Полный текст (3 211 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
أَيْضًا، فَإِذَا وَجَدْنَا الْمَظِنَّةَ اعْتَبَرْنَاهَا كَانَتْ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً، فَإِنَّ الشَّارِعَ قَدْ أَجْرَى الظَّنَّ فِي تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ مَجْرَى الْقَطْعِ، فَمَتَى ظُنَّ وُجُودُ سَبَبِ الْحُكْمِ اسْتَحَقَّ السَّبَبُ لِلِاعْتِبَارِ؛ فَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ عَلَى أَنَّ الدَّلَائِلَ الظَّنِّيَّةَ تَجْرِي فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ مَجْرَى الدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْقَاطِعَ إِذَا عَارَضَ الظَّنَّ سَقَطَ اعْتِبَارُ الظَّنِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّمَا ذَلِكَ فِي بَابِ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِحُكْمِ الْآخَرِ جُمْلَةً، أَمَّا إِذَا كَانَا جَارِيَيْنِ مَجْرَى الْعَامِّ مَعَ الْخَاصِّ، أَوِ الْمُطْلَقِ مَعَ الْمُقَيَّدِ؛ فَلَا، وَمَسْأَلَتُنَا مِنْ هَذَا الثَّانِي لَا مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْعَزَائِمَ وَاقِعَةٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِشَرْطِ أَنْ لَا حَرَجَ، فَإِنْ كَانَ الْحَرَجُ؛ صَحَّ اعْتِبَارُهُ وَاقْتَضَى الْعَمَلَ بِالرُّخْصَةِ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ قَدْ تَنْسَخُ حُكْمَ الْقَطْعِ السَّابِقِ، كَمَا إِذَا كَانَ الْأَصْلُ التَّحْرِيمَ فِي الشَّيْءِ، ثُمَّ طَرَأَ سَبَبٌ مُحَلِّلٌ ظَنِّيٌّ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الصَّائِدِ أَنَّ مَوْتَ الصَّيْدِ بِسَبَبِ ضَرْبِ الصَّائِدِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِهِ أَوْ يُعِينَ عَلَى مَوْتِهِ غَيْرَهُ؛ فَالْعَمَلُ عَلَى مُقْتَضَى الظَّنِّ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا؛ فَاسْتِصْحَابُهُ مَعَ هَذَا الْمُعَارِضِ الظَّنِّيِّ لَا يُمْكِنُ؛ إِذْ لَا يَصِحُّ بَقَاءُ الْقَطْعِ بِالتَّحْرِيمِ مَعَ وُجُودِ الظَّنِّ هُنَا، بَلْ مَعَ الشَّكِّ؛ فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ لَا تُبْقِي لِلْقَطْعِ الْمُتَقَدِّمِ حُكْمًا، وَغَلَبَاتُ الظُّنُونِ مُعْتَبِرَةٌ؛ فَلْتَكُنْ مُعْتَبِرَةً فِي التَّرَخُّصِ.
وَالثَّانِي ١:
إِنَّ أَصْلَ الرُّخْصَةِ وَإِنْ كَانَ جُزْئِيًّا بِالْإِضَافَةِ إِلَى عَزِيمَتِهَا؛
الحواشي
(١) ١ معارض للوجه الثاني في ترجيح العزيمة، وهو أيضا إنما يفيد أنه لا ترجح للعزيمة. "د".стр. 597
فذلك غير مؤثر وإلا لزم أن يقدح فِيمَا أُمِرَ بِهِ١ بِالتَّرَخُّصِ، بَلِ الْجُزْئِيُّ إِذَا كَانَ مُسْتَثْنًى مِنْ كُلِّيٍّ؛ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ لِلْعُمُومِ، أَوْ مِنْ بَابِ التَّقْيِيدِ لِلْإِطْلَاقِ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْأُصُولِ الْفِقْهِيَّةِ صِحَّةُ تَخْصِيصِ الْقَطْعِيِّ بِالظَّنِّيِّ؛ فَهَذَا أَوْلَى٢، وَأَيْضًا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ الرُّجُوعَ إِلَى التَّخْصِيصِ وَهُوَ بِظَنِّيٍّ، دُونَ أَصْلِ الْعُمُومِ وَهُوَ قَطْعِيٌّ؛ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَكَمَا لَا يَنْخَرِمُ الْكُلِّيُّ بِانْخِرَامِ بَعْضِ جُزْئِيَّاتِهِ -كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ- فَكَذَلِكَ هُنَا، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَنْخَرِمَ بِالرُّخَصِ الْمَأْمُورِ بِهَا، وَذَلِكَ فَاسِدٌ؛ فَكَذَلِكَ مَا أَدَّى إِلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ ٣:
إِنَّ الْأَدِلَّةَ عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بَلَغَتْ مَبْلَغَ الْقَطْعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الْحَجِّ: ٧٨] .
وَسَائِرِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٥] .
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النِّسَاءِ: ٢٨] .
﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٣٨] .
الحواشي
(١) ١ في "ط": "منه".
٢ لأنه تخصيص قطعي بقطعي، فإن ورود الرخصة مقطوع به أيضا، وقوله: "وأيضا" يعني بعد تسليم أن النظر في الرخصة إلى سببها، وهو موضع اجتهاد وظن لا قطع؛ فإن التخصيص كله يرجع إليه، ولو كان بظني في مقابلة عموم قطعي، وقد راعى في هذا معارضة كل ما سبق في الوجه الثاني تفصيلا. "د".
٣ وهذا معارض للثالث، وهو أن الأدلة جاءت بالوقوف عند حد الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُجَرَّدًا، وَالصَّبْرِ عَلَى حُلْوِهِ وَمُرِّهِ وإن انتهض موجب العزيمة، أي: إن هذا يعارضه الأدلة الدالة على التيسير ورفع الحرج عن الأمة والامتنان به عليها، وهذا أيضا إنما يفيد أن العزيمة ليست بأولى كأصل دعواه، ثم أضرب عنه في آخر الدليل بما يقتضي ترجح الرخصة، ويكون فيه المدعى وزيادة. "د".
وانظر في تفصيل ما ذكره المصنف هنا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "١٠/ ٦٢٢".стр. 598
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٧] .
وَقَدْ سُمِّيَ هَذَا الدِّينُ "الْحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ"١ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّسْهِيلِ وَالتَّيْسِيرِ، وَأَيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَسَائِلِ٢ قَبْلَ هَذَا أَدِلَّةُ إِبَاحَةِ الرُّخَصِ، وَكُلُّهَا وَأَمْثَالُهَا جَارِيَةٌ هُنَا، وَالتَّخْصِيصُ بِبَعْضِ الرُّخَصِ دُونَ بَعْضٍ تَحَكُّمٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَشَقَّةَ إِذَا كَانَتْ قَطْعِيَّةً؛ فَهِيَ الْمُعْتَبَرَةُ دُونَ الظَّنِّيَّةِ.
فَإِنَّ الْقَطْعَ مَعَ الظَّنِّ مُسْتَوَيَانِ فِي الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْفَرْقُ فِي التَّعَارُضِ، وَلَا تَعَارُضَ فِي اعْتِبَارِهِمَا مَعًا ههنا، وَإِذْ ذَاكَ لَا يَكُونُ الْأَخْذُ بِالْعَزِيمَةِ دُونَ الرُّخْصَةِ أَوْلَى، بَلْ قَدْ يُقَالُ: الْأَوْلَى الْأَخْذُ بِالرُّخْصَةِ؛ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ الْعَبْدِ مَعًا؛ فَإِنَّ الْعِبَادَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا وَاقِعَةٌ لَكِنْ عَلَى مُقْتَضَى الرُّخْصَةِ، لَا أَنَّهَا سَاقِطَةٌ رَأْسًا بِخِلَافِ الْعَزِيمَةِ؛ فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتْ حَقَّ اللَّهِ مُجَرَّدًا، وَاللَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، وَإِنَّمَا الْعِبَادَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى حَظِّ الْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَالرُّخْصَةُ أَحْرَى لِاجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ فِيهَا.
وَالرَّابِعُ ٣:
إِنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الرُّخْصَةِ الرِّفْقُ بِالْمُكَلَّفِ عَنْ تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ؛ فَالْأَخْذُ بِهَا مُطْلَقًا مُوَافَقَةٌ لقصده، بخلاف الطرف الآخر؛ فإنه
الحواشي
(١) ١ كما ورد في "مسند أحمد" "٦/ ١١٦، ٢٣٣" من حديث عائشة مرفوعا بسند حسن، قاله ابن حجر في "تغليق التعليق" "١/ ٤٣"، وفيه: "وفي الباب عن أبي بن كعب وجابر وابن عمر وأبي أمامة وأبي هريرة وأسعد بن عبد الله الخزاعي وغيرهم"، ونحوه في "هدي الساري" "١٢٠"، وقد خرجتها في تعليقي على "الجواب الذي انضبط ... " للسخاوي "٤٤/ ٤٦"، وانظر تعليقي عليه "٢/ ١٢٢".
٢ في الأصل: "المسألة".
٣ معارض للوجه الرابع، وقوله: "بخلاف الطرف الآخر" يقتضي ترجيح الرخصة؛ ففيه المدعى وزيادة. "د".стр. 599
مَظِنَّةُ التَّشْدِيدِ، وَالتَّكَلُّفِ، وَالتَّعَمُّقِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْآيَاتِ [وَالْأَحَادِيثِ] ١؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٥] .
وَفِي الْتِزَامِ الْمَشَاقِّ تَكْلِيفٌ٢ وَعُسْرٌ، وَفِيهَا٣ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: "لَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً مَا لَأَجْزَأَتْهُمْ، وَلَكِنْ شَدَّدُوا؛ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ" ٤، وَفِي الْحَدِيثِ: "هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ" ٥.
وَنَهَى ﷺ عَنِ التَّبَتُّلِ وَقَالَ: "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي؛ فَلَيْسَ مِنِّي" ٦ بِسَبَبِ مَنْ عَزَمَ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ، وقيام الليل، واعتزال النساء، إلى أنواع [من] الشِّدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأُمَمِ؛ فَخَفَّفَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
الحواشي
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط من "د".
٢ و٣ سياق الأصل و"ط": "تكلف وعسر، وفيما روي".
٤ مضى تخريجه "ص٤٥"، وإسناده صحيح.
٥ أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، ٤/ ٢٠٥٥/ رقم ٢٦٧٠"، وأحمد في "المسند" "١/ ٣٨٦"، وأبو داود في "السنن" "كتاب السنة، باب لزوم السنة، ٤/ ٢٠١/ رقم ٤٦٠٨"، والطبراني في "الكبير" "١٠/ ٢١٦".
٦ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، ٩/ ١٠٤/ رقم ٥٠٣٦"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة، ٢/ ١٠٢٠/ ١٤٠١" من حديث أنس بن مالك ﵁ وأخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب فضائل القرآن، باب قول المقرئ للقارئ: حسبك، ٩/ ٩٤/ رقم ٥٠٥٢" دون لفظة: "من رغب ... "، وهي ثابتة من طريق سند البخاري؛ كما عند اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "١/ ٩٧".стр. 600
وَقَدْ تَرَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْوَاعٍ مِنَ التَّرَخُّصِ خَالِيًا١ وَبِمَرْأًى مِنَ النَّاسِ؛ كَالْقَصْرِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ٢، وَالصَّلَاةِ جَالِسًا حِينَ جُحِشَ شِقُّه٣، وَكَانَ -حِينَ بَدَّنَ٤- يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ قَاعِدًا، حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ؛ قَامَ فَقَرَأَ شَيْئًا ثُمَّ رَكَعَ٥، وَجَرَى أَصْحَابُهُ ﵃ ذَلِكَ الْمَجْرَى من غير عَتْب ولا لوم،
الحواشي
(١) ١ إنما ذكره؛ لأنه لو كان ترخصه بمرأى من الناس فقط لقيل: إن ذلك للتشريع؛ فلا يقوم حجة على أن العزيمة لا تفضل الرخصة. "د".
٢ أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب تقصير الصلاة، باب يقصر إذا خرج من موضعه، ٢/ ٥٦٩"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، ١/ ٤٨٠/ رقم ٦٩٠" عن أنس أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين.
وأخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان، ٨/ ٣/ رقم ٤٢٧٥"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية إذا كان سفره مرحلتين فأكثر، ٢/ ٧٨٤/ رقم ١١١٣" عن ابن عباس؛ قال: إن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح في رمضان؛ فصام حتى بلغ الكَديد، ثم أفطر، وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره.
٣ أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، ٢/ ١٧٣/ رقم ٦٨٩، وكتاب تقصير الصلاة، باب صلاة القاعد، ٣/ ٥٨٤/ رقم ١١١٤"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، ١/ ٣٠٨/ رقم ٤١١" من حديث أنس ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ ركب فرسا فصرع عنه، فجحش شقه، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد؛ فصلينا وراءه قعودا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به ... وإذا صلى جالسا, فصلوا جلوسا أجمعون ".
٤ يقال: بَدَّنَ الرجل؛ بفتح الدال مشددة؛ إذا أسن، وتوضحها رواية في البخاري: "حتى أسن"، وفي رواية أخرى: "حتى إذا كبر" "خ".
٥ أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب تقصير الصلاة، باب إذا صلى قاعدا ثم صح، ٢/ ٥٨٩/ رقم ١١١٨, ١١١٩، وكتاب التهجد، باب قيام النبي ﷺ بالليل في رمضان وغيره، ٣/ ٣٣/ رقم ١١٤٨"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز النافلة قائما وقاعدا، ١/ ٥٠٥/ رقم ٧٣١، ٧٣٢" من حديث عائشة، ﵂.стр. 601
كَمَا قَالَ: "وَلَا يَعِيبُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ"، وَالْأَدِلَّةُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ.
وَالْخَامِسُ ١:
أَنَّ تَرْكَ التَّرَخُّصِ مَعَ ظَنِّ سَبَبِهِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الِانْقِطَاعِ عَنِ الِاسْتِبَاقِ إِلَى الْخَيْرِ، وَالسَّآمَةِ وَالْمَلَلِ، وَالتَّنْفِيرِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْعِبَادَةِ، وَكَرَاهِيَةِ الْعَمَلِ، وَتَرْكِ الدَّوَامِ، وَذَلِكَ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ فِي الشَّرِيعَةِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَوَهَّمَ التَّشْدِيدَ أَوْ طُلِبَ [بِهِ] أَوْ قِيلَ لَهُ فِيهِ؛ كَرِهَ ذَلِكَ وملَّه، وَرُبَّمَا عَجَزَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَصْبِرُ أَحْيَانًا وَفِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَلَا يَصْبِرُ فِي بَعْضٍ، وَالتَّكْلِيفُ دَائِمٌ، فَإِذَا لَمْ يَنْفَتِحْ لَهُ مِنْ بَابِ التَّرَخُّصِ إِلَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى مَسْأَلَةِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ٢، وَسُدَّ عَنْهُ مَا سِوَى ذَلِكَ؛ عَدَّ الشَّرِيعَةَ شَاقَّةً، وَرُبَّمَا سَاءَ ظَنُّهُ بِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَائِلُ رَفْعِ الْحَرَجِ، أَوِ انْقَطَعَ أَوْ عَرَضَ لَهُ بَعْضُ مَا يَكْرَهُ شَرْعًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ٧] .
وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٧] .
قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ تَشْدِيدًا على النفس٣؛ فسمي
الحواشي
(١) ١ معارض للخامس. "د".
٢ أي: تحقيقا أو بظن قوي يلحق به، كما سبق في ضابط المسألة السابعة. "د".
٣ يشير المصنف إلى ما أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب التفسير، باب في تفسير سورة المائدة، ٥/ ٢٥٥-٢٥٦/ رقم ٣٠٥٤"، وابن جرير في "التفسير" "١٠/ ٥٢٠/ رقم ١٢٣٥٠"، والطبراني في "المعجم الكبير" "١١/ ٣٥٠/ رقم ١١٩٨١"، وابن عدي في "الكامل" "٥/ ١٨١٧"، وابن أبي حاتم في "التفسير" "٣/ ق ٢٤/ أ"، والواحدي في "أسباب النزول" "ص١٩٨"، جميعهم من طريق الضحاك بن مخلد عن عثمان بن سعد عن عكرمة عن ابن عباس؛ =стр. 602
اعْتِدَاءً لِذَلِكَ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى
الحواشي
(١) = أن رجلا أتى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رسول الله! إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء، وأخذتني شهوتي، فحرمت علي اللحم؛ فأنزل الله، وذكر الآية. قال الترمذي عقبه: "هذا حديث حسن غريب"، ثم قال: "ورواه بعضهم عن عثمان بن سعد مرسلا، ليس فيه عن ابن عباس، ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلا".
قلت: إسناده ضعيف، فيه عثمان بن سعد، متكلم فيه من قبل حفظه، ومع ضعفه يكتب حديثه، وقد خولف كما قال الترمذي، وهذا البيان:
أخرج ابن جرير في "التفسير" "١٠/ ٥١٤، ٥١٥، ٥٢٠-٥٢١/ رقم ١٢٣٣٧، ١٢٣٣٨، ١٢٣٤٠، ١٢٣٥١" من طريق يزيد بن زريع وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي، ثلاثتهم عن خالد الحذاء عن عكرمة؛ قال: كان أناس من أصحاب النبي ﷺ هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء؛ فنزلت هذه الآية.
وإسناده صحيح؛ إلا أنه مرسل.
وأخرجه عبد الرزاق في "التفسير" "١/ ١٩٢", ومن طريقه ابن جرير في "التفسير" "رقم ١٢٣٤١" عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة وذكر نحوه، وإسناده صحيح وهو مرسل.
وأخرجه بنحوه سعيد بن منصور في "سننه" "رقم ٧٧١-ط المحققة"، وأبو داود في "مراسيله" "رقم ٢٠١" من طريقين عن خالد بن عبد الله عن حصين عن أبي مالك به.
وأخرجه ابن جرير في "التفسير" "١٠/ ٥١٤/ رقم ١٢٣٣٦" من طريق آخر عن حصين به، وإسناده صحيح، وهو مرسل، أبو مالك هو غزوان الغفاري الكوفي، مشهور بكنيته، من الثالثة؛ كما في "التقريب" "٥٣٥٤".
وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" "٣/ ١٣٩" لعبد بن حميد أيضا من مرسل أبي مالك.
فلم يثبت في سبب النزول إلا المراسيل، نعم، ثبت في "صحيح البخاري" "رقم ٤٦١٥، ٥٠٧١، ٥٠٧٥"، و"صحيح مسلم" "رقم ١٤٠٤" عن ابن مسعود؛ قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس لنا نساء فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك. ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله الآية.стр. 603
تَمَلُّوا" ١، "وَمَا خُيِّر عَلَيْهِ [الصَّلَاةُ وَ] السَّلَامُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ؛ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا "٢، الْحَدِيثَ.
وَنَهَى عَنِ الْوِصَالِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْتَهُوا؛ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: "لَوْ تَأَخَّرَ الشَّهْرُ لَزِدْتُكُمْ" ٣ كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا،
الحواشي
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب صوم شعبان، ٤/ ٢١٣/ رقم ١٩٦٩"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب صيام النبي ﷺ في غير رمضان، ٢/ ٨١١/ رقم ٧٨٢"، والنسائي في "المجتبى" "٤/ ١٥١" من طريق معاذ بن هشام، وأحمد في "المسند" "٦/ ١٢٨" من طريق عبد الوهاب، و"٦/ ٢٤٩" من طريق عبد الصمد، و"٦/ ٢٤٩-٢٥٠"، وابن خزيمة في "صحيحه" "٣/ ٢٨٣/ رقم ٢٠٧٩" من طريق أبي عامر، والفريابي في "الصيام" "رقم ٦" من طريق خالد بن الحارث، والطيالسي في "مسنده" "رقم ١٤٧٥" -ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" "٤/ ٢١٠"- جميعهم عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة به، وزادوا على المذكور:
"وأحب الصلاة إلى النبي ﷺ ما دُووم عليه وإن قلت، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها"، هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم بعد المذكور: "وكان يقول: "أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل ".
٢ أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب المناقب، باب صفة -النبي ﷺ ٦/ ٥٦٦/ رقم ٣٥٦٠، وكتاب الأدب، باب قول النبي, ﷺ : "يسروا ولا تعسروا"، ١٠/ ٥٢٤/ رقم ٦١٢٦، وكتاب الحدود، باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله، ١٢/ ٨٦/ رقم ٦٧٨٦، وباب كم التعزير والأدب، ١٢/ ١٧٦/ رقم ٦٨٥٣"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب مباعدته ﷺ للآثام، ٤/ ١٨١٣/ رقم ٢٣٢٧" من حديث عائشة, ﵂. وما بين المعقوفتين سقط من "م".
٣ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب التنكيل لمن أكثر الوصال، ٤/ ٢٠٥-٢٠٦/ رقم ١٩٦٥، وكتاب الحدود، باب كم التعزير والأدب، ١٢/ ١٧٥-١٧٦/ رقم ٦٨٤٨، وكتاب التمني، باب ما يجوز من اللو، ١٣/ ٢٢٥/ رقم ٧٢٤٢، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع، ١٣/ ٢٧٥/ رقم ٧٢٩٩"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب النهي عن الوصل في الصوم، ٢/ ٧٧٤/ رقم ١١٠٣" من حديث أبي هريرة, ﵁.стр. 604
وَقَالَ: "لَوْ مُدَّ لَنَا فِي الشَّهْرِ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ" ١، وَقَدْ قَالَ [عَبْدُ اللَّهِ بْنُ] عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢. وَفِي الْحَدِيثِ: هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ زَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ؛ فَقَالَ ﵊: "لَا تَنَامُ اللَّيْلَ؟ خذوا من العمل ما تطيقون" ٣ الحديث؛
الحواشي
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التمني، باب ما يجوز من اللو، ١٣/ ٢٢٤-٢٢٥/ رقم ٧٢٤١"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب النهي عن الوصال في الصوم، ٢/ ٧٧٥-٧٧٦/ رقم ١١٠٤"، وأحمد في "المسند" "٣/ ١٢٤، ٢٥٣"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "٣/ ٨٢"، والفريابي في "الصيام" "٢٨"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "٤/ ٢٨٢" من حديث أنس, ﵁.
٢ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب حق الجسم في الصوم، ٤/ ٢١٧-٢١٨/ رقم ١٩٧٥"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، ٢/ ٨١٣-٨١٤/ رقم ١١١٥٩"، والمذكور لفظ البخاري.
ولمسلم في رواية: "لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام التي قال رسول الله ﷺ أحب إلي من أهلي ومالي"، وما بين المعقوفتين سقط من "ط".
وله في رواية: "فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله, ﷺ ".
٣ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، ٣/ ٣٦/ رقم ١١٥١"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك، ١/ ٥٤٢/ رقم ٧٨٥"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصلاة، باب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل، ٣/ ٢١٨".
قال ناسخ الأصل ما صورته: "الحولاء بالمد: اسمها، وتويت أبوها بتاءين فوقيتين مصغر، ابن حبيب بن أسد بن عبد العزى بن قصي من رهط خديجة, ﵂.
وقوله ﵇: "لا تنام الليل" إنكار للفعل، وقد رواه مالك بلفظ: فكره ذلك رسول الله ﷺ فانظره. ا. هـ.стр. 605
فَأَنْكَرَ فِعْلَهَا كَمَا تَرَى.
وَحَدِيثُ إِمَامَةِ مُعَاذٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ, ﷺ : "أفتَّان أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ " ١، وَقَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا. قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ" ٢ الحديث.
وحديث الحبل المربوط بين ساريتين، [إذ] سَأَلَ عَنْهُ عَلَيْهِ [الصَّلَاةُ وَ] ٣ السَّلَامُ، قَالُوا: حبل لزينب، تصلي, فإذا كسلت أو فترت؛ أَمْسَكَتْ بِهِ. فَقَالَ: "حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فإذا كسل أو فتر؛ قعد" ٤.
الحواشي
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأذان، باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى، ٢/ ١٩٢/ رقم ٧٠٠، ٧٠١، وباب من شكا إمامه إذا طول، ٢/ ٢٠٠/ رقم ٧٠٥، وكتاب الأدب، باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا أو جاهلا، ١٠/ ٥١٥-٥١٦/ رقم ٦١٠٦"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، ١/ ٣٣٩-٣٤٠/ رقم ٤٦٥" من حديث جابر بن عبد الله, ﵁.
٢ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأذان، باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود، ٢/ ١٩٧-١٩٨/ رقم ٧٠٢، وكتاب الأحكام، باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان، ١٣/ ١٣٦/ رقم ٧١٥٩"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، ١/ ٣٤٠/ رقم ٤٦٦" من حديث أبي مسعود الأنصاري, ﵁.
٣ ما بين المعقوفتين سقط من "م".
٤ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، ٣/ ٣٦/ رقم ١١٥٠"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك، ١/ ٥٤١-٥٤٢/ رقم ٧٨٤"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصلاة، باب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل، ٣/ ٢١٨"، وابن خزيمة في "الصحيح" "٢/ ٢٠٠/ رقم ١١٨٠ و١١٨١" من حديث أنس, ﵁.стр. 606
وَأَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرٌ؛ فَتَرَكَ الرُّخْصَةَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ ﵊: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ ١ فِي السَّفَرِ" ٢، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ ثَبَتَ أَنَّ الْأَخْذَ بِالرُّخْصَةِ أَوْلَى، وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَوْلَى؛ فَالْعَزِيمَةُ لَيْسَتْ بِأَوْلَى٣.
وَالسَّادِسُ ٤:
إِنَّ مَرَاسِمَ الشَّرِيعَةِ إِنْ كَانَتْ مُخَالَفَةً لِلْهَوَى، كَمَا تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ؛ فَإِنَّهَا أَيْضًا إِنَّمَا أَتَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي دُنْيَاهُمْ وَدِينِهِمْ، وَالْهَوَى لَيْسَ بِمَذْمُومٍ إِلَّا إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِمَرَاسِمِ الشَّرِيعَةِ، وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا؛ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وَمَسْأَلَتُنَا مِنْ هَذَا؛ فَإِنَّهُ إِذَا نَصَبَ لَنَا الشَّرْعُ سَبَبًا لِرُخْصَةٍ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ, فَأَعْمَلْنَا مقتضاه وعلمنا بِالرُّخْصَةِ؛ فَأَيْنَ اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي هَذَا؟ وَكَمَا أَنَّ٥ اتِّبَاعَ الرُّخَصِ يَحْدُثُ بِسَبَبِهِ الْخُرُوجُ عَنْ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، كَذَلِكَ اتِّبَاعُ التَّشْدِيدَاتِ وَتَرْكُ الْأَخْذِ بِالرُّخَصِ يَحْدُثُ بِسَبَبِهِ الْخُرُوجُ عَنْ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، وَالْمُتَّبِعُ لِلْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الرُّخَصِ وَالْعَزَائِمِ سَوَاءً، فإن كانت غلبة الظن في العزائم
الحواشي
(١) ١ أخذه هنا على عمومه ليصح دليلا هنا، وفيما سبق حمله على أن المراد منه ما كان فيه المشقة الفادحة؛ فكان بذلك مناسبا للطرفين "د".
٢ مضى تخريجه "ص٥١٧".
٣ سيقول في الوجه السادس: "ليس أحدهما بأولى من الآخر" بناء على هذا الوجه من المعارضة. "د".
٤ هذا معارض لما سبق في السادس. "د".
٥ يعارض به ما تقدم له في الوجه الخامس من أدلة ترجيح العزيمة؛ إلا أنه صرح فيه بالوجهين المتعارضين، كأنه يقول: كما يلزمنا هذا يلزمكم مثله عند التشدد بالأخذ بالعزائم، بكل منهما يحدث بسببه ما ذكرتم؛ فما هو جوابكم فهو جوابنا، وأما قوله: "وليس أحدهما بأولى من الآخر"؛ فهو عين الدعوى فرعها على ما ذكره من الاشتراك في الإلزام، وكذا قوله: "والمتبع ... إلخ"؛ فلم يبق إلا دعوى مخالفة الإجماع في التفريق بينهما؛ فأين هذا الإجماع؟ وعلى فرض وجوده ما فائدة هذه المباحث، وهل تعد حينئذ من مُلَح العلم أم تنزل عن ذلك؟ "د".стр. 607
معتبرة؛ فكذلك فِي الرُّخَصِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَحْرَى مِنَ الْآخَرِ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، هَذَا تَقْرِيرُ هَذَا الطَّرَفِ.
فَصْلٌ: ١
وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ فِي تَرْكِ التَّرَخُّصِ إِذَا تَعَيَّنَ سَبَبُهُ٢ بِغَلَبَةِ ظَنٍّ أَوْ قَطْعٍ، وَقَدْ يَكُونُ التَّرَخُّصُ أَوْلَى فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَقَدْ يَسْتَوِيَانِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَلَبَةُ ظَنٍّ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي مَنْعِ التَّرَخُّصِ.
[وَأَيْضًا] ٣؛ فَتَكُونُ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْأَخْذِ بِالتَّخْفِيفِ مَحْمُولَةً عَلَى عُمُومِهَا وَإِطْلَاقِهَا، مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِبَعْضِ الْمَوَارِدِ دُونَ بَعْضٍ، وَمَجَالُ النَّظَرِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ صَاحِبَ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ إِنَّمَا جَعَلَ الْمُعْتَبَرَ الْعِلَّةَ الَّتِي هِيَ الْمَشَقَّةُ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْمَظِنَّةُ، وَصَاحِبَ الطَّرِيقِ الثَّانِي إِنَّمَا جَعَلَ الْمُعْتَبَرَ الْمَظِنَّةَ الَّتِي هِيَ السَّبَبُ؛ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ؛ فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَتِ٤ الْعِلَّةُ غَيْرَ مُنْضَبِطَةٍ وَلَمْ يُوجَدْ لَهَا مَظِنَّةٌ مُنْضَبِطَةٌ؛ فَالْمَحَلُّ مَحَلُّ اشْتِبَاهٍ، وَكَثِيرًا مَا يُرْجَعُ هُنَا إِلَى أَصْلِ الِاحْتِيَاطِ؛ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ مُعْتَبَرٌ حَسْبَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ في موضعه.
الحواشي
(١) ١ يقابل الفصل الأول، يذكر فيه ما ينبني على أن أحدهما ليس بأولى من الآخر كما بين في ذلك ما ينبني على ترجح العزيمة. "د".
٢ أي: الترخص، يعني: ولم توجد الحكمة. "د".
٣ مقابل لقوله هناك: "وَمِنْهَا أَنْ يُفْهَمَ مَعْنَى الْأَدِلَّةِ فِي رَفْعِ الحرج على مراتبها". "د".
وما بين المعقوفتين سقط من "م".
٤ أي: فإذا كانت المظنة منضبطة كالسفر؛ فالأمر ظاهر، وإذا كانت غير منضبطة، والعلة التي هي المشقة غير منضبطة أيضا كالمرض؛ فالواجب الاحتياط على كلا الطريقين، فلا يدخل تحت النظرين السابقين، وهو ظاهر؛ لأنه لم يجعل هذا موضع النزاع في الأولوية، بل لم يدخله في أصل موضوع الرخصة في تقريراته السابقة. "د".стр. 608
فَصْلٌ:
فَإِنْ قِيلَ: الْحَاصِلُ مِمَّا تَقَدَّمَ إِيرَادُ أَدِلَّةٍ مُتَعَارِضَةٍ، وَذَلِكَ وَضْعُ إِشْكَالٍ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ فَهَلْ لَهُ مَخْلَصٌ أَمْ لَا؟
قِيلَ: نَعَمْ، مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنْ يُوكَلَ ذَلِكَ إِلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ؛ فَإِنَّمَا أَوْرَدَ هُنَا اسْتِدْلَالَ كُلِّ فَرِيقٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقَعَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ تَرْجِيحٌ، فَيَبْقَى مَوْقُوفًا عَلَى الْمُجْتَهِدِ، حَتَّى يَتَرَجَّحَ لَهُ أَحَدُهُمَا مُطْلَقًا، أَوْ يَتَرَجَّحَ لَهُ أَحَدُهُمَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَالْآخِرُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، أَوْ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ.
وَالثَّانِي:
أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذَا الْكَلَامِ وَمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ "الْمَقَاصِدِ" فِي تَقْرِيرِ أَنْوَاعِ الْمَشَاقِّ وَأَحْكَامِهَا، فَإِنَّهُ إِذَا تُؤُمِّلَ الْمَوْضِعَانِ؛ ظَهَرَ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَجْهُ الصَّوَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ:
كُلُّ أَمْرٍ شَاقٍّ جَعَلَ الشَّارِعُ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ مَخْرَجًا؛ فَقَصْدُ الشَّارِعِ بِذَلِكَ الْمَخْرَجِ أَنْ يَتَحَرَّاهُ الْمُكَلَّفُ إِنْ شَاءَ، كَمَا جَاءَ فِي الرُّخَصِ شَرْعِيَّةُ الْمَخْرَجِ مِنَ الْمَشَاقِّ، فَإِذَا تَوَخَّى الْمُكَلَّفُ الْخُرُوجَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شُرِعَ لَهُ؛ كَانَ مُمْتَثِلًا لِأَمْرِ الشَّارِعِ، آخِذًا بِالْحَزْمِ فِي أَمْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ؛ وَقَعَ١ في
الحواشي
(١) ١ مثال ذلك أن الشارع جعل للزوج أن ينفس كربته الشديدة من الزوجة بتطليقها واحدة؛ فيؤدبها بهذا الإزعاج الشديد، حتى إذا عرف توبتها وراجع نفسه في أن يتحملها أكثر مما كان حفظا لمصلحته أيضا؛ راجعها، فإذا اشتد كربه ثانيا؛ كان له أن يطلق أيضا لذلك، لكنه إذا خالف الطريق الشرعي فطلق ثلاثا ابتداء؛ فقد خالف ما رسمه له الشرع، وفقد المخرج من ورطته؛ فلا مخلص له منها، وسيأتي له أمثلة كثيرة. "د".стр. 609
مَحْظُورَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
مُخَالَفَتُهُ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، كَانَتْ تِلْكَ الْمُخَالَفَةُ فِي وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ أَوْ مُبَاحٍ.
وَالثَّانِي:
سَدُّ أَبْوَابِ التَّيْسِيرِ عَلَيْهِ، وَفَقْدُ الْمَخْرَجِ عَنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ الشَّاقِّ، الَّذِي طَلَبَ الْخُرُوجَ عَنْهُ بِمَا لَمْ يُشْرَعْ لَهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا:
إِنَّ الشَّارِعَ لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ جَاءَ بِالشَّرِيعَةِ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَكَانَتِ الْأُمُورُ الْمَشْرُوعَةُ ابْتِدَاءً قَدْ يَعُوقُ عَنْهَا عَوَائِقُ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْمَشَاقِّ الْخَارِجَةِ عَنِ الْمُعْتَادِ؛ شَرَعَ لَهُ أَيْضًا تَوَابِعَ وَتَكْمِيلَاتٍ وَمَخَارِجَ، بِهَا يَنْزَاحُ عَنِ الْمُكَلَّفِ تِلْكَ الْمَشَقَّاتُ، حَتَّى يَصِيرَ التَّكْلِيفُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ عَادِيًّا وَمُتَيَسِّرًا، وَلَوْلَا أَنَّهَا كَذَلِكَ؛ لَمْ يَكُنْ فِي شَرْعِهَا زِيَادَةٌ عَلَى الْأُمُورِ الِابْتِدَائِيَّةِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي التَّكْلِيفَاتِ أَدْرَكَ هَذَا بِأَيْسَرِ تَأْمُّلٍ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْمُكَلَّفُ فِي طَلَبِ التَّخْفِيفِ مَأْمُورٌ أَنْ يَطْلُبَهُ مِنْ وَجْهِهِ الْمَشْرُوعِ؛ لِأَنَّ مَا يُطْلَبُ مِنَ التَّخْفِيفِ حَاصِلٌ فِيهِ حَالًا وَمَآلًا عَلَى الْقَطْعِ فِي الْجُمْلَةِ، فَلَوْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ؛ لَمْ يَكُنْ مَا طَلَبَ مِنَ التَّخْفِيفِ مَقْطُوعًا بِهِ وَلَا مَظْنُونًا، لَا حَالًا وَلَا مَآلًا، لَا عَلَى الْجُمْلَةِ وَلَا عَلَى التَّفْصِيلِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَكَانَ مَشْرُوعًا أَيْضًا، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ؛ فَثَبَتَ أَنَّ طَالِبَ التَّخْفِيفِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الشَّرْعِ لَا مَخْرَجَ لَهُ.
وَالثَّانِي:
إِنَّ هَذَا الطَّالِبَ إِذَا طَلَبَ التَّخْفِيفَ مِنَ الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ؛ فَيَكْفِيهِ فِي حُصُولِ التَّخْفِيفِ طَلَبُهُ مِنْ وَجْهِهِ، وَالْقَصْدُ إِلَى ذَلِكَ يُمْنٌ وَبَرَكَةٌ، كَمَا أَنَّ مَنْ طَلَبَهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ الْمَشْرُوعِ؛ يَكْفِيهِ فِي عَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودِهِ شُؤْمُ قَصْدِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطَّلَاقِ: ٢، ٣] ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ مَنْ لَا يَتَّقِي اللَّهَ لَا يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا.
стр. 610
خرَّج إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْجَهْدَ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ, ﷺ : "اذْهَبْ فَاصْبِرْ"، وَكَانَ ابْنُهُ أَسِيرًا فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، فَأَفْلَتَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَأَتَاهُ بِغَنِيمَةٍ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ, ﷺ : "طَيِّبَةٌ ". فَنَزَلَتِ الْآيَةُ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ الْآيَةَ١ [الطَّلَاقِ: ٢] .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا.
فَقَالَ: "إِنْ عَمَّكَ عَصَى اللَّهَ فَأَنْدَمَهُ، وَأَطَاعَ الشَّيْطَانَ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا".
فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَحَلَّهَا لَهُ رَجُلٌ؟ فَقَالَ: "مَنْ يُخَادِعْ يَخْدَعْهُ اللَّهُ"٢.
وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطَّلَاقِ: ٢] ؛ قَالَ: "مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ضَاقَ عَلَى النَّاسِ"٣.
الحواشي
(١) ١ أخرجه الحاكم في "المستدرك" "٢/ ٤٩٢"، والواحدي في "أسباب النزول" "٤٦٤" من طريق سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله به، وإسناده واهٍ جدا، فيه عبيد بن كثير تركه الأزدي، وعباد بن يعقوب رافضي، أفاده الذهبي في "التخليص".
وأخرجه البيهقي في "الدلائل" "٦/ ١٠٦-١٠٧"، وابن مردويه
في "تفسيره" -كما قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" "٤/ ٥٢"- من طريق أبي عبيدة عن أبيه ابن مسعود به، وإسناده منقطع، وفيه بعض المجاهيل.
وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" "١٢/ ١٤١/ أ" بسند ضعيف جدا أيضا فيه الكلبي متروك، وأبو صالح ضعيف؛ فالحديث ضعيف.
وانظر: "الكافي الشاف" "٤/ ٤٤٥- مع الكشاف"، و"زاد المسير" "٨/ ٢٩٠"، و"الدر المنثور" "٦/ ٢٣٢"، و"معالم التنزيل" "٤/ ٣٥٧"، و"الفتح السماوي" "٣/ ١٠٤٦".
٢ أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" "٥/ ١١"، وعبد الرزاق في "المصنف" "٦/ ٣٩٧/ رقم ١١٣٥٢"، وسعيد بن منصور في "سننه" "رقم ١٠٦٥"، وابن حزم في "المحلى" "١٠/ ١٨١"، وابن بطة في "إبطال الحيل" "ص٤٨"، ولفظ: "فأبده" بدل من "فأندمه".
٣ نقله عن الربيع, ابن الجوزي في "زاد المسير" "٨/ ٢٩١-٢٩٢".стр. 611
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ؛ يُنْجِهِ مِنْ كُلِّ كَرْبٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ١.
وَقِيلَ: من يتق الحرام٢ وَالْمَعْصِيَةَ؛ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا إِلَى الْحَلَالِ.
وَخَرَّجَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ, ﷺ : "ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ اللَّهَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ: رَجُلٌ أَعْطَى مَالَهُ سَفِيهًا؛ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٥] ، وَرَجُلٌ دَايَنَ بِدَيْنٍ وَلَمْ يُشهِد، وَرَجُلٌ لَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَا يُطَلِّقُهَا" ٣، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَمَرَ بالإشهاد على البيع، وأن
الحواشي
(١) ١ ذكره أيضا عن ابن عباس, ابن الجوزي في "زاد المسير" "٨/ ٢٩١".
وقال ابن الجوزي عقبه: "والصحيح أن هذا عامّ؛ فإن الله تعالى يجعل للتقي مخرجا من كل ما يضيق عليه، ومن لا يتقي يقع في كل شدة".
٢ كذا في "ط"، وفي غيره: "الله والمعصية".
٣ أخرجه ابن شاذان في "المشيخة الصغرى" "ق ٥٧/ أ" -كما في "السلسلة الصحيحة" "رقم ١٨٠٥"- وابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير" "١/ ٣٤٤"، والحاكم في "المستدرك" "٢/ ٣٠٢", والبيهقي في "السنن الكبرى" "١٠/ ١٤٦" من طريق المثنى بن معاذ العنبري عن أبيه، وأبو نعيم في "مسانيد أبي يحيى فراس بن يحيى المكتب" "رقم ٢٩" من طريق داود بن إبراهيم الواسطي، والطحاوي في "المشكل" "٣/ ٢١٦"، وأبو نعيم في "مسانيد أبي يحيى المُكْتِب" "ص٩٣" من طريق عمرو بن حكام، وأبو نعيم من طريق عثمان بن عمر، أربعتهم عن شعبة عن فراس عن الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى مرفوعا.
قال أبو نعيم عقبه: "ورواه غندر وروح موقوفا"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى".
ورجح شيخنا الألباني في "السلسلة الصحيحة" "رقم ١٨٠٥" رواية الرفع، وقال: "وقد وجدت له طريقا أخرى عن الشعبي، رواه ابن عساكر، ٨/ ١٨٢/ ١-٢, عن إسحاق بن وهب -وهو بخاري- عن الصلت بن بهرام عن الشعبي به"، قال: "لكن إسحاق هذا ذكره الخليلي في "الإرشاد" وقال: "يروى عنه ما يعرف وينكر، ونسخ رواها ضعفاء"" ا. هـ.
قلت: عمرو بن الحكام ضعيف، وهو ممن رفعه، والآخرون موثقون، ومن وقفه أثبت في شعبة ممن رفعه، ولا سيما أن منهم غندرا ويحيى بن سعيد -كما عند ابن أبي شيبة- وروح، والله أعلم.
قال "خ" هنا: "وهو على تقدير ثبوته محمول على الدعاء على الثلاثة الملوح إليهم في الحديث؛ لأنه هو الذي ابتلى نفسه بمعاشرة تلك الزوجة، وقصر في عدم الإشهاد على المدين، وألقى بماله في ذمة خربة".стр. 612
لَا نُؤْتِي السُّفَهَاءَ أَمْوَالَنَا حِفْظًا لَهَا، وَعَلَّمَنَا أَنَّ الطَّلَاقَ شُرِّعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ؛ كَانَ التَّارِكُ لِمَا أَرْشَدَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ قَدْ يَقَعُ فِيمَا يَكْرَهُ، وَلَمْ يُجَبْ دُعَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ الْأَمْرَ مِنْ بَابِهِ.
وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ تَدُلُّ بِظَوَاهِرِهَا وَمَفْهُومَاتِهَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سُئِل عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا؛ فَتَلَا: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ... ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطَّلَاقِ: ١-٢] ، وَأَنْتَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ، فلا١ أَجِدْ لَكَ مَخْرَجًا٢.
وَخَرَّجَ مَالِكٌ فِي الْبَلَاغَاتِ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ رَجُلًا أَتَى إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُ امرأتي ثماني تَطْلِيقَاتٍ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَمَاذَا قِيلَ لَكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: إِنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنِّي. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَدَقُوا، مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ؛ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ لَبَّسَ٣ عَلَى نَفْسِهِ لَبْسًا؛ جَعَلْنَا لَبْسَهُ بِهِ، لَا تُلَبِّسُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلُهُ عَنْكُمْ، هُوَ كما تقولون٤.
الحواشي
(١) ١ كذا في "ط"، وفي غيره: "لم".
٢ أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "٦/ ٣٩٦/ رقم ١١٣٤٦"، وسعيد بن منصور في "سننه" "رقم ١٠٦٤"، والبيهقي في "الكبرى" "٧/ ٣٣٧".
٣ أي: خلط.
٤ أخرجه مالك في "الموطأ" "١/ ٦٠٥/ رقم ١٥٧٠- رواية أبي مصعب، و٢/ ٥٥٠/ رقم ٢- رواية يحيى" بلغه أن رجلا جاء إلى عبد الله بن مسعود "وذكره".
ووصله عبد الرزاق في "المصنف" "٦/ ٣٩٤-٣٩٥/ رقم ١١٣٤٢"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "٥/ ١٤"، وإسحاق بن راهوية -كما في "المطالب العالية"- والبيهقي في "الكبرى" "٧/ ٣٣٥"، وابن حزم في "المحلى" "١٠/ ١٧٢".стр. 613
وَتَأَمَّلْ حِكَايَةَ أَبِي يَزِيدَ الْبَسْطَامِيِّ١ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ شَهْوَةَ النِّسَاءِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَأَمْسَكَ عَنْهُ٢؛ فَرُفِعَ عَنْهُ ذَلِكَ حَتَّى كَانَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالْحَجَرِ.
وَالثَّالِثُ:
أَنَّ طَالِبَ الْمَخْرَجِ مِنْ وَجْهِهِ طَالِبٌ لِمَا ضَمِنَ لَهُ الشَّارِعُ النُّجْحَ فِيهِ، وَطَالِبَهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ قَاصِدٌ لِتَعَدِّي طَرِيقِ الْمَخْرَجِ؛ فَكَانَ قَاصِدًا لِضِدِّ مَا طُلِبَ، مِنْ حَيْثُ صَدَّ عَنْ سَبِيلِهِ، وَلَا يَتَأَتَّى مِنْ قِبَلِ ضِدِّ الْمَقْصُودِ إِلَّا ضِدُّ الْمَقْصُودِ؛ فَهُوَ إِذًا طَالِبٌ لِعَدَمِ الْمَخْرَجِ، وَهَذَا مُقْتَضَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ الْمَذْكُورُ فِيهَا الِاسْتِهْزَاءُ وَالْمَكْرُ وَالْخِدَاعُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
الحواشي
(١) ١ اسمه طيفور بن عيسى، شيخ الصوفية، له نبأ عجيب وحال غريب، وهو من كبار مشايخ "الرسالة"، وما أحلى قوله: "لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف هو عند الأمر والنهي، وحفظ حدود الشريعة".
وقد نقلوا عن أبي يزيد أشياء الشأن في صحتها عنه؛ منها: "سبحاني"، "وما في الجبة إلا الله"، "أما النار لأستندن إليها غدا، وأقول: اجعلني لأهلها فداء، أو لأبلغنها"، "ما الجنة إلا لعبة صبيان"، ومن الناس من يصحح هذا عنه، ويقول: قاله في حال سكره، ونتبرأ إلى الله من كل من تعمد مخالفة الكتاب والسنة، ومات أبو يزيد سنة إحدى وستين ومائتين، قاله الذهبي في "الميزان" "٢/ ٣٤٦-٣٤٧".
وانظر لزاما: "البدر الطالع" للشوكاني "٢/ ٣٧ وما بعدها".
٢ كذلك يلزم الصوفي أن يزن خواطره وأعماله بميزان الشريعة؛ كما قال أبو سليمان الداراني: "تعرض علي النكتة من نكت القوم؛ فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل: الكتاب والسنة"، وقال الإمام الجنيد: "مذهبنا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث؛ لا يقتدى به في طريقنا هذا"؛ فإلى أي كتاب أم آية سنة يستند بعض الخارجين في مظاهر الصوفية حيث يوالون من حاد الله ورسوله، ويحثون أتباعهم الذين انخدعوا لهم بالله أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الباطل بعد أن اشتراها الله لتبذل في سبيل طاعته ورضوانه؟! "خ".стр. 614
وَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ ١ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٩] .
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهِ﴾ [الطَّلَاقِ: ١] .
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ٢ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الْفَتْحِ: ١٠] .
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٦] .
إِلَى سِوَى ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَجَمِيعُهُ مُحَقَّقٌ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُتَعَدِّيَ عَلَى طَرِيقِ الْمَصْلَحَةِ الْمَشْرُوعِ سَاعٍ فِي ضِدِّ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَالرَّابِعُ: إِنَّ الْمَصَالِحَ الَّتِي تَقُومُ بِهَا أَحْوَالُ الْعَبْدِ لَا يَعْرِفُهَا حَقَّ مَعْرِفَتِهَا إِلَّا خَالِقُهَا وَوَاضِعُهَا، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ بِهَا عِلْمٌ إِلَّا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَالَّذِي يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِي يَبْدُو لَهُ؛ فَقَدْ يَكُونُ سَاعِيًا فِي مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ لَا يُوَصِّلُهُ إِلَيْهَا، أَوْ يُوَصِّلُهُ إِلَيْهَا عَاجِلًا لَا آجِلًا، أَوْ يُوَصِّلُهُ إِلَيْهَا نَاقِصَةً لَا كَامِلَةً، أَوْ يَكُونُ فِيهَا مَفْسَدَةٌ تُرْبِي فِي الْمُوَازَنَةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ؛ فَلَا يَقُومُ خَيْرُهَا بَشَرِّهَا، وَكَمْ مِنْ مُدَبِّرٍ أَمْرًا لَا يَتِمُّ لَهُ عَلَى كَمَالِهِ أَصْلًا، وَلَا يَجْنِي مِنْهُ ثَمَرَةً أَصْلًا، وَهُوَ مَعْلُومٌ مُشَاهَدٌ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، فَلِهَذَا بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛
الحواشي
(١) ١ هكذا قرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو بالألف والياء مضمومة، وقرأها عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بفتح الياء بغير ألف. انظر: "السبعة" "١٤١"، و"التذكرة" "٢/ ٢٤٨".
٢ قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: "فسنؤتيه" بالنون وروى أبان عن عاصم بالنون، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ﴿فَسَيُؤْتِيهِ﴾ بالياء، وروى عبيد عن هارون عن أبي عمرو: بالنون، وعن عبيد أيضا بالياء، قاله ابن مجاهد في "السبعة" "٦٠٣". وانظر: "التذكرة في القراءات الثمان" "٢/ ٥٦٠"، و"إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر" "٢/ ٤٨٢".стр. 615
فَالرُّجُوعُ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَضَعَهُ الشَّارِعُ رُجُوعٌ إِلَى وَجْهِ حُصُولِ الْمَصْلَحَةِ وَالتَّخْفِيفِ عَلَى الْكَمَالِ، بِخِلَافِ الرُّجُوعِ إِلَى مَا خَالَفَهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالْجُمْلَةِ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ مُوَافَقَةِ قَصْدِ الشَّارِعِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ، وَلَكِنْ سِيقَ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمَوْضِعِ فِي طَلَبِ التَّرَخُّصِ مِنْ وَجْهٍ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ، أَوْ طَلَبَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ فَإِنَّ مِنَ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ عَزِيمَةً مَا لَا تَخْفِيفَ فِيهِ وَلَا تَرْخِيصَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ فِي هَذَا النَّوْعِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ، وَمِنْهَا مَا فِيهِ تَرْخِيصٌ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَهُ تَرْخِيصٌ يَخْتَصُّ بِهِ لَا يُتَعَدَّى.
وَأَيْضًا؛ فَمِنَ الْأَحْوَالِ اللَّاحِقَةِ لِلْعَبْدِ مَا يَعُدُّهُ مَشَقَّةً وَلَا يَكُونُ فِي الشَّرْعِ كَذَلِكَ؛ فَرُبَّمَا تَرَخَّصَ بِغَيْرِ سَبَبٍ شرعي، ولهذا الأصل فوائد كثير فِي الْفِقْهِيَّاتِ؛ كَقَاعِدَةِ الْمُعَامَلَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ، وَغَيْرِهَا مِنْ مَسَائِلِ الْحِيَلِ، وَمَا كَانَ نَحْوَهَا.
الْمَسْأَلَةُ التاسعة:
سباب الرخص ليست بمقصودة التحصيل للشارع ولا مقصودة الرَّفْعُ١ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَسْبَابَ رَاجِعَةٌ إِلَى مَنْعِ انْحِتَامِ الْعَزَائِمِ التَّحْرِيمِيَّةِ أَوِ الْوُجُوبِيَّةِ؛ فَهِيَ إِمَّا مَوَانِعُ لِلتَّحْرِيمِ أَوِ التَّأْثِيمِ٢، وَإِمَّا أَسْبَابٌ٣ لِرَفْعِ الْجُنَاحِ أَوْ إِبَاحَةِ٤ مَا لَيْسَ بِمُبَاحٍ؛ فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ إِنَّمَا هِيَ مَوَانِعُ٥ لِتَرَتُّبِ أَحْكَامِ الْعَزَائِمِ مُطْلَقًا، وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي الْمَوَانِعِ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةِ الْحُصُولِ وَلَا الزَّوَالِ لِلشَّارِعِ، وَأَنَّ مَنْ قَصَدَ إِيقَاعَهَا رَفَعًا لِحُكْمِ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ أَوِ الْمُوجِبِ؛ فَفِعْلُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَيَجْرِي فِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الشُّرُوطِ٦ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ إلى أسباب الرخص، من غير فرق.
الحواشي
(١) ١ أي: الزوال. "ماء".
٢ في "ط": "فهي موانع إما للتحريم، وإما موانع للتأثيم".
٣ تنويع في العبارة، لا أن هذين قسمان يقابلان سابقهما. "د".
٤ أشمل مما قبله؛ إذ يدخل فيه الترخص في المندوبات. "د".
٥ في الأصل: "موانع إما".
٦في المسألة الثامنة منها. "د".стр. 616
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ:
إِذَا فَرَّعْنَا١ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ مُبَاحَةٌ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَزِيمَةِ؛ صَارَتِ الْعَزِيمَةُ مَعَهَا مِنَ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ؛ إِذْ صَارَ هَذَا الْمُتَرَخِّصُ يُقَالُ لَهُ: إِنْ شِئْتَ فَافْعَلِ الْعَزِيمَةَ، وَإِنْ شِئْتَ فَاعْمَلْ بِمُقْتَضَى الرُّخْصَةِ، وَمَا عَمِلَ مِنْهُمَا؛ فَهُوَ الَّذِي وَاقِعٌ وَاجِبًا فِي حَقِّهِ، عَلَى وِزَانِ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ؛ فَتَخْرُجُ الْعَزِيمَةُ فِي حَقِّهِ عَنْ أَنْ تَكُونَ عَزِيمَةً.
وَأَمَّا إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الْإِبَاحَةَ فِيهَا بِمَعْنَى رَفْعِ الْحَرَجِ؛ فَلَيْسَتِ الرُّخْصَةُ مَعَهَا مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحَرَجِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّخْيِيرَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ رَفْعَ الْحَرَجِ مَوْجُودٌ مَعَ الْوَاجِبِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْعَزِيمَةَ عَلَى أَصْلِهَا مِنَ الْوُجُوبِ الْمُعَيَّنِ الْمَقْصُودِ لِلشَّارِعِ، فَإِذَا فَعَلَ الْعَزِيمَةَ؛ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فَرْقٌ, لَكِنَّ الْعُذْرَ رَفَعَ الْحَرَجَ عَنِ التَّارِكِ لَهَا إِنِ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ الِانْتِقَالَ إِلَى الرُّخْصَةِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ قَبْلُ أَنَّ الشَّارِعَ إِنْ كَانَ قَاصِدًا لِوُقُوعِ الرُّخْصَةِ؛ فَذَلِكَ بِالْقَصْدِ الثَّانِي، وَالْمَقْصُودُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ هُوَ وُقُوعُ الْعَزِيمَةِ.
وَالَّذِي يُشْبِهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْحَاكِمُ إِذَا تَعَيَّنَتْ لَهُ فِي إِنْفَاذِ الْحُكْمِ بَيِّنَتَانِ، إِحْدَاهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَادِلَةٌ٢، وَالْأُخْرَى غَيْرُ عَادِلَةٍ٢، فَإِنَّ الْعَزِيمَةَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] .
الحواشي
(١) ١ هذا هو بسط ما أجمله في آخر المسألة الرابعة ووعد به هناك. "د".
٢ في "ط ": "عدلة".стр. 617
وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
فَإِنْ حَكَمَ بِأَهْلِ الْعَدَالَةِ؛ أَصَابَ أَصْلَ الْعَزِيمَةِ وَأُجِرَ أَجْرَيْنِ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْأُخْرَى؛ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِعُذْرِهِ بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَهُ أَجْرٌ فِي اجْتِهَادِهِ، وَيَنْفُذُ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى الْمُتَحَاكِمِينَ، كَمَا يَنْفُذُ مُقْتَضَى الرُّخْصَةِ عَلَى الْمُتَرَخِّصِينَ١، فَكَمَا لَا يُقَالُ فِي الْحَاكِمِ: إِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ وَالْحُكْمِ بِمَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ؛ كَذَلِكَ لَا يُقَالُ هُنَا: إِنَّهُ مُخَيَّرٌ مُطْلَقًا بَيْنَ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ شَرْعَ الرُّخَصِ بِالْقَصْدِ الثَّانِي؟ وَقَدْ ثَبَتَتْ قَاعِدَةُ رَفْعِ الْحَرَجِ مُطْلَقًا٢ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الْحَجِّ: ٧٨] .
وَجَاءَ بَعْدَ تَقْرِيرِ الرُّخْصَةِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٥] .
قِيلَ: كَمَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَقْصُودَ بِالنِّكَاحِ التَّنَاسُلُ وَهُوَ الْقَصْدُ الْأَوَّلُ، وَمَا سِوَاهُ مِنَ اتِّخَاذِ السَّكَنِ وَنَحْوِهِ بِالْقَصْدِ الثَّانِي، مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الرُّومِ: ٢١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٩] .
وَأَيْضًا٣؛ فَإِنَّ رَفْعَ الْجُنَاحِ نَفْسِهِ عَنِ الْمُتَرَخِّصِ تسهيل وتيسير عليه، مع
الحواشي
(١) ١ في "ط": "المترخص".
٢ أي: بقطع النظر عن خصوص محل الرخصة، ومعنى الجواب أنه لا يلزم من ورود الآية دالة على الحكم استقلالا أن يكون مقصودا بالقصد الأول؛ فقد جاءت الآية بفائدة النكاح استقلالا وهو السكن، ومع ذلك؛ فالقصد الأول النسل، فكذا هنا. "د".
٣ عود إلى السؤال وترقّ عليه؛ أي: إنه لا يلزم من وجود رفع الحرج في الرخصة أن تكون مقصودة للشارع بالقصد الثاني لا بالأول، بدليل أنه ثبت رفع الحرج أيضا في بعض المسائل التي =стр. 618
كَوْنِ الصَّوْمِ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ لَيْسَتْ بِكَثِيرَةٍ؛ فَهُوَ تَيْسِيرٌ أَيْضًا وَرَفْعُ حَرَجٍ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ رَفْعَ الْحَرَجِ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ فِي الْكُلِّيَّاتِ؛ فَلَا تَجِدُ كُلِّيَّةً شَرْعِيَّةً مُكَلَّفًا بِهَا وَفِيهَا حَرَجٌ كُلِّيٌّ أَوْ أَكْثَرِيٌّ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الْحَجِّ: ٧٨] .
وَنَحْنُ نَجِدُ فِي بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ النَّوَادِرِ حَرَجًا وَمَشَقَّةً، وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ رُخْصَةً تَعْرِيفًا بِأَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّارِعِ إِنَّمَا هُوَ مُنْصَرِفٌ إِلَى الْكُلِّيَّاتِ؛ فَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي مَحَالِّ الرُّخَصِ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِكُلِّيَّاتٍ، وَإِنَّمَا هِيَ جُزْئِيَّاتٌ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَخْذِ بِالْعَزِيمَةِ أَوِ الرُّخْصَةِ.
فَإِذًا الْعَزِيمَةُ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ كُلِّيَّةً هِيَ مَقْصُودَةٌ لِلشَّارِعِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، وَالْحَرَجُ مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْئِيٌّ عَارِضٌ لِتِلْكَ الْكُلِّيَّةِ، إِنْ قَصَدَهُ الشَّارِعُ بِالرُّخْصَةِ؛ فَمِنْ جِهَةِ الْقَصْدِ الثَّانِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ:
إِذَا اعْتَبَرَنَا الْعَزَائِمَ من الرُّخَصِ؛ وَجَدْنَا الْعَزَائِمَ مُطَّرِدَةً مَعَ الْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ، وَالرُّخَصُ جَارِيَةٌ عِنْدَ انْخِرَاقِ تِلْكَ الْعَوَائِدِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ:
فَظَاهِرٌ، فَإِنَّا وَجَدْنَا الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ عَلَى تمامها في أوقاتها،
الحواشي
(١) = فيها الرخصة والسهولة -في نفس أصل عزيمتها؛ كصيام أيام معدودات، ولم تكن شهورا مثلا- ففي أصل العزيمة هنا أيضا تيسير ورفع حرج، وهي مقصودة بالقصد الأول؛ فلا يلزم من حصول رفع الحرج في الرخصة أن تكون بالقصد الثاني، ثم ترقى عليه ثانيا قال: "وأيضا ... إلخ"؛ أي: إن رفع الحرج موجود في سائر الكليات التي هي عزائم، ومحل الجواب عن الجميع قوله: "فإذا العزيمة ... إلخ"؛ فهو يحسم الاعتراض الأول أيضا، وقوله: "ونحن نجد في بعض ... إلخ" تمهيد للجواب, ولا يخفى أن كلا من هذين الترقيين تفصيل لما دخل تحت الإطلاق في أصل الإشكال؛ فالترقي من جهة تعيين مكان الاعتراض بعد إجماله. "د".стр. 619
وَبِالصِّيَامِ فِي وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ أَوَّلًا، وَبِالطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ، عَلَى [حَسَبِ] مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ١: مِنَ الصِّحَّةِ، وَوُجُودِ الْعَقْلِ٢، وَالْإِقَامَةِ فِي الْحَضَرِ، وَوُجُودِ الْمَاءِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ؛ كَالْأَمْرِ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ مُطْلَقًا أَوْ لِلصَّلَاةِ، وَالنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهَا، إِنَّمَا أُمِرَ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَنُهِيَ عَنْهُ عِنْدَ وُجُودِ مَا يَتَأَتَّى بِهِ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابُ النَّهْيِ، وَوُجُودُ ذَلِكَ هُوَ الْمُعْتَادُ عَلَى الْعُمُومِ التَّامِّ أَوِ الْأَكْثَرِ، وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي:
فَمَعْلُومٌ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ عُلِمَ الْأَوَّلُ؛ فَالْمَرَضُ، وَالسَّفَرُ، وَعَدَمُ الْمَاءِ أَوِ الثَّوْبِ أَوِ الْمَأْكُولِ، مُرَخِّصٌ لِتَرْكِ مَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ، أَوْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِتَرْكِهِ، وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا مَرَّ٣ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَلِمَعْنَاهُ تَقْرِيرٌ آخَرُ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ "الْمَقَاصِدِ" بِحَمْدِ اللَّهِ.
إِلَّا أَنَّ انْخِرَاقَ الْعَوَائِدِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: عَامٌّ، وَخَاصٌّ، فَالْعَامُّ مَا تَقَدَّمَ، وَالْخَاصُّ كَانْخِرَاقِ الْعَوَائِدِ لِلْأَوْلِيَاءِ إِذَا عَمِلُوا بِمُقْتَضَاهَا؛ فَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَكْثَرِ عَلَى حُكْمِ الرُّخْصَةِ؛ كَانْقِلَابِ الْمَاءِ لَبَنًا، وَالرَّمْلِ سَويقا، وَالْحَجَرِ ذَهَبًا، وَإِنْزَالِ الطَّعَامِ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْأَرْضِ٤؛ فَيَتَنَاوَلُ الْمَفْعُولُ لَهُ ذَلِكَ
الحواشي
(١) ١ في "ط": "العادات".
٢ غير ظاهر هنا لأن الكلام في أمور إذا وجدت كانت العزيمة، وإذا فقدت كانت الرخصة، وليس منها العقل؛ لأنه شرط مطلق التكليف، ولذلك لم يذكر مقابلة فيما بعد مع أنه ذكر مقابل غيره. "د".
٣ في "ط": "فيما تقدم".
٤ أراد الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أن يضع بين الكرامة والمعجزة فاصلا، فقال: إن مبلغ الكرامة إجابة دعوة أو موافاة ماء من غير توقع المياه ونحو ذلك، وجرى على أثره الإمام القشيري؛ فقال: "لا تنتهي الكرامة إلى خلق ولد بغير والد أو قلب جماد حيوانا"، وارتضاه تاج الدين ابن السبكي، وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: إنه أعدل المذاهب، يعني: إنه ما بين مذهب المعتزلة المنكرين لها جملة ومذهب جمهور أهل السنة المجوزين لها بإطلاق؛ إلا ما دل النص على اختصاصه بالرسول لمعجزة القرآن. "خ".стр. 620
وَيَسْتَعْمِلُهُ، فَإِنَّ اسْتِعْمَالَهُ لَهُ رُخْصَةٌ لَا عَزِيمَةٌ، وَالرُّخْصَةُ كَمَا تَقَدَّمَ لِمَا كَانَ الْأَخْذُ بِهَا مَشْرُوطًا بِأَنْ لَا يَقْصِدَهَا وَلَا يَتَسَبَّبَ فِيهَا لِيَنَالَ تَخْفِيفَهَا؛ كَانَ الْأَمْرُ فِيهَا كَذَلِكَ؛ إِذْ كَانَ مُخَالَفَةُ هَذَا الشَّرْطِ مُخَالَفَةً لِقَصْدِ الشَّارِعِ، إِذْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ١ أَنْ يَتَرَخَّصَ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا قَصْدُهُ فِي التَّشْرِيعِ أَنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ إِنْ وَقَعَ تَوَجَّهَ الْإِذْنُ فِي مُسَبِّبِهِ كَمَا مر؛ فههنا أَوْلَى؛ لِأَنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ لَمْ تُوضَعْ لِرَفْعِ أَحْكَامِ الْعُبُودِيَّةِ، وَإِنَّمَا وُضِعَتْ لِأَمْرٍ آخَرَ؛ فَكَانَ الْقَصْدُ إِلَى التَّخْفِيفِ مِنْ جِهَتِهَا قَصْدًا إِلَيْهَا لَا إِلَى رَبِّهَا، وَهَذَا مُنَافٍ لِوَضْعِ الْمَقَاصِدِ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَأَيْضًا؛ فَقَدْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ "الْمَقَاصِدِ" أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ عَامَّةٌ لَا خَاصَّةٌ، بِمَعْنَى أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ مُكَلَّفٍ، لَا خَاصَّةٌ بِبَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ دُونَ بَعْضٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بِقَصْدِ النَّبِيِّ ﷺ لِإِظْهَارِ الْخَارِقِ كَرَامَةً وَمُعْجِزَةً؛ لِأَنَّهُ ﵊ إِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ مَعْنًى شَرْعِيًّا مُبَرَّأً مِنْ طَلَبِهِ حَظَّ النَّفْسِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْصِدَ إِظْهَارَ الْكَرَامَةِ الْخَارِقَةِ لِمَعْنًى شَرْعِيٍّ لَا لِحَظِّ نَفْسِهِ، وَيَكُونُ هَذَا الْقِسْمُ خَارِجًا عن حكم الرخصة بل٢ يَكُونَ بِحَسَبِ الْقَصْدِ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى ظَهَرَتْ كَرَامَاتُ الْأَوْلِيَاءِ الرَّاقِينَ عَنِ الْأَحْوَالِ، حَسْبَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِقْرَاءُ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا؛ فَالشَّرْطُ مُعْتَبَرٌ بِلَا إِشْكَالٍ، وَلَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِالْعُمُومِ، بَلْ هُوَ فِي الْخُصُوصِ أَوْلَى.
فَإِنْ قِيلَ: الْوَلِيُّ إِذَا انْخَرَقَتْ لَهُ الْعَادَةُ؛ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْعَادَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَإِنَّ الَّذِي هُيِّئَ لَهُ الطَّعَامُ أَوِ الشَّرَابُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ عَادِيٍّ مساوٍ لِمَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بِالتَّكَسُّبِ الْعَادِيِّ، فَكَمَا لَا يُقَالُ فِي صَاحِبِ التَّكَسُّبِ الْعَادِيِّ: إِنَّهُ فِي التَّنَاوُلِ مُتَرَخِّصٌ، كَذَلِكَ لَا يُقَالُ فِي صَاحِبِ انخراق العادة؛
الحواشي
(١) ١ في "ط": "قصده".
٢ كذا في "ط"، وفي غيره: "بأن".стр. 621
إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا النَّمَطِ.
فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
إِنَّ الْأَدِلَّةَ الْمَنْقُولَةَ دَلَّتْ عَلَى تَرْكِ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا إِيجَابًا، وَلَكِنْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خُيِّرَ بَيْنَ الْمُلْكِ وَالْعُبُودِيَّةِ؛ فَاخْتَارَ الْعُبُودِيَّةَ١، وَخُيِّرَ فِي أَنْ تَتْبَعَهُ جِبَالُ تِهَامَةَ ذَهَبًا وفضة؛ فلم يختر ذلك٢، وكان
الحواشي
(١) ١ أخرج هناد في "الزهد" "رقم ٧٩٦" ثنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن الشعبي؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ, ﷺ : "خيرني ربي أن أكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا، فلم أدر ما أقول، وكان صفيي من الملائكة جبريل، فنظرت إليه؛ فقال بيده: أن تواضع؛ قال: فقلت: نبيا عبدا".
وإسناده ضعيف؛ لأنه مرسل؛ إلا أن أحمد أخرجه في "مسنده" "٢/ ٢٣١"، وأبو يعلى في "مسنده" ١٠/ ٤٩١/ رقم ٦١٠٥"، وابن حبان في "صحيحه" "١٤/ ٢٨٠/ رقم ٦٣٦٥- الإحسان"، والبزار في "مسنده" "رقم ٢٤٦٢- زوائده" من طريق محمد بن فضيل عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة به نحوه.
وإسناده صحيح على شرط الشيخين, وصححه الهيثمي في "مجمع الزوائد" "٩/ ١٨"، وله شواهد من حديث عائشة وابن عباس ومن مرسل الحسن والزهري وغيرهما.
انظر: "السلسلة الصحيحة" "رقم ١٠٠٢"، و"فتح الباري" "٩/ ٥٤١"، و"الإصابة" "٤/ ٥١٦".
٢ أخرج الترمذي في "الجامع" "أبواب الزهد، باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه/ رقم ٢٣٤٨"، ونعيم بن حماد في "زياداته على الزهد" "رقم ١٩٦"، وأحمد في "المسند" "٥/ ٢٥٤", وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "١/ ٣٨١", وأبو نعيم في "الحلية" "٨/ ١٣٣"، والبغوي في "الأنوار في شمائل النبي المختار" "١/ ٣٢٤/ رقم ٤٢٧" من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة رفعه:
"عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا؛ فقلت: لا, ولكن أشبع يوما وأجوع يوما "أو قال ثلاثا: ونحو هذا"، فإذا جعت؛ تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت؛ حمدتك وشكرتك".
وإسناده ضعيف جدا، ابن زحر وعلي بن يزيد -وهو الألهاني- كلاهما ضعيف، قال ابن حبان في "المجروحين" في ترجمة الأول: "منكر الحديث جدا، يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الخبر إلا مما عملت أيديهم؛ فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة، بل التنكب عن رواية عبيد الله بن زحر على جميع الأحوال أولى".стр. 622
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، فَلَوْ شَاءَ [لَهُ] ١ لَدَعَا بِمَا يُحِبُّ فَيَكُونُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، بَلِ اخْتَارَ الْحَمْلَ عَلَى مَجَارِي الْعَادَاتِ: يَجُوعُ يَوْمًا فَيَتَضَرَّعُ إِلَى رَبِّهِ، وَيَشْبَعُ يَوْمًا فَيَحْمَدُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ؛ حَتَّى يَكُونَ فِي الْأَحْكَامِ الْبَشَرِيَّةِ الْعَادِيَّةِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ ﵊ يُرِي أَصْحَابَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي مُوَاطِنَ مَا فِيهِ شِفَاءٌ فِي تَقْوِيَةِ الْيَقِينِ، وَكِفَايَةٍ مِنْ أَزَمَاتِ الْأَوْقَاتِ٢، وَكَانَ ﵊ يَبِيتُ عِنْدَ رَبِّهِ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ٣، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكِ التَّكَسُّبَ لِمَعَاشِهِ وَمَعَاشِ أَهْلِهِ، فَإِذَا كَانَتِ الْخَوَارِقُ فِي حَقِّهِ مُتَأَتِّيَةً، وَالطَّلَبَاتُ مُحْضَرَةً لَهُ؛ حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ, ﵂: "مَا أَرَى اللَّهَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ"٤، وَكَانَ -لِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ شَرَفِ الْمَنْزِلَةِ- مُتَمَكِّنًا مِنْهَا؛ فَلَمْ يُعَوِّلْ إِلَّا عَلَى مَجَارِي الْعَادَاتِ فِي الْخَلْقِ، كَانَ ذَلِكَ أَصْلًا لِأَهْلِ الْخَوَارِقِ وَالْكَرَامَاتِ عَظِيمًا فِي أَنْ لَا يَعْمَلُوا عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ الْخَوَارِقُ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَتْمًا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؛ لم يكن
الحواشي
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط من "م" و"خ" و"ط".
٢ فالجاري على عادته حمل نفسه على مجاري العادات مع تيسر الخوارق له، كثيرا ما كانت تنخرق له العادات وتوافيه الكرامات، لكن ذلك في مواطن لمقصد مبرأ من حظ النفس، وهو تقوية اليقين عند أصحابه، وكفايتهم ضرر الأزمات الشديدة التي تحل بهم، كنبع الماء مثلا لما اشتد بهم الحال في الحديبية حتى لا يجمع عليهم الشدائد في هذه الأوقات المضنية. "د".
٣ ورد ذلك في حديث أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصوم، باب الوصال، ٤/ ٢٠٢/ رقم ١٩٦٤"، وغيره وسيأتي لفظه وتخريجه عند المصنف "٢/ ٢٣٩".
٤ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التفسير، باب "تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ"، ٨/ ٥٢٤-٥٢٥/ رقم ٤٧٨٨"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها، ٢/ ١٠٨٥/ رقم ١٤٦٤".стр. 623
حَتْمًا عَلَى الْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّهُمُ الْوَرَثَةُ فِي هَذَا النَّوْعِ.
وَالثَّانِي:
[إِنَّ] ١ فَائِدَةَ الْخَوَارِقِ عِنْدَهُمْ تَقْوِيَةُ اليقين، ويصحبها الابتلاء الذي هو لازم التكاليف٢ كُلِّهَا، وَلِلْمُكَلَّفِينَ أَجْمَعِينَ فِي مَرَاتِبِ التَّعَبُّدِ؛ فَكَانَتْ كَالْمُقَوِّي لَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا آيَاتٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بَرَزَتْ عَلَى عُمُومِ الْعَادَاتِ، حَتَّى يَكُونَ لَهَا خُصُوصٌ فِي الطُّمَأْنِينَةِ؛ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ, ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢٦٠] ، وَكَمَا قَالَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ عِنْدَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى فِرَاقَ مُوسَى لِلْخَضِرِ: "يَرْحَمُ اللَّهُ أَخِي مُوسَى، وَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا" ٣، فإذا كانت هذه
الحواشي
(١) ١ سقط من الأصل.
٢ في "د": "لازم التكليف"، وفي "م"، و"ط": "لازم التكاليف"، وفي الأصل: "لازم البلاء والتكاليف"، وما أثبتناه من "خ".
٣ قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب العلم، باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم/ رقم ١٢٢، وكتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده/ رقم ٣٢٧٨، وكتاب أحاديث الأنبياء/ رقم ٣٤٠١، وكتاب التفسير، باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ / رقم ٤٧٢٥، وباب ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ / رقم ٤٧٢٧، وكتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيا في الأيمان، ٦٦٧٢"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل/ رقم ٢٣٨٠"، وأبو داود في "السنن" "كتاب السنة، باب في القدر/ رقم ٤٧٠٧"، والترمذي في "الجامع" "أبواب التفسير، باب ومن سورة الكهف/ رقم ٣٢٤٩"، وأحمد في "المسند" "٥/ ١١٧"، والحميدي في "المسند" "رقم ٣٧١"، والطحاوي في "مشكل الآثار" "٤/ ١٩٩"، وابن حبان في "الصحيح" "٦١٨٧"، من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
وأخرجه أحمد "٥/ ١١٩"، والبخاري في "صحيحه" "كتاب الإجارة، باب إذا استأجر أجيرا على أن يقيم حائطا يريد أن ينقض/ رقم ٢٢٦٧، وكتاب الشروط، باب الشروط مع الناس في القول/ رقم ٢٧٢٨، وكتاب التفسير، باب ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ =стр. 624
فَائِدَتَهَا؛ كَانَ مَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى حُظُوظِ النَّفْسِ كَالصَّدَقَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْمُحْتَاجِ؛ فَهُوَ فِي التَّنَاوُلِ وَالِاسْتِعْمَالِ بِحُكْمِ الْخِيَرَةِ، فَإِنْ تَكَسَّبَ وَطَلَبَ حَاجَتَهُ مِنَ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ؛ صَارَ كَمَنْ تَرَكَ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِ وَتَكَسَّبَ فَرَجَعَ إِلَى الْعَزِيمَةِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ قَبِلَ الصَّدَقَةَ؛ فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْقَوْمَ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْأَسْبَابَ وَالْمُسَبَّبَاتِ، وَأَجْرَى الْعَوَائِدَ فِيهَا تَكْلِيفًا وَابْتِلَاءً، وَإِدْخَالًا لِلْمُكَلَّفِ تَحْتَ قَهْرِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، كَمَا وَضَعَ لَهُ الْعِبَادَاتِ تَكْلِيفًا وَابْتِلَاءً أَيْضًا، فَإِذَا جَاءَتِ الْخَارِقَةُ لِفَائِدَتِهَا الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا؛ كَانَ فِي ضِمْنِهَا رَفْعٌ لِمَشَقَّةِ التَّكْلِيفِ بِالْكَسْبِ، وَتَخْفِيفٌ عَنْهُ؛ فَصَارَ قَبُولُهُ لَهَا مِنْ بَابِ قَبُولِ الرُّخَصِ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ رَفْعًا لِمَشَقَّةِ التَّكْلِيفِ [بِالْكَسْبِ وَتَخْفِيفًا عَنْهُ] ١ فَمِنْ هُنَا صَارَ حُكْمُهَا حُكْمَ الرُّخَصِ وَمِنْ حَيْثُ كَانَتِ ابْتِلَاءً أَيْضًا فِيهَا شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ تَنَاوُلَ مُقْتَضَاهَا مَيْلٌ مَا إِلَى جِهَتِهَا، وَمِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْعَزَائِمِ فِي السُّلُوكِ عُزُوبُ أَنْفُسِهِمْ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، كَمَا كَانَتِ النِّعَمُ الْعَادِيَّةُ الِاكْتِسَابِيَّةُ ابْتِلَاءً أَيْضًا، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ جِهَةَ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ إِنَّمَا أَخَذُوهَا مآخذ
الحواشي
(١) = فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ / رقم ٤٧٢٦" من طريق ابن جريج، أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
وأخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب السنة، باب في القدر/ رقم ٤٧٠٥، ٤٧٠٦"، وابن حبان في "الصحيح" "٨/ ٣٨، ٦١٨٨"، والدارقطني في "المؤتلف والمختلف" "٢/ ٨٢٨"، والطحاوي في "مشكل الآثار" "٤/ ١٩٨ و١٩٩" من طريق أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به مختصرا.
وأخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب العلم، باب ما ذكر في ذهاب موسى ﵇ في البحر إلى الخضر/ رقم ٧٤، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ، وكتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى, ﵉/ رقم ٣٤٠٠" من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب به.
١ ما بين المعقوفتين سقط من "ط".стр. 625
الرُّخَصِ، كَمَا تَبَيَّنَ١ وَجْهُهُ، فَهَذَا مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ؛ فَتَأَمَّلْ كَيْفَ صَارَ قَبُولُ مُقْتَضَى الْخَوَارِقِ رُخْصَةً مِنْ وَجْهَيْنِ! فَلِأَجْلِ هَذَا لَمْ يَسْتَنِدُوا إِلَيْهَا، وَلَمْ يُعَوِّلُوا عَلَيْهَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، بَلْ قَبِلُوهَا٢ وَاقْتَبَسُوا مِنْهَا مَا فِيهَا مِنَ الْفَوَائِدِ الْمُعِينَةِ لَهُمْ عَلَى مَا هُمْ بِسَبِيلِهِ، وَتَرَكُوا مِنْهَا مَا سِوَى ذَلِكَ؛ إِذْ كَانَتْ مَعَ أَنَّهَا كَرَامَةٌ وَتُحْفَةٌ؛ تَضَمَّنَتْ تَكْلِيفًا٣ وَابْتِلَاءً.
وَقَدْ حَكَى الْقُشَيْرِيُّ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى:
فَرَوَى عَنْ أَبِي الْخَيْرِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ بِعَبَّادَانَ٤ رَجُلٌ أَسْوَدُ فَقِيرٌ يَأْوِي إِلَى الْخَرَابَاتِ٥؛ قَالَ: فَحَمَلْتُ مَعِي شَيْئًا وَطَلَبْتُهُ، فَلَمَّا وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَيَّ تَبَسَّمَ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ، فَرَأَيْتُ الْأَرْضَ كُلَّهَا ذَهَبًا تَلْمَعُ. ثُمَّ قَالَ: هَاتِ مَا مَعَكَ. فَنَاوَلْتُهُ وَهَالَنِي أَمْرُهُ وَهَرَبْتُ٦.
وَحُكِيَ عَنِ النُّورِيِّ أَنَّهُ خَرَجَ لَيْلَةً إِلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ؛ فَوَجَدَهَا وَقَدِ الْتَزَقَ الشَّطَّانِ، فَانْصَرَفَ وَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا أَجُوزُهَا إِلَّا فِي زَوْرَقٍ٧.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْبَصْرِيِّ؛ قَالَ: أَتَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلٍّ، فَقُلْتُ لَهُ: لَوْ سَأَلْتَ اللَّهَ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْكَ الرِّزْقَ لَرَجَوْتُ أَنْ يَفْعَلَ. فَقَالَ: رَبِّي أَعْلَمُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ، ثُمَّ أَخَذَ حَصًى مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ أَنْ تَجْعَلَهَا ذَهَبًا فَعَلْتَ، فَإِذَا هِيَ وَاللَّهِ فِي يده ذهب، فألقاها إلي
الحواشي
(١) ١ أي: في المسألة الأولى. "د".
٢ في "ط" زيادة "علما".
٣ كما يؤخذ من كلام عبد الرحمن بن زيد الآتي: "لا خير في الدنيا إلا للآخرة ... " فما حصل من التحفة يتضمن تكليفا جديدا في التصرف فيه واستعماله. "د".
٤ في النسخ المطبوعة: "بفناء داره"، والتصويب من الأصل و"الرسالة القشيرية".
٥ في "م" و"ط": "الخَرِبات"، وهو الجمع الصحيح لغة، وفي غيرهما: "الخرابات"، وكذا عند القشيري.
٦ "الرسالة القشيرية" "ص١٦٣".
٧ "الرسالة القشيرية" "ص١٦٤".стр. 626
وَقَالَ: أَنْفِقْهَا أَنْتَ؛ فَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِلْآخِرَةِ١.
بَلْ كَانَ مِنْهُمْ مَنِ اسْتَعَاذَ مِنْهَا وَمِنْ طَلَبِهَا، وَالتَّشَوُّفِ إِلَيْهَا، كَمَا يُحْكَى٢ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبَسْطَامِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَوَتْ عِنْدَهُ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْعَادَاتِ، مِنْ حَيْثُ شَاهَدَ خُرُوجَ الْجَمِيعِ مِنْ تَحْتِ يَدِ الْمِنَّةِ, وَوَارِدَةً مِنْ جِهَةِ مُجَرَّدِ الْإِنْعَامِ؛ فَالْعَادَةُ فِي نَظَرِ هَؤُلَاءِ خَوَارِقُ لِلْعَادَاتِ؛ فَكَيْفَ يَتَشَوَّفُ إِلَى خَارِقَةٍ، وَمِنْ٣ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَمِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ تَحْتِهِ مِثْلُهَا، مَعَ أَنَّ مَا لَدَيْهِ مِنْهَا أَتَمُّ فِي تَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ كَمَا مَرَّ فِي الشَّوَاهِدِ، وَعَدُّوا مَنْ رَكَنَ إِلَيْهَا مُسْتَدْرَجًا، مِنْ حَيْثُ كَانَتِ ابْتِلَاءً لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا آيَةً أَوْ نِعْمَةً.
حَكَى الْقُشَيْرِيُّ٤ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الشَّرَفِيِّ؛ قَالَ: "كُنَّا مَعَ أَبِي تُرَابٍ النَّخْشَبِيِّ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَعَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى نَاحِيَةٍ؛ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا٥: أَنَا عَطْشَانُ. فَضَرَبَ بِرِجْلِهِ الْأَرْضَ، فَإِذَا عَيْنُ مَاءٍ زُلَالٍ؛ فَقَالَ الْفَتَى: أُحِبُّ أَنْ أَشْرَبَهُ بِقَدَحٍ٦. فَضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ؛ فَنَاوَلَهُ قَدَحًا مِنْ زُجَاجٍ أَبْيَضَ كَأَحْسَنِ مَا رَأَيْتُ، فَشَرِبَ وَسَقَانَا، وَمَا زَالَ الْقَدَحُ مَعَنَا إِلَى مَكَّةَ؛ فَقَالَ لِي أَبُو تُرَابٍ يَوْمًا: مَا يَقُولُ أَصْحَابُكَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي يُكْرِمُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ؟ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا إِلَّا وَهُوَ يُؤْمِنُ بِهَا. فَقَالَ: مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا فَقَدْ كَفَرَ٧، إِنَّمَا سَأَلْتُكَ مِنْ طَرِيقِ الْأَحْوَالِ. فَقُلْتُ: مَا أَعْرِفُ لَهُمْ قَوْلًا فيه. فقال:
الحواشي
(١) ١ "الرسالة القشيرية" "ص١٧٠".
٢ "الرسالة القشيرية" "ص١٦٤".
٣ في "ط": "وما".
٤ في "الرسالة" "ص١٦٩".
٥ كذا في الأصل والنسخ الثلاث، وعند القشيري: "أصحابه".
٦ كذا في الأصل والنسخ الثلاث، وعند القشيري: "في قدح".
٧ لا يصح حمل الكفر على حقيقته؛ لأن المنكرين لخرق العادة على وجه الكرامة؛ كالمعتزلة، والإمام أبي إسحاق، والقشيري، والحليمي؛ هم من فرق الإسلام بإجماع. "خ".стр. 627
بَلْ قَدْ زَعَمَ أَصْحَابُكَ أَنَّهَا خُدَعٌ مِنَ الْحَقِّ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، إِنَّمَا الْخُدَعُ فِي حَالِ السُّكُونِ إِلَيْهَا، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْتَرِحْ ذَلِكَ وَلَمْ يُسَاكِنْهَا؛ فَتِلْكَ مَرْتَبَةُ الرَّبَّانِيِّينَ".
وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهَا فِي حُكْمِ الرُّخْصَةِ، لَا فِي حُكْمِ الْعَزِيمَةِ؛ فَلْيُتَفَطَّنْ لِهَذَا الْمَعْنَى فِيهَا؛ فَإِنَّهُ أَصْلٌ يَنْبَنِي عَلَيْهِ فِيهَا مَسَائِلُ: مِنْهَا أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ الْعَارِضَةِ لِلْقَوْمِ، وَالْأَحْوَالُ مِنْ حَيْثُ هِيَ أَحْوَالٌ لَا تُطْلَبُ بِالْقَصْدِ، وَلَا تُعَدُّ مِنَ الْمَقَامَاتِ، وَلَا هِيَ مَعْدُودَةٌ فِي النِّهَايَاتِ، وَلَا هِيَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَهَا بَالِغٌ مَبْلَغَ التَّرْبِيَةِ وَالْهِدَايَةِ، وَالِانْتِصَابِ لِلْإِفَادَةِ، كَمَا أَنَّ الْمَغَانِمَ فِي الْجِهَادِ لَا تُعَدُّ مِنْ مَقَاصِدِ الْجِهَادِ الْأَصْلِيَّةِ، وَلَا هِيَ دَلِيلٌ عَلَى بُلُوغِ النِّهَايَةِ، والله أعلم.
تم الجزء الأول
стр. 628
الاستدراكات:
* "استدراك١":
ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي "تَفْسِيرِهِ" "١/ ٢١٢، الْبَقَرَةِ: ١٧٣" وَقَالَ: "وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الطَّبَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِـ"أَلْكِيَا الْهَرَّاسِيِّ" رَفِيقُ الْغَزَالِيِّ فِي الِاشْتِغَالِ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا كَالْإِفْطَارِ لِلْمَرِيضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ".
* "اسْتِدْرَاكٌ٢":
كَذَا فِي "ط" وَ"النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ" "١/ ١٧١" لِابْنِ الْعَرَبِيِّ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: "رجاء الأبدية".
* "استدراك٣":
قُلْتُ: أَخْرَجَ سَبَبَ النُّزُولِ الْمَذْكُورَ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" "كِتَابِ التَّفْسِيرِ، بَابِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ ٨/ ١٨٦/ رَقْمِ ٤٥١٩"، وَأَبُو دَاوُدَ فِي "السُّنَنِ" "٢/ ٧٥"، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" "٢/ ٢٧٧"، وَابْنُ جَرِيرٍ فِي "التَّفْسِيرِ" "٢/ ٢٧٣"، وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, ﵄.
* "اسْتِدْرَاكٌ٤":
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرْغَبُونَ فِي النَّفِيرِ مَعَ
стр. 629
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَدْفَعُونَ مَفَاتِيحَهُمْ إِلَى ضُمَنَائِهِمُ -الضَّمِنُ: الزَّمِنُ الْمُبْتَلَى- وَيَقُولُونَ لَهُمْ: قَدْ أَحْلَلْنَا لَكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِمَّا أَحْبَبْتُمْ. فَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَنَا أَنَّهُمْ أَذِنُوا عَنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ ، رَوَاهُ الْبَزَّارُ في "مسنده" -كما في "كشف الأستار" "رقم ٢٢٤١"- وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ -كَمَا فِي "الْمَجْمَعِ" "٧/ ٨٣"- وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي "لُبَابِ النُّقُولِ": "سَنَدُهُ صَحِيحٌ"، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي "مُخْتَصَرِ زَوَائِدِ الْبَزَّارِ" "٢/ ٩٧/ رقم ١٤٩٠": "صحيح".
стр. 630
فهرس الموضوعات
الموضوع الصفحة
مقدمة المحقق
خطبة الحاجة ٥
التعريف بكتاب الموافقات ٨
المباحث التي أغفلوها فيما تكلموا عليه ١٢
السبب في عدم تداول الكتاب ١٦
مصادر الشاطبي وموارده في الكتاب ١٩
مدح العلماء وثناؤهم على الكتاب ٢٤
الجهود التي بذلت حول الكتاب وأثره في الدعوة الإصلاحية الحديثة ٣١
المحور الأول: مختصراته ٣٣
الثاني: دراسات عن الكتاب ومنهج الشاطبي فيه ٣٦
الرد على "المجددين"! المعاصرين والعقلانيين وبيان افتراءاتهم على الشاطبي "ت" ٤٢
المحور الثالث: طبعات الكتاب ٥٧
تقويم الطبعات التي وقفت عليها ٥٨
تحقيق اسم الكتاب ٦٤
الأصول المعتمدة في التحقيق ٦٥
عملي في التحقيق ٧٤
ملاحظاتي على مادة المصنف الحديثية ٧٦
ملاحظاتي على تخريج الأحاديث في طبعة الشيخ دراز ٧٨
стр. 631
الخلاصة ٨٠
ومن عملي في التحقيق أيضا ٨١
مقارنة بين مدرسة ابن تيمية والشاطبي "ت" ٨١
مسألة ... هل اجتمع الشاطبي بابن القيم أو شيخه ابن تيمية؟ ٨٢
ومن عملي في التحقيق أيضا ٨٤
الخاتمة ٨٥
نماذج من النسخ المعتمدة في التحقيق ٨٦
الموافقات
المقدمة ٣
حال الناس قبل بعثة النبي, ﷺ ٣
أهل الفترات ٤
الإجماع وعقيدة ختم النبوة ٤
الإجماع والقطع وموانع حصول القطع ٤
بعثة الأنبياء بلغة أقوامهم ٤
من فضائل النبي, ﷺ ٥
الأمانة التي حملها الإنسان ٥-٦
الأنبياء بعثوا لهداية الناس ٦
القرآن مدعو به، مدعو إليه ٦
تفاضل العلوم/ أفضل العلوم ٧
الصحابة الأعلم بالأصول والمقاصد ٧
تخريج حديث: "أنا النذير العريان" ٧
مدح المؤلف كتابه ٨
استقراء المؤلف للأصول الكلية للشرع ٩
أقسام كتاب الموافقات الخمسة ٩
المقدمات العلمية, الأحكام, مقاصد الشرع, الأدلة الشرعية, أحكام الاجتهاد
والتقليد ١٠
تسمية الكتاب بقصة طريفة
стр. 632
الحث على ترك التقليد والعادة وأمر المؤلف بالتفكر ١١-١٣
تخريج حديث: "إنما الأعمال بالنيات" ١٣
- القسم الأول: مقدمات المؤلف ١٥
المقدمة الأولى ١٧
أصول الفقه قطعية وهي:
الكليات المنصوصة في الأصلين والقوانين المستنبطة وهي الأدلة
إثبات ذلك بالاستقراء للأدلة الشرعية وإرجاع ذلك إلى الأصول العقلية ١٨
هل يوجد مخالفة حقيقية أو خلاف في أن أصول الفقه قطعية؟ ١٨
الفرق بين أصول الفقه، وعلم أصول الفقه ١٨
الاستقراء طريق إثبات شرعي ١٨-١٩
الأمر للوجوب ١٩
الظن في العقل وكليات الشريعة، وبالنسبة إلى الأشخاص ١٩
العادي مع العقلي والشرعي ١٩
حكم الفرع حكم الأصل ١٩
إثبات أن المبنى على القطعي ١٨
أولا: أنها ترجع إلى أصول عقلية أو شرعية أو عادية وهذا معروف بالاستقراء
ثانيا: الظن لا يقبل في العقليات ولا الكليات الشرعية ١٩
ثالثا: لَوْ جَازَ جَعْلُ الظَّنِّيِّ أَصْلًا فِي أُصُولِ الفقه جاز في أصول الدين ٢٠
معاني الضروريات والحاجيات والتحسينيات ٢٠
الأحكام التي تعد ظنية إذا كانت مبنية على أصل قطعي ٢١
الأصول عند الجويني ٢٢
معنى حفظ الذكر ٢٢-٢٣
الأصول والفرع والظن ٢٣
الرد على المصنف في مسألة قطعية الأصول ٢٤
تعريف أصول الفقه والقاعدة والأصل والفقه والأصولي والدليل الإجمالي ٢٤
المقدمة الثانية
المقدمات العلمية في الأصول قطعية، والتعقيب على المصنف فيها ٢٥
стр. 633
الوجوب والجواز والاستحالة من مباحث الأصول وقولهم الأمر للوجوب ليست من الأصول ٢٥
المقدمة الثالثة ٢٦
استعمال الأدلة العقلية في الأصول مرتبط مع الأدلة النقلية ٢٧
أخبار الآحاد والتواتر المعنوي واللفظي ٢٧
معنى القطع في دلالة الألفاظ ٢٨
الظن في المقدمات والأدلة ٢٨
استقراء الأدلة نوع من التواتر ٢٨
دلالات الأخبار مبنية على مقدمات ظنية كنقل اللغات وآراء النحويين ٢٨
الاستدلال على فرضية الصلاة باستقراء الأدلة أو بالإجماع مع اجتماع الأدلة ٢٩-٣٠
الضرورات الخمس ٣٠-٣١
أسباب اختلاف الظن ٣١
التمثيل بالصلاة وقتل النفس على أنهما من الأصول لا من الفروع باستقراء الأدلة٣١
حكمة الزكاة والحكومات والجهاد والأطعمة المحرمة المضطر إليها ٣١-٣٢
فصل
إلماحة المصالح المرسلة والاستحسان ٣٢
تعريف المصالح المرسلة
جمع المصحف وترتيب الدواوين ٣٢
بيع العرايا ٣٣
تقديم الاستحسان على أصول وعمومات أخرى عند مالك والشافعي ٣٣
فصل ٣٣
حجية الإجماع ظنية أم قطعية؟ ٣٥
المقدمة الرابعة
مسائل أصول الفقه لبناء فروع الفقه أو الآداب أو عونا عليها ٣٧
علوم ليست من أصول الفقه بل هي مما يحتاج إليه فيه ٣٧
ذكر أمثلة على ذلك ٣٧
стр. 634
القرآن عربي الأسلوب والخلاف في وجود كلمات أعجمية فيه ٣٩
فصل: خطأ فهم النصوص بالعقل لا بطريقة الوضع ٣٩-٤٠
خصال الكفارة والواجب المخير ٤٠
نقل عن حاشية المخطوط والتعقب عليه ٤٠
الجمع بين الأختين ٤١
مدخل الوجوب والتحريم هل هو الشرع أم العقل؟ ٤٠-٤١
مسائل الاعتقاد هل يبنى عليها عمل, ضمن أصول الفقه؟ ٤١
مسائل خصال الكفارة وإتلاف المحرمات والوطء نهار رمضان للكتابية من زوجها القادم من السفر ضمن أحكام تكليف الكفار بالفروع ٤١
المقدمة الخامسة ٤٣
عمل الجوارح والقلب/ المسائل التي لا ينبني عليها عمل ٤٣
المباح ٤٣
النظر في آيات الله ٤٣
السؤال عن الأهلة ٤٣
إتيان البيوت من أبوابها ٤٣-٤٤
تخريج أحاديثها ٤٤
سبب النزول الصحيح ٤٤
السؤال عن الساعة ٤٤
ذم الأسئلة ٤٥
تخريج أحاديث أخرى في ذم الأسئلة ٤٥
قصة بقرة بني إسرائيل ٤٥
تخريج حديثها ٤٥-٤٦
تخريج حديث السؤال عن الحج أهو لكل عام ٤٦
النهي عن قيل وقال ٤٧
حديث جبريل في الإيمان والإسلام ٤٧
الساعة وأماراتها ٤٧
أعظم الناس جرما وتخريج حديثه ٤٨
стр. 635
سؤال عمر عن الأبّ ٤٩
السؤال عن الروح ٤٩
حديث: أن الصحابة ملوا ملة ٥٠
حديث عمر مع صبيغ ٥١
تضعيف رفع القصة ٥١
حديث علي مع ابن الكواء ٥٢
فصل عن الإمام مالك في ذم السؤال ٥٣
ذم السؤال بالاستدلال منها أنها شغل عما يعني ٥٣
الفائدة ما شهد لها الشرع بذلك ٥٣
ومنها أن الشارع قد بين المصالح ٥٣
فتنة العالم والمتعلم ٥٣
منها أن هذا شأن الفلاسفة - وهو مذموم ٥٤
فضل العلم ٥٤
عصمة نساء النبي ﷺ من الزنى وخلاف بين اثنين من
مشايخ العصر ٥٤
تعلم كل علم فرض كفاية ٥٤
السحر والطلسمات ٥٤
حكاية يهودي فسر آية ٥٤
كتاب "كتب حذر منها العلماء" فيه تحذير من كتب السحر والشعوذة المنتشرة ٥٥
الرد على من قال تعلم كل علم فرض كفاية ٥٥
السلف لم يخوضوا في العلوم التي ليس تحتها عمل ٥٥
قصة صبيغ ٥٥
الدين الإسلامي أمته أمة أمية وهي العرب وهذه علوم ليست من علومها ٥٦
تخريج حديث نحن أمة أمية ٥٦
توضيح مناط فرض الكفاية في العلوم ٥٦
تعلم العرب للعلوم ٥٦
السحر وذمه ٥٧
الرد على الفريق الأول بأنه من التكلف فهم ما لا يتوقف فهم المعنى عليه ٥٧
следующие страницы →