Полный текст (3 211 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
ثهو الِاسْمُ؛ فَنَقَلَ الْمُحَرَّمَ إِلَى اسْمٍ آخَرَ، حَتَّى يَرْتَفِعَ ذَلِكَ الْمَانِعُ فَيَحِلَّ لَهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النِّسَاءِ: ١٢] ؛ فَاسْتَثْنَى الْإِضْرَارَ، فَإِذَا أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِدِينٍ لِوَارِثٍ، أَوْ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ قَاصِدًا حِرْمَانَ الْوَارِثِ أَوْ نَقْصَهُ بَعْضَ حَقِّهِ بِإِبْدَاءِ هَذَا الْمَانِعِ مِنْ تَمَامِ حَقِّهِ؛ كَانَ مُضَارًّا، وَالْإِضْرَارُ مَمْنُوعٌ بِاتِّفَاقٍ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ: ٩١] .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: عَجِبْتُ مِمَّا يَقُولُونَ فِي الْحِيَلِ وَالْأَيْمَانِ، يُبْطِلُونَ الْأَيْمَانَ بِالْحِيَلِ، [وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النَّحْلِ: ٩١]] ١.
وَفِي الْحَدِيثِ: "لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ ٢ " ٣.
وَفِيهِ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ -يَعْنِي: الْوَبَاءَ- بِأَرْضٍ؛ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا؛ فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا منه" ٤.
стр. 527
وَالْأَدِلَّةُ هُنَا فِي الشَّرْعِ كَثِيرَةٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ السَّلَفِ الصَّالِحِ, رِضَى اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُمْ.
وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالسُّؤَالِ وَالْجَوَابِ فِي الشُّرُوطِ جارٍ مَعْنَاهُ فِي الْمَوَانِعِ، وَمِنْ هُنَالِكَ يُفْهَمُ حُكْمُهَا، وَهَلْ يَكُونُ الْعَمَلُ بَاطِلًا أَمْ لَا؛ فَيَنْقَسِمُ إِلَى الضَّرْبَيْنِ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمَانِعُ الْمُسْتَجْلِبُ مَثَلًا فِي حُكْمِ الْمُرْتَفِعِ، أَوْ لَا؛ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْحُكْمُ مُتَوَجِّهٌ، كَصَاحِبِ النِّصَابِ اسْتَدَانَ لِتَسْقُطَ عَنْهُ الزَّكَاةُ، بِحَيْثُ قَصَدَ أَنَّهُ إِذَا جَازَ الْحَوْلُ رَدَّ الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ كَانَ الْمَانِعُ وَاقِعًا شَرْعًا؛ كَالْمُطَلِّقِ خَوْفًا مِنَ انْحِتَامِ الْحِنْثِ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ -عَلَى وِزَانِ مَا تَقَدَّمَ في الشروط- ولا فائدة في التكرار.
стр. 528
النَّوْعُ الرَّابِعُ: فِي الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ ١
وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:
فِي مَعْنَى الصِّحَّةِ، وَلَفْظُ الصِّحَّةِ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ تَرَتُّبُ آثَارِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا نَقُولُ فِي الْعِبَادَاتِ: إِنَّهَا صَحِيحَةٌ بِمَعْنَى أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ، وَمُبْرِئَةٌ لِلذِّمَّةِ، وَمُسْقِطَةٌ لِلْقَضَاءِ فِيمَا فِيهِ قَضَاءٌ، وما أشبه ذلك٢ من العبارات الْمُنْبِئَةِ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَكَمَا نَقُولُ فِي الْعَادَاتِ٣: إِنَّهَا صَحِيحَةٌ، بِمَعْنَى أَنَّهَا مُحَصِّلَةٌ شَرْعًا لِلْأَمْلَاكِ, وَاسْتِبَاحَةِ٤ الْأَبْضَاعِ، وَجَوَازِ الِانْتِفَاعِ، وَمَا يُرْجَعُ٥ إِلَى ذَلِكَ.
وَالثَّانِي:
أَنْ يُرَادَ بِهِ تَرَتُّبُ آثَارِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، كَتَرَتُّبِ الثَّوَابِ؛ فَيُقَالُ: هَذَا عَمَلٌ صَحِيحٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُرْجَى٦ به الثواب في الآخرة؛ ففي
стр. 529
الْعِبَادَاتِ ظَاهِرٌ، وَفِي الْعَادَاتِ١ يَكُونُ فِيمَا نَوَى بِهِ امْتِثَالَ أَمْرِ الشَّارِعِ، وَقَصَدَ بِهِ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُخَيَّرِ إِذَا عَمِلَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الشَّارِعَ خَيَّرَهُ، لَا مِنْ حَيْثُ قَصَدَ مُجَرَّدَ حَظِّهِ فِي الِانْتِفَاعِ، غَافِلًا عَنْ أَصْلِ التَّشْرِيعِ؛ فَهَذَا أَيْضًا يُسَمَّى عَمَلًا صَحِيحًا بِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ إِطْلَاقًا غَرِيبًا لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ عُلَمَاءُ الْفِقْهِ؛ فَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ عُلَمَاءُ التَّخَلُّقُ كَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِمَّا يُحَافِظُ عَلَيْهِ السَّلَفُ الْمُتَقَدِّمُونَ، وَتَأْمَلْ مَا حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ من ذلك٢.
المسألة الثانية:
فِي مَعْنَى الْبُطْلَانِ، وَهُوَ مَا يُقَابِلُ مَعْنَى الصِّحَّةِ؛ فَلَهُ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنْ يُرَادَ بِهِ عَدَمُ تَرَتُّبِ آثَارِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا نَقُولُ فِي الْعِبَادَاتِ: إِنَّهَا غَيْرُ مُجْزِئَةٍ، وَلَا مُبْرِئَةٍ لِلذِّمَّةِ، وَلَا مَسْقَطَةٍ لِلْقَضَاءِ؛ فَكَذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّهَا بَاطِلَةٌ بِذَلِكَ الْمَعْنَى، غَيْرَ أَنَّ هُنَا نَظَرًا؛ فَإِنَّ كَوْنَ الْعِبَادَةِ بَاطِلَةً إِنَّمَا هُوَ لِمُخَالَفَتِهَا لِمَا قَصَدَ الشَّارِعُ فِيهَا، حَسْبَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَكِنْ قَدْ تَكُونُ الْمُخَالَفَةُ رَاجِعَةً إِلَى نَفْسِ الْعِبَادَةِ٣؛ فَيُطْلَقُ عَلَيْهَا لَفْظُ الْبُطْلَانِ إِطْلَاقًا؛ كَالصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، أَوْ نَاقِصَةً رَكْعَةٍ أَوْ سَجْدَةٍ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُخِلُّ بِهَا مِنَ الْأَصْلِ، وَقَدْ تَكُونُ رَاجِعَةً إِلَى وَصْفٍ خَارِجِيٍّ مُنْفَكٍّ عَنْ حقيقتها وإن كانت
стр. 530
مُتَّصِفَةً بِهِ؛ كَالصَّلَاةِ١ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مَثَلًا؛ فَيَقَعُ الِاجْتِهَادُ:
فِي اعْتِبَارِ الِانْفِكَاكِ؛ فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لِلشَّارِعِ، وَلَا يَضُرُّ حُصُولُ الْمُخَالَفَةِ مِنْ جِهَةِ الْوَصْفِ.
أَوْ فِي اعْتِبَارِ الِاتِّصَافِ؛ فَلَا تَصِحُّ بَلْ تَكُونُ فِي الْحُكْمِ بَاطِلَةً٢ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ الْمُوَافِقَةَ إِنَّمَا هِيَ الْمُنْفَكَّةُ عَنْ هَذَا الْوَصْفِ، وَلَيْسَ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ كَذَلِكَ، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا.
وَنَقُولُ أَيْضًا فِي الْعَادَاتِ: إِنَّهَا بَاطِلَةٌ، بِمَعْنَى عَدَمِ حُصُولِ فَوَائِدِهَا بِهَا شَرْعًا؛ مِنْ حُصُولِ أَمْلَاكٍ، وَاسْتِبَاحَةِ فُرُوجٍ، وَانْتِفَاعٍ بِالْمَطْلُوبِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْعَادِيَّاتُ فِي الْغَالِبِ رَاجِعَةً إِلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا؛ كَانَ النَّظَرُ فِيهَا رَاجِعًا إِلَى اعْتِبَارَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مِنْ حَيْثُ هِيَ أُمُورٌ مَأْذُونٌ فِيهَا أَوْ مَأْمُورٌ بِهَا شَرْعًا.
وَالثَّانِي: مِنْ حَيْثُ هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَاعْتَبَرَهُ قَوْمٌ بِإِطْلَاقٍ، وَأَهْمَلُوا النَّظَرَ فِي جِهَةِ الْمَصَالِحِ، وَجَعَلُوا مُخَالَفَةَ أَمْرِهِ مُخَالَفَةً لِقَصْدِهِ بِإِطْلَاقٍ؛ كَالْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ سَوَاءً، وَكَأَنَّهُمْ مَالُوا إِلَى جِهَةِ التَّعَبُّدِ -وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ "الْمَقَاصِدِ" بَيَانُ أَنَّ فِي كُلِّ مَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ تَعَبُّدًا- وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَمُوَاجَهَةُ أَمْرِ الشَّارِعِ بِالْمُخَالَفَةِ يَقْضِي بِالْخُرُوجِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ عَنْ مُقْتَضَى خِطَابِهِ، وَالْخُرُوجُ فِي الْأَعْمَالِ عَنْ خِطَابِ الشَّارِعِ يَقْضِي بِأَنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، وَغَيْرُ الْمَشْرُوعِ بَاطِلٌ؛ فَهَذَا كَذَلِكَ، كَمَا لَمْ تَصِحَّ.
стр. 531
العبادات الخارجة عن مقتضى خطاب الشارع.
فِي اعْتِبَارِ الِانْفِكَاكِ؛ فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ على الموافقة للشارع، ولا على اعتبار المصلحة، بمعنى أن المعنى أن الَّذِي لِأَجْلِهِ كَانَ الْعَمَلُ بَاطِلًا يُنْظَرُ فِيهِ: فَإِنْ كَانَ حَاصِلًا أَوْ فِي حُكْمِ الْحَاصِلِ، بِحَيْثُ١ لَا يُمْكِنُ التَّلَافِي فِيهِ؛ بَطَلَ الْعَمَلُ مِنْ أَصْلِهِ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِيمَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي أَنْ لَا مَصْلَحَةَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ لِبَادِئِ الرَّأْيِ؛ فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنْ لَا مَصْلَحَةَ فِي الْإِقْدَامِ وَإِنْ ظَنَّهَا الْعَامِلُ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ وَلَا٢ كَانَ فِي حُكْمِ الْحَاصِلِ لَكِنْ أَمْكَنَ تَلَافِيهِ، لَمْ يَحْكُمْ بِإِبْطَالِ ذَلِكَ الْعَمَلِ؛ كَمَا يقول مالك٣
стр. 532
فِي بَيْعِ الْمُدَبَّرِ: إِنَّهُ يُرَدُّ إِلَّا أَنْ يعتقه المشتري فَلَا يُرَدُّ؛ فَإِنَّ الْبَيْعَ إِنَّمَا مُنِعَ لِحَقِّ الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ، أَوْ لِحَقِّ اللَّهِ فِي الْعِتْقِ الَّذِي انْعَقَدَ سَبَبُهُ مِنْ سَيِّدِهِ وَهُوَ التَّدْبِيرُ؛ فَإِنَّ الْبَيْعَ يُفِيتُهُ فِي الْغَالِبِ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، فَإِذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي حَصَلَ قَصْدُ الشَّارِعِ فِي الْعِتْقِ؛ فَلَمْ يُرَدُّ لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ تُرَدُّ مَا لَمْ يَعْتِقِ الْمُكَاتَبُ, وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْغَاصِبِ لِلْمَغْصُوبِ، مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَوْ رَدِّهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا كَانَ لِحَقِّهِ، فَإِذَا أَجَازَهُ جَازَ، وَمِثْلُهُ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَإِذَا١ أَسْقَطَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ شَرْطَهُ؛ جَازَ مَا عَقَدَاهُ، وَمَضَى عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ، وَقَدْ يَتَلَافَى بِإِسْقَاطِ الشَّرْطِ شَرْعًا٢، كَمَا فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ٣، وَعَلَى مُقْتَضَاهُ جَرَى الْحَنَفِيَّةُ فِي تَصْحِيحِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ٤؛ كَنِكَاحِ الشَّغَارِ، وَالدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَنَحْوَهُمَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ الَّتِي هِيَ بَاطِلَةٌ عَلَى وَجْهٍ؛ فَيُزَالُ ذَلِكَ الْوَجْهُ فَتَمْضِي الْعُقْدَةُ، فَمَعْنَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ نَهْيَ الشَّارِعِ كَانَ لِأَمْرٍ، فَلَمَّا زَالَ ذَلِكَ الْأَمْرُ ارْتَفَعَ النَّهْيُ؛ فَصَارَ الْعَقْدُ مُوَافِقًا لِقَصْدِ الشَّارِعِ؛ إِمَّا عَلَى حُكْمِ الِانْعِطَافِ٥ إِنْ قَدَّرْنَا رُجُوعَ الصِّحَّةِ إِلَى الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، أَوْ غَيْرِ حُكْمِ الِانْعِطَافِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ تَصْحِيحَهُ وَقَعَ الْآنَ لَا قَبْلُ, وَهَذَا الْوَجْهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَصَالِحَ الْعِبَادِ مُغَلَّبَةٌ عَلَى حُكْمِ التَّعَبُّدِ.
وَالثَّانِي مِنَ الْإِطْلَاقَيْنِ: أَنْ يُرَادَ بِالْبُطْلَانِ عَدَمُ ترتب آثار العمل عليه في
стр. 533
الْآخِرَةِ، وَهُوَ الثَّوَابُ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ.
فَتَكُونُ الْعِبَادَةُ بَاطِلَةً بِالْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ؛ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا جَزَاءٌ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُطَابِقَةٍ لِمُقْتَضَى الْأَمْرِ بِهَا، وَقَدْ تَكُونُ صَحِيحَةً بِالْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ثَوَابٌ أَيْضًا.
فَالْأَوَّلُ: كَالْمُتَعَبِّدِ رِئَاءَ النَّاسِ؛ فَإِنَّ تِلْكَ الْعِبَادَةَ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ثَوَابٌ.
وَالثَّانِي: كَالْمُتَصَدِّقِ بِالصَّدَقَةِ يُتْبِعُهَا بِالْمَنِّ وَالْأَذَى، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ ١ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢٦٤] .
وَقَالَ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٢ [الزُّمَرِ: ٦٥] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لم يتب"٣.
стр. 534
على تأويل من جعل الإبطال حقيقة١.
стр. 535
وَتَكُونُ أَعْمَالُ الْعَادَاتِ بَاطِلَةً أَيْضًا بِمَعْنَى عَدَمِ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَكَانَتْ بَاطِلَةً بِالْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا؛ فَالْأَوَّلُ كَالْعُقُودِ الْمَفْسُوخَةِ شَرْعًا، وَالثَّانِي كَالْأَعْمَالِ الَّتِي يَكُونُ الْحَامِلُ عَلَيْهَا مُجَرَّدَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ، مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى خِطَابِ الشَّارِعِ فِيهَا؛ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَأَشْبَاهِهَا، وَالْعُقُودِ الْمُنْعَقِدَةِ بِالْهَوَى وَلَكِنَّهَا وَافَقَتِ الْأَمْرَ أَوِ الْإِذْنَ الشَّرْعِيَّ بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ، لَا بِالْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ؛ فَهِيَ أَعْمَالٌ مُقَرَّةٌ شَرْعًا لِمُوَافَقَتِهَا لِلْأَمْرِ أَوِ الْإِذْنِ، لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَصْلَحَةِ فِي الدُّنْيَا؛ فَرُوعِيَ فِيهَا هَذَا الْمِقْدَارُ مِنْ حَيْثُ وَافَقَتْ قَصْدَ الشَّارِعِ فِيهِ, وَتَبْقَى جِهَةُ قَصْدِ الِامْتِثَالِ مَفْقُودَةً؛ فَيَكُونُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ مَفْقُودًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ الَّتِي كَانَ الْبَاعِثُ عَلَيْهَا الْهَوَى الْمُجَرَّدَ، إِنْ وَافَقَتْ قَصْدَ الشَّارِعِ بَقِيَتْ بِبَقَاءِ حَيَاةِ الْعَامِلِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا فَنِيَتْ بِفَنَاءِ الدُّنْيَا وَبَطَلَتْ ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النَّحْلِ: ٩٦] .
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشُّورَى: ٢٠] .
﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢٠] .
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ نَصٌّ أَوْ ظَاهِرٌ، أَوْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى؛ فَمِنْ هُنَا أَخَذَ مَنْ تَقَدَّمَ بِالْحَزْمِ فِي الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ أَنْ يُضِيفُوا إِلَيْهَا قَصْدًا يَجِدُونَ بِهِ أَعْمَالَهُمْ فِي الْآخِرَةِ. وَانْظُرْ في "الإحياء"١ وغيره.
стр. 536
المسألة الثالثة:
مَا ذُكِرَ مِنْ إِطْلَاقِ الْبُطْلَانِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي يَحْتَمِلُ تَقْسِيمًا، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفِعْلِ الْعَادِيِّ؛ إِذْ لَا يَخْلُو الْفِعْلُ الْعَادِيُّ -إِذَا خَلَا عَنْ قَصْدِ التَّعَبُّدِ- أَنْ يُفْعَلَ بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَالْمَفْعُولُ بِقَصْدٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ مُجَرَّدَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي مُوَافَقَةِ قَصْدِ الشَّارِعِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَنْظُرَ مَعَ ذَلِكَ فِي الْمُوَافَقَةِ فَيَفْعَلَ، أَوْ فِي الْمُخَالَفَةِ فَيَتْرُكَ؛ إِمَّا اخْتِيَارًا، وَإِمَّا اضطرار؛ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا:
أَنْ يُفْعَلَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ؛ كَالْغَافِلِ وَالنَّائِمِ؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ خِطَابُ اقْتِضَاءٍ وَلَا تَخْيِيرٍ، فَلَيْسَ فِيهِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ فِي الْآخِرَةِ إِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْأَعْمَالِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، فَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ خِطَابُ تَكْلِيفٍ؛ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَمَرَتُهُ.
وَالثَّانِي:
أَنْ يُفْعَلَ لِقَصْدِ نَيْلِ غَرَضِهِ مُجَرَّدًا؛ فَهَذَا أَيْضًا لَا ثَوَابَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ, كَالْأَوَّلِ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ خِطَابُ التَّكْلِيفِ أَوْ وَقَعَ وَاجِبًا؛ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ، وَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَالْأَمَانَاتِ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا تَرْكُ الْمَنْهِيَّاتِ بِحُكْمِ الطَّبْعِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: "فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هاجر إليه" ١، ومعنى الحديث
стр. 537
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمَقْطُوعٌ بِهِ فِي الشَّرِيعَةِ.
فَهَذَا الْقِسْمُ وَالَّذِي قَبْلَهُ بَاطِلٌ بِمُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ الثَّانِي.
وَالثَّالِثُ:
أَنْ يَفْعَلَ مَعَ اسْتِشْعَارِ الْمُوَافَقَةِ اضْطِرَارًا؛ كَالْقَاصِدِ لِنَيْلِ لَذَّتِهِ مِنَ الْمَرْأَةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْهُ بِالزِّنَى لِامْتِنَاعِهَا أَوْ لِمَنْعِ أَهْلِهَا؛ عَقَدَ عَلَيْهَا عَقْدَ نِكَاحٍ لِيَكُونَ مُوَصِّلًا لَهُ إِلَى مَا قَصَدَ؛ فَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ بِالْإِطْلَاقِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى حُكْمِ الْمُوَافَقَةِ إِلَّا مُضْطَرًّا، وَمِنْ حَيْثُ كَانَ مُوَصِّلًا إِلَى غَرَضِهِ لَا مِنْ حَيْثُ أَبَاحَهُ الشَّرْعُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَاطِلٍ بِالْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الزَّكَاةُ١ الْمَأْخُوذَةُ كُرْهًا؛ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ الأول, إذ كانت مسقطة للقضاء [أ] ٢ ومبرئة لِلذِّمَّةِ، وَبَاطِلَةً عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ الثَّانِي، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْمُحَرَّمَاتِ خَوْفًا مِنَ الْعِقَابِ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا، أَوِ اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا، وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْحُدُودُ كَفَّارَاتٍ فَقَطْ٣؛ فَلَمْ يُخْبِرِ الشَّارِعُ عَنْهَا أَنَّهَا مُرَتِّبَةٌ ثَوَابًا على
стр. 538
حَالٍ، وَأَصْلُ ذَلِكَ كَوْنُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ.
وَالرَّابِعُ:
أَنْ يَفْعَلَ لَكِنْ مَعَ اسْتِشْعَارِ الْمُوَافَقَةِ اخْتِيَارًا؛ كَالْفَاعِلِ لِلْمُبَاحِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ مُبَاحٌ، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا لَمْ يَفْعَلْهُ؛ فَهَذَا الْقِسْمُ إِنَّمَا يَتَعَيَّنُ النَّظَرُ فِيهِ فِي الْمُبَاحِ، أَمَّا الْمَأْمُورُ بِهِ يَفْعَلُهُ بِقَصْدِ الِامْتِثَالِ، أَوِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ يَتْرُكُهُ بِذَلِكَ الْقَصْدِ أَيْضًا؛ فَهُوَ مِنَ الصَّحِيحِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ, كَمَا أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ أَوْ فَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ قَصْدًا لِلْمُخَالَفَةِ؛ فَهُوَ مِنَ الْبَاطِلِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ، فَإِنَّمَا يَبْقَى النَّظَرُ فِي فِعْلِ الْمُبَاحِ أَوْ تَرْكِهِ مِنْ حَيْثُ خَاطَبَهُ الشَّرْعُ بِالتَّخْيِيرِ، فَاخْتَارَ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ مِنَ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ لِمُجَرَّدِ حَظِّهِ؛ فَتَحْتَمِلُ فِي النَّظَرِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا:
أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ، بَاطِلًا بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي، وَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي تَصَوُّرِ الْمُبَاحِ بِالنَّظَرِ إِلَى نَفْسِهِ، لَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُ.
وَالثَّانِي:
أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا بِالِاعْتِبَارَيْنِ مَعًا، بِنَاءً عَلَى تَحَرِّيهِ فِي نَيْلِ حَظِّهِ مِمَّا أُذِنَ لَهُ فِيهِ، دُونَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ الْحَدِيثُ فِي الْأَجْرِ فِي وَطْءِ الزَّوْجَةِ، وَقَوْلِهِمْ: أَيَقْضِي شَهْوَتَهُ ثُمَّ يُؤْجَرُ؟ فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ! " ١، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي كِتَابِ "المقاصد" من هذا الكتاب.
стр. 539
وَالثَّالِثُ:
أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا بِالِاعْتِبَارَيْنِ مَعًا, فِي الْمُبَاحِ الَّذِي هُوَ مَطْلُوبُ الْفِعْلِ بِالْكُلِّ، وَصَحِيحًا بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ بَاطِلًا بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي, فِي الْمُبَاحِ الَّذِي هُوَ مَطْلُوبُ التَّرْكِ بِالْكُلِّ، وَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ قِسْمَيِ الْأَحْكَامِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ الْمُبَاحِ، وَالْأَوَّلُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ فِي نَفْسِهِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ إِطْلَاقِ الصِّحَّةِ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً أَوْ عَادَةً، فَإِنْ كَانَ عِبَادَةً؛ فَلَا تَقْسِيمَ فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ عَادَةً؛ فَإِمَّا أَنْ يَصْحَبَهُ مَعَ قَصْدِ التَّعَبُّدِ قَصْدُ الْحَظِّ، أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُ الْحَظِّ غَالِبًا أَوْ مَغْلُوبًا؛ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا:
مَا لَا يَصْحَبُهُ حَظٌّ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ.
وَالثَّانِي: ١
كَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ هُوَ الَّذِي لَهُ الحكم، وما سواه في حكم
стр. 540
الْمُطَّرِحِ.
وَالثَّالِثُ:
مُحْتَمِلٌ لِأَمْرَيْنِ: أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي أَيْضًا؛ إِعْمَالًا لِلْجَانِبِ الْمَغْلُوبِ، وَاعْتِبَارًا بِأَنَّ جَانِبَ الْحَظِّ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الْعَادِيَّاتِ بِخِلَافِ الْعِبَادِيَّاتِ، وَأَنْ يَكُونَ صَحِيحًا بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي؛ إِعْمَالًا لِحُكْمِ الْغَلَبَةِ، وَبَيَانُ هَذَا التَّقْسِيمِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
стр. 541
النَّوْعُ الْخَامِسُ فِي الْعَزَائِمِ وَالرُّخَصِ: ١
وَالنَّظَرُ فِيهِ فِي مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:
الْعَزِيمَةُ٢ مَا شُرِعَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ ابْتِدَاءً.
وَمَعْنَى كَوْنِهَا "كُلِّيَّةً" أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ هُمْ مُكَلَّفُونَ دُونَ بَعْضٍ، وَلَا بِبَعْضِ الْأَحْوَالِ دُونَ بَعْضٍ؛ كَالصَّلَاةِ مَثَلًا؛ فَإِنَّهَا مَشْرُوعَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ فِي كُلِّ شَخْصٍ وَفِي كُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ، وَالزَّكَاةُ، وَالْحَجُّ، وَالْجِهَادُ، وَسَائِرُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الْكُلِّيَّةِ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا مَا شُرِعَ لِسَبَبٍ مَصْلَحِيٍّ فِي الْأَصْلِ؛ كَالْمَشْرُوعَاتِ الْمُتَوَصَّلِ بِهَا إِلَى إِقَامَةِ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ, مِنَ الْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَسَائِرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ الْجِنَايَاتِ، وَالْقِصَاصِ، وَالضَّمَانِ، وَبِالْجُمْلَةِ جَمِيعُ كُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ.
وَمَعْنَى "شَرْعِيَّتِهَا ابْتِدَاءً" أَنْ يَكُونَ قَصْدُ الشَّارِعِ بِهَا إنشاء الأحكام
стр. 542
التَّكْلِيفِيَّةِ١ عَلَى الْعِبَادِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ؛ فَلَا يَسْبِقُهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنْ سَبَقَهَا وَكَانَ مَنْسُوخًا بِهَذَا الْأَخِيرِ؛ كَانَ٢ هَذَا الْأَخِيرُ كَالْحُكْمِ الِابْتِدَائِيِّ، تَمْهِيدًا لِلْمَصَالِحِ الْكُلِّيَّةِ الْعَامَّةِ.
وَلَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا مَا كَانَ مِنَ الْكُلِّيَّاتِ وَارِدًا عَلَى سَبَبٍ؛ فَإِنَّ الْأَسْبَابَ قَدْ تَكُونُ مفقودة قبل ذلك, فإذا وجد اقْتَضَتْ أَحْكَامًا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٠٤] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠٨] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٨] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ١٨٧] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٠٣] .
وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ تَمْهِيدٌ لأحكام وردت [شيئا] ٣ بعد شيء بحسب
стр. 543
الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ؛ فَكُلُّ هَذَا يَشْمَلُهُ اسْمُ الْعَزِيمَةِ، فَإِنَّهُ شَرْعٌ ابْتِدَائِيٌّ حُكْمًا١، كَمَا أَنَّ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مِنَ الْعُمُومَاتِ وَسَائِرِ الْمَخْصُوصَاتِ كُلِّيَّاتٌ ابْتِدَائِيَّةٌ أَيْضًا؛ كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] ٢: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٩] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى٣: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النِّسَاءِ: ١٩] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] .
وَنَهَى ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ٤، هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْعَزَائِمِ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَحْكَامٍ كُلِّيَّةٍ ابْتِدَائِيَّةٍ.
وَأَمَّا الرُّخْصَةُ؛ فَمَا شُرِعَ لِعُذْرٍ شَاقٍّ، اسْتِثْنَاءً مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ٥، مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ فِيهِ.
فَكَوْنُهُ "مَشْرُوعًا لِعُذْرٍ" هُوَ الْخَاصَّةُ الَّتِي٦ ذَكَرَهَا عُلَمَاءُ الأصول.
стр. 544
وَكَوْنُهُ "شَاقًّا"؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْعُذْرُ مُجَرَّدَ الْحَاجَةِ، مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ مَوْجُودَةٍ؛ فَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ رُخْصَةً؛ كَشَرْعِيَّةِ الْقِرَاضِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ لِعُذْرٍ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ عَجْزُ صَاحِبِ الْمَالِ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، وَيَجُوزُ حَيْثُ لَا عُذْرَ وَلَا عَجْزَ، وَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ، وَالْقَرْضُ، والسلَم؛ فَلَا يُسَمَّى هَذَا كُلُّهُ رُخْصَةً وَإِنَّ كَانَتْ مُسْتَثْنَاةً مِنْ أَصْلٍ مَمْنُوعٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِثْلُ هَذَا دَاخِلًا تَحْتَ أَصْلِ الْحَاجِيَّاتِ الْكُلِّيَّاتِ، وَالْحَاجِيَّاتُ لَا تُسَمَّى عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِاسْمِ الرُّخْصَةِ، وَقَدْ يَكُونُ الْعُذْرُ رَاجِعًا إِلَى أَصْلٍ تَكْمِيلِيٍّ، فَلَا يُسَمَّى رُخْصَةً أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا، أَوْ يَقْدِرُ بِمَشَقَّةٍ؛ فَمَشْرُوعٌ فِي حَقِّهِ الِانْتِقَالُ إِلَى الْجُلُوسِ، وَإِنْ كَانَ مُخِلًّا بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، لَكِنْ بِسَبَبِ الْمَشَقَّةِ اسْتُثْنِيَ فَلَمْ يَتَحَتَّمْ عَلَيْهِ الْقِيَامُ؛ فَهَذَا رُخْصَةٌ مُحَقَّقَةٌ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُتَرَخِّصُ إِمَامًا؛ فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ -ثُمَّ قَالَ:- وَإِنْ صَلَّى جَالِسًا؛ فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ" ١؛ فَصَلَاتُهُمْ جُلُوسًا وَقَعَ لِعُذْرٍ، إِلَّا أَنَّ الْعُذْرَ فِي حَقِّهِمْ لَيْسَ الْمَشَقَّةَ، بَلْ لِطَلَبِ الْمُوَافِقَةِ٢ لِلْإِمَامِ وَعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ عَلَيْهِ؛ فَلَا يُسَمَّى مِثْلُ هَذَا رُخْصَةً، وَإِنْ كَانَ مستثنى لعذر.
стр. 545
وَكَوْنُ هَذَا الْمَشْرُوعِ لِعُذْرٍ "مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ" يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ الرُّخَصَ لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ ابْتِدَاءً؛ فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ كُلِّيَّاتٍ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ عَرَضَ لَهَا ذَلِكَ؛ فَبِالْعَرَضِ، فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا أَجَزْنَا لَهُ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ؛ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، هَذَا وَإِنْ كَانَتْ آيَاتُ الصَّوْمِ نَزَلَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً؛ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ ثانٍ عَنِ اسْتِقْرَارِ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَكَذَلِكَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ١٧٣] .
وَكَوْنُهُ "مُقْتَصِرًا بِهِ عَلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ" خَاصَّةً مِنْ خَوَاصِّ الرُّخَصِ أَيْضًا لَا بُدَّ مِنْهُ١، وَهُوَ الْفَاصِلُ بَيْنَ مَا شُرع مِنَ الْحَاجِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ وَمَا شُرِعَ مِنَ الرُّخَصِ؛ فَإِنَّ شَرْعِيَّةَ الرُّخَصِ جُزْئِيَّةٌ يُقتصر فِيهَا عَلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ، فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا انْقَطَعَ سَفَرُهُ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إِلَى الْأَصْلِ مِنْ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ وَإِلْزَامِ الصَّوْمِ، وَالْمَرِيضُ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يصلِّ قَاعِدًا، وَإِذَا قَدَرَ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ لَمْ يَتَيَمَّمْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الرُّخَصِ، بِخِلَافِ الْقَرْضِ، وَالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ يُشْبِهُ الرُّخْصَةَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِرُخْصَةٍ فِي حَقِيقَةِ هَذَا الِاصْطِلَاحِ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ أَيْضًا وَإِنْ زَالَ الْعُذْرُ، فَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقْتَرِضَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى الِاقْتِرَاضِ، وَأَنْ يُسَاقِيَ حَائِطَهُ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى عَمَلِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُقَارِضَ بِمَالِهِ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى التِّجَارَةِ فِيهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالِاسْتِئْجَارِ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَزِيمَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى أَصْلٍ كُلِّيٍّ ابْتِدَائِيٍّ، وَالرُّخْصَةُ راجعة
стр. 546
إِلَى جُزْئِيٍّ مُسْتَثْنًى مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ الْكُلِّيِّ.
فَصْلٌ:
وَقَدْ تُطْلَقُ الرُّخْصَةُ عَلَى مَا اسْتُثْنِيَ مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مُطْلَقًا، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِكَوْنِهِ لِعُذْرٍ شَاقٍّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْقَرْضُ، وَالْقِرَاضُ، وَالْمُسَاقَاةُ، وَرَدُّ الصَّاعِ مِنَ الطَّعَامِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَرَّاةِ، وَبَيْعُ العريَّة بِخَرْصِهَا تَمْرًا، وَضَرْبُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ: "نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا ليس عندك"١،
стр. 547
"وأرخَصَ فِي السَّلَمِ" ١، وَكُلُّ هَذَا مُسْتَنَدٌ إِلَى أَصْلِ الْحَاجِيَّاتِ؛ فَقَدِ اشْتَرَكَتْ مَعَ الرُّخْصَةِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فِي هَذَا الْأَصْلِ، فَيَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُهَا فِي التَّسْمِيَةِ، كَمَا جَرَى عَلَيْهَا حُكْمُهَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَصْلٍ مَمْنُوعٍ، وَهُنَا أَيْضًا يَدْخُلُ مَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ جُلُوسًا اتِّبَاعًا لِلْإِمَامِ الْمَعْذُورِ، وَصَلَاةِ الْخَوْفِ الْمَشْرُوعَةِ بِالْإِمَامِ كَذَلِكَ أَيْضًا، لَكِنَّ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ تُسْتَمَدَّانِ مِنْ أَصْلِ التكميلات٢ لا
стр. 548
مِنْ أَصْلِ الْحَاجِيَّاتِ؛ فَيُطْلَقُ عَلَيْهَا لَفْظُ١ الرُّخْصَةِ وَإِنْ لَمْ تَجْتَمِعْ مَعَهَا فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الرُّخْصَةِ وَإِنِ اسْتُمِدَّتْ مِنْ أَصْلِ الضَّرُورِيَّاتِ، كَالْمُصَلِّي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ؛ فَإِنَّ الرُّخْصَةَ فِي حَقِّهِ ضَرُورِيَّةٌ لَا حَاجِيَّةٌ، وَإِنَّمَا تَكُونُ حَاجِيَّةً إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، لَكِنْ بِمَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُ فِيهِ أَوْ بِسَبَبِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ.
فَصْلٌ:
وَقَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الرُّخْصَةِ عَلَى مَا وُضِعَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ التَّكَالِيفِ الْغَلِيظَةِ وَالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٦] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٧] .
فَإِنَّ الرُّخْصَةَ فِي اللُّغَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى مَعْنَى اللِّينِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: "أَنَّهُ ﵊ صَنَعَ شَيْئًا تَرَخَّصَ فيه"٢،
стр. 549
وَيُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ مَعْنَى١ الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ" ٢، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ٣؛ فَكَانَ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ السَّمْحَةِ مِنَ الْمُسَامَحَةِ وَاللِّينِ رُخْصَةً، بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا حَمَلَتْهُ٤ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ مِنَ الْعَزَائِمِ الشَّاقَّةِ.
فَصْلٌ:
وَتُطْلَقُ الرُّخْصَةُ أَيْضًا عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْمَشْرُوعَاتِ تَوْسِعَةً عَلَى الْعِبَادِ مُطْلَقًا٥، مِمَّا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى نَيْلِ حُظُوظِهِمْ وَقَضَاءِ أَوْطَارِهِمْ؛ فَإِنَّ الْعَزِيمَةَ الْأُولَى هِيَ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٥٦] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ الْآيَةَ [طه: ١٣٢] .
وما كان نحو ذلك مما دَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَ مِلْكُ اللَّهِ٦ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ؛ فَحَقٌّ عَلَيْهِمُ التَّوَجُّهُ إِلَيْهِ، وَبَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي عِبَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ عِبَادُهُ وَلَيْسَ لَهُمْ حَقٌّ لَدَيْهِ، وَلَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَهَبَ لَهُمْ حَظًّا يَنَالُونَهُ؛ فَذَلِكَ كَالرُّخْصَةِ لَهُمْ لِأَنَّهُ تَوَجُّهٌ إِلَى غَيْرِ الْمَعْبُودِ، وَاعْتِنَاءٌ بِغَيْرِ مَا اقْتَضَتْهُ الْعُبُودِيَّةُ.
فَالْعَزِيمَةُ فِي هَذَا الْوَجْهِ هُوَ امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ، كَانَتِ الْأَوَامِرُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا، وَالنَّوَاهِي كَرَاهَةً أو تحريا، وترك٧ كل
стр. 550
مَا يَشْغَلُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ مِنَ الْآمِرِ مَقْصُودٌ أَنْ يَمْتَثِلَ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَالْإِذْنَ فِي نَيْلِ الْحَظِّ الْمَلْحُوظِ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ رُخْصَةٌ؛ فَيَدْخُلُ فِي الرُّخْصَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كُلُّ مَا كَانَ تَخْفِيفًا وَتَوْسِعَةً عَلَى الْمُكَلَّفِ؛ فَالْعَزَائِمُ حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَالرُّخَصُ حَظُّ الْعِبَادِ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ؛ فَتَشْتَرِكُ الْمُبَاحَاتُ مَعَ الرُّخَصِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، مِنْ حَيْثُ كَانَا مَعًا تَوْسِعَةً١ عَلَى الْعَبْدِ، وَرَفْعَ حَرَجٍ عَنْهُ، وَإِثْبَاتًا لِحَظِّهِ، وَتَصِيرُ الْمُبَاحَاتُ -عِنْدَ هَذَا النَّظَرِ- تَتَعَارَضُ مَعَ الْمَنْدُوبَاتِ عَلَى الْأَوْقَاتِ؛ فَيُؤْثِرُ حَظَّهُ٢ فِي الْأُخْرَى عَلَى حَظِّهِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ يُؤْثِرُ حَقَّ رَبِّهِ عَلَى حَظِّ نَفْسِهِ؛ فَيَكُونُ رَافِعًا لِلْمُبَاحِ مِنْ عَمَلِهِ رَأْسًا، أَوْ آخِذًا لَهُ حَقًّا لِرَبِّهِ؛ فَيَصِيرُ حَظُّهُ مُنْدَرِجًا تَابِعًا لِحَقِّ اللَّهِ، وحق الله هو المقدم المقصود؛ فَإِنَّ [عَلَى] ٣ الْعَبْدِ بَذْلَ الْمَجْهُودِ، وَالرَّبُّ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ.
وَهَذَا الْوَجْهُ يَعْتَبِرُهُ الْأَوْلِيَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَحْوَالِ، وَيَعْتَبِرُهُ أَيْضًا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ رَقَى عَنِ الْأَحْوَالِ، وَعَلَيْهِ يُرَبُّونَ التَّلَامِيذَ، أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ مَذَاهِبِهِمُ الْأَخْذَ بِعَزَائِمِ الْعِلْمِ وَاجْتِنَابَ الرُّخَصِ جُمْلَةً، حَتَّى آلَ الْحَالُ بِهِمْ أَنْ عدوا أصل
стр. 551
الْحَاجِيَّاتِ كُلَّهَا أَوْ جُلَّهَا مِنَ الرُّخَصِ، وَهُوَ مَا يَرْجِعُ إِلَى حَظِّ الْعَبْدِ مِنْهَا١، حَسْبَمَا بَانَ لَكَ فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ الْأَخِيرِ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا الَّذِي ذَهَبُوا إِلَيْهِ تَقْرِيرٌ فِي هَذَا النَّوْعِ, إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَصْلٌ:
وَلَمَّا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتُ الْأَرْبَعَةُ؛ ظَهَرَ أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ خَاصٌّ بِبَعْضِ النَّاسِ، وَمَا هُوَ عَامٌّ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ، فَأَمَّا الْعَامُّ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ؛ فَذَلِكَ الْإِطْلَاقُ الْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ يَقَعُ التَّفْرِيعُ فِي هَذَا النَّوْعِ، وَأَمَّا الْإِطْلَاقُ الثَّانِي؛ فَلَا كَلَامَ عليه هنا؛ إذا لَا تَفْرِيعَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّهُ إِطْلَاقٌ شَرْعِيٌّ، وَكَذَلِكَ الثَّالِثُ، وَأَمَّا الرَّابِعُ، فَلَمَّا كَانَ خَاصًّا بِقَوْمٍ؛ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ عَلَى الْخُصُوصِ، إِلَّا أَنَّ التَّفْرِيعَ عَلَى الْأَوَّلِ يَتَبَيَّنُ بِهِ التَّفْرِيعُ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى تَفْرِيعٍ خَاصٍّ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
حُكْمُ الرُّخْصَةِ الْإِبَاحَةُ مُطْلَقًا١ مِنْ حَيْثُ هِيَ رُخْصَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا:
مَوَارِدُ النُّصُوصِ عَلَيْهَا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ الآية
стр. 552
[النِّسَاءِ: ١٠١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٦] الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا١.
وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ وَالْإِثْمِ مُجَرَّدًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٣] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] ، وَلَمْ يَرِدْ فِي جَمِيعِهَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْإِقْدَامَ عَلَى الرُّخْصَةِ، بَلْ إِنَّمَا أَتَى بِمَا يَنْفِي الْمُتَوَقَّعَ فِي تَرْكِ أَصْلِ الْعَزِيمَةِ، وَهُوَ الْإِثْمُ وَالْمُؤَاخَذَةُ، عَلَى حَدِّ مَا جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ بِحَقِّ الأصل؛ كقوله تعالى: ﴿لَا جُنَا حَ ٢ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٦] .
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْ تَغُوا ٣ فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٨] .
﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٥] .
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُصَرِّحَةِ بِمُجَرَّدِ رفع الجناح، وبجواز الإقدام خاصة.
стр. 553
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ١﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٥] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِنَّا الْمُقْصِرُ٢, وَمِنَّا الْمُتِمُّ، وَلَا يَعِيبُ٣، بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ" ٤.
وَالشَّوَاهِدُ عَلَى ذلك كثيرة.
стр. 554
وَالثَّانِي:
أَنَّ الرُّخْصَةَ أَصْلُهَا التَّخْفِيفُ عَنِ الْمُكَلَّفِ وَرَفْعُ الْحَرَجِ عَنْهُ؛ حَتَّى يَكُونَ مِنْ ثِقَلِ التَّكْلِيفِ فِي سَعَةٍ وَاخْتِيَارٍ، بَيْنَ الْأَخْذِ بِالْعَزِيمَةِ، وَالْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ، وَهَذَا أَصْلُهُ الْإِبَاحَةُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٩] .
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ ١ [الْأَعْرَافِ: ٣٢] .
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النَّازِعَاتِ: ٣٣] .
بَعْدَ تَقْرِيرِ نِعَمٍ كثيرة.
وأصل الرخصة٢ السهولة، ومادة "ر خ ص" لِلسُّهُولَةِ وَاللِّينِ؛ كَقَوْلِهِمْ: شَيْءٌ رَخْصٌ٣: بَيِّنُ الرُّخُوصَةِ، وَمِنْهُ الرُّخْصُ ضِدُّ الْغَلَاءِ، وَرَخَّصَ لَهُ فِي الْأَمْرِ فَتَرَخَّصَ هُوَ فِيهِ: إِذَا لَمْ يَسْتَقْصِ لَهُ فِيهِ، فَمَالَ هُوَ إِلَى ذَلِكَ، وَهَكَذَا سَائِرُ اسْتِعْمَالِ الْمَادَّةِ٤.
وَالثَّالِثُ:
إِنَّهُ لَوْ كَانَتِ٥ الرُّخَصُ مَأْمُورًا بِهَا نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا؛ كانت عَزَائِمَ لَا رُخَصًا، وَالْحَالُ بِضِدِّ ذَلِكَ؛ فَالْوَاجِبُ هُوَ الْحَتْمُ وَاللَّازِمُ الَّذِي لَا خِيرَةَ فِيهِ،
стр. 555
وَالْمَنْدُوبُ كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي الْمَنْدُوبَاتِ: إِنَّهَا شُرِعَتْ لِلتَّخْفِيفِ وَالتَّسْهِيلِ، مِنْ حَيْثُ هِيَ مَأْمُورٌ بِهَا، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ ثَبَتَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالرُّخْصَةِ جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ، وَذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّ الرُّخْصَةَ لَا تَكُونُ مَأْمُورًا بِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ رُخْصَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُعْتَرَضٌ؛ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
إِنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَقْصُودِ الْمَسْأَلَةِ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِ الْجُنَاحِ وَالْإِثْمِ عَنِ الْفَاعِلِ لِلشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُبَاحًا، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا، أَمَّا أَوَّلًا؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥٨] ، وَهُمَا مِمَّا يَجِبُ الطَّوَافُ بَيْنَهُمَا، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَ خَّرَ ١ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٠٣] ، وَالتَّأَخُّرُ مَطْلُوبٌ طَلَبَ النَّدْبِ، وَصَاحِبُهُ أَفْضَلُ عَمَلًا مِنَ الْمُتَعَجِّلِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ نَزَلَتْ عَلَى أَسْبَابٍ حَيْثُ تَوَهَّمُوا الْجُنَاحَ، كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ٢؛ لِأَنَّا نَقُولُ: مواضع الإباحة أيضا نزلت على أسباب،
стр. 556
وَهِيَ تَوَهُّمُ الْجُنَاحِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ١ [الْبَقَرَةِ: ١٩٨] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا ٢ مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النُّورِ: ٦١] إِلَى آخِرِهَا٣.
وَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النُّورِ: ٦١] . "اسْتِدْرَاكٌ٤".
﴿وَلا جُنَاحَ ٤ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٥] .
جَمِيعُ هَذَا وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مُتَوَهَّمٌ فِيهِ الْجُنَاحُ وَالْحَرَجُ، وَإِذَا اسْتَوَى الْمَوْضُوعَانِ٥؛ لَمْ يَكُنْ فِي النَّصِّ عَلَى رَفْعِ الْإِثْمِ وَالْحَرَجِ وَالْجُنَاحِ دَلَالَةٌ عَلَى حُكْمِ الْإِبَاحَةِ عَلَى الْخُصُوصِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ حُكْمُهُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ ودليل خارجي.
стр. 557
وَالثَّانِي:
أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ نَصُّوا عَلَى رُخَصٍ مَأْمُورٍ بِهَا؛ فَالْمُضْطَرُّ إِذَا خَافَ الْهَلَاكَ وَجَبَ عَلَيْهِ تَنَاوُلُ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الْغَاذِيَةِ١ وَنَصُّوا عَلَى طَلَبِ الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ، وَأَنَّهُ سُنَّةٌ، وَقِيلَ فِي قَصْرِ الْمُسَافِرِ: إِنَّهُ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ، وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ ٢ " ٣، وَقَالَ رَبُّنَا تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٥] إِلَى كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَصِحَّ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّ حُكْمَ الرُّخَصِ الْإِبَاحَةُ دُونَ التَّفْصِيلِ.
فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: إِنَّهُ لَا يُشَكُّ أَنَّ رَفْعَ الْحَرَجِ وَالْإِثْمِ فِي وَضْعِ اللِّسَانِ إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الْقَرَائِنِ يَقْتَضِي الْإِذْنَ فِي التَّنَاوُلِ وَالِاسْتِعْمَالِ، فَإِذَا خُلِّينَا وَاللَّفْظَ كَانَ رَاجِعًا إِلَى مَعْنَى الْإِذْنِ فِي الْفِعْلِ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَإِنْ كَانَ لِرَفْعِ الْجُنَاحِ وَالْحَرَجِ سَبَبٌ خَاصٌّ؛ فَلَنَا أَنْ نَحْمِلَهُ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ لَا عَلَى خُصُوصِ السَّبَبِ؛ فَقَدْ يُتَوَهَّمُ فِيمَا هُوَ مُبَاحٌ شَرْعًا أَنَّ فِيهِ إِثْمًا، بِنَاءً عَلَى اسْتِقْرَارِ عَادَةٍ تَقَدَّمَتْ، أَوْ رَأْيٍ عَرَضَ، كَمَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُمُ الْإِثْمَ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ بِالثِّيَابِ، وَفِي بَعْضِ الْمَأْكُولَاتِ، حَتَّى نَزَلَ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٢] ، وَكَذَلِكَ فِي الأكل من بيوت الآباء
стр. 558
وَالْأُمَّهَاتِ وَسَائِرِ مَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ، وَفِي التَّعْرِيضِ بِالنِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥٨] ، يُعْطِي مَعْنَى الْإِذْنِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ وَاجِبًا١؛ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥٨] ، أَوْ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ؛ فَيَكُونُ التَّنْبِيهُ هُنَا عَلَى مُجَرَّدِ الْإِذْنِ الَّذِي يَلْزَمُ الْوَاجِبَ مِنْ جِهَةِ مُجَرَّدِ الْإِقْدَامِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ جَوَازِ التَّرْكِ أَوْ عَدَمِهِ.
وَلَنَا أَنْ نَحْمِلَهُ٢ عَلَى خُصُوصِ السَّبَبِ، وَيَكُونُ قوله في مثل الآية٣: ﴿مِنْ شَعَائِرِ﴾ [البقرة: ١٥٨] قَرِينَةً صَارِفَةً لِلَّفْظِ عَنْ مُقْتَضَاهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، أَمَّا مَا لَهُ سَبَبٌ مِمَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ مُبَاحٌ؛ فَيَسْتَوِي مَعَ مَا لَا سَبَبَ لَهُ فِي مَعْنَى الْإِذْنِ، وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ يَجْرِي الْقَوْلُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى٤، وَسَائِرِ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالرُّخْصَةِ جَمْعٌ بَيْنَ
стр. 559
مُتَنَافِيَيْنِ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَرْجِعَ الْوُجُوبُ أَوِ الندب إلى عزيمة أصلية١، لا إلى الرخصة بِعَيْنِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُضْطَرَّ الَّذِي لَا يَجِدُ مِنَ الْحَلَالِ مَا يَرُدُّ بِهِ نَفْسَهُ أُرْخِصَ لَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ؛ قَصْدًا لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ وَرَدًّا٢ لِنَفْسِهِ مِنْ أَلَمِ الْجُوعِ فَإِنْ خَافَ التَّلَفَ وَأَمْكَنَهُ تَلَافِي نَفْسِهِ بِأَكْلِهَا؛ كَانَ مَأْمُورًا بِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، كَمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِإِحْيَاءِ غَيْرِهِ مِنْ مِثْلِهَا إِذَا أَمْكَنَهُ تَلَافِيهِ، بَلْ هُوَ مِثْلُ مَنْ صَادَفَ شَفَا جُرُفٍ يَخَافُ الْوُقُوعَ فِيهِ؛ فَلَا شَكَّ أَنَّ٣ الزَّوَالَ عَنْهُ مَطْلُوبٌ، وَأَنَّ إِيقَاعَ نَفْسِهِ فِيهِ مَمْنُوعٌ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُسَمَّى رُخْصَةً؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَصْلٍ كُلِّيٍّ ابْتِدَائِيٍّ، فَكَذَلِكَ مَنْ خَافَ التَّلَفَ إِنْ تَرَكَ أَكْلَ الْمَيْتَةِ هُوَ مَأْمُورٌ بِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ؛ فَلَا يُسَمَّى رُخْصَةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ سُمِّيَ رُخْصَةً مِنْ جِهَةِ رَفْعِ الْحَرَجِ عَنْ نَفْسِهِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ إِحْيَاءَ النَّفْسِ عَلَى الْجُمْلَةِ مَطْلُوبٌ طَلَبَ الْعَزِيمَةِ، وَهَذَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الرُّخْصَةَ مَأْذُونٌ فِيهَا لِرَفْعِ الْحَرَجِ، وَهَذَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهَا؛ فَلَمْ تَتَّحِدِ الْجِهَتَانِ، وَإِذَا تعددت الجهات؛ زال التدافع، وذهب التنافي،
стр. 560
وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ١.
وَأَمَّا جَمْعُ عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَنَحْوُهُ؛ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالطَّلَبِ رُخْصَةٌ، بَلْ هُوَ عَزِيمَةٌ مُتَعَبَّدٌ بِهَا عِنْدَهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ -رِضَى اللَّهِ عَنْهَا- فِي الْقَصْرِ: "فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ"٢ الْحَدِيثَ، وَتَعْلِيلُ الْقَصْرِ بِالْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ؛ إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ رَفْعًا لِلْحَرَجِ يُسَمَّى رُخْصَةً٣ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ الْعَامِّ، وَإِلَّا؛ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا رُخْصَةً لِخِفَّتِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَوْ يَكُونَ شَرْعُ الصَّلَاةِ خَمْسًا رُخْصَةً؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ فِي السَّمَاءِ خَمْسِينَ, وَيَكُونُ الْقَرْضُ، وَالْمُسَاقَاةُ، وَالْقِرَاضُ، وَضَرْبُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ رُخْصَةً، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ كَمَا تَقَدَّمَ؛ فَكُلُّ مَا خَرَجَ٤ عَنْ مُجَرَّدِ الْإِبَاحَةِ فَلَيْسَ بِرُخْصَةٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخْصُهُ" ٥؛ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إن شاء الله تعالى.
стр. 561
وَأَيْضًا؛ فَالْمُبَاحَاتُ مِنْهَا مَا هُوَ مَحْبُوبٌ١، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُبْغَضٌ؛ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ؛ فَلَا تَنَافِيَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ] ٢﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٥] ، وَمَا كَانَ نَحْوَهُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ شَرْعِيَّةَ الرُّخَصِ الْمُبَاحَةِ تَيْسِيرُ وَرَفْعُ حَرَجٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
أَنَّ الرُّخْصَةَ إِضَافِيَّةٌ لَا أَصْلِيَّةٌ، بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ فِي الْأَخْذِ بِهَا فَقِيهُ نَفْسِهِ، مَا لَمْ يُحَدَّ فِيهَا حَدٌّ شَرْعِيٌّ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا:
إِنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ الْمَشَقَّةُ٣، وَالْمَشَاقُّ تختلف بالقوة والضعف و٤ بحسب الْأَحْوَالِ، وَبِحَسَبِ قُوَّةِ الْعَزَائِمِ وَضَعْفِهَا، وَبِحَسَبَ الْأَزْمَانِ، وَبِحَسَبِ الْأَعْمَالِ؛ فَلَيْسَ سَفَرُ الْإِنْسَانِ رَاكِبًا مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي رِفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ، وَأَرْضٍ مَأْمُونَةٍ، وَعَلَى بُطْءٍ، وَفِي زَمَنِ الشِّتَاءِ، وَقِصَرِ الْأَيَّامِ؛ كَالسَّفَرِ عَلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ فِي الْفِطْرِ وَالْقَصْرِ، وَكَذَلِكَ الصَّبْرُ٥ عَلَى شَدَائِدِ السَّفَرِ وَمَشَقَّاتِهِ يختلف؛ فرُبَّ
стр. 562
رَجُلٍ جَلْدٍ ضَرِيَ عَلَى قَطْعِ الْمَهَامِهِ١ حَتَّى صَارَ لَهُ ذَلِكَ عَادَةً لَا يَحْرَجُ بِهَا وَلَا يَتَأَلَّمُ بِسَبَبِهَا، يَقْوَى عَلَى عِبَادَاتِهِ، وَعَلَى أَدَائِهَا عَلَى كَمَالِهَا وَفِي أَوْقَاتِهَا، وَرَبُّ رَجُلٍ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَيَخْتَلِفُ أَيْضًا بِاخْتِلَافِ الْجُبْنِ وَالشَّجَاعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يُقْدَرُ عَلَى ضَبْطِهَا، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَلَيْسَ لِلْمَشَقَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّخْفِيفَاتِ ضَابِطٌ مَخْصُوصٌ، وَلَا حَدٌّ مَحْدُودٌ يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ النَّاسِ، وَلِذَلِكَ أَقَامَ الشَّرْعُ فِي جُمْلَةٍ مِنْهَا السَّبَبَ مَقَامَ الْعِلَّةِ؛ فَاعْتَبَرَ السَّفَرَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَظَانِّ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ، وَتَرَكَ كُلَّ مُكَلَّفٍ عَلَى مَا يَجِدُ، أَيْ: إِنْ كَانَ قَصْرٌ أَوْ فِطْرٌ؛ فَفِي السَّفَرِ، وَتَرَكَ كَثِيرًا مِنْهَا مَوْكُولًا إِلَى الِاجْتِهَادِ كَالْمَرَضِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَقْوَى فِي مَرَضِهِ عَلَى مَا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ الْآخَرُ؛ فَتَكُونُ الرُّخْصَةُ مَشْرُوعَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَهَذَا لَا مِرْيَةَ فِيهِ، فَإِذًا؛ لَيْسَتْ أَسْبَابُ الرُّخَصِ بِدَاخِلَةٍ تَحْتَ قَانُونٍ أَصْلِيٍّ، وَلَا ضَابِطٍ مَأْخُوذٍ بِالْيَدِ، بَلْ هُوَ إِضَافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مُخَاطَبٍ فِي نَفْسِهِ، فَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُضْطَرِّينَ مُعْتَادًا لِلصَّبْرِ عَلَى الْجُوعِ، وَلَا تَخْتَلُّ حَالُهُ بِسَبَبِهِ، كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ، وَكَمَا ذُكِرَ عَنِ الْأَوْلِيَاءِ؛ فَلَيْسَتْ إِبَاحَةُ الْمَيْتَةِ لَهُ عَلَى وِزَانِ مَنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ٢، هَذَا وَجْهٌ.
وَالثَّانِي:
إِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْعَامِلِ الْمُكَلَّفِ حَامِلٌ عَلَى الْعَمَلِ حَتَّى يَخِفَّ عَلَيْهِ مَا يَثْقُلُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ، وَحَسْبُكَ مِنْ ذَلِكَ أخبار المحبين الذين صابروا
стр. 563
الشَّدَائِدَ، وَحَمَلُوا أَعْبَاءَ الْمَشَقَّاتِ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، مِنْ إِتْلَافِ مُهَجِهِمْ إِلَى مَا دُونَ ذَلِكَ، وَطَالَتْ عَلَيْهِمُ الْآمَادُ وَهُمْ عَلَى أَوَّلِ أَعْمَالِهِمْ، حِرْصًا عَلَيْهَا وَاغْتِنَامًا لَهَا، طَمَعًا فِي رِضَى الْمَحْبُوبِينَ، وَاعْتَرَفُوا بِأَنَّ تِلْكَ الشَّدَائِدَ وَالْمَشَاقَّ سَهْلَةٌ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَذَّةٌ لَهُمْ وَنَعِيمٌ، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَأَلَمٌ أَلِيمٌ؛ فَهَذَا مِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْمَشَاقِّ تَخْتَلِفُ بِالنِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ، وَذَلِكَ يَقْضِي بِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَبْنِيَّ عَلَيْهَا يَخْتَلِفُ بِالنِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ.
وَالثَّالِثُ:
مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا مِنَ الشَّرْعِ؛ كَالَّذِي جَاءَ فِي وِصَالِ الصِّيَامِ، وَقَطْعِ الْأَزْمَانِ فِي الْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّ الشَّارِعَ أَمَرَ بِالرِّفْقِ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ، ثُمَّ فَعَلَهُ١ مِنْ بَعْدُ النَّبِيُّ ﷺ عِلْمًا بِأَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ وَهُوَ الْحَرَجُ وَالْمَشَقَّةُ مَفْقُودٌ فِي حَقِّهِمْ؛ وَلِذَلِكَ أَخْبَرُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ مَعَ وِصَالِهِمُ الصِّيَامَ لَا يَصُدُّهُمْ ذَلِكَ عَنْ حوائجهم، ولا يقطهم عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِهِمْ؛ فَلَا حَرَجَ فِي حَقِّهِمْ، وَإِنَّمَا الْحَرَجُ فِي حَقِّ مَنْ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ضَرُورَاتِهِ وَحَاجَاتِهِ٢، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ إِضَافِيًّا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ الرُّخْصَةُ كَذَلِكَ، لَكِنْ هَذَا الْوَجْهُ اسْتِدْلَالٌ بِجِنْسِ الْمَشَقَّةِ٣ عَلَى نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهَا، وَهُوَ غير منتهض إلا أن يجعل
стр. 564
مُنْضَمًّا إِلَى مَا قَبْلَهُ؛ فَالِاسْتِدْلَالُ بِالْمَجْمُوعِ صَحِيحٌ, حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي فَصْلِ الْعُمُومِ فِي كِتَابِ الْأَدِلَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ١: الْحَرَجُ الْمُعْتَبَرُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الرُّخْصَةِ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِي الْمُكَلَّفِ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ بِسَبَبِهِ عَلَى التَّفَرُّغِ لِعَادَةٍ وَلَا لِعِبَادَةٍ، أَوْ لَا يُمْكِنُ٢ لَهُ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا أُمِرَ بِهِ، أَوْ يَكُونَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ، بَلْ يَكُونُ مَغْلُوبَ صَبْرِهِ وَمَهْزُومَ عَزْمِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ؛ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ محل الرخصة، إلا أن يُطْلَبُ فِيهِ الْأَخْذُ بِالرُّخْصَةِ وُجُوبًا٣ أَوْ نَدْبًا عَلَى حَسَبِ تَمَامِ الْقَاطِعِ عَنِ الْعَمَلِ أَوْ عَدَمِ تَمَامِهِ، وَإِذَا كَانَتْ مَأْمُورًا بِهَا٤؛ فَلَا تَكُونُ رُخْصَةً كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ عَزِيمَةً، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي؛ فَلَا حَرَجَ٥ فِي الْعَمَلِ وَلَا مَشَقَّةَ، إِلَّا [مَا] ٦ فِي الْأَعْمَالِ الْمُعْتَادَةِ، وَذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَهُ حَرَجًا يَنْتَهِضُ عِلَّةً لِلرُّخْصَةِ، وَإِذَا انْتَفَى مَحَلُّ الرُّخْصَةِ فِي الْقِسْمَيْنِ وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا؛ ارْتَفَعَتِ الرُّخْصَةُ مِنْ أَصْلِهَا، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى وجودها معلوم، هذا خلف؛
стр. 565
فَمَا انْبَنَى عَلَيْهِ مِثْلُهُ.
فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مُنْقَلِبٌ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الرُّخَصُ كُلُّهَا مَأْمُورًا بِهَا وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا، إِذْ مَا مِنْ رُخْصَةٍ تُفْرَضُ إِلَّا وَهَذَا الْبَحْثُ جارٍ فيها, فإذا كان مشترك الإلزام؛ لم ينتهض دَلِيلًا١، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْإِلْزَامَاتِ.
وَالثَّانِي:
إِنَّهُ إِنْ سَلَّمَ؛ فَلَا يَلْزَمُ السُّؤَالُ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
إِنَّ انْحِصَارَ الرُّخَصِ فِي الْقِسْمَيْنِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ لِإِمْكَانِ قِسْمٍ ثَالِثٍ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الْحَرَجُ مُؤَثِّرًا فِي الْعَمَلِ، وَلَا يَكُونَ الْمُكَلَّفُ رَخِيَّ الْبَالِ عِنْدَهُ٢، وَكُلُّ أَحَدٍ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ فِي الْمَرَضِ أَوِ السَّفَرِ حَرَجًا فِي الصَّوْمِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ عَنْ سَفَرِهِ، وَلَا يُخِلُّ بِهِ فِي مَرَضِهِ، وَلَا يُؤَدِّيهِ إِلَى الْإِخْلَالِ بِالْعَمَلِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يَعْرِضُ مِنَ الرُّخَصِ، جارٍ فِيهِ هَذَا التَّقْسِيمُ، وَالثَّالِثُ هُوَ مَحَلُّ الْإِبَاحَةِ؛ إِذْ لَا جَاذَبَ [لَهُ] ٣ يَجْذِبُهُ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ.
وَالْآخَرُ:
أَنَّ طَلَبَ الشَّرْعِ لِلتَّخْفِيفِ حَيْثُ طَلَبُهُ٤ لَيْسَ مِنْ جهة كونه
следующие страницы →