Полный текст (3 211 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فَاطِرٍ: ٣٢] .
وَالْحَادِي وَالْعِشْرُونَ:
التَّسْلِيمُ مِنَ اللَّهِ، فَفِي أَحَادِيثِ إِقْرَاءِ السَّلَامِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ١.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] .
و: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٤] .
وَقَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﵊ فِي خَدِيجَةَ: "اقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي"٢.
وَالثَّانِي وَالْعِشْرُونَ:
التَّثْبِيتُ عِنْدَ تَوَقُّعِ التَّفَلُّتِ الْبَشَرِيِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٤] .
стр. 1087
وَفِي الْأُمَّةِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] .
وَالثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ:
الْعَطَاءُ مِنْ غَيْرِ مِنَّةٍ١، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُون﴾ [الْقَلَمِ: ٣] .
وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون﴾ [التِّينِ: ٦] .
وَالرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ:
تَيْسِيرُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه﴾ [الْقِيَامَةِ: ١٧-١٩] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه﴾ [الْقِيَامَةِ: ١٩] ، عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ عَلَى لِسَانِكَ.
وَفِي الْأُمَّةِ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر﴾ [الْقَمَرِ: ١٧] .
والخامش والعشرون:
جعل السلام عليكم مَشْرُوعًا فِي الصَّلَاةِ؛ إِذْ يُقَالُ فِي التَّشَهُّدِ: "السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ"٢.
وَالسَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ:
أَنَّهُ سَمَّى نَبِيَّهُ ﵇ بِجُمْلَةٍ من أسمائه كالرؤوف الرَّحِيمِ، وَلِلْأُمَّةِ نَحْوَ الْمُؤْمِنِ وَالْخَبِيرِ وَالْعَلِيمِ وَالْحَكِيمِ.
وَالسَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ:
أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ لَهُمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْر﴾ [النساء: ٥٩] .
стр. 1088
وَهُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي، فَقَدْ أَطَاعَنِي" ١.
وَقَالَ: "مَنْ يطعِ الرَّسُولَ، فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ" ٢.
وَالثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ:
الْخِطَابُ الْوَارِدُ ومورد الشَّفَقَةِ وَالْحَنَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١-٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢] .
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطُّورِ: ٤٨] .
وَفِي الْأُمَّةِ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٦] .
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٥] .
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النِّسَاءِ: ٢٨] .
﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٢٩] .
وَالتَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ:
الْعِصْمَةُ مِنَ الضَّلَالِ بَعْدَ الْهُدَى٣، وَغَيْرُ ذلك من
стр. 1089
وُجُوهِ الْحِفْظِ الْعَامَّةِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَجَاءَ فِي الْأُمَّةِ: "لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي على ضلالة" ١.
стр. 1090
.............................................................................
стр. 1091
...............................................................................
стр. 1092
وَجَاءَ: "احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ" ١.
وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] تَفْسِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: "لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ".
وَفِي قَوْلِهِ: "وَإِنَّى وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا" ٢.
وَتَمَامُ الثَّلَاثِينَ:
إِمَامَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ ﵊ أمَّ بِالْأَنْبِيَاءِ، قَالَ: "وَقَدْ رَأَيْتُنِي [فِي] جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ....... فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ" ٣.
وَفِي حَدِيثِ نُزُولِ عِيسَى ﵇ إِلَى الْأَرْضِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ: "إِنَّ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْهَا، وَإِنَّهُ يصلي مؤتما بإمامها" ٤.
стр. 1093
وَمَنْ تَتَبَّعَ الشَّرِيعَةَ وَجَدَ مِنْ هَذَا كَثِيرًا [مَجْمُوعُهُ] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمَّتَهُ تَقْتَبِسُ مِنْهُ خَيْرَاتٍ وَبَرَكَاتٍ، وَتَرِثُ أَوْصَافًا وَأَحْوَالًا مَوْهُوبَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمُكْتَسَبَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
وَهَذَا الْأَصْلُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوَاعِدُ:
- مِنْهَا: أَنَّ جَمِيعَ مَا أُعْطِيَتْهُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنَ الْمَزَايَا وَالْكَرَامَاتِ، وَالْمُكَاشَفَاتِ وَالتَّأْيِيدَاتِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْفَضَائِلِ إِنَّمَا هِيَ مُقْتَبَسَةٌ مِنْ مِشْكَاةِ نَبِيِّنَا ﷺ ، لَكِنْ عَلَى مِقْدَارِ الِاتِّبَاعِ، فَلَا يَظُنُّ ظانٌّ أَنَّهُ حَصَلَ عَلَى خَيْرٍ بدون وساطة١ نبوية، كيف وهو السراج المنير الذي يستضيء بِهِ الْجَمِيعُ، وَالْعَلَمُ الْأَعْلَى الَّذِي بِهِ يُهْتَدَى فِي سُلُوكِ الطَّرِيقِ.
وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: قَدْ ظَهَرَتْ عَلَى أَيْدِي الْأُمَّةِ أُمُورٌ لَمْ تَظْهَرْ عَلَى يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا سِيَّمَا الْخَوَاصُّ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا بَعْضُهُمْ، كفرار الشيطان من ظل
стр. 1094
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَقَدْ نازع النبي ﷺ فِي صَلَاتِهِ الشَّيْطَانُ١وَقَالَ لِعُمَرَ: "مَا سَلَكَتَ فَجًّا إِلَّا سَلَكَ الشَّيْطَانُ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ" ٢.
وَجَاءَ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁: "أَنَّ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ تَسْتَحِي مِنْهُ"٣ وَلَمْ يرد مثل هذا بالنسبة للنبي ﷺ .
وَجَاءَ فِي أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ: "أَنَّهُمَا خَرَجَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَإِذَا نُورٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا حَتَّى تَفَرَّقَا، فَافْتَرَقَ النُّورُ مَعَهُمَا"٤، وَلَمْ يُؤْثَرْ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْهُ ﵊.
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مِمَّا لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ ظَهَرَ مِثْلُهُ عَلَى يَدِ النَّبِيِّ ﷺ .
فَيُقَالُ: كُلُّ مَا نُقِلَ عَنِ الْأَوْلِيَاءِ أَوِ الْعُلَمَاءِ٥ أَوْ يُنْقَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ من
стр. 1095
الْأَحْوَالِ وَالْخَوَارِقِ وَالْعُلُومِ وَالْفُهُومِ وَغَيْرِهَا، فَهِيَ أَفْرَادٌ وَجُزْئِيَّاتٌ دَاخِلَةٌ تَحْتَ كُلِّيَّاتِ مَا نُقِلَ عَنِ النبي ﷺ ، غير أَفْرَادَ الْجِنْسِ وَجُزْئِيَّاتِ الْكُلِّيِّ قَدْ تَخْتَصُّ١ بِأَوْصَافٍ تَلِيقُ بِالْجُزْئِيِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْئِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَا الْكُلِّيُّ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ كُلِّيٌّ٢، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْجُزْئِيِّ مَزِيَّةٌ عَلَى الْكُلِّيِّ، وَلَا أَنَّ ذَلِكَ فِي الْجُزْئِيِّ خَاصٌّ بِهِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْكُلِّيِّ، كَيْفَ وَالْجُزْئِيُّ لَا يَكُونُ كُلِّيًّا إِلَّا بِجُزْئِيٍّ٣؟ إِذْ هُوَ مِنْ حَقِيقَتِهِ وَدَاخِلٌ فِي مَاهِيَّتِهِ، فَكَذَلِكَ الْأَوْصَافُ الظَّاهِرَةُ عَلَى الْأُمَّةِ لَمْ تَظْهَرْ إِلَّا مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَهِيَ كَالْأُنْمُوذَجِ مِنْ أَوْصَافِهِ ﵊ وَكَرَامَاتِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا عَلَى مقدار الاتِّباع والاقتداء به٤، ولو كان ظَاهِرَةً لِلْأُمَّةِ عَلَى فَرْضِ الِاخْتِصَاصِ بِهَا وَالِاسْتِقْلَالِ
стр. 1096
لَمْ تَكُنِ الْمُتَابَعَةُ شَرْطًا فِيهَا، وَيَتَبَيَّنُ هَذَا بِالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ فِي شَأْنِ عُمَرَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ خَاصِّيَّتَهُ الْمَذْكُورَةَ هِيَ هُرُوبُ الشَّيْطَانِ مِنْهُ، وَذَلِكَ حِفْظٌ مِنَ الْوُقُوعِ فِي حَبَائِلِهِ وَحَمْلِهِ إِيَّاهُ عَلَى الْمَعَاصِي، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْحِفْظَ التَّامَّ الْمُطْلَقَ الْعَامَّ خَاصِّيَّةُ الرَّسُولِ ﷺ ؛ إِذْ كَانَ مَعْصُومًا عَنِ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْرِيرِ هَذَا الْمَعْنَى هُنَا، فَتِلْكَ النُّقْطَةُ الْخَاصَّةُ بِعُمَرَ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ فِرَارَ الشَّيْطَانِ أَوْ بُعده مِنَ الْإِنْسَانِ إِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْحِفْظُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَقَدْ زَادَتْ مَزِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ خَوَاصُّ:
- مِنْهَا: أَنَّهُ ﵊ أَقْدَرَهُ اللَّهُ عَلَى تَمَكُّنِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، حَتَّى هَمَّ أَنْ يَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ تَذَّكَّرَ قول سليمان ﵇: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ١ [ص: ٣٥] وَلَمْ يَقْدِرْ عُمَرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذلك.
стр. 1097
- وَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ اطَّلع عَلَى ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ١ وَمِنْ عُمَرَ٢ وَلَمْ يطَّلِع عُمَرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ.
- وَمِنْهَا: أَنَّهُ ﵊ كان آمنا من نزعات الشَّيْطَانِ وَإِنْ قَرُبَ مِنْهُ، وَعُمَرُ لَمْ يَكُنْ آمِنًا وَإِنْ بعُد عَنْهُ.
وَأَمَّا مَنَقَبَةُ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَرِدْ مَا يُعَارِضُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، بَلْ نَقُولُ: هُوَ أَوْلَى بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا عَنْ نَفْسِهِ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِهَا عَدُمُهَا.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لِعُثْمَانَ لِخَاصِّيَّةٍ كَانَتْ فِيهِ وَهَى شِدَّةُ حَيَائِهِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً، وَأَشَدَّ٣ حياء من العذارء فِي خِدْرِهَا٤، فَإِذَا كَانَ الْحَيَاءُ أَصْلَهَا، فَالنَّبِيُّ ﵊ هُوَ الَّذِي حَوَاهُ عَلَى الْكَمَالِ.
وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ يَجْرِي الْقَوْلُ فِي أُسَيْدٍ وَصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ الْإِضَاءَةُ حَتَّى يُمْكِنَ الْمَشْيُ فِي الطَّرِيقِ لَيْلًا بِلَا كُلْفَةٍ، وَالنَّبِيُّ ﵊ لَمْ يَكُنِ الظَّلَامُ يَحْجُبُ بَصَرَهُ، بَلْ كَانَ يَرَى فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يَرَى فِي الضَّوْءِ٥، بَلْ كَانَ لَا يَحْجُبُ بَصَرَهُ مَا هُوَ أَكْثَفُ مِنْ حِجَابِ الظلمة، فكان يرى
стр. 1098
مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ أَمَامِهِ١، وَهَذَا أَبْلَغُ، حَيْثُ كَانَتِ الْخَارِقَةُ فِي نَفْسِ الْبَصَرِ لَا فِي الْمُبْصِرِ بِهِ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﵊ وَكَرَامَاتِهِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي أُمَّتِهِ [مِنْ] ٢ بَعْدِهِ وَفِي زَمَانِهِ.
فَهَذَا التَّقْرِيرُ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ٣، وَالْأَخْذُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ
стр. 1099
جِهَتِهِ لَا عَلَى الْجُمْلَةِ، فَرُبَّمَا يَقَعُ لِلنَّاظِرِ فِيهَا بِبَادِئِ الرَّأْيِ إِشْكَالٌ، وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا بِحَوْلِ اللَّهِ. وَانْظُرْ فِي كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِي قَاعِدَةِ الْأَفْضَلِيَّةِ وَالْخَاصِّيَّةِ.
فَصْلٌ:
وَمِنَ الْفَوَائِدِ فِي هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى كُلِّ خَارِقَةٍ صَدَرَتْ عَلَى يَدَيْ أَحَدٍ، فَإِنْ كَانَ لَهَا أَصْلٌ فِي كَرَامَاتِ الرَّسُولِ ﵊ وَمُعْجِزَاتِهِ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَصْلٌ، فَغَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَإِنْ ظَهَرَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّهَا كَرَامَةٌ؛ إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا يَظْهَرُ عَلَى يَدَيِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْخَوَارِقِ بِكَرَامَةٍ١، بَلْ مِنْهَا مَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ٢.
وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالْمِثَالِ أَنَّ أَرْبَابَ التَّصْرِيفِ بِالْهِمَمِ٣ وَالتَّقَرُّبَاتِ بِالصِّنَاعَةِ الْفَلَكِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ النُّجُومِيَّةِ قَدْ تَصْدُرُ عَنْهُمْ أَفَاعِيلُ خَارِقَةٌ، وَهِيَ كُلُّهَا ظلمات
стр. 1100
بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، لَيْسَ لَهَا فِي الصِّحَّةِ مَدْخَلٌ، وَلَا يُوجَدُ لَهَا فِي كَرَامَاتِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْبَعٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِدُعَاءٍ مَخْصُوصٍ، فَدُعَاءُ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ عَلَى تِلْكَ النِّسْبَةِ، وَلَا تَجْرِي فِيهِ تِلْكَ الْهَيْئَةُ، وَلَا اعْتَمَدَ عَلَى قِرَانٍ١ فِي الْكَوَاكِبِ، وَلَا الْتُمِسَ سُعُودُهَا أَوْ نُحُوسُهَا، بَلْ تحرَّى مُجَرَّدَ الِاعْتِمَادِ عَلَى مَنْ إِلَيْهِ يَرْجِعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ وَاللَّجَأُ إِلَيْهِ، معرِضا عَنِ الْكَوَاكِبِ وَنَاهِيًا عَنِ الِاسْتِنَادِ إِلَيْهَا؛ إِذْ قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ" ٢ الْحَدِيثَ، وَإِنْ تَحَرَّى وَقْتًا أَوْ دَعَا [إِلَى تحرِّيه] ٣، فَلِسَبَبٍ بَرِيءٍ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، كَحَدِيثِ التَّنَزُّلِ٤، وَحَدِيثِ اجْتِمَاعِ الْمَلَائِكَةِ طَرَفَيْ النهار٥، وأشباه ذلك.
стр. 1101
وَالدُّعَاءُ أَيْضًا عِبَادَةٌ لَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ؛ أَعْنِي الْكَيْفِيَّاتِ الْمُسْتَفْعِلَةَ وَالْهَيْئَاتِ الْمُتَكَلَّفَةَ الَّتِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ الْأَدْعِيَةُ الَّتِي لَا تَجِدُّ مُسَاقَهَا فِي مُتَقَدِّمِ الزَّمَانِ وَلَا مُتَأَخِّرِهِ، وَلَا مُسْتَعْمَلِ النَّبِيِّ ﵊ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، وَالَّتِي رُوعِيَ فِيهَا طَبَائِعُ الْحُرُوفِ فِي زَعْمِ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ مِمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرُهُمْ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ دُعَاءٍ كَتَسْلِيطِ الْهِمَمِ عَلَى الْأَشْيَاءِ حَتَّى تَنْفَعِلَ، فَذَلِكَ غَيْرُ ثَابِتِ النَّقْلِ، وَلَا تَجِدَ لَهُ أَصْلًا، بَلْ أَصْلُ ذَلِكَ حَالٌ حُكْمِيٌّ وَتَدْبِيرٌ فَلْسَفِيٌّ لَا شَرْعِيٌّ؛ هَذَا وَإِنْ كَانَ الِانْفِعَالُ الْخَارِقُ حَاصِلًا بِهِ، فَلَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى الصِّحَّةِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَتَعَدَّى ظَاهِرًا بِالْقَتْلِ وَالْجَرْحِ، بَلْ قَدْ يُوصَلُ بِالسَّحَرِ وَالْعَيْنِ إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ شَاهِدًا عَلَى صِحَّتِهِ؛ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ صِرْفٌ، وتعدٍ مَحْضٌ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ مَزَلَّة قَدَمٍ لِلْعَوَامِّ وَلِكَثِيرٍ مِنَ الْخَوَاصِّ، فلْتُنَبَّهْ لَهُ.
فَصْلٌ:
وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَذَّرَ وَبَشَّرَ وَأَنْذَرَ، وَنَدَبَ١، وَتَصَرَّفَ بِمُقْتَضَى الْخَوَارِقِ مِنَ الْفِرَاسَةِ الصَّادِقَةِ، وَالْإِلْهَامِ الصَّحِيحِ، وَالْكَشْفِ الْوَاضِحِ، وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ، كَانَ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ مِمَّنِ اخْتُصَّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى
стр. 1102
طَرِيقٍ مِنَ الصَّوَابِ١، وَعَامِلًا بِمَا لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنِ الْمَشْرُوعِ، لَكِنْ مَعَ مُرَاعَاةِ شَرْطِ ذَلِكَ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّتِهِ زَائِدًا إِلَى مَا تَقَدَّمَ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَمِلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ أَمْرًا وَنَهْيًا، وَتَحْذِيرًا وَتَبْشِيرًا وَإِرْشَادًا، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ دُونَ أُمَّتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ حُكْمَهُمْ فِي ذَلِكَ حُكْمُهُ، شَأْنُ كُلِّ عَمَلٍ صَدَرَ مِنْهُ وَلَمْ يَثْبُتْ دَلِيلٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مَا تَرَكَ بَعْدَهُ فِي أُمَّتِهِ مِنَ الْمُبَشِّرَاتِ، وَإِنَّمَا فَائِدَتُهَا الْبِشَارَةُ وَالنِذَارَةُ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْإِقْدَامُ وَالْإِحْجَامُ.
وَقَدْ قَالَ ﵊ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَاهُ الْمَلَكَيْنِ٢ وَقَوْلِهِمَا لَهُ: "نِعْمَ الرَّجُلُ أَنْتَ لَوْ تُكْثِرُ الصَّلَاةَ"، فَلَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذلك يكثر الصلاة٣.
стр. 1103
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّيْلِ" ١.
وَقَالَ ﵊ لِأَبِي ذَرٍّ: "إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تأمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تولَّينَّ مَالَ يَتِيمٍ" ٢.
وَقَوْلُهُ لِثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ وَسَأَلَهُ الدُّعَاءَ لَهُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ: "قَلِيلٌ تُؤَدِي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تطيقه" ٣.
стр. 1104
وَقَالَ لِأَنَسٍ: "اللَّهُمَّ كَثِّرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ" ١.
وَدَلَّ ﵊ أُنَاسًا شَتَّى عَلَى مَا هو أفضل الأعمال في حق كل وحد مِنْهُمْ، عَمَلًا بِالْفِرَاسَةِ الصَّادِقَةِ فِيهِمْ، وَقَالَ٢: "لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ" ٣، فَأَعْطَاهَا عَلِيًّا ﵁، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ.
وَقَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: إِنَّهُ "لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُقَمِّصَكَ قَمِيصًا: فَإِنْ أَرَادُوكَ على خلعه، فلا تخلعه" ٤.
стр. 1105
فَرَتَّبَ عَلَى الِاطِّلَاعِ الْغَيْبِيِّ وَصَايَاهُ النَّافِعَةَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَتَكُونُ لَهُمْ أَنْمَاطٌ وَيَغْدُو أَحَدُهُمْ فِي حُلَّةٍ وَيَرُوحُ فِي أُخْرَى، وَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةً وَتُرْفَعُ أُخْرَى، ثُمَّ قَالَ آخِرَ الْحَدِيثِ: "وأنتم اليوم خير منكم يومئذ" ١.
стр. 1106
................................................................................
стр. 1107
وَأَخْبَرَ بِمُلْكِ مُعَاوِيَةَ وَوَصَّاهُ١، وَأَنَّ عَمَّارًا تَقْتُلُهُ الفئة الباغية٢، وبأمراء
стр. 1108
..............................................................................
стр. 1109
يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا١ ثُمَّ وَصَّاهُمْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ، وَأَنَّهُمْ سَيَلْقَوْنَ بَعْدَهُ أَثَرَةً، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ٢ إِلَى سَائِرِ مَا أَخْبَرَ بِهِ ﵊ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ الَّتِي حَصَلَتْ بِهَا فَوَائِدُ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ، وَالتَّحْذِيرُ وَالتَّبْشِيرُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى.
وَالثَّانِي:
عَمَلُ الصَّحَابَةِ ﵃ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الْفِرَاسَةِ وَالْكَشْفِ وَالْإِلْهَامِ وَالْوَحْيِ النَّوْمِيِّ، كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: "إِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكَ وَأُخْتَاكَ"٣.
وَقَوْلِ عُمَرَ: "يَا ساريةُ! الجبلَ" ٤، فَاعْمَلِ النَّصِيحَةَ الَّتِي أَنْبَأَ عنها الكشف.
стр. 1110
وَنَهْيِهِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُصَّ عَلَى النَّاسِ، وَقَالَ: "أَخَافُ أَنْ تَنْتَفِخَ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّرَيَّا"١
وَقَوْلِهِ لِمَنْ قَصَّ عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَآهُمَا يَقْتَتِلَانِ، فَقَالَ: مَعَ أَيِّهِمَا كُنْتَ؟ قَالَ: مَعَ الْقَمَرِ. قَالَ: "كُنْتُ مَعَ الْآيَةِ الممحوة، لا تلى [لي] عملا أبدا"٢.
стр. 1111
وَيَكْثُرُ نَقْلُ مِثْلِ هَذَا عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِمْ وَلَكِنْ يَبْقَى هُنَا النَّظَرُ فِي شَرْطِ الْعَمَلِ عَلَى مُقْتَضَى هَذِهِ الْأُمُورِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ يَحْتَمِلُ بَسْطًا، فَلْنُفْرِدْهُ بِالْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَهِيَ:
стр. 1112
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ:
وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا يَصِحُّ أَنْ تُرَاعَى وتُعتبر، إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ لَا تَخْرِمَ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَلَا قَاعِدَةً دِينِيَّةً١، فَإِنَّ مَا يَخْرِمُ قَاعِدَةً شَرْعِيَّةً أَوْ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَيْسَ بِحَقٍّ فِي نَفْسِهِ، بَلْ هُوَ إِمَّا خَيَالٌ أَوْ وَهْمٌ، وَإِمَّا مِنْ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ يُخَالِطُهُ مَا هُوَ حَقٌّ وَقَدْ لَا يُخَالِطُهُ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ مِنْ جِهَةِ مُعَارَضَتِهِ لِمَا هُوَ ثَابِتٌ مَشْرُوعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّشْرِيعَ الَّذِي أَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامٌّ لَا خَاصٌّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذَا، وَأَصْلُهُ لَا يَنْخَرِمُ، وَلَا يَنْكَسِرُ لَهُ اطِّراد، وَلَا يُحَاشَى مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِهِ مُكَلَّفٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَكُلَّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ مُضَادًّا لِمَا تَمَهَّدَ فِي الشَّرِيعَةِ، فَهُوَ فَاسِدٌ بَاطِلٌ.
وَمَنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ سُئِلَ عَنْهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي حَاكِمٍ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ مَشْهُورَانِ بِالْعَدَالَةِ فِي أَمْرٍ، فَرَأَى الْحَاكِمُ فِي مَنَامِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "لَا تَحْكُمْ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهَا بَاطِلٌ"، فَمِثْلُ هَذَا مِنَ الرُّؤْيَا لَا مُعْتَبَرَ بِهَا فِي أَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ، وَلَا بِشَارَةٍ وَلَا نِذَارَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَخْرِمُ قَاعِدَةً مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ٢، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يَأْتِي مِنْ هَذَا النَّوْعِ.
стр. 1113
وَمَا رُوِيَ "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَنْفَذَ وَصِيَّةَ رَجُلٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِرُؤْيَا رؤيت"١، فَهِيَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ لَا تَقْدَحُ فِي الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ لِاحْتِمَالِهَا، فَلَعَلَّ الْوَرَثَةَ رَضُوا بِذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا خَرْمُ أَصْلٍ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ حَصَلَتْ لَهُ مُكَاشَفَةٌ بِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ الْمَعِينَ مَغْصُوبٌ أَوْ نَجِسٌ، أَوْ أَنَّ هَذَا الشَّاهِدَ كَاذِبٌ، أَوْ أَنَّ الْمَالَ لِزَيْدٍ وَقَدْ تَحَصَّلَ بِالْحُجَّةِ لِعَمْرٍو، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا يَصِحُّ لَهُ الْعَمَلُ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ سَبَبٌ ظَاهِرٌ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى التَّيَمُّمِ، وَلَا تَرْكُ قَبُولِ الشَّاهِدِ، وَلَا الشَّهَادَةِ٢ بِالْمَالِ لِزَيْدٍ عَلَى حَالٍ، فَإِنَّ الظَّوَاهِرَ قَدْ تَعَيَّنَ فِيهَا بِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ أَمْرٌ آخَرُ، فَلَا يَتْرُكُهَا اعْتِمَادًا عَلَى مُجَرَّدِ الْمُكَاشَفَةِ أَوِ الْفِرَاسَةِ، كَمَا لَا يَعْتَمِدُ فِيهَا عَلَى الرُّؤْيَا النَّوْمِيَّةِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ، لَجَازَ نَقْضُ الْأَحْكَامِ٣ بِهَا، وَإِنْ تَرَتَّبَتْ فِي الظَّاهِرِ مُوجِبَاتُهَا، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ بِحَالٍ، فَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي "الصَّحِيحِ": "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلي، ولعل بعضكم أن يكون
стр. 1114
ألحنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْكُمُ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ" ١ الْحَدِيثَ، فَقَيَّدَ الْحُكْمَ بِمُقْتَضَى مَا يَسْمَعُ وَتَرَكَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُجْرَى عَلَى يَدَيْهِ يُطلع عَلَى أَصْلِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ حُقٍّ وَبَاطِلٍ، وَلَكِنَّهُ ﵊ لَمْ يَحْكُمْ إِلَّا عَلَى وَفْقِ مَا سَمِعَ، لَا عَلَى وَفْقِ مَا عَلِمَ٢، وَهُوَ أَصْلٌ فِي مَنْعِ الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ.
وَقَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا شَهِدَتْ٣ عِنْدَهُ الْعُدُولُ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ خِلَافَهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُمْ تَعَمُّدَ الْكَذِبِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ كَانَ حَاكِمًا بِعِلْمِهِ، هَذَا مَعَ كَوْنِ عِلْمِ الْحَاكِمِ مُسْتَفَادًا مِنَ الْعَادَاتِ الَّتِي لَا رِيبَةَ فِيهَا، لَا مِنَ الْخَوَارِقِ الَّتِي تُدَاخِلُهَا الْأُمُورُ، وَالْقَائِلُ٤ بِصِحَّةِ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ، فذلك بالنسبة إلى العلم.
стр. 1115
الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْعَادَاتِ، لَا مِنَ الْخَوَارِقِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْتَبِرْهُ١ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الْحُجَّةُ الْعُظْمَى، وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ قَاضِي الْقُضَاةِ الشَّاشِيِّ الْمَالِكِيِّ بِبَغْدَادَ أَنَّهُ كَانَ يَحْكُمُ بِالْفِرَاسَةِ فِي الْأَحْكَامِ، جَرْيًا عَلَى طَرِيقَةِ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَيَّامَ كَانَ قَاضِيًا، قَالَ: "وَلِشَيْخِنَا فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ الشَّاشِيِّ٢ جزء في الرد عليه"، هذا ما قاله، وَهُوَ حَقِيقٌ بِالرَّدِّ إِنْ كَانَ يَحْكُمُ بِالْفِرَاسَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ سِوَاهَا.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُشْكِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنَّهُ خِلَافُ مَا نُقِلَ عَنْ أَرْبَابِ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْكَرَامَاتِ، فَقَدِ امْتَنَعَ أَقْوَامٌ عَنْ تَنَاوُلِ أَشْيَاءَ كَانَ جَائِزًا لَهُمْ فِي الظَّاهِرِ تَنَاوُلُهَا، اعْتِمَادًا عَلَى كَشْفٍ أَوْ إِخْبَارٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا جَاءَ عَنِ الشِّبْلِيِّ حِينَ اعْتَقَدَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا مِنَ الْحَلَالِ، فَرَأَى بِالْبَادِيَةِ شَجَرَةَ تِينٍ، فهمَّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا فَنَادَتْهُ الشَّجَرَةُ: أَنْ لَا تَأْكُلْ مِنِّي فَإِنِّي لِيَهُودِيٍّ٣.
وَعَنْ عَبَّاسِ بْنِ الْمُهْتَدِي أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً؛ فَلَيْلَةُ الدُّخُولِ وَقَعَ عَلَيْهِ نَدَامَةٌ، فَلَمَّا أَرَادَ الدنوَّ مِنْهَا زُجِرَ عَنْهَا، فَامْتَنَعَ وَخَرَجَ، فَبَعْدَ ثلاثة أيام ظهر لها زوج٤.
стр. 1116
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَامَةٌ عَادِيَّةٌ أَوْ غَيْرُ عَادِيَّةٍ يَعْلَمُ بِهَا، هَلْ هَذَا الْمُتَنَاوَلُ حلام أَمْ لَا؟ كَالْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ حَيْثُ كَانَ لَهُ عِرْقٌ فِي بَعْضِ أَصَابِعِهِ إِذَا مَدَّ يَدَهُ إِلَى مَا فِيهِ شُبْهَةٌ تَحَرَّكَ، فَيَمْتَنِعُ مِنْهُ١.
وَأَصْلُ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَغَيْرُهُ فِي قِصَّةِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ، وَفِيهِ: فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلَ الْقَوْمُ. وَقَالَ: "ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ؛ فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ" وَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ٢ الْحَدِيثَ، فَبَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَانْتَهَى هُوَ وَنَهَى أَصْحَابَهُ عَنِ الْأَكْلِ بَعْدَ الْإِخْبَارِ.
وَهَذَا أَيْضًا مُوَافِقٌ لِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَهُوَ شَرْعٌ لَنَا إِلَّا أَنْ يَرِدَ نَاسِخٌ، وَذَلِكَ فِي قِصَّةِ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ أُمِرُوا بِذَبْحِهَا وَضَرْبِ الْقَتِيلِ بِبَعْضِهَا، فَأَحْيَاهُ اللَّهُ وَأَخْبَرَ بِقَاتِلِهِ، فَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ٣ بِالْقِصَاصِ، وَفِي قِصَّةِ الْخَضِرِ فِي خَرْقِ
стр. 1117
السَّفِينَةِ وَقَتْلِ الْغُلَامِ١، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْثَرُ فِي معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكرامات الأوليات ﵃.
وَالثَّانِي:
أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ كَالْعَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، فَكَمَا لَوْ دَلَّنَا أَمْرٌ عَادِيٌّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَاءِ أَوْ غَصْبِهِ لَوَجَبَ علينا الاجتناب، فكذلك ههنا؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِخْبَارٍ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ أَوْ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ، كَمَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ لِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ، وَرُؤْيَتِهَا بِعَيْنِ الْكَشْفِ الْغَيْبِيِّ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى هَذَا كَمَا يبنى على ذلك٢.
стр. 1118
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَقَدْ أَبْعَدَ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ لَا نِزَاعَ بَيْنِنَا فِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْعَمَلُ عَلَى وَفْقِ مَا ذُكِرَ صَوَابًا، وَعَمَلًا بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
الِاعْتِبَارُ بِمَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ فِي الْقِيَاسِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ، إِذَا لَمْ يَثْبُتُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا مِنَ الْخَوَارِقِ مُخْتَصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ [مِنْ] ١ حَيْثُ كَانَ مِنَ الْأُمُورِ الْخَارِقَةِ بِدَلِيلِ الْوَاقِعِ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ حَيْثُ كَانَ مُعْجِزًا، وَتَكُونُ قِصَّةُ الْخَضِرِ عَلَى هَذَا مِمَّا نُسِخَ٢ فِي شَرِيعَتِنَا، عَلَى أَنَّ خَرْقَ السَّفِينَةِ قَدْ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ٣ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، بِنَاءً عَلَى مَا ثبت عنده من العادات، أما قتل
стр. 1119
..................................................
стр. 1120
................................................
стр. 1121
الْغُلَامِ، فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ، وَكَذَلِكَ قِصَّةُ الْبَقَرَةِ مَنْسُوخَةٌ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، وَمُحْكَمَةٌ عَلَى التَّأْوِيلِ الْآخَرِ عَلَى وَفْقِ الْقَوْلِ الْمَذْهَبِيِّ فِي قَوْلِ الْمَقْتُولِ: دَمِيَ عِنْدَ فُلَانٍ.
وَالثَّانِي:
عَلَى فَرْضِ أَنَّهُ لَا يُقَاسُ وَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الْأَوْلَى؛ إِذِ الْجَارِي عَلَيْهَا الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ وَلَكِنْ إِنْ قَدَّرْنَا عَدَمَهُ، فَنَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ عَنِ الْأَوْلِيَاءِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى نَصٍّ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ طَلَبُ اجْتِنَابِ حَزَّازِ الْقُلُوبِ الَّذِي١ هُوَ الْإِثْمُ، وَحَزَّازُ الْقُلُوبِ يَكُونُ بِأُمُورٍ لَا تَنْحَصِرُ، فَيَدْخُلُ فِيهَا هَذَا النَّمَطُ، وَقَدْ قَالَ ﵊: "الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، والإثم ما حاك في صدرك" ٢، فإذن لَمْ يَخْرُجْ هَذَا عَنْ كَوْنِهِ مُسْتَنِدًا إِلَى نصوص شرعية عند
стр. 1122
مَنْ فَسَّرَ حَزَّازَ الْقُلُوبِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الَّذِي لَا يَنْضَبِطُ إِلَى أَمْرٍ مَعْلُومٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي اعْتِبَارِ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَا يُخِلُّ بِقَاعِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَكَلَامُنَا إِنَّمَا هُوَ فِي مِثْلِ مَسْأَلَةِ ابْنِ رُشْدٍ وَأَشْبَاهِهَا، وَقَتْلِ الْخَضِرِ الْغُلَامَ عَلَى هَذَا لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِمِثْلِهِ فِي شَرِيعَتِنَا الْبَتَّةَ، فَهُوَ حَكَمٌ مَنْسُوخٌ، وَوَجْهُ مَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ ثَمَّ مِنَ الْحِكَايَاتِ مَا يُشْعِرُ بِمُقْتَضَى السُّؤَالِ، فَعُمْدَةُ الشَّرِيعَةِ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، فَإِنَّ أَصْلَ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ خُصُوصًا، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاعْتِقَادِ فِي الْغَيْرِ عُمُومًا أَيْضًا، فَإِنَّ سَيِّدَ الْبَشَرِ ﷺ مَعَ إِعْلَامِهِ بِالْوَحْيِ يُجْرِي الْأُمُورَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا فِي الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ عَلِمَ بَوَاطِنَ أَحْوَالِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمُخْرِجِهِ عَنْ جَرَيَانِ الظَّوَاهِرِ عَلَى مَا جَرَتْ عَلَيْهِ.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ مَا قَالَ: "خَوْفًا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ" ١، فَالْعِلَّةُ أَمْرٌ آخَرُ لَا مَا زُعِمَتْ، فَإِذَا عُدِمَ مَا عُلِّلَ به، فلا حرج.
стр. 1123
لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا مِنْ أَدَلِّ الدَّلِيلِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ؛ لِأَنَّ فَتْحَ هَذَا الْبَابِ يُؤَدِّي إلى أن يُحْفَظَ تَرْتِيبُ الظَّوَاهِرِ، فَإِنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ، فَالْعُذْرُ فِيهِ [ظَاهِرٌ] ١ وَاضِحٌ، وَمَنْ طَلَبَ قَتْلَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ أَمْرٍ غَيْبِيٍّ رُبَّمَا شَوَّشَ الْخَوَاطِرَ، وَرَانَ عَلَى الظَّوَاهِرِ، وَقَدْ فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ سَدُّ هَذَا الْبَابِ جُمْلَةً، أَلَا تَرَى إِلَى بَابِ الدَّعَاوَى الْمُسْتَنِدِ إِلَى أَنَّ "الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ"٢، وَلَمْ يُسْتَثْنَ مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ، حَتَّى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احتاج إلى البينة
стр. 1124
فِي بَعْضِ مَا أَنْكَرَ فِيهِ مِمَّا كَانَ اشْتَرَاهُ، فَقَالَ: "مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ "، حَتَّى شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ شَهَادَتَيْنِ١، فَمَا ظَنُّكَ بِآحَادِ الْأُمَّةِ؟ فَلَوِ ادَّعَى أَكْفَرُ٢ النَّاسِ عَلَى أَصْلَحِ النَّاسِ لَكَانَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَهَذَا مِنْ ذَلِكَ، وَالنَّمَطُ وَاحِدٌ، فَالِاعْتِبَارَاتُ الْغَيْبِيَّةُ مُهْمَلَةٌ بِحَسَبِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الشَّرْعِيَّةِ، وَمِنْ هُنَا لَمْ يَعْبَأِ النَّاسُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ بِكُلِّ كَشْفٍ أَوْ خِطَابٍ خَالَفَ الْمَشْرُوعَ، بَلْ عدُّوا أَنَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَقَضَايَا الْأَحْوَالِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ الْأَوْلِيَاءِ مُحْتَمَلَةٌ٣.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَكْلِيمِ الشَّجَرَةِ، فَلَيْسَ بِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ، بِحَيْثُ يَكُونُ تَنَاوُلُ التِّينِ مِنْهَا حَرَامًا عَلَى الْمُكَلَّمِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ فِي الْفَلَاةِ صَيْدًا، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي مَمْلُوكٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ تَرَكَهُ لِغِنَاهُ عَنْهُ بِغَيْرِهِ مِنْ يَقِينٍ بِاللَّهِ، أَوْ ظَنِّ طَعَامٍ بِمَوْضِعٍ آخَرَ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ، أَوْ نَقُولُ: كَانَ الْمُتَنَاوَلُ مُبَاحًا لَهُ، فَتَرَكَهُ لِهَذِهِ الْعَلَامَةِ كَمَا يَتْرُكُ الْإِنْسَانُ أَحَدَ الْجَائِزَيْنِ لِمَشُورَةٍ أَوْ رؤيا أو غير
стр. 1125
ذَلِكَ حَسْبَمَا يُذْكَرُ بَعْدُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْمَاءِ الَّذِي كُوشِفَ أَنَّهُ نَجِسٌ أَوْ مَغْصُوبٌ، وَإِذَا كَانَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْهَا بِحَيْثُ لَا يَنْخَرِمُ لَهُ أَصْلٌ شَرْعِيٌّ في الظاهر، بل يصير منتفلا مِنْ جَائِزٍ إِلَى مَثْلِهِ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ فَرَضْنَا مُخَالَفَتَهُ لِمُقْتَضَى ذَلِكَ الْكَشْفِ إِعْمَالًا لِلظَّاهِرِ، وَاعْتِمَادًا عَلَى الشَّرْعِ فِي مُعَامَلَتِهِ بِهِ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَلَا لَوْمَ؛ إِذْ لَيْسَ الْقَصْدُ بِالْكَرَامَاتِ وَالْخَوَارِقِ أَنْ تَخْرِقَ أَمْرًا شَرْعِيًّا، وَلَا أَنْ تَعُودَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ بِالنَّقْضِ، كَيْفَ وَهِيَ نَتَائِجُ عَنْ اتِّباعه، فَمُحَالٌ أَنَّ يُنْتِجَ الْمَشْرُوعُ مَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، أَوْ يَعُودَ الْفَرْعُ عَلَى أَصْلِهِ بِالنَّقْضِ، هَذَا لَا يَكُونُ الْبَتَّةَ.
وَتَأَمَّلْ مَا جَاءَ فِي شَأْنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، إِذْ قَالَ ﵊: "إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا، فَهُوَ لِفُلَانٍ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا، فَهُوَ لِفُلَانٍ" ١، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَهِيَ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْمَكْرُوهِ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَلَمْ يُقِمِ الْحَدَّ عَلَيْهَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ: "لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ" ٢، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَيْمَانَ هِيَ الْمَانِعَةُ، وَامْتِنَاعُهُ مِمَّا هَمَّ بِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا تَفَرَّسَ بِهِ لَا حُكْمَ لَهُ حِينَ٣ شَرِعِيَّةِ الْأَيْمَانِ، وَلَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ بَعْدَ الْأَيْمَانِ مَا قَالَ الزَّوْجُ، لَمْ تَكُنِ الْأَيْمَانُ دَارِئَةً لِلْحَدِّ عَنْهَا.
وَالْجَوَابُ عَلَى٤ السُّؤَالِ الثَّانِي: أَنَّ الخوارق وإن صارت لهم كغيرها،
следующие страницы →