Полный текст (31 949 стр.). Показаны 9976–10015 · переход к 9981.
стр. 9976
الْقَوْل الثَّانِي: يُمْنَعُ الْمَحْبُوسُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ؛ لأَِنَّ مِنْ غَايَاتِ الْحَبْسِ إِدْخَال الضِّيقِ وَالضَّجَرِ عَلَى قَلْبِهِ لِرَدْعِهِ وَزَجْرِهِ، وَلاَ تَضْيِيقَ مَعَ تَمْكِينِهِ مِنَ اللَّذَّةِ وَالتَّنَعُّمِ وَالتَّرَفُّهِ، وَالْوَطْءُ إِنَّمَا هُوَ لِذَلِكَ، وَلَيْسَ مِنَ الْحَوَائِجِ الأَْصْلِيَّةِ كَالطَّعَامِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْل بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ: أَنَّ الْمَحْبُوسَ لاَ يُمْنَعُ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِزَوْجَتِهِ فِي مَكَانٍ لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِذَا حُبِسَ بِحَقِّهَا؛ لأَِنَّهَا إِذَا شَاءَتْ لَمْ تَحْبِسْهُ، فَلاَ تُفَوِّتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فِي الْوَطْءِ (١) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: الأَْصْل فِي وَطْءِ الْمَحْبُوسِ زَوْجَتَهُ أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِ الْمَشْرُوعَةِ، وَلاَ يُمْنَعُ مِنْهُ إِلاَّ إِذَا اقْتَضَتْ ذَلِكَ الْمَصْلَحَةُ وَرَآهُ الْقَاضِي كَمَا لَوْ رَأَى مَنْعَهُ مِنْ مُحَادَثَةِ الأَْصْدِقَاءِ أَوْ قَفْل بَابِ الْحَبْسِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْل بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .
إِنْفَاقُ الْمَحْبُوسِ عَلَى زَوْجَتِهِ:
١٢١ - لاَ يَمْنَعُ الْحَبْسُ مِنْ إِنْفَاقِ الْمَحْبُوسِ عَلَى زَوْجَتِهِ؛ لأَِنَّهُ وُجِدَ الاِحْتِبَاسُ وَالتَّمْكِينُ مِنْ стр. 9977
جِهَتِهَا، وَمَا تَعَذَّرَ فَهُوَ مِنْ جِهَتِهِ. وَقَدْ فَوَّتَ حَقَّ نَفْسِهِ فَلاَ يَمْنَعُ الْحَبْسُ مِنَ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا.
وَنَصَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ نَفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ إِذَا حُبِسَ الزَّوْجُ بِحَقِّهَا لِفَوَاتِ التَّمْكِينِ مِنْ قِبَلِهَا. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: لاَ تَسْقُطُ النَّفَقَةُ لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَالٌ وَأَخْفَاهُ عَنْهَا (١) .
إِنْفَاقُ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ الْمَحْبُوسَةِ:
١٢٢ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ لاَ تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ الْمَحْبُوسَةِ فِي دَيْنٍ وَلَوْ ظُلْمًا بِأَنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً لِفَوَاتِ الاِحْتِبَاسِ وَكَوْنِ الاِمْتِنَاعِ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُمَاطِلَةً، سَوَاءٌ كَانَ الْحَبْسُ فِي دَيْنِ الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ الاِمْتِنَاعَ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهَا، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ (٢) . стр. 9978
وَفَرَّقَ النَّوَوِيُّ بَيْنَ حَبْسِ الزَّوْجَةِ الْمُقِرَّةِ بِدَيْنٍ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا وَبَيْنَ حَبْسِ مَنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى اسْتِدَانَتِهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَلْزَمُ الزَّوْجَ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ الْمَحْبُوسَةِ بِسَبَبِ رِدَّتِهَا (١) .
احْتِسَابُ مُدَّةِ حَبْسِ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ فِي الإِْيلاَءِ:
١٢٣ - إِذَا آلَى الزَّوْجُ مِنْ زَوْجَتِهِ وَكَانَ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ حُسِبَتْ عَلَيْهِ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ إِيلاَئِهِ؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهِ وَلَيْسَتْ مِنْ جِهَتِهَا. وَإِنْ طَرَأَ الْحَبْسُ بَعْدَ الإِْيلاَءِ لَمْ تَنْقَطِعِ الْمُدَّةُ بَل تُحْسَبُ أَيْضًا، وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٢) .
أَمَّا إِذَا كَانَتْ زَوْجَةُ الْمُولِي مَحْبُوسَةً أَوْ طَرَأَ الْحَبْسُ عَلَيْهَا بَعْدَ الإِْيلاَءِ فَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفَيْئَةِ، وَلاَ تُحْسَبُ مُدَّةُ الْحَبْسِ مِنْ مُهْلَةِ الأَْشْهُرِ الأَْرْبَعَةِ لِتَعَذُّرِ الْوَطْءِ مِنْ جِهَتِهَا كَالْمَرِيضَةِ، وَتَسْتَأْنِفُ الْمُدَّةَ عِنْدَ زَوَال الْعُذْرِ. وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْقَوْل الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَهُمْ: إِنَّ الْحَبْسَ يُحْتَسَبُ كَالْحَيْضِ (٣) . стр. 9979
فَيْئَةُ الْمَحْبُوسِ مِنَ الإِْيلاَءِ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوَطْءُ:
١٢٤ - الأَْصْل أَنْ تَحْصُل الْفَيْئَةُ مِنَ الإِْيلاَءِ بِالْوَطْءِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١) . فَإِنْ كَانَ الْمُولِي مَحْبُوسًا وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوَطْءُ فَفَيْئَتُهُ بِلِسَانِهِ كَأَنْ يَقُول: فِئْتُ إِلَيْهَا أَوْ مَتَى قَدَرْتُ فَعَلْتُهُ. يَعْنِي الْوَطْءَ.
وَإِذَا كَانَتِ الْمَحْبُوسَةُ زَوْجَتَهُ يَكُونُ الْفَيْءُ بِالْوَعْدِ بِلِسَانِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ إِذَا زَال الْمَانِعُ، وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَعِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَاشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الْمَحْبُوسُ مَظْلُومًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْخَلاَصِ وَإِلاَّ فَفَيْئَتُهُ بِالْوَطْءِ.
وَقَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لاَ يَكُونُ الْفَيْءُ إِلاَّ بِالْجِمَاعِ فِي حَال الْعُذْرِ وَغَيْرِهِ (٢) .
تَأْخِيرُ الْمَحْبُوسِ مُلاَعَنَةَ زَوْجَتِهِ وَنَفْيَهُ الْوَلَدَ:
١٢٥ - يُشْتَرَطُ فِي اللِّعَانِ الْفَوْرِيَّةُ وَعَدَمُ تَأْخِيرِ الزَّوْجِ نَفْيَ الْوَلَدِ حَال الْعِلْمِ بِذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ. وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلاَمِ غَيْرِهِمْ أَنَّ الْحَبْسَ مِنْ أَعْذَارِ تَأْخِيرِ стр. 9980
اللِّعَانِ. فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْحَبْسِ قَصِيرَةً كَيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَأَخَّرَ الْمَحْبُوسُ نَفْيَهُ لَيْلاً عَنْ أَمَامِ الْحَاكِمِ لَمْ يَسْقُطْ نَفْيُهُ بِالتَّأْخِيرِ. وَإِنْ كَانَتِ الْمُدَّةُ طَوِيلَةً أَرْسَل إِلَى الْحَاكِمِ لِيَبْعَثَ إِلَيْهِ نَائِبًا يُلاَعِنُ عِنْدَهُ.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ أَشْهَدَ عَلَى نَفْيِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل سَقَطَ نَفْيُهُ وَبَطَل خِيَارُهُ؛ لأَِنَّ عَدَمَ تَصَرُّفِهِ يَتَضَمَّنُ إِقْرَارَهُ بِالنَّسَبِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ مُصْطَلَحُ: (لِعَانٌ) .
التَّصَرُّفَاتُ الْقَضَائِيَّةُ وَالْحُكْمِيَّةُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْمَحْبُوسِ:
خُرُوجُ الْمَحْبُوسِ لِسَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ تَعَذُّرُ ذَلِكَ:
١٢٦ - إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى مَحْبُوسٍ حَقًّا يُخْرِجُهُ الْقَاضِي لِسَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَالإِْجَابَةِ عَنْهَا ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَى الْحَبْسِ وَلاَ يُوَكِّل عَنْهُ أَحَدًا فِي الْخُصُومَةِ عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الْمَحْبُوسِ الْخُرُوجُ جَازَ لَهُ اسْتِحْسَانًا تَوْكِيل مَنْ يُجِيبُ عَنْهُ (٢) . стр. 9981
خُرُوجُ الْمَحْبُوسِ لِلشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ تَعَذُّرُ ذَلِكَ:
١٢٧ - إِذَا مُنِعَ الْمَحْبُوسُ مِنَ الْخُرُوجِ لأَِدَاءِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي جَازَ لَهُ اسْتِحْسَانًا تَوْكِيل مَنْ يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ. (١)
١٢٧ م - إِجَابَةُ دَعْوَةِ الْمَحْبُوسِ لِلإِْشْهَادِ عَلَى تَصَرُّفِهِ:
نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَحْبُوسَ إِذَا دَعَا رَجُلاً لِيُشْهِدَهُ عَلَى تَصَرُّفِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْجَابَةُ لأَِجْل عُذْرِ الْمَحْبُوسِ وَحَتَّى لاَ تَضِيعَ الْحُقُوقُ. (٢)
مَا لاَ يَجُوزُ تَأْدِيبُ الْمَحْبُوسِ بِهِ:
١٢٨ - شُرِعَ التَّأْدِيبُ لِلتَّقْوِيمِ وَالإِْصْلاَحِ لاَ الإِْهَانَةِ وَالإِْتْلاَفِ وَاحْتِقَارِ مَعَانِي الآْدَمِيَّةِ، وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ الْمُعَاقَبَةِ لِلْمَحْبُوسِ أَوْ غَيْرِهِ بِعِدَّةِ أُمُورٍ، مِنْهَا:
أ - التَّمْثِيل بِالْجِسْمِ:
١٢٩ - لاَ تَجُوزُ الْمُعَاقَبَةُ بِجَدْعِ أَنْفٍ، أَوْ أُذُنٍ، أَوْ стр. 9982
اصْطِلاَمِ شَفَةٍ، وَقَطْعِ أَنَامِل، وَكَسْرِ عَظْمٍ، وَلَمْ يُعْهَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدِ الصَّحَابَةِ، وَلأَِنَّ الْوَاجِبَ التَّأْدِيبُ، وَهُوَ لاَ يَكُونُ بِالإِْتْلاَفِ. (١)
وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ التَّمْثِيل بِالأَْسْرَى فَقَال فِي وَصِيَّتِهِ لأُِمَرَاءِ السَّرَايَا: وَلاَ تُمَثِّلُوا. (٢)
ب - ضَرْبُ الْوَجْهِ وَنَحْوِهِ:
١٣٠ - لاَ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ التَّأْدِيبُ بِمَا فِيهِ الإِْهَانَةُ وَالْخَطَرُ، كَضَرْبِ الْوَجْهِ وَمَوْضِعِ الْمَقَاتِل، وَكَذَا جَعْل الأَْغْلاَل فِي أَعْنَاقِ الْمَحْبُوسِينَ، وَكَذَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يَمُدَّ الْمَحْبُوسَ عَلَى الأَْرْضِ عِنْدَ ضَرْبِهِ، سَوَاءٌ كَانَ لِلْحَدِّ أَوِ التَّعْزِيرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (٣)
ج - التَّعْذِيبُ بِالنَّارِ وَنَحْوِهَا:
١٣١ - يَحْرُمُ التَّأْدِيبُ بِإِحْرَاقِ الْجِسْمِ أَوْ بَعْضِهِ بِقَصْدِ الإِْيلاَمِ وَالتَّوْجِيعِ إِلاَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْعُقُوبَةِ فَتَجُوزُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَلاَ يَجُوزُ خَنْقُ الْمَحْبُوسِ وَعَصْرُهُ وَغَطُّهُ فِي الْمَاءِ (٤) . стр. 9983
د - التَّجْوِيعُ وَالتَّعْرِيضُ لِلْبَرْدِ وَنَحْوِهِ:
١٣٢ - لاَ يَجُوزُ الْحَبْسُ فِي مَكَانٍ يُمْنَعُ فِيهِ الْمَحْبُوسُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، أَوْ فِي مَكَانٍ حَارٍّ أَوْ تَحْتَ الشَّمْسِ أَوْ فِي مَكَانٍ بَارِدٍ، أَوْ فِي بَيْتٍ تُسَدُّ نَوَافِذُهُ وَفِيهِ دُخَانٌ، أَوْ يُمْنَعُ مِنَ الْمَلاَبِسِ فِي الْبَرْدِ. فَإِنْ مَاتَ الْمَحْبُوسُ فَالدِّيَةُ عَلَى الْحَابِسِ وَقِيل: الْقَوَدُ. (١)
هـ - التَّجْرِيدُ مِنَ الْمَلاَبِسِ:
١٣٣ - تَحْرُمُ الْمُعَاقَبَةُ بِالتَّجْرِيدِ مِنَ الثِّيَابِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ. (٢)
و الْمَنْعُ مِنَ الْوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا:
١٣٤ - يَنْبَغِي تَمْكِينُ الْمَحْبُوسِ مِنَ الْوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ، وَلاَ تَجُوزُ مُعَاقَبَتُهُ بِالْمَنْعِ مِنْهُمَا. (٣) стр. 9984
وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ مَنْعُ الْمَحْبُوسِ مِنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ. (١)
ز - السَّبُّ وَالشَّتْمُ:
١٣٥ - لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَوْ غَيْرِهِ التَّأْدِيبُ بِاللَّعْنِ وَالسَّبِّ الْفَاحِشِ وَسَبِّ الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَيَجُوزُ التَّأْدِيبُ بِقَوْلِهِ: يَا ظَالِمُ يَا مُعْتَدِي وَنَحْوَهُ. (٢)
ح - أُمُورٌ أُخْرَى تَحْرُمُ الْمُعَاقَبَةُ بِهَا:
١٣٦ - تَحْرُمُ الْمُعَاقَبَةُ بِالإِْقَامَةِ فِي الشَّمْسِ أَوْ صَبِّ الزَّيْتِ عَلَى الرُّءُوسِ أَوْ حَلْقِ اللِّحْيَةِ وَكَذَا إِغْرَاءُ الْحَيَوَانِ كَالسَّبُعِ وَالْعَقْرَبِ بِالْمَحْبُوسِ لِيُؤْذِيَهُ.
وَسُئِل مَالِكٌ عَنْ تَعْذِيبِ الْمَحْبُوسِ بِالدُّهْنِ وَالْخَنَافِسِ (حَشَرَاتٌ سَوْدَاءُ كَالْجُعْل) فَقَال: لاَ يَحِل هَذَا، إِنَّمَا هُوَ السَّوْطُ أَوِ السِّجْنُ. (٣)
وَفِي الْجُمْلَةِ لاَ تَجُوزُ مُعَاقَبَةُ الْمَحْبُوسِ بِقَصْدِ إِتْلاَفِهِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ؛ لأَِنَّ التَّأْدِيبَ لاَ يَكُونُ بِذَلِكَ. (٤) стр. 9985
إِخْرَاجُ الْمَحْبُوسِ لإِِصَابَتِهِ بِالْجُنُونِ:
١٣٧ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَحْبُوسَ إِذَا ذَهَبَ عَقْلُهُ وَجُنَّ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْحَبْسِ لِعَدَمِ إِدْرَاكِهِ الضِّيقَ الْمَقْصُودَ مِنْ حَبْسِهِ، وَيَسْتَمِرُّ خُرُوجُهُ إِلَى أَنْ يَعُودَ لَهُ عَقْلُهُ. فَإِنْ عَادَ لَهُ عَقْلُهُ عَادَ لِلْحَبْسِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو بَكْرٍ الإِْسْكَافِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجُنُونَ لاَ يَمْنَعُ التَّعْزِيرَ - وَالْحَبْسُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ؛ لأَِنَّ الْغَايَةَ مِنْهُ التَّأْدِيبُ وَالزَّجْرُ، فَإِنْ تَعَطَّل جَانِبُ التَّأْدِيبِ بِالْجُنُونِ فَلاَ يَنْبَغِي تَعَطُّل جَانِبِ الزَّجْرِ مَنْعًا لِلْغَيْرِ. (١)
هُرُوبُ الْمَحْبُوسِ:
١٣٨ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ غَيْرُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ السَّجَّانَ وَنَحْوَهُ مِمَّنْ اسْتُحْفِظَ عَلَى بَدَنِ الْمَحْبُوسِ الْمَدِينِ بِمَنْزِلَةِ كَفِيل الْوَجْهِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِحْضَارُهُ لِلْخُصُومَةِ، فَإِنْ أَطْلَقَهُ وَتَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ ضَمِنَ مَا عَلَيْهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ هَرَبَ يُحْضِرُهُ الدَّائِنُ.
وَإِذَا أَرَادَ الْمَحْبُوسُ الْهَرَبَ وَهَجَمَ عَلَى حَارِسِهِ لِيُؤْذِيَهُ فَإِنَّهُ يُعَامِلُهُ كَالصَّائِل، وَقَدْ ذَكَرَ стр. 9986
الْفُقَهَاءُ أَنَّ الصَّائِل يُوعَظُ وَيُزْجَرُ وَيُخَوَّفُ وَيُنَاشَدُ بِاللَّهِ لَعَلَّهُ يَكُفُّ عَنِ الأَْذَى وَالْعُدْوَانِ. فَإِنْ لَمْ يَنْكَفَّ وَأَرَادَ نَفْسَ الْحَارِسِ أَوْ مَالَهُ فَيَدْفَعُهُ بِأَسْهَل مَا يَعْلَمُ دَفْعَهُ بِهِ كَالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ. فَإِنْ لَمْ يَحْصُل إِلاَّ بِالْقَتْل فَلَهُ ذَلِكَ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمَصُول عَلَيْهِ جَرْحُ الصَّائِل إِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَرَبِ مِنْهُ بِلاَ مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُ؛ ارْتِكَابًا لأَِخَفِّ الضَّرَرَيْنِ.
وَقَدْ قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي جُنْدٍ قَاتَلُوا عَرَبًا نَهَبُوا أَمْوَال تُجَّارٍ لِيَرُدُّوهُ إِلَيْهِمْ: هُمْ مُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِمْ بِقَوَدٍ وَلاَ دِيَةٍ وَلاَ كَفَّارَةٍ. وَقَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لاَ يَسْقُطُ الأَْمْرُ عَنِ الْجُنْدِيِّ بِظَنِّهِ أَنَّهُ لاَ يُفِيدُ. (١)
صِفَاتُ السَّجَّانِ وَنَحْوِهِ:
أ - الأَْمَانَةُ:
١٣٩ - الأَْمَانَةُ هِيَ الثِّقَةُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ مِنْ صِفَاتِ السَّجَّانِ كَوْنَهُ ثِقَةً لِيُحَافِظَ عَلَى الْمَحْبُوسِينَ وَيُتَابِعَ أَحْوَالَهُمْ (٢) . стр. 9987
ب - الْكِيَاسَةُ:
١٤٠ - الْكِيَاسَةُ هِيَ الْعَقْل وَالْفِطْنَةُ وَذَكَاءُ الْقَلْبِ، وَقَدْ جَاءَتْ هِيَ وَالَّتِي قَبْلَهَا فِي قَوْل عَلِيٍّ ﵁ أَلاَ تَرَانِي كَيِّسًا مُكَيِّسًا بَنَيْتُ بَعْدَ نَافِعٍ مُخَيِّسًا بَابًا حَصِينًا وَأَمِينًا كَيِّسًا. وَالأَْمِينُ وَالْكَيِّسُ صِفَتَانِ لِلسَّجَّانِ (١) .
ح - الصَّلاَحُ:
١٤١ - يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُبَاشِرُ الْحَبْسِ مَعْرُوفًا بِالْخَيْرِ وَالصَّلاَحِ، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ فِي مُبَاشِرِ سِجْنِ النِّسَاءِ. (٢)
د - الرِّفْقُ:
١٤٢ - مِنْ صِفَاتِ السَّجَّانِ الرِّفْقُ بِالْمَحْبُوسِينَ لِئَلاَّ يَظْلِمَهُمْ وَيَمْنَعَهُمْ مِمَّا لاَ يَقْتَضِيهِ الْحَبْسُ. (٣)
هـ - اللِّيَاقَةُ الْبَدَنِيَّةُ:
١٤٣ - اسْتَعْمَل عَلِيٌّ ﵁ قَوْمًا مِنَ стр. 9988
السَّبَابِجَةِ فِي حِرَاسَةِ السُّجُونِ، وَكَانُوا قَدْ اسْتَوْطَنُوا الْبَصْرَةَ وَعُرِفُوا بِقُوَّةِ أَجْسَامِهِمْ. (١)
مُرَاقَبَةُ الدَّوْلَةِ السُّجُونَ وَإِصْلاَحُهَا .
١٤٤ - ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَتَبُّعُ الْمَحْبُوسِينَ وَالنَّظَرُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ كَلَلٍ وَلاَ تَقْصِيرٍ وَاتِّبَاعُ الْعَدْل مَعَهُمْ وَعَدَمُ الاِعْتِدَاءِ عَلَيْهِمْ. وَالْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَوَّل عَمَلٍ يَبْدَؤُهُ الْقَاضِي - حِينَ تَوَلِّيهِ الْقَضَاءَ - النَّظَرُ فِي السُّجُونِ وَالْبَحْثُ فِي أَحْوَال الْمَحْبُوسِينَ. بَل ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا سِوَاهُ. وَقَالُوا: لاَ يَحْتَاجُ فِي تَصَفُّحِ أَحْوَالِهِمْ إِلَى مُتَظَلِّمٍ إِلَيْهِ لِعَجْزِ الْمَحْبُوسِينَ عَنْ ذَلِكَ. (٢) стр. 9989
حَبَل الْحَبَلَةِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَبَل بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ: مَصْدَرُ: حَبِلَتِ الْمَرْأَةُ تَحْبَل وَيُسْتَعْمَل لِكُل بَهِيمَةٍ تَلِدُ إِذَا حَمِلَتْ بِالْوَلَدِ، وَالْوَصْفُ: حُبْلَى وَالْجَمْعُ حُبْلَيَاتٌ، وَحَبَالَى.
وَالْحَبَلَةُ: جَمْعُ حَابِلَةٍ بِالتَّاءِ.
قَال أَبُو عُبَيْدٍ: حَبَل الْحَبَلَةِ: وَلَدُ الْجَنِينِ الَّذِي فِي بَطْنِ النَّاقَةِ وَلِهَذَا قِيل: (الْحَبَلَةُ) بِالْهَاءِ لأَِنَّهَا أُنْثَى، فَإِذَا وَلَدَتْ فَوَلَدُهَا (حَبَلٌ) بِغَيْرِ هَاءٍ. (١)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ نِتَاجُ النِّتَاجِ، بِأَنْ تَسْتَوْلِدَ الدَّابَّةَ، ثُمَّ تَسْتَوْلِدَ ابْنَتَهَا. (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْمَلاَقِيحُ:
٢ - وَهِيَ مَا فِي بُطُونِ الأُْمَّهَاتِ مِنَ الأَْجِنَّةِ. стр. 9990
الْمَضَامِينُ: ٣ - وَهِيَ مَا فِي أَصْلاَبِ الْفُحُول
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ بَيْعَ حَبَل الْحَبَلَةِ حَرَامٌ وَالْعَقْدَ بَاطِلٌ. (١)
لِحَدِيثِ: ابْنِ عُمَرَ ﵄: قَال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ : عَنْ بَيْعِ حَبَل الْحَبَلَةِ (٢) . وَكَانَ - كَمَا قَال ابْنُ عُمَرَ - بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ: كَانَ الرَّجُل يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتِجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتِجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا.
الْمَعْنَى الْمَنْهِيُّ عَنْهُ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَعْنَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ لاِخْتِلاَفِ الرِّوَايَاتِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ: بَيْعُ مَا سَوْفَ يَحْمِلُهُ الْحَمْل بَعْدَ أَنْ يُولَدَ وَيَحْمِل وَيَلِدَ وَهُوَ نِتَاجُ النِّتَاجِ.
وَسَبَبُ النَّهْيِ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ: أَنَّهُ بَيْعُ مَعْدُومٍ وَغَيْرِ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ،
وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْمَعْنَى الْمَنْهِيَّ стр. 9991
عَنْهُ هُوَ بَيْعُ الْجَزُورِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إِلَى أَنْ تُنْتِجَ النَّاقَةُ، وَتُنْتِجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا، وَسَبَبُ النَّهْيِ هُوَ: أَنَّهُ بَيْعٌ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ. وَكِلاَ الْبَيْعَيْنِ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ بِكُلٍّ مِنَ التَّفْسِيرَيْنِ، وَحَكَمُوا بِفَسَادِ الْبَيْعِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا لِلسَّبَبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. (١)
حُبْلَى
انْظُرْ: حَامِلٌ.
حَتْمٌ
انْظُرْ: حُكْمٌ. стр. 9992
حِجَابٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحِجَابُ فِي اللُّغَةِ: السَّتْرُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ يُقَال حَجَبَ الشَّيْءَ يَحْجُبُهُ حَجْبًا وَحِجَابًا: أَيْ سَتَرَهُ، وَقَدِ احْتَجَبَ وَتَحَجَّبَ إِذَا اكْتَنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ.
وَالْحِجَابُ اسْمُ مَا احْتُجِبَ بِهِ، وَكُل مَا حَال بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهُوَ حِجَابٌ.
وَالْحِجَابُ كُل مَا يَسْتُرُ الْمَطْلُوبَ وَيَمْنَعُ مِنَ الْوُصُول إِلَيْهِ كَالسِّتْرِ وَالْبَوَّابِ وَالْجِسْمِ وَالْعَجْزِ وَالْمَعْصِيَةِ.
: وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ (١) ، مَعْنَاهُ: وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حَاجِزٌ فِي النِّحْلَةِ وَالدِّينِ.
وَالأَْصْل فِي الْحِجَابِ أَنَّهُ جِسْمٌ حَائِلٌ بَيْنَ جَسَدَيْنِ.
وَقَدِ اسْتُعْمِل فِي الْمَعَانِي، فَقِيل: الْعَجْزُ стр. 9993
حِجَابٌ بَيْنَ الإِْنْسَانِ وَمُرَادِهِ، وَالْمَعْصِيَةُ حِجَابٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ السَّتْرُ وَالْحَيْلُولَةُ (٢) .
وَالْحَاجِبُ يَأْتِي بِمَعْنَى الْمَانِعِ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى الْعَظْمِ الَّذِي فَوْقَ الْعَيْنِ بِلَحْمِهِ وَشَعْرِهِ. وَيُنْظَرُ مَا يَتَّصِل بِهِمَا مِنْ أَحْكَامٍ فِي مُصْطَلَحِ: (حَاجِبٌ) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْخِمَارُ:
٢ - الْخِمَارُ مِنَ الْخَمْرِ وَأَصْلُهُ السَّتْرُ، وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ (٣) وَكُل مَا يَسْتُرُ شَيْئًا فَهُوَ خِمَارُهُ.
لَكِنَّ الْخِمَارَ صَارَ فِي التَّعَارُفِ اسْمًا لِمَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلْخِمَارِ فِي بَعْضِ الإِْطْلاَقَاتِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَيُعَرِّفُهُ стр. 9994
بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ مَا يَسْتُرُ الرَّأْسَ وَالصُّدْغَيْنِ أَوِ الْعُنُقَ (١) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحِجَابِ وَالْخِمَارِ أَنَّ الْحِجَابَ سَاتِرٌ عَامٌّ لِجِسْمِ الْمَرْأَةِ، أَمَّا الْخِمَارُ فَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ مَا تَسْتُرُ بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا.
النِّقَابُ:
٣ - النِّقَابُ - بِكَسْرِ النُّونِ - مَا تَنْتَقِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ، يُقَال انْتَقَبَتِ الْمَرْأَةُ وَتَنَقَّبَتْ غَطَّتْ وَجْهَهَا بِالنِّقَابِ (٢) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحِجَابِ وَالنِّقَابِ، أَنَّ الْحِجَابَ سَاتِرٌ عَامٌّ، أَمَّا النِّقَابُ فَسَاتِرٌ لِوَجْهِ الْمَرْأَةِ فَقَطْ
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - لِلَفْظِ الْحِجَابِ إِطْلاَقَانِ:
أَحَدُهُمَا: اسْتِعْمَالُهُ فِي الْحِسِّيَّاتِ، وَهُوَ الْجِسْمُ الَّذِي يَحُول بَيْنَ شَيْئَيْنِ.
وَالثَّانِي: اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعَانِي، وَهُوَ الأَْمْرُ الْمَعْنَوِيُّ الَّذِي يَحُول دُونَ الْوُصُول إِلَى الْمَطْلُوبِ.
وَتَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُ فِي كُل ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ مَوَاضِعِهِ. стр. 9995
أَوَّلاً: اسْتِعْمَالُهُ فِي الْحِسِّيَّاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَلِي:
١ - الْحِجَابُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَوْرَةِ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ حَجْبِ عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُل الْبَالِغَيْنِ بِسَتْرِهَا عَنْ نَظَرِ الْغَيْرِ الَّذِي لاَ يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا.
وَعَوْرَةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهَا حَجْبُهَا عَنْ الأَْجْنَبِيِّ هِيَ فِي الْجُمْلَةِ جَمِيعُ جَسَدِهَا عَدَا الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَهِيَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَحْرَمِ مِنَ الرِّجَال مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالرَّأْسَ وَالْعُنُقَ وَالذِّرَاعَ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَمَا عَدَا الصَّدْرَ وَالسَّاقَيْنِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِمِثْلِهَا مِنَ النِّسَاءِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
وَعَوْرَةُ الرَّجُل الَّتِي يَجِبُ حَجْبُهَا عَنِ الْغَيْرِ هِيَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مَعَ الاِخْتِلاَفِ فِي حَجْبِ الْفَخِذِ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (عَوْرَةٌ) .
وَالدَّلِيل عَلَى وُجُوبِ حَجْبِ الْعَوْرَةِ عَمَّنْ لاَ يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا (١) ﴾ . . . الآْيَةَ.
وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لأَِسْمَاءِ: يَا أَسْمَاءُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا стр. 9996
بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ (١) .
وَقَوْلُهُ ﷺ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَال: عَوْرَةُ الرَّجُل مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إِلَى رُكْبَتِهِ (٢) وَوُجُوبُ حَجْبِ الْعَوْرَةِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِمَا يَحُول بَيْنَ النَّاظِرِ وَلَوْنِ الْبَشَرَةِ أَوْ حَجْمِ الأَْعْضَاءِ.
وَكَمَا يَجِبُ حَجْبُ الْعَوْرَةِ عَنْ نَظَرِ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ - وَقِيل يَجِبُ - حَجْبُهَا فِي الْخَلْوَةِ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
هَذَا مَعَ مُرَاعَاةِ أَنَّهُ لاَ حِجَابَ بَيْنَ الرَّجُل وَزَوْجَتِهِ.
فَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ: عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَال: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، قَال: قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ: إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ стр. 9997
قَال: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلاَ يَرَيَنَّهَا، قَال: قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَال: اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ (١) .
وَالصَّغِيرَةُ إِنْ كَانَتْ بِنْتَ سَبْعِ سِنِينَ إِلَى تِسْعٍ فَعَوْرَتُهَا الَّتِي يَجِبُ حَجْبُهَا هِيَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَل مِنْ سَبْعِ سِنِينَ فَلاَ حُكْمَ لِعَوْرَتِهَا، وَهَذَا كَمَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ.
كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنَ الْمُرَاهِقِ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لاَ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا فَلاَ بَأْسَ مِنْ إِبْدَاءِ الزِّينَةِ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِْرْبَةِ مِنَ الرِّجَال أَوِ الطِّفْل الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (٢) .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ وُجُوبِ حَجْبِ الْعَوْرَةِ إِبَاحَةُ стр. 9998
كَشْفِهَا لِلْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ كَالتَّدَاوِي وَالْخِتَانِ وَالشَّهَادَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (١) .
فَعَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَال: كُنْتُ مِنْ سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَكَانُوا يَنْظُرُونَ، فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِل، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَل، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ (٢) .
وَفِي كُل مَا سَبَقَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (عَوْرَةٌ) .
٢ - الاِحْتِجَابُ أَثْنَاءَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ:
٦ - يُسْتَحَبُّ لِقَاضِي الْحَاجَةِ فِي الْفَضَاءِ أَنْ يَسْتَتِرَ عَنْ أَعْيَنِ النَّاسِ بِحَيْثُ لاَ يَرَى جِسْمَهُ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْعَوْرَةِ فَيَجِبُ حَجْبُهَا، فَإِنْ وَجَدَ حَائِطًا أَوْ كَثِيبًا أَوْ شَجَرَةً اسْتَتَرَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا أَبْعَدَ حَتَّى لاَ يَرَاهُ أَحَدٌ (٣) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ стр. 9999
النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنَ الرَّمَل فَلْيَسْتَدْبِرْهُ (١) وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (اسْتِنْجَاءٌ) .
٣ - الْحِجَابُ الَّذِي يَمْنَعُ الاِقْتِدَاءَ بِالإِْمَامِ فِي الصَّلاَةِ:
٧ - مِنْ شَرَائِطِ الاِقْتِدَاءِ أَنْ لاَ يَحُول بَيْنَ الْمَأْمُومِ وَالإِْمَامِ مَا يَمْنَعُ مُتَابَعَتَهُ. فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ جِدَارٌ لاَ بَابَ فِيهِ، أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا بَابٌ مُغْلَقٌ يَحُول مِنَ الْمُتَابَعَةِ لَمْ يَصِحَّ الاِقْتِدَاءُ، لِقَوْل عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا لِنِسَاءٍ كُنَّ يُصَلِّينَ فِي حُجْرَتِهَا: لاَ تُصَلِّينَ بِصَلاَةِ الإِْمَامِ فَإِنَّكُنَّ دُونَهُ فِي حِجَابٍ (٢) ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَيُنْظَرُ ذَلِكَ فِي (اقْتِدَاءٌ) .
٤ - الطَّلاَقُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ:
٨ - مَنْ خَاطَبَ زَوْجَتَهُ بِالطَّلاَقِ وَهُوَ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً بِأَنْ كَانَتْ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَقَعَ الطَّلاَقُ، كَمَا جَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ، لأَِنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ عَنْ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ، وَعَدِمَ رِضَاهُ بِوُقُوعِهِ стр. 10000
لِظَنِّهِ أَنَّهُ لاَ يَقَعُ لاَ أَثَرَ لَهُ لِخَطَأِ ظَنِّهِ، وَقَال النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: تُطْلَقُ عِنْدَ الأَْصْحَابِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لإِِمَامِ الْحَرَمَيْنِ (١) وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (طَلاَقٌ) .
٥ - احْتِجَابُ الْقَاضِي:
٩ - لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْتَجِبَ عَنِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ إِلاَّ فِي أَوْقَاتِ اسْتِرَاحَتِهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا فَاحْتَجَبَ دُونَ خَلَّتِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ وَفَاقَتِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ خَلَّتِهِ وَفَاقَتِهِ وَحَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ (٢) .
وَكَرِهَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنْ يَتَّخِذَ الْقَاضِي حَاجِبًا، لأَِنَّ حَاجِبَهُ رُبَّمَا قَدَّمَ الْمُتَأَخِّرَ وَأَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَ، فَإِنْ دَعَتْ حَاجَةٌ إِلَى ذَلِكَ اتَّخَذَ أَمِينًا بَعِيدًا مِنَ الطَّمَعِ.
وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَتَّخِذَ الْقَاضِي حَاجِبًا لِمَنْعِ دُخُول مَنْ لاَ حَاجَةَ لَهُ وَتَأْخِيرِ مَنْ جَاءَ بَعْدُ حَتَّى يَفْرُغَ السَّابِقُ مِنْ قَضِيَّتِهِ.
أَمَّا الأَْمِيرُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ حَاجِبًا، لأَِنَّهُ стр. 10001
يَنْظُرُ فِي جَمِيعِ الْمَصَالِحِ فَتَدْعُوهُ الْحَاجَةُ إِلَى أَنْ يَجْعَل لِكُل مَصْلَحَةٍ وَقْتًا لاَ يَدْخُل فِيهِ أَحَدٌ (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (حَاجِبٌ)
٦ - الشَّهَادَةُ بِالسَّمَاعِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ:
١٠ - مُدْرَكُ الْعِلْمِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ الشَّهَادَةُ الرُّؤْيَةُ وَالسَّمَاعُ، وَالرُّؤْيَةُ تَكُونُ فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مِنَ الأَْفْعَال كَالْجِنَايَةِ وَالْغَصْبِ وَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُدْرَكُ بِالْعَيْنِ، لأَِنَّهَا لاَ تُدْرَكُ إِلاَّ بِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُقُودِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَل لاَ بُدَّ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَالسَّمَاعِ؟ أَمْ يَكْفِي السَّمَاعُ فَقَطْ؟ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَكْفِي السَّمَاعُ إِذَا عُرِفَ الْقَائِل وَتُحُقِّقَ أَنَّهُ كَلاَمُهُ جَاءَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: لَوْ سَمِعَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَثِيفٍ لاَ يَشِفُّ مِنْ وَرَائِهِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ، وَلَوْ شَهِدَ وَفَسَّرَهُ لِلْقَاضِي بِأَنْ قَال: سَمِعْتُهُ بَاعَ وَلَمْ أَرَ شَخْصَهُ حِينَ تَكَلَّمَ لاَ يَقْبَلُهُ، لأَِنَّ النَّغْمَةَ تُشْبِهُ النَّغْمَةَ، إِلاَّ إِذَا أَحَاطَ بِعِلْمِ ذَلِكَ، لأَِنَّ الْمُسَوِّغَ هُوَ الْعِلْمُ غَيْرَ أَنَّ رُؤْيَتَهُ مُتَكَلِّمًا بِالْعَقْدِ طَرِيقُ الْعِلْمِ، فَإِذَا فُرِضَ تَحَقُّقُ طَرِيقٍ آخَرَ جَازَ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ دَخَل الْبَيْتَ فَرَآهُ فِيهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ وَلاَ مَنْفَذَ غَيْرُ الْبَابِ، وَهُوَ قَدْ جَلَسَ عَلَيْهِ وَسَمِعَ الإِْقْرَارَ أَوِ الْبَيْعَ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ стр. 10002
يَجُوزُ لَهُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِمَا سَمِعَ، لأَِنَّهُ حَصَل بِهِ الْعِلْمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (١) .
أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَلاَ بُدَّ مِنَ الرُّؤْيَةِ مَعَ السَّمَاعِ وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
كَمَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ إِنْسَانٌ عَلَى مُنْتَقِبَةٍ حَتَّى تَكْشِفَ عَنْ وَجْهِهَا لِيَشْهَدَ عَلَى عَيْنِهَا وَوَصْفِهَا لِتَتَعَيَّنَ لأَِدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا وَذَلِكَ لاَ يَكُونُ مَعَ الاِنْتِقَابِ (٢) ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (شَهَادَةٌ) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل مَا تُقْبَل فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالسَّمَاعِ فِي مُصْطَلَحِ: (تَسَامُعٌ) .
ثَانِيًا: اسْتِعْمَال الْحِجَابِ فِي الْمَعَانِي:
١١ - يُسْتَعْمَل لَفْظُ الْحِجَابِ مَجَازًا فِي الْمَعَانِي وَذَلِكَ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ وَقَال لَهُ:. . . وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ (٣) .
قَال ابْنُ حَجَرٍ: قَوْلُهُ (حِجَابٌ) أَيْ لَيْسَ لَهَا стр. 10003
صَارِفٌ يَصْرِفُهَا وَلاَ مَانِعٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حِجَابًا يَحْجُبُهُ عَنِ النَّاسِ، وَقَال الطِّيبِيُّ: لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ تَعْلِيلٌ لِلاِتِّقَاءِ وَتَمْثِيلٌ لِلدُّعَاءِ كَمَنْ يَقْصِدُ دَارَ السُّلْطَانِ مُتَظَلِّمًا فَلاَ يُحْجَبُ (١) .
وَقَال الْحَافِظُ الْعَلاَئِيُّ: الْمُرَادُ بِالْحَاجِبِ وَالْحِجَابِ نَفْيُ عَدَمِ إِجَابَةِ دُعَاءِ الْمَظْلُومِ ثُمَّ اسْتَعَارَ الْحِجَابَ لِلرَّدِّ، فَكَانَ نَفْيُهُ دَلِيلاً عَلَى ثُبُوتِ الإِْجَابَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِنَفْيِ الْحِجَابِ أَبْلَغُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالْقَبُول، لأَِنَّ الْحِجَابَ مِنْ شَأْنِهِ الْمَنْعُ مِنَ الْوُصُول إِلَى الْمَقْصُودِ فَاسْتُعِيرَ نَفْيُهُ لِعَدَمِ الْمَنْعِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ وَلاَ حِجَابٌ يَحْجُبُهُ.
٢ - الْحَجْبُ فِي الْمِيرَاثِ:
١٢ - الْحَجْبُ فِي الْمِيرَاثِ مَعْنَاهُ شَرْعًا: مَنْعُ مَنْ قَامَ بِهِ سَبَبُ الإِْرْثِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ مِنْ أَوْفَرِ حَظَّيْهِ، وَيُسَمَّى الأَْوَّل حَجْبَ حِرْمَانٍ، وَالثَّانِي حَجْبَ نُقْصَانٍ.
وَحَجْبُ الْحِرْمَانِ قِسْمَانِ، حَجْبٌ بِالْوَصْفِ وَيُسَمَّى مَنْعًا كَالْقَتْل وَالرِّقِّ، وَيُمْكِنُ دُخُولُهُ стр. 10004
عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ. وَحَجْبٌ بِالشَّخْصِ أَوِ الاِسْتِغْرَاقِ، كَالأَْخِ لأَِبَوَيْنِ أَوْ لأَِبٍ يَحْجُبُهُ الأَْبُ وَالاِبْنُ وَابْنُ الاِبْنِ.
وَحَجْبُ النُّقْصَانِ كَحَجْبِ الْوَلَدِ الزَّوْجَ مِنَ النِّصْفِ إِلَى الرُّبُعِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي (إِرْثٌ - حَاجِبٌ) . стр. 10005
حِجَازٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحِجَازُ لُغَةً مِنَ الْحَجْزِ، وَهُوَ الْفَصْل بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. قَال الأَْزْهَرِيُّ: الْحَجْزُ أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَ مُتَقَاتِلَيْنِ، وَالْحِجَازُ الاِسْمُ وَكَذَا الْحَاجِزُ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَل بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ (١) أَيْ حِجَازًا بَيْنَ مَاءٍ مِلْحٍ وَمَاءٍ عَذْبٍ لاَ يَخْتَلِطَانِ، وَذَلِكَ الْحِجَازُ قُدْرَةُ اللَّهِ (٢) .
وَيُقَال لِلْجِبَال أَيْضًا حِجَازٌ، أَيْ لأَِنَّهَا تَحْجِزُ بَيْنَ أَرْضٍ وَأَرْضٍ.
وَالْحِجَازُ الْبَلَدُ الْمَعْرُوفُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ مِنَ الْحَجْزِ الَّذِي هُوَ الْفَصْل بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، قِيل: لأَِنَّهُ فَصَل بَيْنَ الْغَوْرِ (أَيْ تِهَامَةَ) وَالشَّامِ وَالْبَادِيَةِ.
وَقِيل: لأَِنَّهُ فَصَل بَيْنَ تِهَامَةَ وَنَجْدٍ. وَقَال الأَْزْهَرِيُّ: سُمِّيَ حِجَازًا لأَِنَّ الْحِرَارَ حَجَزَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَالِيَةِ نَجْدٍ (٣) . وَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ اللُّغَوِيِّينَ فِي بَيَانِ مَا стр. 10006
يَدْخُل تَحْتَ اسْمِ الْحِجَازِ وَبَيَانِ حُدُودِهِ، فَقَال يَاقُوتٌ الْحَمَوِيُّ: الْحِجَازُ الْجَبَل الْمُمْتَدُّ الَّذِي حَال بَيْنَ الْغَوْرِ، غَوْرِ تِهَامَةَ، وَنَجْدٍ، ثُمَّ نَقَل عَنْ الأَْصْمَعِيِّ الْحِجَازُ مِنْ تُخُومِ صَنْعَاءَ مِنْ الْعَبْلاَءِ وَتَبَالَةَ إِلَى تُخُومِ الشَّامِ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْل هِشَامٍ الْكَلْبِيِّ إِنَّ جَبَل السَّرَاةِ مِنْ قُعْرَةِ الْيَمَنِ إِلَى أَطْرَافِ بَوَادِي الشَّامِ سَمَّتْهُ الْعَرَبُ حِجَازًا، فَصَارَ مَا خَلْفَهُ إِلَى سَيْفِ الْبَحْرِ غَوْرَ تِهَامَةَ، وَمَا دُونَهُ فِي شَرْقِيِّهِ إِلَى أَطْرَافِ الْعِرَاقِ وَالسَّمَاوَةِ نَجْدًا. وَالْجَبَل نَفْسُهُ وَهُوَ سَرَاتُهُ وَمَا احْتُجِزَ بِهِ فِي شَرْقِيِّهِ مِنَ الْجِبَال وَانْحَازَ إِلَى نَاحِيَةٍ فِيهِ هُوَ الْحِجَازُ (١) .
وَأَمَّا فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ وَخَاصَّةً عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الَّذِينَ قَصَرُوا حُكْمَ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ، فَبَيَانُ مُرَادِهِمْ بِالْحِجَازِ كَمَا يَلِي:
قَال الشَّافِعِيُّ: وَالْحِجَازُ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفُهَا كُلُّهَا. ثُمَّ قَال: " وَلاَ يَتَبَيَّنُ أَنْ يُمْنَعُوا رُكُوبَ بَحْرِ الْحِجَازِ، وَيُمْنَعُونَ مِنَ الْمُقَامِ فِي سَوَاحِلِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ فِي بَحْرِ الْحِجَازِ جَزَائِرُ وَجِبَالٌ تُسْكَنُ مُنِعُوا مِنْ سُكْنَاهَا لأَِنَّهَا مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ ". اهـ (٢) . стр. 10007
وَذُكِرَ فِي الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ مِنْ مُدِنِ الْحِجَازِ وَقُرَاهُ: مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَالْيَمَامَةَ وَقُرَاهَا كَالطَّائِفِ وَوَجٍّ وَجَدَّةَ وَالْيَنْبُعَ وَخَيْبَرَ، (وَأَضَافَ عَمِيرَةُ الْبُرُلُّسِيُّ فَدَكًا) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْكَافِرَ يُمْنَعُ مِنْ الإِْقَامَةِ بِجَزَائِرِ بَحْرِ الْحِجَازِ وَلَوْ كَانَتْ خَرَابًا، وَمِنَ الإِْقَامَةِ فِي بَحْرٍ فِي الْحِجَازِ وَلَوْ فِي سَفِينَةٍ. وَفَسَّرَ الْقَلْيُوبِيُّ الْيَمَامَةَ بِأَنَّهَا الْبَلَدُ الَّتِي كَانَ فِيهَا مُسَيْلِمَةُ، وَاَلَّتِي سُمِّيَتْ بِاسْمِهَا زَرْقَاءُ الْيَمَامَةِ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْحِجَازَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَمَا يَأْتِي - يَشْمَل مَا هُوَ شَرْقِيُّ جِبَال الْحِجَازِ حَتَّى الْيَمَامَةِ وَقُرَاهَا وَهِيَ مِنْطَقَةُ الرِّيَاضِ الآْنَ (١) ، أَوْ مَا كَانَ يُسَمَّى قَدِيمًا الْعَرْضُ أَوِ الْعَارِضُ (٢) وَهِيَ بَعْضُ الْعُرُوضِ، جَاءَ فِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ: الْعُرُوضُ الْيَمَامَةُ وَالْبَحْرَيْنُ وَمَا وَالاَهُمَا (٣) .
وَلَيْسَتْ الْبَحْرَيْنُ وَقَاعِدَتُهَا هَجَرُ مِنَ الْحِجَازِ (٤) .
وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ الْحَنَابِلَةُ: فَإِنَّهُمْ عِنْدَمَا تَعَرَّضُوا لِمَا يُمْنَعُ الْكُفَّارُ مِنْ سُكْنَاهُ بَيَّنُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ فِي الْحَدِيثِ (الْحِجَازُ) . جَاءَ فِي الْمُغْنِي: стр. 10008
قَال أَحْمَدُ، فِي حَدِيثِ أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ (١) : جَزِيرَةُ الْعَرَبِ الْمَدِينَةُ وَمَا وَالاَهَا، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يَعْنِي أَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْ سُكْنَى الْكُفَّارِ الْمَدِينَةُ وَمَا وَالاَهَا وَهُوَ مَكَّةُ وَالْيَمَامَةُ وَخَيْبَرُ وَالْيَنْبُعُ وَفَدَكُ وَمَخَالِيفُهَا وَمَا وَالاَهَا. وَجَاءَ فِي كَلاَمِهِ مَا يَدُل عَلَى أَنَّ تَيْمَاءَ وَفَيْدًا وَنَحْوَهُمَا لاَ يُمْنَعُ أَهْل الذِّمَّةِ مِنْ سُكْنَاهَا وَكَذَلِكَ الْيَمَنُ وَنَجْرَانُ وَتَيْمَاءُ وَفَيْدٌ مِنْ بِلاَدِ طَيِّئٍ (٢) .
وَجَاءَ فِي مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى: يُمْنَعُ أَهْل الذِّمَّةِ مِنْ الإِْقَامَةِ بِالْحِجَازِ، وَهُوَ مَا حَجَزَ بَيْنَ تِهَامَةَ وَنَجْدٍ. وَالْحِجَازِ كَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَامَةِ وَخَيْبَرَ وَالْيَنْبُعِ وَفَدَكِ وَقُرَاهَا، وَفَدَكُ قَرْيَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ. وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمِنْ الْحِجَازِ تَبُوكُ وَنَحْوُهَا، وَمَا دُونَ الْمُنْحَنَى وَهُوَ عَقَبَةُ الصَّوَّانِ يُعْتَبَرُ مِنْ الشَّامِ كَمَعَانٍ (٣) .
الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحِجَازِ:
٢ - الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَمِنْهَا الْحِجَازُ تَرْجِعُ أَسَاسًا إِلَى أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ: الأَْوَّل: أَنَّهَا لاَ يَسْكُنُهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ. стр. 10009
وَالثَّانِي: أَنَّهَا لاَ يُدْفَنُ بِهَا أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا لاَ يَبْقَى بِهَا دَارُ عِبَادَةٍ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا زَكَوِيَّةٌ كُلُّهَا لاَ يُؤْخَذُ مِنْ أَرْضِهَا خَرَاجٌ.
وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ وَأَدِلَّتُهُ وَتَفْصِيلُهُ وَالْخِلاَفُ فِيهِ تَحْتَ عِنْوَانِ (أَرْضُ الْعَرَبِ) لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا بَيَانُ أَنَّ أَرْضَ الْعَرَبِ نَوْعَانِ:
الأَْوَّل: مَا اتَّفَقَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِأَرْضِ الْعَرَبِ الْوَارِدَةِ أَحْكَامُهَا فِي الأَْحَادِيثِ، فَتَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الأَْحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ إِجْمَاعًا، وَهُوَ أَرْضُ الْحِجَازِ.
وَالثَّانِي: مَا اخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ مُرَادٌ بِالأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي شَأْنِ أَرْضِ الْعَرَبِ وَهُوَ مَا عَدَا أَرْضَ الْحِجَازِ، كَالْبَحْرَيْنِ، وَالْيُمْنِ، وَمَا وَرَاءَ جِبَال طَيِّئٍ إِلَى حُدُودِ الْعِرَاقِ. فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّهَا مُرَادَةٌ بِالأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ وَتَنْطَبِقُ عَلَيْهَا أَحْكَامُهَا. وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يَرَوْنَ أَنَّهَا غَيْرُ مُرَادَةٍ وَلاَ تَنْطَبِقُ عَلَيْهَا تِلْكَ الأَْحْكَامُ (١) .
وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ: (أَرْضُ الْعَرَبِ) . стр. 10010
حِجَامَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحِجَامَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْحَجْمِ أَيِ الْمَصِّ. يُقَال: حَجَمَ الصَّبِيُّ ثَدْيَ أُمِّهِ إِذَا مَصَّهُ.
وَالْحَجَّامُ الْمَصَّاصُ، وَالْحِجَامَةُ صِنَاعَتُهُ وَالْمِحْجَمُ يُطْلَقُ عَلَى الآْلَةِ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا الدَّمُ وَعَلَى مِشْرَطِ الْحَجَّامِ (١) فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثٍ شَرْبَةِ عَسَلٍ وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ وَكَيَّةِ نَارٍ (٢) .
وَالْحِجَامَةُ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ قُيِّدَتْ عِنْدَ الْبَعْضِ بِإِخْرَاجِ الدَّمِ مِنَ الْقَفَا بِوَاسِطَةِ الْمَصِّ بَعْدَ الشَّرْطِ بِالْحَجْمِ لاَ بِالْفَصْدِ (٣) . وَذَكَرَ الزَّرْقَانِيُّ أَنَّ الْحِجَامَةَ لاَ تَخْتَصُّ بِالْقَفَا بَل تَكُونُ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ (٤) . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْخَطَّابِيُّ. стр. 10011
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْفَصْدُ:
٢ - فَصَدَ يَفْصِدُ فَصْدًا وَفِصَادًا: شَقَّ الْعِرْقَ لإِِخْرَاجِ الدَّمِ. وَفَصَدَ النَّاقَةَ شَقَّ عِرْقَهَا لِيَسْتَخْرِجَ مِنْهُ الدَّمَ فَيَشْرَبَهُ (١) .
فَالْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ يَجْتَمِعَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِخْرَاجٌ لِلدَّمِ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ الْفَصْدَ شَقُّ الْعِرْقِ، وَالْحِجَامَةُ مَصُّ الدَّمِ بَعْدَ الشَّرْطِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - التَّدَاوِي بِالْحِجَامَةِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَوَرَدَ فِي ذَلِكَ عِدَّةُ أَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهَا قَوْلُهُ: خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَمِنْهَا قَوْلُهُ: خَيْرُ الدَّوَاءِ الْحِجَامَةُ (٢) .
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ: إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ (٣) . стр. 10012
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحِجَامَةِ:
٤ - اعْتَنَى الْفُقَهَاءُ بِبَيَانِ أَحْكَامِ الْحِجَامَةِ مِنْ حَيْثُ تَأْثِيرُهَا عَلَى الطَّهَارَةِ، وَعَلَى الصَّوْمِ، وَعَلَى الإِْحْرَامِ. وَمِنْ حَيْثُ الْقِيَامُ بِهَا، وَأَخْذِ الأَْجْرِ عَلَيْهَا، وَالتَّدَاوِي بِهَا.
تَأْثِيرُ الْحِجَامَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ:
٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ خُرُوجَ الدَّمِ بِالْحِجَامَةِ نَاقِضٌ مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. قَال السَّرَخْسِيُّ: الْحِجَامَةُ تُوجِبُ الْوُضُوءَ وَغَسْل مَوْضِعِ الْمِحْجَمَةِ عِنْدَنَا، لأَِنَّ الْوُضُوءَ وَاجِبٌ بِخُرُوجِ النَّجَسِ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَغْسِل مَوْضِعَ الْمِحْجَمَةِ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلاَةُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ أَجْزَأَتْهُ.
وَالْفَصْدُ مِثْل الْحِجَامَةِ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ. فَإِذَا افْتُصِدَ وَخَرَجَ مِنْهُ دَمٌ كَثِيرٌ، وَيُنْتَقَضُ أَيْضًا إِذَا مَصَّتْ عَلَقَةٌ عُضْوًا وَأَخَذَتْ مِنَ الدَّمِ قَدْرًا يَسِيل مِنْهَا لَوْ شُقَّتْ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ وَالْفَصْدَ وَمَصَّ الْعَلَقِ لاَ يُوجِبُ وَاحِدٌ مِنْهَا الْوُضُوءَ. قَال الزَّرْقَانِيُّ: لاَ يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِحِجَامَةٍ مِنْ حَاجِمٍ وَمُحْتَجِمٍ وَفَصْدٍ. وَفِي الأُْمِّ " لاَ وُضُوءَ فِي قَيْءٍ وَلاَ رُعَافٍ وَلاَ حِجَامَةٍ وَلاَ شَيْءٍ خَرَجَ مِنَ الْجَسَدِ وَأُخْرِجَ مِنْهُ غَيْرَ الْفُرُوجِ الثَّلاَثَةِ الْقُبُل وَالدُّبُرِ وَالذَّكَرِ " (١) . стр. 10013
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنَ الدَّمِ مُوجِبٌ لِلْوُضُوءِ إِذَا كَانَ فَاحِشًا. وَفِي حَدِّ الْفَاحِشِ عِنْدَهُمْ خِلاَفٌ: فَقِيل: الْفَاحِشُ مَا وَجَدَهُ الإِْنْسَانُ فَاحِشًا كَثِيرًا. قَال ابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّمَا يُعْتَبَرُ مَا يَفْحُشُ فِي نُفُوسِ أَوْسَاطِ النَّاسِ لاَ الْمُتَبَذِّلِينَ وَلاَ الْمُوَسْوَسِينَ. وَقِيل: هُوَ مِقْدَارُ الْكَفِّ. وَقِيل: عَشَرَةُ أَصَابِعٍ (١) .
تَأْثِيرُ الْحِجَامَةِ عَلَى الصَّوْمِ:
٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ جَائِزَةٌ لِلصَّائِمِ إِذَا كَانَتْ لاَ تُضْعِفُهُ، وَمَكْرُوهَةٌ إِذَا أَثَّرَتْ فِيهِ وَأَضْعَفَتْهُ، يَقُول ابْنُ نُجَيْمٍ: الاِحْتِجَامُ غَيْرُ مَنَافٍ لِلصَّوْمِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِلصَّائِمِ. إِذَا كَانَ يُضْعِفُهُ عَنِ الصَّوْمِ، أَمَّا إِذَا كَانَ لاَ يُضْعِفُهُ فَلاَ بَأْسَ بِهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُحْتَجِمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفَ الْبَدَنِ لِمَرَضٍ أَوْ خِلْقَةٍ. وَفِي كُلٍّ إِمَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الاِحْتِجَامَ لاَ يَضُرُّهُ، أَوْ يَشُكُّ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إِنِ احْتَجَمَ لاَ يَقْوَى عَلَى مُوَاصَلَةِ الصَّوْمِ.
فَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لاَ يَتَضَرَّرُ بِالْحِجَامَةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْتَجِمَ. وَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ سَيَعْجِزُ عَنْ مُوَاصَلَةِ الصَّوْمِ إِذَا هُوَ احْتَجَمَ حَرُمَ عَلَيْهِ. إِلاَّ إِذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ هَلاَكًا أَوْ شَدِيدَ стр. 10014
أَذًى بِتَرْكِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَجِمَ وَيَقْضِيَ إِذَا أَفْطَرَ وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ شَكَّ فِي تَأْثِيرِ الْحِجَامَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى مُوَاصَلَةِ الصَّوْمِ فَإِنْ كَانَ قَوِيَّ الْبِنْيَةِ جَازَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفَ الْبَدَنِ كُرِهَ لَهُ.
وَالْفِصَادَةُ مِثْل الْحِجَامَةِ فَتُكْرَهُ لِلْمَرِيضِ دُونَ الصَّحِيحِ كَمَا فِي الإِْرْشَادِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ بِالْفَصْدِ أَوِ الْحِجَامَةِ يَقُول الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: أَمَّا الْفَصْدُ فَلاَ خِلاَفَ فِيهِ، وَأَمَّا الْحِجَامَةُ فَلأَِنَّهُ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ (٢) . وَهُوَ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ (٣) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ تُؤَثِّرُ فِي الْحَاجِمِ وَالْمَحْجُومِ وَيُفْطِرُ كُلٌّ مِنْهُمَا. يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: الْحِجَامَةُ يُفْطِرُ بِهَا الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ، وَبِهِ قَال إِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ. وَكَانَ الْحَسَنُ وَمَسْرُوقٌ وَابْنُ سِيرِينَ стр. 10015
لاَ يَرَوْنَ لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْتَجِمَ. وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَحْتَجِمُونَ لَيْلاً فِي الصَّوْمِ مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو مُوسَى وَأَنَسٌ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ (٢) .
تَأْثِيرُ الْحِجَامَةِ عَلَى الإِْحْرَامِ:
٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ لاَ تُنَافِي الإِْحْرَامَ. قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: وَمِمَّا لاَ يُكْرَهُ لَهُ أَيْضًا - أَيْ لِلْمُحْرِمِ - الاِكْتِحَال بِغَيْرِ الْمُطَيَّبِ وَأَنْ يَخْتَتِنَ وَيَفْتَصِدَ. وَيَقْلَعَ ضِرْسَهُ، وَيَجْبُرَ الْكَسْرَ، وَيَحْتَجِمَ ".
فَالْحِجَامَةُ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا قَلْعُ الشَّعْرِ لاَ تُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ، أَمَّا إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ قَلْعُ شَعْرٍ، فَإِنْ حَلَقَ مَحَاجِمَهُ وَاحْتَجَمَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ.
وَلاَ يَضُرُّ تَعْصِيبُ مَكَانِ الْفَصْدِ: يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: (وَإِنْ لَزِمَ تَعْصِيبُ الْيَدِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ تَعْصِيبَ غَيْرِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ إِنَّمَا يُكْرَهُ لَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ) (٣) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ فِي الإِْحْرَامِ: إِنْ كَانَتْ لِعُذْرٍ فَجَوَازُ الإِْقْدَامِ عَلَيْهَا ثَابِتٌ قَوْلاً следующие страницы →