← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الْكَرَاهَةِ إِذَا كَانَتِ الْحِرْفَةُ الدَّنِيئَةُ هِيَ حِرْفَةُ أَبِيهِ (١) . وَنَصَّ ابْنُ مُفْلِحٍ الْحَنْبَلِيُّ عَلَى زَوَال هَذِهِ الْكَرَاهَةِ إِذَا احْتَرَفَ الْمَرْءُ حِرْفَةً دَنِيئَةً لِلْقِيَامِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ (٢) . وَقَال بَعْضُ الْمُتَشَدِّدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: مَا يَرْجِعُ إِلَى الدَّنَاءَةِ مِنَ الْمَكَاسِبِ فِي عُرْفِ النَّاسِ لاَ يَسَعُ الإِْقْدَامُ عَلَيْهِ إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : لَيْسَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِل نَفْسَهُ (٣) . وَقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُْمُورِ وَيُبْغِضُ سَفْسَافَهَا (٤) وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الأَْوَّل (٥) . الْحِرَفُ الْمَحْظُورَةُ: ١٣ - أ - الأَْصْل أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ احْتِرَافُ عَمَلٍ مُحَرَّمٍ بِذَاتِهِ، وَمِنْ هُنَا مُنِعَ الاِتِّجَارُ بِالْخَمْرِ وَاحْتِرَافُ الْكِهَانَةِ. ب - كَمَا لاَ يَجُوزُ احْتِرَافُ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْحَرَامِ أَوْ مَا يَكُونُ فِيهِ إِعَانَةٌ عَلَيْهِ، كَالْوَشْمِ: لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ وَكَكِتَابَةِ الرِّبَا: لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْعَانَةِ عَلَى أَكْل أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِل وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَتَعَرَّضَ الْفُقَهَاءُ إِلَى اتِّخَاذِ حِرَفٍ يَتَكَسَّبُ مِنْهَا الْمُحْتَرِفُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْذُل فِيهَا جَهْدًا، أَوْ يَزِيدَ زِيَادَةً،

стр. 702

كَالْخَيَّاطِ يَتَسَلَّمُ الثَّوْبَ لِيَخِيطَهُ بِدِينَارَيْنِ فَيُعْطِيَهُ لِمَنْ يَخِيطَهُ بِدِينَارٍ وَيَأْخُذَ الْفَرْقَ. فَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ مِثْل هَذِهِ الإِْجَارَةِ كَالْبَيْعِ، وَبَيْعُ الْمَبِيعِ يَجُوزُ بِرَأْسِ الْمَال وَبِأَقَل مِنْهُ وَبِأَكْثَرَ، فَكَذَلِكَ الإِْجَارَةُ إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الأُْجْرَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ جِنْسِ الأُْجْرَةِ الأُْولَى فَإِنَّ الزِّيَادَةَ لاَ تَطِيبُ لَهُ إِلاَّ إِذَا بَذَل جَهْدًا أَوْ زَادَ زِيَادَةً، فَإِنَّهَا تَطِيبُ وَلَوِ اتَّحَدَ الْجِنْسُ (١) . آثَارُ الاِحْتِرَافِ: ١٤ - أ - يُعْطَى الْفَقِيرُ الْمُحْتَرِفُ الَّذِي لاَ يَمْلِكُ آلاَتِ حِرْفَتِهِ مِنَ الزَّكَاةِ مَا يَشْتَرِي بِهِ آلَةَ حِرْفَتِهِ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (زَكَاةٌ) . ب - إِذَا فَعَل الْمُحْتَرِفُ فِعْلاً فِي حُدُودِ حِرْفَتِهِ، فَأَخْطَأَ فِيهِ خَطَأً يُحْتَمَل أَنْ يُخْطِئَ فِيهِ الْمُحْتَرِفُونَ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَالطَّبِيبِ. أَمَّا مَنْ عَدَاهُ فَيَضْمَنُ (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي بَابِ الضَّمَانِ. ج - يَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ جَوَازَ إِفْطَارِ رَمَضَانَ لِمَنْ يَحْتَرِفُ حِرْفَةً شَاقَّةً يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَعَهَا، وَلَيْسَ بِإِمْكَانِهِ تَرْكُهَا فِي رَمَضَانَ (٤) . د - لِلْمُعْتَدَّةِ - وَلاَ سِيَّمَا الْمُحْتَرِفَةِ - الْخُرُوجُ فِي

стр. 703

حَوَائِجِهَا نَهَارًا سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُطَلَّقَةً أَوْ مُتَوَفًّى عَنْهَا وَلَيْسَ لَهَا الْمَبِيتُ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا وَلاَ الْخُرُوجُ لَيْلاً إِلاَّ لِضَرُورَةٍ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (عِدَّةٌ) (وَإِحْدَادٌ) . هـ - لِلاِحْتِرَافِ أَثَرٌ فِي الْكَفَاءَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَتَفْصِيلُهُ فِي (نِكَاحٌ) ، و لِلاِحْتِرَافِ أَثَرٌ فِي تَخْفِيفِ بَعْضِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، كَالتَّرْخِيصِ لِلْقَصَّابِ بِالصَّلاَةِ فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهِ مَعَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الدَّمِ، مَا لَمْ يَفْحُشْ. وَتَفْصِيلُهُ فِي (نَجَاسَةٌ - مَا يُعْفَى عَنْهُ مِنَ النَّجَاسَاتِ) . احْتِسَابٌ التَّعْرِيفُ: ١ - تَأْتِي كَلِمَةُ " احْتِسَابٍ " فِي اللُّغَةِ بِمَعَانٍ عَدِيدَةٍ مِنْهَا: أ - الاِعْتِدَادُ بِالشَّيْءِ، مِنَ الْحَسْبِ، وَهُوَ الْعَدُّ. ب - طَلَبُ الثَّوَابِ، وَقَدِ اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ هَذَا اللَّفْظَ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ كِلَيْهِمَا، عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ يَنْصَرِفُ إِلَى مَعْنَى طَلَبِ الثَّوَابِ (٢) . الاِحْتِسَابُ بِمَعْنَى الاِعْتِدَادِ أَوِ الاِعْتِبَارِ: ٢ - يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ " احْتِسَابٍ " عِنْدَمَا يَأْتِي الْمُكَلَّفُ بِالْفِعْل عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْكَمَال، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ

стр. 704

الشَّارِعَ يَعْتَبِرُهُ صَحِيحًا مَقْبُولاً (١) . فَالْمَسْبُوقُ فِي الصَّلاَةِ إِذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَ الإِْمَامِ احْتُسِبَتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالْفَرَائِضِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَمَنْ دَخَل الْمَسْجِدَ، فَرَأَى الْجَمَاعَةَ قَائِمَةً لِصَلاَةِ الظُّهْرِ فَنَوَى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَصَلاَةَ الظُّهْرِ وَدَخَل مَعَهُمْ فِي صَلاَتِهِمْ، احْتُسِبَتْ لَهُ تِلْكَ الصَّلاَةُ تَحِيَّةَ مَسْجِدٍ وَصَلاَةَ ظُهْرٍ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي " الصَّلاَةِ ". الاِحْتِسَابُ بِمَعْنَى طَلَبِ الثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى: ٣ - طَلَبُ الثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالاِحْتِسَابِ يَتَحَقَّقُ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: أ - تَنَازُل الْمُسْلِمِ عَنْ حَقِّهِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْغَيْرِ طَلَبًا لِثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى، لاَ عَجْزًا (٢) ، كَعِتْقِ الرَّقِيقِ، احْتِسَابًا، وَوَضْعِ السَّيِّدِ بَعْضَ مَال الْكِتَابَةِ احْتِسَابًا (٣) وَالْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ دُونَ مُقَابِلٍ احْتِسَابًا، وَإِرْضَاعِ الصَّغِيرِ دُونَ مُقَابِلٍ احْتِسَابًا. ب - أَدَاءُ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ كَالصَّلاَةِ، وَالصَّوْمِ، وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ دُونَ طَلَبٍ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الْمَحْضَةِ، وَفِيمَا لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ حَقٌّ

стр. 705

غَالِبٌ مُؤَكَّدٌ (١) ، وَهُوَ مَا لاَ يَتَأَثَّرُ بِرِضَا الآْدَمِيِّ - كَطَلاَقٍ، وَعِتْقٍ، وَعَفْوٍ عَنْ قِصَاصٍ، وَبَقَاءِ عِدَّةٍ، وَانْقِضَائِهَا، وَحَدٍّ، وَنَسَبٍ. وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى مَا يُؤَدَّى حِسْبَةً مِنَ الشَّهَادَاتِ، وَمَا يَتَّصِل بِأَحْكَامِ الْمُحْتَسِبِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ " حِسْبَةٌ ". احْتِشَاشٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِحْتِشَاشُ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ طَلَبُ الْحَشِيشِ وَجَمْعُهُ، وَالْحَشِيشُ يَابِسُ الْكَلأَِ. قَال الأَْزْهَرِيُّ: لاَ يُقَال لِلرَّطْبِ حَشِيشٌ (٢) . وَاصْطِلاَحًا: قَطْعُ الْحَشِيشِ، سَوَاءٌ أَكَانَ يَابِسًا أَمْ رَطْبًا. وَإِطْلاَقُهُ فِي الرَّطْبِ مِنْ قَبِيل الْمَجَازِ، بِاعْتِبَارِ مَا يَؤُول إِلَيْهِ. (٣) الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى إِبَاحَةِ الاِحْتِشَاشِ، رَطْبًا كَانَ الْكَلأَُ أَوْ جَافًّا، فِي غَيْرِ

стр. 706

الْحَرَمِ، مَا دَامَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لأَِحَدٍ. أَمَّا إِذَا كَانَ مَمْلُوكًا فَلاَ يَجُوزُ احْتِشَاشُهُ إِلاَّ بِإِذْنِ مَالِكِهِ (١) . أَمَّا فِي الْحَرَمِ فَقَدِ اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل قَطْعُ حَشِيشِ الْحَرَمِ غَيْرِ الْمَمْلُوكِ لأَِحَدٍ، إِلاَّ أَنَّهُمْ أَبَاحُوا الإِْذْخِرَ وَمُلْحَقَاتِهِ وَالسِّوَاكَ وَالْعَوْسَجَ، وَقَدْ أَبَاحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رَأْيٍ وَأَبُو يُوسُفَ فِي رَأْيٍ أَيْضًا الاِحْتِشَاشَ فِي الْحَرَمِ لِعَلَفِ الدَّوَابِّ. وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ الْجِنَايَاتُ فِي الإِْحْرَامِ (٢) . السَّرِقَةُ فِي الاِحْتِشَاشِ: ٣ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ: تُقْطَعُ الْيَدُ فِي الْعُشْبِ الْمُحْتَشِّ إِذَا أُخِذَ مِنْ حِرْزٍ وَبَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ: لاَ قَطْعَ فِيهِ (٣) . حِمَايَةُ الْكَلأَِ مِنَ الاِحْتِشَاشِ: ٤ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَمْنَعَ الاِحْتِشَاشَ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ يَجْعَلُهُ

стр. 707

حِمًى لِرَعْيِ خَيْل الْمُجَاهِدِينَ، وَلِمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَهُمْ لاَ يُجِيزُونَ الْمَنْعَ مِنَ الاِحْتِشَاشِ. الشَّرِكَةُ فِي الاِحْتِشَاشِ: ٥ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لاَ يُجِيزُونَ عَقْدَ الشَّرِكَةِ فِي تَحْصِيل الْمُبَاحَاتِ الْعَامَّةِ وَلاَ التَّوْكِيل فِيهَا. وَالاِحْتِشَاشُ وَالاِحْتِطَابُ مِنْ هَذَا الْقَبِيل. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَدْ أَجَازُوا ذَلِكَ. وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى أَبْوَابِ الشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ (١) . احْتِضَارٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِحْتِضَارُ لُغَةً: الإِْشْرَافُ عَلَى الْمَوْتِ بِظُهُورِ عَلاَمَاتِهِ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الإِْصَابَةِ بِاللَّمَمِ أَوِ الْجُنُونِ، وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الأَْوَّل (٢) . عَلاَمَاتُ الاِحْتِضَارِ: ٢ - لِلاِحْتِضَارِ عَلاَمَاتٌ كَثِيرَةٌ يَعْرِفُهَا الْمُخْتَصُّونَ،

стр. 708

ذَكَرَ مِنْهَا الْفُقَهَاءُ: اسْتِرْخَاءَ الْقَدَمَيْنِ، وَاعْوِجَاجَ الأَْنْفِ، وَانْخِسَافَ الصُّدْغَيْنِ، وَامْتِدَادَ جِلْدَةِ الْوَجْهِ (١) . مُلاَزَمَةُ أَهْل الْمُحْتَضَرِ لَهُ: ٣ - يَجِبُ عَلَى أَقَارِبِ الْمُحْتَضَرِ أَنْ يُلاَزِمُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى أَصْحَابِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى جِيرَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ الْكِفَايَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَلِيَهُ مِنْ أَقَارِبِهِ أَحْسَنُهُمْ خَلْقًا وَخُلُقًا وَدِينًا، وَأَرْفَقُهُمْ بِهِ، وَأَعْلَمُهُمْ بِسِيَاسَتِهِ، وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ. وَنُدِبَ أَنْ يُحْضِرُوا عِنْدَهُ طِيبًا، وَأَنْ يُبْعِدُوا النِّسَاءَ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ، وَنُدِبَ إِظْهَارُ التَّجَلُّدِ لِمَنْ حَضَرَ مِنَ الرِّجَال (٢) . وَلاَ بَأْسَ بِحُضُورِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْجُنُبِ عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ وَقْتَ الْمَوْتِ، إِذْ إِنَّهُ قَدْ لاَ يُمْكِنُ مَنْعُهُنَّ، لِلشَّفَقَةِ، أَوْ لِلاِحْتِيَاجِ إِلَيْهِنَّ. وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَرَى بَأْسًا أَنْ تَحْضُرَ الْحَائِضُ الْمَيِّتَ (٣) وَالْكَرَاهَةُ قَوْل الْحَنَابِلَةِ (٤) . وَقَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ تَجَنُّبُ حَائِضٍ وَجُنُبٍ وَتِمْثَالٍ وَآلَةِ لَهْوٍ (٥) . مَنْ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الاِحْتِضَارِ: ٤ - يَجْرِي حُكْمُ الاِحْتِضَارِ عَلَى مَنْ قُدِّمَ لِلْقَتْل

стр. 709

حَدًّا، أَوْ قِصَاصًا، أَوْ ظُلْمًا، أَوْ مَنْ أُصِيبَ إِصَابَةً قَاتِلَةً (١) ، كَمَا يَجْرِي عَلَى مَنْ كَانَ عِنْدَ الْتِحَامِ صُفُوفِ الْمَعْرَكَةِ. مَا يَفْعَلُهُ الْمُحْتَضَرُ: ٥ - أ - يَنْبَغِي لِلْمُحْتَضَرِ تَحْسِينُ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَيُنْدَبُ لِمَنْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَنْ يَرْجُوَ رَحْمَةَ رَبِّهِ وَمَغْفِرَتَهُ وَسَعَةَ عَفْوِهِ، زِيَادَةً عَلَى حَالَةِ الصِّحَّةِ، تَرْجِيحًا لِلرَّجَاءِ عَلَى الْخَوْفِ (٢) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: " سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول قَبْل مَوْتِهِ بِثَلاَثٍ: لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ تَعَالَى (٣) وَلِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ قَال اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلاَ يَظُنُّ بِي إِلاَّ خَيْرًا. وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل عَلَى شَابٍّ وَهُوَ بِالْمَوْتِ، فَقَال: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَال: وَاللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أَرْجُو اللَّهَ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْل هَذَا الْمَوْطِنِ إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَأَمَّنَهُ مِمَّا يَخَافُ. (٤) ب - وُجُوبُ الإِْيصَاءِ بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ

стр. 710

لأَِصْحَابِهَا (١) . ج - تَوْصِيَةُ أَهْلِهِ بِاتِّبَاعِ مَا جَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي التَّجْهِيزِ وَالدَّفْنِ وَاجْتِنَابِ الْبِدَعِ فِي ذَلِكَ اتِّبَاعًا لأَِصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَدْ وَرَدَتِ الآْثَارُ الْكَثِيرَةُ عَنْهُمْ فِي هَذَا الْمَجَال، مِنْهَا مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَال: أَوْصَى أَبُو مُوسَى ﵁ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، قَال: إِذَا انْطَلَقْتُمْ بِجِنَازَتِي فَأَسْرِعُوا بِيَ الْمَشْيَ، وَلاَ تَتْبَعُونِي بِمُجَمِّرٍ، وَلاَ تَجْعَلُوا عَلَى لَحْدِي شَيْئًا يَحُول بَيْنِي وَبَيْنَ التُّرَابِ، وَلاَ تَجْعَلُوا عَلَى قَبْرِي بِنَاءً. وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُل حَالِقَةٍ (٢) أَوْ سَالِقَةٍ أَوْ خَارِقَةٍ (٣) . قَالُوا: سَمِعْتَ فِيهِ شَيْئًا؟ قَال: نَعَمْ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٤) . د - التَّوْصِيَةُ لأَِقْرِبَائِهِ الَّذِينَ لاَ يَرِثُونَ مِنْهُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ وَصَّى لَهُمْ فِي حَال صِحَّتِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَْقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٥) ﴾ . وَلِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَال: كُنْتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمَرِضْتُ مَرَضًا أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَعَادَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ لِي مَالاً كَثِيرًا، وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي، أَفَأُوصِي بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَال: لاَ. قُلْتُ: بِشَطْرِ

стр. 711

مَالِي؟ قَال: لاَ. قُلْتُ: فَثُلُثُ مَالِي؟ قَال: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ يَا سَعْدُ إِنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ (١) . التَّوْبَةُ إِلَى اللَّهِ: ٦ - يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَضَرِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذُنُوبِهِ قَبْل وُصُول الرُّوحِ إِلَى الْحُلْقُومِ؛ لأَِنَّ قُرْبَ الْمَوْتِ لاَ يَمْنَعُ مِنْ قَبُول التَّوْبَةِ، لِقَوْلِهِ ﵊: إِنَّ اللَّهَ يَقْبَل تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ. (٢) وَتَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِالتَّوْبَةِ مِنْ أَحْكَامٍ فِي مُصْطَلَحِ " تَوْبَةٌ ". تَصَرُّفَاتُ الْمُحْتَضَرِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ: ٧ - يَجْرِي عَلَى تَصَرُّفَاتِ الْمُحْتَضَرِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ مَا يَجْرِي عَلَى تَصَرُّفَاتِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ مِنْ أَحْكَامٍ، إِذَا كَانَ فِي وَعْيِهِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ " مَرَضُ الْمَوْتِ ". مَا يُسَنُّ لِلْحَاضِرِينَ أَنْ يَفْعَلُوهُ عِنْدَ الاِحْتِضَارِ: أَوَّلاً: التَّلْقِينُ: ٨ - يَنْبَغِي تَلْقِينُ الْمُحْتَضَرِ: " لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ " لِقَوْل الرَّسُول ﷺ : لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ

стр. 712

لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. (١) قَال النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْمَوْتَى فِي الْحَدِيثِ الْمُحْتَضَرُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ، سُمُّوا مَوْتَى لِقُرْبِهِمْ مِنَ الْمَوْتِ، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ مَجَازًا (٢) . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي وُجُوبَ التَّلْقِينِ، وَإِلَيْهِ مَال الْقُرْطُبِيُّ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَأَنَّهُ لاَ يُسَنُّ زِيَادَةُ " مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ " وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَالْمَجْمُوعِ (٣) . وَيَكُونُ التَّلْقِينُ قَبْل الْغَرْغَرَةِ، جَهْرًا وَهُوَ يَسْمَعُ؛ لأَِنَّ الْغَرْغَرَةَ تَكُونُ قُرْبَ كَوْنِ الرُّوحِ فِي الْحُلْقُومِ، وَحِينَئِذٍ لاَ يُمْكِنُ النُّطْقُ بِهَا (٤) . وَالتَّلْقِينُ إِنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ حَضَرَ عَقْلُهُ وَقَدَرَ عَلَى الْكَلاَمِ، فَإِنَّ شَارِدَ اللُّبِّ لاَ يُمْكِنُ تَلْقِينُهُ، وَالْعَاجِزُ عَنِ الْكَلاَمِ يُرَدِّدُ الشَّهَادَةَ فِي نَفْسِهِ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﵊: لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ذَكِّرُوا الْمُحْتَضَرَ " لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ " لِكَيْ تَكُونَ آخِرَ كَلاَمِهِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَل الْجَنَّةَ. (٥) وَيَرَى جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ، وَقَالُوا: صُورَةُ التَّلْقِينِ أَنْ يُقَال عِنْدَهُ فِي حَالَةِ النَّزْعِ قَبْل الْغَرْغَرَةِ،

стр. 713

جَهْرًا وَهُوَ يَسْمَعُ: " أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ " وَلاَ يُقَال لَهُ: قُل، وَلاَ يُلَحُّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهَا، مَخَافَةَ أَنْ يَضْجَرَ فَيَأْتِي بِكَلاَمٍ غَيْرِ لاَئِقٍ. فَإِذَا قَالَهَا مَرَّةً لاَ يُعِيدُهَا عَلَيْهِ الْمُلَقِّنُ، إِلاَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلاَمٍ غَيْرِهَا. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُلَقِّنُ غَيْرَ مُتَّهَمٍ بِالْمَسَرَّةِ بِمَوْتِهِ، كَعَدُوٍّ أَوْ حَاسِدٍ أَوْ وَارِثٍ غَيْرِ وَلَدِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُعْتَقَدُ فِيهِ الْخَيْرُ. وَإِذَا ظَهَرَتْ مِنَ الْمُحْتَضَرِ كَلِمَاتٌ تُوجِبُ الْكُفْرَ لاَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، وَيُعَامَل مُعَامَلَةَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ (١) . ثَانِيًا: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ: ٩ - يُنْدَبُ قِرَاءَةُ سُورَةِ (يس) عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ صَفْوَانَ، قَال: " كَانَتِ الْمَشْيَخَةُ يَقُولُونَ: إِذَا قُرِئَتْ (يس) عِنْدَ الْمَوْتِ خُفِّفَ عَنْهُ بِهَا. وَأَسْنَدَهُ صَاحِبُ مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي ذَرٍّ، قَالاَ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَتُقْرَأُ عِنْدَهُ يس إِلاَّ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ. قَال ابْنُ حِبَّانَ: أَرَادَ بِهِ مَنْ حَضَرَتْهُ الْمَنِيَّةُ، لاَ أَنَّ الْمَيِّتَ يُقْرَأُ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) . وَزَادَتِ الْحَنَابِلَةُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ. وَقَال الشَّعْبِيُّ: " كَانَ الأَْنْصَارُ يَقْرَءُونَ عِنْدَ

стр. 714

الْمَيِّتِ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ ". وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عِنْدَ الْمَيِّتِ سُورَةَ الرَّعْدِ (١) . وَقَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ قِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ وَعَلَى الْقُبُورِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَل السَّلَفِ (٢) . ثَالِثًا: التَّوْجِيهُ: ١٠ - يُوَجَّهُ الْمُحْتَضَرُ لِلْقِبْلَةِ عِنْدَ شُخُوصِ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، لاَ قَبْل ذَلِكَ، لِئَلاَّ يُفْزِعَهُ، وَيُوَجَّهُ إِلَيْهَا مُضْطَجِعًا عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ اعْتِبَارًا بِحَال الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ؛ لأَِنَّهُ أَشْرَفُ عَلَيْهِ (٣) . وَفِي تَوْجِيهِ الْمُحْتَضَرِ إِلَى الْقِبْلَةِ وَرَدَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَأَل عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ. فَقَالُوا: تُوُفِّيَ وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لَكَ، وَأَنْ يُوَجَّهَ لِلْقِبْلَةِ لَمَّا احْتُضِرَ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : أَصَابَ الْفِطْرَةَ، وَقَدْ رَدَدْتُ ثُلُثَ مَالِهِ عَلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَأَدْخِلْهُ جَنَّتَكَ، وَقَدْ فَعَلْتَ (٤) . قَال الْحَاكِمُ: وَلاَ أَعْلَمُ فِي تَوْجِيهِ الْمُحْتَضَرِ إِلَى الْقِبْلَةِ غَيْرَهُ. وَفِي اضْطِجَاعِهِ عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ قِيل: يُمْكِنُ الاِسْتِدْلاَل عَلَيْهِ بِحَدِيثِ النَّوْمِ، فَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال:

стр. 715

إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَْيْمَنِ، وَقُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ. . . إِلَى أَنْ قَال: فَإِنْ مِتَّ مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ (١) وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْقِبْلَةِ. وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شَاهِينَ فِي بَابِ الْمُحْتَضَرِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ لَهُ غَيْرَ أَثَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَال: " يُسْتَقْبَل بِالْمَيِّتِ الْقِبْلَةُ " وَزَادَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: " عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ. مَا عَلِمْتُ أَحَدًا تَرَكَهُ مِنْ مَيِّتٍ "، وَلأَِنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ، وَمِنَ اضْطِجَاعِهِ فِي مَرَضِهِ، وَالسُّنَّةُ فِيهِمَا ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ فِيمَا قَرُبَ مِنْهُمَا. وَيُسْتَدَل عَلَيْهِ أَيْضًا بِمَا رَوَى أَحْمَدُ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ عِنْدَ مَوْتِهَا اسْتَقْبَلَتِ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ تَوَسَّدَتْ يَمِينَهَا. وَيَصِحُّ أَنْ يُوَجَّهَ الْمُحْتَضَرُ إِلَى الْقِبْلَةِ مُسْتَلْقِيًا عَلَى ظَهْرِهِ، فَذَلِكَ أَسْهَل لِخُرُوجِ الرُّوحِ، وَأَيْسَرُ لِتَغْمِيضِهِ وَشَدِّ لَحْيَيْهِ، وَأَمْنَعُ مِنْ تَقَوُّسِ أَعْضَائِهِ، ثُمَّ إِذَا أُلْقِيَ عَلَى الْقَفَا يُرْفَعُ رَأْسُهُ قَلِيلاً لِيَصِيرَ وَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ دُونَ السَّمَاءِ (٢) . وَيَقُول بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ حَدِيثٌ فِي تَوْجِيهِ الْمُحْتَضَرِ إِلَى الْقِبْلَةِ، بَل كَرِهَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ تَوْجِيهَهُ إِلَيْهَا. فَقَدْ وَرَدَ عَنْ زُرْعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: " أَنَّهُ شَهِدَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فِي مَرَضِهِ، وَعِنْدَهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَغُشِيَ عَلَى سَعِيدٍ، فَأَمَرَ أَبُو سَلَمَةَ أَنْ يُحَوَّل فِرَاشُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَفَاقَ، فَقَال: حَوَّلْتُمْ فِرَاشِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ

стр. 716

فَقَال: أَرَاهُ بِعِلْمِكَ، فَقَال: أَنَا أَمَرْتُهُمْ. فَأَمَرَ سَعِيدٌ أَنْ يُعَادَ فِرَاشُهُ (١) ". رَابِعًا: بَل حَلْقِ الْمُحْتَضَرِ بِالْمَاءِ: ١١ - يُسَنُّ لِلْحَاضِرِينَ أَنْ يَتَعَاهَدُوا بَل حَلْقِ الْمُحْتَضَرِ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَأَنْ يَتَعَاهَدُوا تَنْدِيَةَ شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ لأَِنَّهُ رُبَّمَا يَنْشَفُ حَلْقُهُ مِنْ شِدَّةِ مَا نَزَل بِهِ فَيَعْجِزُ عَنِ الْكَلاَمِ. وَتَعَاهُدُهُ بِذَلِكَ يُطْفِئُ مَا نَزَل بِهِ مِنَ الشِّدَّةِ، وَيُسَهِّل عَلَيْهِ النُّطْقَ بِالشَّهَادَةِ (٢) . خَامِسًا: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى: ١٢ - يُسْتَحَبُّ لِلصَّالِحِينَ مِمَّنْ يَحْضُرُونَ عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ أَنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَأَنْ يُكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ لَهُ بِتَسْهِيل الأَْمْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَأَنْ يَدْعُوا لِلْحَاضِرِينَ، إِذْ هُوَ مِنْ مَوَاطِنِ الإِْجَابَةِ؛ لأَِنَّ الْمَلاَئِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى قَوْلِهِمْ (٣) قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : " إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ، أَوِ الْمَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ (٤) ". سَادِسًا: تَحْسِينُ ظَنِّ الْمُحْتَضَرِ بِاللَّهِ تَعَالَى: ١٣ - إِذَا رَأَى الْحَاضِرُونَ مِنَ الْمُحْتَضَرِ أَمَارَاتِ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُحَسِّنُوا ظَنَّهُ بِرَبِّهِ، وَأَنْ يُطَمِّعُوهُ فِي رَحْمَتِهِ، إِذْ قَدْ يُفَارِقُ عَلَى ذَلِكَ فَيَهْلِكُ،

стр. 717

فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، أَخْذًا مِنْ قَاعِدَةِ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ. وَهَذَا الْحَال مِنْ أَهَمِّهَا (١) . مَا يُسَنُّ لِلْحَاضِرِينَ أَنْ يَفْعَلُوهُ عِنْدَ مَوْتِ الْمُحْتَضَرِ: ١٤ - إِذَا تَيَقَّنَ الْحَاضِرُونَ مَوْتَ الْمُحْتَضَرِ، وَعَلاَمَةُ ذَلِكَ انْقِطَاعُ نَفَسِهِ وَانْفِرَاجُ شَفَتَيْهِ تَوَلَّى أَرْفَقُ أَهْلِهِ بِهِ إِغْمَاضَ عَيْنَيْهِ، وَالدُّعَاءَ لَهُ، وَشَدَّ لَحْيَيْهِ بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ تُشَدُّ فِي لَحْيَيْهِ لِلأَْسْفَل وَتُرْبَطُ فَوْقَ رَأْسِهِ، لأَِنَّهُ لَوْ تُرِكَ مَفْتُوحَ الْعَيْنَيْنِ وَالْفَمِ حَتَّى يَبْرُدَ بَقِيَ مَفْتُوحَهُمَا فَيَقْبُحُ مَنْظَرُهُ، وَلاَ يُؤْمَنُ دُخُول الْهَوَامِّ فِيهِ وَالْمَاءُ فِي وَقْتِ غُسْلِهِ، وَيُلَيِّنُ مَفَاصِلَهُ وَيَرُدُّ ذِرَاعَيْهِ إِلَى عَضُدَيْهِ ثُمَّ يَمُدُّهُمَا، وَيَرُدُّ أَصَابِعَ يَدَيْهِ إِلَى كَفَّيْهِ ثُمَّ يَمُدُّهَا، وَيَرُدُّ فَخِذَيْهِ إِلَى بَطْنِهِ، وَسَاقَيْهِ إِلَى فَخِذَيْهِ ثُمَّ يَمُدُّهُمَا (٢) . وَيَقُول مُغْمِضُهُ: " بِاسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ . اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَسَهِّل عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِكَ، وَاجْعَل مَا خَرَجَ إِلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ (٣) ". فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شُقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَال: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ. فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَال: لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ. ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَِبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ الْمُقَرَّبِينَ وَاخْلُفْهُ

стр. 718

فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ. (١) وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ: قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ. وَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ. وَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّهُ يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَال أَهْل الْمَيِّتِ. (٢) كَشْفُ وَجْهِ الْمَيِّتِ وَالْبُكَاءُ عَلَيْهِ: ١٥ - يَجُوزُ لِلْحَاضِرِينَ وَغَيْرِهِمْ كَشْفُ وَجْهِ الْمَيِّتِ وَتَقْبِيلُهُ، وَالْبُكَاءُ عَلَيْهِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ بُكَاءً خَالِيًا مِنَ الصُّرَاخِ وَالنُّوَاحِ، لِمَا وَرَدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَال: لَمَّا قُتِل أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي، وَنَهَوْنِي، وَالنَّبِيُّ ﷺ لاَ يَنْهَانِي، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُفِعَ فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : تَبْكِينَ أَوْ لاَ تَبْكِينَ، مَا زَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ. (٣) وَلِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَشَفَ وَجْهَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ بَكَى، وَقَال: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُول اللَّهِ، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا (٤) ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَبَّلَهُ وَبَكَى حَتَّى رَأَيْتُ

стр. 719

الدُّمُوعَ تَسِيل عَلَى وَجْنَتَيْهِ (١) وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ أَمْهَل آل جَعْفَرٍ ثَلاَثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَال: لاَ تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ. (٢) احْتِطَابٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِحْتِطَابُ مَصْدَرُ احْتَطَبَ، يُقَال احْتَطَبَ بِمَعْنَى جَمَعَ الْحَطَبَ، وَالْحَطَبُ: مَا أُعِدَّ مِنْ شَجَرٍ وُقُودًا لِلنَّارِ. وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) : ٢ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى إِبَاحَةِ الاِحْتِطَابِ رَطْبًا كَانَ الشَّجَرُ أَوْ جَافًّا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ مَا دَامَ لاَ يَمْلِكُهُ أَحَدٌ. أَمَّا إِذَا كَانَ مَحُوزًا أَوْ مَمْلُوكًا، فَلاَ يَجُوزُ أَخْذُهُ أَوِ الاِحْتِطَابُ مِنْهُ إِلاَّ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ (٣) .

стр. 720

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٣ - يَأْخُذُ الاِحْتِطَابُ حُكْمَ الاِحْتِشَاشِ التَّكْلِيفِيِّ (ر: احْتِشَاشٌ) ، غَيْرَ أَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي أَمْرَيْنِ: الأَْوَّل: يُبَاحُ فِي الاِحْتِشَاشِ فِي الْحَرَمِ قَطْعُ الإِْذْخِرِ وَالْعَوْسَجِ وَمُلْحَقَاتِهِمَا وَلاَ يُبَاحُ ذَلِكَ فِي الاِحْتِطَابِ. الثَّانِي: أَبَاحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الاِحْتِشَاشِ مِنَ الْحَرَمِ عَلْفَ الدَّوَابِّ مِنْهُ بِخِلاَفِ الاِحْتِطَابِ الَّذِي لَمْ يُبَحْ فِيهِ ذَلِكَ. احْتِقَانٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِحْتِقَانُ لُغَةً: مَصْدَرُ احْتَقَنَ، بِمَعْنَى احْتَبَسَ. يُقَال: حَقَنَ الرَّجُل بَوْلَهُ: حَبَسَهُ وَجَمَعَهُ، فَهُوَ حَاقِنٌ وَمُطَاوِعُهُ: الاِحْتِقَانُ: وَحَقَنْتُ الْمَرِيضَ إِذَا أَوْصَلْتَ الدَّوَاءَ إِلَى بَاطِنِهِ بِالْمِحْقَنِ (١) . وَيُطْلَقُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى احْتِبَاسِ الْبَوْل، كَمَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى تَعَاطِي الدَّوَاءِ بِالْحُقْنَةِ فِي الدُّبُرِ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: ٢ - الاِحْتِبَاسُ . مَصْدَرُ احْتَبَسَ. يُقَال: حَبَسْتُهُ فَاحْتَبَسَ بِمَعْنَى مَنَعْتُهُ فَامْتَنَعَ (٣) . فَالاِحْتِبَاسُ أَعَمُّ.

стр. 721

الْحَصْرُ: هُوَ الإِْحَاطَةُ وَالْمَنْعُ وَالْحَبْسُ. يُقَال حَصَرَهُ الْعَدُوُّ فِي مَنْزِلِهِ: حَبَسَهُ، وَأَحْصَرَهُ الْمَرَضُ: مَنَعَهُ مِنَ السَّفَرِ. وَيُطْلَقُ عَلَى احْتِبَاسِ النَّجْوِ مِنْ ضِيقِ الْمَخْرَجِ، فَهُوَ كَذَلِكَ أَعَمُّ (١) . الْحُقْبُ: حَقِبَ بِالْكَسْرِ حُقْبًا فَهُوَ حَقِيبٌ: تَعَسَّرَ عَلَيْهِ الْبَوْل، أَوْ أَعْجَلَهُ (٢) . وَقِيل: الْحَاقِبُ الَّذِي احْتَبَسَ غَائِطُهُ. فَهُوَ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي مُبَايِنٌ لِلاِحْتِقَانِ. صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) : ٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِحْتِقَانِ تَبَعًا لإِِطْلاَقَاتِهِ، فَيُطْلَقُ الاِحْتِقَانُ عَلَى امْتِنَاعِ خُرُوجِ الْبَوْل لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الاِحْتِقَانُ الطَّبِيعِيُّ. وَيُعْتَبَرُ أَحَدَ الأَْعْذَارِ الَّتِي يَسْقُطُ مَعَهَا الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ مَا دَامَتْ مَوْجُودَةً. أَمَّا مَنْعُ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ مِنْ خُرُوجِ الْبَوْل عِنْدَ الشُّعُورِ بِالْحَاجَةِ لِلتَّبَوُّل فَهُوَ الْحَقْنُ. وَيُسَمَّى الإِْنْسَانُ حِينَئِذٍ حَاقِنًا. وَحُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ الْكَرَاهَةُ أَوِ الْحُرْمَةُ - عَلَى خِلاَفٍ سَيَأْتِي ذِكْرُهُ - فِي حَالَتَيِ الصَّلاَةِ، وَالْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ. وَيُطْلَقُ الاِحْتِقَانُ أَيْضًا عَلَى تَعَاطِي الدَّوَاءِ أَوِ الْمَاءِ عَنْ طَرِيقِ الشَّرَجِ، وَحُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ تَارَةً الإِْبَاحَةُ، وَتَارَةً الْحَظْرُ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ سَيَأْتِي

стр. 722

بَيَانُهُ (١) . وَدَلِيل حُكْمِ الْحَقْنِ فِي الصَّلاَةِ أَوِ الْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ هُوَ حَدِيثُ عَائِشَةَ، ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُ الأَْخْبَثَيْنِ (٢) وَحَدِيثُ لاَ يَحِل لاِمْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَنْظُرَ فِي جَوْفِ امْرِئٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ، وَلاَ يَقُومَ إِلَى الصَّلاَةِ وَهُوَ حَاقِنٌ. (٣) وَحَدِيثُ رَسُول اللَّهِ ﷺ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ عَنْهُ قَال: لاَ يَحْكُمُ أَحَدُكُمْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ (٤) . وَقَاسُوا عَلَيْهِ الْحَاقِنَ. وَدَلِيل الاِحْتِقَانِ لِلتَّدَاوِي هُوَ دَلِيل التَّدَاوِي نَفْسِهِ بِشُرُوطٍ. (ر: تَدَاوِي) . أَوَّلاً - احْتِقَانُ الْبَوْل وُضُوءُ الْحَاقِنِ: ٤ - فِي الْمَسْأَلَةِ رَأْيَانِ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْحَاقِنِ؛ لأَِنَّهُمُ اعْتَبَرُوا لاِنْتِقَاضِ الْوُضُوءِ الْخُرُوجَ الْفِعْلِيَّ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، لاَ الْخُرُوجَ

стр. 723

الْحُكْمِيَّ. وَالْحَاقِنُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ السَّبِيلَيْنِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمُ اعْتَبَرُوا الْخُرُوجَ الْفِعْلِيَّ أَوِ الْحُكْمِيَّ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ، وَاعْتَبَرُوا الْحَقْنَ الشَّدِيدَ خُرُوجًا حُكْمِيًّا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَلَكِنَّهُمُ انْقَسَمُوا إِلَى رَأْيَيْنِ فِي تَحْدِيدِ دَرَجَةِ الاِحْتِقَانِ الَّتِي تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَقَال بَعْضُهُمْ: إِذَا كَانَ الاِحْتِقَانُ شَدِيدًا بِحَيْثُ يَمْنَعُ مِنَ الإِْتْيَانِ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، كَمَا لَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الإِْتْيَانِ بِهَا بِعُسْرٍ، فَقَدْ أَبْطَل الْحَقْنُ الْوُضُوءَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَل بِهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّهَارَةِ، كَمَسِّ الْمُصْحَفِ. وَاعْتَبَرُوا هَذَا خُرُوجًا حُكْمِيًّا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَقَال الْبَعْضُ الآْخَرُ: الْحَقْنُ الشَّدِيدُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الإِْتْيَانِ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ (١) . صَلاَةُ الْحَاقِنِ: ٥ - لِلْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ صَلاَةِ الْحَاقِنِ اتِّجَاهَانِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، إِلَى أَنَّ صَلاَةَ الْحَاقِنِ مَكْرُوهَةٌ، لِمَا وَرَدَ مِنَ الأَْحَادِيثِ السَّابِقَةِ. وَقَال الْخُرَاسَانِيُّونَ وَأَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِذَا كَانَتْ مُدَافَعَةُ الأَْخْبَثَيْنِ شَدِيدَةً لَمْ تَصِحَّ الصَّلاَةُ (٢) . وَاسْتَدَل الْجَمِيعُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ

стр. 724

صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَْخْبَثَانِ. (١) وَمَا رَوَى ثَوْبَانُ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ يَحِل لاِمْرِئٍ أَنْ يَنْظُرَ فِي جَوْفِ بَيْتِ امْرِئٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ، وَلاَ يَقُومَ إِلَى الصَّلاَةِ وَهُوَ حَاقِنٌ (٢) ، فَالْقَائِلُونَ بِالْكَرَاهَةِ حَمَلُوا النَّهْيَ فِي الأَْحَادِيثِ عَلَى الْكَرَاهَةِ. وَأَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَصْحَابُ الرَّأْيِ الثَّانِي فَحَمَلُوهُ عَلَى الْفَسَادِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْحَقْنَ الشَّدِيدَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ، فَتَكُونُ صَلاَتُهُ بَاطِلَةً. إِعَادَةُ الْحَاقِنِ لِلصَّلاَةِ: ٦ - لَمْ يَقُل بِإِعَادَةِ صَلاَةِ الْحَاقِنِ أَحَدٌ مِمَّنْ قَال بِصِحَّةِ الصَّلاَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، إِلاَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى رَأْيٍ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِإِعَادَةِ الصَّلاَةِ لِلْحَاقِنِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ (٣) . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَرَوْنَ بُطْلاَنَ صَلاَةِ الْحَاقِنِ حَقْنًا شَدِيدًا فَلاَ بُدَّ مِنْ إِعَادَتِهَا. الْحَاقِنُ وَخَوْفُ فَوْتِ الْوَقْتِ: ٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ مُتَّسَعٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُزِيل الْعَارِضَ أَوَّلاً، ثُمَّ يَشْرَعَ فِي الصَّلاَةِ. فَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ رَأْيَانِ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، إِلَى أَنَّهُ يُصَلِّي وَهُوَ حَاقِنٌ، وَلاَ يَتْرُكُ الْوَقْتَ يَضِيعُ مِنْهُ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ قَالُوا بِالإِْعَادَةِ فِي الظَّاهِرِ

стр. 725

عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى لِلْحَدِيثِ (١) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي رَأْيٍ آخَرَ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي إِلَى أَنَّهُ يُزِيل الْعَارِضَ أَوَّلاً وَيَتَوَضَّأُ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، ثُمَّ يَقْضِيهَا، لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ؛ وَلأَِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الصَّلاَةِ الْخُشُوعُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهِ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ (٢) . الْحَاقِنُ وَخَوْفُ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ أَوِ الْجُمُعَةِ: ٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ أَوِ الْجُمُعَةِ صَلَّى وَهُوَ حَاقِنٌ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْوْلَى تَرْكُ الْجَمَاعَةِ وَإِزَالَةُ الْعَارِضِ، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ عُذْرًا مُبِيحًا لِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ، لِعُمُومِ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُل صَلاَةٍ (٣) . أَمَّا رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ فِي حَقْنِ الْبَوْل فَقَدْ سَبَقَ. قَضَاءُ الْقَاضِي الْحَاقِنِ: ٩ - لاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْكُمَ، وَهُوَ حَاقِنٌ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ قَضَائِهِ وَنَفَاذِ حُكْمِهِ عَلَى رَأْيَيْنِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ، وَقَوْل شُرَيْحٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي وَهُوَ حَاقِنٌ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ

стр. 726

حُضُورَ الْقَلْبِ وَاسْتِيفَاءَ الْفِكْرِ الَّذِي يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى إِصَابَةِ الْحَقِّ فِي الْغَالِبِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى الْغَضَبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ قَال. سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لاَ يَحْكُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ. . . فَإِذَا قَضَى وَهُوَ حَاقِنٌ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ قِيَاسًا عَلَى قَضَاءِ الْغَضْبَانِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (١) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي رَأْيٍ ثَانٍ لَهُمْ، حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَضَاءُ الْقَاضِي وَهُوَ حَاقِنٌ. فَإِذَا حَكَمَ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ؛ لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَقِيل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّمَا يَمْنَعُ الْغَضَبُ الْحَاكِمَ إِذَا كَانَ قَبْل أَنْ يَتَّضِحَ لَهُ الْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَةِ. فَأَمَّا إِنِ اتَّضَحَ لَهُ الْحُكْمُ ثُمَّ عَرَضَ الْغَضَبُ لاَ يَمْنَعُهُ (٢) ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ قَدِ اسْتَبَانَ قَبْل الْغَضَبِ فَلاَ يُؤَثِّرُ الْغَضَبُ فِيهِ. ثَانِيًا - الاِحْتِقَانُ لِلتَّدَاوِي ١٠ - فِي نَقْضِ وُضُوءِ الْمُحْتَقِنِ فِي الْقُبُل أَوِ الدُّبُرِ ثَلاَثَةُ اتِّجَاهَاتٍ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ إِذَا أَدْخَل رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ فِي الْقُبُل أَوِ الدُّبُرِ

стр. 727

شَيْئًا مِنْ حُقْنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، ثُمَّ خَرَجَ، انْتَقَضَ الْوُضُوءُ، سَوَاءٌ اخْتَلَطَ بِهِ أَذًى أَمْ لاَ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيل ذَلِكَ تَبَعًا لِقَوَاعِدِهِمْ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً فِي نَفْسِهَا لَكِنَّهَا لاَ تَخْلُو عَنْ قَلِيل النَّجَاسَةِ يَخْرُجُ مَعَهَا، وَالْقَلِيل مِنَ السَّبِيلَيْنِ نَاقِضٌ (١) . وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الدَّاخِل إِذَا خَرَجَ يُعْتَبَرُ خُرُوجًا مِنَ السَّبِيلَيْنِ، فَيُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ، سَوَاءٌ اخْتَلَطَ بِهِ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أُخْرِجَ كُلُّهُ أَوْ قِطْعَةٌ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ خَارِجٌ مِنَ السَّبِيل (٢) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَذَكَرُوا أَنَّ إِدْخَال الْحُقْنَةِ فِي الدُّبُرِ لاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَعَ احْتِمَال أَنْ يَصْحَبَهَا نَجَاسَةٌ عِنْدَ خُرُوجِهَا؛ وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّهُ خَارِجٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ فَلاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، مِثْل الدُّودِ وَالْحَصَى وَلَوْ صَاحَبَهُ بَلَلٌ (٣) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى التَّفْصِيل: فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الدَّاخِل حُقْنَةً أَوْ قُطْنًا أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ خَرَجَ وَعَلَيْهِ بَلَلٌ نَقَضَ الْوُضُوءَ؛ لأَِنَّ الْبَلَل لَوْ خَرَجَ مُنْفَرِدًا لَنَقَضَ؛ لأَِنَّهُ خَارِجٌ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا، وَإِنْ خَرَجَ الدَّاخِل وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَلَلٌ ظَاهِرٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: الأَْوَّل: يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لأَِنَّهُ خَارِجٌ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا. وَالثَّانِي: لاَ يَنْقُضُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْمَثَانَةِ

стр. 728

وَالْجَوْفِ مَنْفَذٌ فَلاَ يَكُونُ خَارِجًا مِنَ الْجَوْفِ (١) . احْتِقَانُ الصَّائِمِ: ١١ - احْتِقَانُ الصَّائِمِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي دُبُرٍ أَوْ فِي قُبُلٍ أَوْ فِي جِرَاحَةِ جَائِفَةٍ (أَيِ الَّتِي تَصِل إِلَى الْجَوْفِ) الاِحْتِقَانُ فِي الدُّبُرِ: فِي الْمَسْأَلَةِ رَأْيَانِ: ١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّ الاِحْتِقَانَ فِي الدُّبُرِ يُفْطِرُ الصَّائِمَ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، لِقَوْل عَائِشَةَ ﵂: دَخَل عَلَيَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا عَائِشَةُ هَل مِنْ كِسْرَةٍ؟ فَأَتَيْتُهُ بِقُرْصٍ، فَوَضَعَهُ فِي فِيهِ، فَقَال: يَا عَائِشَةُ هَل دَخَل بَطْنِي مِنْهُ شَيْءٌ؟ كَذَلِكَ قُبْلَةُ الصَّائِمِ، إِنَّمَا الإِْفْطَارُ مِمَّا دَخَل وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ. (٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ: الْفِطْرُ مِمَّا دَخَل وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ (٣) . وَلأَِنَّ هَذَا شَيْءٌ وَصَل إِلَى جَوْفِهِ بِاخْتِيَارِهِ، فَأَشْبَهَ الأَْكْل، وَلِوُجُودِ مَعْنَى الْفِطْرِ وَهُوَ

стр. 729

وُصُول مَا فِيهِ صَلاَحُ الْبَدَنِ (١) . غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الدَّاخِل مَائِعًا. وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ غَيْرُهُمْ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي غَيْرِ الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ رَأْيُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - وُصِفَ بِأَنَّهُ شَاذٌّ - وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، إِلَى أَنَّهُ إِذَا احْتَقَنَ الصَّائِمُ فِي الدُّبُرِ لاَ يُفْطِرُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ. وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ الصِّيَامَ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الأُْمُورُ مِمَّا حَرَّمَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَكَانَ وَاجِبًا عَلَى الرَّسُول ﷺ بَيَانُهُ، وَلَوْ ذَكَرَ ذَلِكَ لَعَلِمَهُ الصَّحَابَةُ، وَبَلَّغُوهُ الأُْمَّةَ، كَمَا بَلَّغُوا سَائِرَ شَرْعِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقُل أَحَدٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا صَحِيحًا وَلاَ ضَعِيفًا وَلاَ مُسْنَدًا وَلاَ مُرْسَلاً عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (٢) . الاِحْتِقَانُ فِي الْقُبُل: ١٣ - الاِحْتِقَانُ فِي الْقُبُل إِذَا لَمْ يَصِل إِلَى الْمَثَانَةِ فَلاَ شَيْءَ فِيهِ، وَلاَ يُؤَدِّي إِلَى فِطْرٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي أَصَحِّ الْوُجُوهِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ، وَفِي

стр. 730

وَجْهٍ لَهُمْ: إِنْ جَاوَزَ الْحَشَفَةَ أَفْطَرَ وَإِلاَّ فَلاَ. أَمَّا إِذَا وَصَل الْمَثَانَةَ فَإِنَّ حُكْمَ الاِحْتِقَانِ بِالنِّسْبَةِ لِقُبُل الْمَرْأَةِ يَأْخُذُ حُكْمَ الاِحْتِقَانِ فِي الدُّبُرِ (١) . وَأَمَّا الاِحْتِقَانُ؛ فِي قُبُل الرَّجُل (الإِْحْلِيل) فَإِنْ وَصَل إِلَى الْمَثَانَةِ فَفِيهِ رَأْيَانِ: ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَرَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يُفْطِرُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، وَمَنْ قَاسَهُ عَلَى غَيْرِهِ جَانَبَ الْحَقَّ؛ لأَِنَّ هَذَا لاَ يَنْفُذُ إِلَى الْجَوْفِ وَلاَ يُؤَدِّي إِلَى التَّغْذِيَةِ الْمَمْنُوعَةِ. وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَطَّرَ فِي إِحْلِيلِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ؛ لأَِنَّ هَذَا شَيْءٌ وَصَل إِلَى جَوْفِهِ بِاخْتِيَارِهِ فَأَشْبَهَ الأَْكْل (٢) . الاِحْتِقَانُ فِي الْجَائِفَةِ (٣) : ١٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٤) إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَدَاوَى بِمَا يَصِل إِلَى جَوْفِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ؛ لأَِنَّهُ يَصِل إِلَى الْجَوْفِ؛ وَلأَِنَّ غَيْرَ الْمُعْتَادِ كَالْمُعْتَادِ، وَلأَِنَّهُ أَبْلَغُ وَأَوْلَى، وَالنَّبِيُّ ﷺ

стр. 731

أَمَرَ بِالإِْثْمِدِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَقَال لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ (١) وَلأَِنَّهُ وَصَل إِلَى جَوْفِهِ بِاخْتِيَارِهِ، فَأَشْبَهَ الأَْكْل، وَلِقَوْلِهِ ﷺ الْفِطْرُ مِمَّا دَخَل. (٢) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِكُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَعَلَّل ابْنُ تَيْمِيَّةَ ذَلِكَ بِمَا سَبَقَ فِي الاِحْتِقَانِ مُطْلَقًا (٣) . الاِحْتِقَانُ بِالْمُحَرَّمِ: ١٥ - أَجَازَ الْعُلَمَاءُ اسْتِعْمَال الْحُقْنَةِ فِي الدَّوَاءِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ هُزَالٍ بِطَاهِرٍ، وَلَمْ يُجِزِ الْحَنَفِيَّةُ اسْتِعْمَال الْحُقْنَةِ لِلتَّقَوِّي عَلَى الْجِمَاعِ أَوِ السِّمَنِ (٤) . أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلاِحْتِقَانِ بِالْمُحَرَّمِ فَقَدْ مَنَعَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنِ الْمُحَرَّمِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الاِحْتِقَانُ لِضَرُورَةٍ، وَمُتَعَيِّنًا، فَقَدْ أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الاِحْتِقَانَ لِضَرُورَةٍ إِذَا كَانَتِ الضَّرُورَةُ يَخْشَى مَعَهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَأَخْبَرَهُ طَبِيبٌ مُسْلِمٌ حَاذِقٌ أَنَّ شِفَاءَهُ يَتَعَيَّنُ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ، عَلَى أَنْ يَسْتَعْمِل قَدْرَ حَاجَتِهِ. وَقَالُوا: إِنَّ حَدِيثَ رَسُول اللَّهِ

стр. 732

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَل شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ (١) نَفَى الْحُرْمَةَ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالشِّفَاءِ، فَصَارَ مَعْنَى الْحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ لَكُمْ بِالتَّدَاوِي، وَجَعَل لِكُل دَاءٍ دَوَاءً، فَإِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ الدَّوَاءِ شَيْءٌ مُحَرَّمٌ وَعَلِمْتُمْ أَنَّ فِيهِ الشِّفَاءَ فَقَدْ زَالَتْ حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِهِ (٢) ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَل شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ. وَأَيَّدَ هَذَا ابْنُ حَزْمٍ. أَمَّا إِذَا كَانَ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ لِتَعْجِيل الشِّفَاءِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ رَأْيَانِ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. فَبَعْضُهُمْ مَنَعَهُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ فِي ذَلِكَ مَا دَامَ هُنَاكَ مَا يَحِل مَحَلَّهُ. وَبَعْضُهُمْ أَجَازَهُ إِذَا أَشَارَ بِذَلِكَ طَبِيبٌ مُسْلِمٌ حَاذِقٌ (٣) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الطِّلاَءُ وَلاَ الاِحْتِقَانُ وَالتَّدَاوِي بِالْخَمْرِ وَالنَّجِسِ، وَلَوْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْهَلاَكِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَل شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا؛ وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذُكِرَ لَهُ النَّبِيذُ يُصْنَعُ لِلدَّوَاءِ فَقَال: إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ. (٤)

стр. 733

حَقْنُ الصَّغِيرِ بِاللَّبَنِ وَأَثَرُهُ فِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ: ١٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَرْجُوحِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ رَأْيٌ لِكُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، إِلَى أَنَّهُ إِذَا حُقِنَ الصَّغِيرُ فِي الشَّرَجِ بِاللَّبَنِ فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُرْمَةُ النِّكَاحِ. وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ الرَّسُول ﷺ حَرَّمَ بِالرَّضَاعَةِ الَّتِي تُقَابِل الْمَجَاعَةَ (١) ، وَلَمْ يُحَرِّمْ بِغَيْرِهَا شَيْئًا، فَلاَ يَقَعُ تَحْرِيمٌ مَا لَمْ تُقَابَل بِهِ الْمَجَاعَةُ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يُنْبِتُ اللَّحْمَ، وَلاَ يَنْشِزُ الْعَظْمَ، وَلاَ يَكْتَفِي بِهِ الصَّبِيُّ (٢) . وَفِي رَأْيٍ لِكُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ. وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ مَا فِي الْحُقْنَةِ يَصِل إِلَى الْجَوْفِ فَيَكُونُ غِذَاءً. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ حَقْنُ الصَّغِيرِ بِاللَّبَنِ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ لِلْغِذَاءِ وَقَبْل أَنْ يَسْتَغْنِيَ، فَالرَّاجِحُ تَرَتُّبُ التَّحْرِيمِ (٣) . نَظَرُ الْحَاقِنِ إِلَى الْعَوْرَةِ: ١٧ - مَنَعَ الْعُلَمَاءُ النَّظَرَ إِلَى الْعَوْرَةِ إِلاَّ فِي حَالاَتِ الضَّرُورَةِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْحْوَال. وَعَدُّوا مِنْ

стр. 734

هَذِهِ الضَّرُورَةِ الاِحْتِقَانَ (١) . فَإِذَا انْتَفَتِ الضَّرُورَةُ حَرُمَ النَّظَرُ إِلَى الْعَوْرَةِ. وَلِلتَّفْصِيل: (ر: تَطْبِيبٌ. ضَرُورَةٌ. عَوْرَةٌ) احْتِكَارٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الاِحْتِكَارُ لُغَةً: حَبْسُ الطَّعَامِ إِرَادَةَ الْغَلاَءِ، وَالاِسْمُ مِنْهُ: الْحُكْرَةُ (٢) . أَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَدْ عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: اشْتِرَاءُ طَعَامٍ وَنَحْوِهِ وَحَبْسُهُ إِلَى الْغَلاَءِ. وَعَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ رَصْدُ الأَْسْوَاقِ انْتِظَارًا لاِرْتِفَاعِ الأَْثْمَانِ، وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ اشْتِرَاءُ الْقُوتِ وَقْتَ الْغَلاَءِ، وَإِمْسَاكُهُ وَبَيْعُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ لِلتَّضْيِيقِ. وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ. بِأَنَّهُ اشْتِرَاءُ الْقُوتِ وَحَبْسُهُ انْتِظَارًا لِلْغَلاَءِ (٣) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: ٢ - الاِدِّخَارُ: ادِّخَارُ الشَّيْءِ تَخْبِئَتُهُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ. وَعَلَى هَذَا فَيَفْتَرِقُ الاِدِّخَارُ عَنِ الاِحْتِكَارِ فِي أَنَّ الاِحْتِكَارَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِيمَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ حَبْسُهُ، عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ، أَمَّا الاِدِّخَارُ فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ فِيمَا

стр. 735

يَضُرُّ وَمَا لاَ يَضُرُّ، وَفِي الأَْمْوَال النَّقْدِيَّةِ وَغَيْرِهَا. كَمَا أَنَّ الاِدِّخَارَ قَدْ يَكُونُ مَطْلُوبًا فِي بَعْضِ صُوَرِهِ، كَادِّخَارِ الدَّوْلَةِ حَاجِيَّاتِ الشَّعْبِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ " ادِّخَارٌ ". صِفَةُ الاِحْتِكَارِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) : ٣ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الاِحْتِكَارَ بِالْقُيُودِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا كُلٌّ مِنْهُمْ مَحْظُورٌ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْضْرَارِ بِالنَّاسِ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ. وَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ هَذَا الْحَظْرِ. فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ صَرَّحُوا بِالْحُرْمَةِ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (١) فَقَدْ فَهِمَ مِنْهَا صَاحِبُ الاِخْتِيَارِ أَنَّهَا أَصْلٌ فِي إِفَادَةِ التَّحْرِيمِ (٢) وَقَدْ ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآْيَةِ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ رَوَى عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ الرَّسُول ﷺ قَال: احْتِكَارُ الطَّعَامِ فِي الْحَرَمِ إِلْحَادٌ فِيهِ. وَهُوَ قَوْل عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (٣) . وَاسْتَدَل الْكَاسَانِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ: الْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ (٤) وَحَدِيثِ: مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ، وَبَرِئَ

стр. 736

اللَّهُ مِنْهُ. ثُمَّ قَال الْكَاسَانِيُّ: وَمِثْل هَذَا الْوَعِيدِ لاَ يَلْحَقُ إِلاَّ بِارْتِكَابِ الْحَرَامِ، وَلأَِنَّهُ ظُلْمٌ؛ لأَِنَّ مَا يُبَاعُ فِي الْمِصْرِ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَامَّةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي عَنْ بَيْعِهِ عِنْدَ شِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ فَقَدْ مَنَعَهُمْ حَقَّهُمْ، وَمَنْعُ الْحَقِّ عَنِ الْمُسْتَحِقِّ ظُلْمٌ وَحَرَامٌ، يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ قَلِيل الْمُدَّةِ وَكَثِيرُهَا، لِتَحَقُّقِ الظُّلْمِ (١) . ٤ - كَمَا اعْتَبَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ مِنَ الْكَبَائِرِ. وَيَقُول: إِنَّ كَوْنَهُ كَبِيرَةً هُوَ ظَاهِرُ الأَْحَادِيثِ، مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، كَاللَّعْنَةِ وَبَرَاءَةِ ذِمَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْهُ وَالضَّرْبِ بِالْجُذَامِ وَالإِْفْلاَسِ. وَبَعْضُ هَذِهِ دَلِيلٌ عَلَى الْكَبِيرَةِ (٢) وَمِمَّا اسْتَدَل بِهِ الْحَنَابِلَةُ عَلَى التَّحْرِيمِ مَا رَوَى الأَْثْرَمُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُحْتَكَرَ الطَّعَامُ (٣) ، وَمَا رُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ (٤) ،

стр. 737

وَمَا رُوِيَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَرَأَى طَعَامًا كَثِيرًا قَدْ أُلْقِيَ عَلَى بَابِ مَكَّةَ، فَقَال: مَا هَذَا الطَّعَامُ؟ فَقَالُوا: جُلِبَ إِلَيْنَا. فَقَال: بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ وَفِيمَنْ جَلَبَهُ. فَقِيل لَهُ: فَإِنَّهُ قَدِ احْتُكِرَ. قَال: مَنِ احْتَكَرَهُ؟ قَالُوا: فُلاَنٌ مَوْلَى عُثْمَانَ، وَفُلاَنٌ مَوْلاَكَ، فَاسْتَدْعَاهُمَا، وَقَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَضْرِبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ أَوِ الإِْفْلاَسِ. (١) ٥ - لَكِنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ عَبَّرُوا عَنْهُ بِالْكَرَاهَةِ إِذَا كَانَ يَضُرُّ بِالنَّاسِ (٢) . وَتَصْرِيحُ الْحَنَفِيَّةِ بِالْكَرَاهَةِ عَلَى سَبِيل الإِْطْلاَقِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ. وَفَاعِل الْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا عِنْدَهُمْ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ، كَفَاعِل الْحَرَامِ، كَمَا أَنَّ كُتُبَ الشَّافِعِيَّةِ الَّتِي رَوَتْ عَنْ بَعْضِ الأَْصْحَابِ الْقَوْل بِالْكَرَاهَةِ قَدْ قَالُوا عَنْهُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ (٣) . الْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ الاِحْتِكَارِ: ٦ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَحْرِيمِ الاِحْتِكَارِ رَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ عَامَّةِ النَّاسِ. وَلِذَا فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوِ احْتَكَرَ إِنْسَانٌ شَيْئًا، وَاضْطُرَّ النَّاسُ إِلَيْهِ،

стр. 738

وَلَمْ يَجِدُوا غَيْرَهُ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ - عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ - دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ النَّاسِ، وَتَعَاوُنًا عَلَى حُصُول الْعَيْشِ (١) . وَهَذَا مَا يُسْتَفَادُ مِمَّا نُقِل عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّ رَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ النَّاسِ هُوَ الْقَصْدُ مِنَ التَّحْرِيمِ، إِذْ قَال: إِنْ كَانَ ذَلِكَ لاَ يَضُرُّ بِالسُّوقِ فَلاَ بَأْسَ (٢) وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ كَلاَمُ الْجَمِيعِ (٣) . مَا يَجْرِي فِيهِ الاِحْتِكَارُ: ٧ - هُنَاكَ ثَلاَثُ اتِّجَاهَاتٍ: الأَْوَّل: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ احْتِكَارَ إِلاَّ فِي الْقُوتِ خَاصَّةً. الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: أَنَّ الاِحْتِكَارَ يَجْرِي فِي كُل مَا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ، وَيَتَضَرَّرُونَ مِنْ حَبْسِهِ، مِنْ قُوتٍ وَإِدَامٍ وَلِبَاسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. الاِتِّجَاهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لاَ احْتِكَارَ إِلاَّ فِي الْقُوتِ وَالثِّيَابِ خَاصَّةً. وَهَذَا قَوْلٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ (٤) .

стр. 739

وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ - أَصْحَابُ الاِتِّجَاهِ الأَْوَّل - بِأَنَّ الأَْحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي هَذَا الْبَابِ بَعْضُهَا عَامٌّ، كَالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ (١) ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى رَوَاهَا مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ لاَ يَحْتَكِرُ إِلاَّ خَاطِئٌ، وَحَدِيثُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنِ احْتَكَرَ حُكْرَةً يُرِيدُ أَنْ يُغَلِّيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ خَاطِئٌ. وَزَادَ الْحَاكِمُ: وَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ. فَهَذِهِ نُصُوصٌ عَامَّةٌ فِي كُل مُحْتَكَرٍ. وَقَدْ وَرَدَتْ نُصُوصٌ أُخْرَى خَاصَّةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدِهِ: مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ وَالإِْفْلاَسِ. وَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى بِلَفْظِ: مَنِ احْتَكَرَ الطَّعَامَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ

стр. 740

وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ. (١) وَزَادَ الْحَاكِمُ. وَأَيُّمَا أَهْل عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ. وَإِذَا اجْتَمَعَتْ نُصُوصٌ عَامَّةٌ وَأُخْرَى خَاصَّةٌ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ حُمِل الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ وَالْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ بِالأَْحَادِيثِ الْعَامَّةِ، وَقَالُوا: إِنَّ مَا وَرَدَ مِنَ النُّصُوصِ الْخَاصَّةِ فَهِيَ مِنْ قَبِيل اللَّقَبِ، وَاللَّقَبُ لاَ مَفْهُومَ لَهُ. وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ الثَّانِي فَإِنَّهُ حَمَل الثِّيَابَ عَلَى الْقُوتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنَ الْحَاجَاتِ الضَّرُورِيَّةِ (٢) . مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِحْتِكَارُ: ٨ - يَتَحَقَّقُ الاِحْتِكَارُ فِي صُوَرٍ بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَهِيَ مَا إِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ كَوْنُ الشَّيْءِ الْمُحْتَكَرِ طَعَامًا وَأَنْ يَحُوزَهُ بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ وَأَنْ يَقْصِدَ الإِْغْلاَءَ عَلَى النَّاسِ وَأَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الإِْضْرَارُ وَالتَّضْيِيقُ عَلَيْهِمْ، وَهُنَاكَ صُوَرٌ مُخْتَلَفٌ فِي تَحْرِيمِهَا بِحَسَبِ الشُّرُوطِ. شُرُوطُ الاِحْتِكَارِ: ٩ - يُشْتَرَطُ فِي الاِحْتِكَارِ مَا يَأْتِي: ١ - أَنْ يَكُونَ تَمَلُّكُهُ لِلسِّلْعَةِ بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ. وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ،
следующие страницы →