← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 9416–9455 · переход к 9421.

стр. 9416

٤٧ - وَيُسْتَحَبُّ التَّعْزِيَةُ لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَفْتِنَّ (١) لِقَوْلِهِ ﵊: مَنْ عَزَّى أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَل الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (٢) وَتَفْصِيل بَاقِي أَحْكَامِ التَّعْزِيَةِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَعْزِيَةٌ) . صُنْعُ الطَّعَامِ لأَِهْل الْمَيِّتِ: ٤٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِجِيرَانِ الْمَيِّتِ وَالأَْبَاعِدِ مِنْ قَرَابَتِهِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ لأَِهْل الْمَيِّتِ يُشْبِعُهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : اصْنَعُوا لآِل جَعْفَرٍ طَعَامًا فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ (٣) وَيُلِحُّ عَلَيْهِمْ فِي الأَْكْل؛ لأَِنَّ الْحُزْنَ يَمْنَعُهُمْ فَيُضْعِفُهُمْ، وَبِهِ قَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ،

стр. 9417

إِلاَّ إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى مُحَرَّمٍ مِنْ نَدْبٍ وَلَطْمٍ وَنِيَاحَةٍ، فَلاَ يُنْدَبُ تَهْيِئَةُ الطَّعَامِ لَهُمْ (١) . وَيُسَنُّ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ثَلاَثًا لأَِهْل الْمَيِّتِ لاَ لِمَنْ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُمْ، إِلاَّ أَنْ يَكُونُوا ضُيُوفًا. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ الضِّيَافَةُ مِنْ أَهْل الْمَيِّتِ لأَِنَّهَا شُرِعَتْ فِي السُّرُورِ لاَ فِي الشُّرُورِ، وَهِيَ بِدْعَةٌ مُسْتَقْبَحَةٌ، وَقَال ﵊: لاَ عَقْرَ فِي الإِْسْلاَمِ (٢) وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُعْقَرُ عِنْدَ الْقَبْرِ مِنْ إِبِلٍ، أَوْ بَقَرٍ، أَوْ شَاءٍ (٣) . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ الأَْكْل مِنْ طَعَامِ أَهْل الْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ تَرِكَةٍ وَفِي مُسْتَحِقِّيهَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِ حُرِّمَ فِعْلُهُ وَالأَْكْل مِنْهُ، وَكُرِهَ الذَّبْحُ وَالأُْضْحِيَّةُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَالأَْكْل مِنْهُ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، بِأَنَّهُ يَحْرُمُ تَهْيِئَةُ

стр. 9418

الطَّعَامِ لِنَائِحَاتٍ؛ لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الطَّعَامِ فِي أَيَّامٍ مُتَعَارَفٍ عَلَيْهَا كَالْيَوْمِ الأَْوَّل، وَالثَّالِثِ، وَبَعْدَ الأُْسْبُوعِ. وَنَقْل الطَّعَامِ إِلَى الْقَبْرِ فِي الْمَوَاسِمِ، وَاتِّخَاذُ الدَّعْوَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَجَمْعُ الصُّلَحَاءِ وَالْقُرَّاءِ لِلْخَتْمِ، أَوْ لِقِرَاءَةِ سُورَتَيِ الأَْنْعَامِ وَالإِْخْلاَصِ. عَلَى أَنَّهُ إِذَا اتُّخِذَ الطَّعَامُ لِلْفُقَرَاءِ كَانَ حَسَنًا، وَقَال فِي الْمِعْرَاجِ: هَذِهِ الأَْفْعَال كُلُّهَا لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ، فَيُحْتَرَزُ عَنْهَا؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يُرِيدُونَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي غَايَةِ الْمُنْتَهَى لِلْحَنَابِلَةِ: وَمِنَ الْمُنْكَرِ وَضْعُ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ عَلَى الْقَبْرِ لِيَأْخُذَهُ النَّاسُ (١) . وُصُول ثَوَابِ الأَْعْمَال لِلْغَيْرِ: ٤٩ - وَمَنْ صَامَ أَوْ صَلَّى أَوْ تَصَدَّقَ وَجَعَل ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ مِنَ الأَْمْوَاتِ وَالأَْحْيَاءِ جَازَ، وَيَصِل ثَوَابُهَا إِلَيْهِمْ عِنْدَ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةَ الْمَحْضَةَ، كَالصَّلاَةِ وَالتِّلاَوَةِ، فَلاَ يَصِل ثَوَابُهَا إِلَى الْمَيِّتِ عِنْدَهُمَا، وَمُقْتَضَى تَحْرِيرِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ انْتِفَاعُ الْمَيِّتِ بِالْقِرَاءَةِ لاَ حُصُول ثَوَابِهَا لَهُ.

стр. 9419

وَلِلْعَلاَّمَةِ ابْنِ الْقَيِّمِ كَلاَمٌ مُشْبِعٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَرَاجِعْ كِتَابَ الرُّوحِ " لَهُ ". وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الْقِرَاءَةَ تَصِل لِلْمَيِّتِ وَأَنَّهَا عِنْدَ الْقَبْرِ أَحْسَنُ مَزِيَّةٌ (١) وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا وَجَعَل ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَمَّا الدُّعَاءُ وَالاِسْتِغْفَارُ وَالصَّدَقَةُ وَأَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ فَلاَ أَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا إِذَا كَانَتِ الْوَاجِبَاتُ مِمَّا يَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِْيمَانِ (٢) ﴾ وَقَال تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (٣) ﴾ وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ لأَِبِي سَلَمَةَ حِينَ مَاتَ، وَلِلْمَيِّتِ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ (٤) ، وَلِكُل مَيِّتٍ صَلَّى عَلَيْهِ، وَسَأَل رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ فَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَال: نَعَمْ (٥) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَجَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ

стр. 9420

اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَال: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَال: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى (١) وَقَال لِلَّذِي سَأَلَهُ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَال: نَعَمْ (٢) . وَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ، وَفِيهَا دَلاَلَةٌ عَلَى انْتِفَاعِ الْمَيِّتِ بِسَائِرِ الْقُرَبِ؛ لأَِنَّ الصَّوْمَ وَالْحَجَّ وَالدُّعَاءَ وَالاِسْتِغْفَارَ عِبَادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ وَقَدْ أَوْصَل اللَّهُ نَفْعَهَا إِلَى الْمَيِّتِ فَكَذَلِكَ مَا سِوَاهَا مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْحَدِيثِ فِي ثَوَابِ مَنْ قَرَأَ " يس "، وَتَخْفِيفِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ أَهْل الْمَقَابِرِ بِقِرَاءَتِهِ، وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: لَوْ كَانَ أَبُوكَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ، بَلَغَهُ ذَلِكَ (٣) وَهَذَا عَامٌّ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ وَغَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّهُ عَمَل بِرٍّ وَطَاعَةٍ، فَوَصَل نَفْعُهُ وَثَوَابُهُ، كَالصَّدَقَةِ، وَالصِّيَامِ،

стр. 9421

وَالْحَجِّ الْوَاجِبِ، وَقَال الشَّافِعِيُّ: مَا عَدَا الْوَاجِبَ وَالصَّدَقَةَ وَالدُّعَاءَ وَالاِسْتِغْفَارَ لاَ يُفْعَل عَنِ الْمَيِّتِ، وَلاَ يَصِل ثَوَابُهُ إِلَيْهِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (١) ﴾ وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا مَاتَ الإِْنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ (٢) وَلأَِنَّ نَفْعَهُ لاَ يَتَعَدَّى فَاعِلَهُ، فَلاَ يَتَعَدَّى ثَوَابُهُ. وَقَال بَعْضُهُمْ: إِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ عِنْدَ الْمَيِّتِ أَوْ أُهْدِيَ إِلَيْهِ ثَوَابُهُ كَانَ الثَّوَابُ لِقَارِئِهِ، وَيَكُونُ الْمَيِّتُ كَأَنَّهُ حَاضِرُهَا وَتُرْجَى لَهُ الرَّحْمَةُ (٣) .

стр. 9422

جَنَابَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجَنَابَةُ لُغَةً: ضِدُّ الْقُرْبِ وَالْقَرَابَةِ، وَجَنَبَ الشَّيْءَ، وَتَجَنَّبَهُ، وَجَانَبَهُ، وَتَجَانَبَهُ، وَاجْتَنَبَهُ: بَعُدَ عَنْهُ، وَالْجَنَابَةُ فِي الأَْصْل: الْبُعْدُ، وَيُقَال: أَجْنَبَ الرَّجُل وَجَنُبَ - وِزَانُ قَرُبَ - فَهُوَ جُنُبٌ مِنَ الْجَنَابَةِ، قَال الأَْزْهَرِيُّ: إِنَّمَا قِيل لَهُ جُنُبٌ؛ لأَِنَّهُ نُهِيَ أَنْ يَقْرَبَ مَوَاضِعَ الصَّلاَةِ مَا لَمْ يَتَطَهَّرْ، فَتَجَنَّبَهَا وَأَجْنَبَ عَنْهَا، أَيْ تَنَحَّى عَنْهَا، وَقِيل: لِمُجَانَبَتِهِ النَّاسَ مَا لَمْ يَغْتَسِل. وَالْجُنُبُ يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى، وَالْوَاحِدُ، وَالتَّثْنِيَةُ، وَالْجَمْعُ؛ لأَِنَّهُ عَلَى صِيغَةِ الْمَصْدَرِ (١) . أَمَّا تَعْرِيفُهَا اصْطِلاَحًا فَقَدْ قَال النَّوَوِيُّ: تُطْلَقُ الْجَنَابَةُ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَنْ أَنْزَل الْمَنِيَّ، وَعَلَى مَنْ جَامَعَ، وَسُمِّيَ جُنُبًا؛ لأَِنَّهُ يَجْتَنِبُ الصَّلاَةَ وَالْمَسْجِدَ وَالْقِرَاءَةَ وَيَتَبَاعَدُ عَنْهَا (٢) ، وَفِي

стр. 9423

نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: الْجَنَابَةُ شَرْعًا أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ يَقُومُ بِالْبَدَنِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلاَةِ حَيْثُ لاَ مُرَخِّصَ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْحَدَثُ: ٢ - الْحَدَثُ لُغَةً: الْحَالَةُ النَّاقِضَةُ لِلطَّهَارَةِ شَرْعًا (٢) . وَاصْطِلاَحًا: الْوَصْفُ الشَّرْعِيُّ الْحُكْمِيُّ الَّذِي يَحِل فِي الأَْعْضَاءِ وَيُزِيل الطَّهَارَةَ، وَقِيل: الأَْسْبَابُ الَّتِي تُوجِبُ الْوُضُوءَ أَوِ الْغُسْل (٣) . فَالْحَدَثُ أَعَمُّ مِنَ الْجَنَابَةِ؛ لأَِنَّهَا تَخْتَصُّ بِمَا يُوجِبُ الْغُسْل. أَمَّا الْحَدَثُ فَيُوجِبُ الْغُسْل أَوِ الْوُضُوءَ. ب - الْخَبَثُ: ٣ - الْخَبَثُ لُغَةً: النَّجَسُ . وَاصْطِلاَحًا: الْعَيْنُ الْمُسْتَقْذَرَةُ شَرْعًا أَيِ النَّجَاسَةُ الْحَقِيقِيَّةُ. فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَابَةِ أَنَّهَا نَجَاسَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ (٤) . ج - النَّجَسُ: ٤ - النَّجَسُ: اسْمٌ لِكُل مُسْتَقْذَرٍ، وَالنَّجِسُ

стр. 9424

ضِدُّ الطَّاهِرِ، وَهُوَ لُغَةً يَعُمُّ الْحَقِيقِيَّ وَالْحُكْمِيَّ، وَعُرْفًا يَخْتَصُّ بِالْحَقِيقِيِّ كَالْخَبَثِ، فَلاَ يُقَال فِي عُرْفِ الشَّارِعِ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْل إِنَّهُ نَجَسٌ (١) ، فَبَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ. د - الطَّهَارَةُ: ٥ - الطَّهَارَةُ لُغَةً: النَّزَاهَةُ وَالنَّظَافَةُ، وَاصْطِلاَحًا: رَفْعُ مَا يَمْنَعُ الصَّلاَةَ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ بِالْمَاءِ أَوْ بِالصَّعِيدِ الطَّاهِرِ، فَالطَّهَارَةُ ضِدُّ الْجَنَابَةِ (٢) . أَسْبَابُ الْجَنَابَةِ: لِلْجَنَابَةِ سَبَبَانِ: ٦ - أَحَدُهُمَا: غَيْبُوبَةُ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرِ امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ، وَسَوَاءٌ أَحَصَل إِنْزَالٌ أَمْ لَمْ يَحْصُل، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَالِغِينَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ بِاتِّفَاقٍ، قَال الشَّافِعِيُّ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْجِمَاعَ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَالٌ - جَنَابَةً، وَالْجَنَابَةُ تَحْصُل لِمَنْ وَقَعَ الْوَطْءُ مِنْهُ، أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ. وَزَادَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - أَنَّ الْجَنَابَةَ تَحْصُل بِذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الْوَطْءُ لِغَيْرِ مُشْتَهًى كَمَيِّتَةٍ وَبَهِيمَةٍ.

стр. 9425

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ تَحْدُثُ الْجَنَابَةُ بِذَلِكَ إِلاَّ إِذَا كَانَ مَعَ الإِْيلاَجِ إِنْزَالٌ؛ لأَِنَّ الْفِعْل فِي ذَلِكَ لَيْسَ نَظِيرَ الْفِعْل فِي فَرْجِ الإِْنْسَانِ فِي السَّبَبِيَّةِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْبَالِغِينَ قَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجْنُبُ الصَّغِيرُ بِإِيلاَجِهِ عَلَى الْوَصْفِ السَّابِقِ، وَكَذَا الصَّغِيرَةُ تَجْنُبُ بِالإِْيلاَجِ فِيهَا، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْمُمَيِّزُ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ غَيْرُ الْبَالِغِ مِمَّنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ وَبِنْتُ تِسْعٍ، قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: إِنْ كَانَ الْوَاطِئُ صَغِيرًا، أَوِ الْمَوْطُوءَةُ صَغِيرَةً وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْغُسْل وَقَال: إِذَا أَتَى عَلَى الصَّبِيَّةِ تِسْعُ سِنِينَ وَمِثْلُهَا يُوطَأُ وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْل، وَسُئِل عَنِ الْغُلاَمِ يُجَامِعُ مِثْلُهُ وَلَمْ يَبْلُغْ فَجَامَعَ الْمَرْأَةَ يَكُونُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا الْغُسْل؟ قَال: نَعَمْ، قِيل لَهُ: أَنْزَل أَوْ لَمْ يُنْزِل؟ قَال: نَعَمْ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَحَمَل الْقَاضِي كَلاَمَ أَحْمَدَ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ، وَهُوَ قَوْل أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لأَِنَّ الصَّغِيرَةَ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْمَأْثَمُ، وَلاَ هِيَ مِنْ أَهْل التَّكْلِيفِ، وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلاَةُ الَّتِي تَجِبُ الطَّهَارَةُ لَهَا، لَكِنْ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يَصِحُّ حَمْل كَلاَمِ أَحْمَدَ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ لِتَصْرِيحِهِ بِالْوُجُوبِ، وَاحْتَجَّ بِفِعْل عَائِشَةَ ﵂ وَرِوَايَتِهَا لِلْحَدِيثِ الْعَامِّ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ؛ وَلأَِنَّهَا أَجَابَتْ بِفِعْلِهَا وَفِعْل النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهَا: فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 9426

فَاغْتَسَلْنَا (١) فَكَيْفَ تَكُونُ خَارِجَةً مِنْهُ. وَبِقَوْل الْحَنَابِلَةِ قَال أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. لَكِنِ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الصَّغِيرَ الْمُطِيقَ لاَ يَجْنُبُ بِإِيلاَجِهِ أَوِ الإِْيلاَجِ فِيهِ، وَكَذَا الصَّغِيرَةُ الْمُطِيقَةُ لاَ تَجْنُبُ بِالإِْيلاَجِ فِيهَا، وَيَجْنُبُ الْبَالِغُ بِإِيلاَجِهِ فِي الصَّغِيرَةِ الْمُطِيقَةِ، وَتَجْنُبُ الْبَالِغَةُ بِإِيلاَجِ الصَّغِيرِ فِيهَا إِذَا أَنْزَلَتْ، وَالْقَوْل بِالْغُسْل عَلَى الصَّغِيرِ عِنْدَ مَنْ قَال بِهِ لَيْسَ مَعْنَاهُ التَّأْثِيمَ بِتَرْكِهِ، بَل مَعْنَاهُ أَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ وَالطَّوَافِ، وَهَكَذَا. وَلِذَلِكَ لَوْ أَخَّرَهُ لَمْ يَأْثَمْ، وَإِنَّمَا يَبْقَى فِي حَقِّهِ شَرْطًا كَمَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ قَبْل أَنْ يَغْتَسِل كَانَ حُكْمُ الْحَدَثِ فِي حَقِّهِ بَاقِيًا وَيَلْزَمُهُ الْغُسْل، وَيَسْتَوِي فِي حُصُول الْجَنَابَةِ بِالإِْيلاَجِ أَنْ يَحْدُثَ ذَلِكَ مَعَ نَائِمٍ، أَوْ مَجْنُونٍ، أَوْ مُكْرَهٍ (٢) . أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْخُنْثَى الْمُشْكِل فَفِيهِ خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي (خُنْثَى مُشْكِلٌ، وَغُسْلٌ) . ٧ - الثَّانِي: خُرُوجُ الْمَنِيِّ بِشَهْوَةٍ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَنِ احْتِلاَمٍ أَمِ اسْتِمْنَاءٍ، أَمْ

стр. 9427

نَظَرٍ، أَمْ فِكْرٍ، أَمْ تَقْبِيلٍ، أَمْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. وَاشْتِرَاطُ الشَّهْوَةِ لِحُصُول الْجَنَابَةِ هُوَ مَا قَال بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَلِذَلِكَ لاَ تَحْصُل الْجَنَابَةُ عِنْدَهُمْ بِخُرُوجِهِ لِمَرَضٍ، أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّ الْجَنَابَةَ تَحْصُل عِنْدَهُمْ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ مَخْرَجِهِ الْمُعْتَادِ مُطْلَقًا بِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَخُرُوجُ الْمَنِيِّ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ هُوَ بُرُوزُهُ إِلَى مَحَل اسْتِنْجَائِهَا، وَهُوَ مَا يَظْهَرُ مِنْهَا عِنْدَ جُلُوسِهَا لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا وَهَذَا مَا قَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ خِلاَفًا لِسَنَدٍ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّيِّبِ، وَقَالُوا بِالنِّسْبَةِ لِلْبِكْرِ لَوْ أَنْزَلَتِ الْمَنِيَّ إِلَى فَرْجِهَا لَمْ يَلْزَمْهَا الْغُسْل حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ فَرْجِهَا؛ لأَِنَّ دَاخِل فَرْجِهَا فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، وَلِهَذَا لاَ يَلْزَمُهَا تَطْهِيرُهُ فِي الاِسْتِنْجَاءِ وَالْغُسْل، فَأَشْبَهَ إِحْلِيل الذَّكَرِ. وَلَمْ يُفَرِّقِ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ بِكْرٍ وَثَيِّبٍ بَل هِيَ تَجْنُبُ عِنْدَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَصِل الْمَنِيُّ إِلَى ظَاهِرِ فَرْجِهَا. قَالُوا: لأَِنَّ لَهُ دَاخِلاً وَخَارِجًا وَالْخَارِجُ مِنْهُمَا لَهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ. وَمَنْ أَحَسَّ بِانْتِقَال الْمَنِيِّ عِنْدَ الشَّهْوَةِ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجِ الْمَنِيُّ فَلاَ يُعْتَبَرُ جُنُبًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْل الْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ جُنُبًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْل، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ يَرْجِعُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي خِلاَفًا فِي وُجُوبِ الْغُسْل قَال: لأَِنَّ الْجَنَابَةَ تُبَاعِدُ الْمَاءَ عَنْ

стр. 9428

مَحَلِّهِ، وَقَدْ وُجِدَ، فَتَكُونُ الْجَنَابَةُ مَوْجُودَةً فَيَجِبُ الْغُسْل بِهَا؛ وَلأَِنَّ الْغُسْل تُرَاعَى فِيهِ الشَّهْوَةُ وَقَدْ حَصَلَتْ بِانْتِقَالِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَهَرَ. وَاسْتَدَل ابْنُ قُدَامَةَ عَلَى عَدَمِ وُجُودِ الْجَنَابَةِ لِعَدَمِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ، بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ الاِغْتِسَال عَلَى الرُّؤْيَةِ وَفَضْخِهِ بِقَوْلِهِ: إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ (١) وَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِل (٢) فَلاَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِهِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى جُنُبًا لِمُجَانَبَتِهِ الْمَاءَ، وَلاَ يَحْصُل إِلاَّ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ. وَكَلاَمُ أَحْمَدَ إِنَّمَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إِذَا انْتَقَل لَزِمَ مِنْهُ الْخُرُوجُ وَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ. وَيُعْتَبَرُ جُنُبًا مَنِ انْتَقَل مَنِيُّهُ مِنْ مَحَلِّهِ بِشَهْوَةٍ وَخَرَجَ لاَ عَنْ شَهْوَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ؛ إِذْ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُ هُوَ الاِنْفِصَال مَعَ الْخُرُوجِ عَنْ شَهْوَةٍ (٣) . مَا تَرْتَفِعُ بِهِ الْجَنَابَةُ: ٨ - سَبَقَ بَيَانُ أَنَّ الْجَنَابَةَ تَكُونُ بِالْجِمَاعِ وَلَوْ بِدُونِ

стр. 9429

إِنْزَالٍ أَوْ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ، وَتَرْتَفِعُ الْجَنَابَةُ بِمَا يَأْتِي: أ - بِالْغُسْل، وَالدَّلِيل عَلَى وُجُوبِ الْغُسْل مِنَ الْجِمَاعِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَْرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْل مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَزَادَ مُسْلِمٌ (١) : وَإِنْ لَمْ يُنْزِل. وَالْمُرَادُ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، قَال النَّوَوِيُّ: وَبِهَذَا قَال جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَكَانَ الْحُكْمُ عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ فَنُسِخَ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ وَابْنُ قُدَامَةَ، وَالآْثَارُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنِ الصَّحَابَةِ قَالُوهَا قَبْل أَنْ يَبْلُغَهُمُ النَّسْخُ، قَال سَهْل بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ (٢) كَانَ رُخْصَةً أَرْخَصَ فِيهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نَهَى عَنْهَا (٣) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (غُسْلٌ) . وَالدَّلِيل عَلَى وُجُوبِ الْغُسْل بِنُزُول الْمَنِيِّ مِنْ

стр. 9430

غَيْرِ جِمَاعٍ مَا رَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ هَل عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ. قَال: نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ (١) . ٩ - ب - التَّيَمُّمُ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ التَّيَمُّمَ هَل هُوَ رَافِعٌ لِلْجَنَابَةِ، أَوْ غَيْرُ رَافِعٍ لَهَا؟ وَمَعَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ إِلاَّ أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ يُبَاحُ بِهِ مَا يُبَاحُ بِالْغُسْل مِنَ الْجَنَابَةِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ؛ لأَِنَّهُ بَدَلٌ مُطْلَقٌ عَنِ الْمَاءِ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ (٢) فَقَدْ سَمَّى التَّيَمُّمَ وُضُوءًا، وَالْوُضُوءُ مُزِيلٌ لِلْحَدَثِ، وَقَال ﷺ : جُعِلَتْ لِيَ

стр. 9431

الأَْرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا (١) ، وَالطَّهُورُ اسْمٌ لِلْمُطَهِّرِ فَدَل عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ يَزُول بِالتَّيَمُّمِ، إِلاَّ أَنَّ زَوَالَهُ مُؤَقَّتٌ إِلَى غَايَةِ وُجُودِ الْمَاءِ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ يَعُودُ الْحَدَثُ السَّابِقُ، وَلَكِنْ فِي الْمُسْتَقْبَل لاَ فِي الْمَاضِي، فَلَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الصَّلاَةِ الْمُؤَدَّاةِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ قَبْل دُخُول الْوَقْتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَال الْقَرَافِيُّ: الْحَدَثُ هُوَ الْمَنْعُ الشَّرْعِيُّ مِنَ الصَّلاَةِ، وَهَذَا الْحَدَثُ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُكَلَّفِ، وَهُوَ بِالتَّيَمُّمِ قَدْ أُبِيحَتْ لَهُ الصَّلاَةُ إِجْمَاعًا وَارْتَفَعَ الْمَنْعُ إِجْمَاعًا؛ لأَِنَّهُ لاَ مَنْعَ مَعَ الإِْبَاحَةِ فَإِنَّهُمَا ضِدَّانِ وَالضِّدَّانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ، وَإِذَا كَانَتِ الإِْبَاحَةُ ثَابِتَةً قَطْعًا، وَالْمَنْعُ مُرْتَفِعٌ قَطْعًا كَانَ التَّيَمُّمُ رَافِعًا لِلْحَدَثِ قَطْعًا. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - غَيْرِ مَنْ ذُكِرَ - أَنَّ التَّيَمُّمَ لاَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ؛ لأَِنَّهُ بَدَلٌ ضَرُورِيٌّ، أَوْ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، وَلِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ صَلَّى ثُمَّ رَأَى رَجُلاً مُعْتَزِلاً لَمْ يُصَل مَعَ الْقَوْمِ فَقَال: يَا فُلاَنُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلاَ مَاءَ فَقَال: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيَكَ، فَلَمَّا

стр. 9432

حَضَرَ الْمَاءُ أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الرَّجُل إِنَاءً مِنْ مَاءٍ فَقَال: اغْتَسِل بِهِ. (١) وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ تَيَمَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ وَصَلَّى بِالنَّاسِ فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ. (٢) وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَعْزُبُ فِي الإِْبِل وَتُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال لَهُ: إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسُّهُ بَشَرَتَهُ (٣) . قَال النَّوَوِيُّ: وَكُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الْحَدَثَ مَا ارْتَفَعَ، إِذْ لَوِ ارْتَفَعَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الاِغْتِسَال (٤) . مَا يَحْرُمُ فِعْلُهُ بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ: ١٠ - يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ الصَّلاَةُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ

стр. 9433

فَرْضًا أَمْ نَفْلاً؛ لأَِنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّلاَةِ وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ تُقْبَل صَلاَةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ. (١) وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. وَيَشْمَل ذَلِكَ سَجْدَةَ التِّلاَوَةِ وَصَلاَةَ الْجِنَازَةِ (٢) . ١١ - وَيَحْرُمُ كَذَلِكَ الطَّوَافَ فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلاً؛ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى الصَّلاَةِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاَةٌ إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَحَل لَكُمْ فِيهِ الْكَلاَمَ (٣) وَلِذَلِكَ لاَ يَصِحُّ الطَّوَافُ مِمَّنْ كَانَ جُنُبًا، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّ طَوَافَ الْجُنُبِ صَحِيحٌ وَلَكِنْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ؛ لأَِنَّ الطَّهَارَةَ فِي الطَّوَافِ عِنْدَهُمْ لَيْسَتْ شَرْطًا وَإِنَّمَا هِيَ وَاجِبَةٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَال: الْبَدَنَةُ تَجِبُ فِي الْحَجِّ فِي مَوْضِعَيْنِ: إِذَا طَافَ جُنُبًا، وَالثَّانِي: إِذَا جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ (٤) .

стр. 9434

١٢ - وَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِيَدِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُصْحَفًا جَامِعًا لِلْقُرْآنِ، أَمْ كَانَ جُزْءًا أَمْ وَرَقًا مَكْتُوبًا فِيهِ بَعْضُ السُّوَرِ، وَكَذَا مَسُّ جِلْدِهِ الْمُتَّصِل بِهِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (١) ﴾ وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنْ لاَ يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ (٢) . ١٣ - وَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ كَذَلِكَ حَمْل الْقُرْآنِ إِلاَّ إِذَا كَانَ بِأَمْتِعَةٍ، وَالأَْمْتِعَةُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، أَوْ كَانَ حَمْلُهُ لِضَرُورَةٍ، كَخَوْفٍ عَلَيْهِ مِنْ نَجَاسَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ حَمْلَهُ بِعَلاَّقَةٍ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يَجُوزُ حَمْل الْمُصْحَفِ بِعَلاَّقَتِهِ وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالْقَاسِمِ وَأَبِي وَائِلٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مَاسٍّ لَهُ كَمَا لَوْ حَمَلَهُ فِي رَحْلِهِ. ١٤ - وَيَحْرُمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ؛ لأَِنَّهُ يَصِيرُ بِمَسِّهَا مَاسًّا لِلْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْعِبْرَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِالْقِلَّةِ

стр. 9435

وَالْكَثْرَةِ، فَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ أَكْثَرَ كَبَعْضِ كُتُبِ غَرِيبِ الْقُرْآنِ حَرُمَ مَسُّهُ، وَإِنْ كَانَ التَّفْسِيرُ أَكْثَرَ لاَ يَحْرُمُ مَسُّهُ فِي الأَْصَحِّ. وَأَجَازَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ - غَيْرَ ابْنِ عَرَفَةَ - وَالْحَنَابِلَةُ لأَِنَّهُ لاَ يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ مُصْحَفٍ. ١٥ - وَيَحْرُمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مَسُّ الدَّرَاهِمِ الَّتِي عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ؛ لأَِنَّ الدَّرَاهِمَ كَالْوَرَقَةِ الَّتِي كُتِبَ فِيهَا قُرْآنٌ، وَكَرِهَ ذَلِكَ عَطَاءٌ وَالْقَاسِمُ وَالشَّعْبِيُّ، وَأَجَازَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ مِنْ وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الْمُصْحَفِ فَأَشْبَهَتْ كُتُبَ الْفِقْهِ؛ وَلأَِنَّ فِي الاِحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ مَشَقَّةً، وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ، وَالْبَلْوَى تَعُمُّ، فَعُفِيَ عَنْهُ. ١٦ - وَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ أَنْ يَكْتُبَ الْقُرْآنَ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لاَ يَكْتُبَ؛ لأَِنَّ كِتَابَةَ الْحُرُوفِ تَجْرِي مَجْرَى الْقِرَاءَةِ (١) . ١٧ - وَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ

стр. 9436

لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لاَ يَحْجِزُهُ شَيْءٌ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إِلاَّ الْجَنَابَةُ (١) وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلاَ الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ (٢) . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةُ كُل الْقُرْآنِ. قَال الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا: اخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَيَجُوزُ عِنْدَ الْجَمِيعِ تِلاَوَةُ مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْقُرْآنُ كَالأَْدْعِيَةِ وَالذِّكْرِ الْبَحْتِ (٣) . ١٨ - وَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ دُخُول الْمَسْجِدِ وَاللُّبْثُ فِيهِ، وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عُبُورَهُ، لِلاِسْتِثْنَاءِ الْوَارِدِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ (٤) ﴾ . وَمَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْعُبُورَ إِلاَّ بِالتَّيَمُّمِ (٥) . ١٩ - وَيَحْرُمُ الاِعْتِكَافُ لِلْجُنُبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿

стр. 9437

وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اعْتِكَافٌ) مَا يُسْتَحَبُّ وَمَا يُبَاحُ لِلْجُنُبِ: ٢٠ - يُبَاحُ لِلْجُنُبِ الذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ وَالدُّعَاءُ (١) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُل أَحْيَانِهِ (٢) . ٢١ - يُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَأْكُل أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يَطَأَ ثَانِيًا أَنْ يَغْسِل فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُل أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ (٣) . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤) . وَفِي الْقَوْل الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْوُضُوءَ لِلنَّوْمِ أَوْ لِمُعَاوَدَةِ الأَْهْل وَاجِبٌ؛ لأَِنَّ الْجُنُبَ مَأْمُورٌ

стр. 9438

بِالْوُضُوءِ قَبْل النَّوْمِ، فَهَل الأَْمْرُ لِلإِْيجَابِ أَوْ لِلنَّدْبِ؟ قَوْلاَنِ (١) . وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ أَوْ مُعَاوَدَةَ الأَْهْل الْوُضُوءَ وَعَدَمَهُ، قَال الْكَاسَانِيُّ: لاَ بَأْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ وَيُعَاوِدَ أَهْلَهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَال: نَعَمْ (٢) ، وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، وَلَهُ أَنْ يَنَامَ قَبْل أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً (٣) وَلأَِنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا هُوَ لأَِدَاءِ الصَّلاَةِ، وَلَيْسَ فِي النَّوْمِ ذَلِكَ - وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْمُسَيِّبِ. لَكِنِ اسْتَحَبَّ الْحَنَفِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْكْل وَالشُّرْبِ لِمَنْ كَانَ جُنُبًا أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَغْسِل يَدَيْهِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَقَال مُجَاهِدٌ: يَغْسِل كَفَّيْهِ (٤) .

стр. 9439

٢٢ - يَصِحُّ مِنْ الْجُنُبِ أَدَاءُ الصَّوْمِ بِأَنْ يُصْبِحَ صَائِمًا قَبْل أَنْ يَغْتَسِل (١) فَإِنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ قَالَتَا: نَشْهَدُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أِنْ كَانَ لِيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلاَمٍ ثُمَّ يَغْتَسِل ثُمَّ يَصُومُ (٢) . ٢٣ - يَصِحُّ أَذَانُ الْجُنُبِ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَذَانٌ) . ٢٤ - تَجُوزُ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ مِمَّنْ كَانَ جُنُبًا مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَفِي الْقَدِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الطَّهَارَةَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ عِنْدَ هَؤُلاَءِ وَلَيْسَتْ شَرْطًا؛ وَلأَِنَّهَا مِنْ بَابِ الذِّكْرِ، وَالْجُنُبُ لاَ يُمْنَعُ مِنَ الذِّكْرِ، فَإِنْ خَطَبَ جُنُبًا وَاسْتَخْلَفَ فِي الصَّلاَةِ أَجْزَأَهُ، كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ، وَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِيمَنْ خَطَبَ وَهُوَ جُنُبٌ ثُمَّ اغْتَسَل وَصَلَّى بِهِمْ أَجْزَأَهُ، وَفِي الْجَدِيدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الأَْشْبَهُ بِأُصُول مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّ الطَّهَارَةَ مِنَ الْجَنَابَةِ شَرْطٌ فَلاَ تَصِحُّ الْخُطْبَةُ بِدُونِهَا (٣) .

стр. 9440

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (صَلاَةُ الْجُمُعَةِ، خُطْبَةٌ) . أَثَرُ الْجَنَابَةِ فِي الصَّوْمِ: ٢٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجَنَابَةَ إِذَا كَانَتْ بِالْجِمَاعِ عَمْدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَإِنَّهَا تُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَكَذَلِكَ الْقَضَاءُ، إِلاَّ فِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ مَعَ الْكَفَّارَةِ؛ لأَِنَّ الْخَلَل الْحَاصِل قَدِ انْجَبَرَ بِالْكَفَّارَةِ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْقَضَاءَ لاَ يَسْقُطُ إِلاَّ إِنْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ، وَلَكِنِ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ مَعَ الْكَفَّارَةِ. وَالدَّلِيل عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال يَا رَسُول اللَّهِ هَلَكْتُ، قَال: مَا لَكَ؟ قَال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : هَل تَجِدُ رَقَبَةً تَعْتِقُهَا؟ قَال لاَ. قَال فَهَل تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَال لاَ. قَال: فَهَل تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَال لاَ. قَال فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعِرْقٍ فِيهَا تَمْرٌ - وَالْعِرْقُ: الْمِكْتَل - قَال: أَيْنَ السَّائِل؟ فَقَال أَنَا. قَال: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ. فَقَال الرَّجُل: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُول اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْل بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْل بَيْتِي. فَضَحِكَ

стр. 9441

النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَال: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ (١) . وَالْكَفَّارَةُ فِيمَا سَبَقَ إِنَّمَا تَجِبُ إِذَا كَانَ الْجِمَاعُ عَمْدًا، فَإِنْ كَانَ نِسْيَانًا فَلاَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ لَكِنْ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْعَمْدَ وَالنِّسْيَانَ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَالْقَضَاءِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِالنِّسْيَانِ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: عَدَمُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ اسْتِحْسَانٌ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُفْطِرْ، وَالْقِيَاسُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْقَوْل الآْخَرُ لِلْحَنَابِلَةِ يَجِبُ الْقَضَاءُ. وَلاَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ عَمْدًا فِي صَوْمِ غَيْرِ رَمَضَانَ وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (٢) . ٢٦ - أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْجَنَابَةُ بِالإِْنْزَال بِغَيْرِ جِمَاعٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. فَإِنْ كَانَ عَنِ احْتِلاَمٍ فَلاَ يَفْسُدُ الصَّوْمُ بِالإِْجْمَاعِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : ثَلاَثٌ لاَ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْحِجَامَةُ، وَالْقَيْءُ

стр. 9442

وَالاِحْتِلاَمُ (١) . وَلأَِنَّهُ لاَ صُنْعَ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْجَنَابَةُ بِالإِْنْزَال عَنْ تَعَمُّدٍ بِمُبَاشَرَةٍ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ قُبْلَةٍ، أَوْ لَمْسٍ بِشَهْوَةٍ، أَوِ اسْتِمْنَاءٍ فَسَدَ الصَّوْمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَعَامَّةِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِفَسَادِ الصَّوْمِ يَجِبُ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، وَمُقَابِل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ مَعَ الْقَضَاءِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَالرَّجُل وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. أَمَّا الْجَنَابَةُ الَّتِي تَكُونُ بِالإِْنْزَال عَنْ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ فَلاَ تُفْسِدُ الصَّوْمَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَل بِهِ أَوْ تَتَكَلَّمْ (٢) . وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَل فَسَدَ صَوْمُهُ، وَهُوَ قَوْل الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنِ اعْتَادَ الإِْنْزَال بِالنَّظَرِ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْبَرْمَكِيِّ

стр. 9443

مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَل فَسَدَ صَوْمُهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ دَاوَمَ الْفِكْرَ أَوِ النَّظَرَ فَأَنْزَل فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ عَدَمَ الإِْنْزَال فَأَنْزَل فَسَدَ صَوْمُهُ، وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِهَا قَوْلاَنِ، وَإِنْ لَمْ يُدِمِ النَّظَرَ أَوِ الْفِكْرَ فَأَنْزَل فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ، إِلاَّ إِذَا كَانَتْ عَادَتُهُ الإِْنْزَال فَقَوْلاَنِ فِي الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِهَا (١) . أَثَرُ الْجَنَابَةِ فِي الْحَجِّ: ٢٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجَنَابَةَ إِذَا كَانَتْ بِجِمَاعٍ فَإِنْ كَانَتْ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ الْحَجُّ وَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِيهِ وَالْقَضَاءُ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَشَاةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَيَسْتَوِي فِي هَذَا الرَّجُل وَالْمَرْأَةُ، وَالْعَمْدُ وَالنِّسْيَانُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَفِي الْقَدِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي الْجَدِيدِ لاَ يَفْسُدُ بِالْجِمَاعِ نِسْيَانًا. وَإِنْ كَانَتِ الْجَنَابَةُ بِالْجِمَاعِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَفْسُدُ الْحَجُّ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ؛ لِقَوْل

стр. 9444

النَّبِيِّ ﷺ : الْحَجُّ عَرَفَةَ (١) فَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْجُمْلَةِ، إِنْ كَانَتِ الْجَنَابَةُ بِالْجِمَاعِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَقَبْل التَّحَلُّل الأَْوَّل فَسَدَ الْحَجُّ وَيَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهِ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ مَعَ وُجُوبِ بَدَنَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَشَاةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْجَنَابَةُ بَعْدَ التَّحَلُّل الأَْوَّل لَمْ يَفْسُدِ الْحَجُّ عِنْدَهُمَا وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، قِيل بَدَنَةٌ وَقِيل شَاةٌ. وَلاَ يَفْسُدُ الْحَجُّ بِالْجَنَابَةِ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ كَأَنْ كَانَ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ قُبْلَةٍ أَوْ لَمْسٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْجَنَابَةُ بِذَلِكَ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَمْ بَعْدَهُ مَعَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْخِلاَفِ هَل هِيَ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَدْ فَصَّل الْمَالِكِيَّةُ الْقَوْل فَقَالُوا: إِنَّ الْحَجَّ يَفْسُدُ بِالْجَنَابَةِ بِالْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ عَمْدًا أَمْ سَهْوًا وَذَلِكَ إِنْ وَقَعَتِ الْجَنَابَةُ عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي. أ - إِذَا كَانَتْ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. ب - إِذَا كَانَتْ فِي يَوْمِ النَّحْرِ (أَيْ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) . وَلَكِنْ قَبْل رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقَبْل الطَّوَافِ.

стр. 9445

وَلاَ يَفْسُدُ الْحَجُّ إِنْ وَقَعَ الْجِمَاعُ أَوْ مُقَدِّمَاتُهُ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ بَعْدَ الطَّوَافِ. أَوْ وَقَعَ الْجِمَاعُ أَوْ مُقَدِّمَاتُهُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَلَوْ قَبْل الطَّوَافِ وَالرَّمْيِ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ. وَإِذَا فَسَدَ الْحَجُّ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِيهِ وَالْقَضَاءُ. وَالْعُمْرَةُ تَفْسُدُ بِمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الْمَذَاهِبِ قَبْل التَّحَلُّل مِنْهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَبْل أَنْ يَطُوفَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ، فَإِنْ كَانَتْ الْجَنَابَةُ بَعْدَ طَوَافِ أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ فَلاَ تَفْسُدُ وَعَلَيْهِ شَاةٌ (١) . وَفِي كُل مَا سَبَقَ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ تُنْظَرُ فِي (حَجٌّ، عُمْرَةٌ، إِحْرَامٌ) .

стр. 9446

جِنَايَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجِنَايَةُ فِي اللُّغَةِ الذَّنْبُ وَالْجُرْمُ، وَهُوَ فِي الأَْصْل مَصْدَرُ جَنَى، ثُمَّ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُول، قَال الْجُرْجَانِيِّ: الْجِنَايَةُ كُل فِعْلٍ مَحْظُورٍ يَتَضَمَّنُ ضَرَرًا عَلَى النَّفْسِ أَوْ غَيْرِهَا، وَقَال الْحَصْكَفِيُّ: الْجِنَايَةُ شَرْعًا اسْمٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ حَل بِمَالٍ أَوْ نَفْسٍ. إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ خَصُّوا لَفْظَ الْجِنَايَةِ بِمَا حَل بِنَفْسٍ وَأَطْرَافٍ، وَالْغَصْبَ وَالسَّرِقَةَ بِمَا حَل بِمَالٍ (١) . وَتُذْكَرُ الْجِنَايَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَيُرَادُ بِهَا كُل فِعْلٍ مُحَرَّمٍ حَل بِمَالٍ، كَالْغَصْبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالإِْتْلاَفِ، وَتُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهَا أَيْضًا مَا تُحْدِثُهُ الْبَهَائِمُ، وَتُسَمَّى: جِنَايَةُ الْبَهِيمَةِ، وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهَا كَمَا أَطْلَقَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى كُل فِعْلٍ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ بِسَبَبِ الإِْحْرَامِ أَوِ الْحَرَمِ. فَقَالُوا: جِنَايَاتُ الإِْحْرَامِ، وَالْمُرَادُ بِهَا كُل فِعْلٍ لَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَوِ الْحَاجِّ أَنْ يَفْعَلَهُ (٢) .

стр. 9447

وَعَبَّرَ عَنْهَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِمَمْنُوعَاتِ الإِْحْرَامِ أَوْ مَحْظُورَاتِهِ، أَوْ مُحَرَّمَاتِ الإِْحْرَامِ، وَالْحَرَمِ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْجَرِيمَةُ: ٢ - الْجُرْمُ وَالْجَرِيمَةُ فِي اللُّغَةِ: الذَّنْبُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهَا الْمَاوَرْدِيُّ بِقَوْلِهِ: الْجَرَائِمُ مَحْظُورَاتٌ شَرْعِيَّةٌ زَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ، فَالْجَرِيمَةُ أَعَمُّ مِنَ الْجِنَايَةِ (٢) الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٣ - كُل عُدْوَانٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ مَالٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا. الْحُكْمُ الْوَضْعِيُّ: ٤ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ بِحَسَبِهَا فَيَكُونُ قِصَاصًا، أَوْ دِيَةً، أَوْ أَرْشًا، أَوْ حُكُومَةَ عَدْلٍ، أَوْ ضَمَانًا عَلَى حَسَبِ الأَْحْوَال، وَقَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى ارْتِكَابِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْجِنَايَةِ، الْكَفَّارَةُ أَوِ الْحِرْمَانُ مِنَ الْمِيرَاثِ.

стр. 9448

أَقْسَامُ الْجِنَايَةِ: ٥ - قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الْجِنَايَةَ إِلَى أَقْسَامٍ ثَلاَثَةٍ: ١ - الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ وَهِيَ الْقَتْل. ٢ - الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، وَهِيَ الإِْصَابَةُ الَّتِي لاَ تُزْهِقُ الرُّوحَ. ٣ - الْجِنَايَةِ عَلَى مَا هُوَ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْجَنِينِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ كَمَا يَلِي: أَوَّلاً - أَقْسَامُ الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ: ٦ - ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى النَّفْسِ تَنْقَسِمُ بِحَسَبِ الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ إِلَى: عَمْدٍ، وَشِبْهِ عَمْدٍ، وَخَطَأٍ، فَالتَّقْسِيمُ عِنْدَهُمْ ثُلاَثِيٌّ. وَهُوَ خُمَاسِيٌّ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بِزِيَادَةِ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ، وَالْقَتْل بِسَبَبٍ. وَهِيَ عِنْدَ بَعْضِ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ؛ لأَِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ، وَالْقَتْل بِسَبَبٍ قِسْمًا وَاحِدًا. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: هَذَا الْقِسْمُ هُوَ مِنَ الْخَطَأِ، فَالتَّقْسِيمُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا ثُلاَثِيٌّ، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ شِبْهَ الْعَمْدِ، وَقَال: الْقَتْل إِمَّا عَمْدٌ وَإِمَّا خَطَأٌ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إِلاَّ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ، وَجَعَل شِبْهَ الْعَمْدِ فِي حُكْمِ

стр. 9449

الْعَمْدِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَال بِشِبْهِ الْعَمْدِ (١) وَبَيَانُ كُلٍّ مِنْ أَقْسَامِ الْقَتْل كَالآْتِي: أ - الْقَتْل الْعَمْدُ: ٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ الْقَتْل الْعَمْدِ: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى أَنَّ الْقَتْل الْعَمْدَ هُوَ الضَّرْبُ بِمُحَدَّدٍ أَوْ غَيْرِ مُحَدَّدٍ، وَالْمُحَدَّدُ، هُوَ مَا يَقْطَعُ، وَيَدْخُل فِي الْبَدَنِ كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَأَمْثَالِهِمَا مِمَّا يُحَدِّدُ وَيَجْرَحُ، وَغَيْرُ الْمُحَدَّدِ هُوَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حُصُول الزَّهُوقِ بِهِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ كَحَجَرٍ كَبِيرٍ، أَوْ خَشَبَةٍ كَبِيرَةٍ وَبِهِ قَال النَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ وَحَمَّادٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقُ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْقَتْل الْعَمْدَ هُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَ الْمَقْتُول فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ جَسَدِهِ بِآلَةٍ تُفَرِّقُ الأَْجْزَاءَ، كَالسَّيْفِ، وَاللِّيطَةِ، وَالْمَرْوَةِ وَالنَّارِ؛ لأَِنَّ الْعَمْدَ فِعْل الْقَلْبِ؛ لأَِنَّهُ الْقَصْدُ، وَلاَ يُوقَفُ عَلَيْهِ إِلاَّ بِدَلِيلِهِ، وَهُوَ مُبَاشَرَةُ الآْلَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَتْل عَادَةً. وَهَذَا بِخِلاَفِ الْمُثْقَّل فَلَيْسَ الْقَتْل بِهِ عَمْدًا عِنْدَهُ (٢) .

стр. 9450

وَأَمَّا حُكْمُهُ فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مُوجِبَ الْقَتْل الْعَمْدِ بِشُرُوطِهِ: الْقَوَدُ، وَالإِْثْمُ، وَحِرْمَانُ الْقَاتِل مِنْ أَنْ يَرِثَ الْقَتِيل. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قَتْلٌ عَمْدٌ) . ب - الْقَتْل شِبْهُ الْعَمْدِ: ٨ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ هُوَ: أَنْ يَقْصِدَ الْفِعْل وَالشَّخْصَ، بِمَا لاَ يَقْتُل غَالِبًا كَالضَّرْبِ بِالسَّوْطِ، وَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ، فَيُؤَدِّي إِلَى مَوْتِهِ، وَهَذَا لأَِنَّ مَعْنَى الْعَمْدِيَّةِ قَاصِرٌ فِي مِثْل هَذِهِ الأَْفْعَال؛ لأَِنَّهَا لاَ تَقْتُل عَادَةً، وَيُقْصَدُ بِهِ غَيْرُ الْقَتْل، كَالتَّأْدِيبِ وَنَحْوِهِ، فَكَانَ شِبْهَ الْعَمْدِ وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: شِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لاَ يُفَرِّقُ الأَْجْزَاءَ كَالْحَجَرِ، وَالْعَصَا، وَالْيَدِ. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يَقُولُونَ بِشِبْهِ الْعَمْدِ فِي قَوْلٍ، وَعَلَى الْقَوْل الآْخَرِ شِبْهُ الْعَمْدِ: هُوَ أَنْ يَقْصِدَ الضَّرْبَ وَلاَ يَقْصِدَ الْقَتْل، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَالْعَمْدِ، وَقِيل: كَالْخَطَأِ، وَهُنَاكَ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّهُ تُغَلَّظُ فِيهِ الدِّيَةُ. وَمُوجِبُهُ الإِْثْمُ وَالْكَفَّارَةُ وَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (١) .

стр. 9451

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قَتْلٌ شِبْهُ عَمْدٍ) . ج - الْقَتْل الْخَطَأُ: ٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْقَتْل الْخَطَأَ هُوَ أَنْ لاَ يَقْصِدَ الضَّرْبَ وَلاَ الْقَتْل، مِثْل أَنْ يَرْمِيَ صَيْدًا أَوْ هَدَفًا فَيُصِيبَ إِنْسَانًا، أَوْ يَنْقَلِبَ النَّائِمُ عَلَى إِنْسَانٍ فَيَقْتُلَهُ (١) . وَمُوجِبُهُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةُ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قَتْلٌ خَطَأٌ) . د - الْقَتْل بِالتَّسَبُّبِ أَوْ السَّبَبِ: ١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَتْل بِالتَّسَبُّبِ هُوَ الْقَتْل نَتِيجَةَ حَفْرِ الْبِئْرِ، أَوْ وَضْعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَفِنَائِهِ، وَأَمْثَالِهِمَا، فَيَعْطَبُ بِهِ إِنْسَانٌ وَيُقْتَل، وَمُوجِبُ ذَلِكَ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لاَ غَيْرَ؛ لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيمَا وَضَعَهُ وَحَفَرَهُ، فَجُعِل الْحَافِرُ دَافِعًا مُوقِعًا، فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَلاَ يَأْثَمُ فِيهِ لِعَدَمِ الْقَصْدِ، وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقْتُل حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا أُلْحِقَ بِالْقَاتِل فِي حَقِّ الضَّمَانِ، فَبَقِيَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ عَلَى الأَْصْل، وَبِذَلِكَ قَضَى شُرَيْحٌ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.

стр. 9452

وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ الْقَتْل بِسَبَبٍ بِالْخَطَأِ فِي أَحْكَامِهِ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْجِنَايَةَ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ جِنَايَةً فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَقَدْ يَقْوَى فَيَلْحَقُ بِالْعَمْدِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (الْقَتْل بِالتَّسَبُّبِ) . ثَانِيًا - الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ: الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَمْدًا، أَوْ خَطَأً. أ - إِذَا كَانَتْ عَمْدًا: ١١ - يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ بِقَطْعِ عُضْوٍ، أَوْ إِحْدَاثِ جُرْحٍ، أَوْ إِزَالَةِ مَنْفَعَةٍ عَمْدًا بِشَرَائِطَ خَاصَّةٍ، وَلاَ يَكُونُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ عَمْدٍ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ، فَمَا كَانَ شِبْهُ عَمْدٍ فِي النَّفْسِ فَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ؛ لأَِنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ لاَ يُقْصَدُ إِتْلاَفُهُ بِآلَةٍ دُونَ آلَةٍ عَادَةً، فَاسْتَوَتِ الآْلاَتُ كُلُّهَا فِي الدَّلاَلَةِ عَلَى الْقَصْدِ، فَكَانَ الْفِعْل عَمْدًا مَحْضًا.

стр. 9453

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (جِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ) . ب - إِذَا كَانَتْ خَطَأً: ١٢ - الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ إِذَا كَانَتْ خَطَأً فَفِيهَا الدِّيَةُ، أَوْ أَرْشٌ، أَوْ حُكُومَةُ عَدْلٍ عَلَى حَسَبِ الأَْحْوَال. وَفِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَكَيْفِيَّةِ اسْتِيفَائِهِ، وَكَذَلِكَ فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الدِّيَةِ، وَمِقْدَارِ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الدِّيَةِ فِي كُل نَوْعٍ مِنَ الاِعْتِدَاءِ عَلَى الأَْطْرَافِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ (١) يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ: (جِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ) . ثَالِثًا - الْجِنَايَةُ عَلَى مَا هُوَ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ: ١٣ - الْجِنَايَةُ عَلَى مَا هُوَ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَهُوَ الْجَنِينُ بِأَنْ ضَرَبَ حَامِلاً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ تَجِبُ فِيهِ الْغُرَّةُ وَهِيَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: وُجُوبُ الْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ

стр. 9454

اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لاَ شَيْءَ عَلَى الضَّارِبِ؛ لأَِنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ حَيًّا وَقْتَ الضَّرْبِ، وَيُحْتَمَل أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، بِأَنْ لَمْ تُخْلَقْ فِيهِ الْحَيَاةُ بَعْدُ، فَلاَ يَجِبُ الضَّمَانُ بِالشَّكِّ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (جَنِينٌ وَحَمْلٌ) .

стр. 9455

جِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجِنَايَةُ فِي اللُّغَةِ الذَّنْبُ وَالْجُرْمُ. وَقَال الْحَصْكَفِيُّ: الْجِنَايَةُ شَرْعًا: اسْمٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ حَل بِمَالٍ أَوْ نَفْسٍ، إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ خَصُّوا لَفْظَ الْجِنَايَةِ بِمَا حَل بِنَفْسٍ أَوْ أَطْرَافٍ، وَالْغَصْبَ وَالسَّرِقَةَ بِمَا حَل بِمَالٍ (١) . وَالْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ كُل فِعْلٍ مُحَرَّمٍ وَقَعَ عَلَى الأَْطْرَافِ أَوِ الأَْعْضَاءِ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِالْقَطْعِ، أَمْ بِالْجَرْحِ، أَمْ بِإِزَالَةِ الْمَنَافِعِ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: كُل جِنَايَةٍ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ عَمْدًا عُدْوَانًا مُحَرَّمَةٌ شَرْعًا. الْحُكْمُ الْوَضْعِيُّ: ٢ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ بِاخْتِلاَفِ كَوْنِهَا عَمْدًا أَوْ
следующие страницы →