Полный текст (3 211 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ الْأَوَّلَ رَاجِعٌ إِلَى عَادَةٍ كُلِّيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ، وُضِعَتْ عَلَيْهَا الدُّنْيَا وَبِهَا قَامَتْ مَصَالِحُهَا فِي الْخَلْقِ، حَسْبَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ الِاسْتِقْرَاءُ، وَعَلَى وِفَاقِ ذَلِكَ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ أَيْضًا؛ فَذَلِكَ الْحُكْمُ الْكُلِّيُّ باقٍ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا؛ وَهِيَ الْعَادَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا مَعْلُومَةٌ لَا مَظْنُونَةٌ، وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي؛ فَرَاجِعٌ إِلَى عَادَةٍ جُزْئِيَّةٍ دَاخِلَةٍ تَحْتَ الْعَادَةِ الْكُلِّيَّةِ١، وَهِيَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الظَّنُّ لَا الْعِلْمُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُحْكَمَ بِالثَّانِيَةِ عَلَى مَنْ٢ مَضَى لِاحْتِمَالِ التَّبَدُّلِ وَالتَّخَلُّفِ بِخِلَافِ الْأُولَى.
وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا فِي الْقَضَاءِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ؛ لِتَكُونَ حُجَّةً فِي الْآخِرِينَ، وَيَسْتَعْمِلَهَا الْأُصُولِيُّونَ كَثِيرًا بِالْبِنَاءِ عَلَيْهَا، وَرَدِّ القضاء بالعلمية٣ إِلَيْهَا وَلَيْسَ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ بِصَحِيحٍ بِإِطْلَاقٍ، وَلَا فَاسِدٍ بِإِطْلَاقِ؛ بَلِ الْأَمْرُ فِيهِ يَحْتَمِلُ الِانْقِسَامَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَنْشَأُ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ قِسْمٌ ثَالِثٌ يَشْكُلُ الْأَمْرُ فِيهِ: هَلْ يُلْحَقُ بِالْأَوَّلِ فَيَكُونَ حجة، أم لا فلا يكون حجة؟
الحواشي
(١) ١ فالعادة الكلية أنه لا بد للإنسان من الطعام والمسكن والملبس، وتحت كل أنواع وهيئات كثيرة، صالحة لوقوع ذلك الكلي في ضمنها. "د".
٢ في الأصل: "ما".
٣ كذا في الأصل و"خ" و"ط" و"م"، وفي "د": "بالعامة.стр. 1157
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ١:
الْمَفْهُومُ مِنْ وَضْعِ الشَّارِعِ أَنَّ الطَّاعَةَ أَوِ الْمَعْصِيَةَ تَعْظُمُ بِحَسَبِ عِظَمِ الْمَصْلَحَةِ أَوِ الْمَفْسَدَةِ النَّاشِئَةِ عَنْهَا، وَقَدْ عُلِمَ مِنَ الشَّرِيعَةِ أَنَّ أَعْظَمَ الْمَصَالِحِ جريانُ الْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ الْخَمْسَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كُلِّ مِلَّةٍ، وَأَنَّ أَعْظَمَ الْمَفَاسِدِ مَا يَكِرُّ٢ بِالْإِخْلَالِ عَلَيْهَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا جَاءَ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَى الْإِخْلَالِ بِهَا؛ كَمَا فِي الْكُفْرِ وقتلِ النَّفْسِ وَمَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَمَا يَرْجِعُ إِلَى ذَلِكَ مِمَّا وُضِعَ لَهُ حَدٌّ أَوْ وَعِيدٌ٣، بِخِلَافِ مَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى حَاجِيٍّ أَوْ تَكْمِيلِيٍّ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَصَّ بِوَعِيدٍ فِي نَفْسِهِ، وَلَا بِحَدٍّ مَعْلُومٍ يَخُصُّهُ؛ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَمْرٍ ضَرُورِيٍّ، وَالِاسْتِقْرَاءِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى بَسْطِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
إِلَّا أَنَّ الْمَصَالِحَ وَالْمَفَاسِدَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا:
مَا بِهِ صَلَاحُ الْعَالَمِ أَوْ فَسَادِهِ، كَإِحْيَاءِ النَّفْسِ فِي الْمَصَالِحِ، وَقَتْلِهَا فِي الْمَفَاسِدِ.
وَالثَّانِي:
مَا بِهِ كَمَالُ ذَلِكَ الصَّلَاحِ أَوْ ذَلِكَ الْفَسَادِ، وَهَذَا الثَّانِي لَيْسَ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ هُوَ عَلَى مَرَاتِبَ، وَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ عَلَى مَرَاتِبَ أَيْضًا، فَإِنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْأَوَّلِ وَجَدْنَا الدِّينَ أَعْظَمَ الْأَشْيَاءِ، وَلِذَلِكَ يُهْمَلُ فِي جَانِبِهِ النَّفْسُ وَالْمَالُ وَغَيْرُهُمَا٤، ثُمَّ النَّفْسَ، وَلِذَلِكَ يُهْمَلُ فِي جَانِبِهَا اعْتِبَارُ قِوَامِ النسل والعقل
الحواشي
(١) ١ انظر حولها: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "٢٠-٤٨-٦١".
٢ أي: يرجع.
٣ في نسخة "ماء/ ص٢١٥": "حدًّا ووعيدًا".
٤ فالجهاد لحراسة الدين، ولتكون كلمة الله هي العليا تبذل في سبيله الأنفس والأموال والأولاد. "د".стр. 1158
وَالْمَالَ؛ فَيَجُوزُ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِمَنْ أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ عَلَى الزِّنَى أَنْ يَقِيَ نَفْسَهُ بِهِ١ وَلِلْمَرْأَةِ إِذَا اضْطُرَّتْ وَخَافَتِ الْمَوْتَ وَلَمْ تَجِدْ مَنْ يُطْعِمُهَا إِلَّا بِبَذْلِ بُضعِها؛ جَازَ لَهَا ذَلِكَ؛ وَهَكَذَا سَائِرُهَا.
ثُمَّ إِذَا نَظَرْنَا إلى بيع الغرر مثلا وجدنا الْمَفْسَدَةَ فِي الْعَمَلِ [بِهِ] ٢ عَلَى مَرَاتِبَ؛ فَلَيْسَ مَفْسَدَةُ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ كَمَفْسَدَةِ بَيْعِ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ الْحَاضِرَةِ الْآنَ وَلَا بَيْعِ الْجَنِينِ فِي الْبَطْنِ كَبَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ، وَهُوَ مُمْكِنُ الرُّؤْيَةِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةِ، وَكَذَلِكَ الْمَصَالِحُ فِي التَّوَقِّي عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتِ الطَّاعَةُ وَالْمُخَالَفَةُ تُنْتِجُ مِنَ الْمَصَالِحِ أَوِ الْمَفَاسِد أَمْرًا كُلِّيًّا ضَرُورِيًّا؛ كَانَتِ الطَّاعَةُ لَاحِقَةً بِأَرْكَانِ الدِّينِ، وَالْمَعْصِيَةُ كَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَإِنْ لَمْ تُنْتِجْ إِلَّا أَمْرًا جزئيا؛ فالطاعة٣ لَاحِقَةٌ بِالنَّوَافِلِ وَاللَّوَاحِقِ الْفَضْلِيَّةِ، وَالْمَعْصِيَةُ صَغِيرَةٌ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَلَيْسَتِ الْكَبِيرَةُ فِي نَفْسِهَا مَعَ كُلِّ مَا يُعَدُّ كَبِيرَةً عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ، وَلَا كُلُّ رُكْنٍ مَعَ مَا يُعَدُّ رُكْنًا عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ أَيْضًا، كَمَا أَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ فِي الطَّاعَةِ وَالْمُخَالَفَةِ لَيْسَتْ عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ؛ بَلْ لكل منها مرتبة تليق بها.
الحواشي
(١) ١ هذا القول حكاه بعضهم على إطلاقه وأخذ به سحنون، ولكنه شرط أن يكون المكره به هو المرأة نفسها، وأن لا يكون لها زوج، ومن حجة هذا المذهب أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَان﴾ جعل الإكراه على القول عذرا ينبغي أن يلحق به الفعل، ويحكم له بحكمه؛ إما على الإطلاق، أو على شرط أن لا يتعلق به حق لمخلوق. "خ".
قلت: انظر تفصيل المسألة في: "تفسير القرطبي" "١٠/ ١٨٦"، و"أحكام القرآن" "٣/ ١٠٧٤"، لابن العربي، و"الطرق الحكمية" "٤٧-٤٩"و"بدائع الصنائع" "٩/ ٤٤٨٤". و"الإكراه في الشريعة الإسلامية" "ص١٢٤ وما بعدها".
٢ سقطت من "ط".
٣ في "د": "فطاعة".стр. 1159
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ:
الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى المكلَّف التَّعَبُّدُ دُونَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي، وَأَصْلُ الْعَادَاتِ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْمَعَانِي١.
أَمَّا الْأَوَّلُ، فَيَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
مِنْهَا الِاسْتِقْرَاءُ؛ فَإِنَّا وَجَدْنَا الطَّهَارَةَ تَتَعَدَّى مَحَلَّ مُوجِبِهَا٢، وَكَذَلِكَ الصَّلَوَاتُ خُصَّتْ بِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى هَيْئَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، إِنْ خَرَجَتْ عَنْهَا لَمْ تَكُنْ عِبَادَاتٍ، وَوَجَدْنَا الموجِبَات فِيهَا تَتَّحِدُ مَعَ اخْتِلَافِ الموجَبَات٣، وَأَنَّ الذِّكْرَ الْمَخْصُوصَ٤ فِي هَيْئَةٍ مَا مَطْلُوبٌ، وَفِي هَيْئَةٍ أُخْرَى غير مطلوب، وأن
الحواشي
(١) ١ انظر في تقرير هذه القاعدة: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "٢٨/ ٣٨٥ وما بعدها".
وإعلام الموقعين" "١/ ٢٩٩-٣٠١"، والاعتصام للمصنف "٢/ ١٣٢-١٣٣"- ونقله عن مالك- والقواعد" لشيخ المصنف المقري "قاعدة" رقم ٧٣، ٧٤، ٢٩٦"، ونقله عن الشافعي، ونقل عن أبي حنيفة "الأصل التعليل حتى يتعذر"، وقال: "والحق أن ما لا يعقل معناه تلزم صورته وصفته" و"البرهان" "٢/ ٩٢٦" للجويني، و"تخريج الفروع على الأصول" "ص٣٨-٤٠" للزنجاني، و"مذكرة في أصول الفقه" "ص٣٤".
وقرر المصنف فيما مضى "١/ ٣٣٤" أن العبادات وضعت لمصالح العباد في الدنيا أو في الآخرة على الجملة وإن لم يعلم ذلك على التفصيل.
٢ هذا في الطهارة الحديثة بخلاف الثوب والبدن والمكان من الأخباث؛ فأنها لا تتعدى، بل تقف عند حد من أصيب بالنجاسة. "د".
٣ فالحيض والنفاس يسقطان الصلاة، ولا يسقطان الصوم ولا سائر العبادات المفروضة من أركان الإسلام. "د".
٤ هذا كثير؛ فالقنوت -وهو ذكر ودعاء- يطلب في بعض الصلوات دون بعض، والدعاء يطلب في السجود لا في الركوع، والنوافل تطلب في أوقات وتمنع فيما بعد صلاة الصبح إلى أن تشرق الشمس مثلا، وهكذا من أوقات النهي، وكل هذا لا يعرف إلا بموقف من قبل الوحي، وليس للعقل فيه مجال الخروج عما حد. "د".стр. 1160
طَهَارَةَ الْحَدَثِ مَخْصُوصَةٌ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ وَإِنْ أَمْكَنَتِ النطافة بِغَيْرِهِ، وَأَنَّ التَّيَمُّمَ -وَلَيْسَتْ فِيهِ نَظَافَةٌ حِسِّيَّةٌ- يَقُومُ١ مَقَامَ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ الْمُطَهِّرِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْعِبَادَاتِ؛ كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ٢، وَغَيْرِهِمَا؛ وَإِنَّمَا فَهِمْنَا مِنْ حِكْمَةِ التَّعَبُّدِ الْعَامَّةِ٣ الِانْقِيَادَ لِأَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِفْرَادِهِ بِالْخُضُوعِ، وَالتَّعْظِيمِ لِجَلَالِهِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ٤ لَا يُعْطِي عِلَّةً خَاصَّةً يُفهم مِنْهَا حُكْمٌ خَاصٌّ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يُحَدَّ لَنَا أَمْرٌ مَخْصُوصٌ، بَلْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِمُجَرَّدِ التَّعْظِيمِ بِمَا حُدَّ وَمَا لَمْ يُحَدَّ، ولكان المخالف لما حد غير ملوم إذا كَانَ التَّعْظِيمُ بِفِعْلِ الْعَبْدِ الْمُطَابِقِ لِنِيَّتِهِ حَاصِلًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ، فَعَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّ الْمَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ الْأَوَّلَ التَّعَبُّدُ لِلَّهِ بِذَلِكَ الْمَحْدُودِ، وَأَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ شَرْعًا.
وَالثَّانِي:
أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ التَّوْسِعَةَ فِي وُجُوهِ التَّعَبُّدِ بِمَا حُدَّ وَمَا لَمْ يُحَدَّ؛ لَنَصَبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ دَلِيلًا وَاضِحًا، كَمَا نَصَبَ عَلَى التَّوْسِعَةِ فِي وُجُوهِ الْعَادَاتِ أَدِلَّةً٥ لَا يُوقَفُ مَعَهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ دُونَ مَا شَابَهَهُ وَقَارَبَهُ وَجَامَعَهُ فِي الْمَعْنَى الْمَفْهُومِ مِنَ الْأَصْلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، ولكان ٦ ذلك يتسع في أبواب
الحواشي
(١) ١ أي: حيث لا يقوم الماء الطاهر غير المطهر الذي هو منقىً من كل أثر. "د".
٢ أي: فهما من الأمور المحدودة التي لا يفهم تحديدها من غير الشرع، ولا يستقل العقل بإدراك حدودها وحكمها. "د".
٣ في نسخة "ماء/ ص٢١٦" بدل "العامة كلمة "بالجميع".
٤ في نسخة ماء / ص٢١٦": "والتوجه إليه، لا غير ذلك؛ لأن هذا المقدار.....".
٥ كما في حديث معاذ لما بعثه إلى اليمن: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " إلى أن قال: "أجتهد رأيي ولا آلو"، فأقره على الاجتهاد برأيه في القضاء فيما لا نص فيه إذا جامع ما نص عليه في المعنى المفهوم منه". "د".
قلت: والحديث ضعيف، وسيأتي عند المصنف "٤/ ٢٩٨" وتخريجه هناك.
٦ مرتب على قوله: "لنصب"؛ أي: ولو نصب الأدلة لاتسع الأمر في العبادات، وقوله: ولما لم نجد.... إلخ" أي: ولما لم تقم الأدلة على التوسعة فيها، ولا وجدت فيها التوسعة؛ دل على المطلوب. "د".стр. 1161
الْعِبَادَاتِ، وَلَمَّا لَمْ نَجِدْ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَلْ عَلَى خِلَافِهِ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ الْوُقُوفُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَحْدُودِ؛ إِلَّا أَنْ يُتَبَيَّنَ بِنَصٍّ١ أَوْ إِجْمَاعٍ مَعْنًى مُرَادٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَلَا لَوْمَ عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ، فَلَيْسَ بِأَصْلٍ؛ وَإِنَّمَا الْأَصْلُ مَا عَمَّ فِي الْبَابِ وَغَلَبَ فِي٢ الْمَوْضِعِ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْمُنَاسِبَ فِيهَا٣ مَعْدُودٌ عِنْدَهُمْ فِيمَا لَا نَظِيرَ لَهُ٤، كَالْمَشَقَّةِ فِي قَصْرِ الْمُسَافِرِ وَإِفْطَارِهِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ٥.
وَإِلَى هَذَا؛ فَأَكْثَرُ الْعِلَلِ الْمَفْهُومَةِ الْجِنْسِ فِي أَبْوَابِ الْعِبَادَاتِ غير مفهومة
الحواشي
(١) ١ وذلك كما في قوله ﵊ فيمن وقصته الدابة: "لا تقربوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" فقد نص على حكمته عدم مسه بالطيب، فإذا حمل عليه كل من مات قبل تمام حجه، وأنه لا يمس بطيب لهذا لمعنى المتبين بالنص؛ فلا مانع منه، وهكذا ما كان من قبيله، وهو كمحترز لقوله: "يتسع"؛ أي: بل هو قليل كهذا. "د".
قلت: الحديث في "صحيح البخاري" "كتاب جزاء الصيد، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة ٤/ ٥٢/ رقم ١٨٣٩"، وغيره عن ابن عباس ﵄.
٢ في ط": "وغلب على....."
٣ المناسب: هو ما كانت له علة مفهومة وحكمة مناسبة، تدركها العقول، ويقر بها، وفيها؛ أي: في العبادات. وفي "ط": ما هو فيها".
٤ أي: إن المناسب وهو الوصف الذي اعتبر علة للحكم في العبادات عدوه من أقسام ما لا نظير له، وهو قسم مما عدل به عن سنن القياس، فالمشقة لم يعتد بها في غير الصوم وقصر الصلاة في السفر، ولو كانت المشقة أضعاف ما يحصل في السفر، وأصل القياس مبني على تعدية حكمة العلة لكل فرع وجدت فيه، فكان ذلك خروجا عن سنن القياس، وسمي هذا النوع لا نظير له، يعني: وهذا مما يضعف معنى التعليل في العبادات، ويرجع بها إلى التعبد؛ لأنه حتى عند فرض وجود النظر للمعنى فيها؛ فإنه يكون بحالة قاصرة. "د".
٥ ليكن على بالك ما قدمه في "ص٤٢"؛ ففيه تعليل لبعض الطاعات.стр. 1162
الْخُصُوصِ، كَقَوْلِهِ: "سَهَا١ فَسَجَدَ"٢ وَقَوْلِهِ: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" ٣، وَنَهْيِهِ عَنْ الصَّلَاةِ طَرَفَيِ النَّهَارِ"٤، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بأن
الحواشي
(١) ١ هذه الأمثلة من مسالك العلة الصريحة، فالترتيب بالفاء كزنى ماعز فرجم، والشرط في إذا، واللام في قوله: "أنها تطلع...... إلخ"، ولكنها كما يقول: لا يفهم منها الخصوص. "د".
٢ ورد سهوه ﷺ والسجود بسببه في كثير من الأحاديث، منها في "صحيح البخاري" "كتاب السهو ٣/ ٩٢ وما بعدها"، و"صحيح مسلم" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له ١/ ٣٩٨ وما بعدها".
وظفرت بعبارة فيها: "فسها، فسجد" ضمن حديث أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب الصلاة، باب ما جاء في التشهد في سجدتي السهو ٢/ ٢٤٠-٢٤١/ رقم ٣٩٥"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب سجدتي السهو فيهما تشهد وتسليم ١/ ٢٧٣/ رقم ١٠٣٩"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصلاة، باب ذكر الاختلاف على أبي هريرة في السجدتين ٣/ ٢٦" عن عمران بن حصين ﵁.
ووَهِم من قال: إن مراد المصنف حديث ذي اليدين؛ إذ ليس فيه هذه اللفظة، قاله الزركشي في "المعتبر" "رقم ١١٧".
٣ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور ١/ ٢٣٤/ رقم ١٣٥، وكتاب الحيل، باب في الصلاة ١٢/ ٣٢٩/ رقم ٦٩٥٤"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة ١/ ٢٠٤/ رقم ٢٢٥" عن أبي هريرة.
وورد نحوه عن غير واحد من الصحابة، وخرجتها في تعليقي على "الطهور" لأبي عبيد القاسم بن سلام "رقم ٥٤-٥٨".
٤ أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب مواقيت الصلاة، باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس ٢/ ٦١/ رقم ٥٨٨"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها ١/ ٥٦٦/ رقم ٨٢٥" عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس.
وفي الباب عن غير واحد من الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، منها عن ابن عمر وسيأتي قريبا.стр. 1163
الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ١.
وَكَذَلِكَ مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْخِلَافِيِّونَ فِي قِيَاسِ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ بِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تَعَدَّتْ مَحَلَّ مُوجَبِهَا، فَتَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ قِيَاسًا عَلَى التَّيَمُّمِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ مُنَاسِبٍ يَصْلُحُ لِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، بَلْ هُوَ مِنَ الْمُسَمَّى شُبَهًا٢، بِحَيْثُ لَا يَتَّفِقُ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ الْقَائِلُونَ، وَإِنَّمَا يَقِيسُ بِهِ مَنْ يَقِيسُ بَعْدَ أَنْ لَا يَجِدَ سِوَاهُ، فَإِذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ لَنَا عِلَّةٌ ظَاهِرَةٌ تَشْهَدُ لَهَا الْمَسَالِكُ الظَّاهِرَةُ٣؛ فَالرُّكْنُ الْوَثِيقُ الَّذِي يَنْبَغِي الِالْتِجَاءُ إليه
الحواشي
(١) ١ ورد ذلك في عدة أحاديث، منها ما أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس ٢/ ٥٨/ رقم ٥٨٢، وباب لا يُتحرى الصلاة قبل غروب الشمس ٢/ ٦٠/ رقم ٥٨٥، وكتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب مسجد قباء ٣/ ٦٨/ رقم ١١٩٢، وكتاب الحج، باب الطواف بعد الصبح والعصر ٣/ ٤٨٨ / رقم ١٦٢٩، وكتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده ٦/ ٣٣٥/ رقم ٣٢٧٣"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها ٢/ ٥٦٧" عن ابن عمر مرفوعا: "ولا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها؛ فإنها تطلع بقرني شيطان" لفظ مسلم، ولفظ البخاري في آخر موطن مذكور: "ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، أو الشيطان".
٢ الراجح أن هذا النوع من القياس ليس بحجة؛ فإنه لخلوه من إدراك المناسبة لا يفيد ظن العلية ظنا يعتد به في تقرير أحكام الله، ثم إن المعتمد في إثبات القياس عمل الصحابة ولم يثبت عنهم أنهم تمسكوا به في حال. "خ".
٣ هي المناسبة، والنص بأنواعه، والإجماع، والسبر والتقسيم ثم الدوران، أما الشبه، فليس من المسالك عند الشافعية، قال السبكي: "وقد كثر التشاجر في تعريف هذه المنزلة، ولم أجد لأحد تعريفا صحيحا فيها"، ثم قال: "إنه يطلق على معانٍ، والمراد به هنا وصف مناسبته للحكم ليست بذاته، بل بسبب مشابهته للوصف المناسب لذاته شبها خاصا؛ أي: يشبهه فيما يظن كونه علة الحكم أو مستلزما لها، سواء أكانت المشابهة في الصورة أم المعنى، وذلك كالطهارة =стр. 1164
الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حُدَّ، دُونَ التَّعَدِّي إِلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا الشَّرِيعَةَ حِينَ اسْتَقْرَيْنَاهَا تَدُورُ عَلَى التَّعَبُّدِ فِي بَابِ الْعِبَادَاتُ، فَكَانَ أَصْلًا فِيهَا.
وَالثَّالِثُ:
أَنَّ وُجُوهَ التَّعَبُّدَاتِ فِي أَزْمِنَةِ الْفَتَرَاتِ لَمْ يهتدِ إِلَيْهَا الْعُقَلَاءُ اهْتِدَاءَهُمْ لِوُجُوهِ مَعَانِي الْعَادَاتِ؛ فَقَدْ رَأَيْتُ الْغَالِبَ فِيهِمُ الضَّلَالَ فِيهَا١، وَالْمَشْيَ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ، وَمِنْ ثَمَّ حَصَلَ التَّغْيِيرُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَقِلُّ بِدَرْكِ مَعَانِيهَا وَلَا بِوَضْعِهَا، فَافْتَقَرْنَا إِلَى الشَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ الأمر كذلك عذر٢ أهل الفترات في
الحواشي
(١) = لاشتراط النية؛ فإنها تناسبه بواسطة كونها عبادة بخلاف الإسكار لحرمة الخمر؛ فإنه مناسب لها بذاته، بحيث يدرك العقل مناسبته لها وإن لم يرد به الشرع، وحينئذ؛ فالشبه -أي هذا النوع من المسالك- يحتاج في إثبات عليته إلى دليل مثبت للعلية، ولذلك قيل في تعريفه: وصف لم تثبت مناسبته للحكم إلا بدليل منفصل، مثاله أن يقال في إلحاق إزالة الخبث بإزالة الحدث في تعين الماء لها: طهارة تراد للصلاة، فلا يجزي فيها غير الماء كالوضوء، فكون كل منهما طهارة تراد للصلاة هو الوصف الجامع بينهما لتعين الماء لهما، وهو وصف شبهي لا تظهر مناسبته لتعين الماء في إزالة الخبث، وقالوا: إنه إذا ثبت بأحد مسالك العلة المعتبرة أن وصف كون الطهارة تراد للصلاة يصح علة تعين الماء لإزالة الخبث لزم، وإلا، فلا يوجبه مجرد اعتبار الماء في الحدث"، ومثله أيضا مثال المؤلف، قال ابن الحاجب: "وتثبت عليه الشبه بجميع المسالك"، وفي شرحه: وقد يقال: الشبه للوصف المجامع لآخر إذا تردد به الفرع بين أصلين، فالأشبه فيهما هو الشبه، كالنفسية والمالية في العبد المقتول تردد بين الحر والفرس مثلا، وهو بالحر أشبه؛ لأن مشاركته له في الأوصاف والأحكام أكثر؛ فتتعارض مناسبتان، فترجع إحداهما، ولكنه ليس من الشبه الذي فيه كلام المؤلف بدليل مثاله. "د".
قلت: انظر عن مسالك العلة "٣/ ١٣٦-١٣٧".
١ أي: الفترات، وانظر: "حجة الله البالغة" "٢/ ١٤٦".
٢ هذا مذهب الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، كما في "الحاوي" "٢/ ٣٥٣" للسيوطي، و"تعظيم المنة" "ص١٦٧"، و"فتاوى ابن رشد" "٣/ ٦٥٢"، ومذهب المعتزلة والماتريدية أنهم في النار؛ إذ عليهم أن يستدلوا بعقولهم؛ انظر: "جمع الجوامع" "١/ ٦٢"=стр. 1165
عَدَمِ اهْتِدَائِهِمْ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾ [النساء: ١٦٥] .
والحجة ها هنا هِيَ الَّتِي أَثْبَتَهَا الشَّرْعُ فِي رَفْعِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الرُّجُوعِ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى مُجَرَّدِ مَا حَدَّهُ الشَّارِعُ، وَهُوَ مَعْنَى التَّعَبُّدِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ الْوَاقِفُ مَعَ مُجَرَّدِ الِاتِّبَاعِ فِيهِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، وَأَجْرَى عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَهُوَ رَأْيُ مَالِكٍ١ ﵀؛ إِذْ لَمْ يَلْتَفِتْ فِي رَفْعِ الْأَحْدَاثِ إِلَى مُجَرَّدِ النَّظَافَةِ حَتَّى اشْتَرَطَ النِّيَّةَ وَالْمَاءَ الْمُطْلَقَ، وَإِنْ حَصَلَتِ النَّظَافَةُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَامْتَنَعَ مِنْ إِقَامَةِ غَيْرِ التَّكْبِيرِ مَقَامَهُ وَالتَّسْلِيمِ كَذَلِكَ، وَمَنَعَ مِنْ إِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ الْعَدَدِ فِي الْكَفَّارَاتِ؛ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُبَالَغَاتِهِ الشَّدِيدَةِ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى مَحْضِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْ مَا مَاثَلَهُ، فَيَجِبُ أَنَّ يُؤْخَذَ فِي هَذَا الضَّرْبِ التَّعَبُّدُ دُونَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي أَصْلًا يبنى٢ عليه، وركنا يُلجأ إليه.
الحواشي
(١) = السبكي، و"المسامرة" "ص٢٧٤-٢٧٥/ مع نتائج المذاكرة"، ومذهب أهل السنة والجماعة أنهم يُمتحنون في عرصات القيامة بنار يأمرهم الله بدخولها، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن لم يدخلها يدخله الله فيها، وعلى هذا أدلة كثيرة، انظرها في: "الجواب الصحيح" "١/ ٣١٢"، والا عتقاد" "ص٩١-٩٢" للبيهقي -واختار هذا القول- و"طريق الهجرتين" "ص ٦٨٩ وما بعدها" و"تفسير ابن كثير" "٣/ ٣٥"، وفتح الباري" "٣/ ٤٥-٤٦"، و"الفصل في الملل والأهواء والنحل" "٤/ ٧٤"، و"أضواء البيان" "٣/ ٤٨٣".
١ الفروع المذكورة ليست من انفرادات مالك رحمه الله تعالى، بل قال بأغلبها الشافعي وأحمد أيضا، انظر مثلا: الفرع الأول في "الطهور" لأبي عبيد "ص ٢٠١ وما بعدها مع تعليقنا عليه".
٢ في "ط": ينبني".стр. 1166
فَصْلٌ:
وَأَمَّا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَادَاتِ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْمَعَانِي، فَلِأُمُورٍ:
أَوَّلُهَا:
الِاسْتِقْرَاءُ، فَإِنَّا وَجَدْنَا الشَّارِعَ قَاصِدًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَالْأَحْكَامُ الْعَادِيَّةُ١ تَدُورُ [مَعَهُ] ٢ حَيْثُمَا دَارَ، فَتَرَى الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يُمْنَعُ فِي حَالٍ لَا تَكُونُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ جَازَ، كَالدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمِ إِلَى أَجَلٍ، يَمْتَنِعُ فِي الْمُبَايَعَةِ٣، وَيَجُوزُ فِي الْقَرْضِ، وَبَيْعِ الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ، يَمْتَنِعُ حَيْثُ يَكُونُ مُجَرَّدَ غَرَرٍ وَرِبَا مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ، وَيَجُوزُ إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ٤، وَلَمْ نَجِدْ هَذَا فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ مَفْهُومًا كَمَا فَهِمْنَاهُ فِي الْعَادَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٩] .
وَقَالَ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٨] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانٌ" ٥.
وَقَالَ: "لَا ضَرَرَ ولا ضرار" ٦.
الحواشي
(١) ١ أي: الأحكام المتعلقة بالعادات نظير الأحكام العبادية.
٢ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
٣ لما فيها من المشاحة والمغالبة، وقصد الاستفادة المالية بخلاف القرض الذي هو لوجه الله خاصة، ففيه تزكية نفس المقرض كالصدقة، وفيه تنفيس كُرَب الناس، ويقع* الحرج إذا منع القرض أيضا. "د".
قلت: ويمكن التمثيل على ما ذكره المصنف سابقا بالتسعير.
٤ كما في ثمر العرايا توسعة على الخلق، ولرفع الحرج والضرر على المعري، إذا تردد المعرى داخل بستانه ونخله، فكان منع ذلك مؤديا إلى ألا يعري أحد أحدا نخله. "د".
٥ مضى تخريجه "ص٢٣١".
٦ مضى تخريجه "ص٧٢".
_________
* في المطبوع: "ويرفع".стр. 1167
وقال: "القاتل لا يرث" ١.
الحواشي
(١) ١ أخرج النسائي في "الكبرى" "كتاب الفرائض"-كما في "تحفة الأشراف" "٦/ ٢٢٠"، والدارقطني في "السنن" "٤/ ٩٦"، وابن عدي في "الكامل" "١/ ٢٩٣"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "٦/ ٢٢٠" من طريق إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ، قال: "ليس للقاتل من الميراث شيء".
ثم أخرجه ابن عدي في "الكامل" "١/ ٢٩٣"، والدارقطني من طريق إسماعيل بن عياش عن ابن جريج ويحيى بن سعيد، وزاد الدارقطني: "والمثنى بن الصباح عن عمرو به، إسناده ضعيف، إسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين، وهذا منها، إلا أنه توبع، فقد أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الديات، باب ديات الأعضاء، ٤/ ١٨٩-١٩٠/ رقم ٤٥٦٤"، والبيهقي من طريق محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب به، وذكر حديثا طويلا فيه: "ليس للقاتل شيء، وإن لم يكن له وارث، فوارثه أقرب الناس إليه، ولا يرث القاتل شيئا" وإسناده فيه ضعف أيضا، سليمان صدوق، فقيه في حديثه بعض اللين، والراوي عنه ابن راشد صدوق يهم.
ولكن للحديث شواهد عديدة، منها حديث أبي هريرة بلفظ المصنف، أخرجه الترمذي في "الجامع" "٢١٠٩"، وابن ماجه في "السنن" "رقم ٢٦٤٥، ٢٧٣٥"، والدارقطني في "السنن" "٤/ ٩٦"، والبيهقي في "الكبرى" "٦/ ٢٢٠"، وابن عدي في "الكامل" "١/ ٣٢٢" بسند ضعيف فيه إسحاق بن عبيد الله بن أبي فروة، قال الترمذي عقبه: "هذا حديث لا يصح، لا يعرف إلا من هذا الوجه، وإسحاق بن عبيد الله بن أبي فروة قد تركه بعض أهل الحديث منهم أحمد بن حنبل"، وقال البيهقي: "إسحاق بن عبيد الله لا يحتج به، إلا أن شواهده تقويه".
قلت: نعم هو صحيح بشواهده، منها حديث عمر، أخرجه أحمد في "المسند" "١/ ٤٩"، وابن ماجه في "السنن" "رقم ٢٦٤٦"، والبيهقي في "الكبرى" "٦/ ٢١٩"، والدارقطني في "السنن" "٤/ ٩٦"، ومنها حديث ابن عباس أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "٦/ ٤٠٤"/ رقم ١٧٧٨٧"، ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" "٦/ ٢٢٠".
وانظر: "التلخيص الحبير" "٣/ ٨٥"، و"نصب الراية" "٤/ ٤٢٨"، و"الإرواء" "رقم ١٦٧٠-١٦٧٢".стр. 1168
"وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ"١.
وَقَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" ٢.
وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ
الحواشي
(١) ١ أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة والذي فيه غرر، ٤/ ١١٥٣/ رقم ١٥١٣" عن أبي هريرة قال: نهى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ بيع الحصاة، وعن بيع الغرر"، وبيع الحصاة فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها:
أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة.
والثاني:
أن يقول: بعتك على أنك بالخيار إلى أن أرمي هذه الحصاة.
والثالث:
أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعا، فيقول: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة، فهو مبيع منك بكذا.
وبيع الغرر: النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق والمعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن..... ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة، ومعنى الغرر الخطر والغرور والخداع، وعلم أن بيع الملامسة وبيع المنابذة وبيع حبل الحبلة وبيع الحصاة وعسيب الفحل وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة هي داخلة في النهي عن الغرر، ولكن أفردت بالذكر ونهي عنها لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة.
٢ أخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام ٣/ ١٥٨٧/ رقم ٢٠٠٢" عن جابر مرفوعا: "كل مسكر حرام".
وأخرج برقم "٢٠٠٣" عن ابن عمر مرفوعا: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام".
وأخرج البخاري في "صحيحه" كتاب الأشربة، باب الخمر من العسل، ١٠/ ٤١/ رقم ٥٥٨٥" ومسلم في "صحيحه" كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، ٣/ ١٥٨٥/ رقم ٢٠٠١" عن عائشة، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع؟ فقال: "كل شراب أسكر، فهو حرام".стр. 1169
وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] .
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى، وَجَمِيعُهُ يُشِيرُ بَلْ يُصَرِّحُ بِاعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ لِلْعِبَادِ، وَأَنَّ الْإِذْنَ دَائِرٌ مَعَهَا أَيْنَمَا دَارَتْ، حَسْبَمَا بَيَّنَتْهُ مَسَالِكُ الْعِلَّةِ١، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَادَاتِ مِمَّا اعْتَمَدَ الشَّارِعُ فِيهَا الِالْتِفَاتَ إِلَى الْمَعَانِي.
وَالثَّانِي:
أَنَّ الشَّارِعَ تَوَسَّعَ٢ فِي بَيَانِ الْعِلَلِ وَالْحِكَمَ فِي تَشْرِيعِ بَابِ الْعَادَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ، وَأَكْثَرُ مَا عَلَّلَ فِيهَا بِالْمُنَاسِبِ الَّذِي إِذَا عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ٣، فَفَهِمْنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّارِعَ قَصَدَ فِيهَا اتِّبَاعَ الْمَعَانِي، لَا الْوُقُوفَ٤ مَعَ النُّصُوصِ، بِخِلَافِ بَابِ الْعِبَادَاتِ٥، فَإِنَّ الْمَعْلُومَ فِيهِ خِلَافُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَوَسَّعَ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَالِكٌ ﵀، حَتَّى قَالَ فِيهِ بِقَاعِدَةِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ٦، وَقَالَ فِيهِ بِالِاسْتِحْسَانِ٧، ونُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّهُ تسعة أعشار
الحواشي
(١) ١ وما ذكره من الأمثلة الثانية من باب مسلك التنبيه والإيماء الذي هو ترتيب الحكم على الوصف، فيفهم لغة أنه علة له؛ ولذا جعلوه من مسلك النص غير الصريح "د".
٢ كمقابل لقوله في الوجه الثاني في العبادات: "ولكان ذلك يتسع في أبواب العبادات". "د".
٣ هذا هو تعريف أبي زيد للمناسب، وعرفه غيره بأنه وصف ظاهر منضبط يحصل عقلا من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا للعقلاء، وهو حصول مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها، وقالوا: إن تعريف أبي زيد لا يمكن إثباته في المناظرة؛ إذ يقول الخصم لا يتلقاه عقلي بالقبول، وإن كان التعريفان متقاربين في المعنى "د".
٤ في نسخة "ماء/ ص٢١٧": "بالوقوف".
٥ ليكن على بالك ما قرره المصنف "١/ ١١١" أن تلمس "الحكم" في هذا الباب من ملح العلم لا من متنه عند المحققين، وهذا ما ذكره شيخ المصنف المقري في كتابه "القواعد" "٢/ ٤٠٦".
"٦و ٧" بيان المقام على وجه يشفي النفس يرجع فيه إلى كتاب "الاعتصام" "٢/ ٦٠٧وما بعدها -ط ابن عفان" للمؤلف في تحديدهما وتمثيلهما. "د". =стр. 1170
الْعِلْمِ"، حَسْبَمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ١.
وَالثَّالِثُ:
إِنَّ الِالْتِفَاتَ إِلَى الْمَعَانِي قَدْ كَانَ مَعْلُومًا فِي الْفَتَرَاتِ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْعُقَلَاءُ، حَتَّى جَرَتْ بِذَلِكَ مَصَالِحُهُمْ، وَأَعْمَلُوا كُلِّيَّاتِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ، فَاطَّرَدَتْ لَهُمْ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْحِكْمَةِ الْفَلْسَفِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَصَّرُوا فِي جُمْلَةٍ مِنَ التَّفَاصِيلِ، فَجَاءَتِ الشَّرِيعَةُ لِتُتِمَّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ جَاءَتْ مُتَمِّمَةً لِجَرَيَانِ التَّفَاصِيلِ فِي الْعَادَاتِ عَلَى أُصُولِهَا المعهودات، ومن ههنا أَقَرَّتْ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ جُمْلَةً مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي جَرَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَالدِّيَةِ، وَالْقِسَامَةِ، وَالِاجْتِمَاعِ٢ يَوْمَ الْعَرُوبَةِ -وَهِيَ الْجُمْعَةُ- لِلْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ، وَالْقِرَاضِ، وَكُسْوَةِ الْكَعْبَةِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ عِنْدَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مَحْمُودًا، وَمَا كَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الْعَوَائِدِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي تَقْبَلُهَا الْعُقُولُ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّمَا كَانَ٣ عِنْدَهُمْ مِنَ التَّعَبُّدَاتِ الصَّحِيحَةِ فِي الْإِسْلَامِ أُمُورٌ نَادِرَةٌ مَأْخُوذَةٌ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇.
الحواشي
(١) = وقال "خ": "هي مصلحة يتلقاها العقل بالقبول، ولا يشهد أصل خاص من الشريعة بإلغائها أو اعتبارها، وإنما يتمسك بها الإمام مالك على شرط التئامها بالمصالح التي تشهد لها الأصول، وقد اعترض القول بها إمام الحرمين من وجهين: أحدهما أنها تستلزم المفسدة من وجهين، أحدهما تحكيم العوام بحسب آرائهم في ملاءمتهم ومنافرتهم، والثاني اختلاف الأحكام باختلاف الأشخاص والبقاع والأوقات، وأجاب المالكية عن ذلك بأن الحكم في المصلحة منوط بالاجتهاد؛ لأنه دليل حكم لا حكم حتى يعمل بها العامي، وعن الثاني بالتزامه وهو معنى دوام الشريعة ومناسبتها لكل زمان" قلت: مقولة مالك في "العتبية" "٤/ ١٥٥- مع الشرح"، وانظر: "الذخيرة" "١/ ١٥٢-١٥٣- ط دار الغرب" للقرافي، و"أساس القياس" "ص ٩٨-٩٩" للغزالي.
١ انظر: "٥/ ١٩٨".
٢ أي: باعتبار ما فيه من المصلحة العامة، حتى يكون مما نحن فيه، لا من جهة كون الصلاة وسماع الخطبة عبادة. "د".
٣ من تتمة الدليل الثالث. "د".стр. 1171
فَصْلٌ:
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، وَأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَادَاتِ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْمَعَانِي، فَإِذَا وُجِدَ فِيهَا التَّعَبُّدُ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّسْلِيمِ وَالْوُقُوفِ مَعَ الْمَنْصُوصِ، كَطَلَبِ الصَّدَاقِ١ فِي النِّكَاحِ، وَالذَّبْحِ فِي [الْمَحَلِّ الْمَخْصُوصِ٢ فِي] الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ، وَالْفُرُوضِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الْمَوَارِيثِ، وَعَدَدِ الْأَشْهُرِ فِي الْعِدَدِ الطَّلَاقِيَّةِ وَالْوَفَوِيَّةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَجَالَ لِلْعُقُولِ فِي فَهْمِ مَصَالِحِهَا الْجُزْئِيَّةِ، حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهَا غَيْرُهَا، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الشُّرُوطَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي النِّكَاحِ مِنَ الْوَلِيِّ وَالصَّدَاقِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، لِتَمْيِيزِ النِّكَاحِ عَنِ السِّفَاحِ، وَأَنَّ فُرُوضَ الْمَوَارِيثِ تَرَتَّبَتْ عَلَى تَرْتِيبِ الْقُرْبَى مِنَ الْمَيِّتِ، وَأَنَّ الْعِدَدَ وُالِاسْتِبْرَاءَاتِ الْمُرَادُ بِهَا اسْتِبْرَاءُ الرَّحِمِ خَوْفًا مِنْ اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَلَكِنَّهَا أُمُورٌ جُمْلِيَّةٌ، كَمَا أَنَّ الْخُضُوعَ وَالتَّعْظِيمَ وَالْإِجْلَالَ عِلَّةُ شَرْعِ الْعِبَادَاتِ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ لَا يَقْضِي بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ فِيهَا، بِحَيْثُ يُقَالُ: إِذَا حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ بِأُمُورٍ أُخَرَ مَثَلًا لَمْ تُشْتَرَطْ تِلْكَ الشُّرُوطُ، وَمَتَى عُلِمَ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ لَمْ تُشْرَعِ الْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ وَلَا بِالْأَشْهُرِ، وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: وَهَلْ تُوجَدُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ التَّعَبُّدِيَّاتِ عِلَّةٌ يُفْهَمُ مِنْهَا مَقْصِدَ الشَّارِعِ. عَلَى الْخُصُوصِ أَمْ لَا؟
الحواشي
(١) ١ تأمل، فإن فيه المعنى الذي أشارت إليه الآية: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ، أي: فالصداق والنفقة مكملان لحق القيامة والرياسة للأزواج عليهن، وسيأتي للمؤلف تعليله بتمييز النكاح عن السفاح، وإن كان قد يقال: إن الزنا فيه دفع مال من الزاني للبغي. "د".
٢ أي: مع أن تطهير الرحم من الدم الذي هو مسكن الجراثيم المرضية غالبا قد لا يتوقف على خروجه من الودجين والحلقوم، وليراجع أهل الذكر في هذا فقد يكون له علة ومعنى مقصود. "د".
قلت: وما بين المعقوفتين سقط من الأصل.стр. 1172
فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا أُمُورُ التَّعَبُّدَاتِ، فَعِلَّتُهَا الْمَطْلُوبَةُ مُجَرَّدُ الِانْقِيَادِ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَلِذَلِكَ لَمَّا سُئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ قَضَاءِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ دُونَ الصَّلَاةِ، قَالَتْ لِلسَّائِلَةِ: "أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ " إِنْكَارًا عَلَيْهَا أَنْ يُسْئَلَ عَنْ مِثْلِ هَذَا؛ إِذْ لَمْ يُوضَعْ التَّعَبُّدُ أَنْ تَفْهَمَ عِلَّتَهُ الْخَاصَّةَ، ثُمَّ قَالَتْ: "كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ"١، وَهَذَا يُرَجِّحُ التَّعَبُّدَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْمَشَقَّةِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ فِي مَسْأَلَةِ تَسْوِيَةِ الشَّارِعِ بين دية الأصابع: "هي السنة با ابْنَ أَخِي"٢، وَهُوَ كَثِيرٌ، وَمَعْنَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ لَا عِلَّةَ.
وَأَمَّا الْعَادِيَّاتُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَيْضًا، فَلَهَا مَعْنًى مَفْهُومٌ، وَهُوَ ضَبْطُ وَجُوهِ الْمَصَالِحِ؛ إِذْ لَوْ تُرِكَ الناسُ والنظرَ لَانْتَشَرَ٣ وَلَمْ يَنْضَبِطْ، وَتَعَذَّرَ الرُّجُوعُ إِلَى أَصْلٍ شَرْعِيٍّ، وَالضَّبْطُ أَقْرَبُ إِلَى الِانْقِيَادِ مَا وُجِدَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ، فَجَعَلَ الشَّارِعُ لِلْحُدُودِ مَقَادِيرَ مَعْلُومَةً، وأسباب معلومة لا تتعدي، كالثمانين في القذف، والمئة وتغريب العام في الزنا على غير إخصان، وخص قطع اليد بالكوع٤ وفي
الحواشي
(١) ١ أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة ١/ ٢٦٥/ رقم ٣٣٥".
وقولها ﵂: "أحرورية أنت؟ " أي: أنت تنتسبين إلى الحروريين، وهم جماعة خالفوا عليا ﵁ من الخوارج، يبالغون في العبادات، ينتسبون إلى حروراء، قرية بالكوفة على ميلين منها. "ماء / ص٢١٨".
٢ نحوه في "معالم السنن" للخطابي "٤/ ٢٨"، و"فقه الإمام سعيد بن المسيب" "٤/ ٦٧"، وسيأتي بتمامه في "٥/ ٣٨٧".
٣ أي: لتشتت وكثر فيه الخلاف والتفرق.
٤ اختلف أهل اللغة فيه على أقوال:
الأول:
هو طرف الزند الذي يلي الإبهام، نقله الجوهري في "الصحاح" "٣/ ١٢٧٨"، وبه قال ابن السكيت، كما في "تهذيب اللغة" "٣/ ٤١"، وكذا في "المحكم" "٢/ ٢٠٠" لابن سيده، و"الكليات" "٥/ ١٢٤" للكفوي. =стр. 1173
النِّصَابِ الْمُعَيَّنِ١، وَجَعَلَ مَغِيبَ الْحَشَفَةِ حَدًّا فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ، وَكَذَلِكَ الْأَشْهُرُ وَالْقُرُوءُ فِي الْعِدَدِ، والنصاب والحول في الزكوات، وَمَا لَا يَنْضَبِطُ رُدَّ إِلَى أَمَانَاتِ الْمُكَلَّفِينَ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسَّرَائِرِ، كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَسَائِرِ مَا لَا يُمْكِنُ رُجُوعُهُ إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ ظَاهِرٍ، فَهَذَا مِمَّا قَدْ يُظَنُّ الْتِفَاتُ الشَّارِعِ إِلَى الْقَصْدِ إِلَيْهِ.
وَإِلَى هذا المعنى٢ يشير أصل سد الذارئع، لَكِنْ لَهُ نَظَرَانِ:
نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ تَشَعُّبِهِ وَانْتِشَارِ وُجُوهِهِ إِذَا تَتَبَّعْنَاهُ، كَمَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ مَثَلًا، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ التَّكْلِيفَاتِ ثَبَتَ كَوْنُهَا مَوْكُولَةً إِلَى أَمَانَةِ الْمُكَلَّفِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُلتفت مِنْهُ٣ إِلَّا إلى المنصوص عليه.
الحواشي
(١) = الثاني:
هو طرف الزند في الذراع مما يلي الرسغ، نقله الليث، وقال: "هكذا زعمه أبو الدفيش الأعرابي، وهما كوعان، كذا في "تاج العروس" "٢٢/ ١٤١-١٤٢"، واللسان" "٨/ ٣١٦، و"تهذيب اللغة" "٣/ ٤١".
والثالث:
من الأقوال: أنه أخفاهما وأشدهما درمة، وهذا نقله الصاغاني في "العباب"، وفسر "الدرم" بالتحريك بأن لا يظهر للعظم حجم، وكذا في "التاج" "٢٢/ ١٤٢".
فهذه ثلاثة أقوال في تفسير "الكوع" ذكرها الزبيدي في "القول المسموع في الفرق بين الكوع والكرسوع" "ص١٩-٢١"، والمراد والله أعلم من كلام المصنف القول الثاني.
١ يعني: نصاب القطع في السرقة.
٢ أي: فقاعدة سد الذرائع -التي هي منع الشارع لأشياء لجرِّها إلى منهي عنه، والتوسل بها إليه- هذه القاعدة تلتئم وتتناسب تمام المناسبة مع المعنى، وهو ضبط وجوه المصالح خشية الانتشار وتعذر الرجوع إلى أصل شرعي، والضبط في هذا أقرب إلى الانقياد، لكن السد الذرائع نظران..... إلخ، أي: فلا يؤخذ هكذا بطريق كلي بل لا بد فيه من إدخاله تحت هذا الضابط الذي قرره. "د".
٣ أي: من المعنى المذكور إلا ما نص عليه من الشارع بذكر ضوابطه؛ لأن كثيرا من التكاليف وَكَّلَها الشارع إلى أمانة المكلف، فلا نتوسع في ضبطها وتقييدها بحجة سد الذرائع وخوف الانتشار، والنظر الآخر أنه وإن انتشرت فروعه؛ لكن له ضوابط سهلة المأخذ يمكن التعويل عليها، فمتى أمكن إجراء الضوابط في مظانها أخذ بها وعول عليها، فيكون هذا توسطا بين الأمرين وإعمالا لكلا النظرين. "د".стр. 1174
وَنَظَرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ لَهُ ضَوَابِطَ قَرِيبَةَ الْمَأْخَذِ وَإِنِ انْتَشَرَتْ فُرُوعُهُ، وَقَدْ فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ الِالْتِفَاتُ إِلَى كليِّه، فَلْيَجْرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فِي مَظَانِّهِ، وَقَدْ مَنَعَ الشَّارِعُ مِنْ أَشْيَاءَ من جهة جرها إلى منهي عنه والتسول بِهَا إِلَيْهِ، وَهُوَ أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ قَدْ اعْتَبَرَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ، فَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِهِ، وَمِنَ النَّاسِ مِنْ تَوَسَّطَ بِنَظَرٍ ثَالِثٍ، فَخَصَّ هَذَا الْمُخْتَلَفَ فِيهِ بِالظَّاهِرِ١، فَسَلَّطَ الْحُكَّامَ عَلَى مَا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ مِنْهُ ضَبْطًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَوَكَّلَ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلى أمانته.
الحواشي
(١) ١ كان النظرين السابقين لم يفرق فيهما بين الظواهر والسرائر لكن هذا الثالث فرق بينهما بما قاله. "د".стр. 1175
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ:
كُلُّ مَا ثَبَتَ فِيهِ اعْتِبَارُ التَّعَبُّدِ؛ فَلَا تَفْرِيعَ فِيهِ١، وَكُلُّ مَا ثَبَتَ فِيهِ اعْتِبَارُ الْمَعَانِي دُونَ التَّعَبُّدِ٢؛ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنِ اعْتِبَارِ التَّعَبُّدِ؛ لِأَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا:
أَنَّ مَعْنَى الِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ لَازِمٌ لِلْمُكَلَّفِ٣ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُكَلَّفٌ، عَرَفَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَ الْحُكْمُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ، بِخِلَافِ اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ، فَإِنَّهُ عَبْدٌ مُكَلَّفٌ، فَإِذَا أَمَرَهُ سَيِّدُهُ لَزِمَهُ امْتِثَالُ أَمْرِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، بِخِلَافِ الْمَصْلَحَةِ؛ فَإِنَّ اعْتِبَارَهَا غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَبْدٌ مُكَلَّفٌ عَلَى رَأْيِ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالتَّعَبُّدُ لَازِمٌ لَا خِيَرَةَ فِيهِ، وَاعْتِبَارُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ الْخِيَرَةُ، [وَمَا فِيهِ الْخِيَرَةُ] ٤ يَصِحُّ تَخَلُّفُهُ عَقْلًا، وإذا وقع الأمر
الحواشي
(١) ١ أي: لا يقاس فيه ولما كانت هذه الدعوى الأولى واضحة لم يستدل عليها، وإن كان يؤخذ التنبيه عليها أثناء الاستدلال على الدعوى الثانية، ولم يقل: "ففيه التفريع"؛ لأنه مع كونه متشعب الخلاف بين القائلين بالقياس، فإن الذي يعنيه هو إثبات أن فيه أيضا نوع من التعبد بمعنى من المعاني التي سيقررها. "د".
٢ أي: دون أن يثبت التعبد، وليس الغرض أن يثبت اعتبار عدم التعبد، وإلا لتناقض الكلام، وقوله: "فلا بد فيه من اعتبار التعبد" ليس المراد به التعبد بالمعنى الخاص المتقدم الذي يجب ألا يدخله القياس والتفريع، بل المراد به أن يكون لله فيه حق، إذا قصده المكلف بالفعل أثيب، وتكون مخالفته قبيحة يستحق العقاب عليها، وينضم إليه معنى آخر وهو أنه لا بد لنا في كل مصلحة عرفناها من وقفة عندها: هل تعينت هذه العلة للمصلحة بحيث لا يكون للحكم علة ومصلحة إلا هذه؟ فهذا التوقف نوع من التعبد، بمعنى عدم معقولية المعنى تعقلا كاملا، وغير ذلك من المعاني الآتية التي يتقرر بها معنى التعبد في الأوجه المذكورة بعد، فالتعبد هنا بمعنى عام لا ينافي القياس والتفريع إذا وجدت شروطه. "د".
٣ أي: فعليه الانقياد ولا يخلص من التكليف إلا بالامتثال بخلاف تحقيق المصلحة وتحصيلها، فغير لازم بل نفس معرفة المصلحة في التكليف غير لازمة فضلا عن قصدها. "د".
٤ ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.стр. 1176
وَالنَّهْيُ شَرْعًا لَمْ يَصِحَّ تَخَلُّفُهُمَا عَقْلًا١ فَإِنَّهُ مُحَالٌ، فَالتَّعَبُّدُ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ لَازِمٌ بِإِطْلَاقٍ٢، وَاعْتِبَارُ الْمَصَالِحِ غَيْرُ لَازِمٍ بِإِطْلَاقٍ؛ خِلَافًا لِمَنْ أَلْزَمَ اللُّطْفَ وَالْأَصْلَحَ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ٣ لَازِمٌ عَلَى رَأْيِ مَنْ أَلْزَمَ الْأَصْلَحَ وَقَالَ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ؛ فَإِنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَمَرَ عَبْدَهُ لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ هِيَ عِلَّةُ الْأَمْرِ بِالْعَقْلِ، يَلْزَمُ الِامْتِثَالَ مِنْ حَيْثُ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ قَبِيحَةٌ، وَمِنْ جِهَةِ اعْتِبَارِ الْمَصْلَحَةِ أَيْضًا، فَإِنَّ تَحْصِيلَهَا وَاجِبٌ عَقْلًا بِالْفَرْضِ، فَالْأَمْرَانِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ لَازِمَانِ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إِنَّ مُخَالَفَةَ الْعَبْدِ أَمْرَ سَيِّدِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْمَصْلَحَةِ غَيْرُ قَبِيحٍ، [بَلْ هُوَ قَبِيحٌ] ٤ عَلَى رَأْيِهِمْ وَهُوَ مَعْنَى لُزُومِ التَّعَبُّدِ.
وَالثَّانِي:
أَنَّا إِذَا فَهِمْنَا بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ حِكْمَةً مُسْتَقِلَّةً فِي شَرْعِ الْحُكْمِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ حِكْمَةٌ أُخْرَى وَمَصْلَحَةٌ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَغَايَتُنَا أَنَّا فَهِمْنَا مَصْلَحَةً دُنْيَوِيَّةً تَصْلُحُ أَنْ تَسْتَقِلَّ بِشَرْعِيَّةِ الْحُكْمِ، فَاعْتَبَرْنَاهَا بِحُكْمِ الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ، وَلَمْ نَعْلَمْ حَصْرَ الْمَصْلَحَةِ وَالْحُكْمِ بِمُقْتَضَاهَا فِي ذَلِكَ الَّذِي ظَهَرَ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَنَا بِذَلِكَ عِلْمٌ وَلَا ظَنٌّ، لَمْ يَصِحَّ لَنَا الْقَطْعُ بِأَنَّ لَا مَصْلَحَةَ لِلْحُكْمِ إِلَّا مَا ظَهَرَ لَنَا؛ إِذْ هُوَ قَطْعٌ عَلَى غَيْبٍ بِلَا دَلِيلٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، فَقَدْ بَقِيَ لَنَا إِمْكَانُ حِكْمَةٍ أُخْرَى شُرِعَ لَهَا الْحُكْمُ، فَصِرْنَا مِنْ تِلْكَ الجهة واقفين مع التعبد٥.
الحواشي
(١) ١ أي: عما يقتضيان من اشتغال ذمة المأمور والمنهي حتى يؤدي. "د".
٢ أي: سواء فيما ثبت فيه اعتبار التعبد وما ثبت فيه اعتبار المعاني، وكذا اعتبار المصالح غير لازم فيما ثبت فيه اعتبار التعبد، وهو ظاهر، ولا فيما ثبت فيه اعتبار المعاني كما قال. د"
٣ أي: التعبد "د".
٤ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
٥ وهو هنا بمعنى عدم القطع بمعقولية المعنى مستقلا. "د".стр. 1177
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ نقضِ بِالتَّعَدِّي١ عَلَى حَالٍ، فَإِنَّا إِذَا جَوَّزْنَا وُجُودَ حِكْمَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ أُخْرَى، لَمْ نَجْزِمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَهَا٢؛ فَقَطْ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ جُزْءَ علة٣، أو لجواز خلو الْفَرْعِ عَنْ تِلْكَ الْحِكْمَةِ الَّتِي جَهِلْنَاهَا وَإِنْ وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ الَّتِي عَلِمْنَاهَا، فَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ وَالتَّفْرِيعُ حَتَّى نَتَحَقَّقَ أَنْ لَا عِلَّةَ سِوَى مَا ظَهَرَ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ لَا سَبِيلَ إِلَى الْقِيَاسِ وَلَا الْقَضَاءِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَشْرُوعٌ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالتَّعَدِّي لَا يُنَافِي جَوَازَ٤ التَّعَبُّدِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ صَحَّ كَوْنُهُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا، وَلَا يَكُونُ شَرْعِيًّا إِلَّا عَلَى وَجْهٍ نَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ عَادَةً، وَذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ لَنَا عِلَّةٌ تَصْلُحُ لِلِاسْتِقْلَالِ بِشَرْعِيَّةِ الْحُكْمِ، وَلَمْ نُكَلَّفْ أَنْ نَنْفِيَ مَا عداها،
الحواشي
(١) ١ أي: تعدي الحكم لما ثبت فيه العلة كما هو الشأن في القياس في المسائل التي عرف فيها اعتبار المعاني والعلل. "د".
٢ أي: للحكمة الموجودة الظاهرة في الأصل. "د".
٣ أي: وجزء العلة لا يعدي الحكم للفرع، ولا يبني عليه قياس، وقوله: "أو لجواز ... إلخ" عطف على سابقه تكميل لتعليل قوله: "لم نجزم بأن الحكم لها فقط" الذي يشمل صورتين: أن يكون لها مع غيرها بأن تكون جزء علة، أو يكون الحكم لها أو لغيرها بأن تكون هناك علة أخرى مستقلة، فقوله أولا: "لجواز" توجيه للاحتمال الأول، وقوله: "أو لجواز" توجيه للاحتمال الثاني، وقوله: "خلو النوع عن تلك الحكمة"، أي: المستقلة أيضا كما أن المعلومة مستقلة، وقوله: "فإذا امكن ذلك"، أي: احتمال أن تكون المعلومة جزء علة، واحتمال أن تكون ليست وحدها المعلل بها وإن كانت علة كاملة، وقوله: "سوى ما ظهر"، أي: لا يوجد جزء آخر متمم للعلة المعلومة، ولا علة أخرى كاملة يصح أن يبني عليها الحكم، وقوله في الجواب: "لكن غلبة الظن كافٍ" فيه جواب التجويز الأول، وقوله: "وأيضًا" فيه جواب التجويز الثاني. "د".
٤ جعله جوازا، فكأنه لا يلزم المجتهد أن يراعي إمكان حكمة أخرى، ويعتبر كأمر كمالي بخلاف الوجه الأول، وهو امتثال المأمورات على تفصيل في ذلك معروف في الفروع من جهة النية وعدمها. "د".стр. 1178
فَإِنَّ الْأُصُولِيِّينَ مِمَّا يُجَوِّزُونَ كَوْنَ الْعِلَّةِ خِلَافَ مَا ظَهَرَ لَهُمْ، أَوْ كَوْنَ ذَلِكَ الظَّاهِرِ جُزْءَ عِلَّةٍ لَا عِلَّةً كَامِلَةً، لَكِنْ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِأَنَّ مَا ظَهَرَ مُسْتَقِلٌّ بالعلِّية، أَوْ صَالِحٌ لِكَوْنِهِ عِلَّةً، كافٍ فِي تَعَدِّي الْحُكْمِ بِهِ.
وَأَيْضًا فَقَدَ أَجَازَ الْجُمْهُورُ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِأَكْثَرِ مِنْ عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ١ وَكُلٌّ مِنْهَا مُسْتَقِلٌّ، وَجَمِيعُهَا مَعْلُومٌ، فَنُعَلِّلُ بِإِحْدَاهَا مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْأُخْرَى وَبِالْعَكْسِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْقِيَاسَ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْأُخْرَى فِي الْفَرْعِ أَوْ لَا تَكُونَ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يُمْنَعْ ذَلِكَ فِيمَا ظَهَرَ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يُمْنَعَ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، لَمْ يبقَ لِلسُّؤَالِ مَوْرِدٌ، فَالظَّاهِرُ هُوَ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ، وَلَا عَلَيْنَا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ ٢:
أَنَّ الْمَصَالِحَ فِي التَّكْلِيفِ ظَهَرَ لَنَا مِنَ الشَّارِعِ أَنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
مَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِمَسَالِكِهِ الْمَعْرُوفَةِ، كَالْإِجْمَاعِ، وَالنَّصِّ، وَالْإِشَارَةِ، وَالسَّبْرِ٣، وَالْمُنَاسَبَةِ، وَغَيْرِهَا، وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الظاهر الذي
الحواشي
(١) ١ انظر تفصيل ذلك في "المستصفى" "٢/ ٩٦"، و"الإحكام" "٣/ ٢١٨" للآمدي، و"البحر المحيط" "٣/ ٢١٠-٢١١"، و"البرهان" "٢/ ٨٣٢" و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "٢٠/ ١٦٧"، و"المسودة" "٤١٧"، و"صول الفقه وابن تيمية" "١/ ٣٨٥-٣٨٨"، و"كشف الأسرار" "٤/ ٤٥"، و"جمع الجوامع" "٢/ ٢٤٥-٢٤٦ مع "شرح المحلي"، و"نشر البنود" "٢/ ١٤٥-١٤٦"، و"إرشاد الفحول" "٢٠٩".
٢ هذا الوجه إنما يثبت اعتبار التعبد في نوع خاص مما اعتبر فيه المعاني دون التعبد، بخلاف الوجهين السابقين، فعامان في سائر فروعه، والوجه الرابع عام أيضا، وكذلك الخامس والسادس. "د".
٣ مثاله أن يقول: المستدل في علة ربا الفضل العلة، أما الطعم، أو الاقتيات، أو الادخار، أو التقدير بالكيل، أو الوزن، ثم يستدل على إبطال اثنين منتفين كون الثالث هو العة، والحق مع من أنكر عده في مسالك العلة كان الوصف المبقي أن اشتمل على مصلحة، فإما أن تكون منضبطة للفهم أو كلية لا تنضبط، فالأول المناسبة، والثاني الشبه، وإن لم يشتمل على مصلحة أصلا، فهو الطرد. "خ".стр. 1179
نُعَلِّلُ بِهِ، وَنَقُولُ: إِنَّ شَرْعِيَّةَ الْأَحْكَامِ لِأَجْلِهِ.
وَالثَّانِي:
مَا لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِتِلْكَ١ الْمَسَالِكِ الْمَعْهُودَةِ، وَلَا يُطَّلع عَلَيْهِ إِلَّا بِالْوَحْيِ، كَالْأَحْكَامِ٢ الَّتِي أَخْبَرَ الشَّارِعُ فِيهَا أَنَّهَا أَسْبَابٌ لِلْخِصْبِ وَالسِّعَةِ وَقِيَامِ أُبَّهَةِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ الَّتِي أَخْبَرَ فِي مُخَالَفَتِهَا أَنَّهَا أَسْبَابُ الْعُقُوبَاتِ وَتَسْلِيطِ الْعَدُوِّ، وَقَذْفِ الرُّعْبِ، وَالْقَحْطِ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ.
وَإِذَا كَانَ مَعْلُومًا مِنَ الشَّرِيعَةِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ أَنَّ٣ ثَمَّ مَصَالِحَ أُخَرَ غَيْرَ مَا يُدْرِكُهُ المكَلف، لَا يُقْدَرُ عَلَى اسْتِنْبَاطِهَا وَلَا عَلَى التَّعْدِيَةِ بِهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ؛ إِذْ لَا يُعْرَفُ كَوْنُ الْمَحَلِّ الْآخَرِ وَهُوَ الْفَرْعُ وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ الْبَتَّةَ، لَمْ يَكُنْ إِلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْقِيَاسِ سبيل، فبقيت موقوفة على التعبد المحض؛ لأنها لَمْ يَظْهَرْ لِلْأَصْلِ الْمُعَلَّلِ بِهَا شَبِيهٌ إِلَّا مَا دَخَلَ تَحْتَ الْإِطْلَاقِ أَوِ الْعُمُومِ الْمُعَلَّلِ٤، وإذا
الحواشي
(١) ١ في "ط": "لتلك".
٢ فمثلا ورد: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِين﴾ الآية، هل يجعل الاستغفار علة أيضا في قوة الأبدان وسعة العلم، وغير ذلك فقياس على الأمداد بالأموال والبنين؟ وقال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم﴾ ، وهل يقاس على الفشل وذهاب القوة والعزة ذهاب القوة البدنية والأموال وغيرها؟ فهذه الأسباب ذكرها الشرع عللا لأحكام لكنها لا تعلم إلا من جهته، فهل يدخل فيها القياس والتفريع، يقول المؤلف: إنها مع كونها علل بها الشرع، ولا يصح أن يدخلها القياس والتفريع؛ لأنها وإن كانت أحكاما عادية إلا أن عللها ليست مما تدرك العقول ترتب هذه الأحكام عليها، فلا بد أن تكون تعبدية نقف فيها عند ما أثبت الشارع فقط؛ لأن التشابه الذي ندركه فيما نريد أن نجعله فرعا إنما هو في المطلقات والعمومات المعلل بها، وليس هذا القدر كافيا في صحة العلية حتى يتأتى الإلحاق والقياس. "د".
٣ في الأصل و"خ": "وإن".
٤ لعل فيه حذف كلمة "به". "د".стр. 1180
ذَاكَ يَكُونُ أَخْذُ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ بِهَا مُتَعَبَّدًا بِهِ، وَمَعْنَى التَّعَبُّدِ بِهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدَّ الشَّارِعُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
وَالرَّابِعُ:
أَنَّ السَّائِلَ إِذَا قَالَ لِلْحَاكِمِ: لِمَ لَا تَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ؟ فَأَجَابَ بِأَنِّي نُهِيتُ عَنْ ذَلِكَ، كَانَ مُصِيبًا، كَمَا أَنَّهُ إِذَا قَالَ: لِأَنَّ الْغَضَبَ يُشَوِّشُ عَقْلِي وَهُوَ مَظِنَّةُ عَدَمِ التَّثَبُّتِ فِي الْحُكْمِ، كَانَ مُصِيبًا أَيْضًا، وَالْأَوَّلُ جَوَابُ التَّعَبُّدِ الْمَحْضِ، وَالثَّانِي جَوَابُ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعْنَى، وَإِذَا جَازَ اجْتِمَاعُهُمَا وَعَدَمُ تَنَافِيهِمَا، جَازَ الْقَصْدُ إِلَى التَّعَبُّدِ، وَإِذَا جَازَ الْقَصْدُ إِلَى التَّعَبُّدِ دَلَّ عَلَى أَنَّ هُنَالِكَ تَعَبُّدًا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ تَوَجُّهُ القصد إلا مَا لَا يَصِحُّ الْقَصْدُ إِلَيْهِ مِنْ مَعْدُومٍ أَوْ مُمْكِنٍ أَنْ يُوجَدَ أَوْ لَا يُوجَدَ، فَلَمَّا صَحَّ الْقَصْدُ مُطْلَقًا، صَحَّ الْمَقْصُودُ لَهُ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ جِهَةُ التَّعَبُّدِ، [وَهُوَ الْمَطْلُوبُ] ١.
وَالْخَامِسُ:
أَنَّ كَوْنَ الْمُصْلِحَةِ مُصْلِحَةٌ تُقْصَدُ بِالْحُكْمِ، وَالْمَفْسَدَةِ مَفْسَدَةٌ كَذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالشَّارِعِ، لَا مَجَالَ٢ للعقل فيه، بناء على قاعدة نفي
الحواشي
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط في الأصل.
٢ هذا ظاهر فيما إذا كان مسلك العلة الإجماع أو النص بقسميه أو المناسبة أيضا؛ لأنه لا بد في المعتبر منها أن يكون مؤثرا أو ملائما، وكل منهما لا بد أن يستند إلى نص أو إجماع؛ أما المؤثر؛ فهو ما اعتبر عينه في عين الحكم بنص كما في الحدث بالمس لقوله ﵇: "من مس ذكره فليتوضأ" * أو إجماع كولاية المال بالصغر، وأما الملائم فهو ما رتب الحكم على وفقه في الأصل مع ثبوت اعتبار عينه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم، أو جنسه في جنس الحكم بنص أو إجماع؛ وسمى ملائما لكونه مناسبا لما اعتبره الشارع، ومثاله الصغر في حمل نكاح الثيب الصغيرة على نكاح البكر الصغيرة في أن الولايات للأب عند الحنفية، ويبقى الكلام في السبر والتقسيم والدوران من أنواع المسالك، فعليك بالنظر فيها لتعرف هل يشملها كلامه، وأن المصالح فيها أيضًا بوضع الشرع. "د".
_________
* انظر تخريجه وطرقه في تعليقي على "الخلافيات" للبيهقي "٢/ ٢٤٤، مسألة رقم ٢٠".стр. 1181
التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ١، فَإِذَا كَانَ الشَّارِعُ قَدْ شَرَعَ الْحُكْمَ لِمَصْلَحَةٍ مَا، فَهُوَ الْوَاضِعُ لَهَا مَصْلَحَةً، وَإِلَّا، فَكَانَ يُمْكِنُ عَقْلًا أَنْ لَا تَكُونَ كَذَلِكَ؛ إِذِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَضْعِهَا الْأَوَّلِ مُتَسَاوِيَةٌ لَا قَضَاءَ لِلْعَقْلِ فِيهَا بِحُسْنٍ ولا قبح؛ فإذن كَوْنُ الْمَصْلَحَةِ مَصْلَحَةً هُوَ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ بِحَيْثُ يُصَدِّقُهُ الْعَقْلُ وَتَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ النَّفْسُ، فَالْمَصَالِحُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَصَالِحُ قَدْ آلَ النَّظَرُ فِيهَا إِلَى أَنَّهَا تَعَبُّدِيَّاتٌ٢، وَمَا انْبَنَى عَلَى التَّعَبُّدِيِّ لَا يَكُونُ إِلَّا تَعَبُّدِيًّا.
وَمِنْ هُنَا يَقُولُ الْعُلَمَاءُ٣: إِنَّ مِنَ التَّكَالِيفِ "مَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ خَاصَّةً"، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى التَّعَبُّدِ، وَمَا هُوَ حَقٌّ لِلْعَبْدِ" وَيَقُولُونَ فِي هَذَا الثَّانِي: إِنَّ فِيهِ حَقًّا لِلَّهِ، كَمَا فِي قاتل العمد إذ عفي عنه ضُرِب مئة وسُجِن عَامًا، وَفِي الْقَاتِلِ غِيلَةً إِنَّهُ لَا عفوَ فِيهِ، وَفِي الْحُدُودِ إِذَا بَلَغَتِ السُّلْطَانَ فِيمَا سِوَى الْقِصَاصِ كَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ لَا عَفْوَ فِيهِ وَإِنْ عَفَا مَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ بَائِعِ الْجَارِيَةِ إِسْقَاطُ الْمُوَاضَعَةِ وَلَا مِنْ مُسْقِطِ الْعِدَّةِ عَنْ مُطَلِّقِ الْمَرْأَةِ٤، وَإِنْ كَانَتْ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا حَقًّا لَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ التَّعَبُّدِ وَإِنْ عُقِلَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَ الْحُكْمُ، فقد صار إذن كُلُّ تَكْلِيفٍ حَقًّا لِلَّهِ، فَإِنَّ مَا هُوَ لِلَّهِ، فَهُوَ لِلَّهِ، وَمَا كَانَ لِلْعَبْدِ، فَرَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ مِنْ جِهَةِ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِ حَقِّ الْعَبْدِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ؛ إِذْ كَانَ لِلَّهِ أَنْ لَا يَجْعَلَ للعبد حقا أصلا٥.
الحواشي
(١) ١ انظر ما مضى بهذا الصدد "١/ ١٢٥" مع التعليق عليه، وما سيأتي "٣/ ٢٨".
٢ في الأصل: "تعبدات".
٣ المذكور قول القرافي في كتابه "الفروق" "٢/ ١٤٠، الفرق الثاني والعشرون"، وانظر أيضا: "المنار" "٨٨٦- مع حواشيه"، و"شرح التلويح على التوضيح" "٢/ ١٥٥".
٤ لعل الأصل: "عن المرأة المطلقة". "د".
٥ وعليه، فالشريعة هي أساس الحقوق الخاصة، وليست الحقوق الخاصة هي أساس الشريعة، والحق ليس منحة من المجتمع أو القانون الذي تضعه الأمة، وليس هو حقا طبيعيا لصاحبه، بل هو منحة إلهية وهبها الله سبحانه للإنسان من أجل أن يتحقق بها مصالحه الدنيوية والأخروية.стр. 1182
ومن هذا الموضع يقول كثير م الْعُلَمَاءِ: "إِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ بِإِطْلَاقٍ"١، عُلِمَتْ مَفْسَدَةُ النَّهْيِ أَمْ لَا، انْتَفَى السَّبَبُ الَّذِي لأجله نهي عن العمل أولا، وُقُوفًا مَعَ نَهْيِ النَّاهِي لِأَنَّهُ حَقُّهُ، وَالِانْتِهَاءُ هُوَ الْقَصْدُ الشَّرْعِيُّ فِي النَّهْيِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ، فَالْعَمَلُ بَاطِلٌ بِإِطْلَاقٍ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ لَا يَخْلُو عَنِ التَّعَبُّدِ، وَإِذَا لَمْ يَخْلُ، فَهُوَ مِمَّا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ كَالطَّهَارَاتِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
إِلَّا أَنَّ التَّكَالِيفَ الَّتِي فِيهَا حَقُّ الْعَبْدِ مِنْهَا مَا يَصِحُّ بِدُونِ نِيَّةٍ، وَهِيَ الَّتِي فَهِمْنَا مِنَ الشَّارِعِ فِيهَا تَغْلِيبَ جَانِبِ الْعَبْدِ، كَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَالْمَغْصُوبِ وَالنَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَذَلِكَ مَا فَهِمْنَا فِيهِ تَغْلِيبَ حَقِّ اللَّهِ؛ كَالزَّكَاةِ وَالذَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ، وَالَّتِي تَصِحُّ بِدُونِ نِيَّةٍ إِذَا فُعِلت بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَعَلَهَا بِنِيَّةِ الِامْتِثَالِ وَهِيَ نِيَّةُ التَّعَبُّدِ، أُثِيبَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ التُّرُوكُ إِذَا تُرِكت بِنِيَّةٍ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتْ حُقُوقًا لِلْعِبَادِ خاصة ولم يكن لله فيها حَقٌّ، [لَمَا] ٢ حَصَلَ الثَّوَابُ فِيهَا أَصْلًا؛ لِأَنَّ حُصُولَ الثَّوَابِ فِيهَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهَا طَاعَةً مِنْ حَيْثُ هِيَ مُكْتَسَبَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، وَالْمَأْمُورُ بِهِ مُتَقَرَّبٌ إِلَى اللَّهِ بِهِ، وَكُلُّ طَاعَةٍ مِنْ حَيْثُ هِيَ طَاعَةٌ لِلَّهِ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى نِيَّةٍ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ مِنْ حَيْثُ هي طاعة مفتقرة إلى نية
الحواشي
(١) ١ انظر تحرير هذه المسألة في "مجموع فتاوى ابن تيمية" "١٩/ ٢٩٩، ٢٣/ ٢٥، ٢٩/ ٢٨١ وما بعدها، و٣٢/ ٨٨ و٣٣/ ١٨، ٩٩"، و"إعلام الموقعين" "١/ ١٠٨"، و"كشف الأسرار "٤/ ١٣٤-١٣٥"، و"تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد" للعلائي، و"النهي يقتضي الفساد بين العلائي وابن تيمية" لصديقنا رعد عبد العزيز، و"النهي وأثره في الفقه الإسلامي" لمحمد سعود المعيني.
٢ ما بين المعقوفتين سقط في الأصل.стр. 1183
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا أُمِرَ بِهَا مِنْ حَيْثُ حَقِّ الْعَبْدِ خَاصَّةً، وَمِنْ جِهَةِ حَقِّ الْعَبْدِ حَصَلَ فِيهَا الثَّوَابُ؛ لَا مِنْ كَوْنِهَا طَاعَةً مُتَقَرَّبًا بِهَا.
قِيلَ: هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَصَحَّ الثَّوَابُ بِدُونِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ حَاصِلٌ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، لَكِنَّ الثَّوَابَ مُفْتَقِرٌ فِي حُصُولِهِ إِلَى نِيَّةٍ.
وَأَيْضًا، فَلَوْ حَصَلَ الثَّوَابُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، لَأُثِيبَ الْغَاصِبُ إِذَا أُخِذَ مِنْهُ الْمَغْصُوبَ كرها، ليس كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ حَصَلَ حَقُّ الْعَبْدِ، فَالصَّوَابُ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي كَوْنِ الْعَمَلِ عِبَادَةً، وَالنِّيَّةُ الْمُرَادَةُ هُنَا نِيَّةُ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا جَارِيًا فِي كُلِّ فِعْلٍ وَتَرْكٍ، ثَبَتَ أَنَّ فِي الْأَعْمَالِ الْمُكَلَّفِ بِهَا طَلَبًا تَعَبُّدِيًّا عَلَى الْجُمْلَةِ.
وَهُوَ دَلِيلٌ سَادِسٌ فِي الْمَسْأَلَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَفْتَقِرَ كُلُّ عَمَلٍ إِلَى نِيَّةٍ، وَأَنْ لَا يَصِحَّ عَمَلُ مَنْ لَمْ ينوِ، أَوْ يَكُونَ عَاصِيًا.
قِيلَ: قَدْ مَرَّ أَنَّ مَا فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ تَارَةً يَكُونُ هُوَ المغلب، وقد يكون جِهَةُ التَّعَبُّدِ هِيَ الْمُغَلَّبَةَ، فَمَا كَانَ الْمُغَلَّبُ فِيهِ التَّعَبُّدُ، فمسلَّم ذَلِكَ فِيهِ، وَمَا غُلِّبَ فِيهِ جِهَةُ الْعَبْدِ، فَحَقُّ الْعَبْدِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، فَيَصِحُّ الْعَمَلُ هُنَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا يَكُونُ عِبَادَةً لِلَّهِ، فَإِنْ رَاعَى جِهَةَ الْأَمْرِ، فَهُوَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ عِبَادَةٌ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ، أَيْ: لَا يَصِيرُ عِبَادَةً إِلَّا بِالنِّيَّةِ، لَا أَنَّهُ يَلْزَمُ فِيهِ النِّيَّةُ أَوْ يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الِامْتِثَالِ صَيَّرَتْهُ عِبَادَةً، كَمَا إِذَا أَقْرَضَ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ بِالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ، أَوْ أَقْرَضَ بِقَصْدٍ دُنْيَوِيٍّ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالنِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَغَيْرُهَا، وَمِنْ هُنَا كَانَ السَّلَفُ ﵃ يُثَابِرُونَ عَلَى
стр. 1184
إِحْضَارِ النِّيَّاتِ فِي الْأَعْمَالِ، وَيَتَوَقَّفُونَ عَنْ جُمْلَةٍ مِنْهَا حَتَّى تَحْضُرَهُمْ١.
فَصْلٌ:
وَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا أُمُورٌ، مِنْهَا أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَيْسَ بخالٍ عَنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ جِهَةُ التَّعَبُّدِ، فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَعِبَادَتُهُ امْتِثَالُ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ بِإِطْلَاقٍ٢، فَإِنْ جَاءَ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْعَبْدِ مُجَرَّدًا٣ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ جَاءَ عَلَى تَغْلِيبِ حَقِّ الْعَبْدِ فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
كَمَا أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَفِيهِ حَقٌّ لِلْعِبَادِ إِمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا وُضِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: "حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا عَبَدُوهُ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ" ٤ وَعَادَتُهُمْ فِي تَفْسِيرِ "حَقِّ"
الحواشي
(١) ١ انظر في هذا: "قواعد الأحكام" "٢/ ٦٦ وما بعدها".
٢ هذا هو التحقيق في التعبير عن حق الله خلافا للقرافي، حيث ذهب في الفرق الثاني والعشرين إلى أن حق الله أمره ونهيه لا نفس العبادة، وزعم أن هذا هو المحرر عند العلماء، وقد تعرض أبو القاسم بن الشاط إلى التنبيه على هذا الغلط، وأنكر أن يحرر العلماء ما يخالف قوله ﵊: "حق الله تعالى عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شيئا". "خ".
قلت: وانظر في تعريفه: "قواعد الأحكام" "١/ ١٠٣"، و"تيسير التحرير" "٢/ ١٧٤-١٨١"، و"شرح المنار" "٨٨٦- مع حواشيه"، و"كشاف اصطلاحات الفنون" "١/ ٣٢٩-٣٣٠".
٣ كالقصاص، فالعفو عنه حق للعبد، على معنى أنه إن عفا سقط الحق كله. "د".
٤ جزء من حديث، وفيه حق الله على العباد أيضا، وسيأتي عند المصنف "ص٥٤٤"، أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار رقم ٢٨٥٦، وكتاب اللباس، باب حمل صاحب الدابة غيره بين يديه رقم ٥٩٦٧، وكتاب الاستئذان، باب من أجاب بلبيك وسعديك رقم ٦٢٦٧، وكتاب الرقاق، باب من جاهد نفسه رقم ٦٥٠٠، وكتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ رقم ٧٣٧٣"، ومسلم في صحيحه" "كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا ١/ ٥٨-٥٩/ رقم ٣٠" من حديث معاذ ﵁.
قلت: وفي الأصل و"خ": "لا".стр. 1185
اللَّهِ" أَنَّهُ مَا فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ أَنَّهُ لَا خِيَرَةَ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ، كَانَ لَهُ مَعْنًى مَعْقُولٌ أَوْ غَيْرُ مَعْقُولٍ، "وَحَقُّ الْعَبْدِ" مَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى مَصَالِحِهِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ، وَمَعْنَى "التَّعَبُّدِ" عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ١ عَلَى الْخُصُوصِ، وَأَصْلُ الْعِبَادَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى حَقِّ اللَّهِ، وَأَصْلُ الْعَادَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ.
فَصْلٌ:
وَالْأَفْعَالُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ اللَّهِ أَوْ حَقِّ الْآدَمِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ٢:
أَحَدُهَا:
مَا هُوَ حُقٌّ لِلَّهِ خَالِصًا كَالْعِبَادَاتِ، وَأَصْلُهُ التَّعَبُّدُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا طَابَقَ الْفِعْلُ الْأَمْرَ، صَحَّ؛ وَإِلَّا؛ فَلَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ التَّعَبُّدَ رَاجِعٌ إِلَى عَدَمِ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى، وَبِحَيْثُ لَا يَصِحُّ فِيهِ إِجْرَاءُ الْقِيَاسِ، وَإِذَا لَمْ يُعْقَلُ مَعْنَاهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ فِيهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدَّهُ لَا يَتَعَدَّى، فَإِذَا وَقَعَ٣ طَابَقَ قَصْدَ الشَّارِعِ وَإِنْ لَا؛ خَالَفَ٤، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُخَالَفَةَ قَصْدِ الشَّارِعِ مُبْطِلٌ لِلْعَمَلِ، فعدم مطابقة الأمر مبطل للعمل.
الحواشي
(١) ١ أي: ما لا تعقل فيه الحكمة والمصلحة الخاصة التي يصح أن تكون أساسا للقياس، أما العلل العامة، فهي موجودة حتى في التعدي، كما سبقت الإشارة إليه. "د".
٢ انظر: "الفروق" "٢/ ١٤٠-١٤١"، و"المجموع" "٦/ ١٥٤"، و"المغني" "٦/ ٦٣".
٣ أي: الوقوف المذكور. "د".
٤ في الأصل: "أو خالف"، وفي "د": "أو لا خالف".стр. 1186
وَأَيْضًا؛ فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ عَدَمَ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ الْوُقُوفُ عند ما حده الشارع، فيكفي في ذلك عدم تحقيق الْبَرَاءَةِ مِنْهُ [وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ الْبَرَاءَةُ] ١ وَعَدَمُ تَحَقُّقِ الْبَرَاءَةِ [مِنْهُ إِنْ لَمْ تَحْصُلْ الْمُطَابَقَةُ، وَعَدَمُ تَحْقِيقِ الْبَرَاءَةِ] ١ مُوجِبٌ لِطَلَبِ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ بِفِعْلٍ مُطَابِقٍ، لَا بِفِعْلٍ غَيْرِ مُطَابِقٍ.
وَالنَّهْيُ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا نَظِيرُ الْأَمْرِ، فَإِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ إِمَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ بِإِطْلَاقٍ، وَإِمَّا لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي أَنَّ الْفِعْلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، إِمَّا بِأَصْلِهِ، كَزِيَادَةِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ، أَوْ تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَإِمَّا بِوَصْفِهِ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ مَقْصُودًا لَمْ ينهَ عَنْهُ، وَلَأُمِرَ بِهِ أو أذن فيه، فإن الإذن هو المعرِّف٢ أَوَّلًا بِقَصْدِ الشَّارِعِ فَلَا تَتَعَدَّاهُ.
فَعَلَى هَذَا إِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ، أَوِ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُطَابِقِ؛ فَذَلِكَ إِمَّا لِعَدَمِ صِحَّةِ الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ عِنْدَهُ، وَإِمَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ حَتْمٍ وَلَا نَهْيٍ حَتْمٍ، وَإِمَّا لِرُجُوعِ جِهَةِ الْمُخَالَفَةِ إِلَى وَصْفٍ مُنْفَكٍّ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الِانْفِكَاكِ، وَإِمَّا لِعَدِّ النَّازِلَةِ من باب المفهوم [و] ٣ المعنى الْمُعَلَّلِ بِالْمَصَالِحِ، فَيَجْرِي عَلَى حُكْمِهِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ هَذَا قَلِيلٌ، وَأَنَّ التَّعَبُّدَ هُوَ الْعُمْدَةُ.
وَالثَّانِي:
مَا هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعَبْدِ، وَالْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ، وَحُكْمُهُ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ إِذَا صَارَ مطَّرَحًا شَرْعًا، فَهُوَ كَغَيْرِ الْمُعْتَبَرِ؛ إِذْ لَوِ اعْتُبِرَ لَكَانَ هُوَ الْمُعْتَبَرَ، وَالْفَرْضُ خِلَافُهُ كقتل النفس؛ إذ ليس
الحواشي
(١) ١ ما بين المعقوفات زيادة من الأصل و"ط"، وسقط من النسخ المطبوعة كلها.
٢ في "د": "المعروف".
٣ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، و"ط".стр. 1187
لِلْعَبْدِ خِيَرَةٌ فِي إِسْلَامِ نَفْسِهِ لِلْقَتْلِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَالْفِتَنِ وَنَحْوِهَا، فَإِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْمَنْهِيَّ أَوِ الْمَأْمُورَ غَيْرَ الْمُطَابِقِ بَعْدَ الْوُقُوعِ؛ فَذَلِكَ لِلْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ١، وَلِأَمْرٍ رَابِعٍ وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ فِيهِ هُوَ الْمُغَلَّبُ.
وَالثَّالِثُ:
مَا اشْتَرَكَ فِيهِ الْحَقَّانِ وَحَقُّ الْعَبْدِ هُوَ الْمُغَلَّبُ، وَأَصْلُهُ مَعْقُولِيَّةُ الْمَعْنَى، فَإِذَا طَابَقَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الصِّحَّةِ؛ لِحُصُولِ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ بِذَلِكَ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا حَسْبَمَا يَتَهَيَّأُ لَهُ، وَإِنْ وَقَعَتِ الْمُخَالَفَةُ فَهُنَا نَظَرٌ؛ أَصْلُهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ؛ فَإِمَّا أَنْ يَحْصُلَ مَعَ ذَلِكَ حَقُّ الْعَبْدِ وَلَوْ بَعْدَ الْوُقُوعِ عَلَى حَدِّ مَا كَانَ يَحْصُلُ عِنْدَ الْمُطَابَقَةِ أَوْ أَبْلَغَ، أَوْ لَا؛ فَإِنْ فَرَضَ غَيْرَ حَاصِلٍ؛ فَالْعَمَلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ لَمْ يَحْصُلْ، وَإِنْ حَصَلَ -وَلَا يَكُونُ٢ حُصُولُهُ إِلَّا مُسَبِّبًا عَنْ سَبَبٍ آخَرَ غَيْرِ السَّبَبِ الْمُخَالِفِ- صَحَّ وَارْتَفَعَ مُقْتَضَى النَّهْيِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ الْعَبْدِ٣ وَلِذَلِكَ يُصَحِّحُ مَالِكٌ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ إِذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِأَجْلِ فَوْتِ الْعِتْقِ، فَإِذَا حَصَلَ٤، فَلَا مَعْنَى لِلْفَسْخِ عِنْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ الْمَمْلُوكِ، وَكَذَلِكَ يَصِحُّ الْعَقْدُ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ
الحواشي
(١) ١ انظر لِمَ لَمْ يعتبر الوجه الرابع السابق هنا؛ وهو عد النازلة من باب المعلل، فيجري على حكمه، مع أنه في هذا أقرب من سابقه؛ لأن سابقه كان في التعبد المحض الذي يبعد فيه الحمل على هذا الوجه، بخلاف هذا النوع الثاني الذي فيه الحقان؛ فإنه حمله على المعلل أقرب من سابقه، إلا أن يقال: إنه أهدر الرابع رأسا حيث قال: "وَقَدْ مَرَّ أَنَّ هَذَا قَلِيلٌ وَأَنَّ التَّعَبُّدَ هو العمدة" "فلذلك لم يلتفت إليه هنا. "د".
٢ لأنه لا يتأتى أن ينهى الشارع عن فعلٍ؛ محافظةً على مصلحة العبد، ثم يكون هذا الفعل المنهي عنه بنفسه محصلا لهذه المصلحة. "د".
٣ أي: وأما بالنسبة إلى حق الله وهو الإقدام على المخالفة؛ فلم يرتفع مقتضاه من الإثم، سواء من جهة البائع أو جهة المشتري، وفضل العتق شيء آخر. "د".
٤ أي: وقد حصل على وجه أبلغ؛ لأنه نجز عتقه، بخلاف المدبر؛ فإن عتقه مؤجل وقد لا يتم. "د".стр. 1188
الْغَيْرِ إِذَا أَسْقَطَ ذُو الْحَقِّ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ فَرَضْنَاهُ لِحَقِّ الْعَبْدِ، فَإِذَا رَضِيَ بِإِسْقَاطِهِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ، وَأَمْثِلَةُ هَذَا الْقِسْمِ كَثِيرَةٌ، فَإِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْعَمَلَ الْمُخَالِفَ بَعْدَ الوقوع؛ فذلك لأحد الأمور الثلاثة١.
الحواشي
(١) ١ وتطبيقه في مسألة العبد جارٍ على الوجه الثالث، وهو أن المخالفة راجعة إلى وصف منفك؛ فالعتق وقع على ذات العبد الذي يمكن انفكاكه عن كونه مدبرا إلى أن يكون قنًّا صرفًا مثلا، كما قالوه في الدار المغصوبة؛ فالصلاة منفكة عن المكان المغصوب، والمكان المغصوب ينفك عن أن تقع فيه الصلاة؛ لأن الوصف ليس من الأوصاف اللازمة. "د".стр. 1189
الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ:
لَمَّا كَانَتِ الدُّنْيَا مَخْلُوقَةً؛ لِيَظْهَرَ فِيهَا أَثَرُ الْقَبْضَتَيْنِ١، وَمَبْنِيَّةً عَلَى بَذْلِ النِّعَمِ لِلْعِبَادِ؛ لِيَنَالُوهَا وَيَتَمَتَّعُوا بِهَا، وَلِيَشْكُرُوا٢ اللَّهَ عَلَيْهَا فَيُجَازِيهِمْ فِي الدَّارِ الْأُخْرَى، حَسْبَمَا بيَّن لَنَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الشَّرِيعَةُ الَّتِي عَرَّفَتْنَا بِهَذَيْنِ مَبْنِيَّةً عَلَى بَيَانِ وَجْهِ الشُّكْرِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ٣، وَبَيَانِ وَجْهِ الِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّعَمِ الْمَبْذُولَةِ مُطْلَقًا.
وَهَذَانِ الْقَصْدَانِ أَظْهَرُ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِمَا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٧٨] .
وَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣] .
الحواشي
(١) ١ ورد في ذلك أحاديث كثيرة جدا عن جمع غفير من الصحابة رضوان الله عليهم، حتى قال الشيخ صالح المقبلي في "الأبحاث المسددة" -كما في "فتح البيان" "٣/ ٤٠٦" لصديق حسن خان: "ولا يبعد دعوى التواتر المعنوي في الأحاديث والروايات في ذلك".
وتجد كثيرا من هذا الأحاديث في تفسير سورة الأعراف "آية ١٧٢" عند ابن جرير وابن كثير والسيوطي في "الدر المنثور" و"تفسير النسائي" "١/ ٥٠٤-٥٠٧"، والواحدي في "الوسيط" "٢/ ٤٢٤-٤٢٥"، وفي "السنة" لابن أبي عاصم "باب ذكر أخذ ربنا الميثاق من عباده ١/ ٨٧ وما بعدها، والسلسلة الصحيحة" "الأرقام ٤٧-٥٠، ٨٤٨، ١٦٢٣".
٢ في الأصل: "ويشكروا".
٣ وهو ما يشير إليه فيما بعد بقوله: "والثاني من جهة الوضع التفصيلي..... إلخ"، وقوله: وبيان وجه الاستمتاع بالنعم المبذولة مطلقا "أي: بوجه عام" سيشير إليه بقوله: "من جهة الوضع الكلي..... إلخ" والآيات من هذا النوع الثاني الكلي الإجمالي؛ أما التفصيل؛ فيكون بذكر تفاصيل الأحكام الشرعية وبيان ما يحل تناوله وما لا يحل..... إلخ. "د".стр. 1190
وَقَالَ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١١٤] .
وَقَالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ الآية [إبراهيم: ٧] .
وَالشُّكْرُ هُوَ صَرْفُ مَا أُنعم عَلَيْكَ فِي مَرْضَاةِ الْمُنْعِمِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الِانْصِرَافِ إِلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَعْنَى بِالْكُلِّيَّةِ أَنْ يَكُونَ جَارِيًا عَلَى مُقْتَضَى مَرْضَاتَهُ بِحَسْبِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊: "حَقُّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوه بِهِ شَيْئًا" ١.
وَيَسْتَوِي فِي هَذَا مَا كَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَوِ الْعَادَاتِ.
أَمَّا الْعِبَادَاتُ؛ فَمِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ؛ فَهِيَ مَصْرُوفَةٌ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا الْعَادَاتُ؛ فَهِيَ أَيْضًا مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى النَّظَرِ الْكُلِّيِّ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الْآيَةَ [الأعراف: ٣٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٧] .
فَنَهَى عَنِ التَّحْرِيمِ، وَجَعَلَهُ تَعَدِّيًا عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمَّا هَمَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِتَحْرِيمِ بَعْضِ الْمُحَلَّلَاتِ قَالَ ﵊: "مَنْ رغب عن سنتي، فليس مني" ٢.
الحواشي
(١) ١ جزء من حديث أخرجه الشيخان، وقد تقدم تخريجه ص"٥٣٨".
٢ مضى تخريجه "١/ ٥٢٢".стр. 1191
وَذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا وَضَعَهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٨] .
فَذَمَّهُمْ عَلَى أَشْيَاءَ فِي الْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ اخْتَرَعُوهَا، منها مجرد التحريم، وهو المقصود ههنا.
وَأَيْضًا؛ فَفِي الْعَادَاتِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ وَجْهِ الْكَسْبِ وَوَجْهِ الِانْتِفَاعِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَيْرِ مُحَافَظٌ عَلَيْهِ شَرْعًا أَيْضًا، وَلَا خِيَرَةَ فِيهِ لِلْعَبْدِ، فَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى صَرْفًا فِي حَقِّ الْغَيْرِ، حَتَّى يَسْقُطَ حَقُّهُ بِاخْتِيَارِهِ في بعض الجزئيات١، لا في
الحواشي
(١) ١ نستفيد من هذا أمورا مهمة؛ هي:
أولا:
أن ناحية التعبد موجودة في كل حكم، حتى في الإباحة والحقوق، سواء كان معقول المعنى، بيِّنَةٌ حكمتُهُ أم غير معقول.
ثانيا:
حق الله وحق الفرد متلازمان، إذا وجد أحدهما وُجِد الآخر؛ فهما دائمان مجتمعان.
ثالثا:
بهذا لا ينفصل المعنى الديني عن كل معاملة أو تصرف؛ أداء لحق الله في صدق العبودية.
رابعا:
أن طبيعة الحق الفردي في الإسلام ليس فرديا خالصًا؛ بل هو حق مشترك، وتثبت له صفة مزدوجة هي الفردية والجماعية في وقت معًا.
أما الفردية؛ فلأن الحق ليس بذاته وظيفة، بل هو ميزة تخول صاحبها الاستئثار بثمرات حقه؛ فحق الفرد أصلا شخصي.
وأما الجماعية؛ فتبدو في تقييد هذا الحق بمنع اتخاذه وسيلة إلى الأضرار بغيره فردًا أو جماعة، قصدا أو بدون قصد، بالنظر إلى نتائج استعماله، كما سيأتي مفصلا عند المصنف.
وما يحسن إيراده هنا ما ذكره أستاذنا الشيخ محمد المبارك رحمه الله تعالى في كتابه "ذاتية الإسلام" "ص١٠"، قال بعد كلام: "فالتشريع الإسلامي بالإضافة إلى موضوعيته وتنظيمه على أسس ظاهرة وضوابط موضوعية له جذور خلقية في النفس، وأصول اعتقادية تغذية وتمده وتدعم =стр. 1192
الْأَمْرِ الْكُلِّيِّ١، وَنَفْسُ الْمُكَلَّفِ أَيْضًا دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْحَقِّ؛ إِذْ لَيْسَ لَهُ التَّسْلِيطُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ بِالْإِتْلَافِ.
فإذن الْعَادِيَّاتُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ الْكُلِّيِّ الدَّاخِلِ تَحْتَ الضَّرُورِيَّاتِ.
وَالثَّانِي:
مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ التَّفْصِيلِيِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَدْلُ بَيْنَ الْخَلْقِ، وَإِجْرَاءُ الْمَصْلَحَةِ عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، فَصَارَ الْجَمِيعُ ثَلَاثَةَ أقسام٢
الحواشي
(١) = بناءه، فالتشريع غير منقطع الصلة بالأخلاق، وينفي عن التشريع الإسلامي صفة الفردية"، ويقول أيضا: "والإنسان الذي يؤمن هذا الإيمان ويعمل في الحياة في هذا الطريق ليس هو الإنسان الفرد المنعزل، بل هو الإنسان الموجود في إطار اجتماعي".
خامسا:
قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" "١/ ١٠٨": "والحقوق نوعان: حق الله، وحق الآدمي؛ فحق الله لا مدخل للصلح فيه، كالحدود والزكوات، والكفارات، ونحوها؛ وأما حقوق الآدميين، فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعارضة عليها".
١ أيك فليس كل حق للعبد له إسقاطه؛ فالنفس للشخص حق المحافظة عليها ولله ذلك الحق أيضا، ولكنه لا يسقط إذا أسقطه العبد بتعريضها للتلف، بل يؤاخذ المعتدي والمعترض، وهكذا كل الضروريات العادية من عقل ونسل ومال، وهو ما يشير إليه قوله: "من جهة الوضع الكلي الداخل تحت الضروريات". "د".
قلت: انظر في هذا: "الفروق" "٢/ ١٤٠ وما بعدها، الفرق الثاني والعشرون"، و"أصول الفقه" "ص٤٦" لأبي زهرة.
٢ لأن العادات فيها حق الله الصرف؛ وهو النظر الكلي، حتى لا يصح مثل تحريم ما أحل الله؛ وحق لله على العبد بالنسبة لغيره يسقط إذا أسقطه العبد، وحق له كذلك لا يسقط ولو أسقطه، فالأخيران حق لله على العباد يتعلق بهم بالنسبة لأشخاص آخرين كما هو ظاهر في الأمثلة بخلاف القسم الأول؛ فهو حق لله على العبد مباشرة ألا يحرم ما أحله ولا يفسد مال نفسه مثلا بقطع النظر عن عبد آخر. "د".стр. 1193
وَفِيهَا١ أَيْضًا حَقٌّ لِلْعَبْدِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
جِهَةُ الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُجَازًى عَلَيْهِ بِالنَّعِيمِ٢، موقَّىً بِسَبَبِهِ عَذَابَ الْجَحِيمِ.
وَالثَّانِي:
جِهَةُ أَخْذِهِ لِلنِّعْمَةِ٣ عَلَى أَقْصَى كَمَالِهَا فِيمَا يَلِيقُ بالدنيا؛ لكن يحسبه فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، وبالله التوفيق.
[انتهى السفر الأول من كتاب [الموافقات] ٤.
الحواشي
(١) ١ أي: في العادات، والوجه الأول يتحقق إذا سار فيها على مقتضى مرضاته تعالى وأدى شكرها. "د".
٢ في الأصل: "بالنعيم".
٣ فانتفاع العبد بالطيبات من النعم جعله الله تعالى حقا من حقوقه بحسب ما هيأه له من ذلك كما قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأعراف: ٣٢] . فجعل ذلك حقا له؛ لكن لا مطلقا بل حسبما سن له ورسم حتى لا يكون فيه اعتداء على حق الغير، وكل شخص بحسب ما قسم له من ذلك؛ فليس الناس في ذلك سواء. "د".
٤ زيادة من الأصل، وسقط من النسخ المطبوعة كلها ومن "ط".стр. 1194
الاستدراكات:
استدراك ١:
وهو مأخوذ من "كشف علوم الآخرة" "ص٧٦" للغزالي، وهو طافح بالموضوعات والأباطيل، وحذر من أحاديثه ابن حجر في "الفتح" "١١/ ٤٣٤" بقوله: "وقد أكثر في هذا الكتاب من إيراد أحاديث لا أصول لها؛ فلا يغتر بشيء منها".
وورد زيادة على المذكور هنا أشياء آخر، ولكن في خبر لكعب الأحبار عند أبي نعيم في "الحلية" "٥/ ٣٧٢-٣٧٤"، وفي سنده الفرات بن السائب وهو متروك.
استدراك ٢:
١- كذا في "النفائس"، وفي جميع النسخ: "وقد".
٢- في "نفائس الأصول": "الدخان، وزفر الأذهان، فيلزم...."
استدراك ٣:
١- في"النفائس": "أو مفسدة".
٢- في "النفائس": فإنه تعالى يتوعَّد على".
стр. 1195
٥- في "النفائس": فإن المفيد هو....".
٦- كذا في "ط" و"نفائس الأصول" وفي سائر النسخ: "أن".
استدراك ٤:
وفي "ط": "التفصيل"، بالصاد المهملة مجودة، وفي "نفائس الأصول": "التفضل"، وهو الصواب، وبناء عليه تعلم ما في كلام "د" السابق.
استدراك ٥:
قلت: قاله بسبب السقط الذي وقع عنده، وهو بين معقوفتين، وسبب النزول الآتي مضى تخريجه "١/ ٩٣".
استدراك ٦:
قلت: جاء في "ط" ما يصرح بذلك، ففيه: "صار صاحبه" [واليا] ، على حظ [عام] ....".
استدراك ٧:
١- "الإحياء" "٤/ ٣٨٠"، وما بين المعقوفتين منه فقط، وفيه: "مرتبط بدل "منهمك"، و"لحظة بدل "خطرة" -وفي الأصل: "خطوة"- وفي النسخ كلها: "في عمره" و"باعث فيه"، والمثبت منه.
٢- كذا في "الإحياء" وفي النسخ جميعها: "الحياة".
٣- كذا في "الإحياء"، وفي النسخ جميعها: "ليريح نفسه ويقوي".
٤- انظره في "الإحياء" "٤/ ٣٨٠".
следующие страницы →