيِّئْ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَال (٤) (ر: تَحْسِينٌ ف ٧ - ١٠) .
وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَال، وَالإِْمَامُ بِذَلِكَ أَحَقُّ لأَِنَّهُ الْمَنْظُورُ إِلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ. (٥) وَالتَّفْصِيل يُنْظَرُ فِي بَحْثَيْ: (جُمُعَةٌ وَعِيدٌ) . стр. 6812
التَّزَيُّنُ لِلصَّلاَةِ
١٢ - يُسْتَحَبُّ التَّزَيُّنُ لِلصَّلاَةِ خُشُوعًا لِلَّهِ وَاسْتِحْضَارًا لِعَظَمَتِهِ، لاَ تَكَبُّرًا وَخُيَلاَءَ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ. وَالْمُسْتَحَبُّ لِلرَّجُل أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ وَاحِدًا يَتَوَشَّحُ بِهِ جَازَ؛ لِحَدِيثِ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَلْبَسْ ثَوْبَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ مَنْ تُزُيِّنَ لَهُ (١)
قَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي بَيَانِ الْفَضِيلَةِ فِي لِبَاسِ الصَّلاَةِ: وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنَّهُ إِذًا أَبْلَغُ فِي السَّتْرِ، يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، وَصَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَبُرْدٍ، أَوْ فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ. فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاوِيل وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيل وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيل وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ أَوْ قَال عُمَرُ: إِذَا كَانَ لأَِحَدِكُمْ ثَوْبَانِ فَلْيُصَل فِيهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَلْيَتَّزِرْ بِهِ، وَلاَ يَشْتَمِل اشْتِمَال الْيَهُودِ (٢) .
قَال التَّمِيمِيُّ: الثَّوْبُ الْوَاحِدُ стр. 6813
يُجْزِئُ، وَالثَّوْبَانِ أَحْسَنُ، وَالأَْرْبَعُ أَكْمَل: قَمِيصٌ وَسَرَاوِيل وَعِمَامَةٌ وَإِزَارٌ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ رَأَى نَافِعًا يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، قَال: أَلَمْ تَكْتَسِ ثَوْبَيْنِ: قُلْتُ: بَلَى. قَال: فَلَوْ أُرْسِلْتَ فِي الدَّارِ، أَكُنْتَ تَذْهَبُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ قُلْتُ: لاَ. قَال: فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُزَّيَّنَ لَهُ أَوِ النَّاسُ؟ قُلْتُ: بَل اللَّهُ.
وَقَال الْقَاضِي: ذَلِكَ فِي الإِْمَامِ آكَدُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ؛ لأَِنَّهُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُومِينَ، وَتَتَعَلَّقُ صَلاَتُهُمْ بِصَلاَتِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَالْقَمِيصُ؛ لأَِنَّهُ أَعَمُّ فِي السَّتْرِ، فَإِنَّهُ يَسْتُرُ جَمِيعَ الْجَسَدِ إِلاَّ الرَّأْسَ وَالرِّجْلَيْنِ، ثُمَّ الرِّدَاءُ؛ لأَِنَّهُ يَلِيهِ فِي السَّتْرِ، ثُمَّ الْمِئْزَرُ، ثُمَّ السَّرَاوِيل. وَلاَ يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلاَّ مَا سَتَرَ الْعَوْرَةَ عَنْ غَيْرِهِ وَعَنْ نَفْسِهِ. (١) وَالتَّفْصِيل فِي بَحْثِ (أَلْبِسَةٌ) .
التَّزَيُّنُ فِي الإِْحْرَامِ:
١٣ - يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ أَنْ تَلْبَسَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ، إِلاَّ أَنَّ فِي لُبْسِهَا الْقُفَّازَيْنِ وَالْخَلْخَال خِلاَفًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. فَرَخَّصَ فِيهِ عَلِيٌّ وَعَائِشَةُ ﵄، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ стр. 6814
وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. وَمَنَعَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄، وَبِهِ قَال طَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَهُوَ الْقَوْل الآْخَرُ لَلشَّافِعِيِّ. وَحَمَل بَعْضُهُمْ كَلاَمَ أَحْمَدَ فِي مَنْعِ الْخَلْخَال عَلَى الْكَرَاهَةِ.
وَيَحْرُمُ لُبْسُ الْمَخِيطِ اتِّفَاقًا لِلرِّجَال. (١)
وَلاَ يَجُوزُ التَّزَيُّنُ بِالتَّطَيُّبِ وَالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ وَتَقْلِيمِ الأَْظْفَارِ وَنَحْوِهَا أَثْنَاءَ الإِْحْرَامِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُحْرِمُ رَجُلاً أَمِ امْرَأَةً.
وَيُسَنُّ التَّطَيُّبُ فِي الْبَدَنِ اسْتِعْدَادًا لِلإِْحْرَامِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
أَمَّا التَّطَيُّبُ فِي الثَّوْبِ قَبْل الإِْحْرَامِ فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ (٢) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْرَامٌ، وَتَحْلِيَةٌ) .
التَّزَيُّنُ فِي الاِعْتِكَافِ:
١٤ - يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ التَّزَيُّنُ بِالتَّطَيُّبِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ الْحَسَنَةِ وَأَخْذِ الظُّفْرِ وَالشَّارِبِ وَنَحْوِهِ، لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ صَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ قَلْمِ الأَْظْفَارِ وَقَصِّ الشَّارِبِ стр. 6815
دَاخِل الْمَسْجِدِ، كَمَا قَالُوا بِكَرَاهَةِ حَلْقِ رَأْسِهِ مُطْلَقًا إِلاَّ أَنْ يَتَضَرَّرَ. (١) وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنْ يَتْرُكَ الْمُعْتَكِفُ لُبْسَ رَفِيعِ الثِّيَابِ، وَالتَّلَذُّذَ بِمَا يُبَاحُ لَهُ قَبْل الاِعْتِكَافِ. وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ، لَكِنْ لاَ بَأْسَ بِأَخْذِ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ عِنْدَهُمْ. (٢) (ر: اعْتِكَافٌ) .
تَزَيُّنُ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ:
١٥ - يُسْتَحَبُّ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَتَزَيَّنَ لِلآْخَرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْل الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) فَالْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ حَقٌّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الآْخَرِ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَتَزَيَّنَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلآْخَرِ، فَكَمَا يُحِبُّ الزَّوْجُ أَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ زَوْجَتُهُ، كَذَلِكَ الْحَال بِالنِّسْبَةِ لَهَا تُحِبُّ أَنْ يَتَزَيَّنَ لَهَا.
قَال أَبُو زَيْدٍ: تَتَّقُونَ اللَّهَ فِيهِنَّ، كَمَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَتَّقِينَ اللَّهَ فِيكُمْ. وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنِّي لأَُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ، كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْل стр. 6816
الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، وَحَقُّ الزَّوْجِ عَلَيْهَا أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ حَقِّهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلرِّجَال عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (١) .
وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَلْبَسُ الثِّيَابَ النَّفِيسَةَ، وَيَقُول: إِنَّ لِي نِسَاءً وَجِوَارِيَ، فَأُزَيِّنُ نَفْسِي كَيْ لاَ يَنْظُرْنَ إِلَى غَيْرِي.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يُعْجِبُنِي أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي امْرَأَتِي، كَمَا يُعْجِبُهَا أَنْ أَتَزَيَّنَ لَهَا.
وَمِنَ الزِّينَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: أَنَّهُ إِنْ نَبَتَ شَعْرٌ غَلِيظٌ لِلْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا، كَشَعْرِ الشَّارِبِ وَاللِّحْيَةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا نَتْفُهُ لِئَلاَّ تَتَشَبَّهَ بِالرِّجَال، فَقَدْ رَوَتِ امْرَأَةُ ابْنِ أَبِي الصَّقْرِ - وَهِيَ الْعَالِيَةُ بِنْتُ أَيْفَعَ ﵂، أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ فَسَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ فِي وَجْهِي شَعَرَاتٍ أَفَأَنْتِفُهُنَّ: أَتَزَيَّنُ بِذَلِكَ لِزَوْجِي؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمِيطِي عَنْكِ الأَْذَى، وَتَصَنَّعِي لِزَوْجِكِ كَمَا تَصْنَعِينَ لِلزِّيَارَةِ، وَإِنْ أَمَرَكِ فَأَطِيعِيهِ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْكِ فَأَبِرِّيهِ، وَلاَ تَأْذَنِي فِي بَيْتِهِ لِمَنْ يَكْرَهُ.
وَإِنْ نَبَتَ فِي غَيْرِ أَمَاكِنِهِ فِي وَجْهِ الرَّجُل فَلَهُ إِزَالَتُهُ، حَتَّى أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ لِلرَّجُل الأَْخْذَ مِنَ الْحَاجِبَيْنِ إِذَا فَحُشَا. (٢) стр. 6817
فَإِذَا أَمَرَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ بِالتَّزَيُّنِ لَهُ كَانَ التَّزَيُّنُ وَاجِبًا عَلَيْهَا؛ لأَِنَّهُ حَقُّهُ؛ وَلأَِنَّ طَاعَةَ الزَّوْجِ فِي الْمَعْرُوفِ وَاجِبَةٌ عَلَى الزَّوْجَةِ.
تَأْدِيبُ الرَّجُل زَوْجَتَهُ لِتَرْكِ الزِّينَةِ:
١٦ - مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ بِالْمَلْبَسِ وَالطِّيبِ، وَأَنْ تُحَسِّنَ هَيْئَتَهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ، مِمَّا يُرَغِّبُهُ فِيهَا وَيَدْعُوهُ إِلَيْهَا، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : خَيْرُ النِّسَاءِ الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلاَ تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ (١) فَإِنْ أَمَرَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ بِالتَّزَيُّنِ فَلَمْ تَتَزَيَّنْ لَهُ كَانَ لَهُ حَقُّ تَأْدِيبِهَا؛ لأَِنَّ الزِّينَةَ حَقُّهُ. قَال تَعَالَى: ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّل اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (٢) . стр. 6818
تَزَيُّنُ الْمُعْتَدَّةِ:
١٧ - الْمُعْتَدَّةُ لِلْوَفَاةِ لاَ يَجُوزُ لَهَا التَّزَيُّنُ اتِّفَاقًا لِوُجُوبِ الإِْحْدَادِ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١) وَلِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ يَحِل لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجِهَا فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (٢) .
وَكَذَلِكَ الْمُعْتَدَّةُ لِلطَّلاَقِ الْبَائِنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْقَوْل الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ: لاَ يَجُوزُ لَهَا التَّزَيُّنُ، حِدَادًا وَأَسَفًا عَلَى فَوْتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِصَوْنِهَا وَكِفَايَةِ مُؤْنَتِهَا؛ وَلِحُرْمَةِ خِطْبَتِهَا، وَعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الرَّجْعَةِ.
وَيُسْتَحَبُّ لَهَا الْحِدَادُ وَتَرْكُ الزِّينَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ فِي الْجَدِيدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَيُبَاحُ لَهَا الزِّينَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ فَلَهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ؛ لأَِنَّهَا حَلاَلٌ لِلزَّوْجِ لِقِيَامِ نِكَاحِهَا، وَالرَّجْعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَالتَّزَيُّنُ حَامِلٌ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ مَشْرُوعًا، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. стр. 6819
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَقَدْ رَوَى أَبُو ثَوْرٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا الإِْحْدَادُ، وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ فَلاَ يُسْتَحَبُّ لَهَا التَّزَيُّنُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: الأَْوْلَى أَنْ تَتَزَيَّنَ مِمَّا يَدْعُو الزَّوْجَ إِلَى رَجْعَتِهَا. (١)
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْدَادٌ، عِدَّةٌ) .
الْجِرَاحَةُ لأَِجْل التَّزَيُّنِ:
أَوَّلاً - تَثْقِيبُ الأُْذُنِ:
١٨ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ تَثْقِيبَ أُذُنِ الصَّغِيرَةِ لِتَعْلِيقِ الْقُرْطِ جَائِزٌ، فَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَل قَبْلَهُمَا وَلاَ بَعْدَهُمَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ - وَمَعَهُ بِلاَلٌ - فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي قُرْطَهَا» (٢) .
وَنَقَل عُمَيْرَةُ عَنِ الْغَزَالِيِّ الْحُرْمَةَ؛ لأَِنَّهُ جُرْحٌ لَمْ تَدْعُ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ إِلاَّ أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ جِهَةِوَنَقَل عُمَيْرَةُ عَنِ الْغَزَالِيِّ الْحُرْمَةَ؛ لأَِنَّهُ جُرْحٌ لَمْ تَدْعُ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ إِلاَّ أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ جِهَةِ стр. 6820
الشَّرْعِ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا ذَلِكَ. قَال عُمَيْرَةُ: وَاعْتُرِضَ بِحَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ الَّذِي فِيهِ: وَأَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ لِقَوْلِهِ ﷺ : كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُِمِّ زَرْعٍ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ فِي الصَّبِيِّ. (١)
ثَانِيًا - الْوَشْمُ وَالْوَشْرُ:
١٩ - وَمِنْ أَنْوَاعِ الْجِرَاحَةِ أَيْضًا مِنْ أَجْل التَّزَيُّنِ: مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ الْوَشْمِ وَالْوَشْرِ الْوَارِدَيْنِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، (٢) وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ (٣) ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ (٤) لِلْحُسْنِ стр. 6821
الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، (١) وَفِي رِوَايَةٍ: نَهَى عَنِ الْوَاشِرَةِ (٢) .
قَال الْقُرْطُبِيُّ: هَذِهِ الأُْمُورُ مُحَرَّمَةٌ، نَصَّتِ الأَْحَادِيثُ عَلَى لَعْنِ فَاعِلِهَا؛ وَلأَِنَّهَا مِنْ بَابِ التَّدْلِيسِ، وَقِيل: مِنْ بَابِ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى. (٣)
فَفِي الآْيَةِ: ﴿وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٤) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: النَّهْيُ عَنِ النَّمْصِ أَيْ نَتْفِ الشَّعْرِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا فَعَلَتْهُ لِتَتَزَيَّنَ لِلأَْجَانِبِ، وَإِلاَّ فَلَوْ كَانَ فِي وَجْهِهَا شَعْرٌ يَنْفِرُ زَوْجُهَا بِسَبَبِهِ، فَفِي تَحْرِيمِ إِزَالَتِهِ بُعْدٌ؛ لأَِنَّ الزِّينَةَ لِلنِّسَاءِ مَطْلُوبَةٌ، ثُمَّ قَال: إِذَا نَبَتَ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ أَوْ شَوَارِبُ فَلاَ تَحْرُمُ إِزَالَتُهُ، بَل تُسْتَحَبُّ. وَلاَ بَأْسَ بِأَخْذِ الْحَاجِبَيْنِ وَشَعْرِ وَجْهِهِ مَا لَمْ يُشْبِهِ الْمُخَنَّثَ. (٥)
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِإِزَالَةِ شَعْرِ стр. 6822
الْجَسَدِ فِي حَقِّ الرِّجَال، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيَجِبُ عَلَيْهِنَّ إِزَالَةُ مَا فِي إِزَالَتِهِ جَمَالٌ لَهَا - وَلَوْ شَعْرَ اللِّحْيَةِ إِنْ لَهَا لِحْيَةٌ - وَإِبْقَاءُ مَا فِي بَقَائِهِ جَمَالٌ. وَالْوُجُوبُ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا إِذَا أَمَرَهَا الزَّوْجُ. (١)
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَأَمَّا حَفُّ الْوَجْهِ فَقَال مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحَفِّ؟ فَقَال: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ لِلنِّسَاءِ، وَأَكْرَهُهُ لِلرِّجَال. (٢) وَلِلتَّفْصِيل: (ر: تَحْسِينٌ) .
ثَالِثًا - قَطْعُ الأَْعْضَاءِ الزَّائِدَةِ:
٢٠ - يَجُوزُ قَطْعُ أُصْبُعٍ زَائِدَةٍ، أَوْ شَيْءٍ آخَرَ كَسِنٍّ زَائِدَةٍ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلاَكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَنَقَل الْقُرْطُبِيُّ عَنْ عِيَاضٍ: أَنَّ مَنْ خُلِقَ بِإِصْبَعٍ زَائِدَةٍ أَوْ عُضْوٍ زَائِدٍ لاَ يَجُوزُ لَهُ قَطْعُهُ وَلاَ نَزْعُهُ؛ لأَِنَّهُ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ. (٣)
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ نَقْلاً عَنِ الطَّبَرِيِّ: لاَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ تَغْيِيرُ شَيْءٍ مِنْ خِلْقَتِهَا الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ عَلَيْهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ الْتِمَاسَ الْحُسْنِ، لاَ لِلزَّوْجِ وَلاَ لِغَيْرِهِ، كَمَنْ تَكُونُ مَقْرُونَةَ الْحَاجِبَيْنِ، فَتُزِيل مَا بَيْنَهُمَا تُوهِمُ الْبُلُجَ أَوْ عَكْسَهُ، وَمَنْ تَكُونُ لَهَا سِنٌّ زَائِدَةٌ فَتَقْلَعُهَا، أَوْ طَوِيلَةٌ فَتَقْطَعُ مِنْهَا، أَوْ لِحْيَةٌ أَوْ شَارِبٌ أَوْ عَنْفَقَةٌ стр. 6823
فَتُزِيلُهَا بِالنَّتْفِ، وَمَنْ يَكُونُ شَعْرُهَا قَصِيرًا أَوْ حَقِيرًا فَتُطَوِّلُهُ أَوْ تُغْزِرُهُ بِشَعْرِ غَيْرِهَا، فَكُل ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي النَّهْيِ وَهُوَ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا يَحْصُل بِهِ الضَّرَرُ وَالأَْذِيَّةُ، كَمَنْ يَكُونُ لَهَا سِنٌّ زَائِدَةٌ أَوْ طَوِيلَةٌ تُعِيقُهَا عَنِ الأَْكْل، أَوْ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ تُؤْذِيهَا أَوْ تُؤْلِمُهَا، فَيَجُوزُ ذَلِكَ، وَالرَّجُل فِي هَذَا الأَْخِيرِ كَالْمَرْأَةِ (١) .
تَزْيِينُ الْبُيُوتِ وَالأَْفْنِيَةِ
٢١ - تَزْيِينُ الْبُيُوتِ وَالأَْفْنِيَةِ - بِتَنْظِيفِهَا وَتَرْتِيبِهَا - مَطْلُوبٌ شَرْعًا، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ (٢)
وَيَجُوزُ تَزْيِينُ الْبُيُوتِ بِالدِّيبَاجِ، وَتَجْمِيلُهَا بِأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِلاَ تَفَاخُرٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. كَمَا أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ تَزْوِيقَ حِيطَانِ الْبُيُوتِ وَسُقُفِهَا وَخَشَبِهَا وَسَاتِرِهَا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (٣) .
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ، فَقَالُوا: يَحِل الإِْنَاءُ الْمُمَوَّهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَكَالإِْنَاءِ السُّقُوفُ وَالْجُدْرَانُ وَلَوْ لِلْكَعْبَةِ وَالْمُصْحَفُ وَالْكُرْسِيُّ وَالصُّنْدُوقُ стр. 6824
وَغَيْرُ ذَلِكَ، إِنْ لَمْ يَحْصُل بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ شَيْءٌ مِنْهُ، فَإِنْ كَثُرَ الْمُمَوَّهُ بِهِ بِأَنْ كَانَ يَحْصُل مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حَرُمَ. وَمَحَل الْحِل الاِسْتِدَامَةُ، أَمَّا الْفِعْل فَحَرَامٌ مُطْلَقًا.
وَصَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ تَزْيِينِ الْبُيُوتِ لِلرِّجَال وَغَيْرِهِمْ حَتَّى مَشَاهِدِ الصُّلَحَاءِ وَالْعُلَمَاءِ بِالثِّيَابِ، وَحُرْمَةِ تَزْيِينِهَا بِالْحَرِيرِ وَالصُّوَرِ لِعُمُومِ الأَْخْبَارِ. (١)
وَيُكْرَهُ تَزْوِيقُ الْبُيُوتِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ بِالسُّتُورِ مَا لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ، وَيَحْرُمُ عِنْدَهُمْ تَزْيِينُهَا بِالدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ وَآنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمُمَوَّهِ بِهَا - قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا - وَبِصُوَرِ الْحَيَوَانَاتِ، فَإِنْ كَانَتْ مُزَيَّنَةً بِالنُّقُوشِ وَصُوَرِ شَجَرٍ فَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ. (٢)
وَانْظُرْ: (تَصْوِيرٌ) .
تَزْيِينُ الْمَسَاجِدِ
٢٢ - يَحْرُمُ تَزْيِينُ الْمَسَاجِدِ بِنَقْشِهَا وَتَزْوِيقِهَا بِمَال الْوَقْفِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِوُجُوبِ ضَمَانِ الْوَقْفِ الَّذِي صُرِفَ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ مَصْلَحَةَ فِيهِ. وَظَاهِرُ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ مَنْعُ صَرْفِ مَال الْوَقْفِ فِي ذَلِكَ. وَلَوْ وَقَفَ الْوَاقِفُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا - النَّقْشِ وَالتَّزْوِيقِ - لَمْ يَصِحَّ فِي الْقَوْل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، أَمَّا إِذَا كَانَ النَّقْشُ وَالتَّزْوِيقُ مِنْ مَال النَّاقِشِ فَيُكْرَهُ اتِّفَاقًا فِي الْجُمْلَةِ стр. 6825
إِذَا كَانَ يُلْهِي الْمُصَلِّيَ، كَمَا إِذَا كَانَ فِي الْمِحْرَابِ وَجِدَارِ الْقِبْلَةِ، (١) وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا سَاءَ عَمَل قَوْمٍ زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ (٢) .
وَفِيمَا عَدَا جِدَارَ الْكَعْبَةِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي بَحْثِ: (مَسْجِدٌ) .
تَزْيِينُ الأَْضْرِحَةِ
٢٣ - يُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْقُبُورِ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا اتِّفَاقًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ؛ لِقَوْل جَابِرٍ ﵁: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ (٣) وَلأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُبَاهَاةِ وَزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَتِلْكَ مَنَازِل الآْخِرَةِ، وَلَيْسَتْ بِمَوْضِعٍ لِلْمُبَاهَاةِ.
وَكَذَا يُكْرَهُ تَطْيِينُهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ جَوَازُهُ. (٤)
وَتَفْصِيلُهُ فِي بَحْثِ: (قَبْرٌ) . стр. 6826
حُكْمُ بَيْعِ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ
٢٤ - يَجُوزُ بَيْعُ مَا تَتَزَيَّنُ بِهِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا مِنْ طِيبٍ وَحِنَّاءٍ وَخِضَابٍ وَكُحْلٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُبِيحَ اسْتِعْمَالُهُ مِمَّا يُبَاعُ وَيُشْتَرَى، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ شِرَاؤُهُ لَهَا مِنْ مَالِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ بِذَلِكَ هَيَّأَهُ لَهَا، لأَِنَّهُ هُوَ الْمُرِيدُ لِذَلِكَ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فِيمَا عَدَا الطِّيبَ، فَقَدْ قَالُوا: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الطِّيبِ مَا تَقْطَعُ بِهِ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ لاَ غَيْرُ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ قَالُوا: يُفْرَضُ لَهَا ذَلِكَ عَلَى الزَّوْجِ إِنْ تَضَرَّرَتْ بِتَرْكِهِ وَكَانَ مُعْتَادًا لَهَا (١) .
الاِسْتِئْجَارُ لِلتَّزَيُّنِ:
٢٥ - الأَْصْل إِبَاحَةُ إِجَارَةِ كُل عَيْنٍ يُمْكِنُ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً مَعَ بَقَائِهَا، وَلِهَذَا صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِجَوَازِ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ لِلتَّزَيُّنِ، فَإِنَّ النَّفَقَةَ بِهِمَا مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا، وَالزِّينَةُ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْمَشْرُوعَةِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (٢) .
وَجَوَازُ إِجَارَةِ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَهُمْ، وَتَرَدَّدَ أَحْمَدُ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الأُْجْرَةُ مِنْ جِنْسِهَا، وَرُوِيَ عَنْهُ جَوَازُهُ مُطْلَقًا. стр. 6827
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِفَسَادِ إِجَارَةِ مِثْل الثِّيَابِ وَالأَْوَانِي لِلتَّزَيُّنِ حَيْثُ قَالُوا: لَوِ اسْتَأْجَرَ ثِيَابًا أَوْ أَوَانِيَ لِيَتَجَمَّل بِهَا أَوْ دَابَّةً لِيَجْنِيَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ دَارًا لاَ لِيَسْكُنَهَا. . . فَالإِْجَارَةُ فَاسِدَةٌ فِي الْكُل وَلاَ أَجْرَ لَهُ، لأَِنَّهَا مَنْفَعَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ مِنَ الْعَيْنِ. وَيَجُوزُ إِجَارَةُ الأَْلْبِسَةِ لِلُّبْسِ، وَالأَْسْلِحَةِ لِلْجِهَادِ، وَالْخِيَامِ لِلسَّكَنِ وَأَمْثَالِهَا إِلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مُقَابِل بَدَلٍ مَعْلُومٍ، وَالْحُلِيُّ كَاللِّبَاسِ عِنْدَهُمْ.
وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ إِجَارَةَ الْحُلِيِّ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، وَقَالُوا: الأَْوْلَى إِعَارَتُهُ لأَِنَّهَا مِنَ الْمَعْرُوفِ. (١)
هَذَا، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِ اسْتِئْجَارِ الْمَاشِطَةِ لِتُزَيِّنَ الْعَرُوسَ وَغَيْرَهَا إِنْ ذُكِرَ الْعَمَل أَوِ الْمُدَّةُ، وَالْجَوَازُ مَفْهُومٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى أَيْضًا؛ لأَِنَّ أَصْل التَّزَيُّنِ مَشْرُوعٌ، وَالإِْجَارَةُ عَلَى الْمَنَافِعِ الْمَشْرُوعَةِ صَحِيحَةٌ. (٢)
حُكْمُ إِعَارَةِ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ:
٢٦ - يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) إِعَارَةُ كُل عَيْنٍ يُنْتَفَعُ بِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً - مَعَ بَقَائِهَا عَلَى الدَّوَامِ مِنْ غَيْرِ стр. 6828
اسْتِهْلاَكٍ بِالتَّجَمُّل وَالتَّزَيُّنِ - كَالنَّقْدَيْنِ وَالْحُلِيِّ وَمِنْهُ الْقَلاَئِدُ وَغَيْرُهَا. فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: هَلَكَتْ قِلاَدَةٌ لأَِسْمَاءَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهَا رِجَالاً، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ، وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً فَصَلَّوْا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَل اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ (١) .
زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ يَعْنِي أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂ الْقِلاَدَةَ الْمَذْكُورَةَ. (٢)
تَسَاقُطٌ
انْظُرْ: تَهَاتُرٌ стр. 6829
تَسَامُعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّسَامُعُ: مَصْدَرُ تَسَامَعَ النَّاسُ، وَهُوَ مَا حَصَل مِنَ الْعِلْمِ بِالتَّوَاتُرِ أَوْ بِالشُّهْرَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، يُقَال: تَسَامَعَ بِهِ النَّاسُ أَيِ اشْتَهَرَ عِنْدَهُمْ، وَسَمِعَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَتَسَامَعَ النَّاسُ بِفُلاَنٍ: شَاعَ بَيْنَهُمْ عَيْبُهُ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الأَْوَّل.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْفْشَاءُ:
٢ - الإِْفْشَاءُ: نَشْرُ الْخَبَرِ، سِرًّا كَانَ أَوْ جَهْرًا، بِبَثِّهِ بَيْنَ النَّاسِ (٢) .
ب - الإِْعْلاَمُ:
٣ - الإِْعْلاَمُ: إِيصَال الْخَبَرِ إِلَى شَخْصٍ أَوْ стр. 6830
طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ بِالإِْعْلاَنِ، أَمْ بِالتَّحْدِيثِ مِنْ غَيْرِ إِعْلاَنٍ (١) .
ج - الإِْعْلاَنُ:
٤ - الإِْعْلاَنُ: الْمُجَاهَرَةُ بِالْقَوْل أَوِ الْفِعْل، وَيُلاَحَظُ فِيهِ قَصْدُ الشُّيُوعِ وَالاِنْتِشَارِ (٢) .
د - الإِْشْهَارُ:
٥ - الإِْشْهَارُ: مَصْدَرُ أَشْهَرَ، وَالشَّهْرُ مَصْدَرُ شَهَرَ الشَّيْءَ، وَكِلاَهُمَا فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ بِمَعْنَى الإِْعْلاَنِ وَالإِْظْهَارِ (٣) .
هـ - السَّمْعُ:
٦ - السَّمْعُ: قُوَّةٌ فِي الأُْذُنِ بِهَا تُدْرَكُ الأَْصْوَاتُ، وَيُسْتَعْمَل أَيْضًا بِمَعْنَى الْمَسْمُوعِ، (٤) وَبِمَعْنَى الذِّكْرِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الشَّهَادَةِ بِالتَّسَامُعِ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ هِيَ: الْعِتْقُ، وَالنَّسَبُ، وَالْمَوْتُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْوَلاَءُ، وَالْوَقْفُ. (٥) следующие страницы →