← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

١٧ - أَمَّا الْحُلِيُّ: فَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ الذَّهَبِ بِكُل صُوَرِهِ عَلَيْهَا، فَيَلْزَمُهَا أَنْ تَنْزِعَهُ حِينَمَا تَعْلَمَ بِمَوْتِ زَوْجِهَا، لاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الأَْسَاوِرِ وَالدَّمَالِجِ وَالْخَوَاتِمِ، وَمِثْلُهُ الْحُلِيُّ مِنَ الْجَوَاهِرِ. وَيُلْحَقُ بِهِ مَا يُتَّخَذُ لِلْحِلْيَةِ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَالْعَاجِ وَغَيْرِهِ. وَجَوَّزَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لُبْسَ الْحُلِيِّ مِنَ الْفِضَّةِ، وَلَكِنَّهُ قَوْلٌ مَرْدُودٌ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الْحُلِيِّ عَلَى الْمُحِدَّةِ. وَقَصَرَ الْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الإِْبَاحَةَ عَلَى لُبْسِ الْخَاتَمِ مِنَ الْفِضَّةِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا تَخْتَصُّ بِحِلِّهِ النِّسَاءُ. وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحِدَّةِ التَّعَرُّضُ لِلْخُطَّابِ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ مِنَ الْوَسَائِل تَلْمِيحًا أَوْ تَصْرِيحًا، لِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ: وَلاَ تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلاَ الْحُلِيَّ. (١) مَا يُبَاحُ لِلْمُحِدَّةِ: ١٨ - لِلْمُعْتَدَّةِ الْخُرُوجُ فِي حَوَائِجِهَا نَهَارًا سَوَاءٌ كَانَتْ مُطَلَّقَةً أَوْ مُتَوَفًّى عَنْهَا، لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَال: طَلُقَتْ خَالَتِي ثَلاَثًا، فَخَرَجَتْ تَجُذَّ نَخْلَهَا، فَلَقِيَهَا رَجُلٌ فَنَهَاهَا. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ

стр. 772

فَقَال: اخْرُجِي فَجُذِّي نَخْلَكِ، لَعَلَّكِ أَنْ تَتَصَدَّقِي مِنْهُ أَوْ تَفْعَلِي خَيْرًا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (١) . وَرَوَى مُجَاهِدٌ قَال: اسْتُشْهِدَ رِجَالٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَاءَ نِسَاؤُهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَقُلْنَ: يَا رَسُول اللَّهِ نَسْتَوْحِشُ بِاللَّيْل، أَفَنَبِيتُ عِنْدَ إِحْدَانَا، فَإِذَا أَصْبَحْنَا بَادَرْنَا إِلَى بُيُوتِنَا؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إِحْدَاكُنَّ، حَتَّى إِذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ فَلْتَؤُبْ كُل وَاحِدَةٍ إِلَى بَيْتِهَا. (٢) وَلَيْسَ لَهَا الْمَبِيتُ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا، وَلاَ الْخُرُوجُ لَيْلاً إِلاَّ لِضَرُورَةٍ؛ لأَِنَّ اللَّيْل مَظِنَّةُ الْفَسَادِ، بِخِلاَفِ النَّهَارِ فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ قَضَاءِ الْحَوَائِجِ وَالْمَعَاشِ وَشِرَاءِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا حَقٌّ لاَ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إِلاَّ بِهَا، كَالْيَمِينِ وَالْحَدِّ، وَكَانَتْ ذَاتَ خِدْرٍ، بَعَثَ إِلَيْهَا الْحَاكِمُ مَنْ يَسْتَوْفِي الْحَقَّ مِنْهَا فِي مَنْزِلِهَا. وَإِنْ كَانَتْ بَرْزَةً جَازَ إِحْضَارُهَا لاِسْتِيفَائِهِ. فَإِذَا فَرَغَتْ رَجَعَتْ إِلَى مَنْزِلِهَا (٣) . عَلَى أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ بَأْسَ لِلْمُحِدَّةِ أَنْ تَحْضُرَ الْعُرْسَ، وَلَكِنْ لاَ تَتَهَيَّأُ فِيهِ بِمَا لاَ تَلْبَسُهُ الْمُحِدَّةُ (٤) . اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ عَلَى أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُحِدَّةِ فِي عِدَّةِ وَفَاتِهَا الأَْشْيَاءُ التَّالِيَةُ (٥) :

стр. 773

يُبَاحُ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ ثَوْبًا غَيْرَ مَصْبُوغٍ صَبْغًا فِيهِ طِيبٌ وَإِنْ كَانَ نَفِيسًا. وَيُبَاحُ لَهَا مِنَ الثِّيَابِ كُل مَا جَرَى الْعُرْفُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِزِينَةٍ مَهْمَا كَانَ لَوْنُهُ. وَلَمَّا كَانَ الإِْحْدَادُ خَاصًّا بِالزِّينَةِ فِي الْبَدَنِ أَوِ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ، فَلاَ تُمْنَعُ مِنْ تَجْمِيل فِرَاشِ بَيْتِهَا، وَأَثَاثِهِ، وَسُتُورِهِ وَالْجُلُوسِ عَلَى أَثَاثٍ وَثِيرٍ. وَلاَ بَأْسَ بِإِزَالَةِ الْوَسَخِ وَالتَّفَثِ مِنْ ثَوْبِهَا وَبَدَنِهَا، كَنَتْفِ الإِْبِطِ، وَتَقْلِيمِ الأَْظَافِرِ إِلَخْ، وَالاِغْتِسَال بِالصَّابُونِ غَيْرِ الْمُطَيِّبِ، وَغَسْل رَأْسِهَا وَيَدَيْهَا، وَلاَ يَخْفَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الْمُحِدَّةِ أَنْ تُقَابِل مِنَ الرِّجَال الْبَالِغِينَ مَنْ لَهَا حَاجَةٌ إِلَى مُقَابَلَتِهِ مَا دَامَتْ غَيْرَ مُبْدِيَةٍ زِينَتَهَا وَلاَ مُخْتَلِيَةٍ بِهِ. سَكَنُ الْمُحِدَّةِ: ١٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَلاَ سِيَّمَا أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَفَاةٍ أَنْ تَلْزَمَ بَيْتَ الزَّوْجِيَّةِ الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ عِنْدَمَا بَلَغَهَا نَعْيُ زَوْجِهَا، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْبَيْتُ مِلْكًا لِزَوْجِهَا، أَوْ مُعَارًا لَهُ، أَوْ مُسْتَأْجَرًا. وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَضَرِيَّةِ وَالْبَدَوِيَّةِ، وَالْحَائِل وَالْحَامِل. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (١) وَحَدِيثُ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ وَأَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ

стр. 774

أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ فَقَتَلُوهُ بِطَرَفِ الْقَدُومِ، فَسَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلاَ نَفَقَةَ. قَالَتْ: فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ. قَالَتْ: فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ دَعَانِي، أَوْ أَمَرَ بِي فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ قُلْتِ؟ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَال: امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، فَاعْتَدَّتْ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ أَرْسَل إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ (١) . وَذَهَبَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءٌ مِنَ التَّابِعِينَ إِلَى أَنَّهَا تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ ﵃. وَحَاصِل مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ: أَنَّ الآْيَةَ الَّتِي جَعَلَتْ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢) نَسَخَتِ الآْيَةَ الَّتِي جَعَلَتْ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا حَوْلاً، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْل غَيْرَ

стр. 775

إِخْرَاجٍ﴾ . (١) وَالنَّسْخُ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى مَا زَادَ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، فَبَقِيَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ، ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَأَسْقَطَ تَعَلُّقَ حَقِّ إِسْكَانِهَا بِالتَّرِكَةِ. مُسَوِّغَاتُ تَرْكِ مَسْكَنِ الإِْحْدَادِ: ٢٠ - إِنْ طَرَأَ عَلَى الْمُحِدَّةِ مَا يَقْتَضِي تَحَوُّلَهَا عَنِ الْمَسْكَنِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهَا الإِْحْدَادُ فِيهِ، جَازَ لَهَا الاِنْتِقَال إِلَى مَسْكَنٍ آخَرَ تَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا، كَأَنْ خَافَتْ هَدْمًا أَوْ عَدُوًّا، أَوْ أُخْرِجَتْ مِنَ السَّكَنِ مِنْ مُسْتَحِقٍّ أَخْذَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ عَارِيَّةً أَوْ إِجَارَةً انْقَضَتْ مُدَّتُهَا، أَوْ مُنِعَتِ السُّكْنَى تَعَدِّيًا، أَوْ طُلِبَ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل. وَإِذَا انْتَقَلَتْ تَنْتَقِل حَيْثُ شَاءَتْ إِلاَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَنْتَقِل إِلَى أَقْرَبِ مَا يُمْكِنُهَا الاِنْتِقَال إِلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى مَا إِذَا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا فِي مَكَانِ وُجُوبِهَا، فَإِنَّهَا تُنْقَل إِلَى أَقْرَبِ مَوْضِعٍ يَجِدُهُمْ فِيهِ. وَلِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَاجِبَ سَقَطَ لِعُذْرٍ وَلَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ لَهُ بِبَدَلٍ فَلاَ يَجِبُ، وَلِعَدَمِ النَّصِّ عَلَى اخْتِيَارِ الأَْقْرَبِ. أَمَّا الْبَدَوِيَّةُ إِذَا انْتَقَل جَمِيعُ أَهْل الْمَحَلَّةِ الَّذِينَ هِيَ مَعَهُمْ أَوْ بَقِيَ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَأْمَنُ مَعَهُ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا فَإِنَّهَا تَنْتَقِل عَنِ السَّكَنِ الَّذِي بَدَأَتْ فِيهِ الإِْحْدَادَ كَذَلِكَ. وَإِذَا مَاتَ رُبَّانُ السَّفِينَةِ، أَوْ أَحَدُ الْعَامِلِينَ فِيهَا، وَكَانَتْ مَعَهُ زَوْجَتُهُ، وَلَهَا مَسْكَنٌ خَاصٌّ بِهَا فِي

стр. 776

السَّفِينَةِ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ فِيهِ، وَتَجْرِي عَلَيْهَا الأَْحْكَامُ السَّابِقَةُ. أُجْرَةُ سَكَنِ الْمُحِدَّةِ، وَنَفَقَتُهَا: ٢١ - اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ يَلْزَمُهُ أَجْرُ سَكَنِ الْمُحِدَّةِ هَل هُوَ عَلَيْهَا أَمْ مِنْ مَال الْمُتَوَفَّى عَنْهَا. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أُجْرَةَ سَكَنِ الْمُحِدَّةِ مِنْ وَفَاةٍ، مِنْ مَالِهَا؛ لأَِنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَوْرِيثِهَا، وَلَمْ يُثْبِتْ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. أَمَّا الْمُحِدَّةُ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ - عِنْدَهُمْ - فَأُجْرَةُ سُكْنَاهَا عَلَى الزَّوْجِ؛ لأَِنَّ نَفَقَتَهَا عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ دَفَعَتْ مِنْ مَالِهَا رَجَعَتْ عَلَيْهِ (١) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَدْخُول بِهَا وَغَيْرِهَا، فَغَيْرُ الْمَدْخُول بِهَا سُكْنَاهَا مَعَ أَهْلِهَا أَوْ مِنْ مَالِهَا، لِلدَّلِيل السَّابِقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَأَمَّا الْمَدْخُول بِهَا فَإِنْ كَانَتْ تَسْكُنُ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَسْكَنٍ اسْتَأْجَرَهُ لَهَا وَعَجَّل أُجْرَتَهُ فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ إِخْرَاجُهَا حَتَّى لَوْ بِيعَتِ الدَّارُ، فَيُسْتَثْنَى مِنْهَا مُدَّةُ إِحْدَادِهَا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَأُجْرَةُ سُكْنَاهَا مِنْ مَالِهَا، وَلَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ عَلَى مَال التَّرِكَةِ بِشَيْءٍ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحَامِل وَالْحَائِل (٢) ". وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُحِدَّةَ تَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ السَّكَنِ مِنَ التَّرِكَةِ، بَل تَتَعَلَّقُ بِأَعْيَانِ التَّرِكَةِ. وَتُقَدَّمُ عَلَى مُؤْنَةِ التَّجْهِيزِ وَالدُّيُونِ الْمُرْسَلَةِ فِي الذِّمَّةِ فِي الأَْظْهَرِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ حَائِلاً أَمْ حَامِلاً، مَدْخُولاً بِهَا أَوْ غَيْرَ

стр. 777

مَدْخُولٍ (١) . وَفِي غَيْرِ الأَْظْهَرِ أَنَّ أُجْرَةَ السُّكْنَى عَلَيْهَا؛ لأَِنَّهَا وَارِثَةٌ، فَتَلْزَمُهَا، كَالنَّفَقَةِ. وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّ الَّذِي يُقَدَّمُ عَلَى مُؤْنَةِ التَّجْهِيزِ أُجْرَةُ سُكْنَى يَوْمِ الْوَفَاةِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ تَسْكُنُ فِيمَا يَمْلِكُهُ أَوْ يَمْلِكُ مَنْفَعَتَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَجَّل الأُْجْرَةَ قَبْل الْوَفَاةِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَامِل وَالْحَائِل، فَالْحَائِل أُجْرَةُ سُكْنَاهَا فِي الإِْحْدَادِ مِنْ مَالِهَا بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَهُمْ، لِلدَّلِيل الْمَذْكُورِ سَابِقًا. وَأَمَّا الْحَامِل فَعِنْدَهُمْ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: لَهَا أُجْرَةُ السُّكْنَى مِنْ مَال الْمُتَوَفَّى عَنْهَا؛ لأَِنَّهَا حَامِلٌ مِنْ زَوْجِهَا، فَكَانَتْ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ، كَالْمُفَارَقَةِ فِي الْحَيَاةِ. وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ. وَصَحَّحَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ. هَذَا عَنْ أُجْرَةِ سُكْنَى الْمُحِدَّةِ، أَمَّا نَفَقَتُهَا فَمَوْطِنُ بَحْثِهِ مُصْطَلَحُ (عِدَّةٌ) ؛ لأَِنَّ حُكْمَ النَّفَقَةِ تَابِعٌ لِلاِعْتِدَادِ لاَ لِلإِْحْدَادِ. حَجُّ الْمُحِدَّةِ: ٢٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَخْرُجُ الْمُعْتَدَّةُ إِلَى الْحَجِّ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ؛ لأَِنَّ الْحَجَّ لاَ يَفُوتُ، وَالْعِدَّةُ تَفُوتُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَبِهِ قَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَال: تُوُفِّيَ أَزْوَاجٌ نِسَاؤُهُنَّ حَاجَّاتٌ أَوْ مُعْتَمِرَاتٌ، فَرَدَّهُنَّ عُمَرُ ﵁

стр. 778

مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ حَتَّى يَعْتَدِدْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ (١) . فَإِذَا خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى الْحَجِّ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ بِالْقُرْبِ، أَيْ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرِ الصَّلاَةِ، رَجَعَتْ لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ؛ لأَِنَّهَا فِي حُكْمِ الإِْقَامَةِ. وَمَتَى رَجَعَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عِدَّتِهَا شَيْءٌ، أَتَتْ بِهِ فِي مَنْزِلِهَا (٢) . وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَبَاعَدَتْ بِأَنْ قَطَعَتْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَأَكْثَرَ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا؛ لأَِنَّ عَلَيْهَا فِي الرُّجُوعِ مَشَقَّةً، فَلاَ يَلْزَمُهَا. فَإِنْ خَافَتْ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِمَخَاطِرَ فِي الرُّجُوعِ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا وَلَوْ كَانَتْ قَرِيبَةً؛ لأَِنَّ عَلَيْهَا ضَرَرًا فِي رُجُوعِهَا (٣) . وَإِنْ أَحْرَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ لَزِمَتْهَا الإِْقَامَةُ؛ لأَِنَّ الْعِدَّةَ أَسْبَقُ (٤) . وَفِي رَأْيٍ لِلْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا خَرَجَتْ إِلَى الْحَجِّ، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَالرُّجُوعُ أَوْلَى لِتَعْتَدَّ فِي مَنْزِلِهَا، فَلاَ يَنْبَغِي لِمُعْتَدَّةٍ أَنْ تَحُجَّ، وَلاَ تُسَافِرَ مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ غَيْرِ مَحْرَمٍ، فَقَدْ تُوُفِّيَ أَزْوَاجٌ نِسَاؤُهُنَّ حَاجَّاتٌ أَوْ مُعْتَمِرَاتٌ، فَرَدَّهُنَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁

стр. 779

مِنْ قَصْرِ النَّجَفِ. فَدَل عَلَى أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ تُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ (١) . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَقُولُونَ: إِذَا أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، ثُمَّ طَرَأَتْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ بِأَنْ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، بَقِيَتْ عَلَى مَا هِيَ فِيهِ، وَلاَ تَرْجِعُ لِمَسْكَنِهَا لِتَعْتَدَّ بِهِ؛ لأَِنَّ الْحَجَّ سَابِقٌ عَلَى الْعِدَّةِ. وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بَعْدَ مُوجِبِ الْعِدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ أَوْ وَفَاةٍ، فَإِنَّهَا تَمْضِي عَلَى إِحْرَامِهَا الطَّارِئِ، وَأَثِمَتْ بِإِدْخَال الإِْحْرَامِ عَلَى نَفْسِهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ بِخُرُوجِهَا مِنْ مَسْكَنِهَا (٢) . وَلَمْ يَعْتَبِرِ الشَّافِعِيَّةُ الْمَسَافَةَ الَّتِي تَقْطَعُهَا الْمُحِدَّةُ الْمُحْرِمَةُ بِالأَْيَّامِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلاَةُ. وَلَكِنْ قَالُوا: إِنْ فَارَقَتِ الْبُنْيَانَ، فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ الرُّجُوعِ وَالتَّمَامِ؛ لأَِنَّهَا صَارَتْ فِي مَوْضِعٍ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِيهِ وَهُوَ السَّفَرُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَعُدَتْ (٣) . ٢٣ - وَمِثْل الْحَجِّ كُل سَفَرٍ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُنْشِئَ ذَلِكَ السَّفَرَ وَهِيَ مُحِدَّةٌ. وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَهَا مَحْرَمٌ فَلاَ بَأْسَ بِأَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمِصْرِ قَبْل أَنْ تَعْتَدَّ (٤) . وَحَاصِل مَا تُفِيدُهُ عِبَارَاتُ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الْمُخْتَلِفَةِ أَنَّهُ إِذَا أَذِنَ الزَّوْجُ بِالسَّفَرِ لِزَوْجَتِهِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَبَلَغَهَا الْخَبَرُ، فَإِنْ كَانَ الطَّلاَقُ رَجْعِيًّا فَلاَ يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ؛ لِقِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ، حَتَّى لَوْ كَانَ مَعَهَا فِي السَّفَرِ تَمْضِي مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَالطَّلاَقُ بَائِنٌ وَكَانَتْ

стр. 780

أَقْرَبَ إِلَى بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَعُودَ لِتَعْتَدَّ وَتُحِدَّ فِي بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ. وَإِنْ كَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى مَقْصِدِهَا فَهِيَ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ الْمُضِيِّ إِلَى مَقْصِدِهَا وَبَيْنَ الْعَوْدَةِ، وَالْعَوْدَةُ أَوْلَى. إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُوجِبُونَ الْعَوْدَةَ، وَلَوْ بَلَغَتْ مَقْصِدَهَا، مَا لَمْ تُقِمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، إِلاَّ إِذَا كَانَتْ فِي حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ وَأَحْرَمَتْ فَإِنَّهَا تَمْضِي عِنْدَهُمْ فِي حَجَّتِهَا (١) . اعْتِكَافُ الْمُحِدَّةِ: ٢٤ - الْمُعْتَكِفَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، لَزِمَهَا الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْعِدَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ خُرُوجَهَا لِقَضَاءِ الْعِدَّةِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ، كَمَا إِذَا خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِلْجُمُعَةِ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ، كَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ، أَوْ إِطْفَاءِ حَرِيقٍ، أَوْ أَدَاءِ شَهَادَةٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، أَوْ لِفِتْنَةٍ يَخْشَاهَا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ. وَإِذَا خَرَجَتِ الْمُعْتَكِفَةُ لِهَذِهِ الضَّرُورَاتِ، فَهَل يَبْطُل اعْتِكَافُهَا؟ وَهَل تَلْزَمُهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ، أَوْ لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهَا؟ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ لاَ يَبْطُل اعْتِكَافُهَا، فَتَقْضِي عِدَّتَهَا، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَتَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنَ اعْتِكَافِهَا. وَالْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: يَبْطُل اعْتِكَافُهَا، وَقَدْ

стр. 781

خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهَا إِذَا لَزِمَهَا الْخُرُوجُ لِلْعِدَّةِ، فَمَكَثَتْ فِي الاِعْتِكَافِ، عَصَتْ وَأَجْزَأَهَا الاِعْتِكَافُ. قَالَهُ الدَّارِمِيُّ (١) . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَقُولُونَ: " تَمْضِي الْمُعْتَكِفَةُ عَلَى اعْتِكَافِهَا إِنْ طَرَأَتْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مِنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلاَقٍ. وَبِهَذَا قَال رَبِيعَةُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. أَمَّا إِذَا طَرَأَ اعْتِكَافٌ عَلَى عِدَّةٍ فَلاَ تَخْرُجُ لَهُ، بَل تَبْقَى فِي بَيْتِهَا حَتَّى تُتِمَّ عِدَّتَهَا، فَلاَ تَخْرُجُ لِلطَّارِئِ، بَل تَسْتَمِرُّ عَلَى السَّابِقِ (٢) " (ر: اعْتِكَافٌ) . عُقُوبَةُ غَيْرِ الْمُلْتَزِمَةِ بِالإِْحْدَادِ: ٢٥ - يُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ فِي الإِْحْدَادِ أَنَّ الْمُحِدَّةَ الْمُكَلَّفَةَ لَوْ تَرَكَتِ الإِْحْدَادَ الْوَاجِبَ كُل الْمُدَّةِ أَوْ بَعْضَهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ جَهْلٍ فَلاَ حَرَجَ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا، فَقَدْ أَثِمَتْ مَتَى عَلِمَتْ حُرْمَةَ ذَلِكَ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَلَكِنَّهَا لاَ تُعِيدُ الإِْحْدَادَ؛ لأَِنَّ وَقْتَهُ قَدْ مَضَى، وَلاَ يَجُوزُ عَمَل شَيْءٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، وَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ مَعَ الْعِصْيَانِ، كَمَا لَوْ فَارَقَتِ الْمُعْتَدَّةُ الْمَسْكَنَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهَا مُلاَزَمَتُهُ بِلاَ عُذْرٍ، فَإِنَّهَا تَعْصِي وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا. (ف ٢٤) وَعَلَى وَلِيِّ غَيْرِ الْمُكَلَّفَةِ إِلْزَامُهَا بِالإِْحْدَادِ فِي مُدَّتِهِ وَإِلاَّ كَانَ آثِمًا.

стр. 782

وَلَمْ تَرِدْ فِي الشَّرْعِ عُقُوبَةٌ مُحَدَّدَةٌ لِمَنْ تَرَكَتِ الإِْحْدَادَ، وَلَكِنَّهَا تُوصَفُ بِأَنَّهَا عَصَتْ (١) . هَذَا وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الإِْمَامَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُعَزِّرَ الْمَرْأَةَ الْمُكَلَّفَةَ عَلَى تَرْكِ الإِْحْدَادِ إِذَا تَعَمَّدَتْ ذَلِكَ بِمَا يَرَاهُ مِنْ وَسَائِل التَّعْزِيرِ. ٢٦ - وَإِذَا أَمَرَ الْمُطَلِّقُ أَوِ الْمَيِّتُ قَبْل الْمَوْتِ، الزَّوْجَةَ بِتَرْكِ الإِْحْدَادِ، فَلاَ تَتْرُكُهُ؛ لأَِنَّهُ حَقُّ الشَّرْعِ، فَلاَ يَمْلِكُ الْعَبْدُ إِسْقَاطَهُ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ دَوَاعِي الرَّغْبَةِ، وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ عَنِ النِّكَاحِ فَتَجْتَنِبُهَا لِئَلاَّ تَصِيرَ ذَرِيعَةً إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ. إِحْرَازٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْحْرَازُ لُغَةً: حِفْظُ الشَّيْءِ وَصِيَانَتُهُ عَنِ الأَْخْذِ (٢) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الْمَذْكُورِ (٣) فَقَدْ عَرَّفَهُ النَّسَفِيُّ بِأَنَّهُ: جَعْل الشَّيْءِ فِي الْحِرْزِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْحَصِينُ.

стр. 783

هَذَا وَالإِْحْرَازُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَصَانَةِ مَوْضِعِهِ، وَهُوَ كُل بُقْعَةٍ مُعَدَّةٍ لِلإِْحْرَازِ، مَمْنُوعٍ مِنَ الدُّخُول فِيهَا إِلاَّ بِإِذْنٍ، كَالدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْخِيَمِ وَالْخَزَائِنِ وَالصَّنَادِيقِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَافِظٍ يَحْرُسُهُ. وَالْمُحَكَّمُ فِي الْحِرْزِ الْعُرْفُ، إِذْ لَمْ يُحَدَّ فِي الشَّرْعِ وَلاَ فِي اللُّغَةِ. وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْمْوَال وَالأَْحْوَال وَالأَْوْقَاتِ. وَضَبَطَهُ الْغَزَالِيُّ بِمَا لاَ يُعَدُّ صَاحِبُهُ مُضَيِّعًا لَهُ. (١) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: ٢ - الْحِيَازَةُ: هِيَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ وَ الاِسْتِيلاَءُ عَلَيْهِ (٢) . وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ الْمَحُوزُ فِي حِرْزٍ أَوْ لاَ يَكُونُ، لِهَذَا فَالْحِيَازَةُ أَعَمُّ مِنَ الإِْحْرَازِ. ٣ - الاِسْتِيلاَءُ: هُوَ الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ وَلَوْ حُكْمًا (٣) فِي أَخْذِ الشَّيْءِ مِنْ حِرْزِهِ وَوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ. فَهُوَ مُخْتَلِفٌ أَيْضًا عَنْ مُطْلَقِ الإِْحْرَازِ، وَأَخَصُّ مِنْهُ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٤ - الإِْحْرَازُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ لِلْمَال الْمَمْلُوكِ (٤) .

стр. 784

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٥ - يُبْحَثُ الإِْحْرَازُ فِي السَّرِقَةِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ شُرُوطِهَا، وَفِي الْعُقُودِ الَّتِي بِهَا ضَمَانٌ كَالْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا (١) . إِحْرَاقٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْحْرَاقُ لُغَةً مَصْدَرُ أَحْرَقَ. أَمَّا اسْتِعْمَالُهُ الْفِقْهِيُّ فَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الإِْحْرَاقَ هُوَ إِذْهَابُ النَّارِ الشَّيْءَ بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ تَأْثِيرُهَا فِيهِ مَعَ بَقَائِهِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ النَّوْعِ الأَْخِيرِ: الْكَيُّ وَالشَّيُّ (٢) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: ٢ - لِلإِْحْرَاقِ صِلَةٌ بِأَلْفَاظٍ اصْطِلاَحِيَّةٍ كَثِيرَةٍ أَهَمُّهَا: أ - الإِْتْلاَفُ: وَهُوَ الإِْفْنَاءُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الإِْحْرَاقِ. ب - التَّسْخِينُ: وَهُوَ تَعْرِيضُ الشَّيْءِ لِلْحَرَارَةِ، فَهُوَ غَيْرُ الإِْحْرَاقِ. ج - الْغَلْيُ: وَهُوَ آخِرُ دَرَجَاتِ التَّسْخِينِ، وَيَخْتَلِفُ

стр. 785

بِاخْتِلاَفِ الْمَادَّةِ الْمُرَادُ غَلْيُهَا، فَهُوَ غَيْرُ الإِْحْرَاقِ. صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) : ٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الإِْحْرَاقِ بِاخْتِلاَفِ مَا يُرَادُ إِحْرَاقُهُ، فَتَعْتَرِيهِ الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الْخَمْسَةُ. أَثَرُ الإِْحْرَاقِ مِنْ حَيْثُ التَّطْهِيرُ: ٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الإِْحْرَاقَ إِذَا تَبَدَّلَتْ بِهِ الْعَيْنُ النَّجِسَةُ بِتَبَدُّل أَوْصَافِهَا أَوِ انْقِلاَبِ حَقِيقَتِهَا حَتَّى صَارَتْ شَيْئًا آخَرَ، وَذَلِكَ كَالْمَيْتَةِ إِذَا احْتَرَقَتْ فَصَارَتْ رَمَادًا أَوْ دُخَانًا، فَإِنَّ مَا يَتَخَلَّفُ مِنَ الإِْحْرَاقِ يَكُونُ طَاهِرًا، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى إِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ طَاهِرَةً فِي الأَْصْل وَتَنَجَّسَتْ، كَالثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ. وَدَلِيلُهُمْ قِيَاسُ ذَلِكَ عَلَى الْخَمْرِ إِذَا تَخَلَّلَتْ وَالإِْهَابِ إِذَا دُبِغَ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي غَيْرِ الْمُعْتَمَدِ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِيِّ، إِلَى أَنَّ الإِْحْرَاقَ لاَ يَجْعَل مَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُ شَيْئًا آخَرَ، فَيَبْقَى عَلَى نَجَاسَتِهِ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَيْنُ النَّجِسَةُ، أَوِ الْمُتَنَجِّسَةُ، لِقِيَامِ النَّجَاسَةِ؛ لأَِنَّ الْمُتَخَلِّفَ مِنَ الإِْحْرَاقِ جُزْءٌ مِنَ الْعَيْنِ النَّجِسَةِ. وَفَصَّل بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالُوا: إِنْ أَكَلَتِ النَّارُ النَّجَاسَةَ أَكْلاً قَوِيًّا فَرَمَادُهَا طَاهِرٌ، وَإِلاَّ فَنَجِسٌ (١) .

стр. 786

هَذَا وَإِنَّ مَنْ قَال مِنَ الْفُقَهَاءِ بِنَجَاسَةِ الْمُتَخَلِّفِ مِنْ إِحْرَاقِ النَّجِسِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ لِلضَّرُورَةِ؛ وَلأَِنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ. طَهَارَةُ الأَْرْضِ بِالشَّمْسِ وَالنَّارِ: ٥ - إِذَا أَصَابَتِ الأَْرْضَ نَجَاسَةٌ، فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ أَوِ النَّارِ، وَذَهَبَ أَثَرُهَا، وَهُوَ هُنَا اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ، جَازَتِ الصَّلاَةُ مَكَانَهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﵊: ذَكَاةُ الأَْرْضِ يُبْسُهَا. (١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا، وَكَانَتِ الْكِلاَبُ تَبُول وَتُقْبِل وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. (٢) كَمَا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لأَِنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ شَرْطٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَقَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٣) وَطَهَارَةُ الأَْرْضِ بِالْجَفَافِ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، فَلاَ يَتَحَقَّقُ بِهَا الطَّهَارَةُ الْقَطْعِيَّةُ الْمَطْلُوبَةُ لِلتَّيَمُّمِ بِنَصِّ الآْيَةِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الأَْرْضَ لاَ تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ، وَلاَ يَجُوزُ

стр. 787

الصَّلاَةُ عَلَى مَكَانِهَا وَلاَ التَّيَمُّمُ بِهَا؛ لأَِنَّ النَّجَاسَةَ حَصَلَتْ فِي الْمَكَانِ، وَالْمُزِيل لَمْ يُوجَدْ (١) . تَمْوِيهُ الْمَعَادِنِ بِالنَّجِسِ: ٦ - الإِْجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سُقِيَ الْحَدِيدُ بِنَجِسٍ، فَغُسِل ثَلاَثًا، يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ، فَإِذَا اسْتُعْمِل بَعْدَئِذٍ فِي شَيْءٍ لاَ يَنْجُسُ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَدَا مُحَمَّدٍ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَطْهُرُ مُطْلَقًا لَوْ سُقِيَ بِالطَّاهِرِ ثَلاَثًا، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِحَمْلِهِ فِي الصَّلاَةِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ لاَ يَطْهُرُ أَبَدًا. وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَمْل فِي الصَّلاَةِ. أَمَّا لَوْ غُسِل ثَلاَثًا ثُمَّ قُطِعَ بِهِ نَحْوُ بِطِّيخٍ، أَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ، لاَ يُنَجِّسُهُ. فَالْغُسْل يُطَهِّرُ ظَاهِرَهُ إِجْمَاعًا. وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، اخْتَارَهُ الشَّاشِيُّ، أَنَّهُ يُكْتَفَى لِتَطْهِيرِ الْحَدِيدِ الْمَسْقِيِّ بِنَجِسٍ بِتَطْهِيرِهِ ظَاهِرًا؛ لأَِنَّ الطَّهَارَةَ كُلَّهَا جُعِلَتْ عَلَى مَا يَظْهَرُ لاَ عَلَى الْجَوْفِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ سُقِيَ الْحَدِيدُ الْمُحْمَى وَالنُّحَاسُ وَغَيْرُهُمَا بِنَجِسٍ لاَ يُنَجِّسُهُمَا وَيَبْقَيَانِ عَلَى طَهَارَتِهِمَا لِعَدَمِ سَرَيَانِ النَّجَاسَةِ فِيهِمَا لاِنْدِفَاعِ النَّجَاسَةِ بِالْحَرَارَةِ (٢) .

стр. 788

الاِسْتِصْبَاحُ بِالنَّجِسِ وَالْمُتَنَجِّسِ الاِسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ: ٧ - عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، شُحُومُ الْمَيْتَةِ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِصْبَاحُ بِهَا. وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَجُزْؤُهَا. وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ يَقُول وَهُوَ بِمَكَّةَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ. فَقِيل: يَا رَسُول اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ قَال: لاَ، هُوَ حَرَامٌ. (١) الْحَدِيثَ. وَنَحْوُهُمُ الْمَالِكِيَّةُ حَيْثُ قَالُوا: لاَ يُنْتَفَعُ بِالنَّجِسِ إِلاَّ شَحْمُ مَيْتَةٍ لِدَهْنِ الْعَجَلاَتِ وَنَحْوِهَا. وَذَلِكَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، لاَ فِيهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَحِل مَعَ الْكَرَاهَةِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الاِسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ (٢) . الاِسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ: ٨ - اخْتَلَفَتِ الآْرَاءُ فِي الاِسْتِصْبَاحِ بِالأَْدْهَانِ الْمُتَنَجِّسَةِ:

стр. 789

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، أَنَّهُ يَجُوزُ الاِسْتِصْبَاحُ بِهِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمِصْبَاحُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَالضَّوْءُ فِيهِ فَيَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ أَمْكَنَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَجَازَ كَالطَّاهِرِ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِل عَنْ شُحُومِ الْمَيْتَةِ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَال: لاَ، هُوَ حَرَامٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . فَقَدْ سَوَّوْا بَيْنَ النَّجِسِ وَالْمُتَنَجِّسِ. دُخَانُ وَبُخَارُ النَّجَاسَةِ الْمُحْرَقَةِ: ٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ وَبَعْضٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى الْقَوْل بِالطَّهَارَةِ مُطْلَقًا. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِيِّ، وَاخْتَارَهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اللَّخْمِيُّ وَالتُّونِسِيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَوَصَفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ، إِلَى عَدَمِ طَهَارَةِ الدُّخَانِ الْمُتَصَاعِدِ مِنْ وَقُودِ النَّجَاسَةِ، وَالْبُخَارِ الْمُتَصَاعِدِ مِنَ الْمَاءِ النَّجِسِ إِذَا اجْتَمَعَتْ مِنْهُ نَدَاوَةٌ عَلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ ثُمَّ قُطِّرَ فَهُوَ نَجِسٌ، وَمَا يُصِيبُ الثَّوْبَ مِنْ بُخَارِ النَّجَاسَةِ يُنَجِّسُهُ.

стр. 790

وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ دُخَانَ النَّجَاسَةِ نَجِسٌ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ. وَبُخَارُ النَّجَاسَةِ إِذَا تَصَاعَدَ بِوَاسِطَةِ نَارٍ نَجِسٌ؛ لأَِنَّ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ تَفْصِلُهَا النَّارُ بِقُوَّتِهَا فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ. وَإِذَا طُبِخَ طَعَامٌ بِرَوْثِ آدَمِيٍّ، أَوْ بَهِيمَةٍ، أَوْ أُوقِدَ بِهِ تَحْتَ هِبَابٍ فَصَارَ نَشَادِرًا، فَالطَّعَامُ طَاهِرٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا أَصَابَهُ مِنْ دُخَانِ النَّجَاسَةِ كَثِيرًا، وَإِلاَّ تَنَجَّسَ. وَكَذَا النَّشَادِرُ إِنْ كَانَ هِبَابُهُ طَاهِرًا، وَإِلاَّ فَهُوَ نَجِسٌ. فَالْهِبَابُ الْمَعْرُوفُ الْمُتَّخَذُ مِنْ دُخَانِ السِّرْجِينِ أَوِ الزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ إِذَا أُوقِدَ بِهِ نَجِسٌ، كَالرَّمَادِ، وَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ؛ لأَِنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ (١) . التَّيَمُّمُ بِالرَّمَادِ: ١٠ - كُل شَيْءٍ أُحْرِقَ حَتَّى صَارَ رَمَادًا لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ بِهِ بِالإِْجْمَاعِ. أَمَّا مَا أُحْرِقَ وَلَمْ يَصِرْ رَمَادًا فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ أَصَحُّ الأَْقْوَال عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، إِلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ بِالإِْحْرَاقِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أَصْلِهِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِكُل مَا احْتَرَقَ، لِخُرُوجِهِ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ صَعِيدًا.

стр. 791

وَتَفْصِيل مَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ مِنْهُ وَمَا لاَ يَصِحُّ فِي مُصْطَلَحِ (تَيَمُّمٌ) . (١) الْمَاءُ الْمُتَجَمِّعُ تَحْتَ الْجِلْدِ بِالاِحْتِرَاقِ (النَّفِطَةُ) : ١١ - النَّفِطَةُ تَحْتَ الْجِلْدِ لاَ يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِنَجَاسَةٍ وَلاَ نَقْضٍ لِلْوُضُوءِ. أَمَّا إِذَا خَرَجَ مَاؤُهَا فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَيُعْفَى عَمَّا يُعْتَبَرُ مِنْهُ قَلِيلاً تَبَعًا لِكُل مَذْهَبٍ فِي ضَابِطِ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فِي الْمَعْفُوَّاتِ. أَمَّا نَقْضُ الْوُضُوءِ بِخُرُوجِهِ فَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ سَال عَنْ مَكَانِهِ، وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَ فَاحِشًا، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فَهُوَ غَيْرُ نَاقِضٍ عِنْدَهُمْ، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِهِمْ لَهُ بَيْنَ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ (٢) . تَغْسِيل الْمَيِّتِ الْمُحْتَرِقِ: ١٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنِ احْتَرَقَ بِالنَّارِ يُغَسَّل كَغَيْرِهِ مِنَ الْمَوْتَى إِنْ أَمْكَنَ تَغْسِيلُهُ؛ لأَِنَّ الَّذِي لاَ يُغَسَّل إِنَّمَا هُوَ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ وَلَوْ كَانَ مُحْتَرِقًا بِفِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِهَا. أَمَّا الْمُحْتَرِقُ خَارِجَ الْمَعْرَكَةِ فَهُوَ مِنْ شُهَدَاءِ الآْخِرَةِ. وَلاَ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ شُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ (٣) . فَإِنْ خِيفَ تَقَطُّعُهُ بِالْغُسْل يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ صَبًّا

стр. 792

وَلاَ يُمَسُّ. فَإِنْ خِيفَ تَقَطُّعُهُ بِصَبِّ الْمَاءِ لَمْ يُغَسَّل وَيُيَمَّمُ إِنْ أَمْكَنَ، كَالْحَيِّ الَّذِي يُؤْذِيهِ الْمَاءُ. وَإِنْ تَعَذَّرَ غُسْل بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ غُسِّل مَا أَمْكَنَ غُسْلُهُ وَيُيَمَّمُ الْبَاقِي كَالْحَيِّ سَوَاءً (١) . الصَّلاَةُ عَلَى الْمُحْتَرِقِ الْمُتَرَمِّدِ: ١٣ - ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ مَعَ تَعَذُّرِ الْغُسْل وَالتَّيَمُّمِ؛ لأَِنَّهُ لاَ وَجْهَ لِتَرْكِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْمَيْسُورَ لاَ يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ، لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٢) ، وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الصَّلاَةِ الدُّعَاءُ وَالشَّفَاعَةُ لِلْمَيِّتِ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَجُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ بَعْضَهُمْ يَشْتَرِطُ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ تَقَدُّمَ غُسْل الْمَيِّتِ، وَبَعْضُهُمْ يَشْتَرِطُ حُضُورَهُ أَوْ أَكْثَرِهِ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ غُسْلُهُ وَتَيَمُّمُهُ لَمْ يُصَل عَلَيْهِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ (٣) .

стр. 793

الدَّفْنُ فِي التَّابُوتِ: ١٤ - يُكْرَهُ دَفْنُ الْمَيِّتِ فِي تَابُوتٍ بِالإِْجْمَاعِ؛ لأَِنَّهُ بِدْعَةٌ، وَلاَ تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِذَلِكَ، وَلاَ يُكْرَهُ لِلْمَصْلَحَةِ، وَمِنْهَا الْمَيِّتُ الْمُحْتَرِقُ إِذَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ (١) . الإِْحْرَاقُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَالتَّعْزِيرِ الإِْحْرَاقُ الْعَمْدُ: ١٥ - يُعْتَبَرُ الإِْحْرَاقُ بِالنَّارِ عَمْدًا جِنَايَةُ عَمْدٍ. وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْعَمْدِ؛ لأَِنَّهَا تَعْمَل عَمَل الْمُحَدَّدِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي (الْجِنَايَاتِ) . (٢) الْقِصَاصُ بِالإِْحْرَاقِ: ١٦ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ؛ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى قَتْل الْقَاتِل بِمَا قَتَل بِهِ وَلَوْ نَارًا. وَيَكُونُ الْقِصَاصُ بِالنَّارِ مُسْتَثْنًى مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّعْذِيبِ بِهَا. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٣) وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤) وَبِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْبَزَّارُ عَنِ النَّبِيِّ

стр. 794

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَفِيهِ: مَنْ حَرَقَ حَرَقْنَاهُ. (١) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ غَيْرُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّ الْقَوَدَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالسَّيْفِ وَإِنْ قَتَل بِغَيْرِهِ، فَلَوِ اقْتَصَّ مِنْهُ بِالإِْلْقَاءِ فِي النَّارِ عُزِّرَ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا: لاَ قَوَدَ إِلاَّ بِالسَّيْفِ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَزَّارُ وَالطَّحَاوِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ (٢) . مُوجِبُ تَعْذِيبِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ بِالنَّارِ: ١٧ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مُوجِبِ تَعْذِيبِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ بِالنَّارِ، فَقَال أَكْثَرُهُمْ: لاَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالأَْوْزَاعِيُّ؛ وَاللَّيْثُ إِلَى عِتْقِ الْعَبْدِ بِذَلِكَ، وَيَكُونُ وَلاَؤُهُ لَهُ، وَيُعَاقِبُهُ السُّلْطَانُ عَلَى فِعْلِهِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَثَرِ عُمَرَ ﵁، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِلَفْظِ: وَلِيدَةٌ أَتَتْ عُمَرَ، وَقَدْ ضَرَبَهَا سَيِّدُهَا بِنَارٍ، فَأَصَابَهَا بِهَا. فَأَعْتَقَهَا عَلَيْهِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ (٣) .

стр. 795

الْعُقُوبَةُ فِي اللِّوَاطِ بِالإِْحْرَاقِ: ١٨ - يَرَى الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ عُقُوبَةَ اللِّوَاطِ سَوَاءٌ اللاَّئِطُ وَالْمَلُوطُ بِهِ التَّعْزِيرُ، وَيُجِيزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَكُونَ التَّعْزِيرُ بِالإِْحْرَاقِ. وَإِلَى هَذَا الرَّأْيِ ذَهَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَأَوْجَبَ إِحْرَاقَهُمَا ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، خِلاَفًا لِلْجُمْهُورِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ عُقُوبَتَهُمَا لاَ تَكُونُ بِالإِْحْرَاقِ وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (الْحُدُودِ) . وَاسْتَدَل مَنْ رَأَى الإِْحْرَاقَ بِفِعْل الصَّحَابَةِ وَعَلَى رَأْسِهِمْ أَبُو بَكْرٍ. وَتَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ عَلِيٌّ ﵃ (١) . إِحْرَاقُ الدَّابَّةِ الْمَوْطُوءَةِ: ١٩ - لاَ يُحَدُّ شَخْصٌ بِوَطْءِ بَهِيمَةٍ، بَل يُعَزَّرُ وَتُذْبَحُ الْبَهِيمَةُ، ثُمَّ تُحْرَقُ إِذَا كَانَتْ مِمَّا لاَ يُؤْكَل، وَذَلِكَ لِقَطْعِ امْتِدَادِ التَّحَدُّثِ بِهِ كُلَّمَا رُئِيَتْ. وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. وَإِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ تُؤْكَل جَازَ أَكْلُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: تُحْرَقُ أَيْضًا، وَفِي الْقُنْيَةِ: تُذْبَحُ وَتُحْرَقُ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ وَلاَ يَحْرُمُ أَكْلُهَا. وَلأَِحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ قَوْلٌ بِقَتْلِهَا بِغَيْرِ ذَبْحٍ؛ لأَِنَّ بَقَاءَهَا يُذَكِّرُ بِالْفَاحِشَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا (٢) . وَالْقَوْل الآْخَرُ لاَ بَأْسَ بِتَرْكِهَا.

стр. 796

التَّحْجِيرُ بِالإِْحْرَاقِ: ٢٠ - مَنْ حَجَّرَ أَرْضًا مَيِّتَةً بِأَنْ مَنَعَ غَيْرَهُ مِنْهَا بِوَضْعِ عَلاَمَةٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا. وَمِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ التَّحْجِيرُ إِحْرَاقُ مَا فِي الأَْرْضِ مِنَ الشَّوْكِ وَالأَْشْجَارِ لإِِصْلاَحِ الأَْرْضِ (١) . إِيقَادُ النَّارِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَقَابِرِ: ٢١ - يُكْرَهُ إِيقَادُ النَّارِ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ، كَالتَّبْخِيرِ وَالاِسْتِصْبَاحِ وَالتَّدْفِئَةِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَصْلَحَةٍ كَانَ تَشَبُّهًا بِعَبَدَةِ النَّارِ، فَهُوَ حِينَئِذٍ حَرَامٌ. وَأَمَّا إِيقَادُ النَّارِ، كَالسُّرُجِ وَغَيْرِهَا، عِنْدَ الْقُبُورِ فَلاَ يَجُوزُ، لِحَدِيثِ: لَعَنَ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا السُّرُجَ (٢) . فَإِذَا كَانَتْ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ تَقْتَضِي الإِْضَاءَةَ كَدَفْنِ الْمَيِّتِ لَيْلاً فَهُوَ جَائِزٌ (٣) . التَّبْخِيرُ عِنْدَ الْمَيِّتِ: ٢٢ - يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ تَبْخِيرُ أَكْفَانِ الْمَيِّتِ بِالْعُودِ، وَهُوَ أَنْ يُتْرَكَ الْعُودُ عَلَى النَّارِ فِي مِجْمَرٍ، ثُمَّ يُبَخَّرَ بِهِ الْكَفَنُ حَتَّى تَعْبَقَ رَائِحَتُهُ وَيَطِيبَ. وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَرُشَّ عَلَيْهِ مَاءَ الْوَرْدِ لِتَعْلَقَ الرَّائِحَةُ بِهِ.

стр. 797

وَتُجْمَرُ الأَْكْفَانُ قَبْل أَنْ يُدْرَجَ الْمَيِّتُ فِيهَا وِتْرًا. وَالأَْصْل فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلاَثًا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَالْبَزَّارُ. وَقِيل: رِجَالُهُ رِجَال الصَّحِيحِ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (١) . . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَيِّتِ الْمُحْرِمِ عَلَى رَأْيَيْنِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ تَجْمِيرِهِ، قِيَاسًا عَلَى الْحَيِّ، وَلأَِنَّهُ انْقَطَعَ إِحْرَامُهُ بِمَوْتِهِ، وَسَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَبْطُل إِحْرَامُهُ، فَلاَ يُجْمَرُ هُوَ وَلاَ أَكْفَانُهُ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ النَّاقَةُ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلاَ تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا. (٢) اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ بِنَارٍ: ٢٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ اتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ بِنَارٍ فِي مِجْمَرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ بَخُورًا. وَكَذَلِكَ مُصَاحَبَتُهَا لِلْمَيِّتِ، لِلأَْخْبَارِ الآْتِيَةِ. وَنَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الإِْجْمَاعَ عَلَى الْكَرَاهَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْل الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، وَزَجَرَ عَنْهُ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ خَرَجَ فِي

стр. 798

جِنَازَةٍ، فَرَأَى امْرَأَةً فِي يَدِهَا مِجْمَرٌ، فَصَاحَ عَلَيْهَا وَطَرَدَهَا حَتَّى تَوَارَتْ بِالآْكَامِ (١) ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ تُتْبَعُ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلاَ نَارٍ (٢) ، وَقَدْ أَوْصَى كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَلاَّ يُتْبَعُوا بِنَارٍ بَعْدَ مَوْتِهِمْ (٣) . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَنَّ أَبَا مُوسَى حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَال: لاَ تَتْبَعُونِي بِمِجْمَرٍ. قَالُوا لَهُ: أَوَ سَمِعْتَ فِيهِ شَيْئًا؟ قَال: نَعَمْ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٤) . فَإِنْ دُفِنَ لَيْلاً، فَاحْتَاجُوا إِلَى ضَوْءٍ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ. وَإِنَّمَا كُرِهَ الْمَجَامِرُ الَّتِي فِيهَا الْبَخُورُ (٥) . الإِْحْرَاقُ الْمَضْمُونُ وَغَيْرُ الْمَضْمُونِ: ٢٤ - إِذَا أَوْقَدَ الشَّخْصُ نَارًا فِي أَرْضِهِ أَوْ فِي مِلْكِهِ، أَوْ فِي مَوَاتِ حِجْرِهِ، أَوْ فِيمَا يَسْتَحِقُّ الاِنْتِفَاعَ بِهِ، فَطَارَتْ شَرَارَةٌ إِلَى دَارِ جَارِهِ فَأَحْرَقَتْهَا، فَإِنْ كَانَ الإِْيقَادُ بِطَرِيقَةٍ مِنْ شَأْنِهَا أَلاَّ تَنْتَقِل النَّارُ إِلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ.

стр. 799

أَمَّا إِنْ كَانَ الإِْيقَادُ بِطَرِيقَةٍ مِنْ شَأْنِهَا انْتِقَال النَّارِ إِلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ النَّارُ، وَذَلِكَ كَأَنْ كَانَ الإِْيقَادُ وَالرِّيحُ عَاصِفَةٌ، أَوْ وَضَعَ مَادَّةً مِنْ شَأْنِهَا انْتِشَارُ النَّارِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ. وَعَدَمُ الضَّمَانِ فِي الْحَالَةِ الأُْولَى مَرْجِعُهُ إِلَى قِيَاسِهَا عَلَى سِرَايَةِ الْجَرْحِ فِي قِصَاصِ الأَْطْرَافِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسَبَبِ التَّقْصِيرِ. فَإِنْ أَوْقَدَ نَارًا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ أَوْ مَا لاَ يَمْلِكُ الاِنْتِفَاعَ ضَمِنَ مَا أَتْلَفَتْهُ النَّارُ؛ لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ (١) . مِلْكِيَّةُ الْمَغْصُوبِ الْمُتَغَيِّرِ بِالإِْحْرَاقِ: ٢٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَغَيَّرَتِ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بِفِعْل الْغَاصِبِ حَتَّى زَال اسْمُهَا وَأَعْظَمُ مَنَافِعِهَا زَال مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَنْهَا، وَمَلَكَهَا الْغَاصِبُ وَضَمِنَهَا. وَلاَ يَحِل لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ بَدَلَهَا، كَمَنْ غَصَبَ شَاةً وَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا أَوْ طَبَخَهَا، أَوْ حَدِيدًا فَاتَّخَذَهُ سَيْفًا، أَوْ نُحَاسًا فَعَمِلَهُ آنِيَةً. وَسَبَبُ انْتِقَال الْمِلْكِيَّةِ أَنَّ الْغَاصِبَ أَحْدَثَ صَنْعَةً مُتَقَوَّمَةً؛ لأَِنَّ قِيمَةَ الشَّاةِ تَزْدَادُ بِطَبْخِهَا أَوْ شَيِّهَا، وَبِهَذَا يُعْتَبَرُ حَقُّ الْمَالِكِ هَالِكًا مِنْ وَجْهٍ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ تَبَدَّل الاِسْمُ وَفَاتَ مُعْظَمُ الْمَقَاصِدِ. وَحَقُّ الْغَاصِبِ فِي الصَّنْعَةِ قَائِمٌ مِنْ كُل وَجْهٍ، وَمَا هُوَ قَائِمٌ

стр. 800

مِنْ كُل وَجْهٍ مُرَجَّحٌ عَلَى الأَْصْل الَّذِي هُوَ فَائِتٌ وَهَالِكٌ مِنْ وَجْهٍ. وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إِذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ لَحْمًا، فَشَوَاهُ أَوْ طَبَخَهُ، أَوْ حَدِيدًا فَضَرَبَهُ سِكِّينًا، أَوْ تُرَابًا لَهُ قِيمَةٌ فَاتَّخَذَهُ خَزَفًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يَسْتَرِدَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَيَزُول مِلْكُهُ بِضَمَانِ الْمِثْل أَوِ الْقِيمَةِ، وَتَبْطُل وِلاَيَةُ الاِسْتِرْدَادِ، كَمَا إِذَا اسْتَهْلَكَهُ حَقِيقَةً. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: لاَ يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ، وَلاَ يَزُول مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ؛ لأَِنَّ بَقَاءَ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ يُوجِبُ بَقَاءَ مِلْكِ الْمَالِكِ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ الأَْصْلِيَّ فِي الْغَصْبِ رَدُّ الْعَيْنِ عِنْدَ قِيَامِهَا، وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ، فَتَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ، وَتَتْبَعُهُ الصَّنْعَةُ الْحَادِثَةُ؛ لأَِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلأَْصْل، وَلاَ مُعْتَبَرَ بِفِعْلِهِ؛ لأَِنَّهُ مَحْظُورٌ فَلاَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقِيمَةِ أَوِ الْعَيْنِ مَعَ الأَْرْشِ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَنَّ الْغَاصِبَ يُشَارِكُ الْمَالِكَ بِكُل الزِّيَادَةِ؛ لأَِنَّهَا حَصَلَتْ بِمَنَافِعِهِ، وَمَنَافِعُهُ أُجْرِيَتْ مَجْرَى الأَْعْيَانِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ تُقَوَّمَ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ غَيْرَ مُصَنَّعَةٍ، ثُمَّ تُقَوَّمَ مُصَنَّعَةً، فَالزِّيَادَةُ تَكُونُ لِلْغَاصِبِ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ (١) .

стр. 801

مَا يُبَاحُ إِحْرَاقُهُ وَمَا لاَ يُبَاحُ: ٢٦ - الأَْصْل أَنَّ الْمُصْحَفَ الصَّالِحَ لِلْقِرَاءَةِ لاَ يُحْرَقُ، لِحُرْمَتِهِ، وَإِذَا أُحْرِقَ امْتِهَانًا يَكُونُ كُفْرًا عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ. وَهُنَاكَ بَعْضُ الْمَسَائِل الْفَرْعِيَّةِ، مِنْهَا: قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْمُصْحَفُ إِذَا صَارَ خَلَقًا، وَتَعَذَّرَ الْقِرَاءَةُ مِنْهُ، لاَ يُحْرَقُ بِالنَّارِ، بَل يُدْفَنُ، كَالْمُسْلِمِ. وَذَلِكَ بِأَنْ يُلَفَّ فِي خِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ ثُمَّ يُدْفَنَ. وَتُكْرَهُ إِذَابَةُ دِرْهَمٍ عَلَيْهِ آيَةٌ، إِلاَّ إِذَا كُسِرَ، فَحِينَئِذٍ لاَ يُكْرَهُ إِذَابَتُهُ، لِتَفَرُّقِ الْحُرُوفِ، أَوْ؛ لأَِنَّ الْبَاقِيَ دُونَ آيَةٍ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: حَرْقُ الْمُصْحَفِ الْخَلَقِ إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ صِيَانَتِهِ فَلاَ ضَرَرَ، بَل رُبَّمَا وَجَبَ (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْخَشَبَةُ الْمَنْقُوشُ عَلَيْهَا قُرْآنٌ فِي حَرْقِهَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: يُكْرَهُ حَرْقُهَا لِحَاجَةِ الطَّبْخِ مَثَلاً، وَإِنْ قُصِدَ بِحَرْقِهَا إِحْرَازُهَا لَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَرْقُ لِحَاجَةٍ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ عَبَثًا فَيَحْرُمُ، وَإِنْ قَصَدَ الاِمْتِهَانَ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَكْفُرُ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ تَحْرِيقِ الْمُصْحَفِ غَيْرِ الصَّالِحِ لِلْقِرَاءَةِ (٢) . أَمَّا كُتُبُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهَا فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الاِسْتِخْفَافِ فَإِحْرَاقُهَا كُفْرٌ مِثْل الْقُرْآنِ، وَأَيْضًا أَسْمَاءُ اللَّهِ وَأَسْمَاءُ الأَْنْبِيَاءِ الْمَقْرُونَةِ بِمَا يَدُل عَلَى ذَلِكَ مِثْل: " ﵊ " لاَ مُطْلَقُ الأَْسْمَاءِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: هَذِهِ الْكُتُبُ إِذَا كَانَ يَتَعَذَّرُ

стр. 802

الاِنْتِفَاعُ بِهَا يُمْحَى عَنْهَا اسْمُ اللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَيُحْرَقُ الْبَاقِي (١) . إِحْرَاقُ السَّمَكِ وَالْعَظْمِ وَغَيْرِهِمَا: ٢٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ إِلْقَاءِ السَّمَكِ فِي النَّارِ حَيًّا لِشَيِّهِ. كَمَا أَبَاحُوا إِحْرَاقَ الْعَظْمِ وَغَيْرِهِ لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ. وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الرَّاجِحِ فِي إِحْرَاقِ الْعَظْمِ. وَكَرِهَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ شَيَّ السَّمَكِ الْحَيِّ وَلَكِنْ لاَ يُكْرَهُ أَكْلُهُ. وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ شَيُّ الْجَرَادِ حَيًّا، لِمَا أُثِرَ مِنْ فِعْل الصَّحَابَةِ ذَلِكَ أَمَامَ عُمَرَ ﵁ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْجَمِيعِ إِضَاعَةُ الْمَال بِالإِْحْرَاقِ أَوْ غَيْرِهِ (٢) . الإِْحْرَاقُ بِالْكَيِّ لِلتَّدَاوِي (٣) : ٢٨ - إِذَا لَمْ يَكُنْ حَاجَةٌ إِلَى التَّدَاوِي بِالْكَيِّ فَإِنَّهُ حَرَامٌ؛ لأَِنَّهُ تَعْذِيبٌ بِالنَّارِ، وَلاَ يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلاَّ خَالِقُهَا (٤) .

стр. 803

وَأَمَّا إِذَا تَعَيَّنَ الْكَيُّ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الْحَدِيدَ أَوْ غَيْرَهُ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَدَاوِي) . الْوَسْمُ بِالنَّارِ (١) : ٢٩ - الْوَسْمُ فِي الْوَجْهِ بِالنَّارِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالإِْجْمَاعِ فِي غَيْرِ الآْدَمِيِّ. وَمِنْ بَابِ أَوْلَى وَسْمُ الآْدَمِيِّ، فَهُوَ حَرَامٌ لِكَرَامَتِهِ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَلاَ يَجُوزُ تَعْذِيبُهُ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ فِي غَيْرِ الآْدَمِيِّ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلْكَرَاهَةِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ إِلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ فَاعِلَهُ، وَاللَّعْنُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، حَيْثُ قَال: أَمَا بَلَغَكُمْ أَنِّي لَعَنْتُ مَنْ وَسَمَ الْبَهِيمَةَ فِي وَجْهِهَا؟ (٢) أَمَّا وَسْمُ غَيْرِ الآْدَمِيِّ فِي بَقِيَّةِ الْجِسْمِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ، بَل مُسْتَحَبٌّ، لِمَا رُوِيَ مِنْ فِعْل الصَّحَابَةِ فِي مَاشِيَةِ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى كَرَاهَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبٍ وَمُثْلَةٍ (٣) . الاِنْتِقَال مِنْ سَبَبِ مَوْتٍ - لآِخَرَ أَهْوَنَ: ٣٠ - لَوْ شَبَّتِ النَّارُ فِي سَفِينَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ السَّلاَمَةُ فِيهِ مِنْ بَقَائِهِمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ أَوْ تَرْكِهَا فَعَلُوهُ.

стр. 804

وَإِنِ اسْتَوَى عِنْدَهُمُ الأَْمْرَانِ فَقَال الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: كَيْفَ شَاءُوا صَنَعُوا، وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: هُمَا مَوْتَتَانِ فَاخْتَرْ أَيْسَرَهُمَا، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِوُجُوبِ الاِنْتِقَال مِنْ سَبَبِ الْمَوْتِ الَّذِي حَل، إِلَى سَبَبٍ آخَرَ إِنْ رَجَا بِهِ حَيَاةً، أَوْ طُولَهَا، وَلَوْ حَصَل لَهُ مَعَهَا مَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْمَوْتِ؛ لأَِنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ (١) . الإِْحْرَاقُ فِي الْحَرْبِ: ٣١ - إِذَا قَدَرَ عَلَى الْعَدُوِّ بِالتَّغَلُّبِ عَلَيْهِ فَلاَ يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ يُعْلَمُ، لِمَا رَوَى حَمْزَةُ الأَْسْلَمِيُّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَّرَهُ عَلَى سَرِيَّةٍ، فَقَال: فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَقَال: إِنْ أَخَذْتُمْ فُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ فَوَلَّيْتُ، فَنَادَانِي، فَرَجَعْتُ، فَقَال: إِنْ أَخَذْتُمْ فُلاَنًا فَاقْتُلُوهُ وَلاَ تُحَرِّقُوهُ، فَإِنَّهُ لاَ يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلاَّ رَبُّ النَّارِ (٢) . فَأَمَّا رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ قَبْل الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ إِمْكَانِ أَخْذِهِمْ بِغَيْرِ التَّحْرِيقِ فَلاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُمْ حِينَئِذٍ فِي حُكْمِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمْ بِغَيْرِ التَّحْرِيقِ فَجَائِزٌ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، لِفِعْل الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي غَزَوَاتِهِمْ. هَذَا وَإِنْ تَتَرَّسَ الْعَدُوُّ فِي الْحَرْبِ بِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنِ اضْطُرِرْنَا إِلَى رَمْيِهِمْ بِالنَّارِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَمَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى تَقْدِيرِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ. وَالْحُكْمُ فِي الْبُغَاةِ وَالْمُرْتَدِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ

стр. 805

كَالْكُفَّارِ فِي حَال الْقِتَال (١) . إِحْرَاقُ أَشْجَارِ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ: ٣٢ - إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ نِكَايَةٌ بِالْعَدُوِّ، وَلَمْ يُرْجَ حُصُولُهَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَالإِْحْرَاقُ جَائِزٌ اتِّفَاقًا. بَل ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَعَيُّنِ الإِْحْرَاقِ. أَمَّا إِذَا رُجِيَ حُصُولُهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي إِحْرَاقِهَا نِكَايَةٌ، فَإِنَّهُ مَحْظُورٌ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِحُرْمَتِهِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي إِحْرَاقِهَا نِكَايَةٌ، وَيُرْجَى حُصُولُهَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ. بَل صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِنَدْبِ الإِْبْقَاءِ حِفْظًا لِحَقِّ الْفَاتِحِينَ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الإِْبْقَاءِ. وَإِذَا كَانَ لاَ نِكَايَةَ فِي إِحْرَاقِهَا، وَلاَ يُرْجَى حُصُولُهَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِهِ. وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ الْكَرَاهَةُ؛ لأَِنَّهُ الأَْصْل عِنْدَهُمْ (٢) . أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَالأَْصْل عِنْدَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُعَامَلَةُ بِالْمِثْل، وَمُرَاعَاةُ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقِتَال.

стр. 806

حَرْقُ مَا عَجَزَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ نَقْلِهِ مِنْ أَسْلِحَةٍ وَبَهَائِمَ وَغَيْرِهَا: ٣٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحَرْقِ وَالإِْتْلاَفِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِذَا أَرَادَ الإِْمَامُ الْعَوْدَ، وَعَجَزَ عَنْ نَقْل أَسْلِحَةٍ وَأَمْتِعَةٍ وَبَهَائِمَ لِمُسْلِمٍ أَوْ عَدُوٍّ، وَعَنِ الاِنْتِفَاعِ بِهَا، تُحْرَقُ وَمَا لاَ يُحْرَقُ، كَحَدِيدٍ، يُتْلَفُ أَوْ يُدْفَنُ فِي مَكَانٍ خَفِيٍّ لاَ يَقِفُ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ، وَذَلِكَ لِئَلاَّ يَنْتَفِعُوا بِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ. أَمَّا الْمَوَاشِي وَالْبَهَائِمُ وَالْحَيَوَانَاتُ فَتُذْبَحُ وَتُحْرَقُ، وَلاَ يَتْرُكُهَا لَهُمْ؛ لأَِنَّ الذَّبْحَ يَجُوزُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَلاَ غَرَضَ أَصَحُّ مِنْ كَسْرِ شَوْكَةِ الأَْعْدَاءِ وَتَعْرِيضِهِمْ لِلْهَلَكَةِ وَالْمَوْتِ، ثُمَّ يُحْرَقُ بِالنَّارِ لِتَنْقَطِعَ مَنْفَعَتُهُ عَنِ الْكُفَّارِ، وَصَارَ كَتَخْرِيبِ الْبُنْيَانِ وَالتَّحْرِيقِ لِهَذَا الْغَرَضِ الْمَشْرُوعِ، بِخِلاَفِ التَّحْرِيقِ قَبْل الذَّبْحِ، فَلاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا أَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حِبَّانَ قَال: كُنْتُ عِنْدَ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ﵂، فَأَخَذْتُ بُرْغُوثًا فَأَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُول: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لاَ يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلاَّ رَبُّ النَّارِ. وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ، قَالُوا: يُجْهَزُ عَلَى الْحَيَوَانِ وُجُوبًا، لِلإِْرَاحَةِ مِنَ التَّعْذِيبِ بِإِزْهَاقِ رُوحِهِ أَوْ قَطْعِ عُرْقُوبِهِ، أَوِ الذَّبْحِ الشَّرْعِيِّ وَيُحْرَقُ الْحَيَوَانُ نَدْبًا بَعْدَ إِتْلاَفِهِ إِنْ كَانَ الأَْعْدَاءُ يَسْتَحِلُّونَ أَكْل الْمَيْتَةِ، وَلَوْ ظَنًّا، لِئَلاَّ يَنْتَفِعُوا بِهِ. فَإِنْ كَانُوا لاَ يَسْتَحِلُّونَ أَكْل الْمَيْتَةِ لَمْ يُطْلَبِ التَّحْرِيقُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا. وَالأَْظْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ طَلَبُ تَحْرِيقِهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ اسْتَحَلُّوا أَكْل الْمَيْتَةِ أَمْ لاَ، لاِحْتِمَال أَكْلِهِمْ لَهُ

стр. 807

حَال الضَّرُورَةِ. وَقِيل: التَّحْرِيقُ وَاجِبٌ، وَرَجَحَ. وَقَال اللَّخْمِيُّ: إِنْ كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ قَبْل فَسَادِهِ وَجَبَ التَّحْرِيقُ، وَإِلاَّ لَمْ يَجِبْ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ عَدَمُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ، وَقَدْ حَصَل بِالإِْحْرَاقِ. ٣٤ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَعَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمُ الأَْوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ: لاَ يَجُوزُ فِي غَيْرِ حَال الْحَرْبِ عَقْرُ الدَّوَابِّ وَإِحْرَاقُ النَّحْل وَبُيُوتِهِ لِمُغَايَظَةِ الْكُفَّارِ وَالإِْفْسَادِ عَلَيْهِمْ، سَوَاءٌ خِفْنَا أَخْذَهُمْ لَهَا أَوْ لَمْ نَخَفْ. وَذَلِكَ بِخِلاَفِ حَال الْحَرْبِ حَيْثُ يَجُوزُ قَتْل الْمُشْرِكِينَ وَرَمْيُهُمْ بِالنَّارِ، فَيَجُوزُ إِتْلاَفُ الْبَهَائِمِ؛ لأَِنَّهُ يُتَوَصَّل بِإِتْلاَفِ الْبَهَائِمِ إِلَى قَتْل الأَْعْدَاءِ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَْرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْل وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (١) . وَلأَِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قَال فِي وَصِيَّتِهِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، حِينَ بَعَثَهُ أَمِيرًا: يَا يَزِيدُ لاَ تَقْتُل صَبِيًّا وَلاَ امْرَأَةً وَلاَ هَرِمًا، وَلاَ تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا، وَلاَ تَعْقِرَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلاَ دَابَّةً عَجْمَاءَ، وَلاَ شَاةً إِلاَّ لِمَأْكَلَةٍ، وَلاَ تُحَرِّقَنَّ نَحْلاً وَلاَ تُغْرِقَنَّهُ، وَلاَ تَغْلُل وَلاَ تَجْبُنْ (٢) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْل شَيْءٍ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْرًا (٣) وَلأَِنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو حُرْمَةٍ فَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ لِغَيْظِ الْمُشْرِكِينَ (٤)

стр. 808

مَا يُحْرَقُ لِلْغَال وَمَا لاَ يُحْرَقُ ٣٥ - الْغَال هُوَ الَّذِي يَكْتُمُ مَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَلاَ يُطْلِعُ الإِْمَامَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَضُمُّهُ إِلَى الْغَنِيمَةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْرِيقِ مَال الْغَال لِلْغَنِيمَةِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَاللَّيْثُ: لاَ يُحْرَقُ مَالُهُ. وَاسْتَدَلُّوا بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ وَعَدَمِ تَحْرِيقِهِ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: جَاءَ رَجُلٌ بِزِمَامٍ مِنْ شَعْرٍ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ هَذَا فِيمَا كُنَّا أَصَبْنَا مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَقَال: سَمِعْتَ بِلاَلاً نَادَى ثَلاَثًا؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ؟ فَاعْتَذَرَ. فَقَال؛ كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَنْ أَقْبَلَهُ مِنْكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١) . وَلأَِنَّ إِحْرَاقَ الْمَتَاعِ إِضَاعَةٌ لَهُ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَال (٢) وَقَال بِإِحْرَاقِ مَال الْغَال الْحَنَابِلَةُ وَفُقَهَاءُ الشَّامِ، مِنْهُمْ مَكْحُولٌ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ. وَقَدْ أُتِيَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِغَالٍّ فَجَمَعَ مَالَهُ وَأَحْرَقَهُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَاضِرُ ذَلِكَ فَلَمْ يَعِبْهُ (٣) قَال يَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ: السُّنَّةُ فِي الَّذِي يَغُل أَنْ يُحْرَقَ رَحْلُهُ. رَوَاهُمَا سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ. وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ، قَال: دَخَلْتُ مَعَ مَسْلَمَةَ أَرْضَ الرُّومِ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ غَل، فَسَأَل سَالِمًا عَنْهُ، فَقَال: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُل قَدْ غَل فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ. قَال: فَوَجَدْنَا فِي مَتَاعِهِ

стр. 809

مُصْحَفًا. فَسَأَل سَالِمًا عَنْهُ، فَقَال: بِعْهُ وَتَصَدَّقْ بِثَمَنِهِ (١) . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَحْرَقُوا مَتَاعَ الْغَال (٢) ٣٦ - قَال أَحْمَدُ: إِنْ لَمْ يُحْرِقْ رَحْلَهُ حَتَّى اسْتَحْدَثَ مَتَاعًا آخَرَ وَكَذَلِكَ إِنْ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، أُحْرِقَ مَا كَانَ مَعَهُ حَال الْغُلُول. ٣٧ - وَيُشْتَرَطُ فِي الْغَال أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلاً حُرًّا، فَتُوقَعُ عُقُوبَةُ الإِْحْرَاقِ فِي مَتَاعِ الرَّجُل وَالْخُنْثَى وَالْمَرْأَةِ وَالذِّمِّيِّ؛ لأَِنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْعُقُوبَةِ. وَإِنْ كَانَ الْغَال صَبِيًّا لَمْ يُحْرَقْ مَتَاعُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالأَْوْزَاعِيِّ؛ لأَِنَّ الإِْحْرَاقَ عُقُوبَةٌ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْعُقُوبَةِ. ٣٨ - وَيَسْقُطُ إِحْرَاقُ مَتَاعِ الْغَال إِذَا مَاتَ قَبْل إِحْرَاقِ رَحْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، لأَِنَّهَا عُقُوبَةٌ فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، كَالْحُدُودِ؛ وَلأَِنَّهُ بِالْمَوْتِ انْتَقَل الْمَتَاعُ إِلَى وَرَثَتِهِ، فَإِحْرَاقُهُ يَكُونُ عُقُوبَةً لِغَيْرِ الْجَانِي. وَإِنِ انْتَقَل مِلْكُهُ إِلَى غَيْرِ الْغَال بِالْبَيْعِ أَوِ الْهِبَةِ احْتَمَل عَدَمُ تَحْرِيقِهِ، لِصَيْرُورَتِهِ لِغَيْرِهِ فَأَشْبَهَ انْتِقَالَهُ لِلْوَارِثِ بِالْمَوْتِ، وَاحْتَمَل أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ وَيُحْرَقَ، لأَِنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ سَابِقٌ عَلَى الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ كَالْقِصَاصِ فِي حَقِّ الْجَانِي. ٣٩ - وَمَا لاَ يُحْرَقُ لِلْغَال بِالاِتِّفَاقِ الْمُصْحَفُ، وَالْحَيَوَانُ أَمَّا الْمُصْحَفُ فَلاَ يُحْرَقُ، لِحُرْمَتِهِ، وَلِمَا تَقَدَّمَ

стр. 810

مِنْ قَوْل سَالِمٍ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ مَعَ الْغَال شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ أَوِ الْعِلْمِ فَيَنْبَغِي أَلاَّ تُحْرَقَ أَيْضًا؛ لأَِنَّ نَفْعَ ذَلِكَ يَعُودُ إِلَى الدِّينِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الإِْضْرَارَ بِهِ فِي دِينِهِ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ الإِْضْرَارُ بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاهُ، وَيُحْتَمَل أَنْ يُبَاعَ الْمُصْحَفُ وَيُتَصَدَّقُ بِهِ لِقَوْل سَالِمٍ فِيهِ. ٤٠ - أَمَّا الْحَيَوَانُ فَلاَ يُحْرَقُ وَلِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلاَّ رَبُّهَا؛ وَلِحُرْمَةِ الْحَيَوَانِ فِي نَفْسِهِ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يَدْخُل فِي اسْمِ الْمَتَاعِ الْمَأْمُورِ بِإِحْرَاقِهِ. ٤١ - وَلاَ تُحْرَقُ ثِيَابُ الْغَال الَّتِي عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ عُرْيَانًا، وَلاَ سِلاَحُهُ؛ لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ لِلْقِتَال، وَلاَ نَفَقَتُهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُحْرَقُ عَادَةً وَلِلاِحْتِيَاجِ إِلَى الإِْنْفَاقِ. ٤٢ - وَلاَ يُحْرَقُ الْمَال الْمَغْلُول؛ لأَِنَّ مَا غُل مِنْ غَنِيمَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْقَصْدُ الإِْضْرَارُ بِالْغَال فِي مَالِهِ وَقِيل لأَِحْمَدَ: أَيُّ شَيْءٍ يُصْنَعُ بِالْمَال الَّذِي أَصَابَهُ فِي الْغُلُول؟ قَال: يُرْفَعُ إِلَى الْغُنْمِ. ٤٣ - وَاخْتُلِفَ فِي آلَةِ الدَّابَّةِ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهَا لاَ تُحْرَقُ؛ لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا، وَلأَِنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا لاَ يُحْرَقُ فَأَشْبَهَ جِلْدَ الْمُصْحَفِ وَكِيسَهُ؛ وَلأَِنَّهَا مَلْبُوسُ حَيَوَانٍ، فَلاَ يُحْرَقُ، كَثِيَابِ الْغَال. وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: يُحْرَقُ سَرْجُهُ وَإِكَافُهُ. مِلْكِيَّةُ مَا لَمْ يُحْرَقْ: ٤٤ - جَمِيعُ مَا ذُكِرَ مِمَّا لَمْ يُحْرَقْ، وَكَذَلِكَ مَا بَقِيَ بَعْدَ الإِْحْرَاقِ. مِنْ حَدِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ لِصَاحِبِهِ؛ لأَِنَّ مِلْكَهُ كَانَ ثَابِتًا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُزِيلُهُ، وَإِنَّمَا عُوقِبَ
следующие страницы →