← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.

стр. 8751

وَبَعْدَهَا لأَِنَّهَا غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لاَ يُصَلِّيَ الرَّجُل بِالتَّيَمُّمِ إِلاَّ صَلاَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَتَيَمَّمَ لِلصَّلاَةِ الأُْخْرَى (١) . وَهَذَا مُقْتَضَى سُنَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلأَِنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فَلاَ يُصَلِّي بِهَا فَرِيضَتَيْنِ، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ لِكُل فَرْضٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ﴾ (٢) وَالتَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنْهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ، فَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ؛ وَلِقَوْل ابْنِ عُمَرَ يَتَيَمَّمُ لِكُل صَلاَةٍ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَيَمَّمَ صَلَّى الصَّلاَةَ الَّتِي حَضَرَ وَقْتُهَا، وَصَلَّى بِهِ فَوَائِتُ وَيَجْمَعُ بَيْنَ صَلاَتَيْنِ، وَيَتَطَوَّعُ بِمَا شَاءَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ، فَإِذَا دَخَل وَقْتُ صَلاَةٍ أُخْرَى بَطَل تَيَمُّمُهُ وَتَيَمَّمَ، وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ كَوُضُوءِ الْمُسْتَحَاضَةِ يَبْطُل بِدُخُول الْوَقْتِ. وَيَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ. صَلاَةُ الْجِنَازَةِ مَعَ الْفَرْضِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّ صَلاَةَ الْجِنَازَةِ لَمَّا كَانَتْ فَرْضَ كِفَايَةٍ سَلَكَ بِهَا مَسْلَكَ النَّفْل فِي جَوَازِ التَّرْكِ فِي الْجُمْلَةِ.

стр. 8752

وَيَجُوزُ بِالتَّيَمُّمِ أَيْضًا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ إِنْ كَانَ جُنُبًا وَمَسُّ الْمُصْحَفِ، وَدُخُول الْمَسْجِدِ لِلْجُنُبِ، أَمَّا الْمُرُورُ فَيَجُوزُ بِلاَ تَيَمُّمٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُجَدِّدُ التَّيَمُّمَ لِلنَّذْرِ لأَِنَّهُ كَالْفَرْضِ فِي الأَْظْهَرِ، وَلاَ يَجْمَعُهُ فِي فَرْضٍ آخَرَ (١) . وَيَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِمَنْ نَسِيَ صَلاَةً مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَنْ يُصَلِّيَهَا جَمِيعًا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّهُ لَمَّا نَسِيَ صَلاَةً وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْخَمْسَ لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِيَقِينٍ - وَإِنَّمَا جَازَ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ لَهُنَّ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِنَّ وَاحِدَةٌ وَالْبَاقِيَ وَسِيلَةٌ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَتَيَمَّمُ خَمْسًا لِكُل صَلاَةٍ تَيَمُّمٌ خَاصٌّ بِهَا، وَلاَ يَجْمَعُ بَيْنَ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ (٢) . مَا يَصِحُّ فِعْلُهُ بِالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ: ٤٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ فِعْل عِبَادَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ إِلاَّ لِمَرِيضٍ، أَوْ مُسَافِرٍ وَجَدَ الْمَاءَ لَكِنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، أَوْ عِنْدَ خَوْفِ الْبَرْدِ كَمَا سَيَأْتِي.

стр. 8753

وَعَلَى هَذَا فَمَنْ فَعَل شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فِي غَيْرِ الأَْحْوَال الْمَذْكُورَةِ بَطَلَتْ عِبَادَتُهُ وَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ - إِلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلاَةِ جِنَازَةٍ - أَيْ: فَوْتِ جَمِيعِ تَكْبِيرَاتِهَا - أَمَّا إِذَا كَانَ يَرْجُو أَنْ يُدْرِكَ بَعْضَ تَكْبِيرَاتِهَا فَلاَ يَتَيَمَّمُ لأَِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الْبَاقِي وَحْدَهُ، سَوَاءٌ كَانَ بِلاَ وُضُوءٍ، أَوْ كَانَ جُنُبًا، أَوْ حَائِضًا، أَوْ نُفَسَاءَ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا عَلَى الْعَادَةِ. لَكِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الْحَائِضِ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ دَمِهَا لأَِكْثَرِ الْحَيْضِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الاِنْقِطَاعُ لِتَمَامِ الْعَادَةِ فَلاَ بُدَّ أَنْ تَصِيرَ الصَّلاَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا، أَوْ تَغْتَسِل، أَوْ يَكُونَ تَيَمُّمُهَا كَامِلاً بِأَنْ يَكُونَ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ. وَلَوْ جِيءَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى إِنْ أَمْكَنَهُ التَّوَضُّؤُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ زَال تَمَكُّنُهُ أَعَادَ التَّيَمُّمَ وَإِلاَّ لاَ يُعِيدُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُعِيدُ عَلَى كُل حَالٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي وَلِيِّ الْمَيِّتِ، هَل يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ لأَِنَّ لَهُ حَقَّ التَّقَدُّمِ، أَوْ يَنْتَظِرُ لأَِنَّ لَهُ حَقَّ الإِْعَادَةِ وَلَوْ صَلَّوْا؟ فِيهِ خِلاَفٌ فِي النَّقْل عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ أَيْضًا لِخَوْفِ فَوْتِ صَلاَةِ الْعِيدِ بِفَرَاغِ إِمَامٍ، أَوْ زَوَال شَمْسٍ وَلَوْ بِنَاءً عَلَى صَلاَتِهِ بَعْدَ شُرُوعِهِ مُتَوَضِّئًا وَسَبَقَ حَدَثُهُ فَيَتَيَمَّمُ لإِِكْمَال صَلاَتِهِ، بِلاَ فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِهِ إِمَامًا أَوْ

стр. 8754

مَأْمُومًا فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ الْمَنَاطَ خَوْفُ الْفَوْتِ لاَ إِلَى بَدَلٍ. وَكَذَا كُل صَلاَةٍ غَيْرِ مَفْرُوضَةٍ خَافَ فَوْتَهَا كَكُسُوفٍ وَخُسُوفٍ، وَسُنَنِ رَوَاتِبَ وَلَوْ سُنَّةَ فَجْرٍ خَافَ فَوْتَهَا وَحْدَهَا؛ لأَِنَّهَا تَفُوتُ لاَ إِلَى بَدَلٍ، وَهَذَا عَلَى قِيَاسِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، أَمَّا عَلَى قِيَاسِ مُحَمَّدٍ فَلاَ يَتَيَمَّمُ لَهَا؛ لأَِنَّهَا إِذَا فَاتَتْهُ لاِشْتِغَالِهِ بِالْفَرِيضَةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ يَقْضِيهَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لاَ يَقْضِيهَا، وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ لِكُل مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّهَارَةُ، وَلاَ تُشْتَرَطُ كَنَوْمٍ وَسَلاَمٍ وَرَدِّ سَلاَمٍ؛ وَلِدُخُول مَسْجِدٍ وَالنَّوْمِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ تَجُزْ بِهِ الصَّلاَةُ. وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ التَّيَمُّمَ لِمَا لاَ تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ أَصْلاً مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ إِلاَّ إِذَا كَانَ مِمَّا يَخَافُ فَوْتَهُ لاَ إِلَى بَدَلٍ، فَلَوْ تَيَمَّمَ الْمُحْدِثُ لِلنَّوْمِ، أَوْ لِدُخُول الْمَسْجِدِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمَاءِ فَهُوَ لَغْوٌ، بِخِلاَفِ تَيَمُّمِهِ لِرَدِّ السَّلاَمِ مَثَلاً لأَِنَّهُ يَخَافُ فَوْتَهُ لأَِنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ؛ وَلِذَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ (١) . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيل عَلَيْهِ. وَلَمْ نَجِدْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ذِكْرًا عِنْدَ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ.

стр. 8755

وَلاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لِخَوْفِ فَوْتِ جُمُعَةٍ وَوَقْتٍ، وَلَوْ وِتْرًا؛ لِفَوَاتِهَا إِلَى بَدَلٍ. وَقَال زُفَرُ: يَتَيَمَّمُ لِفَوَاتِ الْوَقْتِ. قَال الْحَلَبِيُّ: فَالأَْحْوَطُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ ثُمَّ يُعِيدَ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا - قَوْل الْحَلَبِيِّ - قَوْلٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَفِيهِ الْخُرُوجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ مَنْقُولاً فِي التتارخانية عَنْ أَبِي نَصْرِ بْنِ سَلاَّمٍ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الأَْئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ، فَيَنْبَغِي الْعَمَل بِهِ احْتِيَاطًا، وَلاَ سِيَّمَا وَكَلاَمُ ابْنِ الْهُمَامِ يَمِيل إِلَى تَرْجِيحِ قَوْل زُفَرَ (١) . حُكْمُ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ: ٤١ - فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ هُوَ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلاَ صَعِيدًا يَتَيَمَّمُ بِهِ، كَأَنْ حُبِسَ فِي مَكَان لَيْسَ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، أَوْ فِي مَوْضِعٍ نَجَسٍ لَيْسَ فِيهِ مَا يَتَيَمَّمُ بِهِ، وَكَانَ مُحْتَاجًا لِلْمَاءِ الَّذِي مَعَهُ لِعَطَشٍ، وَكَالْمَصْلُوبِ وَرَاكِبِ سَفِينَةٍ لاَ يَصِل إِلَى الْمَاءِ، وَكَمَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ الْوُضُوءَ وَلاَ التَّيَمُّمَ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ صَلاَةَ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَاجِبَةٌ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ مَعَ وُجُوبِ إِعَادَتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَلاَ تَجِبُ

стр. 8756

إِعَادَتُهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ الصَّلاَةَ عَنْهُ سَاقِطَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنَ الْمَذْهَبِ أَدَاءً وَقَضَاءً (١) . وَفِي مَسْأَلَةِ صَلاَةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ تَفْصِيلاَتٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةٌ) . التَّيَمُّمُ لِلْجَبِيرَةِ وَالْجُرْحِ وَغَيْرِهِمَا: ٤٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ فِي جَسَدِهِ كُسُورٌ أَوْ جُرُوحٌ أَوْ قُرُوحٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا أَوْ شَيْئًا وَجَبَ غَسْلُهَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل، فَإِنْ خَافَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْحِ وَنَحْوِهِ، وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ وَذَلِكَ فِي أَحْوَالٍ خَاصَّةٍ يُذْكَرُ تَفْصِيلُهَا وَالْخِلاَفُ فِيهَا فِي مُصْطَلَحِ: (جَبِيرَةٌ) . تَيَمُّنٌ اُنْظُرْ: تَفَاؤُلٌ.

стр. 8757

ثَأْرٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الثَّأْرُ: الدَّمُ، أَوْ الطَّلَبُ بِالدَّمِ، يُقَال: ثَأَرْتُ الْقَتِيل وَثَأَرْتُ بِهِ فَأَنَا ثَائِرٌ، أَيْ قَتَلْتُ قَاتِلَهُ (١) وَالثَّأْرُ: الذَّحْل، يُقَال: طَلَبَ بِذَحْلِهِ، أَيْ بِثَأْرِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: إِنَّ مِنْ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاَثَةٌ: رَجُلٌ قَتَل غَيْرَ قَاتِلِهِ، وَرَجُلٌ قَتَل فِي الْحَرَمِ، وَرَجُلٌ أَخَذَ بِذُحُول الْجَاهِلِيَّةِ (٢) وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الثَّانِي وَهُوَ طَلَبُ الدَّمِ.

стр. 8758

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْقِصَاصُ: ٢ - الْقِصَاصُ: الْقَوَدُ، وَهُوَ الْقَتْل بِالْقَتْل، أَوْ الْجَرْحُ بِالْجَرْحِ. (١) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثَّأْرِ وَالْقِصَاصِ أَنَّ الْقِصَاصَ يَدُل عَلَى الْمُسَاوَاةِ فِي الْقَتْل أَوْ الْجَرْحِ، أَمَّا الثَّأْرُ فَلاَ يَدُل عَلَى ذَلِكَ بَل رُبَّمَا دَل عَلَى الْمُغَالاَةِ لِمَا فِي مَعْنَاهُ مِنِ انْتِشَارِ الْغَضَبِ، وَطَلَبِ الدَّمِ وَإِسَالَتِهِ. الثَّأْرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: ٣ - تَزْخَرُ كُتُبُ التَّارِيخِ وَالتَّفْسِيرِ وَالسُّنَنِ بِذِكْرِ عَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الثَّأْرِ، وَكُلُّهَا تُؤَكِّدُ أَنَّ عَادَةَ الثَّأْرِ كَانَتْ مُتَأَصِّلَةً عِنْدَ الْعَرَبِ قَبْل الإِْسْلاَمِ، وَأَنَّ الثَّأْرَ كَانَ شَائِعًا ذَائِعًا حَيْثُ كَانَ نِظَامُ الْقَبِيلَةِ يَقُومُ مَقَامَ الدَّوْلَةِ، وَكُل قَبِيلَةٍ تُفَاخِرُ بِنَسَبِهَا وَحَسَبِهَا وَقُوَّتِهَا، وَتَعْتَبِرُ نَفْسَهَا أَفْضَل مِنْ غَيْرِهَا، وَكَانَتِ الْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْقَبَائِل خَاضِعَةً لِحُكْمِ الْقُوَّةِ، فَالْقُوَّةُ هِيَ الْقَانُونُ، وَالْحَقُّ لِلْقَوِيِّ وَلَوْ كَانَ مُعْتَدِيًا، وَالاِعْتِدَاءُ عَلَى أَحَدِ أَفْرَادِ الْقَبِيلَةِ يُعْتَبَرُ اعْتِدَاءً عَلَى الْقَبِيلَةِ بِأَجْمَعِهَا، يَتَضَامَنُ أَفْرَادُهَا فِي الاِنْتِقَامِ وَيُسْرِفُونَ فِي الثَّأْرِ، فَلاَ تَكْتَفِي قَبِيلَةُ الْمَقْتُول بِقَتْل الْجَانِي، لأَِنَّهَا تَرَاهُ غَيْرَ كُفْءٍ لِمَنْ فَقَدُوهُ. وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي نُشُوبِ

стр. 8759

الْحُرُوبِ الْمُدَمِّرَةِ الَّتِي اسْتَغْرَقَتِ الأَْعْوَامَ الطِّوَال. ٤ - وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَزْعُمُونَ أَنَّ رُوحَ الْقَتِيل الَّذِي لَمْ يُؤْخَذْ بِثَأْرِهِ تَصِيرُ هَامَةً فَتَرْقُو عِنْدَ قَبْرِهِ: وَتَقُول: اسْقُونِي، اسْقُونِي مِنْ دَمِ قَاتِلِي، فَإِذَا أُخِذَ بِثَأْرِهِ طَارَتْ. وَهَذَا أَحَدُ تَأْوِيلَيْنِ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : لاَ صَفَرَ وَلاَ هَامَةَ (١) كَمَا يَقُول الدَّمِيرِيُّ فِي كِتَابِهِ (حَيَاةُ الْحَيَوَانِ) وَكَانَ الْعَرَبُ مِنْ حِرْصِهِمْ عَلَى الثَّأْرِ وَإِسْرَافِهِمْ فِيهِ، وَخَوْفِهِمْ مِنَ الْعَارِ إذَا تَرَكُوهُ يُحَرِّمُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ النِّسَاءَ، وَالطِّيبَ، وَالْخَمْرَ حَتَّى يَنَالُوا ثَأْرَهُمْ، وَلاَ يُغَيِّرُونَ ثِيَابَهُمْ وَلاَ يَغْسِلُونَ رُءُوسَهُمْ، وَلاَ يَأْكُلُونَ لَحْمًا حَتَّى يَشْفُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَذَا الثَّأْرِ. (٢) ٥ - وَظَل الْعَرَبُ مُتَأَثِّرِينَ بِهَذِهِ الْعَادَةِ حَتَّى بَعْدَ ظُهُورِ الإِْسْلاَمِ، يَرْوِي الشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَال: كَانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ

стр. 8760

الأَْنْصَارِ قِتَالٌ كَانَ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ الطَّوْل فَكَأَنَّهُمْ طَلَبُوا الْفَضْل، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ (١) كَمَا نَزَل عَلَيْهِ مِنْ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (٢) . الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالثَّأْرِ: ٦ - أ - حَرَّمَ الإِْسْلاَمُ قَتْل النَّفْسِ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ حَقٍّ لِحُرْمَةِ النَّفْسِ الإِْنْسَانِيَّةِ، فَقَال تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ (٣) وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَقَّ الَّذِي يُقْتَل بِهِ الْمُسْلِمُ (٤) فَقَال: لاَ يَحِل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمُفَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ (٥) . ٧ - ب - أَبَاحَ الإِْسْلاَمُ الأَْخْذَ بِالثَّأْرِ عَلَى سَبِيل الْقِصَاصِ بِشُرُوطِهِ الْمُفَصَّلَةِ فِي مُصْطَلَحِ:

стр. 8761

(قِصَاصٌ وَجِنَايَةٌ عَلَى النَّفْسِ وَجِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ) . قَال النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ قُتِل لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُودَى وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ (١) وَقَال أَبُو عُبَيْدٍ: إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْل الْقَتِيل، قَال ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ يُؤْخَذُ لَهُمْ بِثَأْرِهِمْ (٢) . هَذَا وَإِنَّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ إِذْنِ الإِْمَامِ، فَإِنِ اسْتَوْفَاهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِدُونِ إِذْنِهِ وَقَعَ مَوْقِعَهُ، وَعُزِّرَ لاِفْتِيَاتِهِ عَلَى الإِْمَامِ. وَصَرَّحَ الزُّرْقَانِيُّ بِأَنَّ التَّعْزِيرَ يَسْقُطُ إِذَا عَلِمَ وَلِيُّ الْمَقْتُول أَنَّ الإِْمَامَ لاَ يَقْتُل الْقَاتِل، فَلاَ أَدَبَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ وَلَوْ غِيلَةً، وَلَكِنْ يُرَاعِي فِيهِ أَمْنَ الْفِتْنَةِ وَالرَّذِيلَةِ. (٣) ٨ - ج - إِبَاحَةُ الإِْسْلاَمِ لِلثَّأْرِ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ التَّعَدِّي عَلَى غَيْرِ الْقَاتِل، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الإِْسْلاَمُ مَا كَانَ شَائِعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ قَتْل غَيْرِ الْقَاتِل، وَمِنَ الإِْسْرَافِ فِي الْقَتْل، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِل مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْل﴾ (٤) ، قَال الْمُفَسِّرُونَ: أَيْ فَلاَ يُسْرِفِ

стр. 8762

الْوَلِيُّ فِي قَتْل الْقَاتِل بِأَنْ يُمَثِّل بِهِ، أَوْ يَقْتَصَّ مِنْ غَيْرِ الْقَاتِل، وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ مِنْ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاَثَةٌ: رَجُلٌ قَتَل غَيْرَ قَاتِلِهِ (١) ، وَقَوْلُهُ ﷺ : أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلاَثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِْسْلاَمِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ (٢) ، قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَمُبْتَغٍ فِي الإِْسْلاَمِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ أَيْ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عِنْدَ شَخْصٍ فَيَطْلُبُهُ مِنْ غَيْرِهِ. (٣) حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الْقِصَاصِ وَتَحْرِيمِ الثَّأْرِ عَلَى طَرِيقَةِ الْجَاهِلِيَّةِ: ٩ - أ - الْقِصَاصُ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى الْجَانِي فَلاَ يُؤْخَذُ غَيْرُهُ بِجَرِيرَتِهِ، فِي حِينِ أَنَّ الثَّأْرَ لاَ يُبَالِي وَلِيُّ الدَّمِ فِي الاِنْتِقَامِ مِنَ الْجَانِي أَوْ أُسْرَتِهِ أَوْ قَبِيلَتِهِ وَبِذَلِكَ يَتَعَرَّضُ الأَْبْرِيَاءُ لِلْقَتْل دُونَ ذَنْبٍ جَنَوْهُ.

стр. 8763

ب - الْقِصَاصُ يَرْدَعُ الْقَاتِل عَنِ الْقَتْل لأَِنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ كَفَّ عَنِ الْقَتْل بَيْنَمَا الثَّأْرُ يُؤَدِّي إِلَى الْفِتَنِ وَالْعَدَاوَاتِ. يَقُول ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُول تَغْلِي قُلُوبُهُمْ بِالْغَيْظِ حَتَّى يُؤْثِرُوا أَنْ يَقْتُلُوا الْقَاتِل وَأَوْلِيَاءَهُ، وَرُبَّمَا لَمْ يَرْضَوْا بِقَتْل الْقَاتِل، بَل يَقْتُلُونَ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِ الْقَاتِل كَسَيِّدِ الْقَبِيلَةِ وَمُقَدَّمِ الطَّائِفَةِ، فَيَكُونُ الْقَاتِل قَدِ اعْتَدَى فِي الاِبْتِدَاءِ، وَتَعَدَّى هَؤُلاَءِ فِي الاِسْتِيفَاءِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ الْخَارِجُونَ عَنِ الشَّرِيعَةِ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ مِنَ الأَْعْرَابِ، وَالْحَاضِرَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ يَسْتَعْظِمُونَ قَتْل الْقَاتِل لِكَوْنِهِ عَظِيمًا أَشْرَفَ مِنَ الْمَقْتُول، فَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُول يَقْتُلُونَ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَاتِل، وَرُبَّمَا حَالَفَ هَؤُلاَءِ قَوْمًا وَاسْتَعَانُوا بِهِمْ وَهَؤُلاَءِ قَوْمًا فَيُفْضِي إِلَى الْفِتَنِ وَالْعَدَاوَاتِ الْعَظِيمَةِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ خُرُوجُهُمْ عَنْ سَنَنِ الْعَدْل الَّذِي هُوَ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى، فَكَتَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا الْقِصَاصَ، وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ، وَالْمُعَادَلَةُ فِي الْقَتْلَى، وَأَخْبَرَ أَنَّ فِيهِ حَيَاةً فَإِنَّهُ يَحْقِنُ دَمَ غَيْرِ الْقَاتِل مِنْ أَوْلِيَاءِ الرَّجُلَيْنِ، وَأَيْضًا فَإِذَا عَلِمَ مَنْ يُرِيدُ الْقَتْل أَنَّهُ يُقْتَل كَفَّ عَنِ الْقَتْل. (١) قَال

стр. 8764

رَسُول اللَّهِ ﷺ : الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلاَ لاَ يُقْتَل مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلاَ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ (١) .

стр. 8765

ثُبُوتٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الثُّبُوتُ مَصْدَرُ ثَبَتَ الشَّيْءُ يَثْبُتُ ثَبَاتًا وَثُبُوتًا إِذَا دَامَ وَاسْتَقَرَّ فَهُوَ ثَابِتٌ. وَثَبَتَ الأَْمْرُ صَحَّ، وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزِ وَالتَّضْعِيفِ، فَيُقَال: أَثْبَتَهُ وَثَبَّتَهُ، وَرَجُلٌ ثَبْتٌ أَيْ: مُتَثَبِّتٌ فِي أُمُورِهِ، وَرَجُلٌ ثَبَتٌ إِذَا كَانَ عَدْلاً ضَابِطًا، وَالْجَمْعُ أَثْبَاتٌ. وَيُقَال: ثَبَتَ فُلاَنٌ فِي الْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُهُ اصْطِلاَحًا عَنِ الدَّوَامِ وَالاِسْتِقْرَارِ وَالضَّبْطِ. وَمِنْهُ ثُبُوتُ النَّسَبِ مَثَلاً يُقْصَدُ بِهِ اسْتِقْرَارُ النَّسَبِ وَلُزُومُهُ عَلَى وَجْهٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارُهُ الشَّرْعِيَّةُ بِشُرُوطٍ خَاصَّةٍ. الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالثُّبُوتِ: ثُبُوتُ النَّسَبِ: ٢ - ثُبُوتُ النَّسَبِ مِنْ آثَارِ عَقْدِ النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ ﵊

стр. 8766

: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ (١) . وَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِالإِْقْرَارِ بِهِ، وَبِاسْتِلْحَاقِ الْوَلَدِ، وَبِالْبَيِّنَةِ (٢) ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (نَسَبٌ، إِقْرَارٌ، اسْتِلْحَاقٌ) . ثُبُوتُ الشَّهْرِ: ٣ - يُعْتَمَدُ فِي ثُبُوتِ الشَّهْرِ فِي السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ عَلَى أَمْرَيْنِ: الأَْوَّل: رُؤْيَةُ الْهِلاَل. وَالثَّانِي: إِكْمَال عِدَّةِ الشَّهْرِ قَبْلَهُ ثَلاَثِينَ يَوْمًا، إِنْ غُمَّ الْهِلاَل فِي لَيْلَةِ الثَّلاَثِينَ مِنْهُ. وَيُغَمُّ الْهِلاَل بِأَنْ تَكُونَ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً فِي آخِرِ الشَّهْرِ، أَوْ حَال دُونَ رُؤْيَتِهِ قَتَرٌ أَوْ غُبَارٌ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً فَلاَ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى إِكْمَال ثَلاَثِينَ، بَل تَارَةً يَثْبُتُ بِإِكْمَال الْعِدَّةِ إِذَا لَمْ يُرَ الْهِلاَل، وَتَارَةً يَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْهِلاَل لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ. (٣) وَتَثْبُتُ الرُّؤْيَةُ لَدَى الْحَاكِمِ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، أَمَّا فِي رَمَضَانَ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى اشْتِرَاطِ عَدْلَيْنِ،

стр. 8767

وَاكْتَفَى الْبَعْضُ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ. (١) وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ثُبُوتِ الشَّهْرِ جُمْلَةٌ مِنَ الأَْحْكَامِ: كَوُجُوبِ صِيَامِ رَمَضَانَ بِثُبُوتِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَالْفِطْرِ بِثُبُوتِ شَهْرِ شَوَّال، وَكَالْحَجِّ بِثُبُوتِ أَشْهُرِهِ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: شَهْرُ رَمَضَانَ - شَهَادَةٌ - حَجٌّ. ثُبُوتُ الْحُقُوقِ: ٤ - ثُبُوتُ الْحُقُوقِ لأَِصْحَابِهَا شَرْعًا يَعْتَمِدُ عَلَى ثُبُوتِ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَدِلَّةٍ وَبَيِّنَاتٍ، سَوَاءٌ الْحُقُوقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَال، أَوِ الْحُقُوقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنَّفْسِ. وَبَحَثَ الْفُقَهَاءُ ثُبُوتَهَا فِي أَبْوَابِ الدَّعَاوَى، وَالْبَيِّنَاتِ، وَالْقَضَاءِ، وَالشَّهَادَةِ، وَالإِْقْرَارِ، وَالأَْيْمَانِ. وَتَقَدَّمَ تَفْصِيل أَحْكَامِهَا فِي مُصْطَلَحِ: (إِثْبَاتٌ) . وَتُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مَظَانِّهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. ثُبُوتُ الْحَدِيثِ: ٥ - الْحَدِيثُ هُوَ الأَْصْل الثَّانِي مِنَ الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَيُعْتَمَدُ فِي ثُبُوتِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُسْنَدًا، وَأَنْ يَتَّصِل إِسْنَادُهُ بِنَقْل الْعَدْل الضَّابِطِ عَنِ الْعَدْل الضَّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ، وَلاَ يَكُونَ شَاذًّا، وَلاَ

стр. 8768

مُعَلًّا. وَيَتَنَوَّعُ الْحَدِيثُ الثَّابِتُ الْمَقْبُول إِلَى الصَّحِيحِ بِنَفْسِهِ وَالصَّحِيحِ لِغَيْرِهِ، وَإِلَى الْحَسَنِ بِنَفْسِهِ وَالْحَسَنِ لِغَيْرِهِ. وَيَقْدَحُ فِي ثُبُوتِ الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ مُعَلًّا. وَأَسْبَابُ ضَعْفِ الْحَدِيثِ: الإِْرْسَال، وَالاِنْقِطَاعُ، وَالتَّدْلِيسُ، وَالشُّذُوذُ، وَالنَّكَارَةُ، وَالاِضْطِرَابُ، وَالَّتِي تَشْمَلُهَا أَنْوَاعُ الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ، وَالْمَوْضُوعِ. وَمِنْ صِفَاتِ رَاوِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ الْمَقْبُول أَنْ يَكُونَ ثَبْتًا أَيْ عَدْلاً ضَابِطًا، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْدِيل مَا وُصِفَ بِأَفْعَل كَأَثْبَتَ النَّاسِ، أَوْ إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي التَّثَبُّتِ، وَيَلِي هَذِهِ الدَّرَجَةَ مَنْ وُصِفَ بِصِفَتَيْنِ كَقَوْلِهِمْ: ثَبْتٌ ثَبْتٌ، أَوْ ثِقَةٌ حَافِظٌ، أَوْ عَدْلٌ ضَابِطٌ، مِمَّا يُفِيدُ تَثَبُّتَهُ فِي النَّقْل وَضَبْطَهُ لِمَا تَلَقَّاهُ وَسَمِعَهُ مِنْ شُيُوخِهِ. (١) ثُغُورٌ انْظُرْ: رِبَاطٌ. ثَلْجٌ انْظُرْ: مِيَاهٌ، تَيَمُّمٌ

стр. 8769

ثِمَارٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الثِّمَارُ لُغَةً جَمْعُ ثَمَرٍ، وَالثَّمَرُ: حَمْل الشَّجَرِ. وَيُطْلَقُ الثَّمَرُ أَيْضًا عَلَى أَنْوَاعِ الْمَال. (١) وَاصْطِلاَحًا: اسْمٌ لِكُل مَا يُسْتَطْعَمُ مِنْ أَحْمَال الشَّجَرِ. قَالَهُ صَاحِبُ الْكُلِّيَّاتِ، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي حَاشِيَتِهِ: الثَّمَرُ الْحَمْل الَّذِي تُخْرِجُهُ الشَّجَرَةُ وَإِنْ لَمْ يُؤْكَل فَيُقَال: ثَمَرُ الأَْرَاكِ وَالْعَوْسَجِ، كَمَا يُقَال ثَمَرُ الْعِنَبِ وَالنَّخْل. قَال: وَفِي الْفَتْحِ: وَيَدْخُل فِي الثَّمَرَةِ الْوَرْدُ وَالْيَاسَمِينُ وَنَحْوُهُمَا مِنَ الْمَشْمُومَاتِ، وَقَدْ عَرَّفَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِتَعْرِيفِ صَاحِبِ الْكُلِّيَّاتِ وَشَهَّرَهُ. وَقَال الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الدُّسُوقِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ: الثِّمَارُ الْفَوَاكِهُ . (٢) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْفَوَاكِهُ: ٢ - الْفَوَاكِهُ لُغَةً أَجْنَاسُ الْفَاكِهَةِ

стр. 8770

وَهِيَ اسْمٌ لِمَا يُؤْكَل عَلَى سَبِيل التَّفَكُّهِ أَيِ التَّنَعُّمِ بِأَكْلِهِ وَالاِلْتِذَاذِ بِهِ (١) فَالْفَوَاكِهُ أَخَصُّ مِنَ الثِّمَارِ. ب - الزُّرُوعُ: ٣ - الزُّرُوعُ جَمْعُ زَرْعٍ وَهُوَ مَا اسْتُنِبْتَ بِالْبَذْرِ، سُمِّيَ بِالْمَصْدَرِ، يُقَال زَرَعَ الْحَبَّ يَزْرَعُهُ زَرْعًا وَزِرَاعَةً إِذَا بَذَرَهُ. وَقَدْ غَلَبَ عَلَى الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ. وَقِيل: الزَّرْعُ نَبَاتُ كُل شَيْءٍ يُحْرَثُ. (٢) الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالثِّمَارِ: ٤ - بَعْضُ الثِّمَارِ مِنَ الأَْمْوَال الزَّكَوِيَّةِ عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلِلثِّمَارِ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ فِي الْبَيْعِ، وَالرَّهْنِ، وَالشُّفْعَةِ، وَالسَّرِقَةِ، كَمَا سَيَأْتِي: أَوَّلاً: زَكَاةُ الثِّمَارِ: أ - الثِّمَارُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ: ٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي ثَمَرٍ إِلاَّ التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ لِكَوْنِهِمَا مِنَ الْقُوتِ. (٣) وَأَوْجَبَ الْحَنَابِلَةُ الزَّكَاةَ فِي كُل ثَمَرٍ يُكَال

стр. 8771

وَيُدَّخَرُ، كَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَاللَّوْزِ، وَالْفُسْتُقِ، وَالْبُنْدُقِ. (١) وَذَهَبَ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ - الَّتِي يُقْصَدُ بِزِرَاعَتِهَا نَمَاءُ الأَْرْضِ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَْرْضِ﴾ (٢) وَلأَِنَّ السَّبَبَ هِيَ الأَْرْضُ النَّامِيَةُ وَقَدْ تُسْتَنْمَى بِمَا لاَ يَبْقَى فَيَجِبُ الْعُشْرُ كَالْخَرَاجِ. وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الثِّمَارِ الَّتِي لَهَا ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ (٣) . ب - نِصَابُ الثِّمَارِ: ٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ النِّصَابِ فِي زَكَاةِ الثِّمَارِ: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى اعْتِبَارِ النِّصَابِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الثِّمَارِ،

стр. 8772

وَهُوَ عِنْدَهُمْ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، فَلاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا دُونَهَا. وَمِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ (١) . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ النِّصَابِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَهُ فِي كَثِيرِ الْخَارِجِ وَقَلِيلِهِ (٢) . وَمِمَّا اسْتَدَل بِهِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَْرْضِ﴾ (٣) . ج - وَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الثِّمَارِ: ٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الثِّمَارِ بِبُدُوِّ صَلاَحِهَا؛ لأَِنَّهَا حِينَئِذٍ ثَمَرَةٌ كَامِلَةٌ. وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ هُنَا هُوَ انْعِقَادُ سَبَبِ وُجُوبِ إِخْرَاجِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ عِنْدَ الصَّيْرُورَةِ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وُجُوبَ إِخْرَاجِهَا فِي الْحَال. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ وَقْتَ

стр. 8773

الْوُجُوبِ هُوَ وَقْتُ ظُهُورِ الثَّمَرِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَْرْضِ﴾ (١) . قَال: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالإِْنْفَاقِ مِمَّا أَخْرَجَهُ مِنَ الأَْرْضِ فَدَل أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِالْخُرُوجِ. وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ هُوَ وَقْتُ اسْتِحْقَاقِ الْحَصَادِ وَالإِْدْرَاكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢) وَيَوْمُ حَصَادِهِ يَوْمُ إِدْرَاكِهِ فَكَانَ هُوَ وَقْتُ الْوُجُوبِ. وَذَهَبَ مُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ وَقْتُ الْجِذَاذِ لأَِنَّ حَال الْجِذَاذِ هِيَ حَال تَنَاهِي عِظَمِ الثَّمَرِ وَاسْتِحْكَامِهِ فَكَانَتْ هِيَ حَال الْوُجُوبِ. (٣) د - الْقَدْرُ الْوَاجِبُ فِي زَكَاةِ الثَّمَرِ: ٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْعُشْرِ فِي الثِّمَارِ الَّتِي تُسْقَى بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ كَالَّذِي يُسْقَى بِالْغَيْثِ، وَالسُّيُول، وَالأَْنْهَارِ، وَالسَّوَّاقِي الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ مِنَ الأَْنْهَارِ بِلاَ آلَةٍ، وَمَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ لِقُرْبِهِ مِنَ الْمَاءِ. وَيَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ مِنْهَا بِمُؤْنَةٍ كَالدَّالِيَةِ، وَالنَّاعُورَةِ، وَالسَّانِيَةِ. (٤) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ

стр. 8774

عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ (١) . وَفِي زَكَاةِ الثِّمَارِ تَفْصِيلاَتٌ (٢) يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاةٌ) . ثَانِيًا: بَيْعُ الثِّمَارِ: ٩ - بَيْعُ الثِّمَارِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْل ظُهُورِهَا أَوْ بَعْدَهُ. وَإِذَا بِيعَتْ بَعْدَ ظُهُورِهَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ أَوْ بَعْدَهُ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: أ - بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْل ظُهُورِهَا: ١٠ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْل ظُهُورِهَا لأَِنَّهَا مَعْدُومَةٌ. وَبَيْعُ الْمَعْدُومِ غَيْرُ جَائِزٍ لِلْغَرَرِ. ب - بَيْعُ الثِّمَارِ بَعْدَ ظُهُورِهَا وَقَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ: ١١ - بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا لاَ يَخْلُو مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:

стр. 8775

إِحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، وَحِينَئِذٍ لاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالإِْجْمَاعِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ (١) وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْل بِجُمْلَةِ هَذَا الْحَدِيثِ. ثَانِيَتُهَا: أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَال فَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِالإِْجْمَاعِ. لأَِنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا كَانَ خَوْفًا مِنْ تَلَفِ الثَّمَرَةِ وَحُدُوثِ الْعَاهَةِ عَلَيْهَا قَبْل أَخْذِهَا بِدَلِيل مَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ التَّمْرِ حَتَّى يَزْهُوَ. قَال: أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَ، بِمَ تَسْتَحِل مَال أَخِيكَ (٢) وَهَذَا مَأْمُونٌ فِيمَا يُقْطَعُ فَصَحَّ بَيْعُهُ كَمَا لَوْ بَدَا صَلاَحُهُ. ثُمَّ إِنَّ صِحَّةَ هَذَا الْبَيْعِ لَيْسَتْ عَلَى إِطْلاَقِهَا، بَل هِيَ مَشْرُوطَةٌ بِشُرُوطٍ، بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ. فَالَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ

стр. 8776

الاِنْتِفَاعُ، أَيْ أَنْ تَكُونَ الثِّمَارُ الْمَقْطُوعَةُ مُنْتَفَعًا بِهَا. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهَا عِنْدَ الْقَطْعِ، وَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى مُطْلَقِ الاِنْتِفَاعِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَال، وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُ لَكِنْ بِحَيْثُ لاَ يَزِيدُ وَلاَ يَنْتَقِل مِنْ طَوْرِهِ إِلَى طَوْرٍ آخَرَ. وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ هُمَا: الْحَاجَةُ، وَعَدَمُ التَّمَالُؤِ. وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْحَاجَةُ مُتَعَلِّقَةً بِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ بِكِلَيْهِمَا. وَالْمُرَادُ بِالتَّمَالُؤِ اتِّفَاقُهُمْ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ، فَإِنْ تَمَالأََ عَلَيْهِ الأَْكْثَرُ بِالْفِعْل مُنِعَ. وَشَرَطَ الْحَنَابِلَةُ أَنْ لاَ يَكُونَ الثَّمَرُ مَشَاعًا، بِأَنْ يَشْتَرِيَ نِصْفَ الثَّمَرَةِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا مَشَاعًا؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ قَطْعُ مَا يَمْلِكُهُ إِلاَّ بِقَطْعِ مَا لاَ يَمْلِكُهُ. وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. ثَالِثَتُهَا: أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ مُطْلَقًا - أَيْ لاَ يَذْكُرُ قَطْعًا وَلاَ تَبْقِيَةً - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى بُطْلاَنِ الْبَيْعِ لإِِطْلاَقِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَرُ مُنْتَفَعًا بِهِ أَوْ غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَ الثَّمَرُ بِحَالٍ لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الأَْكْل، وَلاَ فِي عَلَفِ الدَّوَابِّ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ عَلَى خِلاَفٍ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ. وَإِنْ

стр. 8777

كَانَ بِحَيْثُ يُنْتَفَعُ بِهِ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ أَهْل الْمَذْهَبِ، وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ مَا إِذَا بِيعَ الثَّمَرُ مَعَ الأَْصْل، وَذَلِكَ بِأَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَةَ مَعَ الشَّجَرِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا بِيعَ مَعَ الأَْصْل دَخَل تَبَعًا فِي الْبَيْعِ فَلَمْ يَضُرَّ احْتِمَال الْغَرَرِ فِيهِ، كَمَا احْتُمِلَتِ الْجَهَالَةُ فِي بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ الشَّاةِ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ مَعَ التَّمْرِ؛ وَلأَِنَّ الثَّمَرَةَ هُنَا تَبَعٌ لِلأَْصْل وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِلْعَاهَةِ. وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ كَذَلِكَ بَيْعَ الثَّمَرِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ إِذَا أُلْحِقَ بِأَصْلِهِ الْمَبِيعِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الإِْلْحَاقُ قَرِيبًا أَمْ بَعِيدًا. (١) ج - بَيْعُ الثِّمَارِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ: ١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الثِّمَارِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلاَحِهَا مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ قَطْعِهَا، وَبِشَرْطِ إِبْقَائِهَا، لأَِنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا. (٢) فَيَجُوزُ بَعْدَ بُدُوِّهِ وَهُوَ صَادِقٌ بِكُلٍّ مِنَ الأَْحْوَال الثَّلاَثَةِ. وَالْفَارِقُ أَمْنُ الْعَاهَةِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ غَالِبًا لِغِلَظِهَا وَكِبَرِ نَوَاهَا. وَقَبْلَهُ تُسْرِعُ إِلَيْهِ لِضَعْفِهِ فَيَفُوتُ بِتَلَفِهِ الثَّمَنُ.

стр. 8778

ثُمَّ إِنَّ مَعْنَى بُدُوِّ الصَّلاَحِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَالْحَنَفِيَّةِ، فَبُدُوُّ الصَّلاَحِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ ظُهُورُ مَبَادِئِ النُّضْجِ وَالْحَلاَوَةِ بِأَنْ يَتَمَوَّهَ وَيَلِينَ فِيمَا لاَ يَتَلَوَّنُ، وَأَنْ يَأْخُذَ فِي الْحُمْرَةِ، أَوْ السَّوَادِ، أَوْ الصُّفْرَةِ فِيمَا يَتَلَوَّنُ. وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ تُؤْمَنَ الْعَاهَةُ وَالْفَسَادُ. (١) بَيْعُ الثِّمَارِ الْمُتَلاَحِقَةِ الظُّهُورِ: ١٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ بَيْعِ الثِّمَارِ الْمُتَلاَحِقَةِ الظُّهُورِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ الْجَوَازِ لأَِنَّ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا مَعْدُومٌ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الإِْنْسَانِ (٢) ، وَلِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ، ثُمَّ هِيَ ثَمَرَةٌ لَمْ تُخْلَقْ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا كَمَا لَوْ بَاعَهَا قَبْل ظُهُورِ شَيْءٍ مِنْهَا. وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مَا لَوْ حَصَل الاِخْتِلاَطُ قَبْل التَّخْلِيَةِ فِيمَا يَغْلِبُ فِيهِ التَّلاَحُقُ وَالاِخْتِلاَطُ، أَوْ فِيمَا يَنْدُرُ فِيهِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لاَ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ لِبَقَاءِ عَيْنِ الْمَبِيعِ؛ وَلإِِمْكَانِ تَسْلِيمِهِ، وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الْفَسْخِ وَالإِْجَازَةِ؛ لأَِنَّ الاِخْتِلاَطَ عَيْبٌ حَدَثَ قَبْل التَّسْلِيمِ.

стр. 8779

وَذَهَبَ مُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى الْجَوَازِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ تَمْيِيزُهُ فَجُعِل مَا لَمْ يَظْهَرْ تَبَعًا لِمَا ظَهَرَ، كَمَا أَنَّ مَا لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهُ تَبَعٌ لِمَا بَدَا. غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَصَرُوا الْجَوَازَ عَلَى الثِّمَارِ الْمُتَتَابِعَةِ، فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ بَيْعُ سَائِرِ الْبُطُونِ بِبُدُوِّ صَلاَحِ الأَْوَّل، أَمَّا إِذَا كَانَتْ مُنْفَصِلَةً فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ الثَّانِي بِصَلاَحِ الأَْوَّل اتِّفَاقًا. وَالْحَنَفِيَّةُ إِنَّمَا أَجَازُوا ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ. قَالُوا: وَالنَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا رَخَّصَ فِي السَّلَمِ لِلضَّرُورَةِ مَعَ أَنَّهُ بَيْعٌ لِلْمَعْدُومِ فَحَيْثُ تَحَقَّقَتِ الضَّرُورَةُ هُنَا أَيْضًا أَمْكَنَ إِلْحَاقُهُ بِالسَّلَمِ بِطَرِيقِ الدَّلاَلَةِ، فَلَمْ يَكُنْ مُصَادِمًا لِلنَّصِّ، فَلِذَا جَعَلُوهُ مِنْ الاِسْتِحْسَانِ، وَمَا ضَاقَ الأَْمْرُ إِلاَّ اتَّسَعَ، وَلاَ يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُسَوِّغٌ لِلْعُدُول عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. (١) مِلْكِيَّةُ الثِّمَارِ عِنْدَ بَيْعِ الشَّجَرِ: ١٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الثِّمَارِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى الشَّجَرِ عِنْدَ بَيْعِهِ، هَل هِيَ لِلْبَائِعِ أَمْ لِلْمُشْتَرِي. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُشْتَرِي فَتَكُونُ لَهُ وَذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : ﴿مَنِ ابْتَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ (٢) وَلأَِنَّ هَذَا

стр. 8780

نَمَاءٌ لَهُ حَدٌّ، فَلَمْ يَتْبَعْ أَصْلَهُ فِي الْبَيْعِ كَمَا لاَ يَتْبَعُ الزَّرْعَ فِي الأَْرْضِ. وَيُؤْمَرُ الْبَائِعُ بِقَطْعِ الثَّمَرِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ صَلاَحُهُ إِذَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُشْتَرِي، وَتَسْلِيمِ الشَّجَرِ عِنْدَ وُجُوبِ تَسْلِيمِهِ؛ لأَِنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي مَشْغُولٌ بِمِلْكِ الْبَائِعِ، فَيُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَارِغًا. وَقَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى: هِيَ لِلْمُشْتَرِي وَذَلِكَ لأَِنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِالأَْصْل اتِّصَال خِلْقَةٍ، فَكَانَتْ تَابِعَةً لَهُ كَالأَْغْصَانِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَرُ مُؤَبَّرًا أَوْ غَيْرَ مُؤَبَّرٍ: فَقَرَّرُوا أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ مُؤَبَّرَةً فَهِيَ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهَا أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَهِيَ لَهُ مُؤَبَّرَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ، وَذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ مَنِ ابْتَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ (١) فَإِنَّهُ جَعَل التَّأْبِيرَ حَدًّا لِمِلْكِ الْبَائِعِ لِلثَّمَرَةِ، فَيَكُونُ مَا قَبْلَهُ لِلْمُشْتَرِي، وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ حَدًّا، وَلاَ كَانَ ذِكْرُ التَّأْبِيرِ مُفِيدًا؛ وَلأَِنَّهُ نَمَاءٌ كَامِنٌ لِظُهُورِهِ غَايَةٌ، فَكَانَ تَابِعًا لأَِصْلِهِ قَبْل ظُهُورِهِ، وَغَيْرَ تَابِعٍ لَهُ بَعْدَ ظُهُورِهِ كَالْحَمْل فِي الْحَيَوَانِ.

стр. 8781

إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ مَنَعُوا أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ الثَّمَرَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ اشْتِرَاطَهُ لَهُ بِمَنْزِلَةِ شِرَائِهِ لَهُ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ بِشَرْطِ التَّرْكِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْبَائِعِ الثَّمَرَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرِ، بِأَنَّهُ اسْتَثْنَى بَعْضَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَهُوَ مَعْلُومٌ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ بَاعَ بُسْتَانًا وَاسْتَثْنَى نَخْلَةً بِعَيْنِهَا، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الثُّنْيَا إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ (١) وَلأَِنَّهُ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَصَحَّ اشْتِرَاطُهُ لِلثَّمَرَةِ كَالْمُشْتَرِي وَقَدْ ثَبَتَ الأَْصْل بِالاِتِّفَاقِ عَلَيْهِ وَبِقَوْلِهِ ﷺ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ. ١٥ - ثُمَّ إِنَّ الْجُمْهُورَ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي حَالَةِ مَا إِذَا أُبِّرَ بَعْضُ الشَّجَرِ دُونَ بَعْضٍ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا كُلَّهَا لِلْبَائِعِ كَمَا لَوْ أُبِّرَتْ كُلُّهَا لِمَا فِي تَتَبُّعِ ذَلِكَ مِنَ الْعُسْرِ، وَلأَِنَّا إِذَا لَمْ نَجْعَل الْكُل لِلْبَائِعِ أَدَّى إِلَى الإِْضْرَارِ بِاشْتِرَاكِ الأَْيْدِي فِي الْبُسْتَانِ، فَيَجِبُ أَنْ يُجْعَل مَا لَمْ يُؤَبَّرْ تَبَعًا لِمَا أُبِّرَ، كَثَمَرَةِ النَّخْلَةِ الْوَاحِدَةِ، فَإِنَّهُ لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ تَأْبِيرَ بَعْضِ النَّخْلَةِ يَجْعَل جَمِيعَ ثَمَرِهَا لِلْبَائِعِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَا أُبِّرَ فَلِلْبَائِعِ وَمَا لَمْ

стр. 8782

يُؤَبَّرْ فَلِلْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَوْعِ مَا تَشَقَّقَ أَوْ غَيْرِهِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَبَّرُ النِّصْفَ وَمَا قَارَبَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَقَل أَوْ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ، فَإِنْ كَانَ الْمُؤَبَّرُ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ فَهِيَ لِلْبَائِعِ، وَالْعَقْدُ حِينَئِذٍ عَلَى الأُْصُول لاَ يَتَنَاوَل تِلْكَ الثَّمَرَةَ، وَالْقَوْل قَوْلُهُ فِي أَنَّ التَّأْبِيرَ كَانَ قَبْل الْعَقْدِ إِنْ نَازَعَهُ الْمُشْتَرِي وَادَّعَى حُدُوثَهُ بَعْدَهُ. وَإِنْ كَانَ الْمُؤَبَّرُ أَقَل مِنَ النِّصْفِ فَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُؤَبَّرُ النِّصْفَ أَوْ مَا قَارَبَهُ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ أَيْ إِنَّ مَا أُبِّرَ لِلْبَائِعِ، وَمَا لَمْ يُؤَبَّرْ لِلْمُشْتَرِي، وَهَذَا إِذَا كَانَ النِّصْفُ مُعَيَّنًا بِأَنْ كَانَ مَا أُبِّرَ فِي نَخَلاَتٍ بِعَيْنِهَا، وَمَا لَمْ يُؤَبَّرْ فِي نَخَلاَتٍ بِعَيْنِهَا. وَأَمَّا إِنْ كَانَ النِّصْفُ الْمُؤَبَّرُ شَائِعًا فِي كُل نَخْلَةٍ، وَكَذَلِكَ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ شَائِعًا، فَفِيهِ عِنْدَهُمْ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: فَقِيل: كُلُّهُ لِلْبَائِعِ، وَقِيل: كُلُّهُ لِلْمُبْتَاعِ، وَقِيل: يُخَيَّرُ الْبَائِعُ فِي تَسْلِيمِهِ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ وَفِي فَسْخِ الْبَيْعِ، وَقِيل: الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ، وَقِيل: إِنَّ الْبَيْعَ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِرِضَا أَحَدِهِمَا بِتَسْلِيمِ الْجَمِيعِ لِلآْخَرِ. قَال ابْنُ الْعَطَّارِ: وَهُوَ الَّذِي بِهِ الْقَضَاءُ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الشَّيْخُ الدُّسُوقِيُّ وَشَيْخُهُ الْعَدَوِيُّ. ١٦ - ثُمَّ إِنَّ الْفُقَهَاءَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمَقْصُودِ بِالتَّأْبِيرِ هُنَا، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّأْبِيرِ هُنَا هُوَ بُرُوزُ جَمِيعِ الثَّمَرَةِ عَنْ مَوْضِعِهَا

стр. 8783

وَتَمَيُّزُهَا عَنْ أَصْلِهَا وَذَلِكَ فِي غَيْرِ النَّخْل مِنَ الثِّمَارِ. وَأَمَّا فِي النَّخْل فَهُوَ تَعْلِيقُ طَلْعِ الذَّكَرِ عَلَى الأُْنْثَى. وَلَمْ يُخَالِفِ الشَّافِعِيَّةُ الْمَالِكِيَّةَ فِي مَعْنَى التَّأْبِيرِ الْمُضَافِ لِلنَّخْل، وَفَصَّلُوا فِي غَيْرِهِ مِنَ الثِّمَارِ. فَقَالُوا: إِنْ كَانَ الثَّمَرُ بِلاَ نَوْرٍ، كَتِينٍ وَعِنَبٍ فَالاِعْتِبَارُ بِالْبُرُوزِ، فَإِنْ بَرَزَ الثَّمَرُ فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ لَمْ يَبْرُزْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي. وَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ بِنَوْرٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لِلْبَائِعِ وَهِيَ أَنْ يَسْقُطَ النَّوْرُ وَتَكُونَ الثَّمَرَةُ بَارِزَةً فَهِيَ حِينَئِذٍ لِلْبَائِعِ، أَمَّا إِنْ سَقَطَ النَّوْرُ وَلَمْ تَنْعَقِدِ الثَّمَرَةُ، أَوِ انْعَقَدَتْ وَلَمْ يَسْقُطِ النَّوْرُ فَهِيَ حِينَئِذٍ لِلْمُشْتَرِي، لأَِنَّهَا فِي حَالَةِ سُقُوطِ النَّوْرِ وَعَدَمِ انْعِقَادِهَا كَالْمَعْدُومَةِ، وَفِي حَالَةِ انْعِقَادِهَا وَعَدَمِ سُقُوطِ النَّوْرِ كَالطَّلْعِ قَبْل تَشَقُّقِهِ؛ لأَِنَّ اسْتِتَارَهَا بِالنَّوْرِ بِمَنْزِلَةِ اسْتِتَارِ ثَمَرَةِ النَّخْل بِأَكْمَامِهِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّأْبِيرِ هُنَا هُوَ ظُهُورُ الثَّمَرِ مُطْلَقًا وَذَلِكَ فِي غَيْرِ النَّخْل. وَأَمَّا فِي النَّخْل فَهُوَ تَشَقُّقُ طَلْعِهِ وَإِنْ لَمْ يُؤَبَّرْ، فَالْحُكْمُ عِنْدَهُمْ مَنُوطٌ بِالتَّشَقُّقِ. (١) وَضْعُ الْجَوَائِحِ فِي الثِّمَارِ الْمَبِيعَةِ: ١٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وَضْعِ

стр. 8784

الْجَوَائِحِ فِي الثِّمَارِ الْمَبِيعَةِ، فَإِذَا تَلِفَتِ الثِّمَارُ بِجَائِحَةٍ سَمَاوِيَّةٍ كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، سَوَاءٌ أَتَتِ الْجَائِحَةُ عَلَى كُل الثِّمَارِ أَمْ بَعْضِهَا لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ (١) وَلِقَوْلِهِ ﷺ : إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلاَ يَحِل لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَال أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ (٢) . ثُمَّ إِنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا لِوَضْعِ الْجَوَائِحِ أَنْ تُصِيبَ الْجَائِحَةُ ثُلُثَ الثِّمَارِ فَأَكْثَرَ، فَإِنْ أَصَابَتْ أَقَل مِنَ الثُّلُثِ لَمْ يُوضَعْ عَنِ الْمُشْتَرِي شَيْءٌ، وَإِذَا أَصَابَتْهُ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ قِيمَتُهَا بَعْدَ حَطِّ مَا أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الْجَائِحَةَ مِنَ الْعَطَشِ فَيُوضَعُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ بَلَغَتِ الثُّلُثَ أَمْ لاَ. وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْجَائِحَةُ قَبْل التَّخْلِيَةِ أَوْ بَعْدَهَا. فَقَالُوا: إِنْ تَلِفَتِ الثِّمَارُ بِجَائِحَةٍ قَبْل التَّخْلِيَةِ فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا أَتَتِ الْجَائِحَةُ عَلَى كُل الثِّمَارِ، أَمَّا إِذَا أَتَتْ عَلَى بَعْضِهَا فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ مِنَ الْعَقْدِ بِقَدْرِ التَّالِفِ،

стр. 8785

وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فِي الْبَاقِي. وَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي لِقَبْضِهِ بِالتَّخْلِيَةِ. قَالُوا: وَالأَْمْرُ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ، أَوْ عَلَى مَا قَبْل التَّخْلِيَةِ جَمْعًا بَيْنَ الأَْدِلَّةِ. (١) ثَالِثًا: رَهْنُ الثِّمَارِ: ١٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ رَهْنِ الثِّمَارِ سَوَاءٌ مَا كَانَتْ عَلَى الشَّجَرِ أَمْ لاَ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ أَوْ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ إِنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ الأَْمْنِ مِنَ الْعَاهَةِ وَهَذَا مَفْقُودٌ هُنَا، وَبِتَقْدِيرِ تَلَفِهَا لاَ يَفُوتُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مِنَ الدَّيْنِ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّةِ الرَّاهِنِ. وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ رَهْنَ الثِّمَارِ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ. ثُمَّ إِنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَمْ يُجَوِّزُوا رَهْنَ الثَّمَرِ بِدُونِ الشَّجَرِ، أَوْ الشَّجَرِ بِدُونِ الثَّمَرِ بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ عِنْدَهُمْ وَهُوَ أَنَّ الْمَرْهُونَ مَتَى اتَّصَل بِغَيْرِ الْمَرْهُونِ خِلْقَةً لاَ يَجُوزُ لاِمْتِنَاعِ قَبْضِ الرَّهْنِ وَحْدَهُ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَوْ رَهَنَ شَجَرًا وَفِيهِ ثَمَرٌ لَمْ يُسَمِّهِ فِي الرَّهْنِ دَخَل فِي الرَّهْنِ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ، وَقَدْ فَصَّل الشَّافِعِيَّةُ فِي رَهْنِ الثِّمَارِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ

стр. 8786

الثِّمَارُ مَعَ الشَّجَرِ أَوْ وَحْدَهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَرُ مِمَّا يَتَسَارَعُ فَسَادُهُ أَوْ لاَ، فَقَرَّرُوا أَنَّ رَهْنَ الثِّمَارِ عَلَى الشَّجَرِ لَهُ حَالاَنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْهَنَ الثَّمَرَ مَعَ الشَّجَرِ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ مِمَّا يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ صَحَّ الرَّهْنُ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ أَبَدَا فِيهِ الصَّلاَحُ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلاً. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ فَسَدَ الرَّهْنُ إِلاَّ فِي ثَلاَثِ مَسَائِل هِيَ: أَنْ يَرْهَنَهُ بِدَيْنٍ حَالٍّ، أَوْ مُؤَجَّلٍ يَحِل قَبْل فَسَادِهِ، أَوْ يَحِل بَعْدَ فَسَادِهِ، أَوْ مَعَهُ، لَكِنْ بِشَرْطِ بَيْعِهِ عِنْدَ إِشْرَافِهِ عَلَى الْفَسَادِ وَجَعْل الثَّمَنِ رَهْنًا مَكَانَهُ. الثَّانِي: رَهْنُ الثَّمَرِ وَحْدَهُ. فَإِنْ كَانَ لاَ يُحْفَظُ بِالْجَفَافِ فَهُوَ كَالَّذِي يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ يَتَجَفَّفُ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: الضَّرْبُ الأَْوَّل: أَنْ يَرْهَنَ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ، فَإِنْ رَهَنَ بِدَيْنٍ حَالٍّ وَشَرَطَ قَطْعَهُ وَبَيْعَهُ جَازَ، وَإِنْ أَطْلَقَ جَازَ أَيْضًا، وَإِنْ رَهَنَ بِمُؤَجَّلٍ نَظَرَ، إِنْ كَانَ يَحِل قَبْل بُلُوغِ الثَّمَرِ وَقْتَ الإِْدْرَاكِ أَوْ بَعْدَهُ جَازَ الرَّهْنُ، إِلاَّ أَنَّ الْجَوَازَ فِي حَالَةِ مَا قَبْل بُلُوغِهِ وَقْتَ الإِْدْرَاكِ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، أَمَّا إِذَا رَهَنَهَا مُطْلَقًا لَمْ يَصِحَّ. الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَرْهَنَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ. فَيَجُوزُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ مُطْلَقًا إِنْ رَهَنَ بِحَالٍّ أَوْ

стр. 8787

مُؤَجَّلٍ هُوَ فِي مَعْنَاهُ. وَإِنْ رَهَنَهُ بِمُؤَجَّلٍ يَحِل قَبْل بُلُوغِ الثَّمَرِ وَقْتَ الإِْدْرَاكِ، فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي الضَّرْبِ الأَْوَّل. (١) رَابِعًا: الشُّفْعَةُ فِي الثِّمَارِ: ١٩ - الشُّفْعَةُ فِي الْعَقَارِ ثَابِتَةٌ، لِخَبَرِ جَابِرٍ ﵁ قَضَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلاَ شُفْعَةَ (٢) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي أَرْضٍ أَوْ رَيْعٍ أَوْ حَائِطٍ (٣) وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَرَيَانِ الشُّفْعَةِ فِي الثَّمَرِ، سَوَاءٌ بِيعَ مَعَ الأَْصْل أَمْ مُفْرَدًا. أَوَّلاً: إِذَا بِيعَ مَعَ الأَْصْل: ٢٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي الثَّمَرِ إِذَا بِيعَ مَعَ الأَْصْل، لِتَبَعِيَّتِهِ لَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الأَْرْضَ مَعَ ثَمَرِهَا

стр. 8788

إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَى الأَْرْضَ مَعَ ثَمَرِهَا بِأَنْ شَرَطَهُ فِي الْبَيْعِ أَوْ أَثْمَرَ الشَّجَرُ عِنْدَ الشِّرَاءِ، قَالُوا: لأَِنَّ الثَّمَرَ لاَ يَدْخُل فِي الْبَيْعِ إِلاَّ بِالشَّرْطِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِتَبَعٍ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لاَ يَكُونَ لَهُ أَخْذُ الثَّمَرِ لِعَدَمِ التَّبَعِيَّةِ كَالْمَتَاعِ الْمَوْضُوعِ فِيهَا، وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّهُ بِالاِتِّصَال خِلْقَةً صَارَ تَبَعًا مِنْ وَجْهٍ؛ وَلأَِنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الْمَبِيعِ فَيَسْرِي إِلَيْهِ الْحَقُّ الثَّابِتُ فِي الأَْصْل الْحَادِثِ قَبْل الأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الثَّمَرَ الْمُؤَبَّرَ (عَلَى خِلاَفٍ تَقَدَّمَ فِي مَعْنَى التَّأْبِيرِ) لاَ يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَدْخُل فِي الْبَيْعِ، فَلاَ يَدْخُل فِي الشُّفْعَةِ، كَأَثَاثِ الدَّارِ لأَِنَّ الشُّفْعَةَ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ لَكِنَّ الشَّارِعَ جَعَل لِلشَّفِيعِ سُلْطَانَ الأَْخْذِ بِغَيْرِ رِضَا الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا الثَّمَرُ غَيْرُ الْمُؤَبَّرِ فَإِنَّهُ يَدْخُل فِي الشُّفْعَةِ؛ لأَِنَّهُ يَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ، فَتَبِعَ فِي الشُّفْعَةِ؛ لأَِنَّهَا بَيْعٌ فِي الْمَعْنَى. ثَانِيًا: إِذَا بِيعَ مُفْرَدًا: ٢١ - مَنَعَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) الشُّفْعَةَ فِي الثَّمَرِ إِذَا بِيعَ مُفْرَدًا؛ لأَِنَّ الشُّفْعَةَ لاَ تَثْبُتُ فِي الْمَنْقُولاَتِ عِنْدَهُمْ، لِعَدَمِ دَوَامِ الْمِلْكِ فِيهَا، وَالشُّفْعَةُ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ ضَرَرِ سُوءِ الْجِوَارِ عَلَى الدَّوَامِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الشُّفْعَةِ فِي الثِّمَارِ الَّتِي لَهَا أَصْلٌ أَيْ بِحَيْثُ تُجْنَى ثَمَرَتُهُ وَيَبْقَى أَصْلُهُ

стр. 8789

لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً حِينَ الشِّرَاءِ وَمُؤَبَّرَةً. (١) نَمَاءُ ثَمَرِ الْمَشْفُوعِ فِيهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي: ٢٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ثَمَرِ الْمَشْفُوعِ فِيهِ، هَل يَكُونُ لِلشَّفِيعِ أَمْ لِلْمُشْتَرِي فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الثِّمَارَ لِلشَّفِيعِ اسْتِحْسَانًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَى الأَْرْضَ مَعَ ثَمَرِهَا بِأَنْ شَرَطَهُ فِي الْبَيْعِ، أَمْ أَثْمَرَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الشِّرَاءِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لاَ يَكُونَ لَهُ أَخْذُ الثَّمَرِ لِعَدَمِ التَّبَعِيَّةِ كَالْمَتَاعِ الْمَوْضُوعِ فِيهَا، وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّهُ خِلْقَةً صَارَ تَبَعًا مِنْ وَجْهٍ؛ وَلأَِنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الْمَبِيعِ فَيَسْرِي إِلَيْهِ الْحَقُّ الثَّابِتُ فِي الأَْرْضِ الْحَادِثُ قَبْل الأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ، كَالْمَبِيعَةِ إِذَا وَلَدَتْ قَبْل الْقَبْضِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ الْوَلَدَ تَبَعًا لِلأُْمِّ كَذَا هَذَا. وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي الْمَسْأَلَةِ - حَيْثُ نَقَلُوا قَوْلَيْنِ لِلإِْمَامِ مَالِكٍ وَذَلِكَ فِيمَا إِذَا بِيعَتِ الثَّمَرَةُ مُفْرَدَةً أَوْ مَعَ أَصْلِهَا - وَنَصُّهُمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ - حَيْثُ قَال مَرَّةً بِسُقُوطِ الشُّفْعَةِ فِيهَا إِذَا لَمْ يَأْخُذْ بِالشُّفْعَةِ حَتَّى يَبِسَتِ الثِّمَارُ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ أَخَذَ أَصْلَهَا بِالشُّفْعَةِ

стр. 8790

حَطَّ عَنْهُ مَا يَنُوبُهَا مِنَ الثَّمَنِ إِنْ أَزْهَتْ أَوْ أُبِّرَتْ وَقْتَ الْبَيْعِ لأَِنَّ لَهَا حِصَّةً حِينَئِذٍ مِنَ الثَّمَنِ، وَمَرَّةً قَال: لَهُ أَخْذُهَا بِالشُّفْعَةِ مَا لَمْ تَيْبَسْ أَوْ تُجَذَّ. وَوَفَّقَ الدَّرْدِيرُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِحَمْل الأَْوَّل عَلَى مَا إِذَا اشْتَرَاهَا مُفْرَدَةً عَنِ الأَْصْل فَالشُّفْعَةُ تَابِعَةٌ فِيهَا مَا لَمْ تَيْبَسْ، فَإِنْ جُذَّتْ قَبْل الْيُبْسِ فَلَهُ أَخْذُهَا، وَبِحَمْل الثَّانِي عَلَى مَا إِذَا اشْتَرَاهَا مَعَ الأَْصْل، فَالشُّفْعَةُ ثَابِتَةٌ فِيهَا مَا لَمْ تَيْبَسْ أَوْ تُجَذَّ وَلَوْ قَبْل الْيُبْسِ. أَمَّا إِذَا اشْتَرَى أَصْلَهَا فَقَطْ وَلَيْسَ فِيهِ ثَمَرَةٌ أَوْ كَانَ فِيهِ ثَمَرَةٌ وَلَمْ تُؤَبَّرْ بَعْدُ فَهِيَ لِلشَّفِيعِ، سَوَاءٌ أُبِّرَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَمْ لَمْ تُؤَبَّرْ عِنْدَهُ، إِلاَّ أَنْ تَيْبَسَ أَوْ تُجَذَّ فَتَكُونَ لِلْمُشْتَرِي. وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الأُْصُول بِالثَّمَنِ، وَلاَ يَحُطُّ عَنْهُ حِصَّتَهَا مِنْهُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشَّجَرَ بِثَمَرَةٍ حَدَثَتْ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَلَمْ تُؤَبَّرْ عِنْدَ الأَْخْذِ؛ لأَِنَّهَا قَدْ تَبِعَتِ الأَْصْل فِي الْبَيْعِ، فَتَبِعَتْهُ فِي الأَْخْذِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا أُبِّرَتْ عِنْدَهُ فَلاَ يَأْخُذُهَا؛ لاِنْتِفَاءِ التَّبَعِيَّةِ، أَمَّا الْمُؤَبَّرَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ إِذَا دَخَلَتْ بِالشَّرْطِ فَلاَ تُؤْخَذُ؛ لاِنْتِفَاءِ التَّبَعِيَّةِ كَمَا سَبَقَ، فَتَخْرُجُ بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الثَّمَرَةِ الظَّاهِرَةِ وَغَيْرِ الظَّاهِرَةِ. فَإِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ ظَاهِرَةً فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ فِيهَا حَقٌّ؛ لأَِنَّهُ مِلْكُهُ، يَبْقَى إِلَى أَوَانِ أَخْذِهِ بِحَصَادٍ أَوْ جِذَاذٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.
следующие страницы →