← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.

стр. 9276

جُلُوسُ الْمُؤَذِّنِ بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ: ٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْمُؤَذِّنِ الْفَصْل بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالصَّلاَةِ الْمَنْدُوبَةِ، فَإِنْ لَمْ يُصَل، أَوْ لَمْ يَكُنِ الْوَقْتُ وَقْتَ جَوَازٍ يَفْصِل بَيْنَهُمَا بِجَلْسَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فِيمَا سِوَى الْمَغْرِبِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: الْفَصْل فِي الْمَغْرِبِ لاَ يَكُونُ بِجَلْسَةٍ بَل بِسَكْتَةٍ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُفْصَل بَيْنَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ وَإِقَامَتِهِ لِصَلاَةٍ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجْلِسُ جَلْسَةً خَفِيفَةً مِقْدَارَ الْجَلْسَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: جُلُوسُ الْمُؤَذِّنِ بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ فِي الْمَغْرِبِ مِنَ السُّنَّةِ (١) . وَالْخِلاَفُ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فِي الأَْفْضَلِيَّةِ، فَلَوْ جَلَسَ لاَ يُكْرَهُ عِنْدَهُ أَيْضًا. وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يُفْصَل فِي الْمَغْرِبِ بِرَكْعَتَيْنِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَفِي قَوْلٍ:

стр. 9277

يُفْصَل بَيْنَهُمَا بِسَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ أَوْ نَحْوِهَا كَقُعُودٍ لَطِيفٍ؛ لِضِيقِ وَقْتِهَا (١) . الْجُلُوسُ قَبْل تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ: ٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُكْرَهُ الْجُلُوسُ قَبْل تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذَا دَخَل أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ (٢) ، وَاخْتَلَفُوا فِي فَوَاتِهَا بِالْجُلُوسِ، فَإِذَا جَلَسَ قَبْل الصَّلاَةِ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَقُومَ فَيُصَلِّيَ، لِحَدِيثِ سُلَيْكٍ الْغَطَفَانِيِّ وَنَصُّهُ: " عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ فَقَال لَهُ: يَا سُلَيْكُ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا. ثُمَّ قَال: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا (٣) . وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تَفُوتُ بِهِ فَلاَ

стр. 9278

يَفْعَلُهَا بَعْدَهُ (١) . وَتَمَامُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ) . الْجُلُوسُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ فِي الصَّلاَةِ: ٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْجُلُوسَ بَدَلٌ عَنِ الْقِيَامِ فِي صَلاَةِ الْفَرِيضَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ، فَمَنْ لاَ يُطِيقُ الْقِيَامَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا (٢) ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَل قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (٣) . وَفِي بَيَانِ الْعَجْزِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةُ الْمَرِيضِ) . ١٠ - وَأَمَّا أَدَاءُ صَلاَةِ النَّفْل جَالِسًا فَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا فِي إِبَاحَةِ التَّطَوُّعِ جَالِسًا، وَلَكِنَّهُ خِلاَفُ الأَْوْلَى، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَل، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ (٤) . وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ صَلاَةُ

стр. 9279

الرَّجُل قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلاَةِ (١) . وَلأَِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ طُول الْقِيَامِ، فَلَوْ وَجَبَ فِي التَّطَوُّعِ لَتُرِكَ أَكْثَرُهُ، فَسَامَحَ الشَّارِعُ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ فِيهِ تَرْغِيبًا فِي تَكْثِيرِهِ، كَمَا سَامَحَ فِي فِعْلِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ (٢) . وَأَمَّا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ فَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْجُلُوسَ فِيهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ مَكْرُوهٌ (٣) . الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: ١١ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ رُكْنٌ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا (٤) . وَقَال أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِفَرْضِيَّتِهِ. وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَرُوِيَ وُجُوبُهُ. يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ:

стр. 9280

وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلأَْدِلَّةِ، وَعَلَيْهِ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَصِفَةُ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ الاِفْتِرَاشُ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ التَّوَرُّكُ كَجُلُوسِ التَّشَهُّدِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْفَخِذَيْنِ عِنْدَ الْجَمِيعِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ تَمَامِ صِفَةِ الْجُلُوسِ (١) . وَفِي التَّعْدِيل فِي الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ فِي الذِّكْرِ الْمَسْنُونِ فِيهَا وَقَدْرِهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (تَعْدِيلٌ) (وَدُعَاءٌ) . جِلْسَةُ الاِسْتِرَاحَةِ: ١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ لَدَى الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ لاَ يَجْلِسُ جِلْسَةَ الاِسْتِرَاحَةِ، وَيُكْرَهُ فِعْلُهَا تَنْزِيهًا لِمَنْ لَيْسَ بِهِ عُذْرٌ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ، قَال التِّرْمِذِيُّ: وَعَلَيْهِ الْعَمَل

стр. 9281

عِنْدَ أَهْل الْعِلْمِ، وَقَال أَبُو الزِّنَادِ: تِلْكَ السُّنَّةُ (١) . وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَهُوَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا الْخَلاَّل أَنَّهُ يُسَنُّ بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جِلْسَةٌ لِلاِسْتِرَاحَةِ فِي كُل رَكْعَةٍ تَقُومُ عَنْهَا، لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْل أَنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى (٢) . وَصِفَةُ الْجُلُوسِ هُنَا كَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَدْرًا وَهَيْئَةً، وَيُكْرَهُ تَطْوِيلُهُ، وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْل الرَّافِعِيِّ: " أَنَّهَا خَفِيفَةٌ " وَقَوْل النَّوَوِيِّ فِي مَجْمُوعِهِ " أَنَّهَا خَفِيفَةٌ جِدًّا ". ثُمَّ قَطَعَ الرَّافِعِيُّ: بِأَنَّهَا لِلْفَصْل بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ وَجْهًا أَنَّهَا: مِنَ الثَّانِيَةِ، وَهُنَاكَ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَبْدَاهُ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَهُوَ: أَنَّهَا مِنَ الرَّكْعَةِ الأُْولَى (٣) .

стр. 9282

وَمِنْ خَصَائِصِ جِلْسَةِ الاِسْتِرَاحَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهَا - أَنَّهَا لاَ يَدْعُو فِيهَا بِشَيْءٍ (١) . الْجُلُوسُ فِي التَّشَهُّدِ: ١٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالطَّحَاوِيُّ وَالْكَرْخِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْجُلُوسَ فِي التَّشَهُّدِ الأَْوَّل سُنَّةٌ، لأَِنَّهُ يَسْقُطُ بِالسَّهْوِ فَأَشْبَهَ السُّنَنَ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ وَاجِبٌ حَتَّى يَجِبَ بِتَرْكِهِ سَاهِيًا سُجُودُ السَّهْوِ، وَلاَ يَجِبُ إِلاَّ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ (٢) . وَأَمَّا فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْجُلُوسَ فِيهِ فَرْضٌ، وَقَدْرُهُ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ إِلَى " عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ "، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ، أَوْ قَضَيْتَ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُكَ (٣) عَلَّقَ التَّمَامَ بِالْقَعْدَةِ (٤) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْجُلُوسَ لِلتَّشَهُّدَيْنِ سُنَّةٌ،

стр. 9283

قَال ابْنُ جُزَيٍّ: وَفِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْجُلُوسَ الأَْخِيرَ وَاجِبٌ، وَالأَْصَحُّ أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْهُ مِقْدَارُ السَّلاَمِ (١) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْقَعْدَةِ الأَْخِيرَةِ رُكْنٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عُمَرُ وَابْنُهُ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ ﵃، وَالْحَسَنُ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُنَّةٌ (٢) . وَأَمَّا هَيْئَةُ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ فَالاِفْتِرَاشُ لِلرَّجُل، وَالتَّوَرُّكُ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْقَعْدَةِ الأُْولَى أَمِ الأَْخِيرَةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ هَيْئَةُ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ التَّوَرُّكُ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَتَعَيَّنُ لِلْقُعُودِ هَيْئَةٌ لِلإِْجْزَاءِ، فَكَيْفَمَا قَعَدَ فِي جَلَسَاتِهِ أَجْزَأَهُ، لَكِنَّ السُّنَّةَ فِي جُلُوسِ آخِرِ الصَّلاَةِ التَّوَرُّكُ وَفِي أَثْنَائِهَا الاِفْتِرَاشُ. وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ هَيْئَةَ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ الأَْوَّل بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل هِيَ الاِفْتِرَاشُ، وَفِي الثَّانِي التَّوَرُّكُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَهَا الْخِيَارُ فِي أَنْ تَجْلِسَ مُتَرَبِّعَةً، لأَِنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ أَنْ يَتَرَبَّعْنَ فِي الصَّلاَةِ، أَوْ أَنْ تَسْدُل رِجْلَيْهَا فَتَجْعَلَهُمَا فِي جَانِبِ يَمِينِهَا، وَالْمَنْصُوصُ

стр. 9284

عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ السَّدْل أَفْضَل، لأَِنَّهُ غَالِبُ فِعْل عَائِشَةَ ﵂، وَلأَِنَّهُ أَشْبَهَ بِجِلْسَةِ الرَّجُل (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ يُسَنُّ التَّوَرُّكُ فِي كُل تَشَهُّدٍ يُسَلَّمُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَانِيًا، كَتَشَهُّدِ الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ، لأَِنَّهُ تَشَهُّدٌ يُسَنُّ تَطْوِيلُهُ فَسُنَّ فِيهِ التَّوَرُّكُ كَالثَّانِي. وَلاَ يَتَوَرَّكُ الرَّجُل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلاَّ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ مِنْ صَلاَةٍ فِيهَا تَشَهُّدَانِ. وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُول: فِي كُل رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى (٢) ، وَلأَِنَّ التَّشَهُّدَ الثَّانِيَ إِنَّمَا تَوَرَّكَ فِيهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ إِلاَّ تَشَهُّدٌ وَاحِدٌ لاَ اشْتِبَاهَ فِيهِ، فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الْفَرْقِ (٣) .

стр. 9285

الْجُلُوسُ بَيْنَ كُل تَرْوِيحَتَيْنِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ: ١٤ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ كُل تَرْوِيحَتَيْنِ بَيْنَ الْجُلُوسِ ذَاكِرًا أَوْ سَاكِتًا، وَبَيْنَ صَلاَتِهِ نَافِلَةً مُنْفَرِدًا، وَهَذَا الْجُلُوسُ سُنَّةٌ كَمَا يُفِيدُهُ كَلاَمُ الْكَنْزِ، وَمُسْتَحَبٌّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالزَّيْلَعِيُّ (١) . وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَرِيحَ بَعْدَ كُل أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ بِجَلْسَةٍ يَسِيرَةٍ، قَال الْحَنَابِلَةُ: وَهُوَ فِعْل السَّلَفِ، وَلاَ بَأْسَ بِتَرْكِهِ، وَلاَ يَدْعُو الإِْمَامُ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٢) . الْجُلُوسُ قَبْل الْخُطْبَتَيْنِ وَبَعْدَ الصُّعُودِ إِلَى الْمِنْبَرِ: ١٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْخَطِيبَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ فِي الْجُمُعَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجْلِسُ؛ لأَِنَّ الْجُلُوسَ لاِنْتِظَارِ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنَ الأَْذَانِ فِي الْجُمُعَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي الْعِيدَيْنِ، فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الْجُلُوسِ.

стр. 9286

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ لِيَسْتَرِيحَ؛ وَلأَِنَّهُ أَهْدَى لِمَا يُرِيدُ أَنْ يَفْتَتِحَهُ، وَفِيهِ زِيَادَةُ وَقَارٍ (١) . حُكْمُ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَمِقْدَارُهُ: ١٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَجُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْجُلُوسَ بَيْنَ خُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَال: رَأَيْتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى فَرَغَ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْجُلُوسَ بَيْنَهُمَا بِطُمَأْنِينَةٍ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْخُطْبَةِ، لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا (٢) .

стр. 9287

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ صِفَةَ هَذِهِ الْجِلْسَةِ أَنْ تَكُونَ خَفِيفَةً، وَأَمَّا مِقْدَارُهَا فَقَدْ قِيل: مِقْدَارُ قِرَاءَةِ ثَلاَثِ آيَاتٍ، وَقَال جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: بِقَدْرِ سُورَةِ الإِْخْلاَصِ، وَقِيل: مِقْدَارُ الْجَلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لأَِنَّهُ فَصْلٌ بَيْنَ مُشْتَبِهَتَيْنِ (١) . الْخُطْبَةُ جَالِسًا: ١٧ - مَنْ خَطَبَ جَالِسًا: فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ، لأَِنَّ الصَّلاَةَ تَصِحُّ مِنَ الْقَاعِدِ الْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ فَالْخُطْبَةُ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ فِي خُطْبَتَيِ الْعِيدِ دُونَ الْجُمُعَةِ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لأَِنَّ خُطْبَةَ الْعِيدِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً فَأَشْبَهَتْ صَلاَةَ النَّافِلَةِ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ لَمَّا أَسَنَّ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَيُفْصَل بَيْنَهُمَا بِسَكْتَةٍ (٢) . الْجُلُوسُ عَلَى الْحَرِيرِ: ١٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْجُلُوسِ عَلَى الْحَرِيرِ:

стр. 9288

فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - وَقِيل: أَبُو يُوسُفَ أَيْضًا مَعَ مُحَمَّدٍ - أَنَّهُ حَرَامٌ (١) ، لِمَا رَوَاهُ حُذَيْفَةُ قَال: نَهَانَا رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ يُجْلَسَ عَلَيْهِ (٢) . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى جَوَازِهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ عَلَى مِرْفَقَةِ حَرِيرٍ (٣) ، وَكَانَ عَلَى بِسَاطِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مِرْفَقَةُ حَرِيرٍ. وَأَيْضًا رُوِيَ أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَضَرَ وَلِيمَةً فَجَلَسَ عَلَى وِسَادَةِ حَرِيرٍ؛ وَلأَِنَّ الْجُلُوسَ عَلَى الْحَرِيرِ اسْتِخْفَافٌ وَلَيْسَ بِتَعْظِيمٍ، فَجَرَى مَجْرَى الْجُلُوسِ عَلَى بِسَاطٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ (٤) . وَهَذَا فِي الْخَالِصِ مِنْهُ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (حَرِيرٌ) . الْجُلُوسُ لِلأَْكْل وَالشُّرْبِ: ١٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُنْدَبُ

стр. 9289

الْجُلُوسُ لِلأَْكْل وَالشُّرْبِ وَأَنَّ الشُّرْبَ قَائِمًا بِلاَ عُذْرٍ خِلاَفُ الأَْوْلَى عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (١) . وَأَمَّا هَيْئَةُ الْجُلُوسِ لِلأَْكْل فَقَدْ صَرَّحَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ أَحْسَنَ الْجَلَسَاتِ لِلأَْكْل الإِْقْعَاءُ عَلَى الْوَرِكَيْنِ وَنَصْبُ الرُّكْبَتَيْنِ، ثُمَّ الْجِثِيُّ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ، ثُمَّ نَصْبُ الرِّجْل الْيُمْنَى، وَالْجُلُوسُ عَلَى الْيُسْرَى (٢) . وَالْمَنْدُوبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنْ يُقِيمَ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى أَوْ مَعَ الْيُسْرَى، أَوْ أَنْ يَجْلِسَ كَالصَّلاَةِ، وَجَثَا رَسُول اللَّهِ ﷺ مَرَّةً عَلَى رُكْبَتِهِ (٣) . أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَاسْتَحْسَنُوا أَثْنَاءَ الأَْكْل الْجُلُوسَ عَلَى الرِّجْل الْيُسْرَى، وَنَصْبَ الْيُمْنَى أَوِ التَّرَبُّعَ. وَيُسْتَحَبُّ لِلضَّيْفِ أَنْ لاَ يُطِيل الْجُلُوسَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الأَْكْل، بَل يَسْتَأْذِنُ رَبَّ الْمَنْزِل وَيَنْصَرِفَ (٤) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ (٥) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (أَكْلٌ) . جُلُوسُ مَنْ يَتْبَعُ الْجِنَازَةَ قَبْل وَضْعِهَا: ٢٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمُتَّبِعِ

стр. 9290

الْجِنَازَةِ الْجُلُوسُ قَبْل وَضْعِهَا، وَلاَ بَأْسَ بِالْجُلُوسِ بَعْدَ الْوَضْعِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لاَ يَجْلِسُ حَتَّى يُوضَعَ الْمَيِّتُ فِي اللَّحْدِ، فَكَانَ قَائِمًا مَعَ أَصْحَابِهِ عَلَى رَأْسِ قَبْرٍ، فَقَال يَهُودِيٌّ: هَكَذَا نَصْنَعُ بِمَوْتَانَا، فَجَلَسَ ﷺ وَقَال لأَِصْحَابِهِ: خَالِفُوهُمْ (١) . أَيْ فِي الْقِيَامِ. ثُمَّ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ هُنَا تَحْرِيمِيَّةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ (٢) ، فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: إِذَا اتَّبَعْتُمُ الْجِنَازَةَ فَلاَ تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: حَتَّى تُوضَعَ بِالأَْرْضِ (٣) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ بَأْسَ بِالْجُلُوسِ عِنْدَ الْقَبْرِ قَبْل أَنْ تُوضَعَ الْجِنَازَةُ عَنِ الأَْعْنَاقِ (٤) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَامَ مُنْتَظِرًا، وَإِنْ شَاءَ جَلَسَ (٥) . الْجُلُوسُ لِلتَّعْزِيَةِ: ٢١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ

стр. 9291

يُرَخَّصُ الْجُلُوسُ فِي الْمُصِيبَةِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لِلرِّجَال فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، أَمَّا فِيهِ فَيُكْرَهُ، وَلاَ تَجْلِسُ النِّسَاءُ قَطْعًا. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: لاَ بَأْسَ بِهِ لأَِهْل الْمَيِّتِ فِي الْبَيْتِ أَوِ الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ يَأْتُونَهُمْ وَيُعَزُّونَهُمْ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ يَجُوزُ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُل لِلتَّعْزِيَةِ (١) . لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا قُتِل زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ (٢) . وَقَال مُتَأَخِّرُو فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ: يُكْرَهُ لَهُ الْجُلُوسُ فِي بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ إِلَيْهِ مَنْ يُعَزِّي، بَل إِذَا فَرَغَ، وَرَجَعَ النَّاسُ مِنَ الدَّفْنِ فَلْيَتَفَرَّقُوا، وَيَشْتَغِل النَّاسُ بِأُمُورِهِمْ، وَصَاحِبُ الْبَيْتِ بِأَمْرِهِ (٣) . وَإِلَى الْكَرَاهَةِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْكَرَاهَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَنْزِيهِيَّةٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مُحْدَثٌ آخَرُ. وَنُقِل عَنْ أَحْمَدَ: الرُّخْصَةُ لأَِهْل الْمَيِّتِ (٤) .

стр. 9292

أَمَّا الْجُلُوسُ عَلَى بَابِ دَارِ الْمَيِّتِ: فَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لأَِنَّهُ عَمَل أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ (١) . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِجَوَازِهِ حَيْثُ قَالُوا: لاَ بَأْسَ بِالْجُلُوسِ بِقُرْبِ دَارِ الْمَيِّتِ لِيَتَّبِعَ الْجِنَازَةَ، أَوْ يَخْرُجُ وَلِيُّهُ فَيُعَزِّيهُ، لأَِنَّهُ فَعَلَهُ السَّلَفُ (٢) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (تَعْزِيَةٌ) . الْجُلُوسُ عَلَى الْقُبُورِ: ٢٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْجُلُوسَ عَلَى الْقُبُورِ إِذَا كَانَ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ فَلاَ يَجُوزُ قَوْلاً وَاحِدًا. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَى الْقُبُورِ، لِمَا رَوَى أَبُو مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلاَ تُصَلُّوا إِلَيْهَا (٣) . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ : لأََنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ (٤) .

стр. 9293

قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: وَإِنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ أَثْنَاءَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ يَجْلِسُ بَعِيدًا أَوْ قَرِيبًا بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ فِي حَال حَيَاتِهِ (١) . وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيَّةِ: يَنْبَغِي لِلزَّائِرِ أَنْ يَدْنُوَ مِنَ الْقَبْرِ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَدْنُو مِنْ صَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ لَوْ زَارَهُ. وَيَرَى الطَّحَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَنَسَبَ الْقَوْل إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ جَوَازَ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْقَبْرَ، وَيَجْلِسُ عَلَيْهِ (٢) . قَال الطَّحَاوِيُّ: وَتَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا إِذَا كَانَ الْجُلُوسُ لِلْقِرَاءَةِ (٣) . الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ: ٢٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ جُلُوسِ الْقَاضِي فِي الْمَسْجِدِ لِلْحُكْمِ، وَالْجَامِعُ أَوْلَى؛ لأَِنَّهُ أَشْهَرُ، وَيَخْتَارُ مَسْجِدًا فِي وَسَطِ الْبَلَدِ؛ لِئَلاَّ يَبْعُدَ عَلَى قَاصِدِيهِ. وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ

стр. 9294

يَفْصِل بَيْنَ الْخُصُومِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَال: إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَلِلْحُكْمِ (١) وَلِئَلاَّ يَشْتَبِهَ عَلَى الْغُرَبَاءِ مَكَانُهُ. وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ، وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لَهُ دَكَّةٌ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا جَلَسَ لِلْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ يَجْلِسُ بِغَيْرِ يَوْمِ عِيدِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، وَيُكْرَهُ جُلُوسُهُ يَوْمَ عِيدٍ؛ لأَِنَّهُ يَوْمُ فَرَحٍ وَسُرُورٍ، وَمُصَافَاةٍ لاَ يَوْمُ مُخَاصَمَةٍ. وَبِغَيْرِ يَوْمِ قُدُومِ الْحَاجِّ وَخُرُوجِهِ؛ لاِشْتِغَال النَّاسِ فِيهِ بِتَهْنِئَةِ الْقَادِمِينَ، أَوْ وَدَاعِ الْخَارِجِينَ، وَبِغَيْرِ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ. وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَجْلِسُ بِرِحَابِ الْمَسْجِدِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ وَاسْتَحْسَنَ صَاحِبُ جَوَاهِرِ الإِْكْلِيل هَذَا، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ ﷺ : جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ (٢) .

стр. 9295

وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَجْلِسَ الْقَاضِي فِي دَارٍ لاَ فِي مَسْجِدٍ، فَيُكْرَهُ عِنْدَهُمُ اتِّخَاذُهُ مَجْلِسًا لِلْحُكْمِ فِي الأَْصَحِّ، صَوْنًا لَهُ عَنِ ارْتِفَاعِ الأَْصْوَاتِ، وَاللَّغَطِ الْوَاقِعَيْنِ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ عَادَةً؛ وَلأَِنَّ الْقَضَاءَ قَدْ يَحْضُرُهُ مُشْرِكٌ وَهُوَ نَجِسٌ بِالنَّصِّ (١) . وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لِجُلُوسِ الْقَاضِي آدَابًا كَثِيرَةً مِنْهَا: - أَنْ يَكُونَ مَجْلِسُهُ فَسِيحًا، وَاسِعًا لِئَلاَّ يَتَأَذَّى بِضِيقِهِ الْحَاضِرُونَ. - وَأَنْ يَكُونَ بَارِزًا، ظَاهِرًا، لِيَعْرِفَ الْقَاضِي مَنْ يَرَاهُ. - وَأَنْ يَكُونَ مَصُونًا مِنْ أَذَى حَرٍّ وَبَرْدٍ وَرِيحٍ وَغُبَارٍ وَدُخَانٍ، لاَئِقًا بِالْوَقْتِ مِنْ صَيْفٍ وَشِتَاءٍ. - وَأَنْ يُبْسَطَ لَهُ شَيْءٌ، وَلاَ يَجْلِسَ عَلَى التُّرَابِ وَلاَ عَلَى الْحَصِيرِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يُذْهِبُ بِهَيْبَتِهِ مِنْ أَعْيَنِ الْخُصُومِ (٢) . وَفِي الْجُلُوسِ بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي، وَالْعَدْل بَيْنَ الْخَصْمِ فِي مَجْلِسِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (قَضَاءٌ) . حَدُّ الْمَرْأَةِ وَهِيَ جَالِسَةٌ: ٢٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ - وَالْمَالِكِيَّةُ

стр. 9296

وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُضْرَبُ فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ الَّتِي فِيهَا الضَّرْبُ جَالِسَةً، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَال: تُضْرَبُ الْمَرْأَةُ جَالِسَةً، وَالرَّجُل قَائِمًا؛ وَلأَِنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ، وَجُلُوسُهَا أَسْتَرُ لَهَا. وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّهَا تُحَدُّ قَائِمَةً، كَمَا تُلاَعِنُ. وَأَمَّا الرَّجُل فَلَمْ يَقُل بِضَرْبِهِ جَالِسًا فِي الْحُدُودِ إِلاَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِالْقِيَامِ، وَلأَِنَّهُ مَجْلُودٌ فِي حَدٍّ، فَأَشْبَهَ الْمَرْأَةَ (١) . الْجُلُوسُ لِلتَّبَوُّل: ٢٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْجُلُوسُ أَثْنَاءَ التَّبَوُّل لِئَلاَّ يَتَرَشَّشَ عَلَيْهِ، قَال ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: مِنَ الْجَفَاءِ أَنْ تَبُول وَأَنْتَ قَائِمٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبُول قَائِمًا فَلاَ تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُول إِلاَّ قَاعِدًا (٢) .

стр. 9297

وَقَال التِّرْمِذِيُّ: هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ، وَقَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَقَدْ رُوِيَ فِي النَّهْيِ أَحَادِيثُ لاَ تَثْبُتُ، وَلَكِنْ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ ثَابِتٌ، فَلِذَا قَال الْعُلَمَاءُ يُكْرَهُ إِلاَّ لِعُذْرٍ. وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لاَ تَحْرِيمٍ (١) . وَقَدْ رُوِيَتِ الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَسَهْل بْنِ سَعْدٍ، وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُرْوَةَ. وَرَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَال قَائِمًا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ (٢) . وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءُ الْحَاجَةِ) .

стр. 9298

جِمَارٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجِمَارُ بِالْكَسْرِ وَالْجَمَرَاتُ جَمْعُ الْجَمْرَةِ، وَمِنْ مَعَانِي الْجَمْرَةِ فِي اللُّغَةِ الْحَصَاةُ، فَالْجِمَارُ الأَْحْجَارُ الصِّغَارُ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ تُطْلَقُ الْجِمَارُ عَلَى مَعَانٍ: أ - جَمَرَاتُ الْمَنَاسِكِ الثَّلاَثُ الأُْولَى وَالْوُسْطَى وَجَمْرَةُ الْعَقَبَةِ. وَالْجَمَرَاتُ هِيَ: الْمَوَاضِعُ الَّتِي تُرْمَى بِالْحَصَيَاتِ، وَهِيَ بِمِنًى، وَالأُْولَى مِنْهَا هِيَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ، وَالْوُسْطَى الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالأَْخِيرَةُ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ. وَهِيَ أَقْرَبُ الثَّلاَثِ إِلَى مَكَّةَ. قَال صَاحِبُ مِرْآةِ الْحَرَمَيْنِ: وَهِيَ - أَيْ فِي زَمَنِهِ حَائِطٌ مِنَ الْحَجَرِ ارْتِفَاعُهُ نَحْوُ ثَلاَثَةِ أَمْتَارٍ فِي عَرْضِ نَحْوِ مِتْرَيْنِ أُقِيمَ عَلَى قِطْعَةٍ مِنْ صَخْرَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الأَْرْضِ بِنَحْوِ مِتْرٍ وَنِصْفٍ وَمِنْ أَسْفَل هَذَا الْحَائِطِ حَوْضٌ مِنَ الْبِنَاءِ تَسْقُطُ إِلَيْهِ حِجَارَةُ الرَّجْمِ (٢) . وَوَرَدَ فِي شِفَاءِ الْغَرَامِ نَقْلاً عَنِ الأَْزْرَقِيِّ: وَمِنْ

стр. 9299

جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَهِيَ أَوَّل الْجِمَارِ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ إِلَى الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى أَرْبَعُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَسَبْعَةٌ وَثَمَانُونَ ذِرَاعًا وَاثْنَا عَشَرَ أُصْبُعًا، وَمِنَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى إِلَى الْجَمْرَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى ثَلاَثُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَخَمْسَةُ أَذْرُعٍ، وَمِنَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى إِلَى أَوْسَطِ بَابِ مَسْجِدِ الْخَيْفِ أَلْفُ ذِرَاعِ وَثَلاَثُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَوَاحِدٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا (١) . وَقَال فِي مِرْآةِ الْحَرَمَيْنِ: الْمَسَافَةُ الَّتِي بَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْجَمْرَةِ الْوُسْطَى ١١٦. ٧٧ مِتْرًا، وَالَّتِي بَيْنَ الْجَمْرَةِ الأُْولَى وَالْوُسْطَى ١٥٦. ٤٠ مِتْرًا. قَال الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَلَيْسَ لِلْمَرْمَى حَدٌّ مَعْلُومٌ غَيْرَ أَنَّ كُل جَمْرَةٍ عَلَيْهَا عَلَمٌ، وَهُوَ عَمُودٌ مُعَلَّقٌ هُنَاكَ فَيُرْمَى تَحْتَهُ وَحَوْلَهُ وَلاَ يُبْعَدُ عَنْهُ احْتِيَاطًا، وَحَّدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ إِلاَّ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَلَيْسَ لَهَا إِلاَّ وَجْهٌ وَاحِدٌ لأَِنَّهَا تَحْتَ جَبَلٍ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ التَّعَبُّدُ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ بِمَا لاَ حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ (٢) قَال أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ أَسْرَارِ الْحَجِّ مِنَ الإِْحْيَاءِ: وَأَمَّا رَمْيُ الْجِمَارِ فَلْيَقْصِدْ بِهِ الاِنْقِيَادَ لِلأَْمْرِ إِظْهَارًا لِلرِّقِّ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَانْتِهَاضًا لِمُجَرَّدِ الاِمْتِثَال مِنْ غَيْرِ حَظٍّ لِلنَّفْسِ وَالْعَقْل فِي ذَلِكَ. ثُمَّ لْيَقْصِدْ بِهِ التَّشَبُّهَ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ حَيْثُ عَرَضَ لَهُ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ

стр. 9300

لِيُدْخِل عَلَى حَجِّهِ شُبْهَةً أَوْ يَفْتِنَهُ بِمَعْصِيَةٍ، أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَرْمِيَهُ بِالْحِجَارَةِ طَرْدًا لَهُ وَقَطْعًا لأَِمَلِهِ (١) . وَرَدَ فِي بَعْضِ الأَْحَادِيثِ أَنَّ إِبْلِيسَ عَرَضَ لَهُ هُنَالِكَ أَيْ وَسْوَسَ لَهُ لِيَشْغَلَهُ عَنْ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ فَكَانَ يَرْمِيهِ كُل مَرَّةٍ فَيَخْنَسَ ثُمَّ يَعُودَ (٢) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَتَى خَلِيل اللَّهِ الْمَنَاسِكَ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي الأَْرْضِ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي الأَْرْضِ ثُمَّ ذَكَرَ الْجَمْرَةَ الثَّالِثَةَ كَذَلِكَ (٣) . وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ جَاءَهُ جِبْرِيل ﵇ فَقَال لَهُ طُفْ بِهِ سَبْعًا، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّهُ لَمَّا دَخَل مِنًى وَهَبَطَ مِنَ الْعَقَبَةِ تَمَثَّل لَهُ إِبْلِيسُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَقَال لَهُ جِبْرِيل: كَبِّرْ وَارْمِهِ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، فَرَمَاهُ فَغَابَ عَنْهُ، ثُمَّ بَرَزَ

стр. 9301

لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، فَقَال لَهُ جِبْرِيل: كَبِّرْ وَارْمِهِ، فَرَمَاهُ إِبْرَاهِيمُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ بَرَزَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ السُّفْلَى، فَقَال لَهُ جِبْرِيل: كَبِّرْ وَارْمِهِ، فَرَمَاهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ مِثْل حَصَى الْخَذْفِ، فَغَابَ عَنْهُ إِبْلِيسُ (١) . ب - الْحَصَيَاتُ الَّتِي يُرْمَى بِهَا فِي مِنًى، وَتُسَمَّى الْحَصَيَاتُ السَّبْعُ جَمْرَةً أَيْضًا، تَسْمِيَةً لِلْكُل بِاسْمِ الْبَعْضِ (٢) . ج - الأَْحْجَارُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي يُسْتَنْجَى بِهَا، وَمِنْهُ حَدِيثُ: إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُوتِرْ (٣) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: أَوَّلاً - الْجِمَارُ بِمَعْنَى الْحَصَيَاتِ الَّتِي يُرْمَى بِهَا: ٢ - رَمْيُ الْجِمَارِ وَاجِبٌ فِي الْحَجِّ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَيَجِبُ فِي تَرْكِهِ دَمٌ (٤) . وَعَدَدُ الْجِمَارِ سَبْعُونَ: سَبْعَةٌ لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَالْبَاقِي لِثَلاَثَةِ أَيَّامِ مِنًى كُل يَوْمٍ ثَلاَثُ جَمَرَاتٍ بِإِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَتَعَجَّل،

стр. 9302

أَمَّا لِلْمُتَعَجِّل فَتِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (حَجٌّ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ) . صِفَةُ جِمَارِ الرَّمْيِ: ٣ - يُشْتَرَطُ فِي الْجِمَارِ أَنْ تَكُونَ مِنْ حَجَرٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) ، فَلاَ يَجُوزُ بِذَهَبٍ، وَفِضَّةٍ، وَحَدِيدٍ، وَرَصَاصٍ، وَخَشَبٍ، وَطِينٍ، وَبَذْرٍ، وَتُرَابٍ، وَلُؤْلُؤٍ، وَإِثْمِدٍ، وَجِصٍّ عِنْدَهُمْ (٢) ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى بِالْحَصَى وَأَمَرَ بِالرَّمْيِ بِمِثْل حَصَى الْخَذْفِ، فَلاَ يَتَنَاوَل غَيْرَهُ (٣) . وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ تَكُونَ الْجِمَارُ مِنْ كُل أَنْوَاعِ الْحَجَرِ (٤) . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجِمَارُ مِنْ كُل مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ، كَالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ وَالطِّينِ، وَكُل مَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ. وَلاَ يَجُوزُ بِخَشَبٍ وَعَنْبَرٍ وَلُؤْلُؤٍ وَجَوَاهِرَ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ.

стр. 9303

وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْجِمَارِ أَنْ يَكُونَ رَمْيُهَا بِاسْتِهَانَةٍ، فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بِالْفَيْرُوزَجِ وَالْيَاقُوتِ مَعَ أَنَّهُمَا مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ لِعَدَمِ حُصُول الاِسْتِهَانَةِ بِهِمَا (١) . وَيُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ الرَّمْيُ بِالْجِمَارِ الْمُتَنَجِّسَةِ، فَإِنْ غَسَلَهَا زَالَتِ النَّجَاسَةُ، وَلاَ يُسْتَحَبُّ غَسْلُهَا إِلاَّ إِذَا كَانَتْ مُتَنَجِّسَةً بِيَقِينٍ (٢) . حَجْمُ الْجِمَارِ: ٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجَمْرَةَ تَكُونُ مِقْدَارَ الْبَاقِلاَّ، أَيْ قَدْرَ الْفُولَةِ، وَقِيل: قَدْرَ الْحِمَّصَةِ، أَوِ النَّوَاةِ، أَوِ الأُْنْمُلَةِ. وَهَذَا بَيَانُ الْمَنْدُوبِ، وَيَجُوزُ الرَّمْيُ بِالأَْكْبَرِ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَكُونُ حَصَى الْجِمَارِ أَكْبَرَ مِنَ الْحِمَّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ، كَحَصَى الْخَذْفِ، فَلاَ يُجْزِئُ صَغِيرٌ جِدًّا وَلاَ كَبِيرٌ. وَالأَْصْل فِيهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ: عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ (٣) .

стр. 9304

مَكَانُ الْتِقَاطِ الْجِمَارِ: ٥ - يُسْتَحَبُّ الْتِقَاطُ الْجِمَارِ السَّبْعَةِ لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، أَوْ مِنَ الطَّرِيقِ، وَمَا عَدَا السَّبْعَةَ لَيْسَ لَهُ مَكَانٌ مَخْصُوصٌ. وَقِيل: يُؤْخَذُ سَبْعُونَ حَصَاةً مِنْ مُزْدَلِفَةَ. وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ أَخْذِهَا مِنْ حَيْثُ كَانَ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ أَخْذُهَا مِنْ عِنْدِ الْجَمْرَةِ، وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِنْ رَمَى بِحَجَرٍ أَخَذَهُ مِنَ الْمَرْمَى لَمْ يَجْزِهِ. وَيُكْرَهُ كَذَلِكَ الْتِقَاطُهَا مِنْ مَكَانٍ نَجِسٍ، أَوْ أَنْ تَكُونَ مُتَنَجِّسَةً. وَيُكْرَهُ أَيْضًا أَنْ يَلْتَقِطَ حَجَرًا فَيَكْسِرَهُ سَبْعِينَ حَجَرًا صَغِيرًا (١) . كَيْفِيَّةُ رَمْيِ الْجِمَارِ: ٦ - يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي سَبْعًا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَلَوْ رَمَاهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً كَانَتْ عَنْ وَاحِدَةٍ. وَيُكَبِّرُ مَعَ كُل حَصَاةٍ. فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ رَمَى الْجِمَارَ الثَّلاَثَ بَعْدَ الزَّوَال يَبْتَدِئُ بِالْجَمْرَةِ الأُْولَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ، وَكَذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ إِنْ أَقَامَ. وَإِنْ نَفَرَ إِلَى مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ سَقَطَ عَنْهُ رَمْيُ الْيَوْمِ الرَّابِعِ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ:

стр. 9305

حَجٌّ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ) وَيُشْتَرَطُ حُصُول الْجِمَارِ فِي الْمَرْمَى عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ. وَلاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَلَوْ وَقَعَتْ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ أَوْ جَمَلٍ إِنْ وَقَعَتْ بِنَفْسِهَا بِقُرْبِ الْجَمْرَةِ أَجْزَأَ، وَإِلاَّ لَمْ يُجْزِئْ (١) . وَقْتُ رَمْيِ الْجِمَارِ: ٧ - الْوَقْتُ الْمَسْمُوحُ لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِنْ طُلُوعِ شَمْسِ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى زَوَالِهَا. أَمَّا الْجِمَارُ فِي الأَْيَّامِ الثَّلاَثِ الأُْخْرَى فَوَقْتُهَا بَعْدَ الزَّوَال (٢) . وَفِي شُرُوطِ رَمْيِ الْجِمَارِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَأْخِيرِهَا أَوْ تَرْكِهَا، بَعْضِهَا أَوْ كُلِّهَا تَفْصِيلٌ فِي الْمَذَاهِبِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (حَجٌّ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ) . ثَانِيًا - الْجِمَارُ الَّتِي يُسْتَنْجَى بِهَا: ٨ - وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ (٣)

стр. 9306

وَمَعْنَى الاِسْتِجْمَارِ اسْتِعْمَال الْحِجَارَةِ وَنَحْوِهَا فِي إِزَالَةِ مَا عَلَى السَّبِيلَيْنِ مِنَ النَّجَاسَةِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِجْمَارَ كَمَا يَكُونُ بِالْحِجَارَةِ يَكُونُ بِكُل جَامِدٍ يَحْصُل بِهِ الإِْنْقَاءُ وَالتَّنْظِيفُ، كَمَدَرٍ وَخِرْقَةٍ وَنَحْوِهِمَا. وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الاِسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ أَفْضَل (١) . وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا (٢) . وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِجْمَارٌ) . جِمَاعٌ انْظُرْ: وَطْءٌ.

стр. 9307

جَمَاعَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجَمَاعَةُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْجَمْعِ: وَالْجَمْعُ تَأْلِيفُ الْمُتَفَرِّقِ وَضَمُّ الشَّيْءِ بِتَقْرِيبِ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ، يُقَال: جَمَعْتُهُ فَاجْتَمَعَ (١) . وَالْجَمَاعَةُ عَدَدٌ مِنَ النَّاسِ يَجْمَعُهُمْ غَرَضٌ وَاحِدٌ. وَقَدِ اسْتَعْمَلُوهَا فِي غَيْرِ النَّاسِ حَتَّى قَالُوا: جَمَاعَةُ الشَّجَرِ وَجَمَاعَةُ النَّبَاتِ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى تُطْلَقُ عَلَى عَدَدِ كُل شَيْءٍ وَكَثْرَتِهِ. وَالْجَمَاعَةُ، وَالْجَمِيعُ، وَالْمَجْمَعَةُ، وَالْمَجْمَعُ كَالْجَمْعِ (٢) . وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ تُطْلَقُ الْجَمَاعَةُ عَلَى عَدَدٍ مِنَ النَّاسِ. يَقُول الْكَاسَانِيُّ: " الْجَمَاعَةُ مَأْخُوذٌ مِنْ مَعْنَى الاِجْتِمَاعِ، وَأَقَل مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِجْتِمَاعُ اثْنَانِ " وَيَقُول: " أَقَل الْجَمَاعَةِ اثْنَانِ إِمَامٌ وَمَأْمُومٌ (٣) ". وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى فِعْل الصَّلاَةِ مُجْتَمِعِينَ كَمَا

стр. 9308

يَقُولُونَ: " الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، أَيْ فِعْل الصَّلاَةِ جَمْعًا بِإِمَامٍ وَمَأْمُومٍ (١) ". قَدْ يُرَادُ مِنَ الْجَمَاعَةِ الاِتِّحَادُ وَعَدَمُ الْفُرْقَةِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ بِاخْتِلاَفِ مَوَاضِعِهَا كَمَا يَلِي: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ: ٢ - صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَل مِنْ صَلاَةِ الْفَذِّ اتِّفَاقًا لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُل صَلاَةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (٣) . وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِي

стр. 9309

صِحَّةِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الرِّجَال الْقَادِرِينَ عَلَيْهَا بِشُرُوطٍ تُفَصَّل فِي مَوْضِعِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي شَرْطِيَّتِهَا لِصِحَّةِ صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ. أَمَّا فِي سَائِرِ الْفُرُوضِ، فَالْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِأَفْضَلِيَّةِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ عَنْ صَلاَةِ الْفَذِّ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى اللَّذَيْنِ قَالاَ: صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لأََنْكَرَ عَلَيْهِمَا. وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ، فَيَأْثَمُ تَارِكُهَا بِلاَ عُذْرٍ وَيُعَزَّرُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ. وَقِيل: إِنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي الْبَلَدِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ الشِّعَارُ فِي الْقَرْيَةِ فَيُقَاتَل أَهْلُهَا إِذَا تَرَكُوهَا (١) . وَيَسْتَدِلُّونَ لِلْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (٢) فَأَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ حَال الْخَوْفِ فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى، وَبِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصَّلاَةَ

стр. 9310

فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ (١) أَمَّا النِّسَاءُ فَفِي أَدَائِهِنَّ لِلصَّلاَةِ جَمَاعَةً تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) . وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ (٢) . أَقَل الْجَمَاعَةِ: ٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ صَلاَةَ الْجَمَاعَةِ تَنْعَقِدُ بِاثْنَيْنِ: إِمَامٍ وَمَأْمُومٍ. وَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ. لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ (٣) . وَيَشْتَرِطُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لاِنْعِقَادِ الْجَمَاعَةِ فِي الْفُرُوضِ أَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ وَالْمَأْمُومُ كِلاَهُمَا بَالِغَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ امْرَأَةً، فَلاَ تَنْعَقِدُ بِصَبِيٍّ فِي فَرْضٍ لأَِنَّ صَلاَتَهُمَا فَرْضٌ، وَصَلاَةُ الصَّبِيِّ نَفْلٌ. أَمَّا فِي النَّوَافِل فَتَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ بِصَبِيَّيْنِ، أَوْ بَالِغٍ وَصَبِيٍّ اتِّفَاقًا.

стр. 9311

وَظَاهِرُ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِصَغِيرٍ فِي الْفَرْضِ أَيْضًا إِذَا كَانَ الإِْمَامُ بَالِغًا (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) . وَهُنَاكَ شُرُوطٌ لاِنْعِقَادِ الْجَمَاعَةِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحَيْهِمَا. قَتْل الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ: ٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ إِذَا قَتَلُوا وَاحِدًا اقْتُصَّ مِنْهُمْ جَمِيعًا. قَالُوا: لأَِنَّ زُهُوقَ الرُّوحِ لاَ يَتَجَزَّأُ، وَاشْتِرَاكَ الْجَمَاعَةِ فِيمَا لاَ يَتَجَزَّأُ يُوجِبُ التَّكَامُل فِي حَقِّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَيُضَافُ إِلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ. قَالُوا: وَلإِِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً بِمَدِينَةِ صَنْعَاءَ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَتَرَكَ عِنْدَهَا ابْنًا لَهُ مِنْ غَيْرِهَا، فَاتَّخَذَتْ لِنَفْسِهَا خَلِيلاً، فَاجْتَمَعَ عَلَى قَتْل الْغُلاَمِ خَلِيل الْمَرْأَةِ، وَرَجُلٌ آخَرُ، وَالْمَرْأَةُ وَخَادِمُهَا، فَقَطَعُوهُ أَعْضَاءً، وَأَلْقَوْا بِهِ فِي بِئْرٍ ثُمَّ ظَهَرَ الْحَادِثُ وَفَشَا بَيْنَ النَّاسِ، فَأَخَذَ أَمِيرُ الْيَمَنِ خَلِيل الْمَرْأَةِ فَاعْتَرَفَ، ثُمَّ اعْتَرَفَ الْبَاقُونَ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنِ اقْتُلْهُمْ وَقَال: (وَاللَّهِ لَوْ تَمَالأََ عَلَيْهِ أَهْل صَنْعَاءَ

стр. 9312

لَقَتَلْتهمْ جَمِيعًا) (١) . وَكَذَلِكَ قَتَل عَلِيٌّ ثَلاَثَةً بِوَاحِدٍ، وَقَتَل الْمُغِيرَةُ سَبْعَةً بِوَاحِدٍ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمْ. قَالُوا: وَلأَِنَّ الْقَتْل بِطَرِيقِ التَّغَالُبِ غَالِبٌ، وَالْقِصَاصُ شُرِعَ لِحِكْمَةِ الزَّجْرِ، فَيُجْعَل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالْمُنْفَرِدِ فَيَجْرِي الْقِصَاصُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الإِْحْيَاءِ، وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَلَزِمَ سَدُّ بَابِ الْقِصَاصِ وَفَتْحُ بَابِ التَّفَانِي، إِذْ لاَ يُوجَدُ الْقَتْل مِنْ وَاحِدٍ غَالِبًا. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٢) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاصٌ) (وَتَوَاطُؤٌ) . الْقِصَاصُ مِنَ الْوَاحِدِ بِقَتْل الْجَمَاعَةِ: ٥ - إِذَا قَتَل وَاحِدٌ جَمَاعَةً، قُتِل قِصَاصًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (٣) . وَفِي وُجُوبِ شَيْءٍ مِنَ الْمَال مَعَ ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (قِصَاصٌ) .

стр. 9313

لُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ: ٦ - وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ (١) . قَال فِي الْفَتْحِ: اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الأَْمْرِ، فَقَال قَوْمٌ: هُوَ لِلْوُجُوبِ، وَالْجَمَاعَةُ السَّوَادُ الأَْعْظَمُ، وَقَال قَوْمٌ: الْجَمَاعَةُ الصَّحَابَةُ، وَقَال بَعْضُهُمْ: الْجَمَاعَةُ أَهْل الْعِلْمِ، قَال الطَّبَرِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخَبَرِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ فِي طَاعَةِ مَنِ اجْتَمَعُوا عَلَى تَأْيِيدِهِ، فَمَنْ نَكَثَ عَنْ بَيْعَتِهِ خَرَجَ عَنِ الْجَمَاعَةِ (٢) . ٧ - وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيَّةِ: " نَتْبَعُ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ "، وَالسُّنَّةُ طَرِيقَةُ الرَّسُول ﷺ وَالْجَمَاعَةُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ: هُمُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣) . . . قَال ﵊: إِنَّ هَذِهِ الأُْمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ (٤) ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُول

стр. 9314

اللَّهِ؟ قَال: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي (١) . وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحَاتِ: (إِمَامَةٌ كُبْرَى، بَغْيٌ، بَيْعَةٌ) . جَمْعٌ انْظُرْ: مُزْدَلِفَةُ.

стр. 9315

جَمْعُ الصَّلَوَاتِ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجَمْعُ ضِدُّ التَّفْرِيقِ، وَجَمَعَ الشَّيْءَ إِذَا جَاءَ بِهِ مِنْ هُنَا وَهُنَا وَضَمَّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ (١) . وَالْمُرَادُ بِجَمْعِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: هُوَ أَدَاءُ الظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ مَعَ الْعِشَاءِ تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٢ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي عَرَفَاتٍ جَمْعَ تَقْدِيمٍ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ فِي مُزْدَلِفَةَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ لِلْحَاجِّ (٢) ، لأَِنَّ الرَّسُول فَعَل هَذَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال فِي صِفَةِ حَجِّهِ ﷺ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَل بَيْنَهُمَا شَيْئًا (٣) .
следующие страницы →