Полный текст (31 949 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ. وَلَعَلَّهُ يَدْخُل فِي الإِْحْصَارِ بِمَنْعِ السُّلْطَانِ عِنْدَهُمْ (١) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ إِلاَّ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، بَل قَال الشَّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ إِحْرَامُ وَلِيِّهِ عَنْهُ، عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَلاَ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ لِعَدَمِ الدَّلِيل. وَيَفْعَل الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ الْمُمَيِّزُ كُل مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الطَّوَافِ عَلَّمَهُ فَطَافَ، وَإِلاَّ طِيفَ بِهِ، وَكَذَلِكَ السَّعْيُ وَسَائِرُ الْمَنَاسِكِ. وَلاَ تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنْهُ فِيمَا قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وَكُل مَا لاَ يَقْدِرُ الصَّبِيُّ عَلَى أَدَائِهِ يَنُوبُ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي أَدَائِهِ.
١٣٤ - وَأَمَّا الصَّبِيُّ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ - وَمِثْلُهُ الْمَجْنُونُ جُنُونًا مُطْبَقًا - فَيُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، بِأَنْ يَقُول: نَوَيْتُ إِدْخَال هَذَا الصَّبِيِّ فِي حُرُمَاتِ الْحَجِّ، مَثَلاً. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْوَلِيَّ يُحْرِمُ فِي نَفْسِهِ وَيَقْصِدُ النِّيَابَةَ عَنِ الصَّبِيِّ. وَلاَ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ بِنَفْسِهِ اتِّفَاقًا.
١٣٥ - وَيُؤَدِّي الْوَلِيُّ بِالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ الْمَنَاسِكَ، فَيُجَرِّدُهُ مِنَ الْمَخِيطِ وَالْمُحِيطِ إِنْ كَانَ ذَكَرًا، وَيَكْشِفُ وَجْهَ الأُْنْثَى وَكَفَّيْهَا كَالْكَبِيرَةِ عَلَى مَا سَبَقَ فِيهِ (٢) وَيَطُوفُ بِهِ وَيَسْعَى، وَيَقِفُ بِهِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ، وَيَرْمِي عَنْهُ، وَيُجَنِّبُهُ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، وَهَكَذَا. لَكِنْ لاَ يُصَلِّي عَنْهُ رَكْعَتَيِ الإِْحْرَامِ أَوِ الطَّوَافِ، بَل تَسْقُطَانِ عَنْهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَيُصَلِّيهِمَا الْوَلِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ (٣) . стр. 912
إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ خَفَّفُوا فِي الإِْحْرَامِ وَالتَّجَرُّدِ مِنَ الثِّيَابِ، فَقَالُوا: " يُحْرِمُ الْوَلِيُّ بِالصَّغِيرِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَيُجَرِّدُهُ مِنْ ثِيَابِهِ قُرْبَ مَكَّةَ، لِخَوْفِ الْمَشَقَّةِ وَحُصُول الضَّرَرِ. فَإِنْ كَانَتِ الْمَشَقَّةُ أَوِ الضَّرَرُ يَتَحَقَّقُ بِتَجْرِيدِهِ قُرْبَ مَكَّةَ أَحْرَمَ بِغَيْرِ تَجْرِيدِهِ، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ - وَيَفْدِي ".
بُلُوغُ الصَّبِيِّ فِي أَثْنَاءِ النُّسُكِ:
١٣٦ - إِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ الْحُلُمَ بَعْدَمَا أَحْرَمَ، فَمَضَى فِي نُسُكِهِ عَلَى إِحْرَامِهِ الأَْوَّل، لَمْ يُجْزِهِ حَجُّهُ عَنْ فَرْضِ الإِْسْلاَمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ جَدَّدَ الصَّبِيُّ الإِْحْرَامَ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَنَوَى حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ، جَازَ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّ إِحْرَامَ الصَّبِيِّ غَيْرُ لاَزِمٍ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلُّزُومِ عَلَيْهِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ لاَ يُرْتَفَضُ إِحْرَامُهُ السَّابِقُ، وَلاَ يُجْزِيهِ إِرْدَافُ إِحْرَامٍ عَلَيْهِ، وَلاَ يَنْقَلِبُ إِحْرَامُهُ عَنِ الْفَرْضِ، لأَِنَّهُ اخْتَل شَرْطُ الْوُقُوعِ فَرْضًا، وَهُوَ ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ وَالتَّكْلِيفِ، وَقْتَ الإِْحْرَامِ. وَهَذَا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا وَقْتَ الإِْحْرَامِ، فَلاَ يَقَعُ نُسُكُهُ هَذَا إِلاَّ نَفْلاً.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ يُنْظَرُ إِلَى حَالِهِ مِنَ الْوُقُوفِ فَيَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنْ يَبْلُغَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ، أَوْ قَبْل خُرُوجِهِ وَبَعْدَ مُفَارَقَةِ عَرَفَاتٍ لَكِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَهَذَا لاَ يُجْزِيهِ حَجُّهُ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ.
الثَّانِي: أَنْ يَبْلُغَ فِي حَال الْوُقُوفِ، أَوْ يَبْلُغَ بَعْدَ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ، فَيَعُودَ وَيَقِفَ بِهَا فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ، أَيْ
стр. 913
قَبْل طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، فَهَذَا يُجْزِيهِ حَجُّهُ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ. لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ السَّعْيِ إِنْ كَانَ سَعَى عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ قَبْل الْبُلُوغِ، وَلاَ دَمَ عَلَيْهِ.
أَمَّا فِي الْعُمْرَةِ: فَالطَّوَافُ فِي الْعُمْرَةِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِي الْحَجِّ، إِذَا بَلَغَ قَبْل طَوَافِ الْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ عَنْ عُمْرَةِ الإِْسْلاَمِ، عِنْدَ مَنْ يَقُول بِوُجُوبِهَا.
إِحْرَامُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ
١٣٧ - لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ حَالاَنِ: أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ قَبْل الإِْحْرَامِ، أَوْ يُغْمَى عَلَيْهِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ.
أَوَّلاً: مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْل الإِْحْرَامِ:
١٣٨ - فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ الْمَالِكِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَالْحَنْبَلِيِّ: لاَ إِحْرَامَ لَهُ، وَلاَ يُحْرِمُ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِهِ وَلاَ غَيْرِهِمْ، سَوَاءٌ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ قَبْل أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَأْمُرْهُمْ، وَلَوْ خِيفَ فَوَاتُ الْحَجِّ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الإِْغْمَاءَ مَظِنَّةُ عَدَمِ الطُّول، وَيُرْجَى زَوَالُهُ عَنْ قُرْبٍ غَالِبًا. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الإِْحْرَامِ عَنِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ الإِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ:
أ - مَنْ تَوَجَّهَ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ يُرِيدُ الْحَجَّ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْل الإِْحْرَامِ، أَوْ نَامَ وَهُوَ مَرِيضٌ فَنَوَى عَنْهُ وَلَبَّى أَحَدُ رُفْقَتِهِ، وَكَذَا مِنْ غَيْرِ رُفْقَتِهِ وَكَانَ قَدْ أَمَرَهُمْ بِالإِْحْرَامِ عَنْهُ قَبْل الإِْغْمَاءِ، صَحَّ الإِْحْرَامُ عَنْهُ، وَيَصِيرُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مُحْرِمًا بِنِيَّةِ رَفِيقِهِ وَتَلْبِيَتِهِ عَنْهُ اتِّفَاقًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ. وَيُجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ.
ب - إِنْ أَحْرَمَ عَنْهُ بَعْضُ رُفْقَتِهِ أَوْ غَيْرُهُمْ بِلاَ أَمْرٍ سَابِقٍ عَلَى الإِْغْمَاءِ صَحَّ كَذَلِكَ عِنْدَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ صَاحِبَيْهِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
стр. 914
فُرُوعٌ:
١٣٩ - أ - إِنْ أَفَاقَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ بَعْدَمَا أَحْرَمَ عَنْهُ غَيْرُهُ، فَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُحْرِمٌ يُتَابِعُ النُّسُكَ.
وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ لاَ عِبْرَةَ بِإِحْرَامِ غَيْرِهِ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُدْرِكُ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَأَدَّى الْمَنَاسِكَ، وَإِلاَّ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ. وَلاَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْفَوَاتِ عِنْدَ الثَّلاَثَةِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا.
١٤٠ - ب - لاَ يَجِبُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ عَنِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ تَجْرِيدُهُ مِنَ الْمَخِيطِ وَإِلْبَاسُهُ غَيْرَ الْمَخِيطِ لِصِحَّةِ الإِْحْرَامِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الإِْحْرَامُ، بَل كَفٌّ عَنْ بَعْضِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ. حَتَّى إِذَا أَفَاقَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَفْعَال النُّسُكِ، وَالْكَفُّ عَنِ الْمَحْظُورَاتِ.
١٤١ - ج - لَوِ ارْتَكَبَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ الَّذِي أَحْرَمَ عَنْهُ غَيْرُهُ مَحْظُورًا مِنْ مُحَرَّمَاتِ الإِْحْرَامِ لَزِمَهُ مُوجِبُهُ، أَيْ كَفَّارَتُهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْمَحْظُورِ. وَلاَ يَلْزَمُ الرَّفِيقَ الَّذِي أَحْرَمَ عَنْهُ؛ لأَِنَّ هَذَا الرَّفِيقَ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ، وَعَنِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، كَالْوَلِيِّ يُحْرِمُ عَنِ الصَّغِيرِ. فَيَنْتَقِل إِحْرَامُهُ إِلَيْهِ، فَيَصِيرُ مُحْرِمًا كَمَا لَوْ نَوَى هُوَ وَلَبَّى، وَلِذَا لَوِ ارْتَكَبَ هُوَ أَيْضًا - أَيِ الْوَلِيُّ - مَحْظُورًا لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ لإِِحْرَامِ نَفْسِهِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ إِهْلاَلِهِ عَنْ غَيْرِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا سَبَقَ.
١٤٢ - د - إِذَا لَمْ يُفِقْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَهَل يَشْهَدُ بِهِ رُفْقَتُهُ الْمَشَاهِدَ، عَلَى أَسَاسِ الإِْحْرَامِ عَنْهُ الَّذِي قَال بِهِ الْحَنَفِيَّةُ؟ هُنَاكَ قَوْلاَنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: قِيل: لاَ يَجِبُ عَلَى الرُّفَقَاءِ أَنْ يَشْهَدُوا بِهِ الْمَشَاهِدَ، كَالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَالْوُقُوفِ
стр. 915
بِمُزْدَلِفَةَ، بَل مُبَاشَرَتُهُمْ عَنْهُ تُجْزِيهِ، لَكِنْ إِحْضَارُهُ أَوْلَى، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْل. وَهَذَا الأَْصَحُّ عَلَى مَا أَفَادَ فِي رَدِّ الْمُحْتَارِ الْمُعْتَمَدِ فِي الْفَتْوَى فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، لَكِنْ لاَ بُدَّ لِلإِْجْزَاءِ عَنْهُ مِنْ نِيَّةِ الْوُقُوفِ عَنْهُ، وَالطَّوَافِ عَنْهُ بَعْدَ طَوَافِ النَّائِبِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَكَذَا.
ثَانِيًا: مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ إِحْرَامِهِ بِنَفْسِهِ:
١٤٣ - الإِْغْمَاءُ بَعْدَ الإِْحْرَامِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي صِحَّتِهِ، بِاتِّفَاقِ الأَْئِمَّةِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَهَذَا حَمْلُهُ مُتَعَيِّنٌ عَلَى رُفَقَائِهِ، وَلاَ سِيَّمَا لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَوْ كَانَ نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ فِي أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ لَهُ يُطْلَبُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ مُصْطَلَحِ " حَجٌّ " وَمُصْطَلَحِ " عُمْرَةٌ (١) ".
نِسْيَانُ مَا أَحْرَمَ بِهِ
١٤٤ - مَنْ أَحْرَمَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، مِثْل حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ قِرَانٍ، ثُمَّ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، لَزِمَهُ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ. وَيَعْمَل عَمَل الْقِرَانِ فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ: الْحَنَفِيِّ وَالْمَالِكِيِّ وَالشَّافِعِيِّ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَصْرِفُ إِحْرَامَهُ إِلَى أَيِّ نُسُكٍ شَاءَ، وَيُنْدَبُ صَرْفُهُ إِلَى الْعُمْرَةِ خَاصَّةً. стр. 916
الْفَصْل الْعَاشِرُ
فِي كَفَّارَاتِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ (١)
تَعْرِيفُهَا:
١٤٥ - الْمُرَادُ بِالْكَفَّارَةِ هُنَا: الْجَزَاءُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ. وَهَذِهِ الأَْجْزِيَةُ أَنْوَاعٌ:
١ - الْفِدْيَةُ: حَيْثُ أُطْلِقَتْ فَالْمُرَادُ الْفِدْيَةُ الْمُخَيَّرَةُ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ فِي: قَوْله تَعَالَى ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ . (٢)
٢ - الْهَدْيُ: وَرُبَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالدَّمِ. وَكُل مَوْضِعٍ أُطْلِقَ فِيهِ الدَّمُ أَوِ الْهَدْيُ تُجْزِئُ فِيهِ الشَّاةُ، إِلاَّ مَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ (أَيْ مِنَ الإِْبِل) اتِّفَاقًا. أَمَّا مَنْ جَامَعَ قَبْل الْوُقُوفِ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ حَجُّهُ اتِّفَاقًا وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ عِنْدَ الثَّلاَثَةِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: عَلَيْهِ شَاةٌ، وَيَمْضِي فِي حَجِّهِ، وَيَقْضِيهِ.
٣ - الصَّدَقَةُ: حَيْثُ أَطْلَقَ وُجُوبَ " صَدَقَةٍ " عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ مِقْدَارِهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ (قَمْحٍ) أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ.
٤ - الصِّيَامُ: يَجِبُ الصِّيَامُ عَلَى التَّخْيِيرِ فِي الْفِدْيَةِ، وَهُوَ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ. وَيَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ الإِْطْعَامِ.
٥ - الضَّمَانُ بِالْمِثْل: فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي.
١٤٦ - يَسْتَوِي إِحْرَامُ الْعُمْرَةِ مَعَ إِحْرَامِ الْحَجِّ فِي стр. 917
عُقُوبَةِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ. إِلاَّ مَنْ جَامَعَ فِي الْعُمْرَةِ قَبْل أَدَاءِ رُكْنِهَا، فَتَفْسُدُ اتِّفَاقًا كَمَا ذَكَرْنَا، وَعَلَيْهِ شَاةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: عَلَيْهِ بَدَنَةٌ.
الْمَبْحَثُ الأَْوَّل
فِي كَفَّارَةِ مَحْظُورَاتِ التَّرَفُّهِ .
١٤٧ - يَتَنَاوَل هَذَا الْبَحْثُ كَفَّارَةَ مَحْظُورَاتِ اللُّبْسِ، وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَالاِدِّهَانِ، وَالتَّطَيُّبِ، وَحَلْقِ الشَّعْرِ أَوْ إِزَالَتِهِ أَوْ قِطْعَةٍ مِنَ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَلْمِ الظُّفُرِ.
أَصْل كَفَّارَةِ مَحْظُورَاتِ التَّرَفُّهِ
١٤٨ - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَل مِنَ الْمَحْظُورَاتِ شَيْئًا لِعُذْرِ مَرَضٍ أَوْ دَفْعِ أَذًى فَإِنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ، يَتَخَيَّرُ فِيهَا: إِمَّا أَنْ يَذْبَحَ هَدْيًا، أَوْ يَتَصَدَّقَ بِإِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَوْ يَصُومَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ . (١) وَلِمَا وَرَدَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال لَهُ حِينَ رَأَى هَوَامَّ رَأْسِهِ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قَال: قُلْتُ: نَعَمْ. قَال: فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١٤٩ - وَأَمَّا الْعَامِدُ الَّذِي لاَ عُذْرَ لَهُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ: стр. 918
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (١) وَالشَّافِعِيَّةُ (٢) وَالْحَنَابِلَةُ (٣) إِلَى أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ، كَالْمَعْذُورِ، وَعَلَيْهِ إِثْمُ مَا فَعَلَهُ. وَاسْتَدَلُّوا بِالآْيَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (٤) إِلَى أَنَّ الْعَامِدَ لاَ يَتَخَيَّرُ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ عَيْنًا أَوِ الصَّدَقَةُ عَيْنًا، حَسَبَ جِنَايَتِهِ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالأَْدِلَّةِ السَّابِقَةِ.
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل: أَنَّ التَّخْيِيرَ شُرِعَ فِيهَا عِنْدَ الْعُذْرِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ أَذًى، وَغَيْرُ الْمَعْذُورِ جِنَايَتُهُ أَغْلَظُ، فَتَتَغَلَّظُ عُقُوبَتُهُ، وَذَلِكَ بِنَفْيِ التَّخْيِيرِ فِي حَقِّهِ.
١٥٠ - وَأَمَّا الْمَعْذُورُ بِغَيْرِ الأَْذَى وَالْمَرَضِ: كَالنَّاسِي وَالْجَاهِل بِالْحُكْمِ وَالْمُكْرَهِ وَالنَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَحُكْمُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٥) الْمَالِكِيَّةِ (٦) حُكْمُ الْعَامِدِ، عَلَى مَا سَبَقَ.
وَوَجْهُ حُكْمِهِ هَذَا: أَنَّ الاِرْتِفَاقَ حَصَل لَهُ، وَعَدَمُ الاِخْتِيَارِ أَسْقَطَ الإِْثْمَ عَنْهُ، كَمَا وَجَّهَهُ الْحَنَفِيَّةُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ (٧) وَالْحَنَابِلَةُ (٨) إِلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ جِنَايَةٍ стр. 919
فِيهَا إِتْلاَفٌ، وَهِيَ هُنَا الْحَلْقُ أَوْ قَصُّ الشَّعْرِ أَوْ قَلْمُ الظُّفُرِ، وَجِنَايَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِتْلاَفٌ، وَهِيَ: اللُّبْسُ وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، وَالاِدِّهَانُ وَالتَّطَيُّبُ. فَأَوْجَبُوا الْفِدْيَةَ فِي الإِْتْلاَفِ؛ لأَِنَّهُ يَسْتَوِي عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، وَلَمْ يُوجِبُوا فِدْيَةً فِي غَيْرِ الإِْتْلاَفِ، بَل أَسْقَطُوا الْكَفَّارَةَ عَنْ صَاحِبِ أَيِّ عُذْرٍ مِنْ هَذِهِ الأَْعْذَارِ.
تَفْصِيل كَفَّارَةِ مَحْظُورَاتِ التَّرَفُّهِ
١٥١ - الأَْصْل فِي هَذَا التَّفْصِيل هُوَ الْقِيَاسُ عَلَى الأَْصْل السَّابِقِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِخُصُوصِ الْحَلْقِ، فَقَاسَ الْفُقَهَاءُ عَلَيْهِ سَائِرَ مَسَائِل الْفَصْل بِجَامِعِ اشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي الْعِلَّةِ وَهِيَ التَّرَفُّهُ، أَوِ الاِرْتِفَاقُ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفَاصِيل، فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُوجِبُ الْفِدْيَةَ مِنَ الْمَحْظُورِ، وَفِي تَفَاوُتِ الْجَزَاءِ بِتَفَاوُتِ الْجِنَايَةِ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ اخْتِلاَفِ أَنْظَارِهِمْ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي يَحْصُل بِهِ التَّرَفُّهُ وَالاِرْتِفَاقُ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ، فَالْحَنَفِيَّةُ اشْتَرَطُوا كَمَال الْجِنَايَةِ، فَلَمْ يُوجِبُوا الدَّمَ أَوِ الْفِدَاءَ إِلاَّ لِمَقَادِيرَ تُحَقِّقُ ذَلِكَ فِي نَظَرِهِمْ، وَغَيْرُهُمْ مَال إِلَى اعْتِبَارِ الْفِعْل نَفْسِهِ جِنَايَةً.
وَتَفْصِيل الْمَذَاهِبِ فِي كُل مَحْظُورٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ التَّرَفُّهِ فِيمَا يَلِي:
أَوَّلاً: اللِّبَاسُ:
١٥٢ - مَنْ لَبِسَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورِ اللُّبْسِ، أَوِ ارْتَكَبَ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَال فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ (١) : إِنِ اسْتَدَامَ ذَلِكَ نَهَارًا كَامِلاً أَوْ لَيْلَةً وَجَبَ стр. 920
عَلَيْهِ الدَّمُ. وَكَذَا إِذَا غَطَّتِ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا بِسَاتِرٍ يُلاَمِسُ بَشَرَتَهَا عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ التَّفْصِيل فِيهِ (ف ٦٧) وَإِنْ كَانَ أَقَل مِنْ يَوْمٍ أَوْ أَقَل مِنْ لَيْلَةٍ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَفِي أَقَل مِنْ سَاعَةٍ عُرْفِيَّةٍ قَبْضَةٌ مِنْ بُرٍّ، وَهِيَ مِقْدَارُ مَا يَحْمِل الْكَفُّ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (١) وَأَحْمَدَ (٢) أَنَّهُ يَجِبُ الْفِدَاءُ بِمُجَرَّدِ اللُّبْسِ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ زَمَنًا؛ لأَِنَّ الاِرْتِفَاقَ يَحْصُل بِالاِشْتِمَال عَلَى الثَّوْبِ، وَيَحْصُل مَحْظُورُ الإِْحْرَامِ، فَلاَ يَتَقَيَّدُ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ بِالزَّمَنِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٣) يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ مِنْ لُبْسِ الثَّوْبِ أَوِ الْخُفِّ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ مَحْظُورَاتِ اللُّبْسِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ بِأَنْ لَبِسَ قَمِيصًا رَقِيقًا لاَ يَقِي حَرًّا وَلاَ بَرْدًا يَجِبُ الْفِدَاءُ إِنِ امْتَدَّ لُبْسُهُ مُدَّةً كَالْيَوْمِ.
ثَانِيًا: التَّطَيُّبُ:
١٥٣ - يَجِبُ الْفِدَاءُ عِنْدَ الثَّلاَثَةِ الْمَالِكِيَّةِ (٤) وَالشَّافِعِيَّةِ (٥) وَالْحَنَابِلَةِ (٦) لأَِيِّ تَطَيُّبٍ مِمَّا سَبَقَ بَيَانُ стр. 921
حَظْرِهِ، دُونَ تَقْيِيدٍ بِأَنْ يُطَيِّبَ عُضْوًا كَامِلاً، أَوْ مِقْدَارًا مِنَ الثَّوْبِ مُعَيَّنًا.
وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ تَطَيُّبٍ وَتَطَيُّبٍ، وَفَصَّلُوا: أَمَّا فِي الْبَدَنِ فَقَالُوا: تَجِبُ شَاةٌ إِنْ طَيَّبَ الْمُحْرِمُ عُضْوًا كَامِلاً مِثْل الرَّأْسِ وَالْيَدِ وَالسَّاقِ، أَوْ مَا يَبْلُغُ عُضْوًا كَامِلاً. وَالْبَدَنُ كُلُّهُ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ إِنِ اتَّحَدَ مَجْلِسُ التَّطَيُّبِ، وَإِنْ تَفَرَّقَ الْمَجْلِسُ فَلِكُل طِيبٍ كَفَّارَةٌ، وَتَجِبُ إِزَالَةُ الطِّيبِ، فَلَوْ ذَبَحَ وَلَمْ يُزِلْهُ لَزِمَهُ دَمٌ آخَرُ.
وَوَجْهُ وُجُوبِ الشَّاةِ: أَنَّ الْجِنَايَةَ تَتَكَامَل بِتَكَامُل الاِرْتِفَاقِ، وَذَلِكَ فِي الْعُضْوِ الْكَامِل، فَيَتَرَتَّبُ كَمَال الْمُوجِبِ. وَإِنْ طَيَّبَ أَقَل مِنْ عُضْوٍ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الطِّيبُ كَثِيرًا فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَلَمْ يَشْرِطِ الْحَنَفِيَّةُ اسْتِمْرَارَ الطِّيبِ لِوُجُوبِ الْجَزَاءِ، بَل يَجِبُ بِمُجَرَّدِ التَّطَيُّبِ (١) .
وَأَمَّا تَطْيِيبُ الثَّوْبِ: فَيَجِبُ فِيهِ الدَّمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِشَرْطَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا: أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا، وَهُوَ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُغَطِّيَ مِسَاحَةً تَزِيدُ عَلَى شِبْرٍ فِي شِبْرٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَمِرَّ نَهَارًا، أَوْ لَيْلَةً. فَإِنِ اخْتَل أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ وَجَبَتِ الصَّدَقَةُ، وَإِنِ اخْتَل الشَّرْطَانِ مَعًا وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِقَبْضَةٍ مِنْ قَمْحٍ (٢) . стр. 922
١٥٤ - لَوْ طَيَّبَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا أَوْ حَلاَلاً فَلاَ شَيْءَ عَلَى الْفَاعِل مَا لَمْ يَمَسَّ الطِّيبَ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) . وَعَلَى الطَّرَفِ الآْخَرِ الدَّمُ إِنْ كَانَ مُحْرِمًا وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا. وَعِنْدَ الثَّلاَثَةِ التَّفْصِيل الآْتِي فِي مَسْأَلَةِ الْحَلْقِ (ف ١٥٧) لَكِنْ عَلَيْهِ فِي حَالٍ لاَ تَلْزَمُهُ فِيهِ الْفِدْيَةُ أَلاَّ يَسْتَدِيمَهُ، بَل يُبَادِرَ بِإِزَالَتِهِ. فَإِنْ تَرَاخَى لَزِمَهُ الْفِدَاءُ.
ثَالِثًا: الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ:
١٥٥ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (٢) أَنَّ مَنْ حَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ أَوْ رُبُعَ لِحْيَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لأَِنَّ الرُّبُعَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُل، فَيَجِبُ فِيهِ الْفِدَاءُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ. وَلَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ وَإِبِطَيْهِ وَكُل بَدَنِهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْمَجَالِسُ فَلِكُل مَجْلِسٍ مُوجِبُهُ. وَإِنْ حَلَقَ خُصْلَةً مِنْ شَعْرِهِ أَقَل مِنَ الرُّبُعِ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، أَمَّا إِنْ سَقَطَ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ أَوِ الْحَكِّ ثَلاَثُ شَعَرَاتٍ فَعَلَيْهِ بِكُل شَعْرَةٍ صَدَقَةٌ (كَفٌّ مِنْ طَعَامٍ) .
وَإِنْ حَلَقَ رَقَبَتَهُ كُلَّهَا، أَوْ إِبِطَيْهِ، أَوْ أَحَدَهُمَا، يَجِبُ الدَّمُ. أَمَّا إِنْ حَلَقَ بَعْضَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَثُرَ. فَتَجِبُ الصَّدَقَةُ؛ لأَِنَّ حَلْقَ جُزْءِ عُضْوٍ مِنْ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ لَيْسَ ارْتِفَاقًا كَامِلاً، لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْعَادَةِ بِحَلْقِ الْبَعْضِ فِيهَا، فَلاَ يَجِبُ إِلاَّ الصَّدَقَةُ. وَقَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ فِي حَلْقِ الشَّارِبِ حُكُومَةَ عَدْلٍ، стр. 923
بِأَنْ يَنْظُرَ إِلَى هَذَا الْمَأْخُوذِ كَمْ يَكُونُ مِنْ رُبُعِ اللِّحْيَةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ بِحِسَابِهِ مِنَ الطَّعَامِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (٢) إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَخَذَ عَشْرَ شَعَرَاتٍ فَأَقَل، وَلَمْ يَقْصِدْ إِزَالَةَ الأَْذَى، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِحَفْنَةِ قَمْحٍ، وَإِنْ أَزَالَهَا بِقَصْدِ إِمَاطَةِ الأَْذَى تَجِبُ الْفِدْيَةُ، وَلَوْ كَانَتْ شَعْرَةً وَاحِدَةً. وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ أَيْضًا إِذَا أَزَال أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ شَعَرَاتٍ لأَِيِّ سَبَبٍ كَانَ. وَشَعْرُ الْبَدَنِ كُلِّهِ سَوَاءٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٣) وَأَحْمَدُ (٤) إِلَى أَنَّهُ تَجِبُ الْفِدْيَةُ لَوْ حَلَقَ ثَلاَثَ شَعَرَاتٍ فَأَكْثَرَ، كَمَا تَجِبُ لَوْ حَلَقَ جَمِيعَ الرَّأْسِ، بَل جَمِيعَ الْبَدَنِ، بِشَرْطِ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، أَيِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ. وَلَوْ حَلَقَ شَعْرَةً أَوْ شَعْرَتَيْنِ فَفِي شَعْرَةٍ مُدٌّ، وَفِي شَعْرَتَيْنِ مُدَّانِ مِنَ الْقَمْحِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ شَعْرُ الرَّأْسِ وَشَعْرُ الْبَدَنِ.
١٥٦ - أَمَّا إِذَا سَقَطَ شَعْرُ الْمُحْرِمِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ آدَمِيٍّ فَلاَ فِدْيَةَ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ.
١٥٧ - إِذَا حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ غَيْرِهِ، أَوْ حَلَقَ غَيْرُهُ رَأْسَهُ - وَمَحَل الْمَسْأَلَةِ إِذَا كَانَ الْحَلْقُ لِغَيْرِ التَّحَلُّل - فَعَلَى الْمُحْرِمِ الْمَحْلُوقِ الدَّمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ كَارِهًا. وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَعِنْدَهُمْ تَفْصِيلٌ فِي حَقِّ الْحَالِقِ стр. 924
وَالْمَحْلُوقِ. وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثُ صُوَرٍ تَقْتَضِيهَا الْقِسْمَةُ الْعَقْلِيَّةُ نُبَيِّنُ حُكْمَهَا فِيمَا يَلِي:
الصُّورَةُ الأُْولَى: أَنْ يَكُونَا مُحْرِمَيْنِ، فَعَلَى الْمُحْرِمِ الْحَالِقِ صَدَقَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، سَوَاءٌ حَلَقَ بِأَمْرِ الْمَحْلُوقِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا، مَا لَمْ يَكُنْ حَلْقُهُ فِي أَوَانِ الْحَلْقِ. فَإِنْ كَانَ فِيهِ، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ حَلَقَ لَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْحَالِقِ، وَإِنْ كَانَ بِرِضَاهُ فَعَلَى الْمَحْلُوقِ فِدْيَةٌ، وَعَلَى الْحَالِقِ فِدْيَةٌ، وَقِيل حَفْنَةٌ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْحَالِقُ مُحْرِمًا وَالْمَحْلُوقُ حَلاَلاً، فَكَذَلِكَ عَلَى الْحَالِقِ الْمُحْرِمِ صَدَقَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَفْتَدِي الْحَالِقُ. وَعِنْدَهُمْ فِي تَفْسِيرِهِ قَوْلاَنِ: قَوْلٌ أَنَّهُ يُطْعِمُ قَدْرَ حَفْنَةٍ، أَيْ مِلْءَ يَدٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَعَامٍ، وَقَوْلٌ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ فِدْيَةَ عَلَى الْحَالِقِ، وَلَوْ حَلَقَ لَهُ الْمُحْرِمُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِذْ لاَ حُرْمَةَ لِشَعْرِهِ فِي حَقِّ الإِْحْرَامِ.
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الْحَالِقُ حَلاَلاً وَالْمَحْلُوقُ مُحْرِمًا، فَعَلَى الْحَالِقِ صَدَقَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْمُحْرِمِ أَوْ عَدَمِ مُمَانَعَتِهِ فَعَلَى الْمُحْرِمِ الْفِدْيَةُ. وَإِنْ كَانَ الْحَلْقُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُحْرِمِ فَعَلَى الْحَلاَل الْفِدْيَةُ (١) .
رَابِعًا: تَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ:
١٥٨ - قَال الْحَنَفِيَّةُ (٢) : إِذَا قَصَّ أَظْفَارَ يَدَيْهِ стр. 925
وَرِجْلَيْهِ جَمِيعَهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ تَجِبُ عَلَيْهِ شَاةٌ. وَكَذَا إِذَا قَصَّ أَظْفَارَ يَدٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، تَجِبُ شَاةٌ. وَإِنْ قَصَّ أَقَل مِنْ خَمْسَةِ أَظْفَارٍ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ خَمْسَةً مُتَفَرِّقَةً مِنْ أَظْفَارِهِ، تَجِبُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ لِكُل ظُفُرٍ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ (١) أَنَّهُ إِنْ قَلَمَ ظُفْرًا وَاحِدًا عَبَثًا أَوْ تَرَفُّهًا، لاَ لإِِمَاطَةِ أَذًى، وَلاَ لِكَسْرِهِ، يَجِبُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ: حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ. فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ لإِِمَاطَةِ الأَْذَى أَوِ الْوَسَخِ فَفِيهِ فِدْيَةٌ. وَإِنْ قَلَّمَهُ لِكَسْرِهِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا تَأَذَّى مِنْهُ. وَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا كُسِرَ مِنْهُ. وَإِنْ قَلَّمَ ظُفْرَيْنِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَفِدْيَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ إِمَاطَةَ الأَْذَى، وَإِنْ قَطَعَ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ فَإِنْ كَانَا فِي فَوْرٍ فَفِدْيَةٌ، وَإِلاَّ فَفِي كُل ظُفُرٍ حَفْنَةٌ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٢) وَالْحَنَابِلَةِ (٣) : يَجِبُ الْفِدَاءُ فِي تَقْلِيمِ ثَلاَثَةِ أَظْفَارٍ فَصَاعِدًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَيَجِبُ فِي الظُّفُرِ وَالظُّفُرَيْنِ مَا يَجِبُ فِي الشَّعْرَتَيْنِ.
خَامِسًا: قَتْل الْقَمْل:
١٥٩ - وَهُوَ مُلْحَقٌ بِهَذَا الْمَبْحَثِ؛ لأَِنَّ فِيهِ إِزَالَةَ الأَْذَى، لِذَا يَخْتَصُّ الْبَحْثُ بِمَا عَلَى بَدَنِ الْمُحْرِمِ أَوْ ثِيَابِهِ. فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى نَدْبِ قَتْل الْمُحْرِمِ لِقَمْل بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ لأَِنَّهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُؤْذِيَةِ، وَقَدْ صَحَّ أَمْرُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقَتْل الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ، وَأَلْحَقُوا بِهَا كُل حَيَوَانٍ مُؤْذٍ. стр. 926
أَمَّا قَمْل شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ خَاصَّةً فَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا تَعَرُّضُهُ لَهُ لِئَلاَّ يَنْتَتِفَ الشَّعْرُ. وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِهِمُ الْكَرَاهَةَ بِالْخَوْفِ مِنَ انْتِتَافِ الشَّعْرِ زَوَال هَذِهِ الْكَرَاهَةِ فِيمَا لَوْ قَتَلَهُ بِوَسِيلَةٍ لاَ يَخْشَى مَعَهَا الاِنْتِتَافَ كَمَا إِذَا رَشَّهُ بِدَوَاءٍ مُطَهِّرٍ مَثَلاً. وَعَلَى أَيَّةِ حَالٍ فَإِذَا قَتَل قَمْل شَعْرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ الْوَاحِدَةَ مِنْهُ وَلَوْ بِلُقْمَةٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ إِبَاحَةُ قَتْل الْقَمْل مُطْلَقًا دُونَ تَفْرِيقٍ بَيْنَ قَمْل الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ لأَِنَّهُ مِنْ أَكْثَرِ الْهَوَامِّ أَذًى فَأُبِيحَ قَتْلُهُ كَالْبَرَاغِيثِ، وَسَائِرِ مَا يُؤْذِي. وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ يَدُل بِمَعْنَاهُ عَلَى إِبَاحَةِ قَتْل كُل مَا يُؤْذِي بَنِي آدَمَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ حُرْمَةُ قَتْلِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ جَزَاءَ فِيهِ إِذْ لاَ قِيمَةَ لَهُ وَلَيْسَ بِصَيْدٍ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الصَّدَقَةِ (١) وَلاَ رَيْبَ أَنَّهُ إِذَا آذَاهُ بِالْفِعْل، وَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ إِلاَّ بِقَتْلِهِ، جَازَ لَهُ قَتْلُهُ طِبْقًا لِقَاعِدَةِ: " الضَّرَرُ يُزَال "، وَقَاعِدَةِ: " الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ ". стр. 927
الْمَبْحَثُ الثَّانِي
فِي قَتْل الصَّيْدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ
١٦٠ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي قَتْل الصَّيْدِ، اسْتِدْلاَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَال أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ . (١)
أَوَّلاً: قَتْل الصَّيْدِ:
١٦١ - وُجُوبُ الْجَزَاءِ فِي قَتْل الصَّيْدِ عَمْدًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَمَلاً بِنَصِّ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ السَّابِقَةِ.
١٦٢ - إِنَّ غَيْرَ الْعَمْدِ فِي هَذَا الْبَابِ كَالْعَمْدِ، يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ؛ لأَِنَّ الْعُقُوبَةَ هُنَا شُرِعَتْ ضَمَانًا لِلْمُتْلَفِ، وَذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ وَالْجَهْل وَالسَّهْوُ وَالنِّسْيَانُ (٢) .
١٦٣ - إِنَّ هَذَا الْجَزَاءَ هُوَ كَمَا نَصَّتِ الآْيَةُ: ﴿مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ﴾ . وَيُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْخِصَال الثَّلاَثِ. لَكِنِ اخْتَلَفُوا بَعْدَ هَذَا فِي تَفْسِيرِ هَذَيْنِ الأَْمْرَيْنِ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ تُقَدَّرُ قِيمَةُ الصَّيْدِ بِتَقْوِيمِ стр. 928
رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ لِلصَّيْدِ الْمَقْتُول نَظِيرٌ مِنَ النَّعَمِ أَمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ. وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي مَوْضِعِ قَتْلِهِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ الْجَانِي بَيْنَ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ:
الأَْوَّل - أَنْ يَشْتَرِيَ هَدْيًا وَيَذْبَحَهُ فِي الْحَرَمِ إِنْ بَلَغَتِ الْقِيمَةُ هَدْيًا. وَيُزَادُ عَلَى الْهَدْيِ فِي مَأْكُول اللَّحْمِ إِلَى اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ إِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ، لَكِنَّهُ لاَ يَتَجَاوَزُ هَدْيًا وَاحِدًا فِي غَيْرِ مَأْكُول اللَّحْمِ، حَتَّى لَوْ قَتَل فِيلاً لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ شَاةٍ.
الثَّانِي - أَنْ يَشْتَرِيَ بِالْقِيمَةِ طَعَامًا وَيَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، لِكُل مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ كَمَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ. وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْمِسْكِينَ أَقَل مِمَّا ذُكِرَ، إِلاَّ إِنْ فَضَل مِنَ الطَّعَامِ أَقَل مِنْهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ. وَلاَ يَخْتَصُّ التَّصَدُّقُ بِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ.
الثَّالِثُ - أَنْ يَصُومَ عَنْ طَعَامِ كُل مِسْكِينٍ يَوْمًا، وَعَنْ أَقَل مِنْ نِصْفِ صَاعٍ - إِذَا فَضَل - يَوْمًا أَيْضًا (١) .
وَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى التَّفْصِيل فَقَالُوا: الصَّيْدُ ضَرْبَانِ: مِثْلِيٌّ: وَهُوَ مَا لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، أَيْ مُشَابِهٌ فِي الْخِلْقَةِ مِنَ النَّعَمِ، وَهِيَ الإِْبِل وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ. وَغَيْرُ مِثْلِيٍّ، وَهُوَ مَا لاَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ النَّعَمِ.
أَمَّا الْمِثْلِيُّ: فَجَزَاؤُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالتَّعْدِيل، أَيْ أَنَّ الْقَاتِل يُخَيَّرُ بَيْنَ ثَلاَثَةِ أَشْيَاءَ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:
الأَْوَّل - أَنْ يَذْبَحَ الْمِثْل الْمُشَابِهَ مِنَ النَّعَمِ فِي الْحَرَمِ، وَيَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ. стр. 929
الثَّانِي - أَنْ يُقَوِّمَ الْمِثْل دَرَاهِمَ ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا، وَيَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ. وَلاَ يَجُوزُ تَفْرِقَةُ الدَّرَاهِمِ عَلَيْهِمْ. وَقَال مَالِكٌ بَل يُقَوِّمُ الصَّيْدَ نَفْسَهُ وَيَشْتَرِيَ بِهِ طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ مَوْضِعِ الصَّيْدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَسَاكِينُ فَعَلَى مَسَاكِينِ أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ فِيهِ.
الثَّالِثُ - إِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُل مُدٍّ يَوْمًا. وَفِي أَقَل مِنْ مُدٍّ يَجِبُ صِيَامُ يَوْمٍ. وَيَجُوزُ الصِّيَامُ فِي الْحَرَمِ وَفِي جَمِيعِ الْبِلاَدِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمِثْلِيِّ: فَيَجِبُ فِيهِ قِيمَتُهُ وَيَتَخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ أَمْرَيْنِ:
الأَْوَّل - أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ: عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي مَوْضِعِ الصَّيْدِ.
الثَّانِي - أَنْ يَصُومَ عَنْ كُل مُدٍّ يَوْمًا كَمَا ذُكِرَ سَابِقًا. ثُمَّ قَالُوا فِي بَيَانِ الْمِثْلِيِّ: الْمُعْتَبَرُ فِيهِ التَّشَابُهُ فِي الصُّورَةِ وَالْخِلْقَةِ. وَكُل مَا وَرَدَ فِيهِ نَقْلٌ عَنِ السَّلَفِ فَيُتْبَعُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ، وَمَا لاَ نَقْل فِيهِ يَحْكُمُ بِمِثْلِهِ عَدْلاَنِ فَطِنَانِ بِهَذَا الأَْمْرِ، عَمَلاً بِالآْيَةِ.
وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهِ بَيْنَ الدَّوَابِّ وَالطُّيُورِ: أَمَّا الدَّوَابُّ فَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي بَقَرِ الْوَحْشِ وَحِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ إِنْسِيَّةٌ، وَفِي الْغَزَال عَنْزٌ، وَفِي الأَْرْنَبِ عَنَاقٌ (١) ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ (٢) . стр. 930
وَعِنْدَ مَالِكٍ فِي الأَْرْنَبِ وَالْيَرْبُوعِ وَالضَّبِّ الْقِيمَةُ.
وَأَمَّا الطُّيُورُ: فَفِي أَنْوَاعِ الْحَمَامِ شَاةٌ. وَالْمُرَادُ بِالْحَمَامِ كُل مَا عَبَّ فِي الْمَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَشْرَبَهُ جَرْعًا، فَيَدْخُل فِيهِ الْيَمَامُ اللَّوَاتِي يَأْلَفْنَ الْبُيُوتَ، وَالْقُمْرِيُّ، وَالْقَطَا. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُل مُطَوَّقٍ حَمَامًا. وَإِنْ كَانَ الطَّائِرُ أَصْغَرَ مِنَ الْحَمَامِ جُثَّةً فَفِيهِ الْقِيمَةُ. وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الْحَمَامِ، كَالْبَطَّةِ وَالإِْوَزَّةِ، فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ، إِذْ لاَ مِثْل لَهُ.
وَقَال مَالِكٌ: تَجِبُ شَاةٌ فِي حَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهِمَا، وَفِي حَمَامِ وَيَمَامِ غَيْرِهِمَا تَجِبُ الْقِيمَةُ، وَكَذَا فِي سَائِرِ الطُّيُورِ (١) .
١٦٤ - وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الْوَاجِبُ فِي الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالسَّمِينِ وَالْهَزِيل وَالْمَرِيضِ مِنَ الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل﴾ وَهَذَا مِثْلِيٌّ فَيُجْزِئُ. وَقَال مَالِكٌ: يَجِبُ فِيهِ كَبِيرٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢) ؟ وَالصَّغِيرُ لاَ يَكُونُ هَدْيًا، وَإِنَّمَا يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ مَا يُجْزِئُ فِي الأُْضْحِيَّةِ (٣) . стр. 931
ثَانِيًا: إِصَابَةُ الصَّيْدِ:
١٦٥ - إِذَا أَصَابَ الصَّيْدَ بِضَرَرٍ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ، يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ بِحَسَبِ تِلْكَ الإِْصَابَةِ عِنْدَ الثَّلاَثَةِ: الْحَنَفِيَّةِ (١) وَالشَّافِعِيَّةِ (٢) وَالْحَنَابِلَةِ (٣) . فَإِنْ جَرَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا، أَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ. ضَمِنَ قِيمَةَ مَا نَقَصَ مِنْهُ، اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُل، فَكَمَا تَجِبُ الْقِيمَةُ بِالْكُل تَجِبُ بِالْجُزْءِ. وَهَذَا الْجَزَاءُ يَجِبُ إِذَا بَرِئَ الْحَيَوَانُ وَظَهَرَ أَثَرُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ فَلاَ يَضْمَنُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لِزَوَال الْمُوجِبِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ جَرَحَ صَيْدًا يَجِبُ عَلَيْهِ قَدْرُ النَّقْصِ مِنْ مِثْلِهِ مِنَ النَّعَمِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلاَّ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِذَا أَحْدَثَ بِهِ عَاهَةً مُسْتَدِيمَةً فَوَجْهَانِ عِنْدَهُمْ، أَصَحُّهُمَا يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ كَامِلٌ.
أَمَّا إِذَا أَصَابَهُ إِصَابَةً أَزَالَتِ امْتِنَاعَهُ عَمَّنْ يُرِيدُ أَخْذَهُ وَجَبَ الْجَزَاءُ كَامِلاً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ الأَْمْنَ بِهَذَا. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَضْمَنُ النَّقْصَ فَقَطْ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ (٤) فَعِنْدَهُمْ لاَ يَضْمَنُ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ سَلاَمَتُهُ مِنَ الصَّيْدِ بِإِصَابَتِهِ بِنَقْصٍ، وَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ فَرْقُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَلِيمًا وَقِيمَتِهِ بَعْدَ إِصَابَتِهِ. стр. 932
ثَالِثًا: حَلْبُ الصَّيْدِ أَوْ كَسْرُ بَيْضِهِ أَوْ جَزُّ صُوفِهِ:
١٦٦ - يَجِبُ فِيهِ قِيمَةُ كُلٍّ مِنَ اللَّبَنِ وَالْبَيْضِ وَالصُّوفِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) وَالشَّافِعِيَّةِ (٢) وَالْحَنَابِلَةِ (٣) وَيَضْمَنُ أَيْضًا قِيمَةَ مَا يَلْحَقُ الصَّيْدَ نَفْسَهُ مِنْ نَقْصٍ بِسَبَبٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ (٤) عَلَى الْبَيْضِ أَنَّ فِيهِ عُشْرَ دِيَةِ الأُْمِّ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ فَرْخٌ وَيَسْتَهِل ثُمَّ يَمُوتُ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الدِّيَةُ كَامِلَةً. وَهَذَا الأَْخِيرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
رَابِعًا: التَّسَبُّبُ فِي قَتْل الصَّيْدِ:
١٦٧ - يَجِبُ فِي التَّسَبُّبِ بِقَتْل الصَّيْدِ الْجَزَاءُ، وَذَلِكَ:
١ - بِأَنْ يَصِيحَ بِهِ وَيُنَفِّرَهُ، فَيَتَسَبَّبَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ.
٢ - بِنَصْبِ شَبَكَةٍ وَقَعَ بِهَا صَيْدٌ فَمَاتَ، أَوْ إِرْسَال كَلْبٍ.
٣ - الْمُشَارَكَةُ بِقَتْل الصَّيْدِ، كَأَنْ يُمْسِكَهُ لِيَقْتُلَهُ آخَرُ، أَوْ يَذْبَحَهُ.
٤ - الدَّلاَلَةُ عَلَى الصَّيْدِ، أَوِ الإِْشَارَةُ، أَوِ الإِْعَانَةُ بِغَيْرِ الْمُشَارَكَةِ فِي الْيَدِ، كَمُنَاوَلَةِ آلَةٍ أَوْ سِلاَحٍ، يَضْمَنُ فَاعِلُهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٥) وَالْحَنَابِلَةِ (٦) ، وَلاَ يَضْمَنُ عِنْدَ стр. 933
الْمَالِكِيَّةِ (١) وَالشَّافِعِيَّةِ (٢) .
خَامِسًا: التَّعَدِّي بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ:
١٦٨ - إِذَا مَاتَ الصَّيْدُ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لأَِنَّهُ تَعَدَّى بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُهُ وَلَوْ كَانَ وَدِيعَةً (٣) .
سَادِسًا: أَكْل الْمُحْرِمِ مِنْ ذَبِيحَةِ الصَّيْدِ أَوْ قَتِيلِهِ:
١٦٩ - إِنْ أَكَل الْمُحْرِمُ مِنْ ذَبِيحَةٍ أَوْ صَيْدِ مُحْرِمٍ أَوْ ذَبِيحَةِ صَيْدِ الْحَرَمِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ لِلأَْكْل، وَلَوْ كَانَ هُوَ قَاتِل الصَّيْدِ أَيْضًا أَوْ ذَابِحَهُ فَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ لِلأَْكْل، إِنَّمَا عَلَيْهِ جَزَاءُ قَتْل الصَّيْدِ أَوْ ذَبْحِهِ إِنْ فَعَل ذَلِكَ هُوَ، وَذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمُ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ، وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ (٤) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ (٥) كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا أَكَل مِنْ صَيْدِ غَيْرِهِ، أَوْ صَيْدِ الْحَرَمِ إِذَا أَكَل مِنْهُ الْحَلاَل الَّذِي صَادَهُ، وَأَوْجَبَ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا أَكَل مِنْ صَيْدِهِ أَوْ ذَبِيحَتِهِ مِنَ الصَّيْدِ الضَّمَانَ سَوَاءٌ أَكَل مِنْهُ قَبْل الضَّمَانِ أَوْ بَعْدَهُ. стр. 934
اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ صَيْدٌ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ، فَلَمْ يَضْمَنْ ثَانِيًا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِغَيْرِ الأَْكْل؛ وَلأَِنَّ تَحْرِيمَهُ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً، وَالْمَيْتَةُ لاَ تُضْمَنُ بِالْجَزَاءِ.
وَاسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ " حُرْمَتَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَحْظُورٌ إِحْرَامُهُ؛ لأَِنَّ إِحْرَامَهُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الصَّيْدَ عَنِ الْمَحَلِّيَّةِ، وَالذَّابِحَ عَنِ الأَْهْلِيَّةِ فِي حَقِّ الذَّكَاةِ، فَصَارَتْ حُرْمَةُ التَّنَاوُل بِهَذِهِ الْوَسَائِطِ مُضَافَةً إِلَى إِحْرَامِهِ ".
الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ
فِي الْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ
١٧٠ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ فِي حَالَةِ الإِْحْرَامِ جِنَايَةٌ يَجِبُ فِيهَا الْجَزَاءُ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعَامِدَ وَالْجَاهِل وَالسَّاهِيَ وَالنَّاسِيَ وَالْمُكْرَهَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (١) وَالْمَالِكِيَّةِ (٢) وَالْحَنَابِلَةِ (٣) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: " لأَِنَّهُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ قَضَاءُ الْحَجِّ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ كَالْفَوَاتِ ". لَكِنِ اسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ مِنَ الْفِدَاءِ الْمَوْطُوءَةَ كُرْهًا، فَقَالُوا: لاَ فِدَاءَ عَلَيْهَا، بَل يَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ فَقَطْ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ (٤) : النَّاسِي وَالْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمُ وَالْمُكْرَهُ وَالْجَاهِل لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالإِْسْلاَمِ أَوْ نُشُوئِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ، فَلاَ يَفْسُدُ الإِْحْرَامُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ بِالْجِمَاعِ. стр. 935
أَوَّلاً: الْجِمَاعُ فِي إِحْرَامِ الْحَجِّ:
يَكُونُ الْجِمَاعُ فِي إِحْرَامِ الْحَجِّ جِنَايَةً فِي ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:
١٧١ - الأَْوَّل - الْجِمَاعُ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. فَمَنْ جَامَعَ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجُّهُ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ أُمُورٍ:
١ - الاِسْتِمْرَارُ فِي حَجِّهِ الْفَاسِدِ إِلَى نِهَايَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّهُ " لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ (١) ".
٢ - أَدَاءُ حَجٍّ جَدِيدٍ فِي الْمُسْتَقْبَل قَضَاءً لِلْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ، وَلَوْ كَانَتْ نَافِلَةً. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ هَذِهِ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ مُنْذُ الإِْحْرَامِ بِحَجَّةِ الْقَضَاءِ، وَأَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَيْهِمَا الاِفْتِرَاقَ.
٣ - ذَبْحُ الْهَدْيِ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ. وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ شَاةٌ، وَقَال الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ: لاَ تُجْزِئُ الشَّاةُ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ.
اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِمَا وَرَدَ أَنَّ رَجُلاً جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ، فَسَأَلاَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال لَهُمَا: اقْضِيَا نُسُكَكُمَا وَأَهْدَيَا هَدْيًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيل وَالْبَيْهَقِيُّ، وَبِمَا رُوِيَ مِنَ الآْثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَاةٌ (٢) . стр. 936
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِمَا قَال الرَّمْلِيُّ: " لِفَتْوَى جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ ". (١)
١٧٢ - الثَّانِي: الْجِمَاعُ بَعْدَ الْوُقُوفِ قَبْل التَّحَلُّل الأَْوَّل. فَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ قَبْل التَّحَلُّل يَفْسُدُ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ - كَمَا هُوَ الْحَال قَبْل الْوُقُوفِ - عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٢) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَفْسُدُ حَجُّهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ بَدَنَةً (٣) .
اسْتَدَل الثَّلاَثَةُ: بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ فَقَال: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ؟ فَقَال: أَفْسَدْتَ حَجَّكَ. انْطَلِقْ أَنْتَ وَأَهْلُكَ مَعَ النَّاسِ، فَاقْضُوا مَا يَقْضُونَ، وَحُل إِذَا حَلُّوا. فَإِذَا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِل فَاحْجُجْ أَنْتَ وَامْرَأَتُكَ، وَأَهْدَيَا هَدْيًا، فَإِنْ لَمْ تَجِدَا فَصُومَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعْتُمْ (٤) .
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل: أَنَّهُ وَنَحْوُهُ مِمَّا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ مُطْلَقٌ فِي الْمُحْرِمِ إِذَا جَامَعَ، لاَ تَفْصِيل فِيهِ بَيْنَ مَا قَبْل الْوُقُوفِ وَبَيْنَ مَا بَعْدَهُ، فَيَكُونُ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا، وَهُوَ الْفَسَادُ وَوُجُوبُ بَدَنَةٍ.
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْلِهِ ﷺ : стр. 937
الْحَجُّ عَرَفَةُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ (١) ، وَبِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرَّسٍ الطَّائِيِّ: وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْل ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَال الْحَاكِمُ: " صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ كَافَّةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ". (٢)
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل: أَنَّ حَقِيقَةَ تَمَامِ الْحَجِّ الْمُتَبَادِرَةَ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرُ مُرَادَةٍ؛ لِبَقَاءِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَهُوَ رُكْنٌ إِجْمَاعًا، فَتَعَيَّنَ الْقَوْل بِأَنَّ الْحَجَّ قَدْ تَمَّ حُكْمًا، وَالتَّمَامُ الْحُكْمِيُّ يَكُونُ بِالأَْمْنِ مِنْ فَسَادِ الْحَجِّ بَعْدَهُ، فَأَفَادَ الْحَدِيثُ أَنَّ الْحَجَّ لاَ يَفْسُدُ بَعْدَ عَرَفَةَ مَهْمَا صَنَعَ الْمُحْرِمُ (٣) . وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا الْبَدَنَةَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سُئِل عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ بِأَهْلِهِ وَهُوَ بِمِنًى قَبْل أَنْ يُفِيضَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً. رَوَاهُ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (٤) . стр. 938
١٧٣ - الثَّالِثُ: الْجِمَاعُ بَعْدَ التَّحَلُّل الأَْوَّل: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ بَعْدَ التَّحَلُّل الأَْوَّل لاَ يُفْسِدُ الْحَجَّ. وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ بِهِ الْجِمَاعَ بَعْدَ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ وَلَوْ قَبْل الرَّمْيِ، وَالْجِمَاعَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ قَبْل الرَّمْيِ وَالإِْفَاضَةِ. وَوَقَعَ الْخِلاَفُ فِي الْجَزَاءِ الْوَاجِبِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَاةٌ. قَالُوا فِي الاِسْتِدْلاَل: " لِخِفَّةِ الْجِنَايَةِ، لِوُجُودِ التَّحَلُّل فِي حَقِّ غَيْرِ النِّسَاءِ ".
وَقَال مَالِكٌ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَجِبُ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ. وَعَلَّلَهُ الْبَاجِيُّ بِأَنَّهُ لِعِظَمِ الْجِنَايَةِ عَلَى الإِْحْرَامِ (١) .
وَأَوْجَبَ مَالِكٌ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى مَنْ فَعَل هَذِهِ الْجِنَايَةَ بَعْدَ التَّحَلُّل الأَْوَّل قَبْل الإِْفَاضَةِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْحِل، وَيَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ، لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ذَلِكَ. قَال الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: " وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمَّا أَدْخَل النَّقْصَ عَلَى طَوَافِهِ لِلإِْفَاضَةِ بِمَا أَصَابَ مِنَ الْوَطْءِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ بِطَوَافٍ سَالِمٍ إِحْرَامُهُ مِنْ ذَلِكَ النَّقْصِ، وَلاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ فِي إِحْرَامٍ إِلاَّ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ". وَلَمْ يُوجِبِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ (٢) .
ثَانِيًا: الْجِمَاعُ فِي إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ:
١٧٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ قَبْل أَنْ стр. 939
يُؤَدِّيَ رُكْنَ الْعُمْرَةِ، وَهُوَ الطَّوَافُ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ، تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ، أَمَّا لَوْ وَقَعَ الْمُفْسِدُ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ تَفْسُدُ الْعُمْرَةُ؛ لأَِنَّهُ بِأَدَاءِ الرُّكْنِ أَمِنَ الْفَسَادَ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ إِنْ حَصَل قَبْل تَمَامِ سَعْيِهَا وَلَوْ بِشَرْطٍ فَسَدَتْ، أَمَّا لَوْ وَقَعَ بَعْدَ تَمَامِ السَّعْيِ قَبْل الْحَلْقِ فَلاَ تَفْسُدُ؛ لأَِنَّهُ بِالسَّعْيِ تَتِمُّ أَرْكَانُهَا، وَالْحَلْقُ مِنْ شُرُوطِ الْكَمَال عِنْدَهُمْ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إِذَا حَصَل الْمُفْسِدُ قَبْل التَّحَلُّل مِنَ الْعُمْرَةِ فَسَدَتْ. وَالتَّحَلُّل بِالْحَلْقِ، وَهُوَ رُكْنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) .
١٧٥ يَجِبُ فِي إِفْسَادِ الْعُمْرَةِ مَا يَجِبُ فِي إِفْسَادِ الْحَجِّ مِنَ الاِسْتِمْرَارِ فِيهَا، وَالْقَضَاءِ وَالْفِدَاءِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي فِدَاءِ إِفْسَادِ الْعُمْرَةِ: فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ شَاةٌ؛ لأَِنَّ الْعُمْرَةَ أَقَل رُتْبَةً مِنَ الْحَجِّ، فَخَفَّتْ جِنَايَتُهَا، فَوَجَبَتْ شَاةٌ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ قِيَاسًا عَلَى الْحَجِّ. أَمَّا فِدَاءُ الْجِمَاعِ الَّذِي لاَ يُفْسِدُ الْعُمْرَةَ فَشَاةٌ فَقَطْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَبَدَنَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٢) .
ثَالِثًا: مُقَدِّمَاتُ الْجِمَاعِ:
١٧٦ - الْمُقَدِّمَاتُ الْمُبَاشَرَةُ أَوِ الْقَرِيبَةُ، كَاللَّمْسِ стр. 940
بِشَهْوَةٍ، وَالتَّقْبِيل، وَالْمُبَاشَرَةِ بِغَيْرِ جِمَاعٍ: يَجِبُ عَلَى مَنْ فَعَل شَيْئًا مِنْهَا الدَّمُ سَوَاءٌ أَنْزَل مَنِيًّا أَوْ لَمْ يُنْزِل. وَلاَ يَفْسُدُ حَجُّهُ اتِّفَاقًا بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ قَالُوا: إِنْ أَنْزَل وَجَبَ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ أَنْزَل بِمُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ مَنِيًّا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجِمَاعِ فِي إِفْسَادِ الْحَجِّ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُجَامِعِ مِمَّا ذُكِرَ سَابِقًا، وَإِنْ لَمْ يُنْزِل فَلْيُهْدِ بَدَنَةً (١) .
١٧٧ - الْمُقَدِّمَاتُ الْبَعِيدَةُ: كَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ وَالتَّفَكُّرِ كَذَلِكَ، صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا الْفِدَاءُ، وَلَوْ أَدَّى إِلَى الإِْنْزَال. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ فِي الْفِكْرِ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: إِذَا فَعَل أَيَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِقَصْدِ اللَّذَّةِ، وَاسْتَدَامَهُ حَتَّى خَرَجَ الْمَنِيُّ، فَهُوَ كَالْجِمَاعِ فِي إِفْسَادِ الْحَجِّ. وَإِنْ خَرَجَ الْمَنِيُّ بِمُجَرَّدِ الْفِكْرِ أَوِ النَّظَرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدَامَةٍ فَلاَ يَفْسُدُ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْهَدْيُ (بَدَنَةٌ) . وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ نَظَرَ فَصَرَفَ بَصَرَهُ فَأَمْنَى فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ حَتَّى أَمْنَى فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ.
رَابِعًا: فِي جِمَاعِ الْقَارِنِ:
١٧٨ - قَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ فِي جِمَاعِ الْقَارِنِ - بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِمْ أَنَّهُ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ - التَّفْصِيل الآْتِيَ (٢) :
١ - إِنْ جَامَعَ قَبْل الْوُقُوفِ، وَقَبْل طَوَافِ الْعُمْرَةِ، فَسَدَ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ كِلاَهُمَا، وَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِيهِمَا، وَعَلَيْهِ стр. 941
شَاتَانِ لِلْجِنَايَةِ عَلَى إِحْرَامِهِمَا، وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُمَا، وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ.
٢ - إِنْ جَامَعَ بَعْدَمَا طَافَ لِعُمْرَتِهِ كُل أَشْوَاطِهِ أَوْ أَكْثَرَهَا فَسَدَ حَجُّهُ دُونَ عُمْرَتِهِ لأَِنَّهُ أَدَّى رُكْنَهَا قَبْل الْجِمَاعِ، وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ، وَعَلَيْهِ دَمَانِ لِجِنَايَتِهِ الْمُتَكَرِّرَةِ حُكْمًا، دَمٌ لِفَسَادِ الْحَجِّ، وَدَمٌ لِلْجِمَاعِ فِي إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ لِعَدَمِ تَحَلُّلِهِ مِنْهَا، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْحَجِّ فَقَطْ، لِصِحَّةِ عُمْرَتِهِ.
٣ - إِنْ جَامَعَ بَعْدَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَبَعْدَ الْوُقُوفِ قَبْل الْحَلْقِ وَلَوْ بِعَرَفَةَ لَمْ يَفْسُدِ الْحَجُّ وَلاَ الْعُمْرَةُ، لإِِدْرَاكِهِ رُكْنَهُمَا، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ؛ لِصِحَّةِ أَدَاءِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، لَكِنْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْحَجِّ وَشَاةٌ لِلْعُمْرَةِ.
٤ - لَوْ لَمْ يَطُفْ لِعُمْرَتِهِ - ثُمَّ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ - فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْحَجِّ، وَشَاةٌ لِرَفْضِ الْعُمْرَةِ، وَقَضَاؤُهَا.
٥ - لَوْ طَافَ الْقَارِنُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ قَبْل الْحَلْقِ، ثُمَّ جَامَعَ، فَعَلَيْهِ شَاتَانِ بِنَاءً عَلَى وُقُوعِ الْجِنَايَةِ عَلَى إِحْرَامَيْهِ؛ لِعَدَمِ التَّحَلُّل الأَْوَّل الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ التَّحَلُّل الثَّانِي.
الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ
فِي أَحْكَامِ كَفَّارَاتِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ
كَفَّارَاتُ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ، هِيَ: الْهَدْيُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالصِّيَامُ، وَالْقَضَاءُ، وَالْكَلاَمُ هُنَا عَلَى أَحْكَامِهَا الْخَاصَّةِ بِهَذَا الْمَوْضُوعِ:
الْمَطْلَبُ الأَْوَّل
الْهَدْيُ .
١٧٩ - تُرَاعَى فِي الْهَدْيِ وَذَبْحِهِ وَأَنْوَاعِهِ الشُّرُوطُ وَالأَْحْكَامُ الْمُوَضَّحَةُ فِي مُصْطَلَحِ " هَدْيٌ ".
стр. 942
الْمَطْلَبُ الثَّانِي
الصَّدَقَةُ
١٨٠ - يُرَاعَى فِي الْمَال الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الأَْصْنَافِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهَا صَدَقَةُ الْفِطْرِ، كَمَا تُرَاعَى أَحْكَامُ الزَّكَاةِ فِي الْفَقِيرِ الَّذِي تُدْفَعُ إِلَيْهِ. وَيُرَاعَى فِي إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ، وَمِقْدَارِ الصَّدَقَةِ لِكُل مِسْكِينٍ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَهَذَا فِي الإِْطْعَامِ الْوَاجِبِ فِي الْفِدْيَةِ. وَأَمَّا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لَمْ يُقَيِّدُوا الصَّدَقَةَ فِيهِ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ. وَتَفْصِيلاَتُ ذَلِكَ وَآرَاءُ الْفُقَهَاءِ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ هَدْيٌ وَكَفَّارَةٌ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ.
الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ
الصِّيَامُ
١٨١ - أَوَّلاً: مَنْ كَفَّرَ بِالصِّيَامِ يُرَاعِي فِيهِ أَحْكَامَ الصِّيَامِ وَلاَ سِيَّمَا تَبْيِيتَ النِّيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاجِبِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ (ر: صَوْمٌ) .
١٨٢ - ثَانِيًا: الصِّيَامُ الْمُقَرَّرُ جَزَاءً عَنِ الْمَحْظُورِ لاَ يَتَقَيَّدُ بِزَمَانٍ وَلاَ مَكَانٍ وَلاَ تَتَابُعٍ اتِّفَاقًا، إِلاَّ الصِّيَامَ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ هَدْيِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، فَإِنَّهُ يَصُومُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. فَلاَ يَصِحُّ صِيَامُ الأَْيَّامِ الثَّلاَثَةِ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلاَ قَبْل إِحْرَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي حَقِّ الْقَارِنِ، وَلاَ قَبْل إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ اتِّفَاقًا.
أَمَّا تَقْدِيمُهَا لِلْمُتَمَتِّعِ عَلَى إِحْرَامِ الْحَجِّ فَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ (١) وَالشَّافِعِيَّةُ (٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ стр. 943
أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (١) وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ (٢) وَالْحَنَابِلَةُ (٣) لأَِنَّهُ كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ: " وَقْتٌ كَامِلٌ جَازَ فِيهِ نَحْرُ الْهَدْيِ، فَجَازَ فِيهِ الصِّيَامُ، كَبَعْدَ إِحْرَامِ الْحَجِّ. وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى (فِي الْحَجِّ) أَيْ فِي وَقْتِهِ ".
وَأَمَّا الأَْيَّامُ السَّبْعَةُ الْبَاقِيَةُ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ هَدْيِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، فَلاَ يَصِحُّ صِيَامُهَا إِلاَّ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ يَجُوزُ صِيَامُهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَفْعَال الْحَجِّ، وَلَوْ فِي مَكَّةَ، إِذَا مَكَثَ بِهَا، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٤) . وَالأَْفْضَل الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَصُومَهَا إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لَكِنَّ الأَْظْهَرَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَصُومُ الأَْيَّامَ السَّبْعَةَ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا فِي الطَّرِيقِ، إِلاَّ إِذَا أَرَادَ الإِْقَامَةَ بِمَكَّةَ صَامَهَا بِهَا (٥) .
وَالدَّلِيل لِلْجَمِيعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ . (٦) فَحَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَال غَيْرُهُمْ: إِنَّ الْفَرَاغَ مِنَ الْحَجِّ هُوَ الْمُرَادُ بِالرُّجُوعِ، فَكَأَنَّهُ بِالْفَرَاغِ رَجَعَ عَمَّا كَانَ مُقْبِلاً عَلَيْهِ.
١٨٣ - ثَالِثًا: مَنْ فَاتَهُ أَدَاءُ الأَْيَّامِ الثَّلاَثَةِ فِي الْحَجِّ يَقْضِيهَا عِنْدَ الثَّلاَثَةِ، وَيَرْجِعُ إِلَى الدَّمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٧) ، لاَ يُجْزِيهِ غَيْرُهُ. وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
ثُمَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ صَامَ بَعْضَهَا قَبْل يَوْمِ النَّحْرِ كَمَّلَهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَإِنْ стр. 944
أَخَّرَهَا عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ صَامَهَا مَتَى شَاءَ، وَصَلَهَا بِالسَّبْعَةِ أَوْ لاَ.
وَلَمْ يُجِزِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْقَوْل الآْخَرِ عِنْدَهُمْ صِيَامَهَا أَيَّامَ النَّحْرِ وَالتَّشْرِيقِ، بَل يُؤَخِّرُهَا إِلَى مَا بَعْدُ.
١٨٤ - وَيَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ فِي قَضَاءِ الأَْيَّامِ الثَّلاَثَةِ: " أَنْ يُفَرِّقَ فِي قَضَائِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبْعَةِ بِقَدْرِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَمُدَّةِ إِمْكَانِ السَّيْرِ إِلَى أَهْلِهِ، عَلَى الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، كَمَا فِي الأَْدَاءِ، فَلَوْ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَالِيَةً حَصَلَتِ الثَّلاَثَةُ، وَلاَ يُعْتَدُّ بِالْبَقِيَّةِ لِعَدَمِ التَّفْرِيقِ ".
الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ
فِي الْقَضَاءِ
١٨٥ - وَهُوَ مِنْ وَاجِبِ إِفْسَادِ النُّسُكِ بِالْجِمَاعِ. وَمِنْ أَحْكَامِهِ مَا يَلِي:
أَوَّلاً: يُرَاعَى فِي قَضَاءِ النُّسُكِ أَحْكَامُ الأَْدَاءِ الْعَامَّةِ، مَعَ تَعْيِينِ الْقَضَاءِ فِي نِيَّةِ الإِْحْرَامِ بِهِ.
ثَانِيًا: قَال الْحَنَفِيَّةُ (١) وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ قَابِلٍ أَيْ مِنْ سَنَةٍ آتِيَةٍ، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ عَلَى الْفَوْرِ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ (٢) وَالشَّافِعِيَّةِ (٣) وَالْحَنَابِلَةِ (٤) أَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ وَلَوْ كَانَ النُّسُكُ الْفَاسِدُ تَطَوُّعًا، فَيَأْتِي بِالْعُمْرَةِ عَقِبَ التَّحَلُّل مِنَ الْعُمْرَةِ стр. 945
الْفَاسِدَةِ، وَيَحُجُّ فِي الْعَامِ الْقَادِمِ.
ثَالِثًا: قَرَّرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمُفْسِدَ عِنْدَمَا يَقْضِي نُسُكَهُ الْفَاسِدَ يُحْرِمُ فِي الْقَضَاءِ حَيْثُ أَحْرَمَ فِي النُّسُكِ الْمُفْسَدِ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنَ الْجُحْفَةِ مَثَلاً أَحْرَمَ فِي الْقَضَاءِ مِنْهَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ سَلَكَ فِي الْقَضَاءِ طَرِيقًا آخَرَ أَحْرَمَ مِنْ مِثْل مَسَافَةِ الْمِيقَاتِ الأَْوَّل مَا لَمْ يَجْعَلْهُ ذَلِكَ يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنَ الْمِيقَاتِ. وَإِنْ أَحْرَمَ فِي الْعَامِ الأَْوَّل قَبْل الْمَوَاقِيتِ لَزِمَهُ كَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يَجِبُ الإِْحْرَامُ بِالْقَضَاءِ إِلاَّ مِنَ الْمَوَاقِيتِ. أَمَّا إِنْ جَاوَزَ فِي الْعَامِ الأَْوَّل الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَإِنَّهُ فِي الْقَضَاءِ يُحْرِمُ مِنَ الْمِيقَاتِ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ فِي عَامِ الْفَسَادِ لِعُذْرٍ مَشْرُوعٍ " كَأَنْ يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ حَلاَلاً لِعَدَمِ إِرَادَتِهِ دُخُول مَكَّةَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَرَادَ الدُّخُول، وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ، فَإِنَّهُ فِي عَامِ الْقَضَاءِ يُحْرِمُ مِمَّا أَحْرَمَ مِنْهُ أَوَّلاً ". (١) стр. 946
إِحْصَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الإِْحْصَارِ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ مِنْ بُلُوغِ الْمَنَاسِكِ بِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَهُوَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ أَيْضًا عَلَى خِلاَفٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الإِْحْصَارُ (١)
٢ - وَاسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ مَادَّةَ (حَصَرَ) بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِي كُتُبِهِمُ اسْتِعْمَالاً كَثِيرًا. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: قَوْل صَاحِبِ تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ وَشَارِحِهِ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ (٢) : " وَالْمَحْصُورُ فَاقِدُ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ الطَّهُورَيْنِ، بِأَنْ حُبِسَ فِي مَكَانٍ نَجِسٍ، وَلاَ يُمْكِنُهُ إِخْرَاجُ مُطَهِّرٍ، وَكَذَا الْعَاجِزُ عَنْهُمَا لِمَرَضٍ يُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالاَ (٣) يَتَشَبَّهُ بِالْمُصَلِّينَ وُجُوبًا، فَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ إِنْ وَجَدَ مَكَانًا يَابِسًا، وَإِلاَّ يُومِئُ قَائِمًا ثُمَّ يُعِيدُ ".
وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْل صَاحِبِ تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ (٤) : " وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ (٥) أَنْ يَسْتَخْلِفَ إِذَا حُصِرَ عَنْ قِرَاءَةِ قَدْرِ الْمَفْرُوضِ ". وَقَال أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ (٦) : " وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ стр. 947
بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مَا شَاءَ مِنَ النَّوَافِل؛ لأَِنَّهَا غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، فَخَفَّ أَمْرُهَا ". وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةٌ) .
إِلاَّ أَنَّهُمْ غَلَّبُوا اسْتِعْمَال هَذِهِ الْمَادَّةِ (حَصَرَ) وَمُشْتَقَّاتِهَا فِي بَابِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنْ أَرْكَانِ النُّسُكِ، وَذَلِكَ اتِّبَاعًا لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَتَوَافَقَتْ عَلَى ذَلِكَ عِبَارَاتُهُمْ حَتَّى أَصْبَحَ (الإِْحْصَارُ) اصْطِلاَحًا فِقْهِيًّا مَعْرُوفًا وَمَشْهُورًا.
٢ - وَيُعَرِّفُ الْحَنَفِيَّةُ الإِْحْصَارَ بِأَنَّهُ: هُوَ الْمَنْعُ مِنَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالطَّوَافِ جَمِيعِهِمَا بَعْدَ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ الْفَرْضِ، وَالنَّفْل، وَفِي الْعُمْرَةِ عَنِ الطَّوَافِ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِ (١) . وَيُعَرِّفُهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ الْمَنْعُ مِنَ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ مَعًا أَوِ الْمَنْعُ مِنْ أَحَدِهِمَا (٢) .
وَبِمِثْل مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ هَذَا التَّعْرِيفُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ (٣) ، وَنَصُّهُ: " هُوَ الْمَنْعُ مِنْ إِتْمَامِ أَرْكَانِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ ".
وَيَنْطَبِقُ هَذَا التَّعْرِيفُ لِلشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ فِي الإِْحْصَارِ؛ لأَِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالإِْحْصَارِ عَنْ أَيٍّ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يَسِيرٍ فِي كَيْفِيَّةِ التَّحَلُّل لِمَنْ أُحْصِرَ عَنِ الْوُقُوفِ دُونَ الطَّوَافِ.
الأَْصْل التَّشْرِيعِيُّ فِي مُوجِبِ الإِْحْصَارِ:
٣ - مُوجِبُ الإِْحْصَارِ - إِجْمَالاً - التَّحَلُّل بِكَيْفِيَّةٍ стр. 948
سَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا. وَالأَْصْل فِي هَذَا الْمَبْحَثِ حَادِثَةُ الْحُدَيْبِيَةِ الْمَعْرُوفَةُ (١) ،
وَفِي ذَلِكَ نَزَل قَوْلُهُ ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ . (٢)
وَقَال ابْنُ عُمَرَ ﵄: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَحَال كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الإِْحْصَارُ:
٤ - يَتَحَقَّقُ الإِْحْصَارُ بِوُجُودِ رُكْنِهِ، وَهُوَ الْمَنْعُ مِنَ الْمُضِيِّ فِي النُّسُكِ، حَجًّا كَانَ أَوْ عُمْرَةً، إِذَا تَوَافَرَتْ فِيهِ شُرُوطٌ بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
رُكْنُ الإِْحْصَارِ:
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَنْعِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ الإِْحْصَارُ هَل يَشْمَل الْمَنْعَ بِالْعَدُوِّ وَالْمَنْعَ بِالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْعِلَل، أَمْ يَخْتَصُّ بِالْحَصْرِ بِالْعَدُوِّ؟
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: " الإِْحْصَارُ يَتَحَقَّقُ بِالْعَدُوِّ، وَغَيْرِهِ، كَالْمَرَضِ، وَهَلاَكِ النَّفَقَةِ، وَمَوْتِ مَحْرَمِ الْمَرْأَةِ، أَوْ زَوْجِهَا، فِي الطَّرِيقِ (٣) "
وَيَتَحَقَّقُ الإِْحْصَارُ بِكُل حَابِسٍ يَحْبِسُهُ (٤) ، يَعْنِي стр. 949
الْمُحْرِمَ، عَنِ الْمُضِيِّ فِي مُوجِبِ الإِْحْرَامِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (١) . وَهُوَ قَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَلْقَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَمُقَاتِل بْنِ حَيَّانَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ (٢) .
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْحَصْرَ يَتَحَقَّقُ بِالْعَدُوِّ، وَالْفِتْنَةِ، وَالْحَبْسِ ظُلْمًا (٣) . كَذَلِكَ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، مَعَ أَسْبَابٍ أُخْرَى مِنَ الْحَصْرِ بِمَا يَقْهَرُ الإِْنْسَانَ، مِمَّا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ، كَمَنْعِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ عَنِ الْمُتَابَعَةِ.
وَاتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الثَّلاَثَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْوُصُول إِلَى الْبَيْتِ بِحَاصِرٍ آخَرَ غَيْرِ الْعَدُوِّ، كَالْحَصْرِ بِالْمَرَضِ أَوْ بِالْعَرَجِ أَوْ بِذَهَابِ نَفَقَةٍ وَنَحْوِهِ، أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّل بِذَلِكَ (٤) .
لَكِنْ مَنِ اشْتَرَطَ التَّحَلُّل إِذَا حَبَسَهُ حَابِسٌ لَهُ حُكْمٌ خَاصٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَهَذَا الْقَوْل يَنْفِي تَحَقُّقَ الإِْحْصَارِ بِالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ مِنْ عِلَّةٍ وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَطَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ (٥) .
٦ - اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ بِالأَْدِلَّةِ مِنَ الْكِتَابِ стр. 950
وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُول:
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ . (١) وَوَجْهُ دَلاَلَةِ الآْيَةِ قَوْل أَهْل اللُّغَةِ إِنَّ الإِْحْصَارَ مَا كَانَ بِمَرَضٍ أَوْ عِلَّةٍ، وَقَدْ عَبَّرَتِ الآْيَةُ بِأُحْصِرْتُمْ، فَدَل عَلَى تَحَقُّقِ الإِْحْصَارِ شَرْعًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرَضِ وَبِالْعَدُوِّ. وَقَال الْجَصَّاصُ: " لَمَّا ثَبَتَ بِمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ قَوْل أَهْل اللُّغَةِ أَنَّ اسْمَ الإِْحْصَارِ يَخْتَصُّ بِالْمَرَضِ، وَقَال اللَّهُ ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلاً فِيمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ، وَهُوَ الْمَرَضُ، وَيَكُونَ الْعَدُوُّ دَاخِلاً فِيهِ بِالْمَعْنَى ".
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَدْ أَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الأَْرْبَعَةِ (٢) بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، كَمَا قَال النَّوَوِيُّ (٣) ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَال: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الأَْنْصَارِيَّ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَل، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ. قَال عِكْرِمَةُ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالاَ: صَدَقَ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (٤) وَابْنِ مَاجَهْ: مَنْ следующие страницы →