← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

أَنَّ الْحَلْقَ أَوِ التَّقْصِيرَ شَرْطٌ لِلتَّحَلُّل، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ الرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبَيْنِ (١) ، وَلاَ بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّل بِالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ لِمَا ذُكِرَ فِي النِّيَّةِ عِنْدَ الذَّبْحِ. اسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ مَعَهُ بِالْقِرَانِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وَوَجْهُ دَلاَلَةِ الآْيَةِ: أَنَّ الْمَعْنَى: " إِنْ أُحْصِرْتُمْ وَأَرَدْتُمْ أَنْ تَحِلُّوا فَاذْبَحُوا مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. جَعَل ذَبْحَ الْهَدْيِ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ إِذَا أَرَادَ الْحِل كُل مُوجَبِ الإِْحْصَارِ، فَمَنْ أَوْجَبَ الْحَلْقَ فَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضَ الْمُوجَبِ، وَهَذَا خِلاَفُ النَّصِّ (٢) ". وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ: بِفِعْلِهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَإِنَّهُ حَلَقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحْلِقُوا (٣) ، وَلَمَّا تَبَاطَئُوا عَظُمَ عَلَيْهِ ﷺ حَتَّى بَادَرَ فَحَلَقَ بِنَفْسِهِ، فَأَقْبَل النَّاسُ فَحَلَقُوا وَقَصَّرُوا، فَدَعَا رَسُول اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ؟ ، فَقَال وَالْمُقَصِّرِينَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ (٤) . وَلَوْلاَ أَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ مَا دَعَا لَهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ . وَإِذَا كَانَ نُسُكًا وَجَبَ فِعْلُهُ كَمَا يَجِبُ

стр. 982

عِنْدَ الْقَضَاءِ لِغَيْرِ الْمُحْصَرِ (١) . وَاسْتَدَل لَهُمْ أَيْضًا بِالآْيَةِ ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ . (٢) وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِهَا أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْغَايَةِ يَقْتَضِي " أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْغَايَةِ بِضِدِّ مَا قَبْلَهَا، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَإِذَا بَلَغَ فَاحْلِقُوا. وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْحَلْقِ (٣) ". تَحَلُّل الْمُحْصَرِ لِحَقِّ الْعَبْدِ: ٤٣ - الْمُحْصَرُ لِحَقِّ الْعَبْدِ - عَلَى التَّفْصِيل وَالْخِلاَفِ السَّابِقِ - يَكُونُ تَحْلِيلُهُ عَلَى النَّحْوِ الآْتِي: عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنْ يَأْتِيَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ فِي الإِْحْصَارِ عَمَلاً مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ نَاوِيًا التَّحْلِيل كَقَصِّ شَعْرٍ أَوْ تَقْلِيمِ ظُفُرٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَلاَ يَكْفِي الْقَوْل (٤) ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الرَّاجِحِ: يَكُونُ التَّحَلُّل بِنِيَّةِ الْمُحْصَرِ، فَإِنِ امْتَنَعَ عَنِ التَّحَلُّل قَامَ مَنْ كَانَ الإِْحْصَارُ لِحَقِّهِ بِتَحْلِيلِهِ بِنِيَّتِهِ أَيْضًا (٥) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِلزَّوْجِ تَحْلِيل زَوْجَتِهِ، وَلِلأَْبِ تَحْلِيل ابْنِهِ، وَلِلسَّيِّدِ تَحْلِيل عَبْدِهِ فِي الأَْحْوَال السَّابِقَةِ. وَمَعْنَى التَّحْلِيل عِنْدَهُمْ عَلَى مَا ذَكَرُوا فِي الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ: أَنْ يَأْمُرَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ بِالتَّحَلُّل، فَيَجِبُ

стр. 983

عَلَيْهَا التَّحَلُّل بِأَمْرِهِ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهَا التَّحَلُّل قَبْل أَمْرِهِ. وَتَحَلُّلُهَا كَتَحَلُّل الْمُحْصَرِ بِالذَّبْحِ ثُمَّ الْحَلْقِ، بِنِيَّةِ التَّحَلُّل فِيهِمَا. وَلاَ يَحْصُل التَّحَلُّل إِلاَّ بِمَا يَحْصُل بِهِ تَحَلُّل الْمُحْصَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) . وَيُقَاسُ عَلَيْهِ تَحْلِيل الأَْبِ لِلاِبْنِ أَيْضًا. وَلَوْ لَمْ تَتَحَلَّل الزَّوْجَةُ بَعْدَ أَنْ أَمَرَهَا زَوْجُهَا بِالتَّحَلُّل، فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا، وَالإِْثْمُ عَلَيْهَا (٢) . إِحْصَارُ مَنِ اشْتَرَطَ فِي إِحْرَامِهِ التَّحَلُّل إِذَا حَصَل لَهُ مَانِعٌ مَعْنَى الاِشْتِرَاطِ وَالْخِلاَفُ فِيهِ: ٤٤ - الاِشْتِرَاطُ فِي الإِْحْرَامِ: هُوَ أَنْ يَقُول الْمُحْرِمُ عِنْدَ الإِْحْرَامِ: " إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ " مَثَلاً، أَوِ " الْعُمْرَةَ، فَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي ". وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْمَذَاهِبُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الاِشْتِرَاطِ فِي الإِْحْرَامِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الاِشْتِرَاطَ فِي الإِْحْرَامِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَلاَ أَثَرَ لَهُ فِي إِبَاحَةِ التَّحَلُّل وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الاِشْتِرَاطِ فِي الإِْحْرَامِ، وَأَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي التَّحَلُّل. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْرَامٌ) . آثَارُ الاِشْتِرَاطِ: ٤٥ - أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ الْمَانِعِينَ لِشَرْعِيَّةِ الاِشْتِرَاطِ فِي الإِْحْرَامِ. فَإِنَّ الاِشْتِرَاطَ فِي الإِْحْرَامِ لاَ

стр. 984

يُفِيدُ الْمُحْرِمَ شَيْئًا، وَلاَ يُجِيزُ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّل إِذَا طَرَأَ لَهُ مَانِعٌ عَنِ الْمُتَابَعَةِ، مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ مَرَضٍ، فَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْهَدْيُ الَّذِي يَتَحَلَّل بِهِ الْمُحْصَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا أَرَادَ التَّحَلُّل، وَلاَ يُجْزِئُهُ عَنْ نِيَّةِ التَّحَلُّل الَّتِي بِهَا يَتَحَلَّل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (١) . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الاِشْتِرَاطَ فِي الإِْحْرَامِ يُفِيدُ الْمُحْرِمَ الْمُشْتَرِطَ جَوَازَ التَّحَلُّل إِذَا طَرَأَ لَهُ مَانِعٌ مِمَّا لاَ يُعْتَبَرُ سَبَبًا لِلإِْحْصَارِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَالْمَرَضِ وَنَفَادِ النَّفَقَةِ، وَضَلاَل الطَّرِيقِ، وَالأَْوْجَهُ فِي الْمَرَضِ أَنْ يَضْبِطَ بِمَا يَحْصُل مَعَهُ مَشَقَّةٌ لاَ تُحْتَمَل عَادَةً فِي إِتْمَامِ النُّسُكِ (٢) . ثُمَّ يُرَاعِي فِي كَيْفِيَّةِ التَّحَلُّل مَا شَرَطَهُ عِنْدَ الإِْحْرَامِ، وَفِي هَذَا يَقُول الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ (٣) : إِنْ شَرَطَهُ بِلاَ هَدْيٍ لَمْ يَلْزَمْهُ هَدْيٌ، عَمَلاً بِشَرْطِهِ. وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَ - أَيْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الْهَدْيِ وَلاَ لإِِثْبَاتِهِ - لِعَدَمِ شَرْطِهِ، وَلِظَاهِرِ خَبَرِ ضُبَاعَةَ (٤) . فَالتَّحَلُّل فِيهِمَا يَكُونُ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ. وَإِنْ شَرَطَهُ بِهَدْيٍ لَزِمَهُ، عَمَلاً بِشَرْطِهِ. وَلَوْ قَال: إِنْ مَرِضْتُ فَأَنَا حَلاَلٌ، فَمَرِضَ صَارَ حَلاَلاً بِالْمَرَضِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَعَلَيْهِ حَمَلُوا خَبَرَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَل، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ. (٥)

стр. 985

وَإِنْ شَرَطَ قَلْبَ حَجِّهِ عُمْرَةً بِالْمَرَضِ أَوْ نَحْوِهِ، جَازَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ التَّحَلُّل بِهِ، بَل أَوْلَى، وَلِقَوْل عُمَرَ لأَِبِي أُمَيَّةَ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ: حُجَّ وَاشْتَرِطْ، وَقُل: اللَّهُمَّ الْحَجَّ أَرَدْتُ وَلَهُ عَمَدْتُ، فَإِنْ تَيَسَّرَ، وَإِلاَّ فَعُمْرَةٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. وَلِقَوْل عَائِشَةَ لِعُرْوَةِ: هَل تَسْتَثْنِي إِذَا حَجَجْتَ؟ فَقَال: مَاذَا أَقُول؟ قَالَتْ: قُل: اللَّهُمَّ الْحَجَّ أَرَدْتُ وَلَهُ عَمَدْتُ، فَإِنْ يَسَّرْتَهُ فَهُوَ الْحَجُّ، وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَهُوَ عُمْرَةٌ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. فَلَهُ فِي ذَلِكَ - أَيْ إِذَا شَرَطَ قَلْبَ حَجِّهِ عُمْرَةً - إِذَا وُجِدَ الْعُذْرُ أَنْ يَقْلِبَ حَجَّهُ عُمْرَةً، وَتُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الإِْسْلاَمِ. وَالأَْوْجَهُ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْخُرُوجُ إِلَى أَدْنَى الْحِل وَلَوْ بِيَسِيرٍ، إِذْ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لاَ يُغْتَفَرُ فِي الاِبْتِدَاءِ. وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَنْقَلِبَ حَجُّهُ عُمْرَةً عِنْدَ الْعُذْرِ، فَوُجِدَ الْعُذْرُ، انْقَلَبَ حَجُّهُ عُمْرَةً، وَأَجْزَأَتْهُ عَنْ عُمْرَةِ الإِْسْلاَمِ، بِخِلاَفِ عُمْرَةِ التَّحَلُّل بِالإِْحْصَارِ فَإِنَّهَا لاَ تُجْزِئُ عَنْ عُمْرَةِ الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ عُمْرَةً، وَإِنَّمَا هِيَ أَعْمَال عُمْرَةٍ. وَحُكْمُ التَّحَلُّل بِالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ حُكْمُ التَّحَلُّل بِالإِْحْصَارِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُفِيدُ الاِشْتِرَاطُ عِنْدَ الإِْحْرَامِ جَوَازَ التَّحَلُّل عَلَى نَحْوِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ تَوَسَّعُوا، فَقَالُوا: يُفِيدُ اشْتِرَاطُ التَّحَلُّل الْمُطْلَقِ شَيْئَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنَّهُ إِذَا عَاقَهُ عَائِقٌ مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، وَنَحْوِهِ أَنَّ لَهُ التَّحَلُّل. الثَّانِي: أَنَّهُ مَتَى حَل بِذَلِكَ فَلاَ دَمَ عَلَيْهِ وَلاَ صَوْمَ

стр. 986

أَيْ بَدَلاً عَنِ الدَّمِ - بَل يَحِل بِالْحَلْقِ عَلَيْهِ التَّحَلُّل (١) . وَهَذَا يُوَافِقُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ سَوَّوْا فِي الاِشْتِرَاطِ بَيْنَ الْمَوَانِعِ الَّتِي تُعْتَبَرُ سَبَبًا لِلإِْحْصَارِ كَالْعَدُوِّ، وَبَيْنَ الْمَوَانِعِ الَّتِي لاَ تُعْتَبَرُ سَبَبًا لِلإِْحْصَارِ عِنْدَهُمْ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَلَمْ يُجْرُوا الاِشْتِرَاطَ فِيمَا يُعْتَبَرُ سَبَبًا لِلإِْحْصَارِ. وَمَلْحَظُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ التَّحَلُّل بِالإِْحْصَارِ جَائِزٌ بِلاَ شَرْطٍ، فَشَرْطُهُ لاَغٍ (٢) . وَإِذَا كَانَ لاَغِيًا، لاَ يُؤَثِّرُ فِي سُقُوطِ الدَّمِ. تَحَلُّل مَنْ أُحْصِرَ عَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ دُونَ الطَّوَافِ ٤٦ - هَذَا لاَ يُعْتَبَرُ مُحْصَرًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَيُعْتَبَرُ مُحْصَرًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَيَتَحَلَّل عِنْدَ جَمِيعِهِمْ بِعَمَل عُمْرَةٍ، عَلَى التَّفْصِيل وَالاِعْتِبَارُ الْخَاصُّ لِهَذِهِ الْعُمْرَةِ، عِنْدَ كُل مَذْهَبٍ، كَمَا سَبَقَ. هَذَا وَإِنَّ مَنْ أُحْصِرَ عَنِ الْوُقُوفِ دُونَ الطَّوَافِ إِذَا تَحَلَّل قَبْل فَوَاتِ وَقْتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُحْصَرِ. أَمَّا إِنْ تَأَخَّرَ فِي التَّحَلُّل حَتَّى فَاتَ الْوُقُوفُ أَصْبَحَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْفَوَاتِ لاَ الْحَصْرِ، عَلَى مَا قَرَّرَهُ الْمَالِكِيَّةُ (٣) . وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا. وَقَدْ قَرَّرَ الْحَنَابِلَةُ أَنْ يَجْرِيَ هَذَا الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ إِذَا لَمْ يَفْسَخِ الْحَجَّ إِلَى عُمْرَةٍ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ (٤) .

стр. 987

تَحَلُّل مَنْ أُحْصِرَ عَنِ الْبَيْتِ دُونَ الْوُقُوفِ ٤٧ - مَنْ أُحْصِرَ عَنِ الْبَيْتِ دُونَ الْوُقُوفِ يُعْتَبَرُ مُحْصَرًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، عَلَى تَفْصِيلٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ. وَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ ثُمَّ يَتَحَلَّل. وَيَحْصُل تَحَلُّلُهُ بِمَا يَتَحَلَّل بِهِ الْمُحْصَرُ، وَهُوَ الذَّبْحُ وَالْحَلْقُ بِنِيَّةِ التَّحَلُّل فِيهِمَا (١) . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يَكُونُ مُحْصَرًا عِنْدَهُمْ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِطَوَافِ الإِْفَاضَةِ، وَيَظَل مُحْرِمًا بِالنِّسْبَةِ لِلنِّسَاءِ حَتَّى يُفِيضَ. وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِذَا أُحْصِرَ عَنِ الْبَيْتِ بَعْدَ الرَّمْيِ، عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ. وَكَذَا لَوْ لَمْ يَتَحَلَّل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَيُؤَدِّي طَوَافَ الإِْفَاضَةِ بِإِحْرَامِهِ الأَْوَّل؛ لأَِنَّهُ مَا دَامَ لَمْ يَتَحَلَّل التَّحَلُّل الأَْكْبَرَ فَإِحْرَامُهُ قَائِمٌ، إِذِ التَّحَلُّل يَكُونُ بِالطَّوَافِ، وَلَمْ يُوجَدِ الطَّوَافُ، فَيَكُونُ الإِْحْرَامُ قَائِمًا، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى إِحْرَامٍ جَدِيدٍ (٢) . تَفْرِيعٌ عَلَى شُرُوطِ تَحَلُّل الْمُحْصَرِ: أَجْزِيَةُ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ قَبْل تَحَلُّل الْمُحْصَرِ: ٤٨ - يَتَفَرَّعُ عَلَى شُرُوطِ التَّحَلُّل لِلْمُحْصَرِ أَنَّ الْمُحْصَرَ إِذَا لَمْ يَتَحَلَّل، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، أَوْ تَحَلَّل لَكِنْ وَقَعَ قَبْل التَّحَلُّل فِي شَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْجَزَاءِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ

стр. 988

غَيْرِ الْمُحْصَرِ، بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ (١) . إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُهُمْ وَقَال الْمِرْدَاوِيُّ: إِنَّهُ الْمَذْهَبُ. قَالُوا: مَنْ كَانَ مُحْصَرًا فَنَوَى التَّحَلُّل قَبْل ذَبْحِ الْهَدْيِ - أَوِ الصَّوْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْهَدْيِ - لَمْ يَحِل. لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الذَّبْحُ أَوِ الصَّوْمُ بِالنِّيَّةِ: أَيْ بِنِيَّةِ التَّحَلُّل، وَلَزِمَ دَمٌ لِكُل مَحْظُورٍ فَعَلَهُ بَعْدَ التَّحَلُّل، وَدَمٌ لِتَحَلُّلِهِ بِالنِّيَّةِ. فَزَادُوا عَلَى الْجُمْهُورِ دَمًا لِتَحَلُّلِهِ بِالنِّيَّةِ، وَوَجْهُهُ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ عَدَل عَنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ هَدْيٍ أَوْ صَوْمٍ - أَيْ عِنْدَ عَدَمِ الْهَدْيِ - فَلَزِمَهُ دَمٌ (٢) . مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْصَرِ بَعْدَ التَّحَلُّل قَضَاءُ مَا أُحْصِرَ عَنْهُ الْمُحْرِمُ قَضَاءُ النُّسُكِ الْوَاجِبِ الَّذِي أُحْصِرَ عَنْهُ الْمُحْرِمُ: ٤٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُحْصَرِ قَضَاءُ النُّسُكِ الَّذِي أُحْصِرَ عَنْهُ إِذَا كَانَ وَاجِبًا، كَحَجَّةِ الإِْسْلاَمِ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْمَنْذُورَيْنِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، وَكَعُمْرَةِ الإِْسْلاَمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلاَ يَسْقُطُ هَذَا الْوَاجِبُ عَنْهُ بِسَبَبِ الإِْحْصَارِ (٣) .

стр. 989

وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ لأَِنَّ الْخِطَابَ بِالْوُجُوبِ لاَ يَسْقُطُ عَنِ الْمُكَلَّفِ إِلاَّ بِأَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ. لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ فَصَلُوا بَيْنَ الْوَاجِبِ الْمُسْتَقِرِّ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ غَيْرِ الْمُسْتَقِرِّ، فَقَالُوا: " إِنْ كَانَ وَاجِبًا مُسْتَقِرًّا كَالْقَضَاءِ، وَالنَّذْرِ، وَحَجَّةِ الإِْسْلاَمِ الَّتِي اسْتَقَرَّ وُجُوبُهَا قَبْل هَذِهِ السَّنَةِ بَقِيَ الْوُجُوبُ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا كَانَ، وَإِنَّمَا أَفَادَهُ الإِْحْصَارُ جَوَازَ الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، وَهِيَ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ فِي السَّنَةِ الأُْولَى مِنْ سِنِي الإِْمْكَانِ سَقَطَتِ الاِسْتِطَاعَةُ فَلاَ حَجَّ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ شُرُوطُ الاِسْتِطَاعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. فَلَوْ تَحَلَّل بِالإِْحْصَارِ ثُمَّ زَال الإِْحْصَارُ وَالْوَقْتُ وَاسِعٌ وَأَمْكَنَهُ الْحَجُّ مِنْ سَنَتِهِ اسْتَقَرَّ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ لِوُجُودِ الاِسْتِطَاعَةِ لَكِنْ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْحَجَّ عَنْ هَذِهِ السَّنَةِ لأَِنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي (١) ". ٥٠ - أَمَّا مَنْ أُحْصِرَ عَنْ نُسُكِ التَّطَوُّعِ فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَ رَجَعَ عَنِ الْبَيْتِ فِي عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَلاَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا وَلاَ أَنْ يَعُودُوا لِشَيْءٍ، وَلاَ حُفِظَ ذَلِكَ عَنْهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلاَ قَال فِي الْعَامِ الْمُقْبِل: إِنَّ عُمْرَتِي هَذِهِ قَضَاءٌ عَنِ الْعُمْرَةِ الَّتِي حُصِرْتُ فِيهَا. وَلَمْ يُنْقَل ذَلِكَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ وَعُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَاضَى قُرَيْشًا وَصَالَحَهُمْ فِي ذَلِكَ الْعَامِ عَلَى الرُّجُوعِ عَنِ الْبَيْتِ، وَقَصْدِهِ مِنْ قَابِلٍ فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ.

стр. 990

وَصَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالسَّفِيهِ وَعَزَاهُ إِلَى ابْنِ الْقَاسِمِ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ. وَقَال الدَّرْدِيرُ: يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الزَّوْجَةِ فَقَطْ. وَعَلَّلَهُ الدُّسُوقِيُّ بِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الزَّوْجَةِ ضَعِيفٌ؛ لأَِنَّهُ لِحَقِّ غَيْرِهَا، بِخِلاَفِ الْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ وَمَنْ يُشْبِهُهُ لأَِنَّهُ لِحَقِّ نَفْسِهِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاءُ النَّفْل الَّذِي أُحْصِرَ عَنْهُ الْمُحْرِمُ؛ لأَِنَّ اعْتِمَارَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فِي الْعَامِ الْمُقْبِل مِنْ عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ إِنَّمَا كَانَ قَضَاءً لِتِلْكَ الْعُمْرَةِ، وَلِذَلِكَ قِيل لَهَا عُمْرَةُ الْقَضَاءِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ. وَهِيَ رِوَايَةٌ مُقَابِلَةٌ لِلصَّحِيحِ (١) . مَا يَلْزَمُ الْمُحْصَرَ فِي الْقَضَاءِ: ٥١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ عَنِ الْحَجِّ إِذَا تَحَلَّل وَقَضَى فِيمَا يُسْتَقْبَل يَجِبُ عَلَيْهِ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ، وَالْقَارِنُ عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَتَانِ. أَمَّا الْمُعْتَمِرُ فَيَقْضِي الْعُمْرَةَ فَقَطْ. وَعَلَيْهِ نِيَّةُ الْقَضَاءِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (٢) . وَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ إِلَى أَنَّ النُّسُكَ الَّذِي وَجَبَ فِيهِ الْقَضَاءُ لِلتَّحَلُّل بِالإِْحْصَارِ يَلْزَمُ فِيهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ بِالإِْحْصَارِ فَحَسْبُ، إِنْ حَجَّةً فَحَجَّةٌ فَقَطْ، وَإِنْ عُمْرَةً فَعُمْرَةٌ، وَهَكَذَا. وَعَلَيْهِ نِيَّةُ الْقَضَاءِ عِنْدَهُمْ أَيْضًا (٣) .

стр. 991

اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُمَا قَالاَ فِي الْمُحْصَرِ بِالْحَجِّ: " عَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ (١) " وَذَلِكَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَنْ تَوْقِيفٍ. وَتَابَعَهُمَا فِي ذَلِكَ عَلْقَمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَسَالِمٌ، وَالْقَاسِمُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ (٢) . وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ: مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَل، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ. (٣) وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْعُمْرَةَ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً مَعَ الْحَجِّ لَذَكَرَهَا. مَوَانِعُ الْمُتَابَعَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ: ٥٢ - مَوَانِعُ الْمُتَابَعَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَهَا حَالاَنِ: الْحَال الأُْولَى: أَنْ تَمْنَعَ مِنَ الإِْفَاضَةِ وَمَا بَعْدَهَا. الْحَال الثَّانِيَةُ: أَنْ تَمْنَعَ مِمَّا بَعْدَ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ. سَبَقَ الْبَحْثُ فِيمَنْ مُنِعَ مِنْ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ، هَل يَكُونُ مُحْصَرًا أَوْ لاَ، مَعَ بَيَانِ الْخِلاَفِ فِي ذَلِكَ. أَمَّا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ فِيهِ الإِْحْصَارُ إِذَا اسْتَوْفَى الْمَانِعُ شُرُوطَ الإِْحْصَارِ فَحُكْمُ تَحَلُّلِهِ حُكْمُ تَحَلُّل الْمُحْصَرِ، بِكُل التَّفَاصِيل الَّتِي سَبَقَتْ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ فِيهِ الإِْحْصَارُ فَإِنَّهُ يَظَل مُحْرِمًا حَتَّى يُؤَدِّيَ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ

стр. 992

الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَعَلَيْهِ جَزَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ وَاجِبَاتٍ، كَمَا سَيَأْتِي. مَوَانِعُ الْمُتَابَعَةِ بَعْدَ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ: ٥٣ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَاجَّ إِذَا مُنِعَ عَنِ الْمُتَابَعَةِ بَعْدَ أَدَاءِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَطَوَافِ الإِْفَاضَةِ فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ، أَيًّا كَانَ الْمَانِعُ عَدُوًّا أَوْ مَرَضًا أَوْ غَيْرَهُمَا وَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّل بِهَذَا الإِْحْصَارِ؛ لأَِنَّ صِحَّةَ الْحَجِّ لاَ تَقِفُ عَلَى مَا بَعْدَ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ فِدَاءُ تَرْكِ مَا تَرَكَهُ مِنْ أَعْمَال الْحَجِّ. فُرُوعٌ: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَيْنِ الأَْصْلَيْنِ فُرُوعٌ فِي الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ هِيَ. ٥٤ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ مَانِعٌ لاَ يَكُونُ مُحْصَرًا شَرْعًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَبْقَى مُحْرِمًا فِي حَقِّ كُل شَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ إِنْ لَمْ يَحْلِقْ، وَإِنْ حَلَقَ فَهُوَ مُحْرِمٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ لاَ غَيْرُ إِلَى أَنْ يَطُوفَ لِلزِّيَارَةِ. وَإِنْ مُنِعَ عَنْ بَقِيَّةِ أَفْعَال حَجِّهِ بَعْدَ وُقُوفِهِ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ مُجْتَمِعَةٌ، لِتَرْكِ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَالرَّمْيِ، وَتَأْخِيرِ الطَّوَافِ، وَتَأْخِيرِ الْحَلْقِ. وَعَلَيْهِ دَمٌ خَامِسٌ لَوْ حَلَقَ فِي الْحِل، بِنَاءً عَلَى الْقَوْل بِوُجُوبِهِ فِي الْحَرَمِ، وَسَادِسٌ لَوْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا لِفَوَاتِ التَّرْتِيبِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ لِلزِّيَارَةِ وَلَوْ إِلَى آخِرِ عُمُرِهِ، وَيَطُوفَ لِلصَّدْرِ إِنْ خَلَّى بِمَكَّةَ وَكَانَ آفَاقِيًّا (١) .

стр. 993

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَحِل إِلاَّ بِطَوَافِ الإِْفَاضَةِ إِذَا كَانَ قَدَّمَ السَّعْيَ قَبْل الْوُقُوفِ ثُمَّ حُصِرَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ حُصِرَ قَبْل سَعْيِهِ فَلاَ يَحِل إِلاَّ بِالإِْفَاضَةِ وَالسَّعْيِ. وَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَاحِدٌ لِلرَّمْيِ وَمَبِيتُ لَيَالِي مِنًى وَنُزُول مُزْدَلِفَةَ إِذَا تَرَكَهَا لِلْحَصْرِ عَنْهَا، كَمَا لَوْ تَرَكَهَا بِنِسْيَانِهَا جَمِيعَهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَاحِدٌ (١) . " وَكَأَنَّهُمْ لاَحَظُوا أَنَّ الْمُوجِبَ وَاحِدٌ، لاَ سِيَّمَا وَهُوَ مَعْذُورٌ (٢) ". وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ الإِْحْصَارُ بَعْدَ الْوُقُوفِ، فَإِنْ تَحَلَّل فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَلَّل حَتَّى فَاتَهُ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ بِمِنًى فَهُوَ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى وُجُوبِ الدَّمِ لِفَوَاتِهِمَا كَغَيْرِ الْمُحْصَرِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ أُحْصِرَ عَنِ الْبَيْتِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَلَهُ التَّحَلُّل؛ لأَِنَّ الْحَصْرَ يُفِيدُهُ التَّحَلُّل مِنْ جَمِيعِهِ فَأَفَادَ التَّحَلُّل مِنْ بَعْضِهِ. وَإِنْ كَانَ مَا حُصِرَ عَنْهُ لَيْسَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ كَالرَّمْيِ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ، وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، أَوْ بِمِنًى فِي لَيَالِيهَا فَلَيْسَ لَهُ تَحَلُّل الإِْحْصَارِ؛ لأَِنَّ صِحَّةَ الْحَجِّ لاَ تَقِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ ذَلِكَ، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ، كَمَا لَوْ تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ. زَوَال الإِْحْصَارِ: ٥٥ - اخْتَلَفَتِ الْمَذَاهِبُ فِي الآْثَارِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى زَوَال الإِْحْصَارِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَأْتِي الأَْحْوَال الآْتِيَةُ. الْحَالَةُ الأُْولَى: أَنْ يَزُول الإِْحْصَارُ قَبْل بَعْثِ

стр. 994

الْهَدْيِ مَعَ إِمْكَانِ إِدْرَاكِ الْحَجِّ. وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَزُول الإِْحْصَارُ بَعْدَ بَعْثِ الْهَدْيِ، وَهُنَاكَ مُتَّسَعٌ لإِِدْرَاكِ الْهَدْيِ وَالْحَجِّ جَمِيعًا. فَفِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي مُوجِبِ إِحْرَامِهِ وَأَدَاءِ النُّسُكِ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ. الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ لاَ يَقْدِرَ عَلَى بَعْثِ الْهَدْيِ وَلاَ الْحَجِّ مَعًا. فَلاَ يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ، وَيَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّل، لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ مِنَ الْمُضِيِّ، فَتَقَرَّرَ الإِْحْصَارُ، فَيَتَقَرَّرُ حُكْمُهُ. فَيَصْبِرُ حَتَّى يَتَحَلَّل بِنَحْرِ الْهَدْيِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي وَاعَدَ عَلَيْهِ. وَلَهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ لِيَتَحَلَّل بِأَفْعَال الْعُمْرَةِ؛ لأَِنَّهُ فَائِتُ الْحَجِّ. فَإِذَا تَحَلَّل يَلْزَمُهُ فِي الْقَضَاءِ أَدَاءُ عُمْرَةٍ إِضَافَةً لِمَا فَاتَهُ، لِمَا سَبَقَ. الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى إِدْرَاكِ الْهَدْيِ وَلاَ يَقْدِرَ عَلَى إِدْرَاكِ الْحَجِّ. فَلاَ يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِي أَدَاءِ الْحَجِّ أَيْضًا؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي إِدْرَاكِ الْهَدْيِ بِدُونِ إِدْرَاكِ الْحَجِّ، إِذِ الذَّهَابُ لأَِجْل إِدْرَاكِ الْحَجِّ، فَإِذَا كَانَ لاَ يُدْرِكُهُ فَلاَ فَائِدَةَ فِي الذَّهَابِ، فَكَانَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى إِدْرَاكِ الْهَدْيِ وَعَدَمُهَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ. الْحَالَةُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى إِدْرَاكِ الْحَجِّ وَلاَ يَقْدِرَ عَلَى إِدْرَاكِ الْهَدْيِ (١) : قِيَاسُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَلْزَمَهُ

стр. 995

الْمُضِيُّ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّل؛ لأَِنَّهُ إِذَا قَدَرَ عَلَى إِدْرَاكِ الْحَجِّ لَمْ يَعْجِزْ عَنِ الْمُضِيِّ فِي الْحَجِّ، فَلَمْ يُوجَدْ عُذْرُ الإِْحْصَارِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّل، وَيَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ (١) . وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّا لَوْ أَلْزَمْنَاهُ التَّوَجُّهَ لَضَاعَ مَالُهُ؛ لأَِنَّ الْمَبْعُوثَ عَلَى يَدَيْهِ الْهَدْيُ يَذْبَحُهُ وَلاَ حَصَل مَقْصُودُهُ. وَالأَْوْلَى فِي تَوْجِيهِ الاِسْتِحْسَانِ أَنْ نَقُول: يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّل؛ لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِدْرَاكِ الْهَدْيِ صَارَ كَأَنَّ الإِْحْصَارَ زَال عَنْهُ بِالذَّبْحِ، فَيَحِل بِالذَّبْحِ عَنْهُ؛ وَلأَِنَّ الْهَدْيَ قَدْ مَضَى فِي سَبِيلِهِ، بِدَلِيل أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الضَّمَانُ بِالذَّبْحِ عَلَى مَنْ بَعَثَ عَلَى يَدِهِ بَدَنَةً، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الذَّهَابِ بَعْدَ مَا ذَبَحَ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا (٢) . أ - مَنْ أُحْصِرَ فَلَمَّا قَارَبَ أَنْ يَحِل انْكَشَفَ الْعَدُوُّ قَبْل أَنْ يَحْلِقَ وَيَنْحَرَ فَلَهُ أَنْ يَحِل وَيَحْلِقَ، كَمَا لَوْ كَانَ الْعَدُوُّ قَائِمًا إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ فِي عَامِهِ، وَهُوَ أَيْضًا عَلَى بُعْدٍ مِنْ مَكَّةَ. ب - إِنِ انْكَشَفَ الْحَصْرُ وَكَانَ فِي الإِْمْكَانِ إِدْرَاكُ الْحَجِّ فِي عَامِهِ فَلاَ يَحِل. ج - وَأَمَّا إِنِ انْكَشَفَ الْحَصْرُ وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ إِدْرَاكِ الْحَجِّ إِلاَّ أَنَّهُ بِقُرْبِ مَكَّةَ لَمْ يَحِل إِلاَّ بِعَمَل عُمْرَةٍ؛ لأَِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ مِنْ غَيْرِ كَبِيرِ مَضَرَّةٍ. وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا (٣) : أ - إِنْ زَال الإِْحْصَارُ وَكَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ تَجْدِيدُ الإِْحْرَامِ وَإِدْرَاكُ الْحَجِّ، وَكَانَ حَجُّهُ

стр. 996

تَطَوُّعًا، فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. ب - وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا وَكَانَتِ الْحَجَّةُ قَدْ تَقَدَّمَ وُجُوبُهَا بَقِيَ وُجُوبُهَا كَمَا كَانَ. وَالأَْوْلَى أَنْ يُحْرِمَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ التَّأْخِيرُ. ج - وَإِنْ كَانَتِ الْحَجَّةُ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ وَجَبَتْ هَذِهِ السَّنَةَ بِأَنِ اسْتَطَاعَ هَذِهِ السَّنَةَ دُونَ مَا قَبْلَهَا فَقَدِ اسْتَقَرَّ الْوُجُوبُ فِي ذِمَّتِهِ لِتَمَكُّنِهِ، وَالأَْوْلَى أَنْ يُحْرِمَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ التَّأْخِيرُ؛ لأَِنَّ الْحَجَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى التَّرَاخِي. انْظُرْ مُصْطَلَحَ (حَجٌّ) . د - وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُهُ إِدْرَاكُ الْحَجِّ، أَيْ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ الْوُجُوبُ فِي ذِمَّتِهِ لِكَوْنِهَا وَجَبَتْ هَذِهِ السَّنَةَ - سَقَطَ عَنْهُ الْوُجُوبُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ بَعْدَهُ لَزِمَهُ، وَإِلاَّ فَلاَ. وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا (١) : أ - إِنْ لَمْ يَحِل الْمُحْصَرُ حَتَّى زَال الْحَصْرُ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّحَلُّل؛ لأَِنَّهُ زَال الْعُذْرُ. ب - إِنْ زَال الْعُذْرُ بَعْدَ الْفَوَاتِ تَحَلَّل بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ لِلْفَوَاتِ، لاَ لِلْحَصْرِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَحِل بِالْحَصْرِ. ج - إِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ مَعَ بَقَاءِ الْحَصْرِ فَلَهُ التَّحَلُّل بِهِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا حَل بِالْحَصْرِ قَبْل الْفَوَاتِ فَمَعَهُ أَوْلَى، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ لِلْحِل، وَيُحْتَمَل أَنْ يَلْزَمَهُ هَدْيٌ آخَرُ لِلْفَوَاتِ. د - إِنْ حَل بِالإِْحْصَارِ ثُمَّ زَال الإِْحْصَارُ وَأَمْكَنَهُ الْحَجُّ مِنْ عَامِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ إِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ (٢) أَوْ

стр. 997

كَانَتِ الْحَجَّةُ وَاجِبَةً لأَِنَّ الْحَجَّ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ لَمْ نَقُل بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ وَلَمْ تَكُنِ الْحَجَّةُ وَاجِبَةً فَلاَ يَجِبُ شَيْءٌ. زَوَال الإِْحْصَارِ بِالْعُمْرَةِ: ٥٦ - مَعْلُومٌ أَنَّ وَقْتَ الْعُمْرَةِ جَمِيعُ الْعُمْرِ، فَلاَ يَتَأَتَّى فِيهَا كُل الْحَالاَتِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي زَوَال الإِْحْصَارِ بِالْحَجِّ. وَيَتَأَتَّى فِيهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الأَْحْوَال التَّالِيَةُ (١) : الْحَال الأُْولَى: أَنْ يَزُول الإِْحْصَارُ قَبْل الْبَعْثِ بِالْهَدْيِ. وَهَذَا يَلْزَمُهُ التَّوَجُّهُ لأَِدَاءِ الْعُمْرَةِ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ. الْحَال الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَمَكَّنَ بَعْدَ زَوَال الإِْحْصَارِ مِنْ إِدْرَاكِ الْهَدْيِ وَالْعُمْرَةِ، وَهَذَا يَلْزَمُهُ التَّوَجُّهُ لأَِدَاءِ الْعُمْرَةِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ. الْحَال الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ إِدْرَاكِ الْعُمْرَةِ فَقَطْ دُونَ الْهَدْيِ. وَهَذِهِ حُكْمُهَا فِي الاِسْتِحْسَانِ أَلاَّ يَلْزَمَهُ التَّوَجُّهُ، وَفِي الْقِيَاسِ أَنْ يَلْزَمَهُ التَّوَجُّهُ (٢) . وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا (٣) : أ - إِنِ انْكَشَفَ الْعَدُوُّ عَنِ الْمُحْصَرِ بِالْعُمْرَةِ وَكَانَ بَعِيدًا مِنْ مَكَّةَ وَبَلَغَ أَنْ يَحِل فَلَهُ أَنْ يَحِل. ب - وَإِنِ انْكَشَفَ الْعَدُوُّ وَكَانَ قَرِيبًا مِنْ مَكَّةَ " يَنْبَغِي أَلاَّ يَتَحَلَّل، لأَِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى فِعْل الْعُمْرَةِ، كَمَا

стр. 998

لَوِ انْكَشَفَ الْعَدُوُّ فِي الْحَجِّ وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ ". أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَعِنْدَهُمْ: أ - إِنِ انْصَرَفَ الْعَدُوُّ قَبْل تَحَلُّل الْمُحْصَرِ بِالْعُمْرَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّحَلُّل، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الْعُمْرَةِ. ب - إِنِ انْصَرَفَ الْعَدُوُّ بَعْدَ التَّحَلُّل وَكَانَتِ الْعُمْرَةُ الَّتِي تَحَلَّل عَنْهَا وَاجِبَةً، وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، لَكِنَّهُ لاَ يُلْزَمُ بِهِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ؛ لأَِنَّ الْعُمْرَةَ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ. ج - إِنْ زَال الْحَصْرُ بَعْدَ التَّحَلُّل وَكَانَتِ الْعُمْرَةُ تَطَوُّعًا فَعَلَى الْقَوْل بِعَدَمِ وُجُوبِ قَضَاءِ التَّطَوُّعِ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. تَفْرِيعٌ عَلَى التَّحَلُّل وَزَوَال الإِْحْصَارِ: أ - (فَرْعٌ) فِي تَحَلُّل الْمُحْصَرِ مِنَ الإِْحْرَامِ الْفَاسِدِ ثُمَّ زَوَال إِحْصَارِهِ: ٥٧ - يَتَفَرَّعُ عَلَى تَحَلُّل الْمُحْصَرِ مِنَ الإِْحْرَامِ الْفَاسِدِ ثُمَّ زَوَال إِحْصَارِهِ: أَنَّهُ إِذَا تَحَلَّل الْمُحْصَرُ مِنَ الإِْحْرَامِ الْفَاسِدِ، ثُمَّ زَال الإِْحْصَارُ وَفِي الْوَقْتِ مُتَّسَعٌ، فَإِنَّهُ يَقْضِي الْحَجَّ الْفَاسِدَ مِنْ سَنَتِهِ، وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْفَوْرِ. وَهَذِهِ لَطِيفَةٌ: أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ قَضَاءِ الْحَجِّ الْفَاسِدِ فِي سَنَةِ الإِْفْسَادِ نَفْسِهَا، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ إِلاَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . ب - (فَرْعٌ) فِي الإِْحْصَارِ بَعْدَ الإِْحْصَارِ: ٥٨ - إِنْ بَعَثَ الْمُحْصَرُ بِالْهَدْيِ إِلَى الْحَرَمِ ثُمَّ زَال إِحْصَارُهُ، وَحَدَثَ إِحْصَارٌ آخَرُ، فَإِنْ عَلِمَ الْمُحْصَرُ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْهَدْيَ حَيًّا، وَنَوَى بِهِ التَّحَلُّل مِنْ إِحْصَارِهِ

стр. 999

الثَّانِي بَعْدَ تَصَوُّرِ إِدْرَاكِهِ جَازَ وَحَل بِهِ، إِنْ صَحَّتْ شُرُوطُهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يَجُزْ أَصْلاً (١) . وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ بِوُجُوبِ بَعْثِ الْمُحْصَرِ هَدْيَهُ إِلَى الْحَرَمِ، أَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَهُوَ إِحْصَارٌ قَبْل التَّحَلُّل، يَتَحَلَّل مِنْهُ بِمَا يَتَحَلَّل مِنَ الإِْحْصَارِ السَّابِقِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. إِحْصَانٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْحْصَانُ فِي اللُّغَةِ: مَعْنَاهُ الأَْصْلِيُّ الْمَنْعُ، وَمِنْ مَعَانِيهِ: الْعِفَّةُ وَالتَّزَوُّجُ وَالْحُرِّيَّةُ (٢) . وَيَخْتَلِفُ تَعْرِيفُهُ فِي الاِصْطِلاَحِ بِحَسَبِ نَوْعَيْهِ: الإِْحْصَانُ فِي الزِّنَا، وَالإِْحْصَانُ فِي الْقَذْفِ. صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) : ٢ - أَهَمُّ شُرُوطِ إِحْصَانِ الرَّجْمِ لِعُقُوبَةِ الزِّنَا: التَّزَوُّجُ، وَهُوَ مِمَّا تَعْتَرِيهِ الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الْخَمْسَةُ عَلَى تَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ " نِكَاحٌ ". وَأَهَمُّ شُرُوطِ إِحْصَانِ الْقَذْفِ الْعِفَّةُ، وَهِيَ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا، وَوَرَدَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الآْيَاتِ وَالأَْحَادِيثِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ . (٣)

стр. 1000

أَنْوَاعُ الإِْحْصَانِ: الإِْحْصَانُ نَوْعَانِ: ٣ - أ - إِحْصَانُ الرَّجْمِ: وَهُوَ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الشُّرُوطِ إِذَا تَوَفَّرَتْ فِي الزَّانِي كَانَ عِقَابُهُ الرَّجْمَ فَالإِْحْصَانُ هَيْئَةٌ يُكَوِّنُهَا اجْتِمَاعُ الشُّرُوطِ الَّتِي هِيَ أَجْزَاؤُهُ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ، وَكُل جُزْءٍ عِلَّةٌ. فَكُل وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الأَْجْزَاءِ شَرْطُ وُجُوبِ الرَّجْمِ. ٤ - ب - إِحْصَانُ الْقَذْفِ: وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ اجْتِمَاعِ صِفَاتٍ فِي الْمَقْذُوفِ تَجْعَل قَاذِفَهُ مُسْتَحِقًّا لِلْجَلْدِ. وَتَخْتَلِفُ هَذِهِ الصِّفَاتُ بِحَسَبِ كَيْفِيَّةِ الْقَذْفِ: بِالاِتِّهَامِ بِالزِّنَا، أَوْ بِنَفْيِ النَّسَبِ (١) . حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الإِْحْصَانِ: ٥ - سَيَأْتِي أَنَّ إِحْصَانَ الرَّجْمِ هُوَ أَنْ يَكُونَ حُرًّا عَاقِلاً بَالِغًا مُسْلِمًا قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا صَحِيحًا وَدَخَل بِهَا وَهُمَا عَلَى صِفَةِ الإِْحْصَانِ. وَالْحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ أَنَّ الْعَقْل وَالْبُلُوغَ شَرْطٌ لأَِهْلِيَّةِ الْعُقُوبَةِ، إِذْ لاَ خِطَابَ دُونَهُمَا، وَمَا وَرَاءَهُمَا يُشْتَرَطُ لِتَكَامُل الْجِنَايَةِ بِوَاسِطَةِ تَكَامُل النِّعْمَةِ، إِذْ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ يَتَغَلَّظُ عِنْدَ تَكَثُّرِهَا. وَهَذِهِ الأَْشْيَاءُ مِنْ جَلاَئِل النِّعَمِ، وَقَدْ شُرِعَ الرَّجْمُ بِالزِّنَا عِنْدَ اسْتِجْمَاعِهَا فَيُنَاطُ بِهِ بِخِلاَفِ الشَّرَفِ وَالْعِلْمِ؛ لأَِنَّ الشَّرْعَ مَا وَرَدَ بِهِ بِاعْتِبَارِهِمَا، وَنَصْبُ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ مُتَعَذِّرٌ؛ وَلأَِنَّ الْحُرِّيَّةَ مُمَكِّنَةٌ مِنَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ مُمَكِّنٌ مِنَ الْوَطْءِ الْحَلاَل، وَالإِْصَابَةُ شِبَعٌ بِالْحَلاَل، وَالإِْسْلاَمُ يُمَكِّنُهُ مِنْ نِكَاحِ الْمُسْلِمَةِ وَيُؤَكِّدُ اعْتِقَادَ الْحُرْمَةِ فَيَكُونُ الْكُل مَزْجَرَةً عَنِ الزِّنَا، وَالْجِنَايَةُ

стр. 1001

بَعْدَ تَوَفُّرِ الزَّوَاجِرِ أَغْلَظُ (١) . وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْعِفَّةِ فِي إِحْصَانِ الْقَذْفِ فَلأَِنَّ غَيْرَ الْعَفِيفِ لاَ يَلْحَقُهُ الْعَارُ بِنِسْبَتِهِ إِلَى الزِّنَا؛ لأَِنَّ تَحْصِيل الْحَاصِل مُحَالٌ. وَلَوْ لَحِقَهُ عَارٌ آخَرُ فَهُوَ صِدْقٌ، وَحَدُّ الْقَذْفِ لِلْفِرْيَةِ لاَ لِلصِّدْقِ (٢) . شُرُوطُ إِحْصَانِ الرَّجْمِ: ٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى بَعْضِ شُرُوطِ الإِْحْصَانِ فِي جَرِيمَةِ الزِّنَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَعْضِ الآْخَرِ فَمِنَ الشُّرُوطِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا: أَوَّلاً وَثَانِيًا: الْبُلُوغُ وَالْعَقْل: وَهُمَا شَرْطَانِ لأَِصْل التَّكْلِيفِ، فَيَجِبُ تَوَفُّرُهُمَا فِي الْمُحْصَنِ وَغَيْرِ الْمُحْصَنِ وَقْتَ ارْتِكَابِ الْجَرِيمَةِ، فَالْوَطْءُ الَّذِي يُحْصِنُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَالِغٍ عَاقِلٍ فَإِذَا حَصَل الْوَطْءُ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ ثُمَّ بَلَغَ أَوْ عَقَل بَعْدَ الْوَطْءِ لَمْ يَكُنْ بِالْوَطْءِ السَّابِقِ مُحْصَنًا. وَإِذَا زَنَى عُوقِبَ بِالْجَلْدِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُحْصَنٍ (٣) . وَخَالَفَ فِي هَذَا بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ الْمَرْجُوحُ فِي الْمَذْهَبِ، فَقَالُوا: إِنَّ الْوَاطِئَ يَصِيرُ مُحْصَنًا بِالْوَطْءِ قَبْل الْبُلُوغِ وَأَثْنَاءِ الْجُنُونِ. وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْوَطْءَ وَطْءٌ مُبَاحٌ، فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ الإِْحْصَانُ،

стр. 1002

لأَِنَّ النِّكَاحَ إِذَا صَحَّ قَبْل الْبُلُوغِ وَأَثْنَاءِ الْجُنُونِ فَإِنَّ الْوَطْءَ يُصْبِحُ تَبَعًا لَهُ. وَحُجَّةُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الرَّجْمَ عُقُوبَةُ الثَّيِّبِ، وَلَوِ اعْتُبِرَتِ الثُّيُوبَةُ حَاصِلَةً بِالْوَطْءِ قَبْل الْبُلُوغِ وَأَثْنَاءَ الْجُنُونِ لَوَجَبَ رَجْمُ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَهَذَا مَا لاَ يَقُول بِهِ أَحَدٌ. وَعِنْدَ مَالِكٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٌ لِلْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ تَتَوَفَّرَ شُرُوطُ الإِْحْصَانِ فِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِيَكُونَ مُحْصَنًا بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا إِذَا كَانَ الزَّوْجُ الآْخَرُ تَتَوَفَّرُ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ أَمْ لاَ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ يَعْتَبِرُونَ الزَّوْجَةَ مُحْصَنَةً إِلاَّ إِذَا كَانَ وَاطِئُهَا بَالِغًا: فَشَرْطُ تَحْصِينِ الذَّكَرِ أَنْ تَتَوَفَّرَ فِيهِ شُرُوطُ الإِْحْصَانِ مَعَ إِطَاقَةِ مَوْطُوءَتِهِ لَهُ وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً، وَتَتَحَصَّنُ الأُْنْثَى عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِتَوَفُّرِ شُرُوطِ الإِْحْصَانِ فِيهَا وَبِبُلُوغِ وَاطِئِهَا وَلَوْ كَانَ مَجْنُونًا. وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ مُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٌ لِلْحَنَابِلَةِ - الْبُلُوغَ وَالْعَقْل فِي الطَّرَفَيْنِ عِنْدَ الْوَطْءِ لِيَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُحْصَنًا فَإِنْ تَوَافَرَ فِي أَحَدِهِمَا فَقَطْ لَمْ يُعْتَبَرْ أَيٌّ مِنْهُمَا مُحْصَنًا. وَلِلْحَنَابِلَةِ وَجْهٌ آخَرُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ تِسْعًا وَلاَ يُشْتَهَى مِثْلُهَا فَإِنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ وَطْءُ الْبَالِغِ الْعَاقِل لَهَا إِحْصَانًا. ٧ - ثَالِثًا: الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ: يُشْتَرَطُ لِقِيَامِ الإِْحْصَانِ أَنْ يُوجَدَ وَطْءٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَأَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ فِي الْقُبُل، لِقَوْلِهِ ﷺ : وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ، وَالثُّيُوبَةُ تَحْصُل بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُل، وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ الْخَالِيَ مِنَ الْوَطْءِ لاَ يَحْصُل بِهِ إِحْصَانٌ وَلَوْ حَصَلَتْ فِيهِ خَلْوَةٌ صَحِيحَةٌ أَوْ وَطْءٌ فِيمَا دُونَ

стр. 1003

الْفَرْجِ، أَوْ وَطْءٌ فِي الدُّبُرِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ أُمُورٌ لاَ تُعْتَبَرُ بِهَا الْمَرْأَةُ ثَيِّبًا، وَلاَ تَخْرُجُ عَنِ الأَْبْكَارِ اللاَّئِي حَدُّهُنَّ الْجَلْدُ. وَالْوَطْءُ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الإِْيلاَجُ فِي الْقُبُل عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الْغُسْل سَوَاءٌ أَنْزَل أَوْ لَمْ يُنْزِل. وَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ كَالزِّنَى وَوَطْءِ الشُّبْهَةِ فَلاَ يَصِيرُ الْوَاطِئُ بِهِ مُحْصَنًا بِاتِّفَاقٍ. وَيُشْتَرَطُ فِي النِّكَاحِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، فَإِنْ كَانَ فَاسِدًا فَإِنَّ الْوَطْءَ فِيهِ لاَ يُحْصِنُ، وَهَذَا رَأْيُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ فَلاَ يَحْصُل بِهِ إِحْصَانٌ كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ. وَيُشْتَرَطُ إِذَا كَانَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَلاَّ يَكُونَ وَطْئًا مُحَرَّمًا كَالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ أَوِ الإِْحْرَامِ، فَإِنَّ الْوَطْءَ الَّذِي يُحَرِّمُهُ الشَّارِعُ لاَ يُحْصِنُ وَلَوْ كَانَ فِي النِّكَاحِ صَحِيحٌ. وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ اشْتِرَاطَ أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ لاَزِمًا. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَيْبٌ أَوْ غَرَرٌ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ فَلاَ يَتَحَقَّقُ بِهِ الإِْحْصَانُ (١) . وَقَال أَبُو ثَوْرٍ: يَحْصُل الإِْحْصَانُ بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ اللَّيْثِ وَالأَْوْزَاعِيِّ؛ لأَِنَّ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ سَوَاءٌ فِي أَكْثَرِ الأَْحْكَامِ مِثْل وُجُوبِ الْمَهْرِ وَتَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ وَأُمِّ الْمَرْأَةِ وَلُحُوقِ الْوَلَدِ، فَكَذَلِكَ فِي الإِْحْصَانِ. ٨ - وَيَتَفَرَّعُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوَطْءِ فِي الْقُبُل مَا يَلِي: أ - وَطْءُ الْخَصِيِّ إِذَا كَانَ لاَ يُجَامِعُ، وَكَذَلِكَ الْمَجْبُوبُ وَالْعِنِّينُ لاَ يُحْصِنُ الْمَوْطُوءَةَ، عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ وَثَبَتَ نَسَبُهُ مِنَ الزَّوْجِ فَالْخَصِيُّ وَالْعِنِّينُ يُحْصِنَانِ الزَّوْجَةَ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ بِثُبُوتِ النَّسَبِ حُكْمٌ بِالدُّخُول. وَالْمَجْبُوبُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لاَ تَصِيرُ الزَّوْجَةُ

стр. 1004

بِهِ مُحْصَنَةً لِعَدَمِ الآْلَةِ. وَلاَ يُتَصَوَّرُ الْجِمَاعُ بِدُونِهَا وَثُبُوتُ حُكْمِ الإِْحْصَانِ يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ زُفَرُ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ بِثُبُوتِ النَّسَبِ مِنَ الْمَجْبُوبِ يَجْعَل الزَّوْجَةَ مُحْصَنَةً. ب - وَطْءُ الرَّتْقَاءِ لاَ يُحْصِنُهَا لاِنْعِدَامِ الْجِمَاعِ مَعَ الرَّتْقِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ يُصْبِحُ مُحْصَنًا بِذَلِكَ إِلاَّ إِذَا وَطِئَ غَيْرَهَا بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ. رَابِعًا الْحُرِّيَّةُ: ٩ - الرَّقِيقُ لَيْسَ بِمُحْصَنٍ وَلَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُبَعَّضًا أَوْ مُسْتَوْلَدَةً لأَِنَّهُ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الْحُرِّ، وَالرَّجْمُ لاَ نِصْفَ لَهُ وَإِيجَابُهُ كُلَّهُ يُخَالِفُ النَّصَّ مَعَ مُخَالَفَةِ الإِْجْمَاعِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ . (١) وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ وَقَال: الْعَبْدُ وَالأَْمَةُ هُمَا مُحْصَنَانِ يُرْجَمَانِ إِذَا زَنَيَا. وَحُكِيَ عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ فِي الْعَبْدِ تَحْتَهُ حُرَّةٌ هُوَ مُحْصَنٌ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ لَمْ يُرْجَمْ. ثُمَّ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَتَقَ مَعَ امْرَأَتِهِ الأَْمَةِ فَإِنْ جَامَعَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ يَكُونَا مُحْصَنَيْنِ، عَلِمَا بِالْعِتْقِ أَوْ لَمْ يَعْلَمَا. وَكَذَا لَوْ نَكَحَ الْحُرُّ أَمَةً أَوِ الْحُرَّةَ عَبْدٌ فَلاَ إِحْصَانَ إِلاَّ أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ. خَامِسًا: الإِْسْلاَمُ: ١٠ - أَمَّا شَرْطُ الإِْسْلاَمِ فَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ يَشْتَرِطُونَ الإِْسْلاَمَ فِي إِحْصَانِ الرَّجْمِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيَّةً فَوَطِئَهَا صَارَا مُحْصَنَيْنِ، لِمَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ

стр. 1005

أَنَّهُ قَال: جَاءَ الْيَهُودُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُول اللَّهِ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلأَِنَّ الْجِنَايَةَ بِالزِّنَى اسْتَوَتْ مِنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْحَدِّ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الذِّمِّيَّانِ مُحْصَنَيْنِ. وَحَدُّهُمَا الرَّجْمُ إِذَا زَنَيَا فَبِالأَْوْلَى إِذَا كَانَتِ الذِّمِّيَّةُ زَوْجَةً لِمُسْلِمٍ (١) . وَجَعَل مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ الإِْسْلاَمَ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الإِْحْصَانِ، فَلاَ يَكُونُ الْكَافِرُ مُحْصَنًا، وَلاَ تُحْصِنُ الذِّمِّيَّةُ مُسْلِمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لأَِنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ لَمَّا أَرَادَ الزَّوَاجَ مِنْ يَهُودِيَّةٍ نَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَال: إِنَّهَا لاَ تُحْصِنُكَ (٢) ، وَلأَِنَّهُ إِحْصَانٌ مِنْ شَرْطِهِ الْحُرِّيَّةُ فَكَانَ الإِْسْلاَمُ شَرْطًا فِيهِ كَإِحْصَانِ الْقَذْفِ. وَعَلَى هَذَا فَالْمُسْلِمُ الْمُتَزَوِّجُ مِنْ كِتَابِيَّةٍ إِذَا زَنَى يُرْجَمُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَلاَ يُرْجَمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لأَِنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ مُحْصَنًا؛ لأَِنَّ الْكِتَابِيَّةَ عِنْدَهُ لاَ تُحْصِنُ الْمُسْلِمَ. وَنَظَرًا لأَِنَّ مَالِكًا - وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - لاَ يَعْتَبِرُ تَوَفُّرَ شُرُوطِ الإِْحْصَانِ فِي الزَّوْجَيْنِ فَقَدْ قَال بِرَأْيِ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الذِّمِّيَّةَ تُحْصِنُ الْمُسْلِمَ، وَيَسْتَحِقُّ الرَّجْمَ إِذَا زَنَى (٣) . أَمَّا وُجُودُ الْكَمَال فِي الطَّرَفَيْنِ بِمَعْنَى وُجُودِ شُرُوطِ الإِْحْصَانِ فِي الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ حَال الْوَطْءِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإِْحْصَانُ فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ - وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - أَنَّ هَذَا مِنْ شُرُوطِ الإِْحْصَانِ، فَيَطَأُ مَثَلاً الرَّجُل الْعَاقِل امْرَأَةً عَاقِلَةً. وَإِذَا لَمْ تَتَوَفَّرْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فِي أَحَدِهِمَا فَهُمَا غَيْرُ مُحْصَنَيْنِ.

стр. 1006

فَالزَّانِي الْمُتَزَوِّجُ مِنْ مَجْنُونَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ غَيْرُ مُحْصَنٍ وَلَوْ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ عَاقِلاً بَالِغًا، وَلَكِنَّ مَالِكًا لاَ يَشْتَرِطُ هَذَا وَيَكْفِي عِنْدَهُ أَنْ تَتَوَفَّرَ شُرُوطُ الإِْحْصَانِ فِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِيَكُونَ مُحْصَنًا بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا إِذَا كَانَ الآْخَرُ تَتَوَفَّرُ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ أَمْ لاَ. أَثَرُ الإِْحْصَانِ فِي الرَّجْمِ: ١١ - مِمَّا سَبَقَ يَتَبَيَّنُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ شُرُوطِ الإِْحْصَانِ وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يُوجِبُ تَوَفُّرَ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لاِعْتِبَارِ أَحَدِهِمَا مُحْصَنًا فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ جَمِيعًا لاَ يَشْتَرِطُونَ إِحْصَانَ كُلٍّ مِنَ الزَّانِيَيْنِ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُحْصَنًا وَالثَّانِي غَيْرَ مُحْصَنٍ رُجِمَ الْمُحْصَنُ وَجُلِدَ غَيْرُ الْمُحْصَنِ (١) ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَْعْرَابِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال يَا رَسُول اللَّهِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلاَّ قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَال الْخَصْمُ الآْخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ -: نَعَمْ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي، فَقَال ﷺ : قُل، فَقَال: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ فَسَأَلْتُ أَهْل الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأََقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ. الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. وَاغْدُ يَا أُنَيْسٌ - لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ - إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا.

стр. 1007

قَال: فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ. (١) وَمِمَّا تَجْدُرُ الإِْشَارَةُ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ بَقَاءُ النِّكَاحِ لِبَقَاءِ الإِْحْصَانِ، فَلَوْ نَكَحَ فِي عُمُرِهِ مَرَّةً ثُمَّ طَلَّقَ وَبَقِيَ مُجَرَّدًا، وَزَنَى رُجِمَ. إِثْبَاتُ الإِْحْصَانِ: ١٢ - يَثْبُتُ الإِْحْصَانُ فِي الرَّجْمِ بِالإِْقْرَارِ الصَّحِيحِ وَهُوَ مَا صَدَرَ مِنْ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ بِالإِْحْصَانِ عَاقِلاً مُخْتَارًا؛ لأَِنَّ الْمُكْرَهَ وَالْمَجْنُونَ لاَ حُكْمَ لِكَلاَمِهِمَا كَمَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ، وَيَرَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَزُفَرُ أَنَّهُ يَكْفِي فِي إِثْبَاتِ الإِْحْصَانِ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ؛ لأَِنَّهُ حَالَةٌ فِي الشَّخْصِ لاَ عَلاَقَةَ لَهَا بِوَاقِعَةِ الزِّنَى، فَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَشْهَدَ بِالإِْحْصَانِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ كَمَا هُوَ الْحَال فِي الزِّنَى (٢) . وَلَكِنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا يَرَيَانِ أَنَّ الإِْحْصَانَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ (٣) . وَكَيْفِيَّةُ الشَّهَادَةِ أَنْ يَقُول الشُّهُودُ: تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَجَامَعَهَا أَوْ بَاضَعَهَا، وَلَوْ قَال: دَخَل بِهَا يَكْفِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لأَِنَّهُ مَتَى اقْتَرَنَ الدُّخُول بِحَرْفِ الْبَاءِ يُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ، وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ يَكْفِي؛ لأَِنَّ الدُّخُول يُطْلَقُ عَلَى الْخَلْوَةِ بِهَا. ثُبُوتُ حَدِّ الْمُحْصَنِ: ١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ إِذَا زَنَى حَتَّى يَمُوتَ، رَجُلاً كَانَ أَوِ امْرَأَةً، مَعَ خِلاَفٍ فِي

стр. 1008

الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ. وَعُقُوبَةُ الرَّجْمِ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ. فَالرَّجْمُ ثَابِتٌ عَنِ الرَّسُول ﷺ قَوْلاً وَفِعْلاً عَلَى تَفْصِيلٍ مَحَلُّهُ مُصْطَلَحُ " زَنَى ". إِحْصَانُ الْقَذْفِ: ١٤ - لِصِيَانَةِ أَعْرَاضِ ذَوِي الْعِفَّةِ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ حَرَّمَ اللَّهُ قَذْفَ الْمُحْصَنِينَ وَالْمُحْصَنَاتِ وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةً دُنْيَوِيَّةً وَأُخْرَوِيَّةً. شُرُوطُ إِحْصَانِ الْقَذْفِ: ١٥ - الْمُحْصَنُ الَّذِي يُحَدُّ قَاذِفُهُ هُوَ مَنْ تَتَوَفَّرُ فِيهِ الشُّرُوطُ الآْتِيَةُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، إِذَا كَانَ الْقَذْفُ بِالزِّنَا، أَمَّا فِي حَالَةِ نَفْيِ النَّسَبِ فَيَشْتَرِطُ أَبُو حَنِيفَةَ فَضْلاً عَنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الأُْمُّ مُسْلِمَةً وَأَنْ تَكُونَ حُرَّةً (١) . أ - الْحُرِّيَّةُ: فَلاَ حَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْعَبْدِ وَالأَْمَةِ. ب - الإِْسْلاَمُ: فَلاَ حَدَّ عَلَى قَاذِفِ مُرْتَدٍّ أَوْ كَافِرٍ أَصْلِيٍّ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُحْصَنٍ. وَإِنَّمَا اعْتُبِرَ الْكَافِرُ مُحْصَنًا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ فِي حَدِّ الزِّنَا دُونَ حَدِّ الْقَذْفِ لأَِنَّ حَدَّهُ فِي الزِّنَا بِالرَّجْمِ إِهَانَةٌ لَهُ، وَحَدُّ قَاذِفِ الْكَافِرِ إِكْرَامٌ لَهُ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الإِْكْرَامِ. ج، د - الْعَقْل وَالْبُلُوغُ: خَرَجَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لأَِنَّهُ لاَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُمَا الزِّنَا، أَوْ هُوَ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، وَالْحُرْمَةُ بِالتَّكْلِيفِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يَشْتَرِطَانِ الْبُلُوغَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَقْذُوفُ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، وَلاَ

стр. 1009

يَشْتَرِطُ مَالِكٌ الْبُلُوغَ فِي الأُْنْثَى، وَلَكِنَّهُ يَشْتَرِطُهُ فِي الْغُلاَمِ، وَيَعْتَبِرُ الصَّبِيَّةَ مُحْصَنَةً إِذَا كَانَتْ تُطِيقُ الْوَطْءَ، أَوْ كَانَ مِثْلُهَا يُوطَأُ وَلَوْ لَمْ تَبْلُغْ (١) ، لأَِنَّ مِثْل هَذِهِ الصَّبِيَّةِ يَلْحَقُهَا الْعَارُ. وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَحْمَدَ فِي اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ، فَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الْبُلُوغَ شَرْطٌ يَجِبُ تَوَفُّرُهُ فِي الْمَقْذُوفِ؛ لأَِنَّهُ أَحَدُ شَرْطَيِ التَّكْلِيفِ، فَأَشْبَهَ الْعَقْل؛ وَلأَِنَّ زِنَى الصَّبِيِّ لاَ يُوجِبُ حَدًّا، فَلاَ يَجِبُ الْحَدُّ بِالْقَذْفِ بِهِ، كَزِنَى الْمَجْنُونِ. وَفِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ أَنَّ الْبُلُوغَ لَيْسَ شَرْطًا، لأَِنَّهُ حُرٌّ عَاقِلٌ عَفِيفٌ يَتَعَيَّرُ بِهَذَا الْقَوْل الْمُمْكِنِ صِدْقُهُ، فَأَشْبَهَ الْكَبِيرَ. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا مِمَّنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْجِمَاعُ (٢) . وَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى اخْتِلاَفِ الْبِلاَدِ. هـ - الْعِفَّةُ عَنِ الزِّنَى: مَعْنَى الْعِفَّةِ عَنِ الزِّنَى أَلاَّ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ وَطِئَ فِي عُمْرِهِ وَطْئًا حَرَامًا فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَلاَ نِكَاحٍ أَصْلاً، وَلاَ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَسَادًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ سَقَطَتْ عِفَّتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَطْءُ زِنًى مُوجِبًا لِلْحَدِّ أَمْ لاَ، فَالْعِفَّةُ الْفِعْلِيَّةُ يَشْتَرِطُهَا الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ، وَأَحْمَدُ يَكْتَفِي بِالْعِفَّةِ الظَّاهِرَةِ عَنِ الزِّنَى، فَمَنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ الزِّنَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، وَمَنْ لَمْ يُحَدَّ لِلزِّنَا فَهُوَ عَفِيفٌ. ثُمَّ إِنْ كَانَ الْقَذْفُ بِنَفْيِ النَّسَبِ حُدَّ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بِالزِّنَى فِيمَنْ لاَ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْوَطْءُ فَلاَ يُحَدُّ قَاذِفُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ. وَقَالُوا: لاَ حَدَّ عَلَى

стр. 1010

قَاذِفِ الْمَجْبُوبِ، وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَذَلِكَ الرَّتْقَاءُ، وَقَال الْحَسَنُ: لاَ حَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْخَصِيِّ، لأَِنَّ الْعَارَ مُنْتَفٍ عَنْ هَؤُلاَءِ لِلْعِلْمِ بِكَذِبِ الْقَاذِفِ، وَالْحَدُّ إِنَّمَا يَجِبُ لِنَفْيِ الْعَارِ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِ الْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ وَالْمَرِيضِ وَالرَّتْقَاءِ وَالْقَرْنَاءِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ . (١) وَالرَّتْقَاءُ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ هَذَا، وَلأَِنَّهُ قَاذِفٌ لِمُحْصَنٍ فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ كَقَاذِفِ الْقَادِرِ عَلَى الْوَطْءِ؛ وَلأَِنَّ إِمْكَانَ الْوَطْءِ أَمْرٌ خَفِيٌّ لاَ يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَلاَ يَنْتَفِي الْعَارُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْهُ بِدُونِ الْحَدِّ، فَيَجِبُ كَقَذْفِ الْمَرِيضِ (٢) . إِثْبَاتُ الإِْحْصَانِ فِي الْقَذْفِ: ١٦ - كُل مُسْلِمٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْعِفَّةِ مَا لَمْ يُقِرَّ بِالزِّنَى، أَوْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةٍ عُدُولٍ، فَإِذَا قُذِفَ إِنْسَانٌ بِالزِّنَى فَالْمُطَالَبُ بِإِثْبَاتِ الزِّنَى وَعَدَمِ الْعِفَّةِ هُوَ الْقَاذِفُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ . وَأَمَّا الْمَقْذُوفُ فَلاَ يُطَالَبُ بِإِثْبَاتِ الْعِفَّةِ؛ لأَِنَّ النَّاسَ مَحْمُولُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يُثْبِتَ الْقَاذِفُ خِلاَفَهُ، فَإِذَا أَقَرَّ الْقَاذِفُ بِإِحْصَانِ الْمَقْذُوفِ ثَبَتَ الإِْحْصَانُ. وَإِنْ أَنْكَرَ الْقَاذِفُ الإِْحْصَانَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الْبُرْهَانَ

стр. 1011

عَلَى سُقُوطِ عِفَّةِ الْمَقْذُوفِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِْثْبَاتِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْمَقْذُوفَ. سُقُوطُ الإِْحْصَانِ: ١٧ - يَسْقُطُ الإِْحْصَانُ بِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ جُنُونٌ أَوْ عُنَّةٌ أَوْ رِقٌّ بَطَل إِحْصَانُهُ. وَالْمُرْتَدُّ يَبْطُل إِحْصَانُهُ عِنْدَ مَنْ يَجْعَل الإِْسْلاَمَ شَرْطًا فِي الإِْحْصَانِ. وَلاَ حَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ إِذَا تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الإِْحْصَانِ فِي الْمَقْذُوفِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ إِذَا عَجَزَ عَنْ إِثْبَاتِ صِحَّةِ مَا قَذَفَ بِهِ. وَيَرَى الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ تَوَفُّرَ شُرُوطِ الإِْحْصَانِ إِلَى حَالَةِ إِقَامَةِ الْحَدِّ، خِلاَفًا لأَِحْمَدَ فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الإِْحْصَانَ لاَ يُشْتَرَطُ إِلاَّ وَقْتَ الْقَذْفِ وَلاَ يُشْتَرَطُ بَعْدَهُ (١) . أَثَرُ الإِْحْصَانِ فِي الْقَذْفِ: ١٨ - إِحْصَانُ الْمَقْذُوفِ يُوجِبُ عُقُوبَتَيْنِ: جَلْدَ الْقَاذِفِ، وَهِيَ عُقُوبَةٌ أَصْلِيَّةٌ، وَعَدَمَ قَبُول شَهَادَتِهِ، وَهِيَ عُقُوبَةٌ تَبَعِيَّةٌ عَلَى تَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: " قَذْفٌ ". أَثَرُ الرِّدَّةِ عَلَى الإِْحْصَانِ بِنَوْعَيْهِ: ١٩ - لَوِ ارْتَدَّ الْمُحْصَنُ لاَ يَبْطُل إِحْصَانُهُ عِنْدَ مَنْ لاَ يَشْتَرِطُ الإِْسْلاَمَ فِي الإِْحْصَانِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ (٢) ، وَيُوَافِقُهُمَا أَبُو يُوسُفَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ

стр. 1012

زَنَيَا، وَلَوْ كَانَ الإِْسْلاَمُ شَرْطًا فِي الإِْحْصَانِ مَا رَجَمَهُمَا. ثُمَّ هَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : " أَوْ زِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ (١) "؛ وَلأَِنَّهُ زِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ فَكَانَ حَدُّهُ الرَّجْمَ كَالَّذِي لَمْ يَرْتَدَّ. وَنَظَرًا لأَِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَجْعَل الإِْسْلاَمَ شَرْطًا فِي الإِْحْصَانِ فَالْمُحْصَنُ إِذَا ارْتَدَّ يَبْطُل إِحْصَانُهُ. وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ الرَّسُول ﷺ : مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ. (٢) فَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ لاَ يَبْقَى مُحْصَنًا لِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الإِْحْصَانِ وَهُوَ الإِْسْلاَمُ. وَبِهَذَا أَخَذَ مَالِكٌ، وَذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ حُكْمُ الإِْحْصَانِ سَوَاءٌ فِي إِحْصَانِ الرَّجْمِ أَوِ الْقَذْفِ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الإِْسْلاَمِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ حُكْمُ الإِْحْصَانِ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى الإِْسْلاَمِ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا إِلاَّ بِإِحْصَانٍ مُسْتَأْنَفٍ. وَاسْتَدَل مَالِكٌ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٣) وَهَذَا قَدْ أَشْرَكَ، فَوَجَبَ أَنْ يَحْبَطَ كُل عَمَلٍ كَانَ عَمِلَهُ.

стр. 1013

إِحْلاَلٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْحْلاَل فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ أَحَل ضِدُّ حَرَّمَ، يُقَال: أَحْلَلْتُ لَهُ الشَّيْءَ، أَيْ جَعَلْتُهُ لَهُ حَلاَلاً. وَيَأْتِي بِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَحَل لُغَةٌ فِي حَل، أَيْ دَخَل فِي أَشْهُرِ الْحِل، أَوْ جَاوَزَ الْحَرَمَ، أَوْ حَل لَهُ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ (١) . وَلَمْ يَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ، لَفْظَ " إِحْلاَلٍ " إِلاَّ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ مَعَانِي غَيْرِهِ مِنَ الأَْلْفَاظِ الْمُشَابِهَةِ مِثْل " اسْتِحْلاَلٌ، وَتَحْلِيلٌ، وَتَحَلُّلٌ، وَحُلُولٌ " فَهِيَ الَّتِي أَكْثَرَ الْفُقَهَاءُ اسْتِعْمَالَهَا، لَكِنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا " الإِْحْلاَل " بِمَعْنَى الإِْبْرَاءِ مِنَ الدَّيْنِ أَوِ الْمَظْلِمَةِ. وَأَمَّا اسْتِعْمَال الْبَعْضِ الإِْحْلاَل بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَيُرَادُ بِهِ الإِْطْلاَقَاتُ التَّالِيَةُ: أ - فَفِي مَسْأَلَةِ الْخُرُوجِ مِنَ الإِْحْرَامِ عَبَّرَ الْفُقَهَاءُ بِالتَّحَلُّل، أَمَّا التَّعْبِيرُ بِالإِْحْلاَل فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ لُغَوِيٌّ (٢) . (ر: تَحَلُّلٌ) . ب - وَفِي مَسْأَلَةِ جَعْل الْمُحْرِمِ حَلاَلاً عَبَّرَ الْفُقَهَاءُ بِالاِسْتِحْلاَل، سَوَاءٌ كَانَ قَصْدًا أَوْ تَأْوِيلاً (٣) . (ر: اسْتِحْلاَلٌ) .

стр. 1014

ج - وَفِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا عَبَّرُوا بِالتَّحْلِيل (ر: تَحْلِيلٌ (١)) . د - وَفِي الدَّيْنِ الْمُؤَجَّل إِذَا حَل عَبَّرُوا بِالْحُلُول (ر حُلُولٌ (٢)) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِحَسَبِ اخْتِلاَفِ إِطْلاَقِ لَفْظِ (إِحْلاَلٌ) عَلَى مَا سَبَقَ فِي التَّعْرِيفِ . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٣ - يُرْجَعُ فِي كُل إِطْلاَقٍ إِلَى مُصْطَلَحِهِ إِحْمَاءٌ انْظُرْ: حَمُو إِحْيَاءُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْحْيَاءُ مَصْدَرُ " أَحْيَا " وَهُوَ جَعْل الشَّيْءِ حَيًّا، أَوْ بَثُّ الْحَيَاةِ فِي الْهَامِدِ (٣) ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَحْيَاهُ اللَّهُ إِحْيَاءً، أَيْ جَعَلَهُ حَيًّا، وَأَحْيَا اللَّهُ الأَْرْضَ، أَيْ

стр. 1015

أَخْصَبَهَا بَعْدَ الْجَدْبِ (١) ، جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَل الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (٢) . وَلَمْ يَخْرُجِ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ " إِحْيَاءُ " عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَقَالُوا: " إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ "، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ إِنْبَاتَ الأَْرْضِ الْمُجْدِبَةِ، وَقَالُوا: إِحْيَاءُ اللَّيْل، وَإِحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ شَغْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالذِّكْرِ، وَعَدَمَ تَعْطِيلِهِ وَجَعْلِهِ كَالْمَيِّتِ فِي عُطْلَتِهِ (٣) . وَقَالُوا: إِحْيَاءُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ دَوَامَ وَصْلِهِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَعَدَمَ الاِنْقِطَاعِ عَنْهُ كَالاِنْقِطَاعِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَهَكَذَا. وَقَالُوا: إِحْيَاءُ السُّنَّةِ وَأَرَادُوا إِعَادَةَ الْعَمَل بِشَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ بَعْدَ إِهْمَال الْعَمَل بِهَا. وَيَخْتَلِفُ الإِْحْيَاءُ بِحَسَبِ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ، فَهُنَاكَ: أ - إِحْيَاءُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ. ب - إِحْيَاءُ السُّنَّةِ. ج - إِحْيَاءُ اللَّيْل. د - وَإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ. وَالْمُرَادُ بِإِحْيَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عِمَارَةُ الْبَيْتِ بِالْحَجِّ، وَبِالْعُمْرَةِ أَيْضًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، تَشْبِيهًا لِلْمَكَانِ الْمَعْمُورِ بِالْحَيِّ، وَلِغَيْرِ الْمَعْمُورِ بِالْمَيِّتِ (٤) .

стр. 1016

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ إِحْيَاءَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِالْحَجِّ فَرْضُ كِفَايَةٍ كُل عَامٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْجُمْلَةِ. وَهَذَا لاَ يَتَعَارَضُ مَعَ كَوْنِهِ فَرْضَ عَيْنٍ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى كُل مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ؛ لأَِنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إِذَا لَمْ يَحُجَّ عَدَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرْضًا وَلاَ تَطَوُّعًا مِمَّنْ يَحْصُل بِهِمُ الشِّعَارُ عُرْفًا فِي كُل عَامٍ، فَإِنَّ الإِْثْمَ يَلْحَقُ الْجَمِيعَ، إِذِ الْمَقْصُودُ الأَْعْظَمُ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ هُوَ الْحَجُّ، فَكَانَ بِهِ إِحْيَاؤُهَا، وَلِمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لَوْ تَرَكَ النَّاسُ زِيَارَةَ هَذَا الْبَيْتِ عَامًا وَاحِدًا مَا أُمْطِرُوا. وَمِثْل الْحَجِّ فِي ذَلِكَ الْعُمْرَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالتَّادَلِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَلاَ يُغْنِي عَنْهُمَا الطَّوَافُ وَالاِعْتِكَافُ وَالصَّلاَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الطَّاعَاتُ وَاجِبَةً أَيْضًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وُجُوبًا عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِنَّ التَّعْظِيمَ وَإِحْيَاءَ الْبُقْعَةِ يَحْصُل بِجَمِيعِ ذَلِكَ. وَتَطْبِيقًا عَلَى هَذَا فَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُرْسِل جَمَاعَةً فِي كُل سَنَةٍ لإِِقَامَةِ الْمَوْسِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِمَامٌ فَعَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ (١) . هَذَا وَلَمْ أَجِدْ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ نَصًّا لِلْحَنَفِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ.

стр. 1017

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٣ - تَنَاوَل الْفُقَهَاءُ حُكْمَ إِحْيَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِالتَّفْصِيل فِي أَوَّل كِتَابِ الْجِهَادِ، لِمُنَاسَبَةِ حُكْمِ الْجِهَادِ، وَهُوَ الْوُجُوبُ الْكِفَائِيُّ، حَيْثُ تَعَرَّضُوا لِتَعْرِيفِ الْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ وَذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ وَأَحْكَامِهَا، كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي أَوَّل كِتَابِ الْحَجِّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى حُكْمِ الْحَجِّ. وَالَّذِينَ جَمَعُوا أَحْكَامَ الْمَسَاجِدِ فِي تَآلِيفَ خَاصَّةٍ، أَوْ عَقَدُوا فِي كُتُبِهِمْ فَصْلاً خَاصًّا بِأَحْكَامِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، تَعَرَّضُوا لَهُ أَيْضًا كَالْبَدْرِ الزَّرْكَشِيِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ: " إِعْلاَمِ السَّاجِدِ بِأَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ ". إِحْيَاءُ السُّنَّةِ التَّعْرِيفُ: ١ - السُّنَّةُ: الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ. وَالْمُرَادُ بِإِحْيَاءِ السُّنَّةِ هُنَا: إِعَادَةُ الْعَمَل بِشَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ بَعْدَ إِهْمَال الْعَمَل بِهَا. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٢ - إِحْيَاءُ السُّنَّةِ الْمُمَاتَةِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا إِمَّا عَلَى سَبِيل فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَهُوَ الأَْصْل، وَإِمَّا عَلَى سَبِيل فَرْضِ الْعَيْنِ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيل النَّدْبِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ (١) .

стр. 1018

إِحْيَاءُ اللَّيْل التَّعْرِيفُ: ١ - الإِْحْيَاءُ فِي اللُّغَةِ جَعْل الشَّيْءِ حَيًّا (١) ، وَيُرِيدُ الْفُقَهَاءُ مِنْ قَوْلِهِمْ: " إِحْيَاءُ اللَّيْل " قَضَاءَ اللَّيْل أَوْ أَكْثَرَهُ بِالْعِبَادَةِ، كَالصَّلاَةِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (٢) . وَبِذَلِكَ تَكُونُ الْمُدَّةُ هِيَ أَكْثَرُ اللَّيْل، وَيَكُونُ الْعَمَل عَامًّا فِي كُل عِبَادَةٍ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - قِيَامُ اللَّيْل: ٢ - الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْل قَدْ لاَ يَكُونُ مُسْتَغْرِقًا لأَِكْثَرِ اللَّيْل، بَل يَتَحَقَّقُ بِقِيَامِ سَاعَةٍ مِنْهُ (٣) . أَمَّا الْعَمَل فِيهِ فَهُوَ الصَّلاَةُ دُونَ غَيْرِهَا. وَقَدْ يُطْلِقُونَ قِيَامَ اللَّيْل عَلَى إِحْيَاءِ اللَّيْل. فَقَدْ قَال فِي مَرَاقِي الْفَلاَحِ: مَعْنَى الْقِيَامِ أَنْ يَكُونَ مُشْتَغِلاً مُعْظَمَ اللَّيْل بِطَاعَةٍ، وَقِيل سَاعَةً مِنْهُ، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَوْ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ أَوْ يُسَبِّحُ أَوْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (٤) .

стр. 1019

وَكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ يَسْبِقُهُ نَوْمٌ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَقَدْ لاَ يَسْبِقُهُ نَوْمٌ. ب - التَّهَجُّدُ: ٣ - التَّهَجُّدُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ نَوْمٍ (١) . وَلَكِنْ يُطْلِقُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى صَلاَةِ اللَّيْل مُطْلَقًا (٢) . مَشْرُوعِيَّتُهُ: ٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ إِحْيَاءُ اللَّيَالِي الْفَاضِلَةِ الَّتِي وَرَدَ بِشَأْنِهَا نَصٌّ، كَمَا يُنْدَبُ إِحْيَاءُ أَيِّ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي، لِقَوْل عَائِشَةَ ﵂: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنَامُ أَوَّل اللَّيْل وَيُحْيِي آخِرَهُ (٣) ؛ لأَِنَّ التَّطَوُّعَ بِالْعِبَادَةِ فِي اللَّيْل، كَالدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ فِي سَاعَاتِهِ مُسْتَحَبٌّ اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا، وَخَاصَّةً فِي النِّصْفِ الأَْخِيرِ مِنَ اللَّيْل، وَلاَ سِيَّمَا فِي الأَْسْحَارِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَْسْحَارِ﴾ (٤) ، وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ فِي اللَّيْل لَسَاعَةً لاَ يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَل اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥) ،

стр. 1020

فَهُوَ مِمَّا يَدْخُل فِي النُّصُوصِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي تَحُضُّ عَلَى الْعِبَادَةِ (١) . أَنْوَاعُهُ: ٥ - أ - إِحْيَاءُ لَيَالٍ مَخْصُوصَةٍ وَرَدَ نَصٌّ بِإِحْيَائِهَا كَالْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْعَشْرِ الأُْوَل مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. ب - إِحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنْ كُل لَيْلَةٍ، وَهَذَانِ النَّوْعَانِ مَوْضُوعُ الْبَحْثِ. الاِجْتِمَاعُ لإِِحْيَاءِ اللَّيْل: ٦ - كَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الاِجْتِمَاعَ لإِِحْيَاءِ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي فِي الْمَسَاجِدِ غَيْرِ التَّرَاوِيحِ (٢) ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ إِحْيَاءَ النَّاسِ اللَّيْل فُرَادَى (٣) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَيَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ إِحْيَاءَ اللَّيْل بِصَلاَةِ قِيَامِ اللَّيْل جَمَاعَةً، كَمَا أَجَازُوا صَلاَتَهُ مُنْفَرِدًا، لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَعَل الأَْمْرَيْنِ، وَلَكِنْ كَانَ أَكْثَرُ تَطَوُّعِهِ مُنْفَرِدًا، فَصَلَّى بِحُذَيْفَةَ مَرَّةً، وَبِابْنِ عَبَّاسٍ مَرَّةً، وَبِأَنَسٍ وَأُمِّهِ مَرَّةً (٤) . وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الاِجْتِمَاعِ عَلَى إِحْيَاءِ اللَّيْل بِقِيَامِهِ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ وَالْجَمَاعَةِ الْقَلِيلَةِ، وَبَيْنَ الْمَكَانِ الْمُشْتَهَرِ وَالْمَكَانِ غَيْرِ الْمُشْتَهَرِ، فَأَجَازُوا - بِلاَ
следующие страницы →